القصاص على ضوء القرآن و السنة - ج1

- السيد شهاب الدين المرعشي النجفي المزيد...
457 /
9

الجزء الأول

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه على إفضاله و نواله، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله.

و بعد:

لا يخفى ان والدي السعيد الراحل الى جوار ربّه الكريم، فقيه أهل بيت العصمة و الطهارة (عليهم السّلام)، المرجع الديني الكبير و المحقق النحرير، صاحب المصنفات و المؤلفات الكثيرة، الفقيه الأصولي و النسّابة الرجالي، و العالم الربّاني، آية التقوى و العلم و مرآة الأدب و الحلم آية اللّه العظمى السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي روحي له الفداء، قد ولد في عشرين من صفر الخير سنة 1315 ه‍ ق في النجف الأشرف في أسره السيادة و العلم، و في العقد العاشر من عمره المبارك في سبعة صفر سنة 1411 فاضت روحه الطاهرة و نفسه المطمئنة في عروج ملكوتي من ارض قم المقدسة عشّ آل محمد (عليهم السّلام)، و طبقا لوصيته دفن جسده الطاهر بمدخل مكتبته العامة.

انه كان من الاساتذة العظام و مراجع التقليد الكرام، قد نال إجازة الاجتهاد في سن مبكّر من أساتذة و مراجع النجف الأشرف و قم المقدسة- آنذاك- كالآيات العظام آقا ضياء الدين العراقي و ميرزا آقا الاصطهباناتي و السيد أبي الحسن الأصفهاني و الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي مؤسّس الحوزة العلمية في قم و السيد مير علي اليثربي الكاشاني و السيد كاظم عصّار الطهراني و غيرهم- قدس‌

10

اللّه أسرارهم الزكيّة.

قد أنعم اللّه عليه بحافظة قدسيّة قلّ نظيرها، و استعداد فائق خارق للعادة، حتى حاز الكثير من العلوم الإسلامية، كالفقه و الأصول و الكلام و المنطق و التفسير و الرجال و الأنساب و الرياضيات و العلوم الغريبة و الحديث و الطب القديم و الأدب و غيرها، حتى أصبح من أصحاب الرأي و النظر و أستاذا فيها.

لقد درّس العلوم الإسلامية في أكثر من سبعة و ستين سنة في حوزة قم المقدسة، و من قبل في النجف الأشرف، و قد ربّى و قدّم للعالم الإسلامي الألوف (1) من الفضلاء و العلماء و الاساتذة، و كان تدريسه العام في بداية الأمر في مدرس مدرسة الفيضيّة المباركة، ثمَّ بعد رحلة آية اللّه العظمى السيد البروجردي كان يدرّس في مسجد (بالأسر) بجوار ضريح السيدة المعصومة (عليها السّلام) حتى آخر يوم من حياته المباركة، و كان يحضر الدرس المئات من الفضلاء و العلماء الاعلام، و لما كنت أحضر دروسه من سنة 1383 كنت أشاهد شوق و شغف الطلاب في الحضور، و قد كتب بعض العلماء تقريرات دروسه الفقهيّة و الأصولية، و لكن من المؤسف قد وافى بعضهم الأجل و لم نقف على ما قرّروا، الّا انه قد امتاز من بين أولئك الأفاضل في أواخر حياة الوالد، المحقق‌

____________

(1) من أراد أن يقف على مجموعة من تلامذته الذين نالوا حظّا وافرا من علوم الوالد أيام مرجعيّة الشيخ الحائري مؤسس الحوزة فعليه بمراجعة كتاب (آينه دانشوران) تأليف المرحوم حجة الإسلام و المسلمين السيد علي رضا اليزدي الذي ظهرت الطبعة الثالثة منه الى الأسواق من قبل قسم المنشورات في مكتبة آية اللّه العظمى السيد النجفي المرعشي العامة.

11

الجليل صاحب الذوق السليم و القلم المبارك، و كان محبوب والدي و معتمدة و مورد عنايته، سماحة حجة الإسلام و المسلمين الحاج السيد عادل العلوي دامت إفاضاته ابن المرحوم المغفور له حجة الإسلام و المسلمين الحاج السيد علي العلوي (قدس سره) الذي كان يحضر دروس والدي أيضا، و قد كتب الولد البار تقريرات القصاص، و الحق انه قد أجاد في هذا العمل العلمي الشاق و حاز السبق من بين الاقران، فللّه درّة و عليه أجره، و ارتأينا أن يطبع و ينشر لينتفع منه الفضلاء و العلماء، و من يهوى أن يقف على الآراء الفقهيّة لذلك الرجل العظيم.

و أخيرا أسأل اللّه العلي القدير أن يرفع في درجات الوالد و يتغمّده برحمته الواسعة و يسكنه جنات الفردوس في مقعد صدق عند مليك مقتدر، و أن يوفق سماحة السيد العلوي و يديمه في خدمة العلم و الدين، و السلام على عباد اللّه الصالحين.

قم المقدسة- الحوزة العلمية محمود الحسيني المرعشي النجفي 2 ربيع الأول 1414 ه‍‌

13

[مقدمة التحقيق]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

كان- و الحمد للّه- لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، التي قامت بانتفاضة الجماهير المؤمنة، عند ما قدّمت التضحيات و الشهداء، و استجابت لنداء الحق بقيادة العلماء الكرام و المراجع العظام و في طليعتهم السيد الامام الخميني- (قدس سره)- الأثر الكبير في توسيع و ازدهار النهضة العلميّة و الثقافية في كل القطاعات، و كان للحوزة العلمية المباركة في قم المقدسة النصيب الأكبر، و قد أحسّ العلماء الأعلام بضرورة طرح المباحث الفقهيّة و المفاهيم الإسلامية التي تتعلق بالاوضاع الدينيّة و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، التي تتلائم مع الصحوة الجديدة في عودة الحكم الإسلامي، كمبحث القضاء و الحدود و الاقتصاد الإسلامي و غير ذلك.

و من تلك المباحث المهمة (بحث القصاص) الذي جعل اللّه فيه الحياة الفردية و الاجتماعيّة- حياة النفوس و الشعوب- وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ (سورة البقرة/ آية 179).

و من أولئك الفطاحل و أساطين العلم في الحوزة سيدنا الأستاذ آية اللّه العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي- (قدس سره)- قام بتدريس خارج القصاص (1) في‌

____________

(1) دروس الحوزات العلمية للشيعة الإمامية انما هي في مراحل ثلاثة: المقدمات في ست سنوات و السطوح أيضا في ست سنوات، و الخارج في الفقه و الأصول، و الفقه في عصرنا هذا محوره يدور على العروة الوثقى للسيد الطباطبائي (قدس سره) أو شرائع الإسلام للمحقق الحلي و شرحه جواهر الكلام للشيخ حسن (قدس سرهما) فكان محور الأستاذ يدور حول كتاب الجواهر، فوددت ان أسايره في المباحث في الرجوع اليه و ذلك من خلال ذكر أرقام الصفحات في الهامش، ليسهل على القارئ الكريم مراجعة ذلك. و من اللّه التوفيق و السداد.

14

مجموعة كبيرة من الفضلاء و الطلاب، و كذلك سيدنا الأستاذ آية اللّه العظمى السيد محمد رضا الكلبايكاني (دام ظله) كان درسه- انذاك- في كتاب القضاء. و بعد اتمامي المقدمات و السطوح حضرت دروس العلمين، و كنت أحرّر تقارير أساتذتي في الفقه و الأصول و أترجمها من الفارسية إلى العربية أثناء إلقائهم الدرس- و هذا من فضل ربي- و كنت أقرء على سيدنا الأستاذ معظم مباحثه قبل صلاة الظهر، بعد ما كان يدرّس في الساعة العاشرة صباحا في حرم السيدة المعصومة (عليها السّلام)، ثمَّ اقرأ عليه ما تبقّى من الدرس صباحي الخميس و الجمعة.

و قد كتبت الروايات الشريفة في الهامش بعد الرجوع الى مصادرها، لأن الأستاذ كان في أواخر حياته ضعيف البصر، فكان العلامة المعاصر الأستاذ السيد جواد الطالقاني (دام عزّه) يقرأ الروايات من وسائل الشيعة، فأحببت أن يكون متن التقريرات مهما أمكن ما سمعته و فهمته من ألفاظ الأستاذ، و لا أدّعي أنّي كتبت جميع كلماته، بل حاولت أن أقيّد و أحرّر ما أدركته، فما كان صحيحا و جيدا فمن الأستاذ (قدس سره) و ما كان لا يتلائم مع الموازين العلميّة فهو منّي قصورا أو تقصيرا، لقلّة المتاع و قصر الباع، أملي من الأفاضل أن يغضّوا الطّرف عمّا زاغ عنه البصر و فات السمع و زلّ به القدم.

ثمَّ هذا التقرير و الكتاب ممّا ينتفع به المثقفون و رجال العلم و المعرفة، لا سيما القضاة و من كان على أبواب الاجتهاد، و لا ابالغ لو قلت من أراد ان يتعلّم كيف يستنبط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلّتها التفصيليّة من دون معلّم و أستاذ فعليه بمراجعة هذا الكتاب، فان سيدنا الأستاذ كان يمتاز درسه القيّم بسلاسة التعبير،

15

و حلاوة الأسلوب، و سهولة المدخل و المخرج، و وضوح الطرح و التعقيب، و كثرة الفروع و التصوير، ممّا يعين الطالب على أن يجوز ملكة الاستنباط، و يمتلك قوة الاجتهاد، و ينال سعة الذهن الفقهي في إرجاع الفروع إلى الأصول، فلم يكن درسه جافّا، بل له طابع الجامعيّة و ظرافة الموضوع، فإنه لم يكتف بمباحث الفقه و الأصول المعقّدة و حسب، بل كان يتطرّق الى مباحث ظريفة و لطيفة اجتماعية و اخلاقية و تاريخية و رجاليّة و غير ذلك من فنون الكلام و شجون الحديث، و ان كان بعض معاصريه من حسّاده يعيبونه على ذلك، الّا أنه قدّم للمجتمع الإسلامي و الجوامع العلميّة الشي‌ء الكثير من الخدمات العلمية و الاجتماعية، و خلّد نفسه بالعلم و التقوى و العمل الصالح، و لم تأخذه في اللّه لومة لائم. و كفى بذلك فخرا و جزاه اللّه خيرا، عاش سعيدا و ارتحل إلى جوار ربّه سعيدا، فسلام عليه يوم ولد و يوم ارتحل و يوم يبعث حيّا.

و أخيرا ابنه الأكبر و وصيّه و أمين مكتبته العامة فضيلة حجة الإسلام و المسلمين السيد محمود المرعشي (دام عزّه)، طلب مني أن أقدّم التقريرات لطبعها و نشرها، ليرتوي عطاشى العلم و الأدب من عذب مناهلها و غدرانها، فأجبت طلبه و أسعفت مأموله، شاكرا سعيه و اهتمامه بنشر التراث العلمي لوالده المعظم.

سائلا العلي القدير أن يوفّقنا و يسعدنا في الدارين و يتقبل منّا هذا القليل.

