النجعة في شرح اللمعة - ج1

- الشيخ محمد تقي التستري المزيد...
464 /
3

الجزء الأول

[مقدمة الشارح]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي ليس لأوّله بداية، و لا لآخره نهاية، الكافي من كلّ شي‌ء، و لا يكفي منه شي‌ء، الذي ليس لأحد عنه غنية، و هو غاية كلّ منية، الخبير بالضّمائر، و البصير بالسّرائر، الذي منّ علينا بالهداية، و لم يجعلنا من أهل الخلاف و الغواية. حمدا مبسوطا يعدّ كلّ حمد مختصرا في جنبه، ليكون وسيلة إلى سبق كلّ فضيلة.

و الصّلاة على محمّد المحمود، الفاتح في الوجود، و الخاتم في الرّسالة، المهذّب الكامل في النّبالة. و على عترته الطّاهرة الغرّ الميامين، الحافظين لمراسم الدّين.

ربّ اجعلني مستمسكا بحبلهم في الدّنيا و الآخرة، و اجعل أعداءهم مقنعة الرّؤوس بظهور الحجّة (عليه السلام) (1).

و بعد فقد كتبت أوّلا حواشي على اللّمعة و شرحه، ناقلا الأخبار من الوسائل، ثمّ بدّلته بشرح على اللّمعة مع النّظر إلى شرحه فيما فيه من زيادة أو نقصان، ناقلا الأخبار من نفس الكتب الأربعة و غيرها، لما رأيت في نقل‌

____________

(1) لما كان دأبنا في الكتاب عدم النقل عن غير قدماء الأصحاب لم نذكر في الديباجة في مقام البراعة سوى كتبهم: رسالة على بن بابويه، و هداية ابنه، و مستمسك المعاني، و مختصر الإسكافي، و مقنعة المفيد، و نهاية الشيخ و مبسوطه و خلافه، و مراسم الديلمي، و مهذب القاضي و كامله، و وسيلة ابن حمزة، و غنية ابن زهرة، و سرائر الحلي. (منه)

4

الوسائل و كذا الوافي ما فيهما من الأوهام كما ستقف عليها في المطاوي، راعيا فيه الجمع بين الأخبار و أقوال القدماء، و سمّيته ب‍ «النّجعة في شرح اللّمعة» (1).

فإنّ ذلك هي الطّريقة الحسنى و الجادّة الوسطى، كما لا يخفى على اولي النّهى، فإنّهم (عليهم السلام) قالوا لمن سألهم عن تكليفه في الخبرين المختلفين المرويّين عنهم: «خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشّاذّ النّادر»، و يأتي في استحباب تقديم الرّجل اليسرى عند الدّخول في الخلاء و اليمنى عند الخروج عدم نصّ فيه مع اتّفاق القدماء عليه، فلا بدّ أنّه كان عندهم نصّ، فلا يقولون إلّا عن نصّ، لا سيّما ابن بابويه الأوّل الذي جعل ابنه فتاويه بمنزلة النّصوص.

و يأتي في حكم عرق الجنب من الحرام أنّ قول القدماء فيه حجّة و لو لم نقف لهم على نصّ فكيف إذا وجد، و كذا في مسألة وقوع الحدث في أثناء الغسل، و كذا في مسألة غسل إناء المسكر سبعا فلم يك ببال الشّيخ فيه في عنوانه نصّ فاستدلّ له بما لا يدلّ عليه و إن كان فيه، و إن كان رواه بعد في الذّبائح و الا طعمة. و كذا في تذكّر زيادة الرّكوع قبل رفع الرّأس منه و بعده بالبطلان في الأخير دون الأوّل مع عدم وقوفنا فيه على نص، فيكفينا فيه إفتاء القدماء فيه لا سيّما مثل الكلينيّ، لكنّ ذلك منهم في من لا يراجع أخبار العامّة كالنّاصريّات في «من أمّ بغير طهارة» و الخلاف في كثير من فتاويه، و كذا المبسوط، و منها في أقسام صلاة الخوف فلا حجّيّة فيها.

كما أنّ فهمهم حجّة، فقالوا في خبر زرارة و الفضيل، عن أحدهما (عليهما السلام):

«النّفساء تكفّ عن الصّلاة أيّام أقراءها الّتي كانت تمكث فيها، ثمّ تغتسل و تصلّي كما تغتسل المستحاضة»: أنّ المراد من الأقراء العشرة ردّا على العامّة القائلين بالأكثر، فلا وجه لقول العلّامة و من تأخّر بحمله على ظاهره، فان القدماء لقرب عهدهم أبصر بمقاصدهم.

____________

(1) في الصحاح: «النجعة: طلب الكلاء في موضعه».

5

و أحيلك من وصفه على المشاهدة، و من نعته على المعاينة، فإن وافق الخبر الخبر فمن مننه جلّ و علا، و إن تكن الأخرى فإنّ الإنسان خلق في أوّل خلقه جاهلا، و ما أوتي بعده من العلم إلّا قليلا.

[مقدمة الشهيد الأول]

(بسم اللّه الرحمن الرحيم)

قال الشارح: «الباء للملابسة أو للاستعانة».

أقول: الأظهر الثّاني، فروى المعاني عن محمّد بن زياد، و محمّد بن سيّار عن العسكريّ (عليه السلام) قال: «تقول: بسم اللّه، أي أستعين على أموري كلّها باللّه الذي لا يحقّ العبادة إلّا له». و أمّا قوله تعالى «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» فلا ينافيه.

قال الشارح: «و إضافة «الاسم» إلى «اللّه» تعالى دون باقي أسمائه لأنّها معان و صفات».

قلت: قال الصّوليّ: «اللّه» اسم خاصّ للمعبود- جلّ و علا- لا يسمّى به سواه، قال تعالى «هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا» قال المفسّرون: لا يعلم من تسمّى «اللّه» إلّا اللّه- عزّ و جلّ.

قال الشارح: «و في التّبرّك بالاسم أو الاستعانة به كمال التّعظيم للمسمّى، فلا يدلّ على اتّحادهما بل ربّما دلّت الإضافة على تغايرهما».

قلت: قد يراد ب‍ «اللّه» اللّفظ فيكون عين الاسم، تقول: «اللّه اسم» و مرّ قول الصّوليّ: «اللّه اسم خاصّ للمعبود».

و قد يراد به المعنى، تقول: «افعل ذلك باسم اللّه» كما تقول: «اكتب الكتاب باسم زيد». و لا ريب أنّ الثّاني هو المراد في «بسم اللّه».

ثمّ اختلف في الاسم هل هو من السّمو بمعنى العلوّ، أو السّمة بمعنى العلامة؟ الصّواب الأوّل كما حقّقه الصوليّ في أدب كتّابه، لأنّ تصغيره‌

6

«سميّ»، و لو كان من السّمة لكان تصغيره «وسيمة» كما أنّ «صلة» و «عدة» و «زنة» تصغيرها: «وصيلة» و «وعيدة» و «وزينة». و يشهد أيضا لكونه من السّمو جمعه ب‍ «أسماء» مثل «حنو»: «أحناء» و «قنو»: «أقناء». و بالجملة هو من الناقص، و وزنه «افع» لا من المثال و وزنه «سمة».

و أمّا خبر ابن فضّال: «معنى بسم اللّه: أسم على نفسي سمة من سمات اللّه، و السّمة العلامة» فخبر ضعيف غير صحيح.

و أمّا لفظ الاسم، فقال الصّوليّ: حكى أبو زيد أنّ العرب تقول: «هذا اسم و سم و سم» و أنشد: «باسم الذي في كلّ سورة سمة»، و يروى «سمة»، قال: و إنّما ضمّوا السّين و كسروها لأنّ «سموت» و «سميت» بمعنى ارتفعت و علوت، فمن قال «سم» فكسر فمن «سميت»، و من قال «سم» فضمّ فهو من «سموت». قلت: و من جعله بالكسر فأصله مثل «جذع و أجذاع»، و من جعله بالضّمّ فأصله مثل «قفل و أقفال».

قال الشارح: «و الرحمن و الرحيم» اسمان بنيا للمبالغة كالغضبان من «غضب» و العليم من «علم»، و الأوّل أبلغ لأنّ زيادة اللّفظ تدلّ على زيادة المعنى، و مختصّ به تعالى، لا لأنّه من الصّفات الغالبة لأنّه يقتضي جواز استعماله في غيره تعالى بحسب الوضع و ليس كذلك، بل لأنّ معناه:

المنعم الحقيقيّ البالغ في الرّحمة غايتها. و تعقيبه ب‍ «الرّحيم» من قبيل التّتميم، فإنّه لمّا دلّ على جلائل النّعم و أصولها ذكر «الرّحيم» ليتناول ما خرج منها».

قلت: «الرّحمن» و «الرّحيم» بنيا للمبالغة من «راحم» من «رحم»، و مثل «رحم» في بناء ثلاثة أوصاف منه «سلم» و «ندم»، يقال: «سالم و سلمان و سليم، و نادم و ندمان و نديم».

و ما قاله من كون «الرّحمن» أبلغ لزيادة لفظه، غير معلوم، فلم يقولوا ذلك في «سلمان» و «ندمان»، و إنّما «الرّحمن» كالاسم له تعالى لا يجوز‌

7

إطلاقه على غيره دون «الرّحيم» فيجوز، قال تعالى «قُلِ ادْعُوا اللّٰهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمٰنَ أَيًّا مٰا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ» (1).

(اللّه أحمد استتماما لنعمته، و الحمد فضله، و إياه أشكر استسلاما لعزّته، و الشكر طوله، حمدا و شكرا كثيرا كما هو أهله)

روى ثواب الأعمال عن زيد الشّحّام، عن الصّادق (عليه السلام) «من قال:

«الحمد للّه كما هو أهله» شغل كتّاب السّماء، قلت: و كيف يشغل كتّاب السّماء؟ قال: يقولون: اللّهمّ إنّا لا نعلم الغيب، فيقول: اكتبوا كما قال عبدي، و عليّ ثوابها». و نسبه الشّارح إلى الرّواية عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

قال الشارح: أخذ المصنّف قوله: «استتماما لنعمته» من كلام عليّ (عليه السلام) في بعض خطبه. قلت: أخذه من الثّانية من خطب نهج البلاغة، و لم ينحصر الأخذ به، فأخذ قوله: «استسلاما لعزّته» أيضا من ثمّة.

(و أسأله تسهيل ما يلزم حمله).

روى الكافي (في 4 من أخبار باب فرض العلم) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «أيّها النّاس، اعلموا أنّ كمال الدّين طلب العلم و العمل به، ألا و إنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إنّ المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم، و ضمنه، و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله، و قد أمرتم بطلبه من أهله، فاطلبوه».

و روي في آخره: «إنّ رجلا قال للصّادق (عليه السلام): رجل عرف هذا الأمر لزم بيته و لم يتعرّف إلى أحد من إخوانه؟ فقال: كيف يتفقّه هذا في دينه؟».

(و تعليم ما لا يسع جهله).

روى الكافي (في 3 من باب فرض العلم) «سئل أبو الحسن- أي الكاظم- (عليه السلام): هل يسع النّاس ترك المسألة عمّا يحتاجون إليه؟ فقال: لا». ثمّ التعبير ب‍ «تعليم» كما ترى فالمناسب هنا «تعلّم».

____________

(1) الاسراء: 110.

8

(و أستعينه على القيام بما يبقى أجره).

قال- جلّ و علا-:

«مٰا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ بٰاقٍ» (1).

(و يحسن في الملاء الأعلى ذكره)

روى الكافي (في 6 من أخبار باب ثواب العالم) عن الصّادق (عليه السلام) «من تعلّم العلم، و عمل به، و علّم للّه، دعي في ملكوت السّماوات عظيما، فقيل: تعلّم للّه، و عمل للّه، و علّم للّه».

و الملإ الأعلى لفظ القرآن، و فسّر بالملائكة.

(و ترجى مثوبته و ذخره).

روى الكافي في 3 ممّا مرّ عن الصّادق (عليه السلام): «من علّم خيرا فله مثل أجر من عمل به».

و في 4 منه عن الباقر (عليه السلام) «من علّم باب هدى فله مثل أجر من عمل به، و لا ينقص أولئك من أجورهم شيئا، و من علّم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به، و لا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا».

(و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له)

: قال اللّه تعالى «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلَّا اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا (2)». و قال تعالى «لٰا تَتَّخِذُوا إِلٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمٰا هُوَ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ» (3).

(و أشهد أن محمّدا نبي أرسله)

و جعله خاتم أنبيائه. قال الشارح:

«النّبي‌ء- بالهمز- من النّبإ و هو الخبر، لأنّ النّبيّ مخبر عن اللّه تعالى، و بلا همز- و هو الأكثر- إمّا تخفيفا من المهموز بقلب همزته ياء، أو أنّ أصله من النّبوة- بفتح النّون و سكون الباء- أي الرّفعة، لأنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مرفوع الرّتبة على غيره من الخلق».

قلت: جواز إطلاق النّبيّ- بالهمز- عليه (صلّى اللّه عليه و آله) غير معلوم، فروي أنّ أعرابيا قال له: يا نبي‌ء اللّه- بالهمز- فأنكره عليه و قال: «تنبز باسمي فإنّما أنا نبيّ اللّه».

____________

(1) النحل: 96.

(2) الأنبياء: 22

(3) النحل: 55.

9

و وجه كونه نبزا أنّ معنى النّبي‌ء- بالهمز- خرج من أرض إلى أرض، فإن قيل: إنّ وجه نهيه أنّ الأعرابيّ أراد بما ذكر كونه خارجا من مكّة إلى مدينة- كما قال القاموس- فلا يدلّ على النّهي على الإطلاق. قلت: حصره (صلّى اللّه عليه و آله) اسمه في «نبيّ اللّه»- بلا همز- ينافي ذلك.

و أما قوله: «إمّا تخفيفا من المهموز بقلب همزته ياء» فغير معلوم أيضا صحّته، ففي كتاب ألفاظ الهمدانيّ: قال ثعلب: إنّ أربعة أشياء أصلها الهمز و لا تهمز: «الرّويّة» من «روّأت في الأمر»، و «البريّة» من «برأت»، و «الذّريّة» من «ذرأت»، و «النّبيّ» من «نبأت». فإنّ مقتضى كلامه أنّ مع مهموزيّته يجب كونه بلا همز.

و أما قوله: «أو أنّ أصله من النّبوة- إلخ»، ففي لفظه أنّه كان عليه أن يقول: «و إمّا أنّ أصله» لأنّ استعمال «إمّا» في كلام يستلزم تكراره، قال تعالى «إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً» (1). كما أنّه إذا لم يكن تخفيفا من المهموز لا يلزم أن يكون من النّبوة، فيمكن من «النّبإ» بمعنى الطّريق.

قال الحمويّ: قال الكسائيّ: النبيّ، الطّريق، و الأنبياء طرق الهدى، و قال ابن الأنباريّ في قول القطاميّ:

لمّا وردن نبيّا و استتبّ بنا * * *مسحنفر كخطوط الشّيخ منسحل

النّبي: الطّريق.

