الأسير في الإسلام

- الشيخ علي الأحمدي الميانجي المزيد...
257 /
3

[مقدمة الناشر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة على محمّد المصطفى و آله الغرّ الميامين و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

و بعد، إن المتطلّع لأحكام الشريعة الإسلامية الغرّاء يجدها متميّزة بميزة خاصّة و هي الاستيعابية لجميع مجالات الحياة و الاحاطية بجميع أبعادها الفردية و الاجتماعية و السياسية و الدينية. و هذه إن دلّت على شي‌ء فإنّما تدلّ على إلهيّة المصدر و إنّها ليست من صنع البشر بل من تشريع حكيم مقتدر.

و من جملة تلك الأبواب التي طرقتها الشريعة الإسلامية المقدّسة و التي لها الأهمّية البالغة في حياة الإنسان قديما و حديثا باب الحرب و الجهاد و الغزو في سبيل اللّه.

و لخطورة هذه المسألة نجد الشارع المقدّس قد سلّط الإضواء على جميع جوانبها، فحدّد لها الحدود و وضع لها الضوابط الكثيرة ممّا جعل للحروب الإسلامية المحلّ الخاصّ في سجلّ العدالة و الكرامة و الإنسانية.

و أحد المشاكل التي تخلفها الحروب عادة مشكلة الأسرى. و طالما عانى أسرى الحروب من الاضطهاد و سوء المعاملة و الهتك و الفتك من قبل الطغاة و مشعلي الحروب الذين لم يهتدوا بهدي اللّه و لم يرقبوا في اللّه‌

4

و فيهم إلّا و لا ذمّة. و قد عالجت الشريعة الإسلامية هذه المشكلة بشكل تحفظ فيه الحقوق و تستر فيه الحرمات ممّا يجعلنا بغني عن الرجوع الى القوانين الوضعية التي كتبها الحكام و لم يلتزموا بها عمليا.

و هذا الكتاب- أيّها القارئ العزيز- يعطيك صورة واضحة و جليّة عن نظرة الإسلام للأسير و كيفية معاملته. و قد أتعب نفسه المحقق آية اللّه الشيخ علي الميانجي- نفع اللّه المسلمين بعلومه- في جمع مسائل هذا الباب و صياغتها بهذه الصياغة الأنيقة بعد أن كانت مبعثرة في ثنيات الكتب الفقهية و المدوّنات التشريعية للعامّة و الخاصّة. فتجد في كل مسألة يبحثها يشير الى مظانّها و مراجعها المتعدّدة، ممّا يسهّل على القارئ الرجوع إليها- لو شاء. فجزاه اللّه عن الإسلام و أهله خير الجزاء.

و تصدّت مؤسّستنا- و الحمد للّه- لنشر هذا الكتاب بعد مقابلته و تقطيع نصوصه و ترتيب فهارسه و ذلك لإتمام الفائدة و تعميم المنفعة، و اللّه وليّ التوفيق.

مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة‌

5

[مقدمة المؤلف]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه الذي بعث الأنبياء بشيرا و نذيرا و أنزل الكتاب نورا مبينا ليخرج الإنسان من الظلمات الى النور و يهديهم صراطا مستقيما، و الصلاة و السلام على من أرسله رحمة للعالمين الى الناس كافة أجمعين محمد أشرف الأولين و الآخرين و أفضل السفراء المقربين و على أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين و اللعن على أعدائهم أجمعين من الأولين و الآخرين.

اللهم صلّ على ولي أمرك القائم المؤمل و العدل المنتظر و حفه بملائكتك و أيده بنصرك و أعزه بجندك و أحيي به ما اماته الظالمون من معالم دينك اللهمّ أعزه و أعزز به و انصره و انتصر به و انصره نصرا عزيزا و افتح له فتحا يسيرا و اجعلنا من شيعته و أعوانه و أنصاره يا ربّ العالمين.

و بعد:

فقد وصف اللّه سبحانه و تعالى نفسه بالقيومية فقال اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (1) و قال عزّ شأنه:

____________

(1) البقرة: 255.

6

الم اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْرٰاةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّٰاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقٰانَ (1).

«و القيوم و القيام فيعول و فيعال من قمت بالشي‌ء إذا وليته بنفسك و توليت حفظه و إصلاحه» (2).

قال الأستاذ العلامة (رحمه اللّه تعالى): و القيام هو حفظ الشي‌ء و فعله و تدبيره و تربيته و المراقبة عليه و القدرة عليه. كل ذلك مأخوذ من القيام بمعنى الانتصاب للملازمة العادية بين الانتصاب و بين كل منها.

هذا «و قد اثبت اللّه تعالى أصل القيام بأمور خلقه لنفسه في كلامه حيث قال تعالى أَ فَمَنْ هُوَ قٰائِمٌ عَلىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ الرعد/ 35 و قال تعالى و هو أشمل من الآية السابقة شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ وَ الْمَلٰائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قٰائِماً بِالْقِسْطِ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ آل عمران/ 18 فأفاد أنه قائم على الموجودات بالعدل فلا يعطي و لا يمنع شيئا في الوجود (و ليس الوجود إلا الإعطاء و المنع) الا بالعدل بإعطاء كل شي‌ء ما يستحقه. ثم بين ان هذا القيام بالعدل مقتضى اسميه الكريمين: العزيز الحكيم فبعزته يقوم على كل شي‌ء و بحكمته يعدل فيه. و قد ظهر من هذا البيان ان اسم القيوم أم الأسماء الإضافية الثابتة له تعالى جميعا و هي‌

____________

(1) آل عمران/ 1- 3.

(2) البحار ج 4/ 201 و راجع الميزان ج 2/ 347 و لسان العرب ج 12 و النهاية في «قوم» و راجع التفاسير في تفسير الآية/ 255 من البقرة.

7

الأسماء التي تدل على معان خارجة عن الذات بوجه كالخالق و الرازق و المبدئ و المعيد و المحيي و المميت و الغفور و الرحيم و الودود و غيرها» (1).

فاللّه سبحانه قيوم على كل مخلوق بإيجاده و تدبيره و هدايته إلى الغاية المتوخاة منه كما قال تعالى رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ (2).

خلق اللّه سبحانه الإنسان و أكرمه، خلقه في أحسن تقويم و علمه الأسماء و اسجد له ملائكته و جعله خليفته على الأرض.

و قيوميته على الإنسان- بما هو موجود خلق من طين ثم من سلالة من ماء مهين و هو موجود مادي يسير الى كماله كسائر الموجودات المادية- عبارة عن إيجاده و مراقبته و القدرة عليه و تنظيم أموره و هدايته التكوينية الى كماله المادي.

و قيمومته تعالى على الإنسان- بما هو موجود علوي نفخ فيه من روحه و اسجد له ملائكته و علمه الأسماء- عبارة عن هدايته الى ما ينجيه و ما يهلكه و بيان الضر و النفع و الصلاح و الفساد و الخير و الشر يعني ان قيوميته هو تدبير أموره و شئونه بما هو إنسان و تعليمه ما يهلكه و يحطه عن مرتبة الإنسانية و ما ينفعه و ينجيه بما هو إنسان و تعريفه صحته و سقمه.

لقد جعل اللّه تعالى فيه ما يهديه الى كماله المادي و ينجيه من‌

____________

(1) الميزان ج 2/ 347 و 348.

(2) طه/ 50.

8

المهالك لأنه سبحانه جبل فيه غرائز بها يحس الحاجة و يتحرك لرفعها و يحس الضار و النافع و يدركهما و به يقدم لدفع الأول و جلب الثاني والى ذلك يشير قوله تعالى رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ طه/ 50 و قوله تعالى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدىٰ الأعلى/ 3.

كما انه تعالى جعل في الإنسان ما يهتدي به الى صراط الحق و يعرف به ما يسعده و ما يشقيه و يميز به بين الحق و الباطل. و بالجملة جعل فيه ما يوصله الى كماله الإنساني و هو العقل الذي هو نبي من داخل و به يثاب الإنسان و يعاقب و به ينال المرتبة العليا و يتقرب اليه تعالى و به يميز الإنسان بين الحق و الباطل و الحسن و القبيح و الصحيح و السقيم و به يعرف اللّه سبحانه و أنبياءه و حججه و به يتم الحجة كما قال تعالى إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً الإنسان/ 3 و قال تعالى وَ هَدَيْنٰاهُ النَّجْدَيْنِ البلد/ 10 و قال عز شأنه وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا الشمس/ 8.

و قد وردت أحاديث في شأن العقل و عظم مقامه و مرتبته عن النبي- (صلى اللّه عليه و آله)- و أهل بيته الطاهرين كما ان القرآن الكريم بين مقام العقل و عظمته و مرتبته السامية في آيات كثيرة.

و لكن هذه الآية الكريمة تدل على لزوم البعث عقليا و عدم كفاية العقل في تحقق قيوميته تعالى حيث ذكر بعد قوله هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قوله نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ حيث يستشعر منه ترتب‌

9

تنزيل الكتاب على قوله «القيوم» فذكر القيوم هنا كالتعليل لتنزيل الكتاب سيما قوله بعد ذلك «و انزل التوراة و الإنجيل من قبل» فكان معنى الآية الكريمة: اللّه سبحانه لقيوميته على كل شي‌ء و قيوميته على الإنسان نزل الكتاب عليك و انزل التوراة و الإنجيل فلو لا ذلك لم يكن قيوما إذ هداية الناس من لوازم القيومية. كما ان كون التنزيل بالتدريج و كونه بالحق أيضا من لوازم هذه الصفة و هذه نظير الآية الشريفة وَ مٰا قَدَرُوا اللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قٰالُوا مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ عَلىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‌ءٍ الأنعام/ 91 يعني ما عظموه حق تعظيمه أو ما وصفوه حق توصيفه أو ما عرفوه حق معرفته (على اختلاف التفاسير) إذ قالوا أبعث اللّه بشرا رسولا «و لما قيد قوله تعالى وَ مٰا قَدَرُوا اللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ بالظرف الذي في قوله إِذْ قٰالُوا مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ عَلىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‌ءٍ أفاد ذلك ان اجتراءهم على اللّه سبحانه و عدم تقديرهم حق قدره انما هو حيث انهم نفوا إنزال الوحي و الكتاب منه تعالى على بشر فدل ذلك على ان من لوازم الألوهية و خصائص الربوبية أن ينزل الوحي و الكتاب لغرض هداية الناس الى مستقيم الصراط و الفوز بسعادة الدنيا و الآخرة فهي الدعوى» (1).