اللّهم بحق محمد و آله صلّ عليهم و تقبّل هذا منّا بقبول حسن، فهو منك و إليك، فاجعله ذخرا ليوم معادي، و علما ينتفع به الناس، و لسان صدق في الآخرين، و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

عبدك الراجي عادل العلوي 17 ربيع الأول 1414 ه‍‌

17

بسم اللّه الرحمن الرحيم‌

مدخل:

الحمد للّه كما هو أهله و مستحقّه، و الصلاة و السلام على أشرف خلق اللّه محمد و آله الطاهرين، و بعد:

كتاب القصاص (1) من الكتب الفقهيّة في الشريعة الإسلامية السمحاء، و من اختلف الفقهاء الكرام في تسمية هذا الكتاب القيم، فمنهم سمّاه (كتاب الجراح) و بعض: أطلق عليه (كتاب القود) و ثالث: أدخله في كتاب (الجنايات) و رابع: جعله في كتاب (الديات) و خامس: عنونه باسم (كتاب الدماء) و غير ذلك من الأسماء التي لها نوعا ما من الارتباط مع المسمّى من زاوية عامة أو خاصة، و لكل اختلاف منشأه الخاص، فمنشأ إدخاله في الجنايات كما فعله السيد ابن زهرة في غنيته انه: الجناية لغة: لما يجنيه المرء و يكسبه من شرّ أو ذنب، و أصله من جنى الثمر، أي تناوله من شجرته، و شرعا: اسم لفعل محرم شرعا سواء وقع الفعل على نفس الإنسان أو أطرافه من قتل أو جرح أو قطع أو ضرب، و ما يتعلق بالجنايات من قصاص أو دية أو كفارة، فالقصاص إذن داخل في كتاب الجنايات.

اما في كتاب المراسم لسلّار فقد أدخله ضمن الديات، و جعل الديات و الحدود قسمين للجنايات، حيث قال: احكام الجنايات على ضربين: أحدهما في قتل النفس و الآخر ما دون النفس، و النفس على ضربين: آدمي و نفس بهيمة، و ما في نفس الآدمي على‌

18

ثلاثة إضراب: ما في العمد، و ما في الخطأ شبيه العمد، و ما في الخطأ المحض، و ما في دون النفس على ضربين: جناية في الأعضاء و جراح.

و ابن حمزة في الوسيلة: أدرج الحدود و القصاص و الديات تحت عنوان الجنايات، و كذا صاحب القواعد فقد أدرجه تحت عنوان الجنايات أيضا.

و اما الشيخ الطوسي (قدس سره) فقد أطلق في مبسوطه على القصاص عنوان الجراح، و لعل مناسبة ذلك بالنظر الى ان الجراحة من أكثر الطرق المستخدمة في القتل و الاعتداء على ما دون النفس من الأطراف كالقطع و الشجاج و الضرب و غيره، لمثل هذا تغلّب عندهم استخدام عنوان الجراح على القصاص.

و اما في تهذيبه و استبصاره و نهايته: فقد أدرج مسائل القصاص ضمن كتاب الديات، و لعلّه من باب ان موارد الديات في الجنايات أكثر من القصاص، بل أحيانا تدخل مسائل القصاص في الديات، و ذلك فيما إذا لم يطلب ولي الدم القصاص مثلا.

و اما إطلاق القود على القصاص: فلأنهم يقودون الجاني بحبل و ما شابه، و عند ما يقال أقدت القاتل بالقتل، أي قتلته به، و في الحديث الشريف: (المجتهدون- أي في القران الكريم- قواد أهل الجنة- اي يقودون الناس إليها) كما يشاهد في هذا المورد روايات تشير الى القصاص بمعنى القود.

و اما إطلاق كتاب الدماء عليه، فربّما لأجل النتيجة الغالبة لجرائم القتل و الضرب و الجرح و القطع و هي إراقة الدماء، أو باعتبار ان الدم مصدر الحياة للفرد و ان احكام القصاص و الديات و غيرها وضعت لحماية الدماء و استمرار الحياة الاجتماعية و المدنية كما في قوله تعالى وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ (البقرة: 179).

هذه إشارة عابرة الى بعض آراء الفقهاء في مؤلفاتهم الفقهيّة، و المقام لا يقتضي التفصيل أكثر من هذا.

19

المباحث القيمة ذات الأهمية البالغة في التشريع الإسلامي الحنيف، ممّا يدير دفّة شؤون المجتمع المسلم، و يكمل نظام الحياة الاجتماعية و الفردية، يسودها ثمَّ ان الكتاب مصدر ثان من كتب يكتب كتبا- المصدر الأوّل- و كتابا- المصدر الثاني- و هو بمعنى المفعول، فكتاب القصاص، اي: هذا مكتوب فيه أحكام القصاص، و القصاص- بكسر القاف- وزان فعال، من قصّ أثره إذا تتبعه، فأصله في اللغة بمعنى اقتفاء الأثر، و في المصطلح الفقهي بمعنى استيفاء أثر الجناية من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح، و قيل هو اسم لاستيفاء مثل الجناية من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح، بناء على كون (القصاص) اسم مصدر لقص يقصّ، بمعنى المتابعة، ثمَّ استعمل في الاستيفاء المذكور، و قيل: الأظهر أنه مصدر باب المفاعلة، يقال قاصّه مقاصة و قصاصا: إذا أوقع به القصاص، أي: جازاه و فعل به مثل ما فعل.

ثمَّ مثل هذا الاختلاف في تسمية الكتاب بأسماء مختلفة وقع في كتب أبناء العامة الفقهيّة أيضا، فقد جاء في كتاب (الفقه الإسلامي و أدلته ج 6 ص 215) للدكتور وهبة الزحيلي:

تعريف الجناية: الجناية أو الجريمة: هي الذنب أو المعصية أو كل ما يجنيه المرء من شر اكتسبه، و لها في الشرع معنى عام و خاص. اما الأول فالجناية: هي كل فعل محرّم شرعا، سواء وقع الفعل على نفس أو مال أو غيرهما و عرفها الماوردي بقوله: الجرائم: محظورات شرعيّة زجر اللّه تعالى عنها بحدّ أو تعزير. و المحظور: أما إتيان منهي عنه أو ترك مأمور به.

و اما المعنى الثاني فهو اصطلاح خاص للفقهاء، و هو إطلاق الجناية على الاعتداء الواقع على نفس الإنسان أو أعضائه. و هو القتل و الجرح و الضرب. و يبحثه الفقهاء اما تحت عنوان (كتاب الجنايات) كالحنفيّة، أو (كتاب الجراح) كالشافعية و الحنابلة الذين اعتبروا الجراحة هي السبب الغالب في الاعتداء. و ينتقدهم الشراح بقولهم: التبويب بالجنايات أولى لشمولها الجناية بالجرح و غيره كالقتل بمثقل كالعصا و الحجر و بمسموم و سحر. أو بعنوان (باب الدماء) كالمالكيّة، ناظرين إلى نتيجة الجريمة غالبا. انتهى كلامه.

20

الأمن و الرفاه و العدالة و الحرية، فيتنعّم الإنسان بنعم اللّه و آلائه الظاهرة و الباطنة، و يظهر الى الوجود استعداده المكنون في جبلّته، في ظلّ الدين الإسلامي و قوانينه الرصينة و احكامه القويمة، القائمة على أساس الفطرة السليمة و السّنة الإلهية و الخلق الإنساني و العقل السليم، فلا يظلم و لا يظلم، و لا إجحاف و لا استهتار و لا جمود و سكون و لا فوضوية و تلاعب، بل كل الناس أمام ميزان العدل سواسي، و في إطار واحد و كلمة واحدة، و هو الإسلام العظيم، ذلك الدين القيم الذي من يبتغ غيره فلن يقبل منه دينا، فكل فرد من المجتمع أمام القانون، كما أنّ القانون يأخذ أمامه و يوقفه عند حدّه، و لا فرق في ذلك بين الوضيع و الشريف و الغني و الفقير و الأمير و الرعية، فكل من يتعدّ حدود اللّه، فهو متخلّف عن القانون الإلهي، و يؤخذ القصاص منه و من كل ظالم و جان، و يتّبع أثره في الدنيا و الآخرة، و يجازى و يحاكم و ينال حقه حسب الموازين الشرعيّة، بلا شفقة و لا وساطة، و بلا إفراط و لا تفريط، و هذا من عظمة أحكام و قوانين الدين الإسلامي الرصين.

فتلبية لنداء هذا البحث القيم، و إجابة لما التمسه مني بعض الأجلّاء و الاعلام في الحوزة العلمية المباركة من ضرورة طرح مباحث هذا الكتاب لما يستلزمه- المكان و الزمان من مثل هذه المباحث- تعرضنا في دراستنا و دروسنا الفقهيّة الاستدلالية إلى القصاص، لنطرق أبوابه و نستنبط أحكامه من خلال القرآن الكريم و السنّة الشريفة المتمثّلة في قول المعصوم- النبي الأكرم و الأئمة المعصومين (عليهم السّلام)- و فعله و تقريره، و هما المصدران الأساسيّان للتشريع الإسلامي.

21

و قبل الورود في صلب الموضوع و بيان مسائل القصاص، لا بأس أن نذكر بعض المقدمات النافعة، لنكون على بصيرة من أمرنا في المسائل و الفروع التي نذكرها في كتاب القصاص، و من اللّه الهادي و المعين نستمد العون و التوفيق، و ما توفيقنا الّا باللّه العليّ العظيم.

22

مقدمات تمهيديّة

الاولى: لا نعتمد في استدلالاتنا الفقهيّة على الإجماع (1) المذكور في مصنّفات الفقهاء

الإجماع لغة: بمعنى العزم و الاتفاق و من الأول فسر قوله تعالى فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ اي اعزموا و من الثاني في سورة يوسف قوله تعالى فَأَجْمِعُوا اي اتفق اخوة يوسف ان يجعلوه في الجبّ.

و اصطلاحا: نقل من المعنى اللغوي العام الى اتفاق خاص، و اختلف السنة و الشيعة في حدود ذلك الاتفاق الخاص، و في مصدر حجيته و إمكان وقوعه.

فقيل الإجماع اتفاق جماعة لاتفاقهم شأن في إثبات الحكم الشرعي و قد جعله الأصوليون من أهل السّنة أحد الأدلة الأربعة أو الثلاثة على الحكم الشرعي في مقابل الكتاب و السنة و عند الإمامية قد جعل أيضا أحد الأدلة على الحكم الشرعي الا انه لا يعتبرونه دليلا مستقلا في مقابل الكتاب و السنة، بل انما يعتبرونه إذا كان كاشفا عن السنة، أي عن قول المعصوم (عليه السّلام) و لو كان كشف ذلك من جماعة قليلة لا يسمى اتفاقهم في الاصطلاح إجماعا، و هذه نقطة خلاف جوهرية في الإجماع بين الفريقين و عند القوم العلم بالإجماع لا يستلزم العلم بحكم اللّه بأي وجه من وجوه الملازمة و انما قالوا بالإجماع لإعطاء صبغة شرعية لبيعة أبي بكر بعد رحلة الرسول الأكرم تمسكا بمثل قول النبي (لا تجتمع أمتي على الخطأ) و هي على تقدير التسليم بصحة صدوره لا تنفع في تصحيح دعواهم لان المفهوم من اجتماع كلّ الأمّة- بما فيهم أمير المؤمنين علي (عليه السّلام)

23

كدليل مستقل قائم بنفسه، بل لو استند الإجماع إلى آية كريمة أو رواية شريفة يعتمد عليها، فحينئذ نأخذ به كمؤيد و شاهد لما ندّعيه و نذهب إليه، فلا نعرض عنه بالكل، انما ندعه في حيطة الاستدلال حتى نجد له دليلا.

الثانية: لا نركن في الاستنباط الى عبائر الفقهاء و الاعلام من دون دليل،

إذ لازمه تقليد الميت ابتداء و هو لا يجوز عندنا بالاتفاق- كما هو ثابت في محلّه- الا عند شرذمة قليلة من الأخباريين، و كذا لا نعتمد على الشهرة بوحدها من دون عضيد قرآني أو روائي صحيح، إذ لا دليل على حجيّة الشهرة الفتوائية كما بيّنا ذلك في علم أصول الفقه.

الثالثة: في لفظ القصاص

و معناه اللغوي و المصطلح، فعند المشهور إنها على وزان فعال- بكسر الفاء- و قيل من اللّغات المثلثة- اي بفتح فاء الفعل و ضمّه الذي هو من المعصومين- لا بعضها فلا يثبت بمثل هذه الأحاديث عصمة البعض من الأمة- راجع أصول الفقه لشيخنا المظفّر (قدس سره).