و قوله: «من النّبوة أي الرّفعة» الظّاهر أنّ النبوّة ليست بمعنى مطلق الرّفعة بل مكان مرتفع. قال ابن السّكّيت و ابن دريد- كما في المعجم- في قول أوس بن حجر:

لأصبح رتما دقاق الحصى * * *مكان النّبيّ من الكاثب

النّبيّ: المكان المرتفع، و الكاثب: الرّمل المجتمع.

ثمّ إنّ قول العبّاس بن مرداس في خطاب النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

____________

(1) الإنسان ج 3.

10

يا خاتم النّبئاء إنّك مرسل * * *بالحقّ كلّ هدى السّبيل هداكا

دالّ على أنّ الأصل في النّبيّ الهمز.

قال الشارح: «سمّي نبيّنا «محمّد» إلهاما من اللّه تعالى، و تفألا بأنّه يكثر حمد الخلق له لكثرة خصاله الحميدة».

قلت: قد قلّبته حمّالة الحطب ب‍ «مذمّم» فقالت:

«مذمّما قلينا * * *و دينه أبينا»

قال الشارح: «نبّه المصنّف بقوله «أرسله» على جمعه بين النّبوّة و الرّسالة، و الأوّل أعمّ مطلقا لأنّه إنسان أوحى إليه بشرع و إن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بذلك فرسول أيضا، أو أمر بتبليغه و إن لم يكن له كتاب، أو نسخ لبعض شرع من كان قبله كيوشع، فان كان له ذلك فرسول أيضا. و قيل:

هما بمعنى واحد و هو معنى الرّسول».

قلت: الشّقّ الثّاني ممّا اختاره في بيان الفرق و القول الذي نقله أخيرا كلاهما باطل. أمّا الأوّل فلقوله تعالى بعد حكاية كلّ من هود و صالح و لوط و شعيب نقلا عنهم قولهم لقومهم «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ»* (1)، و لقوله تعالى في إسماعيل صادق الوعد «وَ كٰانَ رَسُولًا نَبِيًّا» (2)، و في إلياس:

وَ إِنَّ إِلْيٰاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» (3)، و في يونس «وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» (4) فوصف هؤلاء السّبعة بالرّسالة مع أنّه لم يعلم أنّهم كانوا ذوي كتاب، أو نسخ لبعض شرع من قبلهم.

و أمّا الثّاني فلقوله تعالى «وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لٰا نَبِيٍّ» (5) و لو كانا بمعنى واحد لما عطف «نبيّ» على «رسول» لأنّه لا معنى لعطف الشّي‌ء على نفسه، مع أنّه خلاف الإجماع، قال شيخنا المفيد: «اتّفقت‌

____________

(1) الشعراء: 107، 125، 143، 162، 178.

(2) مريم: 54.

(3) الصافات: 123.

(4) الصافات: 139.

(5) الحج: 52.

11

الإماميّة على أنّ كلّ رسول نبيّ، و ليس كلّ نبيّ رسول».

و قال ابن قتيبة: «المرسل من الأنبياء ثلاثمائة و خمسة عشر». و روى الصّدوق عن أبي ذرّ كون المرسل منهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر. و في خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى «وَ كٰانَ رَسُولًا نَبِيًّا»* ما الرّسول، و ما النّبيّ؟ قال: النّبيّ الذي يرى في منامه، و يسمع الصّوت، و لا يعاين الملك، و الرّسول الذي يسمع الصّوت، و يرى في المنام، و يعاين الملك».

و بمضمونه خبران آخران.

(و على العالمين اصطفاه)

كباقي أنبيائه، قال تعالى «إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرٰاهِيمَ وَ آلَ عِمْرٰانَ عَلَى الْعٰالَمِينَ» (1).

(و فضّله عليهم)

فهو المصطفى من المصطفين، و لذا خصّ بلقب «المصطفى» كما خصّ بكونه «خاتم النّبيّين».

(صلّى اللّه عليه)

قال تعالى «إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (2).

(و على آله)

و هم أمير المؤمنين (عليه السلام)، و سيّدة نساء العالمين، و أحد عشر المعصومون من ذرّيّتهما (عليهم السلام). فآل الشّخص خواصّه، و ليس خواصّه (صلّى اللّه عليه و آله) غيرهم، هما و الحسنان (عليهما السلام) حقيقة، و الباقون حكما، بخلاف الأهل فهو أعمّ، قال تعالى «إِلّٰا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنٰاهُمْ بِسَحَرٍ» (3)، و لم يستثن، و قال بعد قوله له «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ»: و «لٰا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ» (4).

و في المصباح: «أصل «الآل» عند بعض «أول» تحرّكت الواو و انفتح ما قبلها فقلبت ألفا مثل «قال»- إلى أن قال- و قال بعضهم: أصل «الآل» «أهل»، لكن دخله الإبدال، و استدلّ عليه بعود الهاء في التّصغير فيقال:

أهيل».

____________

(1) آل عمران: 33.

(2) الأحزاب: 56.

(3) القمر: 34.

(4) هود: 81.

12

قلت: الصّواب الأوّل، و «اهيل» تصغير «الأهل» لا «آل»، و صرّح في القاموس بكون تصغير «آل» «اويل».

(الّذين حفظوا ما حمله، و عقلوا عنه [(صلّى اللّه عليه و آله)] ما عن جبرئيل عقله)

و لقد قال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لأمير المؤمنين (عليه السلام)- كما في خطبته القاصعة «إنّك تسمع ما أسمع، و ترى ما أرى إلّا أنّك لست بنبي و لكنّك لوزير» و قالوا (عليهم السلام) «ما يقوله آخرنا يقوله أوّلنا، و ما يقوله أوّلنا يقوله عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن جبرئيل، عنه عزّ و جلّ».

(قرن بينهم و بين محكم الكتاب)

حيث قال رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) في المتواتر: «إنّي تارك فيكم الثّقلين، كتاب اللّه و عترتي، و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

(و جعلهم قدوة لاولى الألباب)

فجعلهم كنفسه و رسوله في قوله جلّ و علا «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّٰهِ هُمُ الْغٰالِبُونَ» (1).

(صلاة دائمة بدوام الاحقاب)

أي الدّهور، و المراد أبد الآباد، كما في قوله جلّ و علا «لٰابِثِينَ فِيهٰا أَحْقٰاباً» (2).

(أما بعد، فهذه اللّمعة الدمشقية)

أي ما لمع و برق من دمشق. و في الأساس: و معه لمعة من العيش: ما يكتفي به.

قال عديّ‌

تكذب النّفوس لمعتها * * *و تعود بعد آثارا

أي يذهب عنها العيش، و يرجع آثارا و أحاديث.

و لو كان قال: «لمعة دمشقيّة» كان أولي لعدم معهوديّتها، بل قوله:

«فهذه» و قوله: «الدّمشقيّة» كما ترى.

فاللّمعة اسم كتابه و الكتاب مذكّر، اللّهمّ الّا أن يقال: إنّه لم يرد‌

____________

(1) المائدة: 56.

(2) النبإ: 23.

13

الاسم العلميّ و إنّما صار بعد علما بالغلبة كابن عبّاس لعبد اللّه.

(في فقه الإمامية)

القائلين بالأئمّة الاثني عشر- (عليهم صلوات اللّه) الملك الأكبر.

(إجابة لالتماس بعض الدّيّانين)

أي المتديّنين.

قال الشارح: «هو شمس الدّين محمّد الآوي من أصحاب السّلطان عليّ بن مؤيّد ملك خراسان و ما والاها في ذلك الوقت إلى أن استولى على بلاده «تيمور لنك» فصار معه قسرا إلى أن توفّى في حدود سنة خمس و تسعين و سبعمائة بعد أن استشهد المصنّف- (قدّس سرّه)- بتسع سنين، و كان بينه و بين المصنّف- (قدّس سرّه)- مودّة و مكاتبة على البعد إلى العراق ثمّ إلى الشّام، و طلب منه أخيرا التوجّه الى بلاده في مكاتبة شريفة أكثر فيها من التّلطّف و التّعظيم و الحثّ للمصنّف (ره) على ذلك، فأبى و اعتذر إليه، و صنّف له هذا الكتاب بدمشق في سبعة أيّام لا غير، على ما نقله عنه ولده المبرور أبو طالب محمّد، و أخذ شمس الدّين الآوي نسخة الأصل و لم يتمكّن أحد من نسخها منه لضنّته بها، و إنّما نسخها بعض الطّلبة، و هي في يد الرّسول تعظيما لها، و سافر بها قبل المقابلة فوقع فيها بسبب ذلك خلل، ثمّ أصلحه المصنّف بعد ذلك بما يناسب المقام، و ربّما كان مغايرا للأصل بحسب اللّفظ، و ذلك في سنة اثنتين و ثمانين و سبعمائة. و نقل عن المصنّف- (رحمه اللّه)- أنّ مجلسه بدمشق في ذلك الوقت ما كان يخلو غالبا من علماء الجمهور لخلطته بهم و صحبته لهم. قال:

فلمّا شرعت في تصنيف هذا الكتاب كنت أخاف أن يدخل عليّ أحد منهم فيراه، فما دخل عليّ أحد منذ شرعت في تصنيفه إلى أن فرغت منه، و كان ذلك من خفيّ الألطاف، و هو من جملة كراماته- قده-».

(حسبنا اللّه و نعم المعين)

قال الشارح: «و نعم المعين» عطف امّا على جملة «حسبنا اللّه» بتقدير المعطوفة خبريّة بتقدير المبتدأ مع ما يوجبه أي «مقول في حقّه ذلك» أو بتقدير المعطوف عليها إنشائيّة، أو على خبر‌

14

المعطوف عليها خاصّة، فتقع الجملة الإنشائيّة خبر المبتدأ فيكون عطف مفرد متعلّقه جملة إنشائيّة، أو يقال: انّ الجملة الّتي لها محلّ من الإعراب لا حرج في عطفها كذلك، أو تجعل الواو معترضة لا عاطفة، مع أنّ جماعة من النّحاة أجازوا عطف الإنشائيّة على الخبريّة و بالعكس».

قلت: قال ما قال لأنّه زعم أنّ «نعم المعين» جملة إنشائيّة، مع أنّه ليس كذلك، فان «نعم» و «بئس» ليسا للإنشاء بل للأخبار كسائر الأفعال الماضية، و انّما هما غير متصرّفين، فان معنى «نعم الرّجل زيد» هو الاخبار عن كونه رجلا حسنا، كقولك: «حسن زيد»، و معنى «بئست المرأة هند» هو الاخبار عن كونها قبيحة، كقولك: «قبحت هند».

و أيضا يمكن أن يصدّق القائل بهما و أن يكذّب، فيصحّ أن يقال لمن قال: «نعم الرّجل زيد»: صدق أو كذبت، و هو شاهد كونه خبرا.

و أيضا فالوجدان يشهد بأنّ قول «حسبنا اللّه و نعم المعين» هو الاخبار عن كونه تعالى معينا حسنا ككونه معينا كافيا.

و ممّا يوضح كون «و نعم المعين» خبرا قوله تعالى «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» (1). فإنّه قطعا إخبار عن كون إبداء الصّدقات ذا حسن في حدّ ذاته و إخفائها أحسن منه، فان «فنعمّا» في معنى «حسن» كما أنّ «خير» في معنى «حسن» و «أحسن» خبر «ان» جزما.

فان قيل: انّ معنى كون «نعم» و «بئس» للإنشاء، انّه ينشأ بهما المدح و الذّمّ. قلت: هذا تخليط، فان لازم إخبارك عن حسن رجل أو قبحه إنشاء مدحه أو ذمّه، و المعتبر في الإنشاء و الاخبار أصل المفاد لا لازمه، فان قولك: «مدحت فلانا و ذممت فلانا» خبر قطعا مع أنّ لازمه أنّك أنشأت مدحا أو ذمّا، و حينئذ فما اشتهر من أنّ هذين الفعلين للإنشاء ممّا لا أصل‌

____________

(1) البقرة: 271.

15

له. و الظّاهر أنّ منشأ الوهم تعبير الأوّل بكونهما لإنشاء المدح و الذّمّ، فتوهم الثّاني أنّ المراد الإنشاء الاصطلاحيّ.

و الأصل في استعمال مثل لفظ المصنّف القرآن، ففي 172 من آل عمران:

«وَ قٰالُوا حَسْبُنَا اللّٰهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ».

ثم قوله: «أو بتقدير المعطوف عليها إنشائيّة» كما ترى، فلم يقل أحد بأنّ قولهم «حسبي فلان» يجي‌ء للإنشاء، كقوله بجعل الواو غير عاطفة.

و قوله «أو على خبر المعطوف عليها» تعبيره كما ترى، فكان عليه أن يقول: «أو على خبر الجملة» فإنّه إذا جعل المعطوف عليه الخبر فقط لا يصدق على جملة الجملة كونها معطوفا عليها. و قوله: «بتقدير المبتدأ مع ما يوجبه أي مقول في حقّه ذلك» أيضا كما ترى.

(و هي مبنية على كتب)

أوّلها الطّهارة، و آخرها الدّيات على ما فعل الشّيخ في كتابي خبره و كتب فقهه، قال في آخر الاستبصار: «قد أجبتكم إلى ما سألتم من تجريد الأخبار المختلفة و ترتيبها على ترتيب كتب الفقه الّتي أوّلها كتاب الطّهارة، و آخرها كتاب الدّيات» و الأصل فيه مقنعة المفيد. و الفقيه جعل آخرها الميراث و إن ذكر بعده بابا للنّوادر. و الكافي جعل آخرها كتاب الأيمان و النّذور و الكفّارات، و جعله الفقيه قبل نكاحه، و جعله التّهذيب بعد مكاتبه، و الاختلاف بينها في باقي الكتب قليل، و لكن الوافي اخترع لنفسه طريقة وعرة.

و قوله: «و هي مبنيّة» فيه ما مرّ.

قال الشارح: «كتاب» فعال من الكتب- بالفتح- و هو الجمع، سمّي به المكتوب المخصوص لجمعه المسائل المتكثّرة. قلت: من قال: إنّ الكتب بمعنى الجمع استند إلى قولهم: «كتبت البغلة» إذا جمعت بين شفريها بحلقة أو سير، و من قال: «كتبت البغلة»- بالتّاء المثنّاة- استند إلى قول سالم بن داود الغطفانيّ في فزارة‌

16

لا تأمننّ فزاريّا خلوت به * * *على قلوصك و اكتبها بأسيار

و من أين أنّه لم يكن «و اكثبها» بالثّاء المثلّثة، فقرء «و اكتبها» بالمثنّاة؟ و الكثب: الجمع، ففي الصّحاح في «كثب» بالمثلثة: «كثبت الشّي‌ء أكثبه كثبا» إذا جمعته. و «انكثب الرّمل» أي اجتمع. و كلّ ما انصبّ في شي‌ء فقد انكثب فيه، و منه سمّي الكثيب من الرّمل، لأنّه انصبّ في مكان فاجتمع فيه و كلّ شي‌ء جمعته من طعام أو غيره بعد أن يكون منه قليلا فهو كثبه.