و لقد بحث العلامة الطباطبائي في الميزان ج 2/ 152 و ما بعدها حول لزوم البعثة و عدم كفاية الهداية العقلية بحثا شافيا و وافيا فمن‌

____________

(1) الميزان ج 7/ 284 و راجع أيضا التبيان ج 4/ 199 و مجمع البيان ط الإسلامية ج 4/ 333 و الكشاف ج 2/ 44 و المنارج 7/ 611- 614 و تفسير الرازي ج 13/ 73.

10

أراد الوقوف على التحقيق في المسألة فليراجعه فان هذه العجالة لا تسع التكلم بالتفصيل حول ذلك المطلب. (1)

و على كل حال لقد جرت سنّة اللّه تعالى على أن يؤيد العقل بالوحي و يرسل رسولا و ينزل كتابا نورا فيه الحلال و الحرام و الواجب ما ينبغي و مالا ينبغي تبيانا لكل شي‌ء هدى للمتقين و فرقانا يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ السَّلٰامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ. (2)

قال سبحانه و تعالى وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا (3) و قال تعالى وَ لَوْ أَنّٰا أَهْلَكْنٰاهُمْ بِعَذٰابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقٰالُوا رَبَّنٰا لَوْ لٰا أَرْسَلْتَ إِلَيْنٰا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيٰاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزىٰ (4) و قال عز شأنه وَ لَوْ لٰا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنٰا لَوْ لٰا أَرْسَلْتَ إِلَيْنٰا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيٰاتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (5) و قال سبحانه وَ مٰا كٰانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرىٰ حَتّٰى يَبْعَثَ فِي أُمِّهٰا رَسُولًا (6) و قال عز من قال لِئَلّٰا يَكُونَ لِلنّٰاسِ عَلَى اللّٰهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كٰانَ اللّٰهُ عَزِيزاً حَكِيماً (7) و قال تعالى قُلْ فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ فَلَوْ شٰاءَ لَهَدٰاكُمْ أَجْمَعِينَ. (8)

و الأنبياء (عليهم السلام) مبعوثون لتربية الإنسان و تعليمه حتى‌

____________

(1) و راجع أيضا كتب الحديث كالكافي ج 1 و الوافي ج 1 و البحار ج 1 حتى تقف على ماهية العقل و أهميته و آثاره و علائمه.

(2) المائدة/ 16.

(3) الاسراء/ 15

(4) طه/ 134

(5) القصص/ 47.

(6) القصص/ 59.

(7) النساء/ 165.

(8) الأنعام/ 149.

11

يصل الى المرتبة الكاملة من الإنسانية كما هو مقتضى قيوميته تعالى و هو الغرض الأقصى من خلق الإنسان و بعثة الأنبياء (عليهم السلام) و قد ذكر في القرآن الكريم البعثة و الغرض المقصود منها في آيات كثيرة و إليك إجمالها:

قال سبحانه:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ.

«يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ» النازلة عليه أو يتلو عليهم الآيات في الآفاق حتى يتبين لهم انه الحق و ان ما دونه الباطل.

«وَ يُزَكِّيهِمْ» يربيهم و يزيل عنهم الرذائل و يحليهم بالفضائل.

«وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ» اي القرآن الكريم أو يعلمهم الكتابة.

«وَ الْحِكْمَةَ» اي يعلمهم ما يحكم به عقولهم السليمة و يكمل عقولهم و يهديهم و يرشدهم إلى الأحكام العقلية و ينبههم موارد الغفلة مما يسوق اليه الغرائز الحيوانية و كمال العقل من الغايات المتوخاة في البعثة و فيه إشارة الى ان الإنسان بما فيه من الغرائز الحيوانية و بما فيه من الشهوات النفسانية لا يمكن ان يهتدي بعقله دون هداية الأنبياء (عليهم السلام) و ان عقولهم تحتاج الى معلم و مرشد معصوم بالوحي الإلهي و يؤكد ذلك بقوله تعالى:

وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ (1) يعني لم يهتدوا بعقولهم.

____________

(1) الجمعة/ 2 و راجع البقرة الآيات 151 و 139 و آل عمران/ 77 و 164.

12

و منها ان لا يتخذ الإنسان من دون اللّه وكيلا (1) لأنه التوحيد الكامل كما لا يخفى.

و في آيات كثيرة ذكر ان الأنبياء يخرجون الناس من الظلمات الى النور اي من ظلم الجهل الى نور العقل و العلم (2) و قال سبحانه في الأنفال اسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذٰا دَعٰاكُمْ لِمٰا يُحْيِيكُمْ أي إذا دعاكم لما يحييكم بما أنتم إنسان و يحيي عقولكم كما انه تعالى سمى الكفار أمواتا و صما و بكما قال تعالى أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كٰانُوا لٰا يَعْقِلُونَ يونس/ 42 و قال سبحانه إِنَّكَ لٰا تُسْمِعُ الْمَوْتىٰ وَ لٰا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعٰاءَ إِذٰا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ النمل/ 80 و الروم/ 52 (3).

و قال تعالى وَ يُعَلِّمُكُمْ مٰا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ لأنهم كانوا غرقى في بحار الجهل و يمكن ان يكون المراد تعليم الأنبياء (عليهم السلام) لهم أمورا لا طريق لهم الى تفاصيلها كتفاصيل ما بعد الموت من عوالم البرزخ و القيامة.

و بالجملة إرسال الأنبياء (عليهم السلام) رحمة منه تعالى الى قوم أرسلوا إليهم ابتداء و بالنهاية كانوا رحمة للانسانية و كما ان رسوله العظيم محمدا (صلى اللّه عليه و آله) رحمة للعالمين ابتداء و نهاية حيث كان مبعوثا الى الجميع قال تعالى وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلّٰا رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ

____________

(1) كما في سورة الإسراء/ 2 «وَ جَعَلْنٰاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرٰائِيلَ أَلّٰا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا».

(2) راجع سورة إبراهيم/ 1- 5 و المائدة/ 16.

(3) راجع الميزان ج 9/ 40.

13

الأنبياء/ 107 حيث يوصلونهم الى المقام السامي للانسانية و يحوزون سعادة الدنيا بالعيش الطيب و الحياة الطيبة و سعادة الآخرة و هي الفوز العظيم قال سبحانه لَهُمْ دٰارُ السَّلٰامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ (1) وَ إِنَّ الدّٰارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوٰانُ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ. (2)

و إذا صلح الإنسان و كمل انتظم الجانب الاجتماعي أيضا لأن الإنسان الراقي لا يميل إلى الخلاف و لا يعمله و لا يرتكب جناية و لا يصدر منه شي‌ء يعد جرما و خلافا.

قام الأنبياء (عليهم السلام) بواجبهم و هو الدعوة الى اللّه تعالى:

بالتبشير لمن آمن منهم برحمة اللّه تعالى و مغفرته و جنته المعدة للمتقين بانهارها و أشجارها و قصورها و حورها و فواكهها و هذه طريقة كل الأنبياء (عليهم السلام) قال تعالى:

فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ البقرة/ 213.

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلّٰا يَكُونَ لِلنّٰاسِ عَلَى اللّٰهِ حُجَّةٌ النساء/ 165.

وَ مٰا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلّٰا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ الأنعام/ 48 و الكهف/ 56.

و الانذار لمن طغى و آثر الحياة الدنيا بالجحيم بنارها و سعيرها و سمومها و حياتها و عقاربها و أغلالها و مقامعها.

____________

(1) الانعام/ 127.

(2) العنكبوت/ 64.

14

يدعون الى اللّه تعالى بكل حنان و رحمة و لين و رأفة دائبين على ذلك ليلهم و نهارهم حتى قال سبحانه مخاطب نبيه الكريم فَلَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً الكهف/ 6 و لَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ أَلّٰا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ الشعراء/ 3 و قال فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ النحل/ 35 و قال وَ مٰا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ النور/ 54 و العنكبوت/ 18 و قال فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمٰا عَلَيْكَ الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ النحل/ 82 و قال فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمٰا عَلىٰ رَسُولِنَا الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ التغابن/ 12. (1)

فكان يسليه في دابة على التبليغ و تأثره الشديد من عدم هدايتهم كوالد يتحرق من ضلال ولده و فساده فاللّه سبحانه يعزيه و يربط على قلبه الشريف و كذلك سائر الأنبياء العظام (صلوات اللّه عليه و آله الكرام و عليهم أجمعين).

هذه طريقتهم و سيرتهم في الدعوة و الإصلاح و التزكية و التعليم كطريقة معلم الأطفال المتحن عليهم و كطريقة طبيب دوار بطبه قد احكم مراهمه و احمى مواسمه.

و لكنهم واجهوا في تبليغهم و دعوتهم الطغاة العتاة من مستكبري اقوامهم الأشداء فقابلوا لينهم بالشدة و رحمتهم بالقسوة و براهينهم بالضرب و التعذيب و الجفوة و إصرارهم في التبليغ‌

____________

(1) و قال تعالى «لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» التوبة/ 128.

15

بالجرح و القتل و الهلكة فعندئذ أوجبت الفطرة على الأنبياء (عليهم السلام) الدفاع و مقابلة المثل بالمثل استخداما للدفاع في طريق الهداية و الدعوة و الإصلاح فكانت حربهم دفاعا عن الدين و التوحيد و المسلم المستضعف و دفاعا عن غرض البعثة بل دفاعا عن غرض الخلقة و هم (عليهم السلام) يسيرون على الفطرة السليمة و السيرة القويمة و هم الحكماء الراشدون و الأنبياء المعصومون (عليهم السلام). (1)

و بالنتيجة ابتلى كثير منهم بالحرب و قتال أعداء الدين كما قال سبحانه وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قٰاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمٰا وَهَنُوا لِمٰا أَصٰابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ مٰا ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكٰانُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الصّٰابِرِينَ وَ مٰا كٰانَ قَوْلَهُمْ إِلّٰا أَنْ قٰالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنٰا ذُنُوبَنٰا وَ إِسْرٰافَنٰا فِي أَمْرِنٰا وَ ثَبِّتْ أَقْدٰامَنٰا وَ انْصُرْنٰا عَلَى الْقَوْمِ الْكٰافِرِينَ آل عمران/ 146.

