القصاص على ضوء القرآن و السنة - ج2

- السيد شهاب الدين المرعشي النجفي المزيد...
493 /
7

الجزء الثاني

مقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لٰا أَنْ هَدٰانَا اللّٰهُ رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين و خاتم النبيين محمد المصطفى الأمين و على آله الطيبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

أما بعد:

فهذا هو الجزء الثاني من كتاب (القصاص على ضوء القرآن و السنة) تقريرا لأبحاث سيدنا الأستاذ الآية العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (قدس سره) الشريف.

و هذا الجزء هو المجلد التاسع من موسوعتنا (رسالات إسلامية) أسأل اللّه أن يتقبل منا ذلك بأحسن قبول، و أن يكون لي ذخرا ليوم معادي يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون الّا من أتى اللّه بقلب سليم، و ما توفيقي إلّا باللّه العلي العظيم، و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

9

[تتمة القسم الأول و هو قصاص النفس]

الفصل الثالث فيما يثبت به دعوى القتل أمور عامة

بعد أن وقفنا على موجب القصاص، و أقسام القتل و أنواعه، و بعض مصاديق المباشرة و التسبيب، و الشروط المعتبرة في القصاص [كما مرّ تفصيل ذلك في الجزء الأول و للّه الحمد] حان الموعد لنعرف ما يثبت به دعوى القتل، و طرق إثبات الجناية، و هو الفصل الثالث من كتاب القصاص في (شرائع الإسلام) للمحقق الحلّي (قدس سره) (1).

جاء في جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ج 42 ص 192 الفصل الثالث: في دعوى القتل و ما يثبت به. و لكن قد تقدم في كتاب القضاء (راجع ج 40 ص 153- 157) البحث في اعتبار الجزم بالدعوى واقعا و ابرازا كما انه لا خلاف و لا إشكال في أنه (يشترط في المدعي البلوغ ..).

جاء في الجواهر كتاب القضاء ج 40 ص 153: و كيف كان و (لا بد من إيراد الدعوى بصيغة الجزم) التي يستدل بها على جزم المدعي بما يدعيه كما عن الكافي و الغنية و الكيدري و ظاهر الوسيلة بل في الكفاية نسبته إلى الشهرة و حينئذ (فلو قال‌

10

و هناك شرائط عامة لا بد من مراعاتها في إثبات كل دعوى، لولاها لاختلت الدعاوي

و هي أمور:

الأمر الأول: الجزم و العلم بالدعوى

و بما يدّعيه المدّعي، و لا يكفي الظن المطلق الذي لا يغني من الحق شيئا (1).

أظن أو أتوهم لم تسمع) لأن من لوازم الدعوى الصحيحة إمكان رد اليمين على المدعي و هو منتف، و للقضاء بالنكول فيها مع يمين المدعي أو عدمه و هو منتف هنا أيضا، ضرورة عدم جواز تناول المدعي هنا مع عدم جزمه، و لعدم صدق الدعوى عليه عرفا فلا يترتب الحكم من القضاء و غيره عليها.

جاء في كتاب (الفقه الإسلامي و أدلته) للدكتور وهبة الزحيلي (من كتب العامة) ص 386: و يشترط في الإقرار بالجناية أو الجريمة الموجبة لحد أو قصاص أو تعزير أن يكون واضحا مفصلا قاطعا في الاعتراف بارتكاب الجرم عمدا أو خطأ أو شبه عمد.

فلا يصح الإقرار المجمل الغامض أو المشتمل على شبهة، حتى يتحدد نوع العقاب، إذ لا عقاب مثلا على القتل دفاعا عن النفس أو المال أو استعمالا للحق تنفيذا للقصاص.

و لا يصح إقرار المتهم في إقراره لملاطفة صديق و نحوه لأن التهمة تخل برجحان جانب الصدق على الكذب في إقراره.

و جاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) لعبد الرحمن الجريري ج 5 ص 327:

و يجب على الشاهد أن يصرّح بالمدعى به (بفتح العين) و شرط قبول شهادته أن يكون فطنا جازما في شهادته بما أدّى غير متهم فيها ..

و في قواعد العلامة ص 292 المقصد الثالث في طريق ثبوته- القصاص- و كيفية‌

11

و ما نحن فيه يمكن طرح الدعوى بصور مختلفة، و ذلك حسب الاحتمالات المتصوّرة:

1- الجزم القلبي و اللفظي بأن يقول الولي: هذا قتل أبي قطعا. فقيل لا بد في الدعوى مثل هذا الجزم و القطع.

2- الظن القلبي و اللفظي من دون الجزم، ذهب اليه الشيخ نجيب الدين ابن نما استيفائه و فيه فصول الأول: في الدعوى و لها شروط خمسة .. جاء في مفتاح الكرامة في شرح القواعد ج 10 في تعليقات على باب القصاص ص 33: لم يذكر من شروطها أن تكون مقطوعا بها عند المدعي و لعله يجوّزها هنا بالظن مطلقا أو فيما يخفى و قد تقدم الكلام في ذلك في القضاء و انه يصح له أن يدعي غير جازم لكنها يبرزها بعنوان الجزم لتسمع فلو أبرزها بأني أظن لم تسمع على الأقوى.

و في القواعد ص 294: و يشترط تجرد الشهادة عن الاحتمال كقوله: ضربه بالسيف فقتله أو فمات أو فانهر دمه فمات في الحال أو فلم يزل مريضا منها حتى مات و ان طال الزمان. و لو شهدوا بأنه جرح و أنهر الدم لم يكف ما لم يشهد على القتل، و لو قال:

أوضح رأسه لم يكف ما لم يتعرض للجراحة بأن يقول: أوضحه و هي هذه و وضوح العظم و لو قال اختصما ثمَّ افترقا و هو مجروح أو ضربه فوجدناه مشجوجا لم يقبل و كذا لو قال فجرى دمه و لو قال: فأجرى دمه قبل في الجراح لاستناده اليه، و لو قال: أسال دمه فمات قبل في الدامية خاصة، و لو قال: أوضحه و لم يعين محل الموضحة لعجزه عن تعيين محلها و تعددها سقط القصاص و ثبت الأرش و ليس له القصاص بأقلّهما لتغاير المحل، و كذا لو قال قطع يده و وجد مقطوع اليدين فلا بد من أن يقول قطع هذه اليد أو جرح هذه الشجة و لو شهد على انه قتله بالسحر لم يسمع لأنه غير مرئي نعم لو شهد على إقراره بذلك من انه قتله بالسحر سمع ..

12

الحلّي صاحب كتاب مثير الأحزان.

3- الجزم القلبي دون اللفظي.

4- الجزم اللفظي دون القلبي.

5- التفصيل بين الجنايات، فمنها ما يعسر الاطلاع عليه كالسرقة فلا داعي إلى الجزم القلبي، فيسمع دعوى المدعي و لو كان بجزم لفظي، و إذا كان ممّا لا يعسر الاطلاع عليه، فإنه يشترط فيها الجزم القلبي.

6- التفصيل بين المدعي المتّهم بالكذب و عدمه، فعلى الأول لا يسمع دعواه دون الثاني.