و من أين أنّ الأصل في الكتب ليس الكتابة الّتي منّ اللّه تعالى بها على الإنسان كما منّ عليه بالبيان فقال «وَ الْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ» (1) كما قال «خَلَقَ الْإِنْسٰانَ. عَلَّمَهُ الْبَيٰانَ» (2)؟! و أيّ معنى للجمع في قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (3) و في قوله جلّ و علا «وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ الصّٰالِحُونَ» (4)؟! و لم لا نضع الكتب في اللّغة العربيّة- الّتي أوسع لغات العالم قديمها و حديثها- للكتابة الّتي وصلت الأزمنة آخرها بأوّلها، و الأمكنة شرقها بغربها، و نخصّه بمعنى لا ينطبق إلّا على كتاب ألّف مع التّكلّف؟!

____________

(1) القلم: 1.

(2) الرحمن: 3، 4.

(3) البقرة: 183.

(4) الأنبياء: 105.

17

[كتاب الطّهارة]

[و ينبغي تقديم أمور]

(كتاب الطّهارة)

قال الشّارح: «الطّهارة مصدر «طهر»- بضمّ العين و فتحها- و الاسم «طهر»- بالضمّ».

قلت: كون «طهر»- بالضمّ و الفتح- قاله الجوهريّ و تبعه من بعده.

و المفهوم من ابن دريد كونه بالضمّ فقط فقال: «طهر الرّجل طهارة فهو طاهر، و هذا من أحد الحروف الّتي جاءت على فعل فهو فاعل مثل فره فهو فاره، و حمض فهو حامض، و مثل فهو ماثل، و قد قالوا مثل». و لم يذكر فتحا في «طهر» و أخواته إلّا في «مثل». ثمّ «طهر» و لو قلنا بجواز فتحه فعل لازم و مثله مصدره «طهارة». فقولهم «كتاب الطّهارة» مريدين به الوضوء و الغسل و التيمّم غير صحيح فإنّ الطّهارة هي نقاء المرأة من الحيض كالطّهر قال تعالى «وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ في المحيض حَتّٰى يَطْهُرْنَ» فالصّواب أن يقال:

«كتاب الطّهور» أي ما يتطهّر به من الحدث و الخبث، أو «كتاب التطهّر» فقال تعالى «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» و هو يشمل الوضوء و التيمم، و قال جلّ و علا «إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» نزلت في أنصاري استنجى بالماء و كانوا يستنجون بالأحجار.

و ليس في كتب الصّدوق فقيهه و مقنعه و هدايته «كتاب طهارة» و ليس في صحيحي مسلم و البخاريّ أيضا، و لم نقف في كتاب لغة على من يقول الطّهارة يجي‌ء بمعنى التطهير سوى مصباح الفيّوميّ و لا عبرة به، فقاله استنادا إلى قول المتأخّرين في الكتب الفقهيّة، و قد كتب كتابه في بيان لغات شرح الرّافعيّ لوجيز الغزاليّ، و قال في أوّله: «سمّيته ب «المصباح المنير في في غريب الشّرح الكبير». و كذلك لم نقف في خبر على التعبير بالطّهارة عن الحدث أو الخبث، و لكن جرينا في تعبيراتنا بعد على حذوهم ففي المقنعة «باب الطّهارة من الأحداث» و كذا من بعده.

18

[الطّهارة لغة و شرعا]

(و هي لغة النظافة و شرعا استعمال طهور مشروط بالنيّة)

قال الشّارح: «بناء على ثبوت الحقائق الشّرعيّة». قلت: قد عرفت ما في استعمال أصل الطّهارة في ما قالوا فلا مجال لفرعه و الصّواب كونه حقيقة متشرّعة كما مرّ من جري المفيد و من بعده عليه.

ثمّ الظاهر أنّ مراد المصنّف مطلق الطّهارات المبيحة و غير المبيحة تبعا للحلّيّ، فيسقط ما ردّده الشّارح في المبيح و غير المبيح، كما أنّ الظّاهر أنّ مراده المشروط بالأصالة، فيسقط ما أورده عليه من النّقض على طرده بأبعاض كلّ واحد من الطّهارات الثّلاث، و بما لو نذر تطهير الثّوب أو البدن ناويا، مع أنّ نذر تطهير أحدهما ناويا بلا معنى فمع فرض مشروعيّة هذا النذر لو نسي نجاسته و غسله بلا نيّة تحصل طهارته و يسقط محلّ نذره.

و ما ذكره من أنّه مع ما أورده عليه من أجود التّعريفات لكثرة ما يرد عليها من النّقوض غير معلوم بل الأجود ما ذكره المبسوط، فقال: «و الطّهارة في الشّريعة عبارة عن إيقاع أفعال في البدن على وجه مخصوص يستباح بها الدخول في الصّلاة» و تبعه الحليّ إلّا أنّه أسقط منه قيد «يستباح بها الدّخول في الصّلاة» زعما منه أنّ ذاك القيد يوجب انتقاضه بإزالة النّجاسة عن ثوب المصلّي و بدنه لأنّه لا يجوز أن يستبيح الصّلاة إلّا بعد إزالتها و بوضوء الحائض و هو طهارة شرعيّة، و هو زعم باطل لأنّ المراد ما يكون وجوده موجبا لاستباحة الصّلاة، لا يكون عدمه مانعا و لأنّ وضوء الحائض ليس بطهارة، ففي خبر محمّد بن مسلم «قلت للصّادق (عليه السلام): الحائض تتطهّر يوم الجمعة و تذكر اللّه تعالى؟

قال: أمّا الطّهر فلا، و لكن تتوضّأ وقت كلّ صلاة».

مع أنّه لم يورد عليه أوضح ما يرد عليه من جعل التّعريف للطّهارة من الحدث فقط و كان عليه أن يجعله أوّلا لهما لا أن يدخل الخبث في الحدث في قوله بعد: «و الطّهور هو الماء و التّراب- إلخ».

و كيف كان فهذه التّعريفات لا ثمرة لها فالصّواب قلع شجرتها و رفع‌

19

مشاجرتها، و الظّاهر أنّ أصلها من مناكير العامّة تبعهم الشّيخ في مبسوطه و خلافه و ليس في نهايته منها أثر، كما ليس في أخبارنا، و لاصقها المتأخّرون ظنّا منهم أنّ فيها شيئا، مع أنّ الشّيخ صرّح في كثير من كتبه بأنّه لا فائدة فيها، و عليه فجلّ ما ذكروه من النقض و الإبرام نفخ في غير ضرام.

قال الشّارح: «و الطّهور مبالغة في الطّاهر، و المراد هنا الطّاهر في نفسه و المطهّر لغيره جعل بحسب الاستعمال متعدّيا و إن كان بحسب الوضع اللّغوي لازما كالأكول».

قلت: ما ذكره من جعل الطّهور بحسب الاستعمال متعدّيا، ليس كذلك كيف و نراه كالطّاهر غير متعدّ في موارد استعماله من الآيات و الرّوايات و الأبيات. قال تعالى «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» و قال جلّ و علا:

«وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً». و قال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا». و في الخبر: «سئل (عليه السلام) عن الوضوء بما البحر، فقال: هو الطّهور ماؤه» و قال الشّاعر: «عذاب الثّنايا ريقهنّ طهور».

و أمّا ما عن التّرمذيّ «الطّهور بالفتح من الأسماء المتعدّية و هو المطهّر غيره» فمراده أنّه متعدّ بحسب المعنى كما فسّره بأنّه المطهّر غيره، فإنّ كونه غير متعدّ لفظا لا خلاف فيه، و إنّما الخلاف في تعدّيه معنى فالترمذي قال- كما عرفت- بتعدّيه معنى، و قال بعض الحنفيّة بكونه لازما بحسبه أيضا كاسم فاعله طاهر، محتجّا بأنّ فعولا تفيد المبالغة في فائدة فاعل، كما يقال:

ضروب و أكول لزيادة الضّرب و الأكل و لا يفيد شيئا مغايرا له، و كون الماء مطهّرا مغاير لمعنى الطّاهر فلا تتناوله المبالغة. ثمّ استدلّ بالآية الثّانية و بالشعر المتقدّم بأنّهما لا يفيدان التّطهير أصلا فهو أنكر جواز تعديه معنى و لو من المتعدّي.

و قال المحقّق في معتبرة بعد نقل ذلك عن الحنفيّ: «الحقّ أنّ وصف الطّهور بالتعدّي وصف معنوي- إلى أن قال- فاذن الوجه الذي ذكره‌

20

الحنفيّ صحيح بالنّظر إلى القياس اللّفظي أمّا إنّ منع كون اللّغة أو الشّرع استعمله في التّعدية و إن لم يكن قياسا فغير صحيح».

قلت: استعمال الشّرع له في التّعدية لم نقف عليه في موضع، و أمّا استعمال اللّغة فقال: يجوز في فعول من فعل متعدّ كونه مثله بأن تقول: ضروب زيدا لا من طهور الذي لازم، فقال: «و لا تقول طهور من الحدث».

و بالجملة لم يقل أحد إنّ طهورا متعدّ في الاستعمال، ثمّ إنّ تشبيهه للطّهور بالأكول يقتضي أن يكون الأكول لازما بحسب أصل اللّغة و متعدّيا بحسب الاستعمال مع أنّه بالعكس تقول: «زيد آكل الطّعام» فتذكر له مفعولا و تقول: «عمرو أكول» بدون ذكر مفعول لعدم تعلّق الغرض بما أكل بل بكثرة أكله، و إن كان يصحّ ذكر مفعول له إذا أريد المبالغة في تعلّق الفعل بمفعول خاصّ فتقول: «زيد أكول التّمر».

هذا و في باب مياه التّهذيب: «فإن قال قائل: كيف يكون الطّهور هو المطهّر و اسم الفاعل منه غير متعدّ و كلّ فعول ورد في كلام العرب متعدّ يا لم يكن متعدّ يا إلّا و فاعله متعدّ فإذا كان فاعله غير متعدّ ينبغي أن يحكم بأن فعولة غير متعدّ أيضا، ألا ترى أنّ قولهم «ضروب» انّما كان متعدّيا لأنّ الضّارب منه متعدّ و إذا كان اسم الطّاهر غير متعدّ، يجب أن يكون الطّهور غير متعدّ- الى أن قال- و أمّا ما قاله من أنّ كلّ اسم فاعل إذا لم يكن متعدّيا فالفعول منه غير متعدّ فغلط، لأنّا وجدنا كثير أمّا يعتبرون في أسماء المبالغة التّعدية و ان كان اسم الفاعل منه غير متعدّ ألا ترى الى قول الشّاعر:

حتّى شاءها كليل موهنا عمل * * *باثت طرابا و بات اللّيل لم ينم

فعدّى «كليل» الى «موهنا» لمّا كان موضوعا للمبالغة و ان كان اسم الفاعل منه غير متعدّ- إلخ».

قلت: قد عرفت أن «طاهر» و ان كان بمعنى مطهّر الّا أنّه لا يعمل عمله. و الشّعر الذي أنشده لا دليل فيه، فإنّ الموهن- كما قال الأصمعيّ‌

21

معناه حين يدبر اللّيل- ظرف و الظرف يعمل فيه اللازم كالمتعدّي و الشّعر كما في «الكتاب» لسيبويه لساعدة بن جوية و هو أوّل من استدلّ به إلّا أنّه كلام مجمل و في المغني ردّ على سيبويه في استدلاله على اعمال فعيل بقول الشّاعر لأنّ «موهنا» ظرف زمان و الظرف يعمل فيه روائح الفعل، بخلاف المفعول به. و يوضح كون الموهن ليس مفعولا به أنّ «كليلا» من «كلّ» و فعله لازم، و اعتذر عن سيبويه بأنّ كليلا بمعنى مكلّ يكلّ الوقت بدوامه فيه كما يقال: «أتعبت يومك» أو بأنّه انّما استشهد على أنّ فاعلا يعدل الى فعيل للمبالغة، و لم يستدلّ به على الأعمال، و هذا أقرب فإنّ في الأوّل حمل الكلام على المجاز مع إمكان حمله على الحقيقة».

قلت: بل الثاني أقرب لأنّه و إن كان بمعنى المكلّ فرضا إلّا أنّه لا يعمل عمله لفظا كما مرّ و إلّا فكثيرا ما تترجّح المجازات بحسنها، فان علوّ الكلام بكناياته و استعاراته و لكن يمكن الاستدلال لكونه مثله لفظا بقول جرير:

لقد كان إخراج الفرزدق عنكم * * *طهورا لما بين المصلّي و واقم

و بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف التقوى: «و طهور دنس أنفسكم»، و بقول الباقر (عليه السلام) «من صام شعبان كان طهورا له من كل زلّة و وصمة و بادرة» و ان أمكن الجواب عنها بأنّها ليست متعدّية اصطلاحيّة.

[و الطهور هو الماء و التراب]

(و الطهور هو الماء و التراب قال اللّه تعالى «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً»، و قال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا».)

الآية في 48 من الفرقان و الرّواية وردت بألفاظ مختلفة أحدها ما نقله المصنّف رواه الفقيه (في أوّل باب المواضع الّتي يجوز الصلاة فيها) مرفوعا عنه (صلّى اللّه عليه و آله). و ثانيها ما رواه الكافي (في أوّل باب شرائعه، 12 من كتاب إيمانه) عن أبان بن عثمان، عمّن ذكره، عن الصّادق (عليه السلام)- في خبر في ما زيد (صلّى اللّه عليه و آله) على نوح‌

22

و إبراهيم و موسى و عيسى (عليهم السلام)- «و جعل له الأرض مسجدا و طهورا- الخبر» و ثالثها بلفظ «فإنّ اللّه جعل التّراب طهورا كما جعل الماء طهورا» رواه الفقيه (في 13 من تيمّمه) عن محمّد بن حمران، و جميل بن درّاج، عن الصّادق (عليه السلام)، و لو كان المصنّف نقله كان أقرب الى كلامه.

[الماء مطهّر من الحدث و الخبث]

(فالماء مطهّر من الحدث)

بالوضوء فقط في ما لم يكن جنبا و لا مس الميّت مطلقا، و في المرأة لو لم يخرج منها دم من الثلاثة أو الغسل فقط في ما كان جنبا أو معا في ما لم يكن جنبا، و حصل له المسّ مطلقا و في المرأة خرج منها الدّم النافذ‌

(و الخبث)

أي من النجاسات الآتية.

[ينجّس بالتغيّر بالنّجاسة في أحد أوصافه الثلاثة]

(و ينجّس بالتغيّر بالنّجاسة في أحد أوصافه الثلاثة)

اللّون أو الطعم أو الرّيح، و التغيّر من الميتة بالرّيح و من الباقي باللّون أو الطعم.

روى الكافي (في 3 من 3 من أبواب طهارته) عن حريز، عمّن أخبره، عن الصّادق (عليه السلام) «كلّما غلب الماء ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب و إذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا توضّأ و لا تشرب».