و قال الفاضل التوني في كتابه الوافية ص 151: «الإجماع لغة الاتفاق و اصطلاحا عندنا: اتفاق جمع يعلم به أن المتفق عليه صادر عن رئيس الأمة و سيدها و سنامها (صلوات اللّه عليه)، و الحق: إمكان وقوعه و العلم به و حجيته، و قد اختلف في كل من المواضع الثلاثة، و ركاكة حججهم تمنع من التعرض لها، و سبب حجيته ظاهر بما مر من التعريف، و هو اشتماله على قول الامام المعصوم الذي لا يقول الا عن وحي إلهي، و ليس سبب حجيته انضمام الأقوال و اجتماعها كما يقول المخالفون حيث احتالوا في إطفاء نور اللّه، فجعلوا اجتماع أقوال الأمة حجة واجب الاتباع كالقرآن و الحديث و أدلتهم بعد تمامها لا تدل على مطلوبهم (لان ضمن الأمة الإمام المعصوم فمعه لا يكون الخطأ) فالإجماع عندنا ليس أمرا غير السنّة».

24

و كسره- و هي على قسمين:

1- تارة لا تتغيّر معانيها بتغيّر الحركات الثلاثة فالمعنى واحد كلفظ الدجاجة.

2- و اخرى تتغيّر المعاني بالحركات، فما كان مفتوح الفاء معناه غير ما كان مضمومها أو مكسورها، كما يقال ذلك في كلمتنا (القصاص) فراجع كتب اللغة (1) و قواميسها.

و الكلام في القصاص على وزن فعال بكسر الفاء، فهو من المشتقات لتعدّد الهيئات فيه.

و المشتق كما هو معلوم مركب من المادة و الهيئة، اي مركب من جزئين- مادي و صوري- كالجسم (2) في المعقولات.

لسان العرب ج 2 ص 73 قصص: قصّ الشعر يقصّه قصا: و قصاصة الشعر ما قص منه و قصاص الشعر بالضم و قصاصة و قصاصة و الضمّ أعلى نهاية منبته و منقطعة على الرأس في وسطه .. و أصل القصّ القطع قال أبو منصور: القصاص في الجراح مأخوذ من هذا إذا اقتص له منه بجرحه مثل جرحه إياه أو قتله به .. و القص و القصص: الصدر من كل شي‌ء و قيل هو وسطه و قيل هو عظمه .. و تقصّ الخبر تتّبعه .. و قصّ آثارهم تتبعها بالليل و قيل هو تتبع الأثر أي وقت كان، قال تعالى فَارْتَدّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمٰا قَصَصاً قال الأزهري: القصّ اتباع الأثر .. و القصاص و القصاصاء و القصاصاء: القود و هو القتل بالقتل أو الجرح بالجرح. و التّقاقص: التناقص في القصاص .. و القصاص ضرب من الحمض. قال أبو حنيفة: القصاص شجر باليمن تجرسه النحل فيقال لعسلها عسل قصاص.

قسّم أهل المعقول الجوهر تقسيما أوليّا إلى خمسة أقسام: المادة و الصورة‌

25

و الجسم المركب منهما و النفس و العقل، و الجسم هو الجوهر الممتد في جهاته الثلاثة الطول و العرض و العمق و هو اما صناعي: اي ما يصنعه الإنسان بيده كالباب و الدار، و اما طبيعي: و هو جوهر يمكن ان يفرض فيه الابعاد الثلاث متقاطعة على زوايا قوائم، و اما مثالي: و هو الجسم الساري في الجسم الطبيعي مثل سيلان الماء في التراب، و اما تعليمي:

و هو الطبيعي الذي حدّدت ابعاده الثلاث بالفعل فالطبيعي جوهر و التعليمي عرض.

فدرك الجسم بلا خصوصية فهو طبيعي و مع خصوصية التحديد و المقدار المعين مثلا:

جسم بمقدار متر مربع في أبعاده الثلاثة فهو التعليمي، فالأول لا بشرط و الثاني بشرط شي‌ء و هو ما يبحث في علم الرياضيات.

ثمَّ الطبيعي ينقسم الى قسمين: اما بسيط و اما مركب و الثاني ما يتركب من الطبائع و العناصر المختلفة، و البسائط عند القدماء عبارة عن الماء و التراب و الهواء و النار و تسمى بالعناصر الأوليّة الأربعة و في عصرنا بلغت المأة و العشرين، و المركب اجزاءه بالفعل.

و اما البسيط فقد اختلف العلماء فيه، فهل هو بالفعل أو بالقوة بنحو التناهي أو مع عدم التناهي فعند المتكلمين بالفعل و متناه إلى جزء لا يقبل القسمة إلى الجهات في الخارج و في الذهن و الوهم و العقل و يسمى عندهم بالجزء الذي لا يتجزء أو بالجوهر الفرد، و قد أبطله الحكماء بوجوه عديدة، و عند النظام من المتكلمين انه بالفعل غير متناه و عند الشهرستاني صاحب الملل و النحل انه بالقوة مع التناهي، و عند جمهور الحكماء الاجزاء بالقوة و غير متناهية، و الجسم متصل واحد في الواقع و في الحس، و قيل: بعضها بالقوة و بعضها بالفعل كما عند ذيمقراطيس و عند أفلاطون شيخ الإشراق و الخواجة نصير الدين الطوسي: الجسم عبارة عن الصورة الجسميّة و هو أمر بسيط، و عند المشائين من الفلاسفة: أنه مركب من جزئين الهيولى و الصورة لا تباين بينهما في الوضع بخلاف الاجزاء عند المتكلمين، و كأنما نظر سيدنا الأستاذ من تركيب الجسم هو قول المشّاء.

26

فالمادة: هي الحروف المرتبة (1) التي تعرض عليها الأوزان المختلفة و الهيئات، كالضاد و الراء و الباء في ضرب يضرب ضارب و مضروب و غير ذلك من المشتقات. و في عرض الهيئات على المواد تأثير، فإن فيه خاصيتان:

الاولى: حفظ الحروف من الانفكاك و التناثر، فمثل الهيئة كمثل خيط المسبحة كما قيل.

الثانية: لكل هيئة و وزن معنى خاص، فهيئة (ضرب)- صيغة الماضي- للدلالة على تحقق المادة و هو الحدث من الذات و لازمه وقوع الفعل في الزمن المنصرم و الماضي، و هيئة (اضرب) تدل على حصول المادة و طلب الحدث في المستقبل بعد صدور اللفظ، و هكذا لباقي المشتقات و الأوزان فإن لها معانيها الخاصة كما في علمي الصرف و الاشتقاق.

فقيل هيئة القصاص على معنيين:

1- بمعنى المصدر، اي مجرد الحدث من دون الاقتران بأحد الأزمنة الثلاثة.

2- و قيل بمعنى اسم المصدر (2)، اي ما حصل من المصدر، و لا إشكال في اختلف البصريون و الكوفيون في أصل المشتقات فمنهم من ذهب الى أن الأصل هو المصدر، و منهم من قال أنه الفعل الماضي، و عند المحققين كما عند سيدنا الأستاذ، المادة و الأصل هو الحروف المرتبة بترتيب خاص التي تعرض عليها الأوزان الخاصة- كتقديم الضاد على الراء و الراء على الباء في ضرب مع هيئة الماضوية أو الاستقبالية أو الفاعلية أو المفعولية أو غير ذلك.

ذكروا للفرق بين المصدر و اسمه أمورا:

1- ان الاسم الدال على مجرد الحدث ان كان علما كحماد علما لمحمد أو كان مبدوا بميم‌

27

احتمال ارادة المعنيين من لفظ القصاص، انما الكلام في مادّته، و يؤخذ ذلك من كتب اللغة كتاج العروس و لسان العرب و مجمع البحرين و مصباح المنير، و نراها ذات معان، فالقصاص لغة: بمعنى القطع أو تتبع الأثر.

و في مصطلح المتشرعة: يلائم المعنيين فإنه يقطع الجاني و يتبع أثر جنايته، فهو اتباع و قطع خاص يتناسب مع المعنى اللغوي فيكون منقولا مألوفا لوجود المناسبة بين المعنيين- اللغوي و المصطلح- فهو بخلاف المرتجل و النقل غير المألوف كما لو كان بينهما تباين فلا مناسبة بين المعنيين كتسمية الإنسان بالحديد.

و القصاص الشرعي على قسمين: قصاص نفس و قصاص عضو- كما سيأتي تفصيلهما ان شاء اللّه تعالى- و لا بد ان يكون القطع شديدا، فأن القاف- الحرف الأول منه في مادته- من الحروف الشديدة و من حروف القلقلة- كما هو في علم التجويد- و يدل على الشدّة كما قيل.

زائدة لغير المفاعلة كمضرب أو متجاوزا فعله الثلاثة و هو بزنة اسم الحدث الثلاثي كغسل من اغتسل فهو اسم مصدر و الّا فهو مصدر.

2- ان المصدر يدل على الحدث بنفسه و اسم المصدر يدل على الحدث بواسطة المصدر.

3- ان المصدر يدل على الحدث و اسم المصدر يدل على الهيئة الحاصلة منه.

4- اسم المصدر ما ليس على أوزان مصدر فعله لكنه بمعناه.

5- المصدر موضوع لفعل الشي‌ء و الانفعال به، و اسم المصدر موضوع لأصل ذلك الشي‌ء.

28

الرابعة: القصاص من المعاني الإضافية التي تقابلها المعاني الحقيقة،

و المعنى الإضافي كما في مصطلح أهل المعقول، أن تصوره و تحققه في الخارج يستلزم تصور و تحقق معان أخرى، كالعلم فإنه رابط بين العالم و المعلوم، و القصاص تحققه يستلزم وجود الجاني المقتص منه و المجني عليه المقتص له و الفعل الذي يسبب القصاص أي الجناية، ثمَّ القصاص الذي هو عبارة عن تدارك الجناية، فهذه العناوين الأربعة لها شروطها و أحكامها الخاصة كما سيتضح ذلك في المستقبل ان شاء اللّه تعالى.

الخامسة: الجناية على أقسام أربعة:

1- جناية على النفس أو أعضاء البدن، و هما على أقسام- العمد و شبه العمد و الخطأ و غير ذلك- و قد عقدنا هذا البحث و الدرس من أجلها كما سيعلم.

2- جناية على الفروج، إما عمدا و يعبّر عنه بالزنا، أو خطأ و يعبّر عنه بوطي الشبهة.

3- جناية على الأموال، و العمدي منها كالسرقة و الغصب و لهما أحكامهما الخاصة، و في الخطأ ضمان التلف و الإتلاف دون العقوبة.

4- جناية على الأعراض و الجاه كإهانة شخص و اتهامه و قذفه و ما شابه ذلك.

السادسة: لقد اختلف الفقهاء الكرام في القصاص

بأنّه من الأحكام أو الحقوق، و الفرق بينهما أن الاحكام جعلها بيد الشارع المقدس كما أن إزالتها بيده، و لكن الحقوق جعلها بيد الشارع الّا ان إزالتها جعل بيد المكلّف مع العوض أو مجانا، ثمَّ الحق ممّا ينقل إلى الورثة فيصدق عليه ما كان للميت فهو

29

لورثته دون الحكم، و انما يعرف الفرق بينهما و يميز ذلك في الموارد الفقهيّة من خلال لسان الأدلة و النصوص، و ما أصعب ذلك فإنه ممّا يمتحن به الرجال و الفطاحل- كما قاله شيخنا الأنصاري (قدس سره)- فالقصاص من الحقوق- كما سيعلم- إذ ورثة المجني عليه، في حلّ و خيار بين العفو عن الجاني أو القصاص منه.