و يدل عليه أيضا قوله تعالى حكاية عن قوم موسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقٰاتِلٰا إِنّٰا هٰاهُنٰا قٰاعِدُونَ المائدة/ 24 حيث تدل على انه على نبينا و آله و (عليه السلام) دعاهم الى قتال العمالقة.

و قوله تعالى حكاية عن بني إسرائيل ابْعَثْ لَنٰا مَلِكاً نُقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ. وَ قَتَلَ دٰاوُدُ جٰالُوتَ وَ آتٰاهُ اللّٰهُ الْمُلْكَ البقرة/ 246- 251.

و قوله تعالى حاكيا عن سليمان على نبينا و آله و (عليه السلام) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لٰا قِبَلَ لَهُمْ بِهٰا وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهٰا أَذِلَّةً وَ هُمْ صٰاغِرُونَ

____________

(1) و قال اللّه تعالى في أسلوب الدعوة و الاحتجاج ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النحل/ 125.

16

النمل/ 37.

و هذه الآية تدل على الرخصة للنبي (عليه السلام) في الحرب الغير الدفاعية أيضا في طريق تحكيم الدين و حسم الشرك.

بل عدة من الآيات تدل أو تشير الى ان الدفاع أمر فطري مجبول عليه الإنسان قال سبحانه و تعالى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقٰاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللّٰهَ عَلىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلّٰا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللّٰهُ وَ لَوْ لٰا دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوٰامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوٰاتٌ وَ مَسٰاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّٰهِ كَثِيراً وَ لَيَنْصُرَنَّ اللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللّٰهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الحج/ 40 و قال تعالى وَ لَوْ لٰا دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ البقرة/ 251.

و سيأتي بعض الآيات الدالة أو المشيرة الى ذلك فانتظر.

قال الأستاذ العلامة (رحمه اللّه تعالى) في بيان الجهاد في الإسلام:

«و جملة الأمر ان القرآن يذكر ان الإسلام و دين التوحيد مبني على أساس الفطرة و هو القيم على إصلاح الإنسانية في حياتها كما قال تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا لٰا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ ذٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ النّٰاسِ لٰا يَعْلَمُونَ الروم/ 30 فاقامته و التحفظ عليه أهم حقوق الإنسانية المشروعة كما قال تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لٰا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ الشورى/ 13.

17

ثم يذكر ان الدفاع عن هذا الحق الفطري المشروع حق آخر قال تعالى وَ لَوْ لٰا دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوٰامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوٰاتٌ وَ مَسٰاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّٰهِ كَثِيراً وَ لَيَنْصُرَنَّ اللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللّٰهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الحج/ 40 فبين ان قيام دين التوحيد على ساقه و حياة ذكره منوط بالدفاع، و نظيره قوله تعالى وَ لَوْ لٰا دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ البقرة/ 251 و قال تعالى في ضمن آيات القتال من سورة الأنفال لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْبٰاطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ الأنفال/ 8 ثم قال بعد عدة آيات يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذٰا دَعٰاكُمْ لِمٰا يُحْيِيكُمْ الأنفال/ 24 فسمى الجهاد و القتال الذي يدعى له المؤمنون محييا لهم و معناه ان القتال سواء كان بعنوان الدفاع عن المسلمين أو عن بيضة الإسلام أو كان قتالا ابتدائيا كل ذلك بالحقيقة دفاع عن حق الإنسانية في حياتها ففي الشرك باللّه هلاك الإنسانية و موت الفطرة و في القتال و هو دفاع عن حقها اعادة لحياتها و إحياؤها بعد الموت. (1)

و بالجملة الدفاع عن الحياة المادية للدافع أو للمسلمين أو عن الحياة الإنسانية له أو لهم أمر فطري جبل عليه الإنسان بل الحيوان كما هو المشاهد المحسوس و لا يمكن أن يكون منهيا عنه لأنه نهي عن الفطرة مع ان دين الإسلام هو دين الفطرة كما تقدم في‌

____________

(1) الميزان ج 2/ 66.

18

كلام الأستاذ (رحمه اللّه) آنفا.

و ما نسب الى بعض الأنبياء من انهم جروا على مجرد الدعوة و الهداية فقط (1) أو أنه «كان القرآن يأمر المسلمين بالكف عن القتال، و الصبر على كل أذى في سبيل اللّه سبحانه و تعالى كما قال سبحانه و تعالى قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ لٰا أَعْبُدُ مٰا تَعْبُدُونَ وَ لٰا أَنْتُمْ عٰابِدُونَ مٰا أَعْبُدُ- إلى قوله- لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ الكافرون/ 6 و قال تعالى وَ اصْبِرْ عَلىٰ مٰا يَقُولُونَ المزمل/ 10 و قال تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ فَلَمّٰا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتٰالُ النساء/ 77» (2).

و أضف الى ذلك ظواهر الآيات المتقدمة الحاصرة وظيفة الأنبياء (عليهم السلام) في الإبلاغ المبين كقوله تعالى وَ مٰا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ (3) و قوله تعالى فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ (4) و غيرها من الآيات الحاصرة وظيفة الأنبياء (عليهم السلام) في التبليغ.

«فالتاريخ الموجود من حياتهم يدل على عدم اتساع نطاقهم بحيث يجوز لهم القيام بالقتال كنوح و هود و صالح (عليهم السلام) فقد كان أحاط بهم القهر و السلطة من كل جانب و كذلك عيسى (عليه السلام) أيام إقامته بين الناس و اشتغاله بالدعوة». (5)

كما ان في صدر الإسلام في مكة ثلاث عشرة سنة لم يكن عند المسلمين قوة يقدرون بها على القتال و إذا كلفوا بالقتال و الحال‌

____________

(1) الميزان ج 2/ 68.

(2) الميزان ج 2/ 64 و 65.

(3) النور/ 54 و العنكبوت/ 18.

(4) النحل/ 35.

(5) الميزان ج 2/ 68.

19

هذه لكان تكليفا بما لا يطاق و إذا رخصوا فيه كما روي ان بعض المسلمين كانوا يطلبون الرخصة في القتال آنئذ لكان قضاء على الإسلام و قطع شجرته من أصلها، ففي أي زمان نهوا عن ذلك كان إرشاد الى عدم إمكانه و عدم اجتماع شرائطه.

مع ان ظاهر القرآن الكريم ان جمعا كثيرا من الأنبياء (عليهم السلام) قاتلوا في سبيل اللّه كما تقدم. و في الحديث ان أول من قاتل هو إبراهيم (عليه السلام). (1).

مع ان في بعض الآيات إشارة الى ان الدفاع أمر فطري كما تقدم و كما في قوله تعالى أَ لٰا تُقٰاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمٰانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْرٰاجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ التوبة/ 13 يوبخهم اللّه سبحانه على ترك القتال معللا بأمور ثلاثة:

1- نكث الأيمان.

2- الهم بإخراج الرسول (صلى اللّه عليه و آله).

3- ابتداؤهم بذلك.

و من المعلوم ان التعليل يستلزم أن تكون العلة أمرا واضحا عند المخاطب و انه يوجب التقريع و التوبيخ فكأنه تعالى يعلل توبيخه بأمور واضحة عندهم بحكم الفطرة و عند العقل.

كما ان في الآيات الواردة في طلبهم من نبيهم ابْعَثْ لَنٰا مَلِكاً نُقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ تحكي عنهم تعليل طلبهم ذلك‌

____________

(1) راجع جامع أحاديث الشيعة ج 13/ 23 و 115.

20

قٰالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ أَلّٰا تُقٰاتِلُوا قٰالُوا وَ مٰا لَنٰا أَلّٰا نُقٰاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنٰا مِنْ دِيٰارِنٰا وَ أَبْنٰائِنٰا. وَ لَوْ لٰا دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ. (1)

عللوا قتالهم بأنه في سبيل اللّه.

و انهم اخرجوا من ديارهم و أموالهم.

و علل سبحانه و تعالى رخصته في ذلك بقوله وَ لَوْ لٰا دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ فكان القتال لدفع الفساد في الأرض أمر مطلوب مفروغ عنه. فكما في الآية الأخرى وَ لَوْ لٰا دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوٰامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوٰاتٌ وَ مَسٰاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّٰهِ جعل القتال لحفظ الصوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم اللّه امرا مرغوبا فيه و مطلوبا.

كما انه عز شأنه يوبخهم بقوله تعالى وَ مٰا لَكُمْ لٰا تُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا مِنْ هٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظّٰالِمِ أَهْلُهٰا وَ اجْعَلْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً النساء/ 75 و ظاهرها تعليل التوبيخ بأمر عقلي و هو الدفاع عن الدين و الدفاع عن المستضعفين.

و اما الآيات الحاصرة وظيفة الأنبياء (عليهم السلام) في الإبلاغ المبين فهي بمعنى ان الأنبياء (عليهم السلام) يجب عليهم الإبلاغ‌

____________

(1) سورة البقرة: 246- 251.

21

و إتمام الحجة لا إلجاء الناس الى الايمان و الاعتقاد القلبي و ليس من وظيفتهم ان يلجأوا الناس الى ما يدعونهم اليه و ينهونهم عنه و لا ان يحملوا معهم ارادة اللّه الموجبة التي لا تتخلف عن المراد و لا امره الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون حتى يحولوا بذلك الكفر الى الايمان و يضطروا الوصي إلى الإطاعة- فإنما- الرسول بشر مثلهم». (1)

فكان الناس يقولون لو كانوا هؤلاء أنبياء و مبعوثين من قبل اللّه تعالى لكانت إرادتهم كإرادة اللّه تعالى لا تتخلف عن المراد بل لا يمكن مخالفتهم ابدا كما انهم لا يحتاجون الى تجنيد الجنود و تعبئة الجيوش إذ باشارتهم يموت المخالفون و يندفع المنابذون فعدم قدرتهم على ذلك يصير دليلا على عدم صحة نبوتهم كما كانوا يقولون: ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق و.

فالآيات في جواب هذه التوهمات تفيد أن الأنبياء إنما هم بشر مثلهم يوحى إليهم يمشون و يفعلون و يبلغون و يحاربون و يقاتلون كسائر أفراد البشر و يقتلون و يقتلون.