و نسب المحقق (1) القول الثاني إلى معاصره و هو أستاذه الشيخ نجيب الدين جاء في الجواهر ج 40 ص 153: (و) لكن قال المصنف (كان بعض من عاصرناه) و هو شيخه نجيب الدين محمد بن نما (يسمعها في التهمة و يحلف المنكر) ثمَّ قال: (و هو بعيد عن شبه الدعوى) الذي قد عرفت كونها في العرف الخبر الجازم، و لكن اليه يرجع ما في الروضة و محكي تعليق النافع للمحقق من التفصيل بين ما يعسر الاطلاع عليه كالقتل و السرقة و غيره، فتسمع في الأول دون الثاني، بل عن الإيضاح و المجمع أنه قوي عدم اشتراط الجزم، و نفى عنه البأس في غاية المراد و مال إليه في المسالك، لكن في الرياض أنه ليس قولا لأحد منا، بل أصحابنا على قولين: اعتبار الجزم و الاكتفاء بالتهمة في مقامها. و كيف كان ففي المسالك تبعا لغاية المراد (ان المعتبر من الجزم ما كان في اللفظ، بان يجعل الصيغة جازمة دون ان يقول: أظن أو أتوهم كذا، سواء انضم الى جزمه بالصيغة جزمه بالقلب و اعتقاده لاستحقاق الحق أم لا، و هو كذلك، فان المدعي لا يشترط جزمه في نفس الأمر، لأنه إذا كان للمدعي بيّنة‌

13

ابن نما (قدس سرهما). و ربما وجه قوله ان عنوان المدعي يصدق عليه، فلو كان هذا دليله فهو مردود، فإنه لا يقال عند العرف من قال في دعواه: أظن زيدا قاتل أبي، أنه مدع، فان الدعوى جملة خبرية، و صدقها انما تكون لو طابقت الواقع و اعتقاد المتكلم على ما هو التحقيق، فلا بد من الجزم القلبي، و إلا فلا يترتب الأثر عليه.

ثمَّ على المدّعي البيّنة و إلا فاليمين بعد النكول، فلو كانت دعواه بنحو الظن، فإنه كيف يحلف عليها، و إذا حلف مع عدم الجزم القلبي، فإنه من مصاديق تشهد له بحق و هو لا يعلم به، فله أن يدعي به عند الحاكم لتشهد له البيّنة، و كذا لو أقر له مقر بحق و هو لا يعلم به فله ان يدعيه عليه و انه لم يعلم سببه في نفس الأمر ما هو، و وجه ما اختاره المصنف من اشتراط الجزم بالصيغة ان الدعوى يلزمها ان يتعقبها يمين المدعي أو القضاء بالنكول، و هما غير ممكنين مع عدم العلم بأصل الحق، و ان المعهود من الدعوى هو القول الجازم فلا يطابقها الظن و نحوه) و تبعهما على ذلك في الرياض.

و فيه ان إظهار الجزم بالصيغة مع عدمه في القلب كذب و تدليس. ضرورة كون ذلك خبرا من الأخبار و لا إنشاء كي لا يحتمل الصدق و الكذب .. ثمَّ قال صاحب الجواهر:

و التحقيق الرجوع الى العرف في صدق الدعوى المقبولة و عدمها، و لا ريب في قبولها عرفا في مقام التهمة بجميع أفرادها و ربما تؤيده النصوص الدالة على تحليف الأمين مع التهمة المتقدمة في كتاب الإجازة و غيره. كخبر بكر بن حبيب و .. و خبر أبي بصير ..

و بالجملة فالمدار على ما يتعارف من الخصومة بسببه، سواء كان بجزم أو ظن أو احتمال، اما ما لا يتعارف الخصومة به كاحتمال شغل ذمة زيد مثلا أو جنايته بما يوجب مالا أو نحو ذلك مما لا يجري التخاصم به عرفا فلا سماع للدعوى فيه. ثمَّ يرد مقولة صاحب الرياض فراجع.

14

....

الكذب و عليه الكفارة. و ان الجزم اللفظي انما هو كاشف عن الجزم القلبي، فكلام ابن نما (قدس سره) نذره في سنبله.

و أما اشتراط الجزم القلبي و اللفظي معا، فهو مذهب كثير من الفقهاء الأعلام، و مستندهم ما عرف من جواب ابن نما، فان الآثار انما تترتب على المدعي الجازم في دعواه، و اللفظ يكشف عمّا في الضمير و ما يدور في خلد الإنسان من المعنى، و لا يعني هذا الكلام النفسي كما عند الأشاعرة، فإن ذلك أمر غير معقول و لا يمكن تصوره، فكيف يمكن التصديق به، كما هو ثابت في محله، فإنه لا يعلم الغيب إلا اللّه سبحانه و تعالى و لمن ارتضى من رسول.

و أما مستند من يقول بكفاية الجزم القلبي دون اللفظي، فبناء على ان اللفظ كاشف، و ربما يكشف عما في القلب من دليل خارجي آخر غير اللفظ، كاخبار المعصوم (عليه السّلام)، حتى لو قال المدّعي: (أظن) في مقام الدعوى.

و أما مستند من يقول بكفاية الجزم اللفظي دون القلبي، فبناء على ان العمل إنما هو بالظواهر فهي الحجة، و ان لم تكن كاشفة عن السرائر و البواطن كالجزم القلبي، فنحن أبناء الظهور أينما دار ندور.

فإن الظواهر- كما هو ثابت في محله- حجة بحكم الفطرة و الوجدان السليم و بناء العقلاء و الأدلة النقلية.

و يمكن ان يخدش هذا القول و هذا الدليل، بان اللفظ حينئذ يؤخذ بنحو الموضوعية لا الطريقية الكاشفية و فيه ما فيه، فالعمدة الجزم القلبي.

و اما مستند التفصيل الأول، أي القول الخامس، فبعد التتبع لم أر له وجها، فلا مجال له.

15

و اما القول السادس، فيما لو لم يكن متهما، فإنه تقبل منه دعواه، باعتبار انه من المسلمين، و يحمل عمل المسلم على الصحة، كما لنا روايات تدل على ذلك، كرواية بكر بن حبيب (1)، و ان كان موردها الإجارة، إلا أن المورد لا يخصص، و الملاك هو اتّهام المدعي فيحلف و إلا فلا، و لكن باب المدعي و المنكر له خصوصيات خاصة، كالبيّنة على المدعي و اليمين على من أنكر، فلا يتمسّك بما ورد في الإجارة و حسب، فالمختار هو أن تكون الدعوى بصورة الجزم القلبي، و اللفظ الجازم كاشف عن ذلك، و إذا كان هناك كاشف آخر، فإنه الوسائل، باب 29 من كتاب الإجارة الحديث 16.

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) أعطيت جبة الى القصّار- أي الخيّاط- فذهبت بزعمه، قال: ان اتهمته فاستحلفه و ان لم تتهمه فليس عليه شي‌ء.

لا يضمن الصائغ و القصّار و لا الحائك إلا ان يكونوا متهمين، فيخوّف بالبيّنة و يستحلف لعله يستخرج منه شيئا.

قال صاحب الجواهر: الى غير ذلك من النصوص التي هي و ان كانت في غير ما نحن فيه من الدعوى بالتهمة لكن لا ريب في دلالتها على اقتضاء التهمة الاستحلاف أينما تحققت. بل قد يؤيده أيضا عمومات الأمر بالحكم كتابا و سنة في جميع أفراد المنازعة و المشاجرة التي لا ريب في أن ذلك من أفرادها نحو قوله تعالى وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ- فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ- فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ و غير ذلك، و احتمال كون الحكومة في الفرض بالقضاء بكون الدعوى غير مسموعة مناف لما دل من النصوص على ان الضابط في قطع الخصومات البيّنات و الإضافة إلى اسم اللّه تعالى.

- انتهى كلامه رفع اللّه مقامه- (ج 40 ص 155).

16

يؤخذ به كذلك كقول المعصوم (عليه السّلام)، فلا بد من كون المدعي جازما في إقامة دعواه. و لو علم بالجزم القلبي من اي كاشف كان، فإنه يعمل به و لو كان متّهما، و لا مجال للروايات حينئذ، فإنه لو نكل المنكر فاليمين يتوجّه الى المدعي، فلو كان غير جازم في دعواه كيف يحلف على ذلك. و إذا علمنا بعدم الجزم القلبي من اي طريق كان، فإنه لا تقبل دعواه.