30

شرعية القصاص

يرجع تشريع القصاص الى زمن قبل ظهور الإسلام، فإنه قد قنّن و شرّع في الأمم السالفة و القرون البالية و الأديان السابقة و الشرائع الماضية طوال أحقاب متمادية، في صيغ مختلفة و أحكام متفاوتة، فليس من تأسيس الإسلام و مخترعاته، انما الإسلام أمضاه و أكّد مشروعيته مع شرائط جديدة و أحكام خاصة، تتلائم مع جبلّة الإنسان و طبيعته و تمدّنه و مجتمعة المتكامل عبر العصور و الأجيال الى يوم القيامة، فإن حلال محمد ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة.

و قد ثبت شرعية القصاص في الدين الإسلامي الحنيف بنصوصه الرصينة من الآيات الكريمة و الروايات الشريفة، كما دل على ذلك سيرة النبي الأكرم ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) و أمير المؤمنين (عليه السّلام)، حيث اجري القصاص في عصريهما و تحت ظل حكومتهما بأمرهما، و لا حاجة حينئذ إلى مثل الإجماعات المزعومة في هذا المضمار، إذ الفقيه البارع في استنباطه و اجتهاده انما يرجع أوّلا الى كتاب اللّه المجيد، ثمَّ إلى الاخبار الواردة عن الرسول الأعظم و أهل بيته الاطهار فهم أركان البلاد و ساسة العباد و أمناء الرحمن و خلفاء النبي المختار (عليهم السّلام).

31

فهذه بعض الآيات و الروايات الدالة على شرعية القصاص (1):

قال تعالى في محكم كتابه و مبرم خطابه وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 179).

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ .. (البقرة:

178).

وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ .. (المائدة: 45).

وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً فَلٰا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ (الاسراء: 33).

و غير ذلك من الآيات الكريمة، و لا يخفى ان معنى الكتابة في مثل قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ* هو الوجوب، كما في آيات الصوم و الصلاة و الجهاد:

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (البقرة: 183).

إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً (النساء: 103).

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ (البقرة: 216).

فأوجب اللّه القصاص في كتابه الكريم، و أراد العرب- آنذاك- أن تأتي بقول يضاهي قول اللّه سبحانه، و لكن باؤوا بفشل و خيبة و أنّى لهم ذلك؟

قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لٰا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ (الاسراء: 88).

فأراد الناس ان يتحدّوا القرآن العظيم، و لكن كان سعيهم في ضلال

____________

(1) راجع الجواهر كتاب القصاص ج 42 ص 7.

32

و جهودهم كالعهن المنفوش، و بقي القرآن الكريم معجزة الرسول الخالدة.

فقالت الجاهلية العرب آنذاك أمام الآية الشريفة وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ: (القتل انفى للقتل) (1) و لكن أين هذا من ذاك؟ و اين الثرى من الثّريا؟

فان قوله تعالى:

(أخصر كلمة و أعمّ فائدة، لأن معناها إذ علم القاتل أنه إذا قتل قتل، فإنه سيكفّ عن القتل، فلم يقتل و لا يقتل، فصار حياة للجميع، و هي أخصر من قولهم، لان قولهم أربعة عشر حرفا، و كلمة القرآن عشرة أحرف، ثمَّ لفظ القتل متكرّر، و عذوبة اللفظ بينهما ما بين السماء و الأرض) (2).

و دلالة القصاص على الحياة دلالة مطابقية بخلاف القتل انفى للقتل فان دلالته على الحياة بالالتزام، و الدلالة الالتزامية فرع من الدلالة المطابقية.

كما أنه لا منافاة و لا تناقض بين القصاص و بين الحياة، فإن القصاص في الحقيقة و الواقع حياة للمجتمع الإسلامي و بقاء النوع الإنساني و حفظ كيانه و وجوده.

فشرعية القصاص في عالم الثبوت و الإثبات مسلّمة و مفروغ عنه، انما الاختلاف في الشرائط و ما شابه ذلك كما سيعلم إن شاء اللّه تعالى.

و اما الروايات الشريفة فهذه نبذة يسيرة منها (3):

في خبر جابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه السّلام) عن النبي صلّى اللّه عليه

____________

(1) و قيل: (القتل أوقى للقتل) بالواو و القاف و يروى (أبقى) بالباء و القاف.

(2) راجع المبسوط لشيخنا الطوسي (قدس سره) ج 7 ص 4.

(3) راجع في ذلك وسائل الشيعة ج 19 ص 9.

33

و آله و سلم: (أول ما يحكم اللّه عز و جل فيه يوم القيامة الدماء فيوقف ابني آدم فيفصل بينهما، ثمَّ الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتى لا يبقى أحد من الناس بعد ذلك، حتى يأتي المقتول بقاتله يشخب دمه في وجهه، فيقول: أنت قتلته فلا يستطيع ان يكتم اللّه حديثا).

و مر النبي (صلى اللّه عليه و آله) بقتيل فقال: من لهذا؟ فلم يذكر له أحد، فغضب ثمَّ قال: (و الذي نفسي بيده لو اشترك فيه أهل السماء و الأرض لأكبهم اللّه في النار).

و عنه (صلى اللّه عليه و آله): لو اجتمعت ربيعة و مضر على قتل امرئ مسلم قيدوا به.

و عن مولانا الصادق (عليه السّلام): أنه وجد في ذؤابة سيف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) صحيفة، فإذا فيها مكتوب: بسم اللّه الرحمن الرحيم إن أعتى الناس على اللّه يوم القيامة من قتل غير قاتله و ضرب غير ضاربه.

و عنه (عليه السّلام) أيضا: في رجل قتل رجلا مؤمنا قال: يقال له: مت أيّ ميّت شئت: إن شئت يهوديا و ان شئت نصرانيا و ان شئت مجوسيا.

و عنه (عليه السّلام) أيضا: لا يدخل الجنة سافك دم و لا شارب خمر و لا مشاء بنميم (و لا يزال المؤمن في فسحة من ذنبه ما لم يصب دما حراما قال: و لا يوفق قاتل المؤمن للتوبة).

و عن ابن مسلم سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن قول اللّه عز و جل مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ- الآية- فقال: له مقعد لو قتل الناس جميعا لم يرد الّا ذلك المقعد.

34

الى غير ذلك من النصوص المشتملة على المبالغة في أمر القتل (1).

راجع الجواهر ج 42 ص 10. كما أجمعت الأمة الإسلاميّة و علمائها على ذلك، كما يدل عليه حكم العقل (فإن الحكمة تقتضي شرعيته أيضا. فإن الطباع البشريّة و الأنفس الشريرة تميل الى الظلم و الاعتداء و ترغب في استيفاء الزائد على الابتداء، سيما البوادي و أهل الجهل، العادلين عن سنن العقل و العدل كما نقل عن عاداتهم في الجاهلية، فلو لم تشرع إلا جزية الزاجرة عن التعدي و القصاص من غير زيادة و لا انتقاص، لتجرأ ذوو الجهل و الحميّة، و الأنفس السبعيّة على القتل و الفتك في الابتداء، و أضعاف ما جنى عليهم في الاستيفاء، فيؤدي ذلك الى التفاني، و فيه من الفساد ما لا يخفى، فاقتضت الحكمة شرع العقوبات الزاجرة عن الابتداء في القتل و القصاص المانع من استيفاء الزائد على المثل فورد الشرع بذلك لهذه الحكمة حسما عن مادة هذا الباب، قال تعالى وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ. من كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة تأليف الشيخ عبد الرحمن الجزيري ج 5 ص 245).

و قد عنيت الشريعة الإسلامية بالمحافظة على دماء الناس عناية تامة، فهددت الجناة الذين يعتدون على دماء الناس تهديدا شديدا و يكفي في زجر المسلم الذي يؤمن باللّه و اليوم الآخر قوله تعالى وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا وَ غَضِبَ اللّٰهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذٰاباً عَظِيماً فان في هذه الآية من الشدة ما تقشعر له جلود العتاة ان كانوا مسلمين. (المصدر نفسه ص 250) و في الهامش يذكر بعض الروايات من طرق العامة فراجع.

و كذلك راجع كتاب المحلّى لابن حزم المتوفى سنة 456 ج 10 ص 342 و (الفقه الإسلامي و أدلته) ج 6 ص 218. و كتاب (السنن الكبرى) للبيهقي (المتوفى سنة 458 ج 8 ص 15 باب أصل تحريم القتل في القران و السنة). و كتاب (سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام) للشيخ محمد بن إسماعيل اليمني الصنعاني (المتوفى سنة‌

35

ثمَّ المحقق الحلي في بداية كتاب القصاص يقول أنه (قسمان: الأول في قصاص النفس و النظر فيه يستدعي فصولا، و القسم الثاني: في قصاص الطرف) و سنقتفي آثار المحقق الحلي (قدس سره) و نحذو حذوه في دروسنا هذه ان شاء اللّه تعالى و من اللّه العون و التوفيق.

1182 ج 3 ص 473). و كتاب (فتح الباري) لابن حجر العسقلاني ج 12 ص 166.

و كتاب (عمدة القارئ) للشيخ العيني (المتوفى سنة 855 ج 23 ص 38). و كتاب (الأم) للشافعي ج 8 ص 343). و كتاب (البحر الزخّار الجامع لمذاهب علماء الأمصار) تأليف أحمد بن يحيى المتوفى سنة 840 ج 5 ص 214 طبعة سنة 1368 مطبعة السنة المحمدية/ مصر (و الكتاب فقه و أصول على وفق المذهب الزيدي) فراجع.

37

القسم الأول قصاص النفس

و فيه فصول:

الأول: في الموجب.

الثاني: في الشروط المعتبرة في القصاص (1).

الثالث: في دعوى القتل و ما يثبت به.

الرابع: في كيفية الاستيفاء.

____________

(1) الجزء الأول من هذه التقريرات انما يضم الفصلين الأولين اما الآخرين فيأتيك في الجزء الثاني. و في الجزء الثالث يكون البحث حول القسم الثاني أي- قصاص الطرف- ان شاء اللّه تعالى.

39

الفصل الأول في الموجب

و فيه مقامات جليلة:

فانّ هاهنا مقامات نافعة نشير إليها إتماما للموضوع و تعميما للفائدة في المباحث و الدّراسات و هي:

[مقامات]

المقام الأوّل: موجب القصاص (1)

و فاعل الجناية لو كان فعله و جنايته بآلة يقول المحقق في بداية كتاب القصاص انه (قسمان الأول في قصاص النفس و النظر فيه يستدعي فصولا: الأول في الموجب و هو إزهاق النفس المعصومة المكافئة- في الإسلام و الحرية و غيرهما من الشرائط- عمدا و عدوانا و يتحقق العمد بقصد البالغ العاقل بما يقتل غالبا). راجع جواهر الكلام ج 42 ص 11 و راجع المجلد العاشر من كتاب مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة تصنيف السيد محمد الجواد العاملي الكاظمي يذكر الموجب في كتاب الديات و فيه أربعة أبواب الأول في الموجب و فيه فصول الأول المباشرة و تجب بها الدية إذا انتفى قصد القتل كمن رمى غرض فأصاب إنسانا أو ضرب للتأديب فاتفق الموت أو وقع من علو على غيره فقتله فان قصد و كان الوقوع يقتل غالبا فهو عمد و ان كان لا يقتل غالبا فهو عمد الخطأ ان لم يقصد القتل و الا فعمد و لو اضطر الى الوقوع أو لم يقصد القتل فهو خطأ- إلى آخر ما يقول- ص 266.