فالدفاع عن حق النفس في حفظ حياته أو عرضه أو ماله أو الدفاع عن دينه و كتابه و نظامه الديني سواء كان بعنوان الدفاع عن المسلمين أو عن بيضة الإسلام أو كان قتالا ابتدائيا كل ذلك بالحقيقة دفاع عن حق الإنسانية في حياتها ففي الشرك باللّه هلاك‌

____________

(1) الميزان ج 12/ 257.

22

الإنسانية و موت الفطرة و في القتال و هو دفاع عن حقها اعادة لحياتها و إحياؤها بعد الموت.

و تبين مما ذكرنا ان الجهاد في الإسلام لم يكن مخالفا لما جرى عليه الأنبياء (عليهم السلام) في تبليغهم لما ذكرنا من كون الدفاع فطريا و لما مر من سيرتهم (عليهم السلام) في القتال و يشهد له أيضا ما تقصه التوراة بل الإنجيل أيضا.

قال الأستاذ العلامة:

«و بما مرّ من البيان يظهر الجواب عما يورد على الإسلام في تشريعه الجهاد بأنه خروج عن طور النهضات الدينية المأثورة عن الأنبياء السالفين فان دينهم انما كان يعتمد في سيره و تقدمه على الدعوة و الهداية دون الإكراه على الايمان بالقتال المستتبع للقتل و السبي و الغارة و لذلك ربما سماه بعضهم كالمبلغين من النصارى بدين السيف و الدم و آخرون بدين الإجبار و الإكراه».

«و ذلك: ان القرآن يبين ان الإسلام مبني على قضاء الفطرة الإنسانية التي لا ينبغي أن يرتاب ان كمال الإنسان في حياته هو ما قضت به و حكمت و دعت اليه و هي تقضي بان التوحيد هو الأساس الذي يجب بناء القوانين الفردية و الاجتماعية عليه و ان الدفاع عن هذا الأصل بنشره بين الناس و حفظه من الهلاك و الفساد حق مشروع للانسانية يجب استيفاؤه بأي وسيلة ممكنة و قد روعي في ذلك طريق الاعتدال فبدأ بالدعوة المجردة و الصبر على الأذى في جنب اللّه ثم الدفاع عن بيضة الإسلام و نفوس‌

23

المسلمين و اعراضهم و أموالهم ثم القتال الابتدائي الذي هو دفاع عن حق الإنسانية و كلمة التوحيد و لم يبدأ بشي‌ء من القتال الا بعد إتمام الحجة بالدعوة الحسنة كما جرت عليه السنّة النبوية قال تعالى ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النحل/ 125 و الآية مطلقة و قال تعالى:

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ الأنفال/ 12 و اما ما ذكروه من استلزامه (أي القتال الابتدائي) الإكراه عند الغلبة فلا ضير فيه بعد توقف احياء الإنسانية على تحميل الحق المشروع على عدة من الأفراد بعد البيان و اقامة الحجة البالغة عليهم و هذه طريقة دائرة بين الملل و الدول فإن المتمرد المتخلف عن القوانين المدنية يدعى الى تبعيتها ثم يحمل عليه بأي وسيلة أمكنت و لو انجر الى القتال حتى يطيع و ينقاد طوعا أو كرها على ان الكره انما يعيش و يدوم في طبقة واحدة من النسل ثم التعليم و التربية يصلحان الطبقات الآتية بإنشائها على الدين الفطري و كلمة التوحيد طوعا». (1)

إنما مثل هؤلاء كمريض أشرف على الهلاك و يتأبى عن شرب الدواء حيث يجب على العقلاء ان يلجئوه لشرب الدواء و للحضور عند الطبيب و كذا من يريد ان يقتل نفسه أو يوقع نفسه في الهلكة فعلى غيره من العقلاء ان يمنعوه و لو بأشدّ الأمور من‌

____________

(1) الميزان ج 2/ 68 و 69.

24

وسائل المنع.

و بالجملة بعث اللّه تعالى الأنبياء (عليهم السلام) لطفا و رحمة للإنسان و روعي في أسلوب الدعوة أيضا الرحمة و الرأفة و الحنان و القتال أيضا شرع رحمة للعباد لحفظ الإنسانية و لحفظ أساس التوحيد و للدفاع عن الدعوة الحقة و عن الإنسانية بالغاية.

و من المعلوم ان ما شرع لغاية الرحمة على العباد يراعى في أسلوبه أيضا الرحمة و الرأفة و بعبارة أخرى ما جعل وسيلة للوصول الى الهدف و حفظه لا بد و ان يلائمه و يوافقه لا ان يزاحمه و يضاده فعندئذ لا بد و أن يكون القتال في الإسلام محكوما بآداب و أحكام و شرائط تقرب من الهدف المقصود و تلائمه.

و لا بأس بذكر الآداب و الأحكام المقررة للقتال إجمالا حتى يتبين ما هو القتال في الإسلام و ما هو المندوب اليه:

1- جعل الجهاد في الإسلام و القتال عبادة بل من أسنى العبادات و أغلاها و أعلاها. و اشترط فيها النية و قصد التقرب و الإخلاص و البعد عن الهوى و شوائب الرياء و العجب و الفخر و المن و الدواعي النفسانية من الغضب و الانتقام و ابتغاء عرض الحياة الدنيا و كذلك يشترط فيها الابتعاد عن موانع القبول و النسعي في كونه محدودا بالحدود الإلهية. (1)

2- استحب قبل الشروع في القتال الدعاء و التضرع الى اللّه‌

____________

(1) وردت أحاديث كثيرة فيها اشعار أو تصريح بما ذكره و راجع جامع الأحاديث ج 13 ص 121 و. و فيها ورد الأعمال بالنيات.

25

تعالى و قد روي عن الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات اللّه عليه) الدعوات المأثورة.

كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في غزوة بدر واحد و الأحزاب يدعو و يتضرع الى اللّه تعالى ساجدا و راكعا و قائماً. (1)

دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في بدر بهذا الدعاء: اللهم أنت ثقتي في كل كرب و رجائي في كل شدة. (2)

و كان (صلى اللّه عليه و آله) يدعو و يستغيث حتى نزل قوله تعالى:

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ (3).

و كان يدعو في الأحزاب: يا صريخ المكروبين و يا مجيب دعوة المضطرين. كما في نور الثقلين ج 4/ 254 و البحار ج 20/ 208 و 209.

و كذلك أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) لا يزال الليل كله قائماً‌

____________

(1) جامع الأحاديث ج 13/ 139 و أعيان الشيعة ج 2/ 419 و 420.

(2) راجع مهج الدعوات/ 87 و دعا بها الامام الصادق (عليه السلام) يوم أمر المنصور بإحضاره كما في المهج ص 230 و 232 و نقله الشيخ في الأمالي ج 1/ 33 و الكافي ج 2/ 578 و المهج عن الرضا (عليه السلام) و دعا بها الحسين (عليه السلام) يوم العاشور كما في الإرشاد للمفيد (رحمه اللّه) ص 217 و الطبري ج 7/ 327 ط ليدن و البداية و النهاية ج 8/ 169 و 187 و مستدرك الوسائل ج 2 الط القديم/ 265 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 4/ 333 و الكامل لابن الأثير ج 3/ 385 و البحار ج 45/ 4 و مقتل المقرم ص 253 و ملحقات إحقاق الحق ج 11/ 613.

(3) راجع البرهان ج 2/ 69 و القرطبي ج 7/ 370 و الطبري ج 9/ 128 و المنار ج 9/ 602 و 603 و الدر المنثور ج 3/ 169 و 170 و مجمع البيان ح 4/ 525 ط الإسلامية و التبيان ج 5/ 99 و الميزان ج 9/ 30.

26

و كان علي (عليه السلام) يدعو قبل القتال بدعوات رواها في جامع الأحاديث ج 13/ 139 و ما بعدها و البحار ج 32/ 461 و 462 منها:

«اللهم إنك أعلمت سبيلا من سبلك جعلت فيه رضاك و ندبت إليه أولياءك و جعلته أشرف سبلك عندك ثوابا و أكرمها لديك مآبا و أحبها إليك. مسلكا ثم اشتريت من المؤمنين أنفسهم و أموالهم.».

و منها:

«اللهم إليك نقلت الأقدام و أفضت القلوب و رفعت الأيدي و شخصت الأبصار نشكو إليك غيبة نبينا و كثرة عدونا و تشتت اهوائنا ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين».

و منها: لما سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين قال: اني اكره لكم ان تكونوا سبابين و لكنكم لو وصفتم أعمالهم و ذكرتم حالهم كان أصوب في القول و أبلغ في العذر و قلتم مكان سبكم إياهم:

اللهم احقن دماءنا و دماءهم و أصلح ذات بيننا و بينهم و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به. (1)

فعلى المحقق الدقة في مضامين هذه الدعوات كي يقف على حقيقة القتال و اهدافه و نتائجه في الإسلام.

____________

(1) و راجع أيضا بهج الصباغة ج 9/ 130 و ما بعدها و راجع ص 165 و ما بعدها.

27

3- كان (صلى اللّه عليه و آله) إذا بعث سرية دعا لها. (1)

و كان علي (عليه السلام) يدعو لهم و يقول: اللهم ألهمهم الصبر و انزل عليهم النصر و أعظم لهم الأجر (2) كما كان (عليه السلام) يدعو على أعدائه: «اللهم فان ردوا الحق فافضض جمعهم و شتت كلمتهم و أبسلهم بخطاياهم».

و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا أراد ان يبعث سرية:

4- دعاهم فأجلسهم بين يديه و أجلس أميرهم الى جنبه.

5- أوصى أمير الجيش بتقوى اللّه في خاصة نفسه و بمن معه من المسلمين.

6- ثم قال: سيروا بسم اللّه و باللّه و في سبيل اللّه و على ملة رسول اللّه.

7- لا تغلوا، يعني من المغانم قبل القسمة أو لا تخونوا.

8- لا تمثلوا، و المثلة قطع الأعضاء و ذلك كما انه نهى عن القتل صبرا أيضا و هو ان يجعل المقتول غرضا يرمى حتى يموت أو يحبس حتى يقتل.

9- لا تغدروا، يعني في عهودهم و مواثيقهم و في الأمان الذي يعطون العدو.

10- لا تقتلوا شيخا فانيا لا تدخل له في الحرب.

11- لا تقتلوا صبيا (وليدا).

____________

(1) راجع جامع الأحاديث ج 13/ 116.