و روى التّهذيب (في 50 من آداب أحداثه) عن أبي بصير، عن الصّادق (عليه السلام) «سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدّوابّ، فقال: ان تغيّر الماء فلا تتوضّأ منه، و إن لم تغيّره أبوالها فتوضّأ منه، و كذلك الدّم إذا سال في الماء و أشباهه».

و في 51 عن أبي خالد القمّاط عنه (عليه السلام) «في الماء يمرّ به الرّجل و هو نقيع فيه الميتة الجيفة، فقال (عليه السلام): ان كان الماء قد تغيّر ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضّأ منه، و ان لم يتغيّر ريحه و طعمه فاشرب و توضّأ».

و أمّا التغيّر بالمتنجّس أو شي‌ء آخر إذا لم يصر مضافا فلا أثر له، روى الكافي في 6 ممّا مرّ عن الحلبيّ، عن الصّادق (عليه السلام) في الماء الآجن «تتوضّأ منه إلّا أن تجد ماء غيره فتنزّه منه».

(و يطهر بزواله ان كان الماء جاريا)

كالعيون دون الآبار‌

23

(أو لاقى كرّا)

و معلوم أنّ المراد أنّ مع زوال التغيّر يطهر إن لاقى كرّا كما يطهر إن كان جاريا.

[الكرّ ألف و مائتا رطل بالعراقي]

(و الكرّ ألف و مائتا رطل بالعراقي)

قال الشّارح: «و قدره مائة و ثلاثون درهما على المشهور فيهما، و بالمساحة ما بلغ مكسّرة اثنين و أربعين شبرا و سبعة أثمان شبر مستو على المشهور، و المختار عند المصنّف، و في الاكتفاء بسبعة و عشرين قول قويّ».

قلت: في الكرّ أقوال و أخبار، أمّا الأقوال فعن الشّلمغانيّ: «الكرّ ما لا يتحرك جنباه عند طرح حجر في وسطه»، و قال الإسكافيّ: «الكرّ تكسيره بالذّرع نحو مائة شبر». و قال القطب الرّاونديّ: «الكرّ ما بلغ أبعاده الثّلاثة عشرة أشبار و نصف»، و قال الصّدوق في مقنعه «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء، قال: ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» و في فقيهه: «و الكرّ ما يكون ثلاثة أشبار طولا في عرض ثلاثة أشبار في عمق ثلاثة أشبار، و بالوزن ألفا و مائتي رطل بالمدنيّ»- و قال المفيد في مقنعته:

«إذا وقع في الماء الرّاكد شي‌ء من النّجاسات و كان كرّا- و قدره ألف رطل و مائتا رطل بالبغداديّ لم ينجسه شي‌ء إلّا أن يتغيّر، هذا إذا كان في غدير أو قليب و شبهه فأمّا إن كان في بئر أو حوض أو إناء فإنّه يفسد بجميع ما يلاقيه من النّجاسات».

و قال الشّيخ في نهايته: «و المياه الرّاكدة على ثلاثة أقسام: الأوّل مياه الغدران و القلبان و المصانع، و الثّاني مياه الأواني المحصورة، و الثّالث مياه الآبار، فأمّا مياه الغدران و القلبان فإن كان مقدارها مقدار الكرّ- و حدّ الكرّ ثلاثة أشبار و نصف طولا في ثلاثة أشبار و نصف عرضا في ثلاثة أشبار و نصف عمقا، أو يكون مقداره ألفا و مائتي رطل بالعراقي فإنّه لا ينجّسها شي‌ء- إلى أن قال- و أمّا مياه الأواني المحصورة فإن وقع فيها شي‌ء من النّجاسة أفسدها- إلخ».

24

و مثله ابن حمزة إلّا أنّه قال: «و أمّا مياه الأوانيّ و الحياض فضربان:

إمّا بلغ كرّا و حكمه ما ذكرناه إلّا في موضع واحد و هو أنّه لا يمكن تطهيره إلّا بإخراجه من موضعه و بغسل الموضع لأنّ غسل الحياض و الأواني غير متعذّر و غسل المصانع و الغدران و القلبان متعذّر فخفّف فيه».

و في ناصريّات المرتضى: «و حدّ الكرّ ألف و مائتا رطل بالمدنيّ و هو مائة و خمسة و تسعون درهما» و قال الدّيلميّ: «و إمّا ما لا يزول حكم نجاسته بزيادته فهو أن يكون الماء قليلا و هو راكد في الأرض أو غدير أو قليب فإنّه ينجّس بما يقع فيه من النّجاسة، و حدّ القليل ما نقص عن الكرّ و الكرّ ألف و مائتا رطل. فاذا زاد زيادة تبلغه الكرّ أو أكثر من ذلك طهر و كذلك الجاري إذا كان قليلا فاستولت عليه النّجاسة، ثمّ كثر حتّى زال الاستيلاء فإنّه يطهر، و لا ينجّس الغدران إذا بلغت الكرّ إلّا بما غيّر أحد أوصافها، و ما لا يزال حكم نجاسته فهو ماء في الأواني و الحياض بل يجب إهراقه و ان كان كثيرا».

و المفهوم من الأخير و كذا ابن حمزة أنّ مراد المفيد و كذا الشّيخ في التفصيل بين مواضع الكرّ أنّ ماء قليلا صار نجسا في الحياض و الأواني لا يطهر بإتمامه كرّا أو إلقاء كرّ عليه بخلاف الغدران و مثلها، و لكن قال المختلف:

«المشهور عند علمائنا أنّ بلوغ الكرّ يقتضي زوال قبول الانفعال من دون التغيّر سواء كان في غدير أو قليب أو حوض أو آنية اختاره الشّيخ و أتباعه، و قال المفيد و سلّار: «ينجس ماء الحياض و الآية سواء زادت عن الكرّ أولا» و هو كما ترى.

و أمّا الأخبار فروى الكافي (في 4 من أخبار باب الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء 2 من أوّله) عن الحسن بن صالح الثوريّ، عن الصّادق (عليه السلام): «إذا كان الماء في الرّكي كرّا لم ينجّسه شي‌ء، قلت: و كم الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار و نصف عمقها، في ثلاثة أشبار و نصف عرضها». و رواه التّهذيب (في أوّل 8‌

25

من أبواب زيادات طهارته) مثله، و الاستبصار (في آخر أوّل باب حكم آباره) و فيه «ثلاثة أشبار و نصف طولها في ثلاثة أشبار و نصف عمقها- إلخ».

و في 5 ممّا مرّ عن أبي بصير، عنه (عليه السلام) «سألته عن قدر الكرّ قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه في الأرض فذلك الكرّ من الماء» و رواه التّهذيب (في 55 من آداب أحداثه، 3 من أوّله) و الاستبصار (في 3 من باب كمّيّة كرّه).

و في 6 ممّا مرّ عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا عنه (عليه السلام): «الكرّ من الماء ألف و مائتا رطل» و رواه التّهذيب في 52 ممّا مرّ، و الاستبصار في 4 ممّا مرّ، و زادا بعد «من الماء» «الذي لا ينجّسه شي‌ء».

و في 7 عن ابن سنان، عن إسماعيل بن جابر «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

و ما الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار»- و رواه التّهذيب (في 54 من آداب أحداثه 2 من أوّله) عن عبد اللّه بن سنان، عن إسماعيل (و في 40) عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل أخذا له عن كتاب سعد، و أخذ الأوّل عن كتاب محمّد بن أحمد بن يحيى، و الصّواب الثّاني لأنّ راويه البرقيّ و هو إنّما يروى عن «محمّد» لا «عبد اللّه».

و نسبه أمالي الصّدوق (في مجلس 93) في وصف دين الإماميّة إلى الرّواية بلفظ «ثلاثة أشبار طولا، في ثلاثة أشبار عرضا، في ثلاثة أشبار عمقا».

و روى التّهذيب (في 53 من آداب أحداثه، 3 من أوّله) و الاستبصار (في أوّل كمّيّة كرّه) عن إسماعيل بن جابر «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء؟ قال: ذراعان عمقه. في ذراع و شبر سعته».

و روى التّهذيب (في 58 منه) و الاستبصار (في 5 ممّا مرّ) عن ابن أبي عمير روى لي، عن عبد اللّه بن المغيرة- يرفعه- إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّ الكرّ ستّمائة رطل».

و روى الأوّل (في 27 من مياهه، 8 من زيادات طهارته)، و الثّاني (في‌

26

6 ممّا مرّ) عن عبد اللّه بن المغيرة، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم، عنه (عليه السلام)- في خبر «و الكرّ ستّمائة رطل».

و حملهما على الرّطل المكّيّ الذي ضعف العراقي فيوافق مع مرسل ابن أبي عمير المتقدّم.

و في المقنع «و روى أنّ الكرّ ذراعان و شبر، في ذراعين و شبر».

و وردت أخبار مجملة، روى الكافي (في 3 ممّا مرّ) عن زرارة قال:

«إذا كان الماء أكثر من رواية لم ينجّسه شي‌ء تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ فيه إلّا أن يجي‌ء له ريح تغلب على ريح الماء». و رواه التّهذيب في 56 من 3 من أوّله عن الكافي مثله. و رواه الإستبصار في 4 من بابه الأوّل عن الكافي أيضا لكن زاد بعد «زرارة» «عن أبي جعفر (عليه السلام)».

و رواه أيضا في 7 ممّا مرّ عن كتاب محمّد بن عليّ بن محبوب، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)» مع زيادة صدر له في حكم الرّاوية إذا سقطت فيها فأرة أو مثلها و إنّه إذا تفسّخ فيها لا يشرب ماءها و لا يتوضّأ منه و إلّا يشرب و يتوضّأ منه، و قال: و كذلك الجرّة و حبّ الماء و القربة»- ثمّ قال:

و قال أبو جعفر (عليه السلام): «إذا كان الماء أكثر من رواية- الخبر» فليحكم بشذوذه.

و يأتي خبر بلفظ قلّتين و خبر بلفظ «حبّ من حباب المدينة».

و تحقيق الأقوال أنّ الشّلمغانيّ لا عبرة بقوله لكونه مبتدعا و لم نقف له على مستند سوى الكتاب المعروف بالرّضويّ و الظّاهر كونه له.

و أمّا الإسكافي فيدلّ على وهمه أنّه قال: «الكرّ وزنه ألف و مائتا رطل، ثمّ قال: «و تكسيره بالذّراع نحو مائة شبر» و هما لا يجتمعان سواء قلنا: المراد بالرّطل العراقيّ كما قال الشّيخان، أو المدنيّ كما قال الصّدوق و المرتضى و لعلّه توهّم كون الرّطل فيه المكّيّ و لم يقله أحد.

و أمّا الرّاونديّ فتوهّم جمع ثلاث و نصف مع مثليه، مع أنّه واضح أنّ المراد في مثله الضّرب.

27

و قول الفقيه في جمعه بين ثلاثة في ثلاثة و ألف و رطل بالمدنيّ غير صحيح لاختلاف، ميزانيه كقول الشّيخ في جمعه بين ثلاثة و نصف في مثله و ألف و مائتي رطل بالعراقيّ.

و لا يرد على المفيد و المرتضى و الدّيلميّ اختلاف ميزان لاقتصارهم على الألف و مائتي رطل و إن كان الأوّل قيّده بالعراقي و الثّاني بالمدني و الثّالث أطلقه و إن كان الصّواب الأوّل لاجتماع الأخبار عليه كما يأتي.

و أمّا تحقيق الأخبار فالصحيح صحيح إسماعيل بن جابر على الصّحيح في محمّد بن سنان في ثقته في كونه ثلاثة أشبار بدون نصف دون خبري الحسن بن صالح و أبي بصير في كونه ثلاثة و نصف، أمّا خبر الحسن فلكونه زيديا بتريا مع أنّه تضمّن كون الكرّ في الرّكيّ- أي البئر- و هو غير معمول به، و حمله الشّيخ على التّقيّة، و لأنّ المرتضى نقل عنه في الناصريّات و كذا الانتصار أنّ الكرّ ثلاثة آلاف رطل، و لا يعمل بخبر غير الإماميّ إذا كان معارضا لخبر الإماميّ.

و أما خبر أبي بصير فلكون عثمان بن عيسى الذي كان واقفيّا في طريقه، و رجوعه كما قاله بعضهم غير معلوم و على فرض رجوعه فلعلّه رواه في حال وقفه و معاندته مع الرّضا (عليه السلام). فإنّ كونه أوّلا كذلك مقطوع و يشكل توفيق من عاندهم (عليه السلام) عن غير جهالة.

و لأنّه يلزم طرح باقي الأخبار إن عملنا بخبري ثلاثة و نصف، بخلاف خبر إسماعيل بن جابر المتضمّن للثلاثة فإنّه يجتمع مع باقي الأخبار، أمّا مرسل ابن أبي عمير الذي في حكم الصّحيح المتضمّن لألف و مائتي رطل- بل هو أصحّ خبر حيث رواه الكلّ و إن اختلفوا في المراد من الرّطل فيه كما أنّ بعضهم اقتصر عليه كالمفيد و المرتضى و سلّار و بعضهم زاد عليه الأشبار كالصّدوق و الشّيخ. فقد قلنا: إنّ الصواب فيه العراقيّ و قد صرّح المختلف بتوافقه مع ثلاثة أشبار.

28

و أما صحيح إسماعيل بن جابر المتضمّن لذراعي العمق في ذراع و شبر السّعة، فليس المراد من السّعة فيه الطّول و العرض حتّى يبلغ حاصل ضربه ستّة و ثلاثين فيتضادّ مع سبعة و عشرين حاصل ضرب الثّلاثة في الثّلاثة في الثلاثة كما توهّم، فالسّعة تطلق على المدوّر الذي ليس له طول و عرض، و إنّما له عمق و قاعدة الضّرب فيه قالوا: غير قاعدة الضّرب في الطّول و العرض إنّما هي أن يضرب نصف قطرة في نصف دائرته و الحاصل في عمقه كما حقّقه المجلسيّ في شرحه على الفقيه قال الثّاني في تقريره: فاذا كان القطر ذراعا و شبرا- و الذّراع شبران تقريبا- يكون القطر ثلاثة أشبار فيكون المحيط تسعة أشبار و ثلاثة أسباع شبر، لأنّهم ذكروا أنّ المحيط ثلاثة أضعاف القطر و سبعة كنسبة السّبعة إلى اثنين و عشرين فيضرب نصف القطر- و هو شبر و نصف- في نصف المحيط و هو أربعة أسباع و خمسة أسباع شبر فيصير الحاصل سبعة أشبار و نصف سبع شبر نضربه في أربعة أشبار العمق يرتقي إلى ثمانية و عشرين شبرا و سبعي شبر فيزيد على سبعة و عشرين بشبر و سبعي شبر، و يمكن أن يكون هذا التفاوت للتّفاوت بين الذّراع و شبرين، فان تحديد الذّراع بهما تقريبيّ.