ثمَّ حكي عن الشهيد الثاني عدم اعتبار الجزم لا قلبا و لا لفظا، باعتبار أن مقصود الشارع هو حسم مادة النزاع و انقطاع الخصومة و لو كان بالظن، و لكن هذا غير تام، فان النزاع لا ينقطع في الواقع لو لم يكن الجزم القلبي.

مسألة: لو لم يحصل للوارث أو الوصي الجزم بما كتبه الميّت، فكيف يكون الأمر (1)؟ بعض قال باشتراط الجزم كذلك، و قيل بعدمه في مثل هذا المورد، و المختار أنه لا بأس ان تلحق المسألة هذه باعتبار و اشتراط الجزم كذلك.

الأمر الثاني: العقل،

فإنه يشترط في المدعي ان يكون عاقلا- و لم يذكر ذلك المحقق في شرائعه- فلو كان المدّعي مجنونا، فإنه لا تسمع دعواه، فيشترط العقل عند اقامة الدعوى أعم من أن يكون حين وقوع الجناية عاقلا أو مجنونا، و يدل على ذلك أحاديث الرفع، فإنه رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، و إنما لم يذكره المحقق اكتفاء بوضوحه.

قال صاحب الجواهر (ج 40 ص 155): و كذا لا ريب في تحقق الخصومة و المشاجرة مع عدم الجواز فيما يجده الوصي أو الوارث من سندات أو دفتر أو شهادة من لا يوثق بهم أو غير ذلك.

17

الأمر الثالث: البلوغ (1)،

فلا بد من ان يكون المدّعي حين دعواه بالغا، سواء كان حين الجناية بالغا أو غير بالغ، و ذلك لحديث الرفع أيضا (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) و لا يصدق عنوان المدعي على الصبي، و قال بعض- كشيخ الطائفة (قدس سره)- بعدم اشتراط البلوغ تمسكا بما فعله أمير المؤمنين (عليه السّلام) أيام خلافته الظاهرية في قضية الصبيان الخمسة حيث قسم الدية عليهم، و هذا يعني قبول دعواهم، و لكن إنما يتمّ الاستدلال بها لو تمَّ صدورها أولا؟

و الظاهر لا إشكال في سندها، إلا ان الأصحاب أعرضوا عنها، و هذا مما يوجب وهنها، و في دلالتها اضطراب، فكيف تقسّم الدية على الاثنين و الثلاث، و يحتمل التقية فيها، إلا انه ربما يقال لم تكن التقية أيام الخلافة الظاهرية، إلا فيما خالف سيرة الشيخين، ثمَّ الرواية معارضة بروايات أقوى سندا و دلالة، فلا نقول بها حينئذ، و إنها قضية في واقعة يرجع علمها الى الامام (عليه السّلام).

يشترط في المدعي البلوغ لسلب عبارة غير البالغ (الجواهر ج 42 ص 192).

جاء في القواعد ص 292 في شروط الدعوى الأول: أن يكون بالغا رشيدا حالة الدعوى دون وقت الجناية فلو كان جنينا حالة القتل صحت دعواه إذ قد يعرف ذلك بالتسامع و لا يشترط ذلك في المدعى عليه، بل لو ادعى على مجنون أو طفل تولى الحكومة الولي، و يصحّ على السفيه و يقبل إقراره بما يوجب القصاص لا الدية، و لو أنكر صحّ إنكاره لإقامة البينة عليه، و يقبل يمينه و ان لم يقبل إقراره لانقطاع الخصومة بيمينه.

و في تكملة المنهاج 2/ 87 مسألة 90: يشترط في المدعي العقل و البلوغ و قيل يعتبر فيه الرشد أيضا و الأظهر عدم اعتباره ..

18

الأمر الرابع: ان تكون الدعوى للمدعي نفسه،

فان الدعوى تارة تكون لنفس المدعي أو من هو بحكمه كالوصي و الولي، و أخرى لغيره، فتسمع الأولى دون الثانية، و مستند هذا الشرط ظهور الأدلة في المقام، فإنه حينما يقال: لو ادّعى المدعي فعليه البيّنة، ظاهره أن الدعوى كانت لنفسه، و لا حاجة لنا للإجماع المدّعى كما قيل.

الأمر الخامس: الصراحة في الدعوى (1)،

فلا تسمع لو كانت بنحو الكناية، و الكناية على أقسام ثلاثة:

1- لغويّة، بمعنى الستر، فكل شي‌ء ستر بآخر يقال: أنه كنّاه، أي ستره.

2- بلاغيّة: بمعنى الستر المخصوص في كلام المتكلم كما في علم المعاني و البيان، و فيها أقوال ثلاثة: فقيل: الكناية ذكر اللازم و ارادة الملزوم كقولنا:

زيد كثير الرماد، الذي يدلّ على سخائه، فتكون الكناية من المجازات، فإنه من استعمال اللفظ في غير موضعه، و قيل: ذكر اللازم و إرادة الملزوم بالإرادة الجديّة الخبرية أي الأخبار بالرّماد، و هو على قسمين: تارة إخبار بالرماد جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 5/ 327: و يجب على الشاهد أن يصرّح بالمدعى به (بفتح العين) فلو قال الشاهد: ضرب المجني عليه بسيف فجرحه فمات لم يثبت هذا القتل المدعى به لاحتمال أن يكون مات بسبب آخر حتى يقول الشاهد: فمات من جرحه أو يقول: فقتله أو أنهر دمه أو نحو ذلك، كضربه فمات مكانه ينتفي الاحتمال المذكور، و لو قال الشاهد: ضرب الجاني رأس المجني عليه فأدماه، أو ضرب رأسه مثلا فأسال الضرب دمه، ثبتت بذلك دامية عملا بقوله الذي قطعه، بخلاف ما لو قال: فسال دمه لم ثبت لاحتمال حصول السيلان بسبب آخر.

19

فقط، و أخرى عن جوده، فيكون من الحقيقة لا المجاز، فان المجاز يدور مدار الإرادة الاستعمالية، و قيل: ارادة اللازم و الملزوم معا، بناء على جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فالمقصود من قولنا (زيد كثير الرماد) الرماد الحقيقي وجود زيد، فيكون من الحقيقة و المجاز.

3- فقهيّة: و هي أن لا تكون دلالة اللفظ على المعنى صريحا، فاللغوية أعم منهما، و البلاغية أعم من الفقهيّة، فيشترط أن تكون الدعوى صريحة في الدلالة على مراد المدعي فلا تصحّ الكناية، بل عليه أن يقول: زيد قتل أبي، لا يصح قوله: زيد جرّد السيف على أبي، كناية عن جناية القتل.

الأمر السادس: الإمكان الوقوعي للدعوى،

فيلزم أن يكون مورد الدعوى ممكنا، فلا تسمع الدعوى لو كان موردها محالا، فلا بد من إمكان الدعوى بالإمكان الوقوعي و الشرعي و العادي و العرفي، فلو قال: زيد قتل أبي يوم الجمعة، و علمنا بسفر زيد يوم الجمعة أو كان ميّتا، فإنه لا تسمع الدعوى حينئذ.

و المحقق الحلّي في شرائعه (1) لم يذكر هذا المعنى بعنوان الشرط، بل ذكر أمثلة جاء في الجواهر ج 42 ص 194: نعم لا خلاف (و) لا إشكال في أنه يعتبر في صحتها (أن يدعي على من يصح منه مباشرة الجناية، فلو ادعى على غائب) وقت الجناية أنه القاتل (لم يقبل) للعلم بكذبها (و كذا لو ادعى على جماعة يتعذر اجتماعهم على قتل الواحد كأهل البلد) لكن مع ذلك (تقبل دعواه لو رجع الى الممكن) و لو بان يفسّر قتل الغائب بإرسال سمّ اليه و نحوه، و قتل أهل البلد بقتل الواحد بينهم مع عدم دفعهم عنه أو بغير ذلك، لإطلاق ما يقتضي صحة دعواه الثانية من قوله ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)): (البيّنة على المدّعي) و غيره كما هو واضح.