(2) راجع وقعة صفين لنصر ص 203.

28

12- لا تقتلوا متبتلا في شاهق أي المنقطع عن الدنيا الفارغ للعبادة.

13- لا تقتلوا النساء إلا ان يقاتلن فان قاتلن فأمسكوا عنهن ما امكنكم.

14- لا تقطعوا شجرا إلا مع الاضطرار أو يكون فيه صلاح المسلمين كما قال تعالى مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا قٰائِمَةً عَلىٰ أُصُولِهٰا فَبِإِذْنِ اللّٰهِ. (1)

15- لا تحرقوا نخلا إلا مع الاضطرار أو يكون فيه صلاح المسلمين.

16- لا تغرقوا النخل بالماء.

17- أيما رجل من ادنى المسلمين أو أفضلهم نظر الى أحد من المشركين فهو جار له حتى يسمع كلام اللّه فاذا سمع كلام اللّه فان تبعكم فأخوكم في دينكم و ان أبى فاستعينوا باللّه و أبلغوه مأمنه.

18- لا تحرقوا زرعا.

19- لا يلقى السم في بلادهم.

20- لا تعقر البهائم مما يؤكل لحمه إلا ما لا بد لكم من لحمه.

21- أمير الجيش أضعفهم دابة.

22- إذا لقيتم عدوا للمسلمين فادعوهم الى الإسلام (2) فإن‌

____________

(1) سورة الحشر/ 5.

(2) أكد ذلك في أحاديث كثيرة و قال: لا تقاتلوا حتى تدعوهم إلى الإسلام و تحتجوا عليهم.

29

دخلوا فيه فاقبلوه منهم و كفوا عنهم و ادعوا إلى الهجرة بعد الإسلام فإن فعلوا فاقبلوه منهم و كفوا عنهم.

23- و ان أبوا أن يهاجروا و اختاروا ديارهم و أبوا أن يدخلوا دار الهجرة كانوا بمنزلة أعراب المؤمنين يجري عليهم ما يجري على أعراب المؤمنين و لا يجري لهم في الفي‌ء و لا في القسمة شي‌ء إلا أن يهاجروا في سبيل اللّه.

24- فإن أبوا هاتين فادعوهم الى إعطاء الجزية عن يد و هم صاغرون فإن أعطوا الجزية فاقبلوا منهم و كفوا عنهم.

25- و ان أبوا فاستعينوا باللّه عليهم و جاهدوهم في اللّه حق جهاده.

26- و لا تدفعن صلحا دعاكم اليه عدوكم للّه فيه رضا.

27- لا تهدمن بناء. (1)

____________

(1) هذه الفقرات أخذناها من وصايا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لجنوده في القتال مع الكفار من المشركين و أهل الكتاب رويت بطرق كثيرة و ألفاظ متقاربة و ان شئت الوقوف عليها فراجع جامع أحاديث الشيعة ج 13/ 116 و ما بعدها و الكافي ج 5/ 29 و 30 و الوسائل كتاب الجهاد و الروضة للكافي ص 79 و راجع ابن أبي شيبة ج 12/ 458 و 328 و 337 و 362 و السن الكبرى للبيهقي ج 6/ 590 و ج 9/ 49 و 91 و كنز العمال ج 4/ 233 و 303 و 304 و المعجم الصغير للطبراني ج 1/ 45 و 123 و البحار ج 19/ 179 و 178 و السيرة الحلبية ج 3/ 77 و مسند أحمد ج 1/ 300 و ج 4/ 240 و ج 6/ 352 و 358 و مسلم كتاب الجهاد و اليعقوبي ج 2/ 59 و ابن ابي الحديد ج 15/ 64 و ابن عساكر ج 1/ 94 و 120 و الأموال لأبي عبيد ص 212 و المغازي للواقدي ج 2/ 757 و الوفاء لابن الجوزي ج 2/ 712 و سيرة دحلان هامش الحلبية ج 3/ 270.

و راجع خطبة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) يوم بدر شرح ابن ابي الحديد ط مصر ج 4/ 331 و خطبته (صلى اللّه عليه و آله) يوم أحد شرح ابن ابي الحديد ج 3/ 365 ط مصر و حين سرح الجيش الى مؤتة شرح ابن ابي الحديد ج 3/ 404 ط مصر.

30

28- انه (صلى اللّه عليه و آله) امتنع من قطع الماء في خيبر كما في البحار ج 21/ 30 كما ان أمير المؤمنين بعد أن أخذ الماء من معاوية و قيل له أن يمنع الماء قال: «خلوا بينهم و بين الماء فان اللّه نصركم ببغيهم و ظلمهم» راجع صفين لنصر ص 162 و ابن ابي الحديد ج 3/ 319 أو قال: «فان القوم قد بدأوكم بالظلم و فاتحوكم بالبغي» عدّ (عليه السلام) منعهم الماء ظلما أو قال «خلوا بينهم و بينه لا افعل ما فعله الجاهلون» ابن ابي الحديد ج 3/ 331.

و في وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) في حروبه (الجمل بالبصرة و صفين بالشام و النهروان) مسائل كثيرة نلخص منها ما يرتبط بالمقام:

1- أوصيكم بتقوى اللّه الذي لا بد لكم من لقائه و لا تقاتلن الا من قاتلك.

2- أطيلوا الليلة القيام و أكثروا تلاوة القرآن و اسألوا اللّه الصبر و النصر. تعاهدوا الصلاة و حافظوا عليها و استكثروا منها و تقربوا بها.

3- لا تقاتلوا القوم حتى يبدأوكم فإنكم بحمد اللّه على حجة و ترككم إياهم حتى يبدأوكم حجة أخرى لكم عليهم.

4- انهدوا إليهم و عليكم السكينة و وقار الإسلام، استشعروا‌

31

الخشية و تجلببوا السكينة.

5- لا تمثلوا بقتيل إذا قاتلتموهم و هزمتموهم بإذن اللّه.

6- فلا تقتلوا مدبر.

7- لا تجهزوا على جريح أي لا تقتلوهم سريعا.

8- و إذا وصلتم الى رحال القوم فلا تكشفوا عورة و العورة كل ما يستحيى منه إذا ظهر.

9- و لا تهتكوا سترا.

10- و لا تدخلوا دارا إلا بإذني.

11- و لا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم.

12- و لا تهيجوا امرأة بأذى و ان شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم.

13- اني اكره لكم ان تكونوا سبابين و لكنكم لو وصفتم أعمالهم. إلى آخر ما مر- و صلحاء كم فإنهن ضعاف القوى و الأنفس و العقول و قد كنا نؤمر بالكف عنهن و هن مشركات و ان كان الرجال ليتناول المرأة بالهراوة أو بالحديد فيعير بها و عقبه من بعده.

13- لا تتبعوا موليا و لا تطلبوا مدبرا.

14- و لا تقتلوا أسيرا.

15- و لا تصيبوا معورا، من أعور الفارس إذا بدأ فيه موضع خلل.

16- و لا يطلب المبارزة إلا بإذن الامام.

32

17- و من ألقى إليكم السلم فاقبلوا منه.

18- قال (عليه السلام) للأشتر: إياك و ان تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدأوك حتى تلقاهم و تسمع منهم و لا يجر منكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم و الاعذار إليهم مرة بعد مرة.

19- قال لأمير الجيش:

و احرس عسكرك بنفسك و إياك أن ترقد أو تصبح إلا غرارا يعني: إياك أن ترقد حتى الصباح إلا قليلا.

20- و عليك بالتأني في حربك و إياك و العجلة إلا أن تمكنك فرصة.

21- استعينوا بالصبر فان بعد الصبر النصر من اللّه عزّ و جل.

هذه جملات أخذناها من وصايا أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (صلوات اللّه عليه) في الآداب و الأحكام الحربية الناشئة عن فضائل إنسانية و ملكات نفسانية التي يتحلى بها المسلم المقاتل فتورث سجايا حسنة و أخلاقا رزينة. هذا عدى ما نقل عنه (صلوات اللّه عليه) من بيان أمور لها دخل في ظفر المقاتل و غلبته على عدوه و سلامته من نكاية العدو و مكائده و ذكرها خارج عن شرط المقال. (1)

____________

(1) راجع بهج الصباغة ج./ 130 و ما بعدها و جامع أحاديث الشيعة ج 13/ 116 و ما بعدها و راجع صفين ط مصر ص 203 و نهج البلاغة الكتاب/ 14 و الطبري ج 6 ط ليدن ص 3282 و 3283 و 3325 و مروج الذهب ج 2/ 371 و في ط 362 و 380 و الكافي كتاب الجهاد/ 36 و كذا الوسائل ج 11 ص 71 و راجع ابن أبي شيبة ج 13/ 282 و راجع شرح الآملي للنهج ج 15/ 122 و ج 18/ 224 و 297 و نهج السعادة ج 2/ 337 و 340 و البحار ج الط الحجري/ 574 و 578 و مستدرك الوسائل ج 2/ 69 و 342 و 259 و ابن ابي الحديد ج 4/ 26 و ج 7/ 300 و ج 8/ 3 و 7 و 54 و ج 3/ 325 و 331 و الإرشاد للمفيد (رحمه اللّه تعالى) ص 127 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1/ 110 و المحاسن للبيهقي ج 1/ 69 و 45 و مسند زيد ص 349- 351 و ربيع الأبرار ج 3/ 321 و السن الكبرى للبيهقي ج 8/ 180 و النهاية لابن الأثير في «عور».

33

هذا كله في الجهاد الإسلامي و ان الإسلام يستخدم القتال في الوصول إلى الحق لا في طريق الدنيا و شهواتها و زخرفها و لا للوصول الى الانتقام و تشفي النفوس من المخالفين و في استخدامه القتال في الدفاع عن الدين و عن المستضعفين يسلك سبيلا عقليا دينيا على سنن الرحمة و الرأفة. و لا يرى العنف و الشدة إلا فيما يراه اللّه تعالى حيث يقول وَ لٰا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ البقرة/ 190 «و النهي عن الاعتداء مطلق يراد به كل ما يصدق عليه انه اعتداء كالقتال قبل ان يدعى الى الحق و الابتداء بالقتال و قتل النساء و الصبيان و عدم الانتهاء الى العدو و غير ذلك مما بينه السنّة النبوية» (1). قال الأستاذ العلامة في تفسير قوله تعالى في ذيل آيات القتال وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (2) «ثم ختم سبحانه الكلام بالإحسان فقال وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ و ليس المراد بالإحسان الكف عن القتال أو الرأفة في قتل أعداء الدين و ما يشبههما بل الإحسان هو الإتيان‌

____________

(1) الميزان ج 2/ 61 و 62.