و قد صرّح الفاضل الأسترآباديّ أيضا بتوافقهما فقال: «اعتبرناه في المدينة فوجدناه قريبة منه غاية القرب». و أيضا إسماعيل بن جابر روى ثلاثة أشبار تارة و ذراعي العمق في ذراع و شبر السّعة أخرى و الأصل أن يكونا متطابقين.

و أما قول الجواهر- بعد الإشارة إلى حمل شرح الفقيه-: أنّ ذلك بعيد في الأخبار لتوقّفه على المهارة في فنّ الحساب المعلوم خلوّ إسماعيل بن جابر عنه و الّا لذكر في ترجمته فساقط، فلم نقل انّ الامام (عليه السلام) كلّف إسماعيل بن جابر تطبيق ذراعي في ذراع و شبر السّعة مع سبعة و عشرين بقواعد الحساب بل نقول: انّهما يتطابقان في نفسهما، و يمكن أن يكون إسماعيل بن جابر غير عالم بضرب غير المدوّر أيضا، فهل هو الّا نظير أن يسأل عاميّ فقيها عن الكرّ فيقول له: الكرّ ثلاثة أشبار طولا في ثلاثة أشبار عرضا في ثلاثة‌

29

أشبار عمقا، أو ذرعان عمقا في ذراع و شبر سعة، و انّما الواجب أن لا يختلفا في الخارج.

و أمّا مرفوع عبد اللّه بن المغيرة و مسنده المتضمّنان لستّمائة رطل في وزن الكرّ فقد عرفت حملهما على المكّي الذي ضعف العراقيّ فينطبق مع مرسل ابن أبي عمير المتقدّم المتضمّن لألف و مائتين، و قد عرفت انطباق المرسل مع رواية الثّلاثة، و لم يبق من الأخبار إلّا ما نسبه المقنع إلى الرّواية و هو في غاية الضعف حيث لم يعمل به أحد و لم يروه أحد، و الظاهر وقوع تصحيف فيه بزيادة «و شبر» الأوّل فيه فيكون عين صحيح إسماعيل بن جابر المتقدّم.

و يؤيّد خبر الثّلاثة في الثّلاثة ما رواه الكافي في آخر (باب الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء، 2 من أوّله) عن عبد اللّه بن المغيرة، عن بعض أصحابنا عن الصّادق (عليه السلام) «الكرّ من الماء نحو حبّي هذا- و أشار بيده إلى حبّ من تلك الحباب الّتي تكون بالمدينة».

فيبعد أن يكون حبّ يسع قرب ثلاثة و أربعين شبرا كما هو مفاد خبري الثلاثة و نصف في الثلاثة و نصف بخلاف سبعة و عشرين شبرا فليس بذاك البعد.

ثمّ القاعدة أن يقال: «إنّ الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء المقدار الفلاني» كما عبّر الكافي و الاستبصار في عنوانيهما و كذلك في خبر إسماعيل بن جابر المتقدّم الذي رواه الكافي و في خبره الآخر الذي رواه التّهذيبان، و في مرسل ابن أبي عمير المتقدّم الذي روياه بلفظ «الذي لا ينجّسه شي‌ء» و لكن رواه الكافي بدون ذاك اللّفظ لا أن يقال: «إنّ الماء الذي لم ينجّسه شي‌ء المقدار الفلاني» و أمّا ما في خبر معاوية بن عمّار المتقدّم و خبر زرارة المتقدّم و خبر الحسن بن صالح المتقدّم و مرسل عبد اللّه بن المغيرة، عن الصّادق (عليه السلام) «إذا كان الماء قدر قلّتين لم ينجّسه شي‌ء» رواه الاستبصار و التّهذيب و الفقيه، فالظّاهر أنّ الأصل فيها أنّ السّائل سأل: إذا وقع في الماء كذا و كذا هل‌

30

صار نجسا؟ فأجابه: بأنّه لم ينجّس، و ترك ذكر السؤال اختصارا، يشهد له ما رواه الكافي (في 2 من 2 من أوّله) عن محمّد بن مسلم «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الذي تبول فيه الدّوابّ و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قال: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء».

[ينجّس القليل و البئر بالملاقاة]

(و ينجّس القليل و البئر بالملاقاة)

قال الشّارح: «على المشهور فيهما بل كاد يكون إجماعا» قلت: عدّهما في عداد واحد كما فعلا هو الصواب، فلم نقف على من خالف من القدماء في الثّاني محقّقا إلّا من خالف في الأوّل و هو العمّانيّ و كما لا تضرّ مخالفته ثمّة كذلك هنا.

و أمّا نسبة المختلف إلى الشّيخ في أحد قوليه مخالفته في البئر فالظاهر أنّه أراد به قوله في تهذيبه، لكن بالتأمّل فيه يظهر أنّه غير مخالف و لكن شرط في نجاسته العلم بالملاقاة فجعله جزءا للموضوع اختار ذلك للجمع بين الأخبار ما دلّ منها على وجوب النّزح الظّاهرة في الانفعال و ما دلّ منها على عدم غسل الثياب و عدم إعادة الصّلاة ممّا وقع فيها إذا لم ينتن الظّاهرة في عدمه، و به صرّح في الاستبصار.

و ممّا يوضح عدم مخالفته في التّهذيب أنّه قال (في باب المياه):

بعد نقل خبر الثوريّ الدّالّ على عدم انفعاله إذا كان كرّا: «قد بيّنّا أنّ حكم الآبار مفارق لحكم الغدران و أنّها تنجّس بما يقع فيها و تطهّر بنزح شي‌ء منها سواء كان الماء قليلا أو كثيرا».

و نسبته الى ابن الغضائريّ كما قاله بعض المتأخّرين لم نتحقّقه، و لعلّه لروايته عن الصّادق (عليه السلام) أنّه «إذا ماتت الفأرة في البئر فعجن من مائها لا بأس بأكل خبزه لأنّه أصابته النّار».

و كيف كان فيمكن تحقيق ما قرّبه الشّارح من الإجماع على نجاسة البئر كالماء القليل يكون مخالفه معلوم النّسب غير مضرّ له مع أنّه لو لم يتحقّق الإجماع كانت الشّهرة المتقدّمة- و هي معلومة- بنفسها حجّة و لو لم يكن‌

31

بمضمونها خبر فإنّ القدماء كانوا لا يفتون إلّا عن نصّ جليّ و إن لم يصل إلينا في ما كان مخالفا للأصل فضلا عمّا كان به خبر بل أخبار متواترة، و الخبر المعارض لها لا عبرة به لقولهم (عليهم السلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذّ النّادر» و معناه وجوب الأخذ بالخبر المشهور عملا و ترك غير المشهور و ان كان الخبر المعارض متعدّدا أو أكثر عددا مع أنّ أخبار الانفعال أكثر فإنّ أخبار النزح من البعير إلى العصفور كلّها دالّة عليه فإنّه لا معنى لوجوب النزح إلّا تنجّس البئر، كما لا معنى لوجوب غسل الثوب من البول إلّا نجاسته.

و من الغريب أنّ صاحب المعالم حصر حجّة القائلين بالنّجاسة في أخبار ثلاثة ثمّ أجاب عنها بما هو بيّن الوهن، ظاهر السقوط و أيّد ما قال بأنّ أخبار النزح مجملة مختلفة و مشتملة على ما لا يكون نجسا كوقوع الجنب و ما لا نفس له و في بعضها التصريح بجواز الاستعمال قبل النزح.

و يضعّف تأييده أنّ أخبار الكرّ أيضا مجملة مختلفة في مثل سائر ما قال فما أجاب ثمّة نجيب هنا.

و تبعه صاحب الوسائل و استدلّ للطهارة بأخبار كثيرة لا دلالة لأكثرها و قال في حاشية منه على فهرست كتابه: «أغرب ما رأينا من اختلاف الأحاديث ثلاثة مواضع، أحدها أحاديث نزح البئر، و الثاني أحاديث القصر في السفر، و الثالث أحاديث الرّضاع».

فيقال له: فكما أنّ الاختلاف في القصر و الرّضاع لا يوجب رفعها كذلك هنا، و أنّ الفقه من أوّله إلى آخره أخباره مختلفة لشدّة أمر التّقيّة في عصرهم (عليهم السلام) حتّى أنّ بعض القاصرين رجع عن الدّين لذلك، و لأجل ذلك كتب الشّيخ تهذيبه متصدّيا للجمع بين الأخبار، و إنّما الواجب هو الجمع بينها بقدر دلالاتها و بما ورد في الأخبار العلاجيّة من الأخذ بالشّهرة و ما وافق الكتاب و ما خالف العامّة لا طرحها و إنكارها.

قال المحقّق في المعتبر:- و نعم ما قال- «ملاقاة النّجاسة ماء البئر‌

32

مؤثّرة بحسب قوّتها، و تطهيرها بإخراجه من حدّ الواقف إلى كونه جاريا جرياناً يزيل ذلك التّأثير فيختلف تقدير النزح بشدّة النجاسة و ضعفها و سعة المجاري و ضيقها، فتارة يقتصر الإمام (عليه السلام) على أقلّ ما يحصل به، و تارة يستظهر عن ذلك، و تارة يأمر بالأفضل فلا ينكر الاختلاف في الأحاديث، و انظر ما اشتهر بين الأصحاب غير مختلف فيه فاقت به، و ما اختلف فالأقلّ مجز و الأوسط مستحبّ و الأكثر أفضل، و استسقط ما شذّ، و من المتعارض ما ضعف سنده» قلت: أي في المتعارض استسقط ضعيف السّند.

و من الغريب أنّ صاحب المقابس مع اعترافه للقول بالانفعال بما يأتي من الشّهرة و النقل الشائع و كون عمل الإماميّة عليه و غيرها، استضعفه استنادا إلى اعتلالات صاحب المعالم و اعتمادا على ادّعاء شيخه الإجماع الحادث، قال: قال في وقايته: استقرّ عليه المذهب في العصر المتأخّر، قال:

و كفى به ناقلا و فيه الحجّة و الكفاية.

و فيه أوّلا أنّ الإجماع المتأخّر لا يعارض الشّهرة المتقدّمة فضلا عن إجماعهم، و قد قال المرتضى في انتصاره: «و ممّا انفردت به الإماميّة القول بأنّ ماء البئر ينجّس بما يقع فيها من النّجاسة». فإنّهم كانوا لا يردون و لا يصدرون إلّا عن دلالة أئمّتهم (عليهم السلام) بخلاف المتأخّر، فإنّه يمكن أن يكون مستندا إلى الأصل لعدم وصول النّقل إليهم أو كونه ضعيفا عندهم على ما اصطلحوا عليه.

و ثانيا أنّ الإجماع المنقول بخبر رجل واحد كيف يعارض الإجماع المنقول بخبر رجال متعدّدين و قد اعترف أنّ جمعا من المتقدّمين و المتأخّرين ادّعوا الإجماع كالسّيدين و الشّيخ و صاحبي المصريّات و غاية المراد.

و ثالثا أنّ الإجماع المتقدّم مبدؤه المعصوم حيث إنّ القدماء كانوا قريبي العهد بهم (عليهم السلام) و لا يمكن إجماعهم على خلاف قوله، بخلاف الإجماع-

33

المتأخّر فإنّ مبدأه أحد الفقهاء كما اعترف به شيخه هنا فنقل عنه أنّه قال:

«المبدء من الشّهيد الثّاني» لكنّ الصواب أنّ المبدء العلّامة.

و رابعا أنّه كيف يعارض الإجماع المنقول المجرّد عن دليل آخر و لو ظنّي الإجماع المحقّق المعتضد بأدلّة أخرى قطعيّة، أمّا تحقّق الإجماع فلاعترافه بأنّ عمل الإماميّة كان عليه في جميع الأعصار و الأعوام. و أمّا اعتضاده فلاعترافه بالنّقل الشّائع لوجوب النّزح من الخاصّ و العامّ و تواتر الأخبار الآمرة بالنّزح و المصرّحة بأنّ النزح للتّطهير.

و أيضا يشهد لها الاعتبار، فالماء إذا كان في أعماق الأرض يحصل له التأثّر سريعا و لو بال واحد في سرداب ليست عفونته بأقلّ من بول مائة على سطح، فالصّواب هو العمل بأخبار الانفعال و حمل الأخبار المخالفة إمّا على ما ذكره الشّيخ و إمّا على التّقيّة، لأنّ العدم مذهب أبي حنيفة و هو أولى، و حمل الشّيخ خبر الثّوريّ المتقدّم المتضمّن لاشتراط الكرّيّة في البئر على التّقيّة لأنّه مذهب الشّافعيّ و لا نحتاج إلى الذي ذكره التّهذيبان و لا المبسوط و النّهاية من التفصيل في ما إذا استعمل ماء البئر جهلا بين الوقت بالإعادة و خروجه بالعدم فان كلّ ذلك لا شاهد له و لا دليل عليه.

فان قيل: إنّ الكلينيّ و ان روى في أثناء باب البئر و ما يقع فيها أخبارا للنّزح الّا أنّه روى في أوّله عن عدّته عن أحمد بن محمّد عن ابن بزيع «قال:

كتبت الى رجل أسأله أن يسأل الرّضا (عليه السلام) عن البئر يكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها ما الذي يطهّرها؟ فوقّع عليه بخطّه في كتابي ينزح منها دلاء». ثمّ قال: و بهذا الإسناد «ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء إلّا أن يتغيّر به».

و روى في آخر الباب عن أبي بصير «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): بئر يستقى منها و يتوضّأ به و يغسل منه الثّياب و يعجن، ثمّ علم أنّه كان فيها ميّت، فقال لا بأس و لا يغسل منه الثّوب و لا تعاد منه الصّلاة» فلعلّه أيضا غير‌

34

قائل: بالانفعال.

قلت: الخبران لا دلالة فيهما، أمّا الأوّل فالمراد به أنّه لا يلزم نزح جميع البئر بوقوع بول أو عذرة أو دم لأنّه واسع بمادّته فيكفيه نزح دلاء الّا أن يتغيّر فينزح جميعه أو حتّى يطيب. و أمّا الثّاني فالمراد به أنّهم و ان تيقّنوا بوقوع ميت فيها الّا أنّهم لم يعلموا بكونه قبل الاستعمال فيهما فلعلّه كان بعد، فلا يجب غسل ثوب و لا إعادة صلاة، و هذا واضح.

(و يطهّر القليل بما ذكر)

أي ملاقاة الكرّ و الجاري. و أمّا ما رواه الكافي في أوّل كتابه عن السّكونيّ، عن الصّادق (عليه السلام) «عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الماء يطهّر و لا يطهّر» فالمراد لا يطهّر بغيره كما يطهّر غيره به فلا ينافي، تطهيره بما ذكر.