و الفصل الثاني في التسبيب ص 277 و الثالث في اجتماع العلة و الشرط ص 290 و فيه‌

40

قتالة مع قصده القتل، فهو الذي يعبر عنه بالقتل العمدي و الجناية العمدية، و لو كان بآلة قتالة و لم يكن قاصدا للقتل، فذهب بعض الفقهاء انه من القتل العمدي أيضا لوجود الآلة القتالة، و ذهب المشهور منهم إلى انه من باب شبه العمد، فإنه لم يقصد القتل، و لو كان بآلة غير قتالة و كان قاصدا للقتل فاتفق الموت و القتل، فقد ألحقه جماعة بالقتل العمدي لوجود القصد، و جماعة قالوا من شبه العمد لعدم وجود الآلة القتّالة و هو المختار.

و ان كان بغير آلة قتالة و من دون قصد للقتل فإنه يعبر عنه بالقتل الخطئي، و لازمه الدية على العاقلة، كما سنذكر.

فهذه صور أربعة، و الحريّ بالذكر أن شبه العمد برزخ بين العمد و الخطأ، و قد أقرّه جمع غفير من الخاصة و العامة (1) إلا أنس بن مالك- امام المذهب مسألة حفر البئر و الرابع: في الترجيح بين الأسباب إذا اجتمع المباشر و السبب ضمن المباشر ص 318 و راجع مسالك الأفهام ج 2 ص 455 و تحرير الاحكام ج 2 ص 241 الطبعة الحجرية. و راجع تكملة المنهاج لسيدنا الخوئي ج 2 ص 3 مسألة 1.

جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 275 تحت عنوان (بحث شبه العمد) الحنفية- قالوا: القتل على خمسة أوجه: عمد و شبه عمد و خطأ و ما اجرى مجرى الخطأ و القتل بسبب. فالعمد ما تعمد ضربه بسلاح أو ما أجرى مجرى السلاح كالمحدد من الخشب و ليطة القصب و المروة المحددة و النار و شبه العمد: ان يتعمد الضرب بما ليس بسلاح و لا ما اجرى مجرى السلاح سواء كان الهلاك به غالبا كالحجر و العصا الكبيرين و مدققة القصار، أو لم يكن كالسوط و العصا الصغير .. الشافعية و الحنابلة و الصاحبان من الحنفية قالوا: شبه العمد، هو ان يتعمد الضرب بما لا يحصل الهلاك به غالبا كالعصا الصغيرة إذا لم يوالي في الضربات اما إذا والى فيها فهو عمد و قيل شبه عمد ..

41

و المالكية قالوا: ان الضرب بالعصا و الحجر الصغيرين عمد فإنهم قالوا: اننا لا نعرف ما هو قتل شبه العمد و انما القتل عندهم نوعان فقط، عمد و خطأ فالخطأ ما وقع بسبب من الأسباب أو من غير مكلف قاصد للمقتول أو القتل بما مثله لا يقتل في العادة به كالسوط و هذا لا قود فيه، و انما تجب فيه الدية و قتل العمد ما سواه: إذ لا واسطة بين العمد و الخطأ في سائر الأفعال فكذا في هذا الفعل.

ثمَّ يذكر المؤلف معنى شبه الخطأ و انقسام القتل إلى الأحكام الخمسة واجب و حرام و مكروه و مندوب و مباح و معنى الخطأ و انه لا يوصف بحلال و لا حرام، لأنه غير مكلّف فيما أخطأ فهو كفعل المجنون و البهيمة. فراجع.

و جاء في كتاب (المغني لابن قدامي (المتوفى سنة 630) ج 9 ص 320: أكثر أهل العلم يرون القتل منقسما الى هذه الأقسام الثلاثة روى ذلك عن عمر و علي و به قال الشعبي و النخعي و قتادة و حماد و أهل العراق و الثوري و الشافعي و أصحاب الرأي و أنكر مالك شبه العمد و قال ليس في كتاب اللّه الا العمد و الخطأ فاما شبه العمد فلا يعمل به عندنا و جعله من قسم العمد و للكلام صلة فراجع.

و راجع أيضا كتاب الانصاف للشيخ علاء الدين المرداوي الحنبلي ج 9 ص 433 (قوله: القتل على أربعة أضرب عمد و شبه عمد و خطأ و ما اجرى مجرى الخطأ- قسم المصنف القتل أربعة أقسام و كذا فعل أبو الخطاب في الهداية صاحب المذهب و مسبوك الذهب و المستوعب و الخلاصة و الرعايتين و الحاوي و الوجيز و إدراك الغاية و غيرهم فزاد و اما اجري مجرى مجرى الخطأ كالنائم ينقلب على إنسان فيقتله أو يقتل بالسبب، مثل ان يحفر بئرا أو ينصب سكينا أو حجرا فيؤول الى إتلاف إنسان و عمد الصبي و المجنون و ما أشبه ذلك. و هذه الصور عند الأكثرين من قسم الخطأ أعطوه حكمه و كثير قسموا القتل ثلاثة أقسام منهم الخرقي و صاحب العمدة و الكافي و المحرر و الفروع و غيرهم.

42

و جاء في المحلّى ج 10 ص 343 و القتل قسمان عمد و خطأ، برهان ذلك الآيتان اللتان ذكرنا آنفا وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلّٰا خَطَأً- وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً .. فلم يجعل اللّه عزّ و جلّ في القتل قسما ثالثا، و ادعى قوم هاهنا قسما ثالثا و هو عمد الخطأ و هو قول فاسد لأنه لم يصح في ذلك نص أصلا و قد بيّنا سقوط تلك الآثار في كتاب الإيصال و الحمد للّه رب العالمين، مع ان الحنفيين و الشافعيين القائلين بشبه العمد هم مخالفون لتلك الآثار الساقطة التي موهوا بها فيما فيها من صفة الدية و غير ذلك على ما بيّنا في غير هذا الموضع و هو عندهم ينقسم قسمين: أحدهما ما تعمد به المرء كما قد يمات من مثله و قد لا يمات من مثله.

قال أبو محمد: هذا عمد و فيه القود أو الدية لأنه عدوان و قال عزّ و جلّ فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و الثاني ما تعمد به مما لا يموت أحد أصلا من مثله فهذا ليس قتل عمد و لا خطأ و لا شي‌ء فيه إلّا الأدب فقط. و من عجائب الأقوال هاهنا ان الحنيفيين يقولون: من أخذ حجرا من قنطار فضرب متعمدا رأس مسلم ثمَّ لم يزل يضربه به حتى شدخ رأسه كلّه فإنه لا قود فيه و ليس قتل عمد و كذلك لو تعمد ضرب رأسه بعود غليظ حتى يكسره كلّه و يسيل دماغه و يموت و لا فرق. و قال المالكيون من ضرب بيده في فخذ مسلم فمات المضروب أثر الضربة ففيه القود و يقتل الضارب. و سماع هذين القولين يكفي من تكلّف الرد عليهما. انتهى كلامه.

ثمَّ يتحدث عن هذا المعنى تفصيلا في ص 378 الى ص 388 بأنه لم نوضح فساد الأخبار التي موهوا بها و تناقض الطوائف الثلاث المالكين و الحنيفيين و الشافعيين فيها فوجب ان نستدرك ذلك كما فعلنا في سائر المسائل .. فيذكر الأخبار و يناقشها سندا و متنا فراجع.

و راجع كتاب (الفقه الإسلامي و أدلته ج 6 ص 217) أنواع الجناية بصفة عامة نوعان: جناية على البهائم و الجمادات و تبحث عادة في باب الغصب و الإتلاف و جناية‌

43

المالكي- فإنه ألحقه بالعمد و أوجب فيه القصاص، و ألحقه شرذمة قليلة من العامة إلى الخطأ تمسكا بتوهمات واهية.

ثمَّ لنا روايات في هذا المقام نذكر منها رواية أبي الصباح الكناني و رواية موسى بن بكر (1) و سندهما تام، انما المناقشة في دلالتهما.

فرواية أبي الصباح عن الكافي بسنده عن حمّاد- و هو من أصحاب الإجماع- عن الحلبي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال:

سألناه عن رجل ضرب رجلا بعصاه فلم يقلع عن الضرب حتى مات، أ يدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال (عليه السّلام): نعم و لكن لا يترك يعبث به و لكن يجيز عليه بالسيف.

على الإنسان الآدمي و هي محل بحثنا هنا. و الجناية على الإنسان بحسب خطورتها أنواع ثلاثة: جناية على النفس و هي القتل و جناية على ما دون النفس و هي الضرب و الجرح، و جناية على ما هو نفس من وجه دون وجه و هي الجناية على الجنين، عمد و شبه عمد و خطأ. فإذا قصد الجاني الجريمة أو الاعتداء و ترتب على فعله حدوث الأثر المقصود كانت الجريمة عمدا، اما إذا تعمّد الاعتداء و لم يقصد حدوث النتيجة كانت الجريمة شبه عمد (اي ضربا مفضيا للموت) فان لم يقصد الاعتداء أصلا كانت الجريمة خطأ.

انتهى كلامه. و راجع ص 221 الى ص 235 من نفس المصدر أيضا ففيه عرض آراء المذاهب الأربعة في أقسام القتل و كيفيّتها و ضوابطها و اختلافها. و راجع كتاب الام ج 6 ص 3.

____________

(1) الوسائل ج 19 ص 23 باب 11 في تفسير قتل العمد و الخطأ و شبه العمد و فيه عشرون حديثا و المقصود الحديث الثاني و العاشر فراجع.

44

و رواية البزنطي عن موسى بن بكر عن العبد الصالح- أي الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام)- في رجل ضرب رجلا بعصاه فلم يرفع عن العصا حتى مات، قال: يدفع الى أولياء المقتول و لكن لا يترك يتلذّذ به و لكن يجاز عليه بالسيف.

و المراد من العبث التمثيل فإنه حرام، فلا يمثّل حتى بالكلب العقور. ثمَّ لمثل هذه الروايات ذهب جماعة من الفقهاء إلى إلحاق الصورة الثالثة بالقتل العمدي، و لكن النقاش في دلالة الرواية، فأين قصد القتل فيها؟ و العمد انما هو بشرط القصد، و انما تذكر الرواية عدم وجود الآلة القتالة كالعصا، و عدم قلعه عن الضرب بالعصا لا يدل على قصد القتل، بل ربما لم يقلع عن العصا لكثرة تألمه من دون قصد القتل، كما يقضي العرف بذلك و كفى بذلك شاهدا في هذا المقام.

ثمَّ لنا رواية لا تتلائم مع الروايات الأخرى من حيث المتن و تلك رواية عدم إعطائه للورثة، و لا تنافي بينهما فان المراد فيها عدم مثلته.

المقام الثاني: في الجاني و المجني عليه و الجناية شرائط خاصة:

1- كأن يكون كل منهما كفوا للآخر، فالمسلم كفو المسلم و لا يقاد الكافر بالمسلم.

2- و ان يكون القتل ظلما و عدوانا لا من باب اجراء الحد عليه.

3- و الحرية، و غير ذلك.

كما في القاتل الجاني شرائط: كالبلوغ و العقل و الاختيار و الحرية، و اما جناية العبد ففيها تفاصيل كما سيعلم.

45

المقام الثالث: لو كان القاتل مكرها في جنايته و قتله، فذهبت العامة إلى ثلاثة أقوال (1):

الأول: يقتص منه كالمختار.

الثاني: عدم القصاص إنما تؤخذ الدية.

الثالث: يقتل المكره- بالكسر- و المكره- بالفتح.