(2) البقرة/ 195.

34

بالفعل على وجه حسن بالقتال في مورد القتال و الكف في مورد الكف و الشدة في مورد الشدة و العفو في مورد العفو فدفع الظالم بما يستحقه إحسان على الإنسانية باستيفاء حقها المشروع و دفاع عن الدين المصلح لشأنها كما ان الكف عن التجاوز في استيفاء الحق المشروع بما لا ينبغي إحسان آخر». (1)

سلك الإسلام في الكافر الطاغي المعاند أيضا طريق الإحسان في مقاتلته:

نهى عن الغدر أي نقض ما عقد معه من المواثيق.

نهى عن المثلة إذا أريد قتله بان يقطع أنفه و اذنه و يده و رجله.

نهى عن قتل الصبر بأن يجعل غرضا فيرمى حتى يموت.

نهى عن التجويع بان يحبس حتى يموت جوعا.

نهى عن التعطيش بان يحبس حتى يموت عطشا.

و بالجملة الأمر بالإحسان بعد قوله وَ قٰاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ و قوله تعالى وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ و قوله تعالى وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلّٰهِ و قوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ يدل على ان المراد بالإحسان هو القتال على نحو أحسن، و في الحديث عن الصادق (عليه السلام) «يعني المقتصدين» أي البعيدين عن الإفراط و التفريط.

____________

(1) الميزان ج 2/ 65 و راجع المنار أيضا ج 2/ 214 و 215.

35

بل الظاهر ان قوله تعالى وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً التوبة/ 123 كقوله تعالى يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ جٰاهِدِ الْكُفّٰارَ وَ الْمُنٰافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ التوبة/ 73 و التحريم/ 9 أيضا ليس المراد منها الخشونة و الفظاظة و سوء الخلق و القساوة و الجفوة بل المراد ان يجروا عليهم أحكام اللّه من القتل و الحبس و شد الوثاق و لا تمنعهم الرحمة عن إجراء أحكام اللّه و يقال هذا لمن غلب عليه العطوفة و العفو و الرحمة كما قال الرازي في تفسيره.

و لا غرو في ذلك عند من وقف على الأحكام الإلهية في صدورها على أساس الإصلاح و الرحمة لعباد اللّه و مدح من أطعم أسيرا كافرا أو سقى ظامئا كافرا.

بل اصدر الإسلام أحكاما كثيرة حتى في الحيوانات بأجمعها أهليا و وحشيا في قتلها و تجويعها و تعطيشها و الحمل عليها بما لا تطيق أو في من ملكها و لا ينفق عليها أو في من ركبها و حملها على السير و ضربها أو من مثّل بها أو كفها أو وسمها في وجوهها أو قطع أعضاءها أو جعلها غرضا أو.

و لا بأس بالإشارة الى بعض ما ورد فيها:

جعل لكل ذي حياة حقا و ان شئت فسمه حق الحياة.

نهى عن قتل كل حيوان إلا ما كان مؤذيا و مضرا أو مفسدا حكم الدين و العقل باعدامه كالكافر الحربي أو الإنسان القاتل أو من ارتكب عملا حده القتل، قال الصادق (عليه السلام): أقذر الذنوب ثلاثة: قتل البهيمة و حبس مهر المرأة و منع الأجير‌

36

اجره. (1)

و قال (صلى اللّه عليه و آله) «اتقوا اللّه فيما خولكم و في العجم من أموالكم فقيل له: و ما العجم؟ قال: الشاة و القبر و الحمام». (2)

و قال: «اتقوا اللّه في هذه البهائم». (3)

و قال: لو غفر لكم ما تأتون الى البهائم لغفر لكم كثير». (4)

و قال: «اتقوا اللّه في عباده و بلادكم فإنكم مسؤولون عن البقاع و البهائم». (5)

و قال: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» يعني:

الراحمون أي لمن في الأرض من آدمي أو حيوان لم يؤمر بقتله في الشفقة عليهم و الإحسان إليهم. (6)

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): انه قضى فيمن قتل أدبه عبثا أو قطع شجرا أو أفسد زرعا أو هدم بيتا أو غور بئرا أن يغرم قيمة ما استهلك و أفسد و ضرب جلدات نكالا. (7)

هذه الأخبار تشمل إيذاء الحيوان أيضا كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل ج 8/ 397 و ج 14/ 348 و جامع أحاديث الشيعة ج 16/ 922 و مستدرك الوسائل ج 3/ 70 و 71.

(2) البحار ج 64/ 119.

(3) كنز العمال ج 9/ 37 و المعرفة و التأريخ ج 1/ 339.

(4) كنز العمال ج 9/ 37.

(5) نهج البلاغة الخطبة/ 65.

(6) التراتيب الآحادية ج 2/ 152.

(7) مستدرك الوسائل ج 3/ 272 و سنن الدارمي ج 2/ 83.

37

و في حديث: «نهى النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن ذبح الحيوان إلا لأكله». (1)

«نهى (صلى اللّه عليه و آله) عن قتل النحل». (2)

«نهى عن الصيد للهو و جعل السفر لطلب الصيد لهوا من الأسفار التي لا يرخص فيها التقصير و الإفطار».

بل عن عبد العظيم الحسني (رضوان اللّه عليه) عن الإمام أبي جعفر الجواد (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ (3): ان الميتة لا تحل للباغي و الباغي الذي يطلب الصيد بطرا أو لهوا لا ليعود به على عياله ليس لهما ان يأكلا الميتة إذا اضطرا هي حرام عليهما في حال الاضطرار كما هي حرام عليهما في حال الاختيار.». (4)

«نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن قتل اربع من البهائم:

النملة و النحلة و الهدهد و الصرد». (5)

«ان علي بن الحسين قتل نملة فاعطى فرسا في سبيل اللّه». (6)

____________

(1) البحار ج 64/ 8.

(2) راجع البحار ج 64/ 229- 299 و الوسائل ج 8/ 353 و جامع أحاديث الشيعة ج 16/ 925 و ابن ماجة ج 2/ 1074.

(3) الوسائل ج 5/ 513 و جامع أحاديث الشيعة ج 7/ 60 و 67 و البحار ج 65/ 282 و ج 76/ 356 و راجع الكتب الفقهية كتاب الصلاة.

(4) البحار ج 65/ 148.

(5) عبد الرزاق ج 4/ 451.

(6) البحر الزخارج 6/ 267.

38

«و عن أبي حمزة الثمالي قال: كانت لابن بنتي حمامات فذبحتهن غضبا ثم خرجت إلى مكة فدخلت على ابي جعفر محمد الباقر (عليه السلام) قبل طلوع الشمس فلما طلعت رأيت حماما كثيرا قال قلت: اسأله عن مسائل و اكتب ما يجيبني عنها و قلبي متفكر فيما صنعت بالكوفة و ذبحي لتلك الحمامات. فقال لي أبو جعفر (عليه السلام):. كان قلبك في مكان آخر؟ قلت: اي و اللّه و قصصت عليه القصة و حدثته بأني ذبحتهم. قال: فقال الباقر (عليه السلام) بئس ما صنعت يا أبا حمزة. فتصدق عن كل واحد منهن دينارا فإنك قتلتهن ضبا» (1).

الى غير ذلك مما لعلنا سوف نصنعه رسالة مفردة في حقوق الحيوانات ان شاء اللّه تعالى و الغرض من إيرادها التنبيه على الرحمة و اللطف و الرأفة الملحوظة في أحكام الإسلام و قوانينه و لمزيد الاطلاع استمع لما يتلى عليك:

نهى عن سلخ الذبيحة قبل ان تموت و نهى ان يقطع رأسها قبل ان تموت. (2)

نهى ان يعرقب الدابة إذا حرنت في أرض العدو. (3)

لا يجوز قطع أعضاء الحيوان إلا لعلاج. (4)

____________

(1) البحار ج 65/ 15 عن الإرشاد للمفيد (رحمه اللّه).

(2) راجع الجواهر ج 36/ 124 و البحار ج 65/ 347 و 328 و مستدرك الوسائل ج 3/ 66/ 570 و عبد الرزاق ج 4/ 490.

(3) راجع الوسائل ج 8/ 396 و ج 16/ 307 و البحار ج 64/ 222 و سنن ابي داود ج 3/ 29 و عون المعبود ج 2/ 333.

(4) الوسائل ج 16/ 295.

39

و نهى عن إخصاء الدواب و الغنم إلا للإصلاح. (1)

«لعن اللّه من مثل بالحيوان». (2)

«روي انه كان رجل من بني إسرائيل ناسك يعبد اللّه فبينما هو يصلي و هو في عبادته إذ بصر بغلامين صبيين قد أخذوا ديكا و هما ينتفان ريشه. فاقبل على ما فيه من العبادة و لم ينههما عن ذلك فأوحى اللّه الى الأرض أن تسخي بعبدي فساخت به الأرض». (3)

نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن يحرق شي‌ء من الحيوان. (4)

مر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) على قوم نصبوا دجاجة حية و هم يرمونها بالنبل فقال: من هؤلاء لعنهم اللّه. (5)

لعن اللّه من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا. (6)

____________

(1) راجع البحار ج 64/ 222 و 223 و 226 و 297- 299 و الوسائل ج 8/ 382 و مستدرك الوسائل ج 2/ 48- 55 و عبد الرزاق ج 4/ 456 و مجمع الزوائد ج 5/ 265 و كنز العمال ج 9/ 37 و 38 و مفتاح كنوز السنة في كلمة «حيوان».

(2) البحار ج 64/ 282 و مستدرك الوسائل ج 3/ 71 و ج 2/ 59.

(3) البحار ج 64/ 223 و راجع السنن الكبرى للبيهقي ج 8/ 13.

(4) الوسائل ج 12/ 220، و في الفقيه ج 4/ 5 طبع الغفاري.

(5) البحار 64/ 268 و ج 76/ 359 و عبد الرزاق ج 4/ 454 و ابن شيبة ج 5/ 397 و 398.