[البئر ينزح جميعه لأشياء]

(و البئر ينزح جميعه للبعير)

الأصل في معنى النزح البعد، قال في الجمهرة: «النازح البعيد، و نزحت دار فلان نزوحا إذا بعدت» و في الصّحاح «و قد نزح بفلان» إذا بعد عن داره غيبة بعيدة و أنشد الأصمعيّ:

و من ينزح به لا بدّ يوما * * *يجي‌ء به نعيّ أو بشير

و تقول: «أنت بمنتزح من كذا» قال ابن هرمة- يرثي ابنه-:

فأنت من الغوائل حين ترمى * * *و من ذمّ الرجال بمنتزاح

و خطّأه القاموس في كونه رثاء ابنه و أنّه في مدح جعفر بن سليمان القاضي، و في الأساس «إبل منازيح أي من بلاد بعيدة، قال أبو ذؤيب:

و صرّح الموت عن غلب كأنّهم * * *جرب يدافعها السّاقي منازيح

و في اللّسان: و في خبر سطيح «جاء من بلد نزيح». و قال الجوهريّ:

النزح بالتّحريك البئر الّتي نزح أكثر مائها قال الشّاعر:

لا يستفي في النّزح المضفوف * * *إلّا مدارات الغروب الجوف

قلت: و إذا كان الأصل في النّزح البعد فلا يحصل النّزح إلّا من بئر بعيدة القعر لا يستقى منها بالميح بل بالمتح. و بعد ما شرحنا يظهر لك أنّ‌

35

فهم بعض من النّزح معنى قذارة و هم، و كيف و يقال: نزحت العين الدّموع نزحا.

و أمّا نزح البئر للبعير فلا خلاف فيه، و يدلّ عليه صحيح الحلبيّ عن الصّادق (عليه السلام) و قد رواه الكافي (في 6/ 7 من باب بئره الأوّل) قال في خبر- «و إن مات فيها بعير أو صبّ فيها خمر فلينزح».

و رواه التّهذيب (في 25 من تطهير مياهه) و الاستبصار (في 2 من باب البئر يقع فيها البعير)، و فيهما «فلينزح الماء كلّه» لكن روياه عن الكافي فالظّاهر سقط الزّيادة من نسخنا.

و أمّا ما روياه في 10/ 1 ممّا مرّ عن عمرو بن سعيد، عن الباقر (عليه السلام) «في ما يقع في البئر- إلى- حتّى بلغت الحمار، و الجمل، فقال: كرّ من ماء». فحملاه على أنّ الجواب لحكم الحمار لكنّ الصّواب كون «الجمل» فيه محرّف «البغل» للتشابه الخطّي بينهما.

قال الشّارح: «البعير من الإبل بمنزلة الإنسان يشمل الذّكر و الأنثى الصغير و الكبير».

قلت: و من إطلاق النّاقة على البعير قول الشّاعر:

لا تشترى لبن البعير و عندنا * * *عرق الزّجاجة و أكف التّهتان

و قد يجي‌ء في عرف النّاس لخصوص الذّكر كالجمل فروى الشّيخ في كتاب سير خلافه عن عمران بن حصين «أنّ قوما من المشركين أسروا امرأة أنصاريّة فلمّا كان ذات ليلة انفلتت المرأة من قبابها فجاءت إلى الإبل فكلّما مسّت بعيرا رغا إلى أن مسّت ناقة فلم ترغ فجلست على عجزها.

و في المصباح «البعير من الإبل بمنزلة الإنسان و الجمل بمنزلة الرّجل و النّاقة بمنزلة المرأة، و البكر و البكرة مثل الفتى و الفتاة و القلوص كالجارية.

قال الأزهريّ: «هذا كلام العرب و لكن لا يعرفه إلّا خواصّ أهل العلم باللّغة، و قال الشّافعيّ في الوصيّة «لو قال: «أعطوه بعيرا» لم يكن لهم أن يعطوه‌

36

ناقة، قال: حمل البعير على الجمل لأنّ الوصيّة مبنيّة على عرف النّاس لا على محتملات اللّغة الّتي لا يعرفها إلّا الخواصّ.

قلت: و على ما ذكره في معنى البكر كان أبو سفيان يعبّر عن أبي بكر بأبي فصيل.

(و للثور)

إنّما ذكر نزح الجميع للثّور الصّدوق في فقيهه و مقنعه، و أمّا الشّيخان و الدّيلميّ و الحلبيّون و الحليّ فلم يذكروه، و إنّما ذكروا في البقرة كرّا، و لعلّهم أرادوا بالبقرة ما يعمّ الثّور فصرّح الصّحاح بجواز إطلاقها على الذّكر أيضا، و كيف كان فيدلّ عليه ما رواه التّهذيب (في 26 من أخبار باب تطهير مياهه، 11 من أوّله) و الاستبصار (في 3 من باب البئر يقع فيها البعير- إلخ) عن عبد اللّه بن سنان، عن الصّادق (عليه السلام) «إن سقط في البئر دابّة صغيرة أو نزل فيها جنب نزح منها سبع دلاء، و إن مات فيها ثور أو صبّ فيها خمر نزح الماء كلّه».

لكنّ الغريب أنّ الإستبصار قال بعد نقل خبر الحلبيّ المتقدّم في العنوان السّابق ثمّ هذا الخبر: «فما تضمّن هذان الخبران من وجوب نزح الماء كلّه عند وقوع البعير هو الذي أعمل عليه و به افتي» مع أنّ خبر الحلبيّ تضمّن البعير لا هذا و إنّما في هذا «ثور» على نقل الكتابين لا «بعير»، و كون «الثّور» فيهما تصحيف البعير محتمل، كما أن من المحتمل تحريف نسخة الصدوق البعير بالثور بدليل أنّ المفيد و من مرّ لم يذكروا غير البعير، و الكافي لم يرو غير البعير فتلخّص ممّا مرّ أنّ نزح الجميع للثّور خلافيّ لم يذهب إليه من القدماء الّا الصّدوق، و عدم ذكر المختلف له و موضوعه ذكر المسائل الخلافية لأنّه لم ير فيه خلافا صريحا بأن يقول بعضهم في الثّور نزح الجميع و يقول آخر ليس فيه نزح الجميع لكن عدم ذكر من مرّ يكفي في النّفي، و الاستبصار لم يذكر الثّور في عنوان الباب أيضا و اقتصر على البعير.

(و الخمر)

يدلّ عليه ما مرّ في «البعير» من صحيح الحلبيّ،

37

و في «الثّور» من صحيح ابن سنان.

و يدلّ عليه أيضا ما رواه التّهذيب (في 27 من 11 من أبواب طهارته) و الاستبصار (في 4 من أخبار 3 من أبواب حكم آباره صحيحا) عن معاوية بن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «في البئر يبول فيها الصبيّ أو يصبّ فيها بول أو خمر، فقال: ينزح الماء كلّه». و حملا ضمّ بول الصبيّ أو صبّ البول مع الخمر على ما إذا حصل التغيّر بهما، و هو كما ترى خارج من طريق المحاورة.

و روى التّهذيب (في 29 ممّا مرّ) و الاستبصار (في 5 ممّا مرّ) عن كردويه «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن البئر يقع فيها قطرة دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر، قال: ينزح منها ثلاثون دلوا».

و روى الأوّل (في 28 ممّا مرّ) و الثّاني (في 6 ممّا مرّ) عن زرارة عن الصّادق (عليه السلام) «قلت: بئر قطر فيها قطرة دم أو خمر، قال: الدّم و الخمر و الميت و لحم الخنزير في ذلك كلّه واحد، ينزح منه عشرون دلوا فإن غلبت الرّيح نزحت حتّى تطيب» و ردّاهما بكونهما من الأخبار الآحاد.

(و المسكر و دم الحدث و الفقاع)

قال الشّارح: «الحق به في الذّكرى العصير العنبيّ بعد اشتداده بالغليان قبل ذهاب ثلثيه، و هو بعيد، و لم يذكر هنا المنيّ ممّا له نفس، و نسبه الذّكرى الى المشهور معترفا فيه بعدم النّصّ، لكن دم الحدث كذلك فلا وجه لإفراده و إيجاب الجميع لما لا نصّ فيه يشملهما».

قلت: و كما لا نصّ في دم الحدث يوجب نزح الجميع له كذلك في المسكر و الفقّاع، و إنّما في المسكر خبر كردويه المتقدّم في عنوان «و الخمر» أنّ النّبيذ المسكر فيه ثلاثون دلوا كالخمر، و لم يعمل به أحد، و الفقّاع لم يرد في النزح له خبر أصلا لا الجميع و لا أقلّ، لكنّ التّحقيق أنّ المسكر و الفقّاع و العصير كلّها داخلة في عموم أخبار الخمر، أي صحيح الحلبيّ المتقدّم في البعير «و إن مات فيها بعير أو صبّ فيها خمر فلينزح الماء كلّه».

38

و صحيح ابن سنان المتقدّم في الثّور «و ان مات فيها ثور أو صبّ فيها خمر نزح الماء كلّه».

أمّا المسكر فروى الكافي (في 1 من 11 من أبواب أنبذته من كتاب أشربته) بإسناد، عن عليّ بن يقطين، عن الكاظم (عليه السلام) «أنّ اللّه تعالى لم يحرّم الخمر لاسمها و لكن حرّمها لعاقبتها فما فعل فعل الخمر فهو خمر» و رواه في 2 منه بإسناد آخر عنه و في آخره «فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر»، و حينئذ فكلّ مسكر و لو من التّمر أو الزّبيب أو الحنطة أو الشّعير أو العسل كلّها خمر، و قد روى الكافي (في 2 من أوّل أنبذته) عن الحضرميّ، عمّن أخبره، عن السّجاد (عليه السلام) (و في 3 منه) عن عامر بن السّمط، عنه (عليه السلام) «قال: الخمر من خمسة أشياء من التّمر و الزّبيب و الحنطة و الشّعير و العسل».

و أمّا الفقّاع فروى الكافي (في 1 من باب الفقّاع، 19 من أبواب أنبذته) عن سليمان بن جعفر الجعفريّ، عن الرّضا (عليه السلام) «سألته عن الفقّاع، فقال: هو خمر مجهول فلا تشربه يا سليمان لو كان الدّار لي أو الحكم لقتلت بائعه و لجلدت شاربه». و رواه (في 10 منه) أيضا باختلاف لفظيّ.

و روى في 2 منه بإسناد عن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الفقّاع فقال: هو خمر» و رواه (في 14 منه) بإسناد آخر عنه، و روى (في 3 منه) عن الحسين القلانسيّ، عن الكاظم (عليه السلام) «كتبت إليه أسأله عن الفقّاع فقال: لا تقربه فإنّه من الخمر».

و في 4 منه عن محمّد بن سنان، عن الرّضا (عليه السلام) «سألته عن الفقّاع، فقال:

هو الخمر بعينها».

و في 5 منه عن ابن فضّال «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن الفقّاع فكتب ينهاني عنه» و رواه عنه أخيرا أيضا و فيه «فقال: هو الخمر و فيه حدّ شارب الخمر».

و في 6 منه عن زاذان، عن الصّادق (عليه السلام) «لو أنّ لي سلطانا على أسواق‌

39

المسلمين لرفعت عنهم هذه الخمرة- يعني الفقاع-».

و في 7 منه عن أبي جميلة البصريّ «قال: كنت مع يونس ببغداد فبينا أنا أمشي معه في السّوق إذ فتح صاحب الفقّاع فقّاعه فأصاب ثوب يونس فرأيته قد اغتمّ لذلك حتّى زالت الشّمس، قلت: أ لا تصلّي؟ فقال: لست أريد أن أصلّي حتّى أرجع إلى البيت فأغسل هذا الخمر من ثوبي، فقلت له: هذا رأيك أو شي‌ء ترويه؟ فقال: أخبرني هشام بن الحكم أنّه قال: سألت الصّادق (عليه السلام) عن الفقّاع، فقال: لا تشربه فإنّه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله».

و في 8 منه عن الحسن بن الجهم، و ابن فضّال «سألنا أبا الحسن (عليه السلام) عن الفقّاع، فقال: حرام و هو خمر مجهول، و فيه حدّ شارب الخمر».

و في 9 منه عن الوشّاء «كتبت إلى الرّضا (عليه السلام) أسأله عن الفقّاع، فكتب حرام و هو خمر، و من شربه كان بمنزلة شارب الخمر، قال: و قال أبو الحسن الأخير (عليه السلام): لو أن الدّار داري لقتلت بايعه و لجلدت شاربه، و قال (عليه السلام):

هي خمرة استصغرها النّاس».

و أما العصير العنبيّ فكيف استبعد الشّارح إلحاقه بالخمر و هو أصل الخمر الذي هو من الكرم، روى الكافي (في أوّل الأوّل من أنبذته) عن عبد الرّحمن ابن الحجّاج، عن الصّادق (عليه السلام)، عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و رواه في آخره عن عليّ ابن جعفر الهاشميّ، عن الصّادق (عليه السلام) «عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: الخمر من خمسة: العصير من الكرم و النّقيع من الزّبيب و البتع من العسل و المزر من الشّعير و النّبيذ من التّمر» و بالجملة من الحق الثّلاثة ألحقها لكونها خمرا بحسب الأخبار المتقدّمة.

و أمّا دم الحدث فليس فيه نصّ خاصّ و لم يذكره قبل الشّيخ و الدّيلميّ أحد، و أمّا الصّدوقان و المفيد و المرتضى فكلامهم مطلق كالأخبار في حكم الدّم الآتي في كثيره و يسيرة.

و كيف كان فزاد أبو الصّلاح (في ما ينزح له الجميع) بول ما لا يؤكل‌

40

لحمه، و القاضي عرق الإبل الجلّالة و عرق الجنب من الحرام، و عن المفيد زيادة الفيل. و يمكن الاستدلال له بما رواه التّهذيب (في 26 من 11 من أبواب طهارته) عن عبد اللّه بن سنان، عن الصّادق (عليه السلام)- في خبر- «فان مات فيها ثور أو نحوه أو صبّ فيها خمر نزح الماء كلّه» لكن رواه الإستبصار (في 3 من 3 من أبواب حكم آباره) بدون «أو نحوه» مع أنّه و التّهذيب و إن نقلاه كما في النّسخ بلفظ «ثور» إلّا أنّهما قالا: إنّ الخبر إنّما تضمّن حكم البعير، مع أنّك عرفت أنّ المفيد لم يذكر حكما للثّور و أدخله في البقرة و إنّما تفرّد بالإفتاء بما فيه على النّسخ الصّدوق كما مرّ.

[البئر ينزح كرا لأشياء]

(و نزح كر للدّابة و الحمار و البقرة)

قال الشّارح: «و زاد في كتبه الثّلاثة البغل و المنصوص منها مع ضعف طريقه الحمار و البغل، و غايته أن ينجبر ضعفه بعمل الأصحاب فيبقى إلحاق الدّابّة- و هي الفرس- و البقرة بما لا نصّ فيه أولى».

قلت: أمّا قوله: «مع ضعف طريقه» فوهم من المعتبر ثمّ المختلف، سرى الى من بعدهما حتّى الجواهر فضلا عن الشّارح كما أنّ قوله: «المنصوص الحمار و البغل» أيضا وهم، الأصل فيه المحقّق في معتبرة أيضا و ليس في الخبر إلّا الحمار.