و الحق كما عند الخاصة أصحابنا الإمامية أنه يقتص منه، إذ (لا تقية في جاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 288 تحت عنوان مبحث قتل المكره) الشافعية قالوا: لو أكره إنسان شخصا آخر على قتل شخص بغير حق فقتله فيجب القصاص على المكره- بالكسر- لأنه أهلكه بما يقصد به الاهلاك غالبا فأشبه بما لو رماه بسهم فقتله و كذا يجب القصاص على المكره- بفتح الراء- في الأظهر لأنه قتله عمدا عدوانا و ظلما لاستبقاء نفسه فأشبه ما لو قتله المضطر ليأكله بل اولى و قيل القصاص على المكره- بالكسر- اما المكره بالفتح فلا قصاص عليه لحديث الرفع و لأنه كالآلة في يد المكره. و قيل لا قصاص على المكره بالكسر بل القصاص واجب على المكره بالفتح لأنه مباشر للقتل و المباشر مقدمة على غيرها و لأنه يشبه من جهة المختار في فعله و من جهة المضطر المغلوب- و للبحث صلة فراجع- و اما المالكية و الحنابلة قالوا: لو اكره رجل آخر فقتله فيجب القصاص على المكره بالكسر لتسببه و يجب القصاص على المكره- بالفتح لمباشرته الفعل بنفسه لأن المأمور لم يعذر بالإكراه و لا يعذر الآمر لعدم المباشرة فيجب القصاص عليهما معا- و يذكر المصنف أدلتهم- و اما الحنفية قالوا: يجب القصاص على الآمر دون المأمور خصوصا إذا كان للآمر سلطان على المأمور فإن المكره- بالفتح- يشبه من لا اختيار له و يعاقب المكره- بالفتح- بان يضرب مائة جلدة و يحبس سنة كاملة أو حسب رأي الحاكم.

46

الدماء) كما ورد في الأحاديث الشريفة.

المقام الرابع: لا يخفى عليكم إنّما كلامنا في القتل العمدي

و يلحق به الجراح العمدي، فإن الكتاب الذي نبحث فيه انما هو (كتاب القصاص).

و القتل- ظلما و عمدا- كما دلّت عليه الروايات و الآيات، فقتل المسلم عمدا و ظلما حرام، الّا فيما أخرجه الشارع المقدّس كإجراء الحدود، فمن قتل مؤمنا فجزائه جهنم، و لا تقتل النفس التي حرّم اللّه قتلها.

و كتاب اللّه هو القانون الرصين و المصدر الأول للشريعة الإسلامية السمحاء، و السنة و الأحاديث الشريفة إنما تبيّن و تشرح و تفصّل الكليات و الأحكام العامة الواردة في القرآن الكريم.

و إنّ الروايات الدالة على حرمة قتل المسلم عمدا لكثيرة، يمكن ان يدّعى تواترها أو انها من المتواتر المعنوي- أي أخبار تذكر في مضمون واحد- أو من المتواتر الإجمالي- أي أخبار يعلم إجمالا صدور واحد منها من المعصوم (عليه السّلام).

كما عليه إجماع أهل القبلة- أي كل المسلمين في جميع مذاهبهم و طوائفهم- كما يحكم العقل السليم الخالي من الشوائب و الأوهام بقبح قتل المسلم ظلما و عدوانا، و ان الظلم لقبيح بحكم العقل و الشّرع المقدّس.

المقام الخامس: لقد مرّ في المقام الأوّل أنه في الصورتين الثانية و الثالثة، اختلاف بين القوم

، فمنهم من اجرى حكم القتل العمدي، و منهم من ألحقهما بالقتل الخطئي أو شبه العمد فتؤخذ الدية دون القصاص و إن ارتكب محرّما و كان آثما و هو المختار.

47

فان ظاهر الروايات القصاص الّا انها تحمل فيما لو كان قاصدا للقتل، أو حملها على محامل اخرى، كما لو يتجنب الضارب بالعصا المقاتل السبعة- كالشقيقة- في المضروب.

فمقتضى التحقيق أن القتل العمدي بحاجة إلى قصد القتل مع آلة قتالة، و عند الشك في الصورة الثانية و الثالثة فمقتضى القاعدة و الأصل العملي هو العدم، و يؤيده قاعدة اهتمام الشارع بالدماء، و قاعدة تدرء الحدود بالشبهات، و لكن جمعا بين الحقين تؤخذ منه الدية نقدا لو كان له مال، و الّا فيتّبع حتى يدفع.

و لا يخفى ان المستنبط الحاذق انما يرجع أولا في مقام الاستنباط الى النصوص الشرعية فلا بدّ له من الاهتمام بفقه القرآن و الحديث فهما الدليلان، و إذا لم يجد منهما دليلا فإنه يرجع حينئذ إلى القواعد الفقهيّة، و الّا فإلى الأصول العمليّة فإنها بمنزلة عصا المفلوج.

تنبيهات:

بعد بيان أصل الموضوع و محور الكلام لا بأس ان نذكر بعض التنبيهات و الفروعات المفيدة، كما هو ديدننا في المواضيع التي نتعرّض لها في المستقبل ان شاء اللّه تعالى.

التنبيه الأول: يقتص من الجاني في القتل العمدي،

فيجري الحد عليه بالسيف، و هو القدر المتيقن من الروايات الشريفة في المقام، و قيل: بكل ما يزهق روحه بالآلات المعدّة لذلك، و يحتمل ان يقتل بمثل ما قتل، أي بأي آلة قتالة قتل المجني عليه فان يقتص منه بمثل تلك الآلة.

48

و المختار هو القول الثاني، فإن المقصود من القصاص دفع الفساد في المجتمع و أخذ الحق من الجاني بالقصاص بأي وجه كان و لا خصوصية في السيف، و انما جاء ذلك في الروايات باعتبار أنه كان المتعارف عليه في الأمم السالفة و حين صدور الروايات (1).

التنبيه الثاني: أنّ المعاصي انّما تثبت بالطرق الشرعيّة،

أي: بالبينة و الإقرار، و العامة على اختلاف في صفة القصاص في النفس فقالت المالكية: يجب أن يقتل القاتل بما قتل به و لو كان المقتول به نارا لقوله تعالى وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ قال المفسرون: ان هذه الآية دليل على جواز التماثيل في القصاص فمن قتل بحديدة قتل بها و من قتل بحجر قتل به و لا يتعدى قدر الواجب و يكون القصاص بالنار مستثنى من النهى عن التعذيب بها في قوله (صلى اللّه عليه و آله) (لا تعذبوا أحدا بعذاب اللّه) على المشهور.

و في بعض الموارد كما لو ثبت القتل بالقامة أو كان بخمر أو سم أو سحر فإنه يتعين قتله بالسيف.

و قالت الشافعية و الحنابلة في إحدى روايتهم: يجب ان يقتص من القاتل على الصفة التي قتل غيره بها و بآلة تشبه الآلة التي استعملها في مباشرة القتل حتى يتحقق القصاص و يشعر بالألم الذي شعر به القتيل ان كان قتله بفعل مشروع فان مات بهذه الوسيلة التي استعملها و الا تحز رقبته بالسيف قتلا.

و قالت الحنفية لا يجوز ان يستوفي القصاص الا بالسيف خاصة في جميع الأحوال سواء كان القتل به أو بغيره و احتجوا على مذهبهم بما أخرجه البزار عن النبي (لا قود الا بالسيف).

و قد تعرض مصنّف كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 304 الى 308) الى تفصيل ذلك فراجع.

49

و كذلك القصاص، و مقتضى القاعدة شهادة عدلين على القتل، أو إقرار الجاني به، و يكفي المرّة الواحدة، فيقتص منه ليسلم من العذاب الأخروي (1).

أمّا القاضي فهل يعمل بعلمه و يحكم به؟

اختلف الفقهاء في ذلك- كما في كتاب القضاء و الشهادات- فمنهم: من قال بالجواز، لأنه علم و قطع و ذلك من مصاديق القطع الطريقي و هو حجة ذاتا، و ذهبت الحنفية و الشافعية و الحنابلة انه يثبت موجب القصاص من قتل أو جرح عمد بإقرار أو شهادة رجلين قال تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (البقرة:

282) و لا تقبل شهادة النساء في الحدود و القصاص و ألحقوا به علم القاضي و نكول المدعي عليه و حلف المدعي فإنه يثبت بهما أيضا و يثبت موجب المال من قتل أو جرح خطأ أو شبه عمد بالإقرار و شهادة عدلين أو علم القاضي أو برجل و امرأتين أو برجل و يمين لا بامرأتين و يمين لقوله تعالى فَإِنْ لَمْ يَكُونٰا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (البقرة: 282).

و اما المالكية فذهبت إلى انه يثبت الحق في القصاص و الجرح بالإقرار أو بشهادة رجلين عدلين لان كل ما ليس بمال و لا آئل إلى المال لا يكفي فيه الا عدلان كالعتق و العفو عن القصاص و كشرب الخمر و قذف و قتل و جرح و غير ذلك.

و اشترطوا في صحة الشهادة عند الحاكم العدالة- و العدل هو الحر المسلم البالغ العاقل بلا فسق و لا حجر و لا بدعة و لا تأوّل و ان يكون صاحب مروّة بترك شي‌ء غير لائق من لعب بحمام و شطرنج و ترك سماع غناء و ترك سفاهة من القول و ترك صغيرة و ان كان أعمى في القول أو أصم في العقل و شرط قبول شهادته: ان يكون فطنا جازما في شهادته بما أدّى غير متّهم فيها. و الموضع فيه تفصيل راجع كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 326 الى ص 334.

50

يحكم العقل به، و ان القاطع لا يرى الّا الواقع. و منهم: من قال بعدم الجواز، لقول النبي الأكرم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) (إنما أقضي بينكم بالبينة و الأيمان).

و المختار هو القول بالتفصيل: فإنه لو كان عمله بعلمه يورد التهمة عليه و يشك في حكمه، فلا يعمل بعلمه، و الا فهو جائز، و قول الرسول الأكرم انما هو ناظر الى العناوين الأوليّة، و انما جوزنا العمل بعلم القاضي لطروّ العناوين الثانوية، فتأمل.

التنبيه الثالث: لو ثبت القتل على الجاني، فهل للحاكم الشرعي ان يقتص منه

أو يصبر حتى يطالب بذلك من قبل الورثة؟ الحق: عليه ان يصبر حتى يطالب، فان القصاص من الحقوق كما مرّ، فربما تعفو الورثة عنه أو تطالب و ترضى بالدية بدلا من القصاص فمن حقّهم ذلك.

التنبيه الرابع: هل لوارث المجني عليه و ولي دمه ان يقتص من الجاني ابتداء

أم يجب عليه أن يستأذن ذلك من الحاكم؟ مقتضى القاعدة الاستيذان منه و ذلك يوافق الاحتياط تحفظا من الهرج.

التنبيه الخامس: لو اشترك شخصان أو أكثر في جناية،

فهل لولي الدم و الوارث مطالبة القصاص من الشريكين أو الشركاء أم عليهم الدية فقط؟

يحق للولي مطالبة القصاص بعد ردّ فاضل الدية كما له ان يطالب بالدية أو يعفو عنهم أو عن بعض دون بعض كما سيأتي تفصيله.

51

المباشرة و التّسبيب

يتعرض المحقق الحلي (قدس سره) الشريف في كتابه القيم (شرائع الإسلام) (1)- كما هو دأب الفقهاء في هذا الباب- إلى مسألة المباشرة و التسبيب، و مصنّفات الفقه الاستدلالي ك‍ (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) قد امتلئت بالأمثلة و المصاديق، و نحن بدورنا لا بد ان نذكر أولا: القاعدة الكلية و الضابطة في هذا الباب، و نجعلها أصلا يرجع اليه عند الشك، ثمَّ نذكر ثانيا:

الأمثلة لزيادة التوضيح و البيان.