(6) البحار ج 64/ 282 و مجمع الزوائد ج 5/ 265 و سنن ابي داود ج 3/ 100 و البخاري ج 7/ 121 و 122 و فتح الباري ج 9/ 554 و سنن الدارمي ج 2/ 83 و 85 و عون المعبود ج 3/ 59 و المستدرك للحاكم ج 2/ 34 و 35 و ابن ماجة ج 2/ 1063 و ابن أبي شيبة ج 5/ 367.

40

نهى عن المثلة و عن صبر البهائم. (1)

نهى عن ضرب الحيوان المركوب إذا مشى تحتك كمشية الى مذوده و نهى ان يضرب وجه الحيوان و نهى ان يلعن الحيوان.

هذا غاية ما عندي من القتال في الإسلام و انه لغاية الصلاح و الفلاح و على طريقة بديعة لم يسبق إليها الشرائع البشرية علما و عملا و هذه صراط اللّه المستقيم في الإنسانية و هدايتها.

و قد أسلفنا كلاما في الأسير الحربي في الجاهلية الاولى و لم يتحسن وضع الأسير في الجاهلية الثانية نعني بعد الإسلام في ممالك غير الإسلامية عند غير المسلمين و في الممالك الإسلامية في حكومات يعتنقون الإسلام و لا يعملون بأحكامه كحكومة الأمويين و المروانيين و العباسيين و غيرهم.

و من المؤسف جريان حكم الفظاظة و القسوة و الشراسة حتى في زماننا المعاصر أزمنة ازدهار العلم و رشد الفكر و الفلسفة و عصر النور و العلم في شتى نواحيه و عصر الرقي و سلطة البشر على القوانين الكونية و عصر تسخير الكرات الجوية و عصر القانون في مختلف شئون البشر.

نعم اصدروا قوانين و شكلوا مؤتمرات و أعلنوا المواثيق و المعاهدات في تحرير البشر و حفظ حقوقه. أ لا ترى في سنة 1625 م كتب «كروشيس» كتاب قانون الحرب و السلام و سنة 1648 م جاءت معاهدة «دستغاليا» و سنة 1748 كتب «مونتسكيموا»‌

____________

(1) مستدرك الوسائل ج 3/ 70 و الأحاديث في النهي عن صبر البهائم كثيرة.

41

كتاب روح القوانين و كتب «روسو» يدافع عن الأسرى و كذا «دى فانيل» و في منتصف القرن التاسع عشر اتسع نطاق القانون الدؤلي العام و تطورت قواعده و ابتدأت الدول تعقد المعاهدات و التصريحات و الاتفاقات لتنظيم مركز اسرى الحرب و تقرير أنواع من الحماية القانونية لأشخاصهم و أموالهم بغية القضاء على القسوة و سوء المعاملة التي كان يلقاها الأسرى كما في تصريح «بروكسل» عام 1874 م و اتفاقية «لاهاي» عام 1899 م و 1907 م و اتفاقية جنيف لأسرى الحرب عام 1929 م و أخيرا اجمع مندوبو/ 62 دولة في جنيف عام/ 1949 و وقعوا في 12 آب اتفاقية جديدة لحماية ضحايا الحرب لا زالت سارية المفعول. (1)

هذا و لكن كلها مقررات و معاهدات بقيت على الأوراق يقرأونها و يحبذونها فكرا و لفظا و بين الفكر و القول و العمل بون بعيد و لنذكر هنا نماذج مما جرى على الأسرى في الحروب الواقعة بعد طلوع الإسلام.

الأسرى في الحروب الصليبية

هذه الحروب الصليبية من عام 1095 م حتى عام 1291 قام الصليبيون في خلالها بثماني حملات زحفت الحملة الاولى عام 1095 م و استطاعت الاستيلاء على القدس عام 1099 م‌

____________

(1) اسرى الحرب عبر التأريخ ص 7 و 8 من المقدمة و ص 171 من الكتاب و ص 178.

42

و زحفت الثانية عام 1147 م بسبب سقوط الرها في أيدي المسلمين ثم سقطت القدس في يد صلاح الدين فجهز الصليبيون حملة ثالثة زحفت عام 1189 م و لقد نجحت هذه الحملة في احتلال عكا و ظلت القدس بيد المسلمين و لكن موت صلاح الدين و انقسام دولته بعد وفاته أحيى الأمل في نفوس رجال الدين المسيحيين.

و تجمعت الجيوش و توجهت نحو القسطنطينية عام 1204 م و اقام الصليبيون بها امبراطورية. ثم تقدمت الحملة الخامسة عام 1217 م و قد سبقتها حملة الصليبيين الفاشلة عام 1212 م ثم زحفوا الحملة السادسة عام 1228 م و اضطروا الى عقد معاهدة مع ملك مصر و في عام 1248 م توجهت الحملة الصليبية السابعة إلى مصر و كانت الحملة الصليبية الثامنة عام 1270 م آخر الحملات.

كان الصليبيون كالاعصار المدمر لا يبقي و لا يذر و لقد أنقضوا كالوحوش الكاسرة فنهبوا و قتلوا و احرقوا و دمروا أينما ساروا أو أقاموا سواء في اوربا أو آسيا و فتكوا بالشيوخ و النساء و الأطفال و قتلوا الأسرى و مثلوا بالجثث و نبشوا القبور و ارتكبوا جميع الجرائم و الموبقات و اعتصبوا الفتيات و هتكوا الأعراض و تنكروا لكل القيم الإنسانية و لم يحفلوا بعهد أو اتفاق.

و ثابت جموعهم الاولى بكثير من الاعتداءات و الجرائم ثم لجئوا الى السلب و النهب و هتك الأعراض. يقتلون الأطفال في إحضان أمهاتهم و ينثرون أشلاءهم في الهواء.

و بالجملة عملوا أعمالا سماهم العلماء منهم مجانين و اعترفوا‌

43

بجناياتهم.

اما المسلمون فلما استولوا عليهم عاملوا معهم معاملة حسنة. هذا عماد الدين الزنگي أطلق سراح جميع الرجال و النساء و الأطفال ورد إليهم أموالهم و لم يقتل سوى المحاربين و بعض الرهبان و القسس الذين كانوا يحرضون الصليبيين على القتال.

أما مروءة صلاح الدين و تسامحه فقد كانت مضرب الأمثال (1) جرائم الصليبيين و أعمالهم الفظيعة أكثر من أن يسع هذه العجالة لذكرها فليراجع كتاب «جنگهاي صليبي» و المصادر المذكورة و غيرها كي يقف على سوء معاملتهم مع الأسرى من القتل و المثلة و التعذيب بأنواعها.

الأسرى في حكومة المغول و التتر

و جرائم التتر و المغول و سوء معاملتهم مع الأسرى أوضح من أن يخفى (2). (من عام 1212 حتى 1408).

الأسرى عند العثمانية

و يذكر التأريخ الامبراطورية العثمانية للأتراك و سلطتها و معاملتها مع الأسرى (في منتصف القرن الثالث عشر أو قبله)

____________

(1) اسرى الحرب عبر التأريخ، تاريخ التمدن لگوستاولابون ص 400- 407 المترجم بالفارسية و إسلام و حقوق بين الملل ص 141 و 163.

(2) راجع التواريخ كالطبري و ابن الأثير و راجع اسرى الحرب عبر التأريخ ص 136 و «منم تيمور جهانگشاى».

44

و انهم كانوا قساة غلاظ الأكباد و كانوا يعاملون المدن التي تقاومهم بمنتهى القسوة فيبيحونها لجنودهم عدة أيام و يذبحون الأسرى البالغين و يوفرون الأطفال ليضموهم الى الانكشارية و قد عمل السلطان محمد الفاتح في فتح القسطنطينية و السلطان سليم في موقعة «جالدران» مع الأسرى بالهتك و القتل. (1)

الأسرى في الحرب العالمية الثانية

و في الحرب العالمية الثانية من عام 1939 م حتى 1945 م:

تعرض الإنسان لأفظع ضروب القسوة و الوحشية و داس الغزاة و الفاتحون باقدامهم اتفاقية «جنيف» لعام 1929 م و عومل الأسرى اسوأ معاملة و قتل الالمان آلاف الأسرى و قضى الكثيرون نحبهم بسبب الجوع و المرض و الأعمال الشاقة و جرت في معسكرات الاعتقال النازية أفظع الأعمال، و أشدها وحشية الانتقام من القوات الروسية ففتكت بالأسرى في بولندة و المانيا و غيرها كما احتفظت بالآلاف منهم في روسيا لفترة طويلة ليعمروا ما خربته الحرب كما تنكرت اليابان لاتفاقية اسرى الحرب فعاملتهم بقسوة و اتبعت وسائل بربرية في استنطاقهم. (2)

____________

(1) اسرى الحرب عبر التأريخ ص 145- 154.

(2) راجع اسرى الحرب عبر التأريخ ص 186 و ما بعدها و راجع «سقوط برلن» و جريدة «اطلاعات» عام 1319 هش ص 527 و 528 و 529 و 531 و 533 و 545 و 559 و 593 و 594 و 610 و 611 و 727 و 728.

45

و لجأ الروس الى القسوة و العنف أثناء تقدمهم في الأراضي الألمانية عقب تراجع الألمان. و حدثني شاهد عيان كان موجودا في برلين من اعمال النهب و السلب و الحرق و الاغتصاب التي قام بها الروس عند دخولهم المدينة و تفتيش البيوت و لجوئهم الى قتل كل من يحاول أن يحمي عائلته أو يدافع عن ابنته و زوجته. لقد وصف المارشال «كونييف» أحد القادة الروس مسير معركة قال:

لقد رفضت المانيا التسليم فحوصر حوالي مائة ألف آلماني و لم يستسلموا فبعثرت الدبابات أسلحتهم ثم قضى عليهم الفرسان القوزاق نهائيا لقد تركنا للقوزاق حرية التصرف فقطعوا تلك الأيدي التي ارتفعت للتسليم. (1)

و يقول «ميلوفان دجيلاس» في كتابه «محادثاتي مع ستالين» خلال حديثي له عن أسلوب الحرب في يوغوسلافيا أشرت الى اننا لم نأخذ اسرى الألمان لأنهم قتلوا جميع الأسرى اليوغسلاف قاطعني ستالين ضاحكا و قال: كان أحد رجالنا يقود فريقا من الأسرى الألمان و خلال الطريق قتل الجميع إلا واحدا.