20

تدل على أنّ المدعى به لا بد ان يصلح للدعوى، و معناه ما ذكرنا فتأمل (1).

الأمر السابع: الرشد (2)،

كما ذكر ذلك المحقق، و يقابله السفه، كما يقابل العقل الجنون، و اشتراط العقل أعم من ان يكون رشيدا و غيره، كما ان السفاهة ليست من مصاديق الجنون، و الرشد بمعنى تميز الزين من الشين و الصالح من الطالح و الخير من الشر و الجيد من الردي، و السفيه من لم يميّز ذلك.

و الانصاف ان السفيه يدخل في زمرة العقلاء، فان العاقل تارة يتحلّى بكمال العقل و هو الرشيد، و أخرى عاقل غير كامل و هو السفيه و الأبله، و هو مكلّف بالفرائض دون المجنون. و العقل من شروط التكليف، و أما الرشد فهل هو شرط في الدعوى؟

وقع اختلاف بين الأعلام بين العامة و الخاصة، فذهب المشهور من أصحابنا الإمامية إلى اشتراط الرشد في إقامة الدعوى، و ذهب غير واحد الى عدم اشتراط الرشد مطلقا، و قيل بالتفصيل بين الدعوى التي تكون من الأمور المالية فلا تسمع دعوى السفيه، لما ورد في الحجر من الأدلة الدالة على أن السفهاء من المحجورين في أموالهم إلا بإذن الولي، و بين غير المالية فتسمع منه الدعوى، و في تكملة المنهاج 2/ 87: و يشترط في المدعى عليه إمكان صدور القتل منه فلو ادّعاه على غائب لا يمكن صدور القتل منه عادة لم تقبل، و كذا لو ادّعاه على جماعة يتعذر اجتماعهم على قتل واحد عادة: كأهل البلد مثلا، فإنه يعتبر في سماع دعوى المدعي احتمال الصدق، فلا أثر لها مع عدمه.

قال العلامة في القواعد 292 في الدعوى: و لها شروط خمسة: الأول أن يكون بالغا رشيدا حالة الدعوى دون وقت الجناية ..

21

....

و قيل بالتفصيل بين الدعوى (له) فتسمع دعواه، و بين (عليه) فلا تسمع منه.

و أما مستند من يشترط الرشد فتمسكا بالآية الشريفة في قوله تعالى فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فالملاك الكلّي هو الرشد بعد بلوغ اليتيم و غيره بالتميز بين الخير و الشر، كما ان السفيه يلحق بالمجانين، و الأولوية تحكم بذلك في الدعوى بعد عدم تصرّفه في الأموال. و لكن بما ان السفيه مكلّف بالعبادات فيلحق بالعقلاء، و إذا كان محجورا في المال من حيث التصرف فإنه لا يعني كذلك في الدعاوي، فإنه من القياس المظنون الباطل مع وجود الفارق، و أما الآية الشريفة فعند كثير أخذ الرشد بمعنى البلوغ، فلا شاهد على ذلك، و لا نعتمد على الإجماع المدّعى في المقام، و إذا قيل بتقيد الإطلاقات بأدلّة الرشد، فهو كما ترى من الخدشة فيها كما ذكرنا، فيبقى الإطلاق على حاله، و أما مستند التفصيل فواضح البطلان، فكونه محجورا في التصرف المالي لا يلازمه ان يكون كذلك في الدعاوي، و كذلك التفصيل الثاني، فإن إقراره على نفسه، دليل على عقله، فتسمع دعواه، فالمختار عدم اشتراط الرشد، و ذلك للإطلاقات.

الأمر الثامن: فيما لو كان المدعي مسلما، فلا بد ان يكون المدعى به ممّا له الماليّة شرعا، فلو ادّعى ملكيّة الخمر فلا تسمع دعواه، كما في كتاب القضاء تفصيل ذلك، و ما نحن فيه يشترط ان لا يكون المقتول مهدور الدّم شرعا.

الأمر التاسع: التعيّن، فلا بد للمدّعي ان يعين القاتل و المقتول و كيفية القتل و نوعه و زمانه و مكانه، و لكن لا دليل لنا في ثلاث موارد، و هي بيان آلة القتل و مكانه و زمانه، فان المعيار هو دعوى القتل بأي سبب كان، و لكن لا بد من تعيين القاتل و القتل من أنه من العمد و الخطأ أو شبه العمد، و دليله واضح،

22

و كذلك تعين المقتول كقوله: زيد قتل أبي، و لا يكفي أنه يقول: قتل من يتعلّق بي، و قد عبّر المحقق عن التعيين بالتحرير (1)، و قال بالترديد فيما لو أطلق المدعي، ثمَّ اختار القبول بعد ذكر التعيين في القاتل و المقتول و كيفية القتل بالمباشرة أو التسبيب و تعيين نوع القتل من العمد و الخطأ و شبه العمد.

و الانصاف ان هذه الموارد موضع قبول، و قليل من لا يشترط التعيين مطلقا، فيقتصر على دعوى القتل فقط. و الحق ان أدلة الدعوى من الشبهة المصداقية، فالمختار التعيين لكن في بعض الوجوه و الموارد.

و قال بعض الفقهاء، لو قال المدعي: قتل زيد، من دون تفصيل، فحاكم الشرع يستفصله عند إقامته البيّنة، فيلزمه التعيين.

و خلاصة الكلام: ذهب الأكثر إلى اشتراط التعيين، و قيل ليس بشرط، جاء في الجواهر ج 42 ص 194: و كذا لا خلاف و لا إشكال في أنه (لو حرّر الدعوى بتعيين القاتل و صفة القتل و نوعه سمعت دعواه)، فلو ادعى على جماعة مجهولين لم تسمع (و هل تسمع مقتصرا على مطلق القتل) من دون ذكر صفته التي هي المباشرة و التسبيب و نحوهما و لا نوعه من العمد و الخطأ و شبه العمد؟ (فيه تردد).

و قال العلامة في القواعد في بيان شروط الدعوى ص 292: الثاني تعلق الدعوى بشخص معين أو أشخاص معينين، فلو ادّعى على جماعة مجهولين لم تسمع، و لو قال:

قتله أحد هؤلاء العشرة و لا أعرفه عينا و أريد يمين كل واحد، فالأقرب انه يجاب اليه لانتفاء الضرر بإحلافهم و حصوله بالمنع، و لو أقام بينة على ان أحد العشرة قتله من غير تعيين سمعت لإثبات اللوث لو خص الوارث أحدهم.

و خلاف (أشبهه) عند المصنف (القبول) كما تسمع تحقيقه في المسألة الثانية ان شاء اللّه.

23

و قيل بالتفصيل بأنه يقبل دعواه بأداء الأمر إجمالا، بشرط ان يستفصله الحاكم عند اقامة الدعوى و البيّنة.

فرع: لو قال المدّعي: قتل جماعة أبي، فهل تسمع دعواه؟

قيل بعدم سماع دعواه لكون الجماعة من المجهولين، إلا إذا كانت الشبهة محصورة بين عدة أشخاص، يمكن صدور الفعل من كل واحد منهم.

و ربما تكون الدّعوى بصورة الترديد (1) بين اشخاص كقول المدّعي: قتل أبي زيد أو عمرو، و ربما تكون بأسماء معلومة.