فمن قتل مسلما متعمّدا، ظلما فعليه القود، و تشخيص المباشرة و عدمها انما يرجع فيه الى العرف، و لكن القتل يقع على نحوين: راجع جواهر الكلام ج 42 ص 18 قال المحقق عليه الرحمة: (ثمَّ العمد قد يحصل بالمباشرة و قد يحصل بالتسبيب، أما المباشرة فكالذبح و الخنق و سقي السم القاتل و الضرب بالسيف و السكين و المثقل و الحجر الغامز و الجرح في المثقل و لو بغرزة الإبرة، و اما التسبيب فله مراتب: المرتبة الأولى: انفراد الجاني بالتسبيب المتلف و فيه صور:- فيذكر صور ستة- المرتبة الثانية: ان ينضم إليه مباشرة المجني عليه و فيه صور- فيذكر صور ثلاثة- المرتبة الثالثة: ان ينضم إليه مباشرة حيوان و فيه صور- فيذكر صور ثلاثة- المرتبة الثالثة: ان ينضم إليه مباشرة حيوان و فيه صور- فيذكر صور خمسة- المرتبة الرابعة: ان ينضم إليه مباشرة إنسان آخر و فيه صور- فيذكر صورتين- كما سيذكر الصور سيدنا الأستاذ، فلا نذكرها في الهامش طلبا للاختصار.

52

الأول: يقع القتل و تتحقق الجناية في الخارج من دون واسطة بين القاتل و المقتول، فهو الذي يعبر عنه بالمباشرة، سواء كان القتل بالسيف أو الضرب على المقاتل السبعة في الإنسان أو اسقائه السمّ أو تزريقه بالسمّ أو خنقه أو ضربه بالحجارة أو غرقه، أو غير ذلك من مصاديق عنوان المباشرة.

الثاني: يتحقق مع الواسطة، و هي اما ان تكون مختارة ذات أراده، أو غيرها كالكلب المعلّم، و الثاني يلحق بالمباشرة، و الأول: تارة تكون الواسطة فاعلا مريدا عاقلا كالعبد و المستأجر للجناية، فإنه من مصاديق التسبيب، فيقاد الوسيط فهو المباشر، و اخرى يكون الوسيط مكرها- بفتح الراء.

فهنا صور ثلاثة:

الأولى: السبب أقوى من المباشر كالكلب المعلّم فإنه يلحق بالمباشر، فيقتص من السبب.

الثانية: المباشر مختار فهو المباشر كالعبد و مولاه السبب.

الثالثة: فيما لو كان مكرها، و ذهبت العامة في المكره إلى أربعة أقوال (1):

فقيل يقتل المكره- بالكسر اسم فاعل- و المكره- بالفتح اسم مفعول- فإنهما بمنزلة العلة الواحدة.

و قيل بعدم قتلهما، لان المكره- بالكسر- هو السبب و لم يباشر القتل فلا يقتل، و المكره- بالفتح- رفع عنه المؤاخذة لحديث الرفع (رفع عن أمتي تسع ..

ما استكرهوا عليه ..).

____________

(1) ذكرنا إجمال ذلك فيما مر نقلا من كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 288 الى ص 292 فراجع.

53

و قيل بقتل المكره- بالكسر لأنه الأقوى، و قيل المكره- بالفتح- لأنه المباشر.

و اما عند الخاصة أصحابنا الإمامية و في روايات أهل البيت (عليهم السّلام)- و هم أدرى بما في البيت الذي اذن اللّه ان يرفع و يذكر فيه اسمه- فالمشهور يقتل المباشر و ان كان مكرها، لأنه لا تقية في الدماء، كما ورد في جملة من الاخبار الشريفة، كما لا مجال للتقية في التبري من ولاية أمير المؤمنين علي (عليه السّلام)، إذ لا مجال لحكومة العناوين الثانوية فيهما، فتدبّر.

فالمباشر يقتل و الآمر يحبس أو يعزر بما يراه الحاكم من المصلحة، و هو المختار.

و زبدة المخاض في تشخيص و تعين المباشر و السبب انه انما زمام ذلك بيد العرف فيرجع اليه، و الفقيه مهما بلغ في الفقه فإنه عيال على العوام- أي العرف، كما صرح بذلك شيخنا الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء (قدس سره). و ذلك في مقام تشخيص كثير من الموضوعات التي تجري عليها الأحكام الشرعية، دون الموضوعات الشرعية كالصلاة فان تشخيص ذلك بيد الفقيه (1).

لقد اختلف الفقهاء العظام في رجوعهم إلى العرف العام في مقام تشخيص الموضوعات غير الشرعية، فسيدنا الأستاذ كثيرا ما يعتمد على العرف في ذلك و يقصد من العرف، عوام الناس و كان يمثل بالعطّار و البقّال، على ان خطاب القرآن و الروايات انما هو لأمثالهم.

و لكن شيخنا الأستاذ الآية العظمى الشيخ محمد جواد التبريزي (دام ظلّه)، قلّما يرجع الى العرف، كما ان العرف عنده ليس عوام الناس، بل المقصود المجتهد نفسه، إلّا‌

54

أمثلة القاعدة (1)

هذا و إليك جملة من الأمثلة المذكورة في هذا الباب بعد الوقوف على معرفة القاعدة الكليّة و الضابطة الاساسية، و انما نتعرض لبيان الأمثلة تبعا لأصحابنا في مصنّفاتهم الفقهية و تتميما للفائدة و توضيحا للقاعدة.

1- مثال العصا (2):

لو ضرب الجاني بالعصا بقوة و شدة قاصدا للقتل، فإنه يلحق بالعمد، سيما لو ضرب على المقاتل السبعة و لم يحترز منها، و هو المختار فان العرف يقضي و يحكم بأنه من مصاديق المباشرة و انه من العمد، فيقتص منه. و في الصحيح (عن أنه في مقام تشخيص الموضوع عليه ان يتخلّى من كونه فقيها و ينظر الى الموضوع باعتبار أنه من العرف العام، و الّا كيف يرجع الفقيه الى عوام الناس حتى في تشخيص الموضوعات غير الشرعيّة و هو منهم أوّلا؟. و لقول الشيخ وجه وجيه و ان كان المشهور مع قول السيد.

____________

(1) و مثل هذه الأمثلة مذكورة في كتب السنة أيضا راجع كتاب المغني ج 9 من ص 321 الى ص 333 و كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 277 الى ص 282.

و كتاب الام ج 6 ص 6 و ص 8.

(2) راجع الجواهر ج 42 ص 22.

55

الامام الصادق (عليه السّلام) عن رجل ضرب رجلا بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتى مات انه من العمد و يقتص منه) (1).

2- مثال الإلقاء في النار (2):

و لو طرح الجاني المجني عليه في النار فاحترق و مات، فإنه يقتص من الجاني فيما لم يستطع المجني عليه الخروج من النار، أو تتشنج اعصابه فيمنعه ذلك من الخروج و كان الجاني قاصدا بذلك قتله. و ان بقي في النار تهاونا مع إمكانه الخروج، فلا قصاص على الجاني فإن المجني عليه أعان نفسه على الموت، و كذا إذا لم يكن الجاني قاصدا لقتله.

3- مثال الجرح (1):

الجواهر ج 42 ص 27 و راجع تحرير الاحكام ج 2 ص 241 سراية الجراح‌

____________

(1) الوسائل ج 19 الباب 11 من أبواب القصاص الحديث (2- 3- 4- 10- 12) و لكن سيدنا الأستاذ قد مرّ منه ان الحديث الثاني و العاشر لا يدلان على قصد العمد، الا ان يكون مقصوده غيرهما، و لكن لسان الكل واحد، فراجع و تأمّل.

(2) المصدر ص 25. و جاء في تكملة المنهاج ج 2 ص 5 مسألة 3: لو ألقى شخصا في النار أو البحر متعمدا فمات، فان كان متمكنا من الخروج و لم يخرج باختياره فلا قود و لا دية- فإن الموت مستند حينئذ إلى نفسه لا الى فعل الملقي فلا يتحقق موجب القصاص و لا موجب الدية- و ان لم يكن متمكنا من الخروج و انجاء نفسه من الهلاك فعلى الملقي القصاص- تحقق موضوعه و هو القتل العمدي. و راجع الانصاف ج 9 ص 473 و الام ج 6 ص 7.

56

عمدا مضمونة .. و راجع المنهاج ج 2 ص 6 مسألة 5 جاء فيها: إذا جنى عمدا و لم تكن الجناية مما تقتل غالبا و لم يكن الجاني قد قصد بها القتل و لكن اتفق موت المجني عليه بالسراية فالمشهور بين الأصحاب ثبوت القود- باعتبار السراية في الجناية العمدية مضمونة و ان لم تكن مقصودة- و لكنه لا يخلو من اشكال بل لا يبعد عدمه فيجري عليه حكم القتل شبيه بالعمد- باعتبار انه متقوم بقصد الفعل المترتب عليه القتل اتفاقا من دون قصده .. و من كتاب أبناء العامة راجع الام ج 6 ص 11 و أسنى المطالب ج 4 ص 5.

و جاء في كتاب (الفقه الإسلامي و أدلته) ج 6 ص 253 تحت عنوان: التغريق و التحريق:

يفرق الحنفية بين التحريق و التغريق فالتحريق بالنار عندهم قتل عمد لأن النار كالسلاح في تغريق اجزاء الجسد فتشق الجلد و تعمل عمل الذبح و ألحقوا بالنار: الماء المغلي أو الحار و المعدن المصهور و التنور أو الفرن المحمي و ان لم يكن فيه نار. و اما التغريق بالماء الكثير فهو عند أبي حنيفة قتل شبه عمد لأنه كالقتل بالمثقل و عند الصاحبين: هو قتل عمد موجب للقود لأنه مما يقتل به غالبا و استعماله دليل العمدية و يدل لهما قوله (عليه السّلام):

(من غرّق غرقناه) و هذا إذا كان الماء عظيما بحيث لا يمكن النجاة منه. فلو كان الماء قليلا لا يقتل غالبا أو عظيما تمكن النجاة منه بالسباحة و الملقى بالماء يحسن السباحة فالقتل شبه عمد باتفاق الحنفية. و يرى المالكية: ان التحريق و التغريق قتل عمد موجب للقصاص إذا كان التغريق عدوانا أو لعبا لغير المحسن للعوم أو عداوة لمحسن العوم و كان الغالب عدم النجاة لشدة برد أو طول مسافة فغرق فان كان التغريق لمحسن العوم لعبا فعليه دية مخففة (مخمسة) لا مغلظة.

و قال الشافعية و الحنابلة: إذا القى أو طرح شخص غيره في نار أو ماء لا يمكنه التخلّص منه لكثرة الماء أو النار أو لعجزه عن التخلّص لعدم إحسانه السباحة أو مع احسانها و كان مكتوفا أو ضعيفا أو مريضا أو صغيرا فمات كان القتل عمدا موجبا القصاص. و ان ألقاه‌

57

و لو أصاب الجاني جرحا في المجني عليه، فان كان عالما بسراية الجرح الى مواضع من بدنه يستلزم الموت، فإنه يعتبر قاصدا للقتل و لا يبعد الحاقه بالعمد منه، الّا إذا كان المجني عليه قادرا على العلاج فتهاون و تكاسل، فإنه أعان نفسه على الموت، فلا يقتص من الجارح إنما عليه الدية.

4- مثال الشركة في القتل (1):

و لو اشترك اثنان في قتل شخص، كأن يلقي أحدهما الآخر على نائم فمات النائم: هاهنا صور: في ماء مغرق فالتقمه الحوت وجب القصاص في الأظهر عند الشافعية لأنه ألقاه في مهلكة و فيه وجهان عند الحنابلة أصحهما وجوب القود على الملقي فان كان الماء يسيرا غير مغرق و التقمه الحوت فلا قصاص و عليه دية القتل شبه العمد عند الشافعية و الحنابلة لأنه هلك بفعله. و ان امكنه التخلص من الغرق بسباحة أو تعلق بزورق فتركها فلا قود و لا دية اي انه هدر عند الحنابلة و في الأظهر عند الشافعية لأنه مهلك نفسه كذلك لا دية في الأظهر عند الشافعية إذا ألقاه في نار يمكنه الخلاص منها فمكث فيها حتى مات و في إيجاب ضمان ديته وجهان عند الحنابلة و الصواب إلزامه الدية لأنه جان بالإلقاء المفضي إلى الهلاك و رأي الشافعية و الحنابلة أولى بالاتباع و يقترب منه رأي المالكية لأن مثل هذا الفعل الذي يباشره المعتدي غالبا. انتهى كلامه.