كما أقدم الجنود الروس أثناء عبورهم بروسيا الشرقية على قتل جميع الألمان من نساء و أطفال. (2)

فقد بلغ عدد الأسرى الألمان في ستالينغراد (91000) عاد منهم (5000) اضطروا الى السير لمسافات طويلة فوق الثلوج‌

____________

(1) اسرى الحرب عبر التأريخ ص 204 و 205.

(2) اسرى الحرب عبر التأريخ ص 205.

46

و الجليد بالرغم من تعبهم و أصابتهم بجروح فتفشى فيهم مرض التيفوس و لقد بقي الأسرى الألمان في روسيا فترة طويلة إذ لم يعودوا إلا في عام 1956 م بعد زيارة «اديناور» لروسيا. اما عدد الأسرى في المانيا فقد تجاوز الخمسة ملايين فقد منهم مليونان. (1)

الأسرى في حرب كوريا الشمالية مع أمريكا

انتهت الحرب العالمية الثانية و انقسمت كوريا الى منطقتي احتلال الروس في الشمال و الأمريكيون في الجنوب. و في 25 حزيران عام 1950 م زحفت قوات كوريا الشمالية برا و بحرا و في 27 حزيران اصدر الرئيس الأمريكي أمره الى القوات الجوية و البحرية الأمريكية بالاشتراك في العمليات الحربية ضد جيش كوريا الشمالية و في 28 حزيران احتل جيش كوريا الشمالية العاصمة و تدخل مجلس الأمن و اعتبر كوريا الشمالية معتدية‌

____________

(1) اسرى الحرب عبر التأريخ ص 206.

قال العلامة الطباطبائي (رحمه اللّه تعالى) في تفسيره «الميزان» ج 6/ 373 عند البحث عن إلغاء الاستعباد تحت عنوان: «الى م آل أمر الإلغاء»: أجرت الدول المعظمة. قرار مؤتمر بروسل و منعوا بيع الرقيق أشد المنع. لكن هذا المقدار اعني ارتفاع اسم الاستعباد و الاسترقاق من الألسنة و غيبة المسمين بهذا الاسم عن الانظار هل يقنع الباحث الناقد في هذه المسألة. فهاتيك الحرب العالمية الثانية لم يمض. عليها إلا بضع عشرة سنة حملت الدول الفاتحة على عدوها المغلوب بالتسليم بلا شرط ثم احتلوا بلادهم و أخذوا ملايين من أموالهم و تحكموا على نفوسهم و ذراريهم و نقلوا الملايين من اسراهم الى داخل مملكتهم يستعملونهم فيما شاءوا و كيف شاءوا.

47

و تراجعت قوات كوريا الجنوبية و استمر زحف كوريا الشمالية و قامت القوات الأمريكية بهجوم ضد الشيوعيين الى 1951 و كان لدى الشيوعيين (7190) أسيرا امريكيا بينما بلغ عدد الأسرى الصينيين و الكوريين الشماليين (120000) و لقد تبادلت القوات المتقاتلة الاتهامات بخصوص إساءة معاملة الأسرى و اضطهادهم و الضغط عليهم لتقديم اعترافات غير صحيحة. و يدعي الأمريكيون أن معاملة الشيوعيين للاسرى كانت على العموم قاسية و ان المئات قد ماتوا أثناء مسيرهم من الجبهة إلى معسكرات الاعتقال و ان استحقاقهم من الطعام ضئيل و يتألف بصورة رئيسية من الأرز. (1)

الأسرى في حرب فيتنام

و جرى نحوه في حرب فيتنام الجنوبية و الشمالية و تدخل أمريكا فيها (من عام 1960 م) و برزت مشكلة الأسرى و تبادل الجانبان الاتهامات بشأن إساءة معاملة الأسرى و تعذيبهم و عدم الالتزام بنصوص اتفاقية «جنيف» بشأن معاملة اسرى الحرب المؤرخة في 12 آب 1949 م. و وضعت العراقيل و العقبات في سبيل الاتصال بالأسرى أو اتصال الأسرى بالخارج و عجزت منظمات الصليب الأحمر عن ممارسة نشاطها الإنساني بسبب احجام أطراف النزاع عن تقديم أية معونة أو معلومات أو‌

____________

(1) اسرى الحرب عبر التأريخ ص 233- 235.

48

تسهيلات و وضع الأسرى في اقفاص و غرف ضيقه و ضاعت الحقائق من جزاء تلك الدعايات و المبالغات و طال الحوار و النقاش بين أمريكا و فيتنام الشمالية في الأسرى. (1)

شوهد في كمين تانك سبع نفرات من النساء و الأطفال يساقون الى وسط البلدة و قد بقرت بطونهم و أكبادهم ليعتبر بهم غيرهم و ذبحت امرأة حبلى في وسط المجتمع و اصعدوا عدة نساء الى مكان مرتفع من قرية أخرى فبقروا بطونهم على أعين الناس و اخرجوا الجنين من الرحم و صار/ 685000 نفر من الناس ناقص العضو بالأسلحة أو بالتعذيب.

و كانوا يدخلون الأفاعي السمية في أرحام النساء و من هذا الطريق يسوقونهن الى الموت تحت التعذيب الشديد كما انهم يدخلون القارورة (البطرى) في فروج النساء المحترمات ذات الشخصية الاجتماعية حتى يغمى عليهن أو يمتن. (2)

الى غير ذلك مما ذكره في الكتاب «جنگ ويتنام» مما يشمئز من سماعه و قراءته الإنسان و تتبرأ منه الإنسانية من أنواع التعذيب و السجون. (3)

الأسرى في حرب إسرائيل

أن دولة كهذه قامت على اغتصاب الأراضي و ذبح السكان‌

____________

(1) اسرى الحرب عبر التأريخ ص 237- 243.

(2) جنگ ويتنام ص 179.

(3) و أساليب التعذيب و مراحله و مراتبه الأخرى كما سيأتي الإشارة اليه.

49

لم و لن تلتزم بعرف أو قانون أو قرار لمنظمة عالمية لذلك كانت معاملتها للأسرى العرب في غاية الشدة و القسوة فهي لم تلتزم باتفاقية جنيف لحماية ضحايا الحرب الموقعة في 1949 م فهجرت السكان و نفت بعضهم و اعتدت على الأماكن المقدسة و نهبت الكنوز و الآثار. و أما معاملتها للمعتقلين من السكان العرب أو إفراد المقاومة الفلسطينية فقاسية و فظيعة تمثل عهود البربرية الاولى فالاهانات من صفع و ركل و إيذاء و شتم تبدأ بابتداء التحقيق ثم تتطور و تشتد لتتخذ أفظع اشكال التعذيب الوحشي من أساليب الاعتقال و التعذيب. (1)

و نحوه ما جرى و يجري في معتقلات العراق بالنسبة إلى أفراد المقاومة العراقية و قد قرأت كتاب «النافذة الى الجحيم» و هو يحتوي أنواع التعذيب و الاعتقال و السجون و مراحله و مراتبه.

و نحوه ما كان يجري على الأفراد الثائرين المعتقلين في سجون الشاه و قد شاهدها الشباب و الفتيات في المعتقلات كثيرا و لا نكرر ذكرها.

و اما اسرى الحرب في الحكومة البعثية العراقية عند ما كانت الحرب بينها و بين إيران و بعد قبول قرار المتاركة فهم في شرائط قاسية يعيشون في ضيق العيش و ضنك الحياة على ما ينقله الذين‌

____________

(1) راجع اسرى الحرب عبر التأريخ ص 244- 266 و قد ذكر المؤلف شطرا كبيرا من أساليب الاعتقال و المعتقل و التعذيب و مراتبه و يشبهه ما في كتاب «جنگ ويتنام» و «النافذة الى الجحيم».

50

أطلقوا من السجن و يعيشون معنا الآن و يكتب المسجونون الى عائلتهم و نقرأ في الجرائد و المجلات.

فلم يراعى حقوق الأسير إلا في زمن النبي (صلى اللّه عليه و آله) و بعده حتى حكومة الأمويين و في فترات بين المسلمين.

نعم في الجمهورية الإسلامية روعيت هذه الأحكام و الحقوق و عمل بها و الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا ان هدانا اللّه. فأول ما استأسر محارب عراقي روعيت حرمته من الإطعام و السقي و الإسكان و الدواء و المستشفى و. و قوبل بالرحمة و العطف و الحنان.

هذا قليل من كثير مما جرى في تاريخ الإنسان على اسرى الحرب و المعتقلين.

و أضف الى ذلك ما جرى في الثورة السوفياتية بروسيا مع مخالفيهم من القسوة و الفظاظة. و الغلظة. (1)

هذه رسالة متواضعة ألفتها حول حقوق الأسير الحربي في الإسلام في أخذ الأسير و شد وثاقه و حبسه و انه متى يؤخذ و في المعاملة مع الأسير في المأكل و المشرب و الملبس و المسكن كتبتها 17- 19 مرداد سنة 1367 للإلقاء في المؤتمر العالمي للحرب و الدفاع في طهران و الحرب بين إيران و العراق قائمة على ساق و الامام آية اللّه العظمى الخميني حي بين ظهرانينا نلجأ اليه و نعتز‌

____________

(1) راجع «در دادگاه تاريخ» و «سرگذشت خاندان رمانف» تأليف ميشل روسن پير و «كار إجباري در روسيه» و «استنطاق» تأليف پتراديس.

51

به و يعتز به المسلمون.

و الآن تزف الى الطبع و نحن في هدنة و الامام قد توفاه اللّه تعالى اليه رضوان اللّه تعالى عليه و رحمته و بركاته و لعل اللّه سبحانه يجعلها خالصة لوجهه الكريم و مفيدة لأبناء شعبنا الراغبين في الوقوف على نظرات الإسلام في هذه المسائل و الناشطين في المطالعة و التحقيق.

و أسأل العلماء المحققين و الطلاب المحصلين الباحثين متواضعا أن يتحفونا بنظرياتهم الكريمة في مطالب هذه الرسالة و ان يتفضلوا علي بالكتابة الى كل نقد و إصلاح و إرشاد فان صديقك من اهدى إليك عيوبك و الإنسان مجبول على السهو و النسيان سيما في المطالب العلمية و لا سيما من طالب قصير الباع و قليل الإحاطة بالمطالب العلمية، و اللّه الموفق للصواب، ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم و آخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين.

علي الأحمدي الميانجي 4 محرم الحرام 1411 ه‍. ق‌

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}