و المختار فيما لو ادعى على جماعة يمكن الانصراف إلى أفراد معلومين، فتسمع دعواه حتى و لو كانوا في البداية من المجهولين، و اما صورة الترديد، فتارة من الشبهة المحصورة و اخرى غيرها، و الكلام في أطراف العلم الإجمالي اما ان تكون محصورة أو غيرها، و ذكروا فروقا بينهما، و خيرها عند المحققين: ان المحصورة ما لو تركت الأطراف لا يلزم عسر الحرج، بخلاف غير المحصورة فانا جاء هذا المعنى في الجواهر ج 42 ص 194: (و لو قال: قتله أحد هذين) مثلا من دون تعيين لأحدهما بل قال: لا أعرفه عينا و أريد يمين كل واحد (سمع) وفاقا للفاضل و ولده و الشهيدين و أبي العباس و الأردبيلي على ما حكي عن بعضهم (إذ لا ضرر) عليهما (في إحلافهما) مع حصوله عليه بالامتناع، و لزوم إهدار المسلم، و لأنه طريق يتوصل به الى معرفة القاتل و استيفاء الحق منه، و لأن القاتل يسعى في إخفاء القتيل كي لا يقصد و لا يطالب، و تعسّر معرفته على الولي لذلك، فلو لم تسمع دعواه هكذا لتضرر، و هما لا يتضرران باليمين الصادقة، إلا ان الجميع كما ترى لا يقتضي استحقاق السماع على وجه يترتب عليه استحقاق اليمين.

24

....

لو أردنا أن نترك و نتجنب الأطراف المشتبه كلّها لزم عسر الحرج.

و في الشبهات المحصورة يجب الاحتياط، فان كل واحد من الأطراف بمنزلة المعلوم التفصيلي، فتسمع دعواه حينئذ، و يرجع الأمر إلى الحاكم الشرعي، فبعد التعيين يقتل الجاني، و إلا فتأخذ الدية توزع على الأطراف بالنسبة، و يكون كالدرهم الودعي، و اما الشبهة غير المحصورة فتمسك بأصالة البراءة في الأطراف، فلا تسمع الدعوى حينئذ، و تتدارك الجناية بالدية من بيت مال المسلمين. و انما لا تسمع الدعوى في غير المحصورة لذهاب الجزم فيها لكون أطرافها مشكوكة بالشك البدوي، و أما في المحصورة مع تنجز العلم الإجمالي، فكأنما عيّن القاتل من دون لفظ، و الحاكم يطالبه البيّنة، و هي اما أن تعيّن القاتل أو تشهد بالترديد المحصور أيضا، فإن عيّنت فهي أمارة شرعية كاشفة عن الواقع تعبّدا فيقتص منه، و اما مع الترديد فيلزم الأطراف الدية و يؤخذ منها بالنسبة مثلا لو كان الترديد بين اثنين فالدية تكون بالتنصيف، غاية الأمر هنا شبهتان:

الأولى: لو أخذنا بالتنصيف فان لنا علمين، علم بتضرر غير القاتل بنصف الدية، و علم باشتغال ذمة القاتل بنصف الدية الأخرى، و الظاهر عدم ورود هذه الشبهة، بعد القول بتنجز العلم الإجمالي تعبّدا، فكأنما يلزم اشتراكهما في القتل اما حقيقة أو تعبّدا كما نحن فيه.

و المختار هو القرعة فإنها لكل أمر مشتبه و مجهول، و إن أعرض عنها أكثر المتأخرين.

الثانية: لو لم يكن للمدعي البيّنة، فيلزم الإحلاف، فيحلّف الحاكم الشرعي أطراف الشبهة المحصورة، و حلف كل منكر انما يفيد لنفسه، لا لدفع الضرر عن

25

الغير، فاذا حلف كل واحد فيلزم بقاء الترديد فكيف يكون الأمر؟

هنا صور: فتارة يحلف كل واحد و أخرى ينكل، و ثالثة يحلف أحدهما دون الآخر، و رابعة يردّ اليمين كل واحد منهما، فان حلف كل واحد، فيلزم أخذ الدية من بيت المال الذي أعدّ لمصالح المسلمين، و لو نكل كل واحد فيحكم عليه ان قلنا بكفاية النكول و تؤخذ منه الدية بالنسبة، أما لو حلف أحدهما و نكل الآخر فمن حلف لا شي‌ء عليه، و من نكل فان كان المبنى الحكم عليه بمجرد النكول من دون ردّ اليمين الى المدّعى فعليه الدية كاملة منه، و لا يقتص منه لوجود الشبهة الدارءة، و ان قلنا برد اليمين، فلو حلف المدعي، فيثبت الدية على الناكل، و إلا فلا، و يتدارك من بيت المال.

هذه أمهات الصور و يعلم منها فروع و صور كثيرة فتدبّر.

مسائل:

الأولى (1) لو قال المدّعي: ان القاتل اما زيد أو واحد من هؤلاء الجماعة و لا يعرف عددهم،

و هم من الشبهة المحصورة، فهل تسمع دعواه حتى ترفع الى الحاكم الشرعي.

جاء في الجواهر ج 42 ص 197 مسائل: الاولى: (لو ادعى) على شخص مثلا (أنه قتل مع جماعة لا يعرف عددهم) فان كان ذلك منه على وجه لا يتصور اجتماعهم على القتل لم تسمع للعلم بكذبها و ان لم يكن كذلك إلا أنه لم يحصرهم، فان ادعى قتلا يوجب الدية (سمعت دعواه) و إن لم يثبت على المدعي عليه شي‌ء معين، ضرورة توقف ذلك على معرفة عدد الشركاء و الفرض عدمه، فليس حينئذ إلا الصلح.

و بنظري هذا خير طريق لحلّ مثل هذه الخصومات و النزاعات و سيدنا الأستاذ لم‌

26

..........

يتعرض لها كما لم يتعرض فيما لو كانت الشبهة غير محصورة لوضوحها. فتأمل.

و جاء في قواعد العلامة ص 293 في المقصد الثالث من كتاب الجنايات في الفصل الأول في الدعوى و لها شروط خمسة، الأول: أن يكون بالغا رشيدا حالة الدعوى ..

الثاني: تعلق الدعوى بشخص معين أو أشخاص معينين فلو ادعى على جماعة مجهولين لم تسمع و لو قال قتله أحد هؤلاء العشرة و لا أعرفه عينا و أريد يمين كل واحد فالأقرب انه يجاب اليه .. الثالث: توجه الدعوى الى من تصحّ منه مباشرة الجناية فلو ادعى على غائب أو على جماعة يتعذر اجتماعهم على قتل الواحد كأهل البلد لم تسمع فان رجع الى الممكن سمعت و لو ادّعى انه قتل مع جماعة لا يعرف عددهم سمعت و قضى بالصلح لا بالقود و لا الدية لجهالة قدر المستحق عليه، الرابع: أن يكون مفصلة في نوع القتل و اشتراكه أو انفراده فلو أجمل استفصله الحاكم و ليس تلقينا بل تحقيقا للدعوى و لو لم يبيّن قيل طرحت دعواه و سقطت البينة بذلك إذ لا يمكن الحكم بها و فيه نظر، الخامس: عدم تناقض الدعوى فلو ادّعى على شخص تفرده بالقتل ثمَّ ادعى على غيره الشركة لم تسمع الدعوى الثانية سواء برّأ الأول أو شرّكه لأنه أكذب نفسه في الثاني بالدعوى أوّلا ثمَّ صدقه المدّعى عليه ثانيا فالأقرب جواز المؤاخذ و لو ادّعى العمد ففسّره بما ليس بعمد لم تبطل دعوى أصل القتل و كذا لو ادّعى الخطأ و فسّره بغيره و لو قال ظلمته بأخذ المال ففسّر بأنه كذب في الدعوى استرد و لو فسّر بأنه حنفيّ لا يرى القسامة و قد أخذ بها لم يسترد فان النظر إلى رأي الحاكم لا الى الخصمين.