روى التّهذيب (في 10 من 11 من أبواب طهارته، باب تطهير مياهه) عن عمرو بن سعيد بن هلال «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عمّا يقع في البئر ما بين الفأرة و السنّور إلى الشّاة، فقال: كلّ ذلك يقول: سبع دلاء، قال: حتّى بلغت الحمار و الجمل؟ فقال: كرّ من ماء» و أشار إليه بعد 29 ممّا مرّ لبيان أنّ بعد ما نقله أوّلا حكم التّراوح، فقال: يدلّ على التّراوح ما قدّمناه في رواية عمرو بن سعيد بن هلال- الى أن قال:- «حتّى بلغت الحمار و الجمل، قال:

كرّ من ماء، و إذا كان كثيرا تراوح عليه أربعة- الخبر» و رواه الإستبصار في أوّل 3 من أبواب حكم آباره.

41

و يدلّ على عدم وجود البغل في الخبر أنّ عنوان الاستبصار (باب البئر يقع فيها البعير و الحمار و ما أشبههما أو يصبّ فيها أو يصبّ فيها الخمر) فلو كان فيه مع الحمار بغل لذكره مثله.

و أمّا أنّه ليس في سنده ضعف فتوهّموا أنّ عمرا الرّاوي عمرو بن سعيد المدائنيّ ففي المختلف بعد نقل الخبر «و عمرو بن سعيد و إن قيل: إنّه كان فطحيّا إلّا أنّه ثقة» و أشار إلى ترجيحه في الخلاصة توثيق النّجاشيّ للمدائنيّ على نقل الكشيّ عن نصر كونه فطحيّا، مع أنّه غيره فالمدائنيّ متأخّر يروي عن مصدّق، عن عمّار الساباطيّ، و هذا روى عن الباقر (عليه السلام) و يروي عنه أصحاب الصّادق (عليه السلام) و ذاك فطحيّته معلومة مثل مصدّق و عمّار، و هذا ممدوح روى مواقيت صلاة التّهذيب عن زرارة أنّه سأل الصّادق (عليه السلام) «عن وقت صلاة الظّهر فلم يجبه، ثمّ قال لعمرو بن سعيد بن هلال بعد: أقرء زرارة منّي السّلام و قل له: إذا كان ظلّك مثلك فصلّ الظّهر».

و روى روضة الكافي عن عمرو بن سعيد «قال: قلت للصّادق (عليه السلام): إنّي لا أكاد ألقاك إلّا في السّنين فأوصني بشي‌ء؟ فقال: أوصيك بتقوى اللّه- الخبر» و الخبران دليل حسنه.

مع أنّ الدّابّة فيها أيضا نصّ لكن لا بما قال من كون النّزح لها كرّا، فروى التّهذيب (في 13 من تطهير مياهه، 11 من أبواب طهارته) عن زرارة، و محمّد بن مسلم، و بريد العجليّ، عن الصّادق و الباقر (عليهما السلام) «في البئر يقع فيها الدّابّة و الفأرة و الكلب و الطّير فيموت؟ قال: يخرج ثمّ ينزح من البئر دلاء ثمّ اشرب و توضّأ» و رواه الإستبصار في 3 من باب البئر يقع فيها الكلب- إلخ» و الخبر صحيح السّند و راويه الفضلاء.

و بالجملة لا ريب أنّ «البغل» في خبر عمرو بن سعيد من زيادات المعتبر فالأصل في روايته التّهذيبان و نسخهما بدون «البغل»، و نقل الوافي و الوسائل الخبر عنهما بدونه، و قلنا: إنّ عنوان الإستبصار أيضا يشهد لعدمه‌

42

و إنّما قلت في عنوان «و البئر ينزح جميعه للبعير»: إنّه حيث لا خلاف في نزح الجميع للبعير و يدلّ عليه خبر صحيح، و أنّ الجمل لا ريب في صدق البعير عليه في أصل لغة العرب أوّلا و في عرف لغتهم أخيرا أنّ خبر عمرو بن سعيد الذي فيه «حتّى بلغت الحمار و الجمل، فقال: كرّ من ماء» لا بدّ أنّ الجمل فيه محرّف البغل بالتّشابه الخطّي.

و أمّا قول الشارح: «هذا هو المشهور» فليس كما قال فالحمار إجماعي عند القائلين بالانفعال ذكرهما الصّدوقان و الشّيخان و أتباعهما و إنّما المشهور الدّابّة و البقرة ذكرهما الشّيخان و أتباعهما، و ما فعل المشهور أولى من إلحاقهما بما لا نصّ فيه حيث إنّهم فهموا من ذكر الحمار هو و ما أشبهه.

و أمّا قول الشارح: «الدّابّة هي الفرس» لم أدر من أيّ كتاب لغة فهذا الصّحاح و القاموس و الأساس و المغرب و الجمهرة و النّهاية و لسان العرب لم يذكر أحدها ذلك، و الدّابّة في القرآن جاءت بمعنى كلّ ذي روح و هو قوله تعالى «وَ اللّٰهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مٰاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىٰ أَرْبَعٍ» و لا ينافيه قوله تعالى «وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا طٰائِرٍ يَطِيرُ بِجَنٰاحَيْهِ» لأنّه قيّد بقوله «فِي الْأَرْضِ» و إنّما في تلك الكتب في معاني الدّابّة: الّتي تركب. فيشمل غير الفرس، الحمار و البغل و الإبل، و إنّما قال في المصباح: «و أمّا تخصيص الفرس و البغل بالدّابة عند الإطلاق فعرف طارئ». و مراده أنّ أوّلا كان كلّ ما يركب، و صار أخيرا في عرف النّاس مختصّا بالفرس و البغل، و أمّا إنّه صارت مختصّة بالفرس فلم يذكره أحد.

[البئر ينزح سبعين دلوا لأشياء]

(و سبعين دلوا للإنسان)

ليس في أصله خلاف و إنّما خالف الحليّ في ما لو كان كافرا، و لا عبرة بقوله بعد أنّ غيره أطلق كالخبر.

روى التّهذيب (في 9 من أخبار 11 من أبواب طهارته) عن عمّار السّاباطيّ «سئل الصّادق (عليه السلام) عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر، فقال‌

43

ينزح منها دلاء هذا إذا كان ذكيّا فهو هكذا و ما سوى ذلك ممّا يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكثره الإنسان ينزح منها سبعون دلوا، و أقلّه العصفور ينزح منها دلو واحد، و ما سوى ذلك في ما بين هذين» و أفتى به في الفقيه.

و أمّا ما رواه التّهذيب (في 50 من أخبار مياهه) و الاستبصار (في آخر باب ما ليس له نفس سائلة) عن منهال، عنه (عليه السلام) «قلت: العقرب يخرج من البئر ميتة؟ قال: استق منها عشر دلاء، قلت: فغيرها من الجيف؟ قال: الجيف كلّها سواء إلّا جيفة أجيفت، فإن كانت جيفة قد أجيفت فاستق منها مائة دلو، فإن غلب عليه الرّيح بعد مائة دلو فانزحها كلّها» فلا ينافي خبر عمّار الدّالّ على أنّه ليس في النزح عدد أكثر من ميتة الإنسان لأنّ ذاك في غير التّغيّر و هذا مورده التّغيّر.

[البئر ينزح خمسين دلوا لأشياء]

(و خمسين للدّم الكثير و العذرة الرّطبة)

أمّا للدّم الكثير فروى الكافي (في 8 من أبواب طهارته صحيحا) عن عليّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن رجل ذبح شاة فاضطربت فوقعت في بئر ماء و أوداجها تشخب دما هل يتوضّأ من تلك البئر؟ قال: ينزح منها ما بين الثّلاثين إلى الأربعين دلوا، ثمّ يتوضّأ منها و لا بأس». و أين هو ممّا قال.

و رواه الفقيه (في 29 من أوّل كتابه) و رواه التّهذيب (في 7 من أخبار 8 من أبواب زيادات طهارته).

و أمّا العذرة الرّطبة فروى الكافي (في 12 من 4 من أبواب طهارته) عن عليّ بن أبي حمزة «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العذرة تقع في البئر، قال: ينزح منها عشرة دلاء، فإن ذابت فأربعون أو خمسون دلوا».

و روى التّهذيب (في 33 من 11 من طهارته) عن أبي بصير، عنه (عليه السلام)- في خبر- «و سألته عن العذرة تقع في البئر، فقال: ينزح منها عشر دلاء، فإن ذابت فأربعون أو خمسون دلوا». و لعلّ الأصل فيهما واحد و الأوّل كان‌

44

عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير كما هو الكثير في روايات أبي بصير، سقط من الأوّل «عن أبي بصير» لأنّ المتن فيهما واحد.

و الفقيه لم يروهما و لكن أفتى به، فقال في جملة ما أفتى به كأبيه في رسالته بين 22 و 23 من أخبار أوّله: «و متى وقعت في البئر عذرة استقي منها عشرة دلاء فإن ذابت فيها استقي منها أربعون دلوا إلى خمسين دلوا».

و يمكن أن يزداد عليهما ما رواه الكافي (في أوّل باب بئره الأوّل صحيحا) عن ابن بزيع «كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل الرّضا (عليه السلام) عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها ما الذي يطهّرها حتّى يحلّ الوضوء منها للصّلاة؟ فوقّع (عليه السلام) بخطّه في كتابي: بنزح دلاء منها» بحمل «العذرة» فيه على عذرة الإنسان كما هو المتبادر منه، و يكون قوله: «كالبعرة و نحوها» بيانا لمقدار قوله «شي‌ء من عذرة» لا بيانا للمراد من العذرة، و ذلك و إن لم أر من قاله إلّا أنّه لا بدّ منه فكلّ أحد يعلم أنّ البعرة من الغنم و البقرة و البعير تكون طاهرة فكيف يقول: «ما الذي يطهّرها» فيصير الثّلاثة موافقة و يكون المراد من صدر الأوّلين عذرة أي قليلة لا تصير ذائبة كما ذكر بعد في ذيلهما، و نزح الدّلاء في هذا لا ينافي عشرة دلاء في ذينك، لأنّ أكثر الدّلاء عشرة، و حينئذ فإجمال عذرة فيهما يصير معلوما من هذا بكونها بقدر بعرة، و إجمال هذا من حيث الدّلاء يعلم من تفصيل ذينك من حيث العدد و الأخبار كالآيات تفسّر بعضها بعضا.

قال الشّارح: «و المرويّ اعتبار ذوبانها و تفرّق أجزائها و شيوعها في الماء، أمّا الرّطوبة فلا نصّ على اعتبارها لكن ذكرها الشّيخ- إلخ».

قلت: بل المفيد ففي التّهذيب (بعد 30 من أخبار تطهير مياهه، 11 من أبواب طهارته) ثمّ قال- أي شيخه المفيد-: «فإن وقعت فيها عذرة يابسة لم تذب فيها و لم تقطع نزح منها عشر دلاء، و إن كانت رطبة أو ذابت و تقطّعت فيها‌

45

نزح منها خمسون دلوا» و منه يظهر أنّ الأصل في تعيّن الخمسين أيضا المفيد، و إلّا فالصّدوق قال: أربعون إلى خمسين.

ثمّ لازم تخصيصه إشكاله من حيث القول و الخبر بالثّاني، أنّ الأوّل و هو الدّم الكثير كون الخمسين فيه اتّفاقيّا قولا و خبرا مع أنّه أكثر اختلافا فيهما من الثّاني، فهذا التّهذيب نقل (بعد 35 من أخبار تطهير مياهه، 11 من أبواب طهارته) أنّ شيخه المفيد قال: «فان وقع في البئر دم كثير نزح منها عشر دلاء و إن كان قليلا نزح منها خمس دلاء» و استدلّ له بما رواه الكافي (أي في أوّل 4 من أبواب طهارته) عن عدّته، عن الأشعريّ، عن ابن بزيع «كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل الرّضا (عليه السلام) عن البئر يكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة أو نحوها ما الذي يطهّرها حتّى يحلّ الوضوء منها للصّلاة، فوقّع (عليه السلام) في كتابي بخطّه: ينزح دلاء منها» و قال: وجه الاستدلال من هذا الخبر أنّه قال: «ينزح منها دلاء» و أكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع عشرة فيجب أن نأخذ به و نصير إليه إذ لا دليل على ما دونه.

قلت: لكن استدلاله كما ترى فليس في الخبر اسم من كثير و يسير، بل قطرات من دم ظاهر في القليل فكيف جعله للكثير، و صرّح في استبصاره بأنّه ظاهر في القليل. و بلفظ الخبر عبّر عليّ بن بابويه.

و من الأقوال قول المرتضى في مصباحه في مطلق الدّم من غير تفصيل بين الكثير و اليسير «ينزح للدّم ما بين دلو واحد إلى عشرين».

و أمّا قول المختلف «و يمكن الاستدلال له بما رواه التّهذيب (أي في 28 ممّا مرّ) عن زرارة، عن الصّادق (عليه السلام) «قلت له: بئر قطر فيها قطرة دم أو خمر؟ قال: الدّم و الخمر و الميّت و لحم الخنزير في ذلك كلّه واحد، و ينزح منه عشرون دلوا، فان غلبت الرّيح نزحت حتّى تطيب» بأن نقول: السّؤال و إن ذكر فيه قطرة دم إلّا أنّ الجواب جعل الموضوع مطلق الدّم، فكما‌

46

ترى فإنّه لا يفهم منه إلّا العشرون معيّنا و قول المرتضى «ما بين واحد إلى عشرين».

و عمل به المقنع لكنّه أغرب فقال: «و إن قطر في البئر قطرات من دم فاستق منها عشرة دلاء» ثمّ قال بعد مسائل: «و إن وقع في البئر قطرة دم أو خمر أو ميتة أو لحم خنزير فانزح منها عشرين دلوا» فلم يذكر حكم الكثير و جعل منزوح القطرة ضعف القطرات حيث عبّر بما في السّؤال و ألغى خصوصيّة الجواب و لا ينطبق ما قاله على خبر لا ما مرّ و لا ما يأتي، و تتميم الكلام عند قوله «و قليل الدّم».

[البئر ينزح أربعين دلوا لأشياء]

(و أربعين للثعلب و الأرنب و الشاة و الخنزير و الكلب و الهرّة)

قال الشّراح: «و المستند ضعيف و الشهرة جابرة على ما زعموا» قلت: ظاهر تعبيره أنّ في كلّ من الستّة خبر ضعيف مع أنّه ليس في الثّعلب و الأرنب خبر أصلا، و في الباقي أخبار مختلفة و ليس في واحد منها خبر بتعيّن الأربعين.

كما أنّ وجود شهرة في الأرنب غير معلوم و إنّما ذكروا بدله الغزال و الخمسة الباقية، ذكرها الشّيخان و الدّيلميّ و الحلبيّ و القاضي و الحليّ، و أمّا ابنا بابويه فقالا في الكلب: «ينزح من ثلاثين إلى أربعين» و كذلك قال الأب في السّنور، و أمّا الابن فقال فيه بالسّبع كما أنّه قال في الشّاة بالتّسع إلى عشر.