الجواهر ج 42 ص 30 و نهاية الشيخ ص 758 و إذا وقع إنسان من علو على غيره فمات الأسفل أو الأعلى أو ماتا جميعا لم يكن على واحد منهما شي‌ء فان كان الذي وقع دفعه دافع أو أفزعه كانت دية الأسفل على الذي وقع عليه و يرجع هو بها على الذي دفعه و ان كان أصابه شي‌ء رجع عليه أيضا به ..

58

الاولى: يكون الإلقاء عن عمد و قصد للقتل فإنه يلحق بقتل العمد، فيقتص منه فإنه لم يصدر من المدفوع و الملقى فعلا اختيارا فإنه بمنزلة الحجارة فالسبب أقوى من المباشر، فلا شي‌ء على الملقى.

الثانية: لو كان الملقي راكضا و أدّي ذلك من دون الالتفات إلى إلقاء شخص على شخص آخر نائم فمات، فلا قصاص و لا دية عليهما- الملقي و الملقى- إذا لم يتعمّدا القتل، نعم ربّما يقال بأخذ الدية من بيت المال الذي أعدّ لمصالح المسلمين و ذلك لقاعدة حرمة دم المسلم و عدم هدره.

الثالثة: لو كان الملقى على سطح فألقاه الجاني على ثالث نائم في الأسفل، و كان الواقف الملقى ضعيفا بالنسبة إلى المقتول و لكن مات الرجل، فإنه يلحق بالعمد لو كان قاصدا للقتل، فيقتص من الجاني الملقى و الدافع.

الرابعة: لو كان الإلقاء من باب المزاح- و ما أتعس مثل هذا المزاح المقيت- و كان عالما بأنه سيكون الإلقاء سبب الموت، فقيل يلحق بالعمد، و قيل يشبه العمد، و المختار لو كان قاصدا للقتل و مؤثرا في الموت فهو من مصاديق العمد، و لو قلنا القطع حجته ذاتية، و العلم قطع، فعلمه بالموت يكون من القصد للقتل فلا يبعد الحاقه بالعمد، إلّا إذا قلنا بالاحتياط و ان الحدود تدرء بالشبهات و ان الشارع اهتم بالدماء فإنه يتصالح حينئذ مع الورثة بالدية.

الخامسة: لو كان الإلقاء بقصد الوقوع في ساحة الدار مثلا، فوقع على نائم فقتله، فإنه من الخطأ و الدّية على العاقلة.

و هنا روايتان (1) مطلقتان تشمل الصور، و لكن حملتا على الصورة

____________

(1) الوسائل ج 19 ص 40 باب 20 ان من وقع على آخر بغير اختيار فقتله لم يكن عليه شي‌ء و ان قتل الأعلى فليس على الأسفل شي‌ء، و فيه أحاديث أربعة و المقصود الثاني و الرابع.

59

الخامسة، و هما رواية شيخ الطائفة الشيخ الطوسي (قدس سره) بسنده عن محمد بن مسلم في الرجل يسقط على الرجل فيقتله، فقال (عليه السّلام): لا شي‌ء عليه، أي لا قصاص و لا دية.

رواية ثقة الإسلام الشيخ الكليني بسنده عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما قال: ليس على الأعلى شي‌ء و لا على الأسفل شي‌ء.

فتحمل فيما لم يكن قاصدا للقتل، و العمدة في المقام القاعدة التي ذكرناها و تطبيقها على الأمثلة.

5- مثال السّحر (1):

من قتل شخصا بالسحر فهل يلحق بالعمد؟ قبل بيان المختار من الحكم لا بأس بذكر مقدمات نافعة:

الاولى: حرمة السحر ممّا اتفق عليه الأصحاب،

كما جاء ذلك في السنة الشريفة، و قد تعرض اليه الفقهاء في كتاب المتاجر- كما في كتاب المكاسب المحرمة لشيخنا الأنصاري- فيما لو أخذ الساحر الأجرة على سحره فان كسبه من السحت، و كذا ذكر في كتاب الديات و القصاص و غيرهما.

الثانية: لنا روايات نبويّة و ولويّة-

المنسوبة إلى أولياء اللّه الأئمة الأطهار

____________

(1) الجواهر ج 42 ص 32 و من كتب أبناء العامة راجع المغني ج 9 ص 330.

60

(عليهم السّلام)- على حرمة السحر، انما الاختلاف في مصاديقه و عناوينه.

الثالثة: لفظ السحر على وزن فعل

- بكسر الفاء- و هو من المشتقات فله جزء صوري و جزء ماديّ اي: عارض و معروض، فمادة السحر السين و الحاء و الراء مركبا و مرتّبا، و يعرف معناه من معاجم اللغة (1) و قواميسها، و قد استعمل في موارد عديدة، منها التغيير و التبديل و الانصراف و إلقاء الخيالات في الأذهان و بمعنى التأثير و ما شابه ذلك، و كتب اللغة انما هي لبيان الموضوع له في الألفاظ، لا كما قاله المحقق الآخند صاحب الكفاية، بأنها وضعت لبيان موارد الاستعمال.

و أما هيئة السحر و صورته: فإنه مصدر يدل على الحدث مجردا و من غير اقترانه بأحد الأزمنة الثلاثة- الماضي و الحاضر و المستقبل.

و المراد من السحر فيما نحن فيه هو المعنى المصطلح عند الفقهاء، لا المعاني اللغوية، و ان كان المصطلح منقولا من المعنى اللغوي و بينهما عموم و خصوص فهو من النقل المألوف، و المصطلح أخص من اللغوي كما سيعلم.

الرابعة: هناك نزاع بين الأصحاب في حقيقة السّحر (2)،

فمنهم و على رأسهم

____________

(1) لسان العرب ج 4 ص 348 و قاموس اللغة ج 2 ص 46 و المعجم الوسيط ج 1 ص 421 و مجمع البحرين ج 3 ص 324 و النهاية ج 2 ص 346.

(2) الجواهر ج 42 ص 32 و راجع في ذلك بحار الأنوار ج 60 من ص 1 الى ص 42 و كتاب المكاسب المحرمة طبعة جامعة النجف ج 3 من ص 25 الى ص 122 و تحرير الاحكام ج 2 الطبعة الحجرية ص 241 قال المنصف الذي اختاره الشيخ لا حقيقة للسحر و في الأحاديث ما يدل على ان له حقيقة فعلى ما ورد في الاخبار لو سحره فمات بسحره ففي القود اشكال و الأقرب بالدية لعدم اليقين بذلك و لو أقر أنه قتله بسحره فعليه القود عملا بإقراره ..

61

شيخ الطائفة يذهب الى عدم واقعيته، فليس السحر عنده الا شعبذة و لا واقع له في الخارج (1)، و ذهب المشهور و هو المختار إلى ان للسحر حقيقة و واقع كما في لقد اختلف قول الشيخ في المقام كما ذكر ذلك العلامة المجلسي في كتابه الشريف بحار الأنوار ج 60 ص 28 تحت عنوان نقل و تحقيق فقال: اعلم ان أصحابنا و المخالفين اختلفوا في حقيقة السحر و انه هل له حقيقة أو محض توهّم و لنذكر بعض كلماتهم في ذلك.

قال الشيخ (قدس سره) في الخلاف: السحر له حقيقة و يصح منه ان يعقد و يؤثر و يسحر فيقتل و يمرض و يكوع الأيدي و يفرّق بين الرجل و زوجته و يتفق له ان يسحر بالعراق رجلا بخراسان فيقتله، هذا عند أكثر أهل العلم و أبي حنيفة و أصحابه و مالك و الشافعي.

و قال أبو جعفر الأسترابادي لا حقيقة له و انما هو تخييل و شعبذة و به قال المغربي من أهل الظاهر و هو الذي يقوي في نفسي- فيذكر العلامة المجلسي ما يقوله الأسترابادي ثمَّ يتعرض إلى مقالة العلامة في التحرير قائلا: و هل له حقيقة أم لا؟ فيه نظر ثمَّ يذكر في موضع آخر منه: الذي اختاره الشيخ (رحمه اللّه) انه لا حقيقة للسحر و في الأحاديث ما يدل على ان له حقيقة، فعلى ما ورد في الاخبار لو سحره فمات بسحره ففي القود اشكال و الأقرب الدية- إلى آخر ما قال- و قال في المنتهى نحوا من أول الكلام ثمَّ قال و اختلف في أنه له حقيقة أم لا؟ قال الشيخ (رحمه اللّه): لا حقيقة له و انما هو تخييل و هو قول بعض الشافعية و قال الشافعي: له حقيقة- ثمَّ يذكر العلامة المجلسي مقولة الشهيد في الدروس و انه ذهب الأكثر على انه لا حقيقة له بل هو تخييل و قيل: أكثره تخييل و بعضه حقيقي- ثمَّ يذكر المجلسي آراء الفقهاء و اختلافهم في حقيقة السحر فراجع، و المقصود ان الشيخ الطوسي في الخلاف يذهب الى حقيقته و في غيره الى عدم حقيقته كما نقل ذلك عن العلامة الحلي (قدس سره) في التحرير و المنتهى، فتدبّر.

62

الاخبار (1)، و يترتب على المبنيين ثمرة عملية، فإنه لو لم يكن له واقع و حقيقة فلا يقتص حينئذ من السّاحر القاتل بسحره، و إذا كان له واقع فعليه القود مع قصد القتل.

الخامسة: لنا ألفاظ ثلاثة متقاربة المعنى و هي السحر و الشعبذة و التسخير،

فما الفرق بينهما؟ فإنه وقع جماعة في الاشتباه فاستدلوا على حرمة السحر بأدلة التسخير و بالعكس، فعلينا أن نعرف الفروق بينها و لو على نحو الاجمال.

فالشعبذة حرام و أخذ الأجرة عليها أكل المال بالباطل و من السّحت، و معناها تغير الواقعيات في الظاهر بحركات سريعة خادعة، تعتمد على خطأ الباصرة، فيقع الناظر في حيرة و دهشة.

و جاء في كشف اللثام ج 2 المطبعة الحجريّة: في المباشرة و التسبيب: الثامن: ان يقتله بسحره ان قلنا ان للسحر حقيقة كما قيل و استدل بقوله تعالى و يتعلمون منهما و هو عمد إذا قصد به القتل أو كان سحره يقتل غالبا و قيل في الخلاف يقتل لما مر عن الاخبار حدّا لا قصاصا بناء على انه لا حقيقة له لقوله تعالى وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ ...

و راجع مسالك الافهام ج 2 ص 457 الطبعة الحجريّة. و تكملة المنهاج: ج 2 ص 7 مسألة 7: ليس للسحر حقيقة موضوعية بل هو إراءة غير الواقع بصورة الواقع و لكنه مع ذلك لو سحر شخصا بما يترتب عليه الموت غالبا أو كان بقصد القتل كما لو سحره فتراءى له ان الأسد يحمل عليه فمات خوفا كان على الساحر القصاص- فإن العبرة في القصاص انما هي باستناد القتل العمدي إليه بأحد الوجهين المتقدمين و ذلك متحقق في المقام و ان لم يكن للسحر واقع في نفس الأمر.

____________

(1) البحار ج 60 من ص 1 الى ص 42 (باب تأثير السحر و العين و حقيقتهما زائدا على ما تقدم في باب العصمة) و في الباب 32 رواية فراجع.