و في مسالك الشهيد الثاني 2/ 469: إذا ادّعى على معين القتل بشركة غيره، فان ذكر جماعة لا يتصور اجتماعهم على القتل لغي قوله و دعواه كالسابق، و ان ذكر جماعة يتصور اجتماعهم، و لم يحصرهم أو قال: لا أعرف عددهم، فان ادعى قتلا يوجب الدية‌

27

..........

سمعت دعواه، و لكن لا يثبت على المدعى عليه المعين شيئا معينا من الدية، لأن معرفة ما يخصه موقوف على معرفة عدد الشركاء، فيرجع الى الصلح، و يحتمل عدم سماع الدعوى لعدم تحريرها، و ان كان القتل موجبا للقود فعندنا انه كذلك لأنه قتله موقوف على أن يرد عليه ما فضل من ديته عن جنايته، و هو موقوف على معرفة عدد الشركاء، و من جوز قتل المتعدد من الشركاء بغير ردّ من العامة فرق بين دعوى القتل الموجب للقصاص و الدية، فسمعها في الأول دون الثاني لما أشرنا إليه من الفرق هذا كله إذا لم يحصرهم بوجه يمكن معه الحكم على المعين بحصة من الدية و الّا سمعت، كما لو قال: لا أعرف عددهم على وجه التحقيق و لكن اعلم انهم لا يزيدون على عشرة، فتسمع الدعوى و يترتب على تحقيقها المطالبة بعشر الدية لأنه المتيقن، و لو قتله ردّ عليه تسعة أعشار ديته كذلك.

و في تكملة المنهاج 2/ 88: لو ادعى على شخص أنه قتل أباه مثلا مع جماعة لا يعرفهم، سمعت دعواه فاذا ثبتت شرعا، كان لولي المقتول قتل المدعى عليه، و لأولياء الجاني بعد القود الرجوع الى الباقين بما يخصهم من الدية، فان لم يعلموا عددهم رجعوا الى المعلومين منهم، و عليهم أن يؤدوا ما يخصهم من الدية. و في الهامش: و ذلك لما تقدم من أن جماعة إذا كانوا مشتركين في القتل، فلولي المقتول قتل الجميع بعد ردّ مقدار الدية إلى أولياء كل واحد منهم، و له قتل واحد منهم، و معه فلأولياء الجاني المقتول الرجوع الى أولياء الباقي و مطالبتهم بما يخصهم من الدية. و قد يقال- كما قيل- انه ليس لولي المقتول حق القود، و ذلك لتوقفه على إمكان ردّ ما فضل من ديته من جنايته، و هو موقوف على معرفة عدد الشركاء، و هي منتفية هنا و لكنه مندفع، بأن مقتضى الروايات الواردة في موضوع الاشتراك في القتل أن لولي‌

28

قولان: فمنهم من قال بسماع الدعوى لأنها تنحل الى دعويين، إحداهما القاتل فيها معيّن و هي الدعوى على زيد، و الأخرى مرددة بالنسبة إلى الجماعة و هي من العلم الإجمالي، و بناء على تنجزه تسمع الدعوى أيضا، و بناء على عدم تنجّزه لا تسمع، و المختار سماع الدعوى و عند طرحها لدى الحاكم الشرعي يطالب المدعي بالبيّنة، فإن كانت فتارة تعيّن القاتل فيقاد منه، و أخرى تقول بالترديد أيضا، كمقولة المدّعي و تكون مبهمة فيلزمهم الدية بالنسبة بين زيد و الجماعة، و إذا لم تكن البيّنة للمدعي فيحلف المنكر و به تسقط الدعوى و تلزم الدية من بيت المال، و ان لم يحلف فتارة يرد اليمين و أخرى ينكل، فان رد و حلف المدعي فيثبت على الراد الضمان من الدية و إن نكل و كان المبنى بمجرد النكول يحكم عليه، فيلزمه الدية، و إلا فمن بيت المال.

و إن أقروا بالرمي سويّة و أصاب أحدهما أو أحدهم، و لم يعلم من هو؟

فعليهم الدّية بالنسبة.

و إذا ادعى الشركة في القتل فالمسألة ذات صور، فتارة: يدعي شركة زيد المقتول اختيار ذلك، و أنه غير مقيد بإمكان ردّ أولياء الباقي ما يخصهم من الدية إلى أولياء الجاني المقتول، فإنه وظيفتهم، و لا صلة لهذا الحكم بولي المقتول. و على ذلك ففي فرض عدم معرفتهم بعدد الشركاء يرجع الى الصلح، أو يقتصر في أخذ الدية على المقدار المتيقن.

29

....

و عمرو معا في القتل، و أخرى: يدعي جماعة معلوم العدد، و ثالثة ينسب الجناية إلى جماعة يمتنع انتساب القتل إليهم عادة لكثرتهم، و رابعة: يمكن عدّهم و انتساب القتل إليهم.

فالأولى تسمع دعواه و يطالب بالبيّنة، فإن قامت البيّنة و ثبتت الجناية بالشركة، فوليّ الدم مخيّر بين قصاصهما مع رد فاضل ديتهما الى ورثتهما، أو يعفو عنهما، أو يطالب بالدية بينهما بالتنصيف، أو يعفو عن بعض و يطالب الآخر نصف الدية، أو قصاص أحدهما مع ردّ فاضل ديته من الآخر أو من نفسه مع العفو عن الآخر، كما هو واضح و دليل الاختيار كما مرّ من الاخبار، فإن من حق الولي أن يفعل ما يشاء.

و إن لم يقم البيّنة، فعلى المتهمين الحلف، كما مر من حلفهما أو نكولهما أو رد اليمين بينهما أو من أحدهما، و أما صورة ادّعاء القتل من جماعة يمتنع عادة عدّهم لكثرتهم، فلم تسمع دعواه، حتى لو ادّعى زيد معهم فإنه يكون مشكوكا بالشك البدوي لعدم الشبهة المحصورة في العلم الإجمالي، فلا شي‌ء عليه.

و اما لو لم يعلم عددهم و لكن لا يمتنع عدّهم و يمكن الانتساب إليهم، فهذه الصورة محل كلام بين الأعلام، فقال المحقق (قدس سره) تسمع دعواه، إلا انه لا دية عليهم و لا قصاص، إنما يرجع معهم الى الصلح حقنا للدم المعلوم شدة أمره عند الشارع المقدس. و ذهب المشهور الى هذا القول.

و قيل لا تسمع دعواه أصلا. و عند بعض العامة يقتص من الجميع مع عدم ردّ فاضل الدية، و هذا يتنافى مع العقل السليم الفطري الذي هو حجة باطنيّة من اللّه سبحانه و تعالى، فكيف يقتص ممن عليه بعض الجناية لو ثبت من دون ردّ فاضل

30

....

ديته.

و أما من قال بعدم سماع دعواه كما عند بعض أصحابنا، فبناء على ان الدعوى لم تحرّر و لم توضّح، كما أن ذلك من شرائط صحة الدعوى كما مر. و المختار ان المسألة عرفية، و الظاهر سماع الدعوى في مثل هذا المورد عند العرف.

و اما قول المحقق فتنحلّ الدعوى إلى أربعة دعاوي نظرية، تحتاج إلى إثبات و دليل:

الاولى: قوله بسماع المدّعي.

الثانية: لا قصاص على الجماعة.

الثالثة: و لا دية عليهم.

الرابعة: رجوعهم الى الصلح.

و أما دليل الاولى، فلصدق عنوان الدعوى على ما يقوله المدّعي، فتدخل تحت إطلاقات لفظ المدعي و الدعوى كما يشهد به العرف.

و أما الثانية، فلأنه لو كان القصاص لو وجب رد فاضل الدية، و لمّا لم يعلم عددهم فلا يعلم الدية حتى يتدارك فلا قصاص فإنه يوجب ذهاب دم الجميع هدرا، و كذلك الدية لعدم العلم بعددهم. و اما الصلح فلاشتغال ذمتهم يقينا، فنحتاج الى البراءة اليقينيّة، و لا يمكن ذلك إلا بالمصالحة بمبلغ من رضا الأطراف، و الصلح خير، سيما على مبنى الشيخ الطوسي من أنه عنوان مستقل، لا كما قيل من أنه تابع للمعاملات حتى يلزم الغرر عند الجهالة، فالمختار الصلح كما عليه المحقق في الشرائع (1).