و كيف كان ففي الكلب أخبار تسعة أحدها ما رواه الكافي (في 3 من باب بئره الأوّل)، و التّهذيب (في 15 من 11 من أبواب طهارته)، و الاستبصار (في 6 من 4 من أبواب حكم آباره) عن أبي أسامة، عن الصّادق (عليه السلام) «في الفارة و السّنّور و الدّجاجة و الطّير و الكلب؟ قال: ما لم يفسخ أو يتغيّر طعم الماء فيكفيك خمس دلاء، فإن تغيّر الماء فخذ منه حتّى تذهب الرّيح» و هو خبر صحيح.

و الثّاني ما رواه الكافي في 6 ممّا مرّ عن ابن مسكان، عن أبي بصير،

47

عن الصّادق (عليه السلام)، في خبر- «فإن سقط فيها كلب فقدرت أن تنزح ماءها فافعل- الخبر».

و عليهما اقتصر الكافي، و رواه التّهذيب (في 49 من مياهه 10 من أبواب طهارته) بدون «عن أبي بصير» على ما في مطبوعيه، و نقل الوافي و رواه مسندا، و و هم الوسائل فقال: نقله عن كتاب الحسين بن سعيد مثل الكافي.

و الثّالث ما رواه التّهذيب (في 11 من 11 من أوّله)، و الاستبصار (في أوّل 4 من أبواب حكم آباره) عن عليّ، عنه (عليه السلام)- في خبر- «و السّنّور عشرون أو ثلاثون أو أربعون دلوا و الكلب و شبهه».

و الرّابع ما رواه التّهذيب (في 12 ممّا مرّ) و الاستبصار (في 2 ممّا مرّ) عن سماعة، عنه (عليه السلام)- في خبر- «و إن كان سنّور أو أكبر منه نزحت منها ثلاثين دلوا أو أربعين دلوا- الخبر» بحمل قوله: «أو أكبر منه» على الكلب.

و الخامس ما رواه التّهذيب (في 13 ممّا مرّ) و الاستبصار (في 3 ممّا مرّ صحيحا) عن زرارة، و محمّد بن مسلم، و بريد العجليّ، عن الصّادق، و الباقر (عليهما السلام) «في البئر يقع فيها الدّابّة و الفأرة و الكلب و الطير فيموت؟

قال: يخرج ثمّ ينزح من البئر دلاء ثمّ اشرب منه و توضّأ» و وهم الوسائل فنقله في 5 من 17 من أبواب ماء مطلقة و نسب إليهما في إطلاقه زيادة «و الخنزير» و تبعه الجواهر، و الصّواب عدمه كما نقله الوافي في تصريحه و المختلف في إطلاقه.

و السّادس ما رواه التّهذيب (في 16 ممّا مرّ) و الاستبصار (في 4 ممّا مرّ) عن البقباق، عن الصّادق (عليه السلام) «في البئر يقع فيها الفأرة أو الدّابّة أو الكلب أو الطّير فيموت؟ قال: يخرج ثمّ ينزح من البئر دلاء» و متنه مع سابقه واحد.

و السّابع ما رواه التّهذيب (في 17 ممّا مرّ) و الاستبصار (في 5 ممّا‌

48

مرّ) عن عليّ بن يقطين «سألت الكاظم (عليه السلام) عن البئر يقع فيها الحمامة و الدّجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرّة؟ فقال يجزيك أن ينزح منها دلاء، فإنّ ذلك يطهّرها إن شاء اللّه» و هو أيضا صحيح السّند.

و الثّامن ما رواه التّهذيب (في آخر 12 من طهارته) مع صدر و ذيل له، و الاستبصار (في 8 ممّا مرّ) عن عمّار السّاباطيّ، عن الصّادق (عليه السلام) «سئل عن بئر يقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير؟ قال: ينزح كلّها» و في الأوّل «ينزف».

و التّاسع ما رواه التّهذيب (في 18 من 11 من طهارته) و الاستبصار (في 7 ممّا مرّ) عن عبد اللّه بن المغيرة، عن أبي مريم قال: «حدّثنا جعفر (عليه السلام) قال: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: إذا مات الكلب في البئر نزحت- الخبر».

و الظّاهر أنّه كان في بعض نسخ الإستبصار الذي كان رجوع المختلف إليه حذف «عن أبي مريم» فجعل الخبر خبر عبد اللّه بن المغيرة، لكنّ الوافي و الوسائل نقلا ثبوته عنهما تصريحا و إطلاقا، و يوضح ثبوته تصريح الاستبصار نفسه فقال بعد خبره الثّامن: «فالوجه في هذا الخبر و في حديث أبي مريم- إلخ».

و أمّا الشاة ففيها خبران: الأوّل ما رواه التّهذيب (في 10 من 11 من طهارته) و الاستبصار (في أوّل 3 من حكم آباره) عن عمرو بن سعيد بن هلال «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عمّا يقع في البئر ما بين الفأرة و السّنّور إلى الشّاة؟

فقال: كلّ ذلك يقول: سبع دلاء- الخبر» و الظّاهر كون «فقال» محرّف «ففي» و عمل به المقنع.

و الثّاني ما رواه التّهذيب (في 14 ممّا مرّ) و الاستبصار (في 9 من 4 من حكم آباره) عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) «أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول- إلى أن قال:- و إذا كانت شاة و ما أشبهها فتسعة أو عشرة» و في الثّاني‌

49

«هو خبر شاذّ».

و أمّا الهرّ ففيه أخبار خمسة، الأوّل خبر عليّ بن يقطين المتقدّم في الكلب سابعا، المتضمّن لإجزاء دلاء، و الثّاني رواية عليّ المتقدّم في الكلب ثالثا عن الصّادق (عليه السلام)، و فيه «و السّنّور عشرون أو ثلاثون أو أربعون»، و الثالث خبر سماعة المتقدّم ثمّة رابعا و فيه «و إن كانت سنّورا أو أكبر منه نزحت منها ثلاثين دلوا أو أربعين دلوا» و هو مستند عليّ بن بابويه، و الرّابع صحيح أبي أسامة المتقدّم ثمّة أوّلا و فيه كفاية خمس دلاء، و ظاهر الكافي العمل به، و الخامس خبر عمرو بن سعيد المتقدّم في «الشاة» أوّلا بأنّ فيه سبع دلاء و بمضمونه أفتى في الفقيه.

و الشّيخ استدلّ للمشهور بخبري عليّ و سماعة المتقدّمين بالأخذ بأكثر ما فيهما احتياطا و هو كما ترى.

و أمّا الخنزير ففيه خبر واحد و هو خبر السّاباطيّ المتقدّم في 8 من أخبار الكلب المتضمّن لنزح الجميع له، و أمّا خبر زرارة، و محمّد بن مسلم، و بريد العجليّ المتقدّم في الخامس ثمّة، فقد عرفت أنّ اشتماله عليه من و هم الوسائل.

(و بول الرّجل)

جعله الشّارح مثل الكلب في كون مستنده ضعيفا و جبران الشهرة لضعفه، و ليس كذلك فقد عرفت ثمّة مخالفة ابني بابويه و أمّا هنا فلم يخالف أحد إلّا أنّ الكافي لم يرو رواية الأربعين بل اقتصر في أوّل باب بئره الأوّل على نقل صحيح ابن بزيع عن الرّضا (عليه السلام) «في البئر يقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة- إلى أن قال:- فوقع (عليه السلام) بخطّه في كتابي ينزح منها دلاء».

و رواه التّهذيب (في 36 من 11 من طهارته) و الاستبصار (في 2 من 8 من حكم آباره).

و أمّا رواية الأربعين فرواه التّهذيب (في 31 من 11 من أبواب‌

50

طهارته) و الاستبصار (في آخر 2 من حكم آباره) عن عليّ بن أبي حمزة، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن بول الصّبيّ الفطيم يقع في البئر، فقال: دلو واحد، قلت: بول الرّجل؟ قال: ينزح منها أربعون دلوا» و الظّاهر أنّ الأصل في قوله «الفطيم» «غير الفطيم» و من الغريب أنّ الحليّ جعله متواترا.

و فيه خبران آخران أحدهما ما رواه التّهذيب (في 29 من 11 من طهارته) و الاستبصار (في 5 من 3 من حكم آباره) عن كردويه «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن البئر يقع فيها قطرة دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر؟ قال:

ينزح منها ثلاثون دلوا» و لم يعمل به أحد.

و ثانيهما ما رواه التّهذيب (في 27 ممّا مرّ) و الاستبصار (في 4 ممّا مرّ) عن معاوية بن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «في البئر يبول فيها الصّبيّ أو يصبّ فيها بول أو خمر؟ فقال: ينزح الماء كلّه» و لم يعمل به أحد.

[البئر ينزح ثلاثين دلوا لأشياء]

(و ثلاثين لماء المطر المخالط للبول و العذرة و خرء الكلب)

روى الفقيه (في 35 من أوّله) و التّهذيب (في 19 من 8 من زيادات طهارته) و الاستبصار (في آخر 6 من حكم آباره) عن كردويه عن أبي الحسن (عليه السلام) «سألته عن بئر يدخلها ماء المطر فيه البول و العذرة و أبوال الدّوابّ و أرواثها و خرء الكلاب؟ قال: ينزح منها ثلاثون دلوا، و إن كانت مبخرة» و لفظ الفقيه «سأل كردويه الهمدانيّ أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)» و فيه بدل «ماء المطر» «ماء الطّريق». قال الشّارح: «و المستند رواية مجهولة الرّاوي». قلت: لا يضرّه ذلك بعد كون الرّاوي عنه ابن أبي عمير الذي أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنه، و الخبر إليه صحيح و لذا جعله الفقيه أمرا مقطوعا، فقال: «سأل كردويه الكاظم (عليه السلام)» كما مرّ.

ثمّ إنّ الاستبصار أغرب فروى أوّلا خبر أبي بصير المتضمّن أنّ العذرة إن ذابت فأربعون أو خمسون، ثمّ قال: «فأمّا- و روى هذا بلفظ مرّ ثلاثون-» فلا ينافي ما حدّدناه من نزح خمسين لأنّ ذاك في ما تقع العذرة نفسها، و هذا‌

51

مختصّ بماء المطر الذي يختلط به أحد هذه النّجاسات فيجوز استعماله بعد نزح أربعين. هب أنّه أخذ بالأكثر في الخبر الأوّل احتياطا كيف جعل الثلاثين في هذا أربعين؟! و الظّاهر أنّ قوله في مبسوطه: «روي نزح الأربعين و إن كانت مبخرة» الأصل فيه اختلاط استبصاره، و إلّا فليس في الماء المختلط غير ثلاثين.

[البئر ينزح عشر دلاء لأشياء]

(و نزح عشر ليابس العذرة)

ليس لنا إلّا ما مرّ في نزح خمسين للعذرة الرّطبة ما رواه الكافي (في 12 من 4 من طهارته) عن عليّ بن أبي حمزة، عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن العذرة تقع في البئر؟ قال: ينزح منها عشرة دلاء فإن ذابت فأربعون أو خمسون دلوا» و روى التّهذيب (في 33 من 11 من طهارته) عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مثله، و قلنا ثمّة: لا يبعد كون الأصل فيهما واحدا بأن يكون سقط «عن أبي بصير» عن الأوّل.

(و قليل الدّم)

قال الشّارح: «و المرويّ: دلاء يسيرة» قلت: بل المرويّ دلاء يسيرة في خبر مرّتين، و دلاء بدون «يسيرة» في خبرين، و في خبر «عشرون»، و في خبر «ثلاثون» أمّا الأوّل فروى الكافي (في 8 من 4 من أوّله) عن عليّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)- في خبر- «و سألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر هل يصلح أن يتوضّأ منها؟ قال: ينزح منها دلاء يسيرة ثمّ يتوضّأ منها، و سألته عن رجل يستقي من بئر فيرعف فيها هل يتوضّأ منها؟ قال: ينزح منها دلاء يسيرة». و رواه التّهذيب (في 7 من 8 من زيادات طهارته) و الاستبصار (في أوّل 8 من أبواب حكم آباره).

و أمّا الثّاني فروى التّهذيب (في 9 من 11 من أبواب طهارته) عن عمّار الساباطيّ، عن الصّادق (عليه السلام) «سئل عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر؟ فقال: ينزح منها دلاء- الخبر».

و روى الكافي (في أوّل باب بئره الأوّل صحيحا) عن ابن بزيع «كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل الرّضا (عليه السلام) عن البئر يكون في المنزل للوضوء فيقطر‌

52

فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها ما الذي يطهرها حتّى يحلّ الوضوء منها للصّلاة؟ فوقّع (عليه السلام) بخطّه في كتابي ينزح دلاء منها» و رواه التّهذيب (في 36 من 11 من طهارته) عن الكافي مثله. و أمّا رواية الاستبصار له (في 2 من 8 من حكم آباره) عن كتاب أحمد الأشعريّ و فيه بدل «من عذرة» «من غيره» فتحريف.

و أمّا الثّالث فروى التّهذيب (في 28 من 11 من طهارته) عن زرارة «قلت للصّادق (عليه السلام): بئر قطر فيها قطرة دم أو خمر؟ قال: الدّم و الخمر و الميت و لحم الخنزير في ذلك كلّه واحد، ينزح منه عشرون دلوا- الخبر» و رواه الإستبصار (في 6 من 3 من حكم آباره).

و أمّا الرّابع فروى التّهذيب (في 29 ممّا مرّ) و الاستبصار (في 5 ممّا مرّ) عن كردويه «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن البئر يقع فيها قطرة دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر؟ قال: ينزح منها ثلاثون دلوا». و ردّا العشرين و الثّلاثين بالشّذوذ.

[البئر ينزح سبع دلاء لأشياء]

(و سبع للطير و الفأرة مع انتفاخها)

أمّا الطّير ففيه أخبار، الأوّل ما رواه التّهذيب (في 11 من 11 من أبواب طهارته). و الاستبصار (في أوّل 4 من أبواب حكم آباره) عن عليّ «سألت الصّادق (عليه السلام)- في خبر- و سألته عن الطّير و الدّجاجة تقع في البئر؟ قال: سبع دلاء- الخبر».

2- و روى التّهذيب (في 5 ممّا مرّ) و الاستبصار (في 5 من 1 ممّا مرّ) عن أبي أسامة، و أبي يوسف يعقوب بن عثيم، عنه (عليه السلام) «إذا وقع في البئر الطّير و الدّجاجة و الفأرة فانزح منها سبع دلاء، قلنا: فما تقول في صلاتنا و وضوئنا و ما أصاب ثيابنا؟ فقال: لا بأس به».

و قوله: «فما تقول- إلخ» محمول على أنّ الاستعمال قبلا، لم يعلم كونه قبل النجاسة أو بعدها 3- و روى الأوّل (في 12 ممّا مرّ) و الثّاني (في 2 من 4 ممّا مرّ)