الجواهر ج 42 ص 198.

31

المسألة الثانية (1) لو ادعى القتل و لم يبيّن عمدا أو خطأ فهل تسمع دعواه؟

جاء في الجواهر ج 42 ص 199 المسألة الثانية: (لو ادعي القتل و لم يبيّن عمدا أو خطأ) محضا أو شبيها بالعمد على وجه الانفراد أو الاشتراك (الأقرب انها تسمع و) لكن (يستفصله القاضي و ليس ذلك تلقينا بل تحقيقا للدعوى) خلافا لبعض العامة فجعله تلقينا. و فيه منع بعد ان لم يكن مقصودا له. و في المسالك (لأن التلقين ان يقول له: قتل عمدا أو خطأ جازما بأحدهما ليبني عليه المدعي، و الاستفصال ان يقول: كيف قتل عمدا أو خطأ؟ لتحقق الدعوى) و فيه ان الثاني ضرب من التلقين أيضا إذا قصده. و كيف كان ففي القواعد جعل من شرائط سماع الدعوى ان تكون مفصلة. لكن قال: (فلو أجمل استفصله الحاكم) و فيه ان مقتضى كون ذلك شرطا ان للحاكم الاعراض عنه حتى يذكرها مفصلة، إلا أن ظاهر قول المصنف (الأقرب) الى آخره انها على إجمالها مسموعة و لكن مع الاستفصال، بل ظاهر الفاضل أيضا، فالمتجه ان يقال بعدم لزوم الاستفصال مع فرض سماعها مجملة، نعم لو لم نقل بسماعها مجملة أمكن القول حينئذ بسماعها مع الاستفصال لأن الأصل في الدعوى القبول حتى يتحقق انها مجملة، فاذا استفصلها الحاكم و بان أنها مجملة عند المدعي أعرض عنها و إلا فلا.

و من ذلك يعلم ما في المسالك من تفريع الاستفصال و الاعراض على القول بسماع المجملة. كما ان منه يعلم كون الاحتمال مانعا عند القائل به، لا ان التفصيل شرط ..

و للبحث صلة فراجع.

قال الشهيد الثاني في مسالكه 2/ 469 في قوله: (و لو ادعى القتل) لتمكن الدعوى مفصلة، بكون القتل عمدا أو خطأ، منفردا أو بشركة غيره، فإن الأحكام تختلف‌

32

..........

باختلاف هذه الأحوال، و الواجب تارة يتوجه على القاتل و أخرى على عاقلته، فلا يمكن فصل الأمر ما لم يعلم من يطالب، و بم يطالب؟ لكن هل ذلك شرط في سماع الدعوى أم لا؟ فيه وجهان: تقدم الكلام فيهما .. و على تقدير سماع المجملة فهل يستفصله الحاكم أو يعرض عنه وجهان، أحدهما: أنه يعرض عنه لأن الاستفصال ضرب من التلقين، و هو ممتنع في حق الحاكم، و أصحهما و هو الذي اختاره المصنف و لم يذكر غيره انه يستفصل و يمنع من كونه تلقينا، لأن التلقين: أن يقول له قتل عمدا أو خطأ جازما بأحدهما ليبني عليه المدعي، و الاستفصال: أن يقول له: كيف قتل عمدا أو خطأ لتحقق الدعوى، فان لم يبين ففي سماعها حينئذ وجهان: من انتفاء الفائدة و إمكان إثبات أصل القتل و الرجوع الى الصلح.

و في تكملة المنهاج 2/ 88: لو ادعى القتل و لم يبين انه كان عمدا أو خطأ، فهذا يتصور على وجهين: الأول: أن يكون عدم بيانه لمانع خارجي لا لجهله بخصوصياته، فحينئذ يستفصل القاضي منه- و ذلك لأن حكم القتل العمدي يختلف عن حكم القتل الخطئي، و لأجل ذلك يستفصل الحاكم منه، ليتضح له أنه من أي القسمين، و أن المدعي يدعي أيهما، حيث ان الدعوى الإجمالية غير مسموعة- الثاني: أن يكون عدم بيانه لجهله بالحال، و أنه لا يدري أن القتل الواقع كان عمدا أو خطأ، و هذا أيضا يتصور على وجهين: فإنه تارة يدعي أن القاتل كان قاصدا لذات الفعل الذي لا يترتب عليه القتل عادة، و لكنه لا يدري أنه كان قاصدا للقتل أيضا أم لا؟ فهذا يدخل تحت دعوى القتل الشبيه بالعمد- و ذلك لأنه بضمّ الوجدان الى الأصل يثبت موضوع القتل الشبيه بالعمد- و أخرى لا يدعي أنه كان قاصدا لذات الفعل أيضا، لاحتمال أنه كان قاصدا أمرا آخر، و لكنه أصاب المقتول اتفاقا، فعندئذ يدخل في دعوى القتل الخطئي المحض،

33

لو ذكر المدعي الدعوى إجمالا من دون تفصيل لمانع فذهب المشهور منهم المحقق في الشرائع إلى سماع الدعوى، إلا ان القاضي و الحاكم الشرعي يستفصله، و الاستفصال من الحاكم لا يضر بالدعوى، خلافا لبعض العامة حيث اعتبروا ذلك من التلقين و يوجب التهمة على الحاكم في تعليمه المدعي أنواع القتل ليختار أخفها عليه أو أنفعها، و الحق خلاف ذلك، فان الاستفصال هو طلب التفصيل و السؤال عن كيفية القتل، فلو قال المدعي أنه من العمد فعليه البيّنة و كذلك لو ادعى غير العمد و يسهل القامة البيّنة فيه، و لكن في العمد و شبهه يشكل ذلك، فإنه كيف تشهد البيّنة على قصد المتهم الذي لا يعلم إلا من قلبه، فإنه من الأمور القلبيّة، و انما تكون الشهادة على الحس، و هو صدور القتل، فلو أردنا أن نرتب آثار العمد، فلا بد من بيّنة اخرى تشهد على إقراره بالعمد، فيقتص منه، أو يتدارك بالدية من ماله ان كان أو من بيت المال، و في الخطئي من عاقلته.

و ان لم يكن للمدعي البيّنة، فإن حلف المتهم برئ من القصاص و الدية، و ان نكل، فيحكم عليه بناء على كفاية النكول في الحكم على المنكر، و إلا فيردّ اليمين على المدعي فان حلف ثبتت الدية دون القصاص من ماله ان كان، و إلا فمن بيت المال. و ان لم يحلف فلا شي‌ء على المتهم.

و هنا- فيما لم يقم البيّنة- بحث أصولي و هو: ان أقل أطراف العلم الإجمالي انما هو عبارة عن طرفين، و هو علم محاط بالشكوك، و ما نحن فيه يحتمل العمد و شبه و على كلا الفرضين تثبت الدية ان ثبت ما يدعيه، و لكنها في الفرض الأول على القاتل نفسه، و في الفرض الثاني تحمل على عاقلته.

34

....

العمد و الخطأ، و في بحث البراءة قالوا: ربما يكون أطراف العلم الإجمالي بين الأقل و الأكثر و هو على ثلاثة أقسام: 1- الاستقلالي 2- الارتباطي 3- المتباينان. و الأول كمن لا يعلم انه مقروض لزيد إلا انه لا يعلم عشرة دنانير أو عشرون دينارا، فذهب المشهور انه يؤخذ بالقدر المتيقن و يجري أصالة البراءة في الأكثر لكونه من الشك البدوي حينئذ، و قيل بالاحتياط بأخذ الأكثر ان أمكن. و الثاني كالشك في وجوب التسبيحات الأربعة بين الواحدة و الثلاثة، فالمشهور أنه يؤخذ بالأكثر فيجب الاحتياط، و الثالث كما فيما نحن فيه، فان أمكن الاحتياط فبها، و إلا فلو قطع بالخلاف كما لو علم ان قصاصه و أخذ الدية منه أو من عاقلته للاحتياط يخالف الشرع المقدس. فعندئذ يبعّض في الاحتياط بعدم القود، لقاعدة الدّرء و اهتمام الشارع، فتؤخذ الدية منه أو من عاقلته، و بمقتضى الأصل تؤخذ الدية منه ان كان له مال و إلا فمن بيت المال، و بهذا ينحلّ العلم الإجمالي حكما.

و لو ادّعى المدعي الجهل بكيفية القتل، فلا معنى حينئذ لاستفصال الحاكم، لاعترافه بالجهل، فيلزم الدية دون القصاص للشبهة الدّارءة.

و فيما يمكن الاستفصال من المدعى، إلا انه أعرض عن ذلك لأمر في نفسه أو لمحذور فهل تسمع دعواه؟ اختلف الفقهاء في ذلك فذهب الشيخ الطوسي (قدس سره) الى العدم و تسقط البيّنة، و ذهب المشهور الى سماع الدعوى و اقامة البيّنة، فلو كانت على أصل القتل و صدوره فيلزم التردد بين الثلاث، و لقاعدة الدّرء يلزم سقوط القصاص، و لمقتضى الأصل يلزم الدية منه إذا كان له مال و إلا فمن بيت المال، و إلا فكما مر من الحلف أو النكول أو الرد، و تردّد المحقق في أصل هذه

35

المسألة (1)، و لكن المختار ان إطلاق لفظ المدعي و الدعوى تعمّ و تشمل ما نحن فيه فتسمع دعواه. (و إلا فيلزم ضياع الحق و طل الدم) (2).

جاء في الجواهر ج 42 ص 200: (و لو لم يبيّن قيل) و القائل الشيخ في محكي المبسوط: (طرحت دعواه و سقطت البيّنة بذلك إذ لا يمكن الحكم بها) بدون العلم بالصفة من عمد أو خطأ، فلا تفيد الشهادة على مقتضاها و لا يمين. (و) لكن (فيه تردّد) و نحوه ما في القواعد و غيرها مما عرفت و من أن مقتضى الإطلاقات سماعها و ان رجع حينئذ إلى الدية في وجه أو الصلح على الحق الثابت له في آخر، إذ قد يعلم الولي بصدور القتل من شخص و يجهل صفته فلو لم تسمع دعواه لزم ضياع الحق و طل الدم، بل ظاهر المصنف اختياره في ما تقدم، بل ينبغي الجزم بذلك بناء على ما سمعته في المسألة السابقة. نعم لو فرض كون الدعوى مجملة على وجه لا يترتب حكم على مجملها اتجه عدم سماعها، و قد تقدم تحقيق البحث في ذلك في كتاب القضاء (ج 40 ص 153- 157) بل لا وجه لعدم السماع هنا بناء على ترتب الدية مع ثبوت أصل القتل احتياطا في الدماء و اقتصارا على المتيقن، و ان كان قد يشكل بمنع كون ذلك هو المتيقن، لأن القتل أعم من كونه موجبا للدية أو القتل لكن يمكن دفعه بأنه يستفاد من استقراء النصوص منها (لا يطلّ دم امرء مسلم) ثبوت الدية مع عدم العلم بالصفة، و ليس ذلك لإثبات كونه خطأ أو شبيه عمد كي يشكل بأنهما كالعمد بالنسبة الى ما يقع في الخارج، بل هو أمر آخر مستفاد من الأدلة، فما عساه يظهر من بعض من إمكان تنقيح ذلك بالأصول لا يخلو من نظر، و اللّه العالم. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه و انما اذكر ما يقوله صاحب الجواهر و بعض الأعلام توخّيا للفائدة، و انما لا أذكر فيما يبدو لي من النظر في المسائل- كما مرّ في الجزء الأول- و عليه الديدن في الجزء الثاني، تعظيما لسيدنا الأستاذ (قدس سره) الشريف.

هذا المعنى لم يذكره سيدنا الأستاذ إلا ان المقام يقتضي ذلك كما في عبارة الجواهر.

36

المسألة الثالثة (1) لو ادّعى على شخص القتل منفردا ثمَّ ادعى على آخر فهل تسمع دعواه الثانية؟

جاء في الجواهر ج 42 ص 201: المسألة الثالثة: (لو ادعى على شخص) مثلا (القتل منفردا ثمَّ ادعى على آخر لم تسمع الثانية، برأ الأول أو أشركه، لإكذابه نفسه بالدعوى الأولى) و في القواعد جعل من شرائط صحة الدعوى عدم التناقض و فرّع عليه ذلك ..

و في مسالك الشهيد الثاني 2/ 469 في قوله (لو ادعى شخص): من شروط سماع الدعوى القتل سلامتها عما يكذّبها و يناقضها، فلو ادعى على شخص انه منفرد بالقتل ثمَّ ادعى على آخر انه شريك فيه أو منفرد به، لم تسمع الدعوى الثانية، لأن الأولى يكذبها، ثمَّ لا يمكن العود إلى الأولى أيضا إذا لم يكن قد أقسم عليها و أمضى الحكم بها، لأن الثانية يكذبها، و لو ان الثاني صدقه في دعواه ففي القبول وجهان: أحدهما أنه ليس له أن يؤاخذه بموجب تصديقه، لأن في الدعوى الأولى اعترافا ببراءة غير المدعى عليه، و أصحهما المؤاخذة، لأن الحق لا يعدوهما، و يمكن أن يكون كاذبا في الدعوى الأولى قصدا أو غلطا، صادقا في الثانية، و الموجود في كلام الشيخ و غيره الخلاف في هذا القسم، و هو ما إذا صدقه الثاني على دعواه و أن المرجح قبول دعوى المدعي الثانية حينئذ، فيكون هذا القول مخالفا لإطلاق الأول على عدم سماع الدعوى الثانية المتناول لما إذا صدق المدعى عليه ثانيا، و ما إذا كذب، و أما القول بأن الدعوى الثانية مسموعة مطلقا مع كونه مكذبة للأولى، فلا يظهر به قائل.

و في تكملة المنهاج 2/ 89: لو ادعى على شخص أنه القاتل منفردا، ثمَّ ادعى على آخر أنه القاتل كذلك، أو أنه كان شريكا مع غيره فيه، لم تسمع الدعوى الثانية- و ذلك‌

37

من شرائط صحة الدعوى ان لا تكون مشتملة على التناقض. و هذا هو الأمر العاشر من الأمور المعتبرة في إقامة الدعوى. فلو كانت الدعوى الثانية مناقضة للأولى، فلا تسمع الدعويان، فلو ادعى زيد قاتل و اقام البيّنة على ذلك، ثمَّ ادعى عمرو القاتل و اقام البيّنة أيضا، فإنه لا تسمع الدعويان لتساقطهما، و لا مجال لحلف المنكرين، و المسألة ذات صور:

فتارة يدّعي كذب الأولى، و اخرى يتعذّر بسهوه أو غفلته أو نسيانه، ثمَّ في الصورة الأولى إما أن يصدقه المنكر بالإقرار أو يكذّبه، فلو كذّب نفسه فكما مر من سقوط الدعويين، و ان اعتذر بالسهو فالمختار التفصيل بين من يكون من الأذكياء ذوي الحجى و العقل الكامل و الحفظ التام فلا يسمع منه ادّعاء السهو، و ان صدق المنكر الدعوى الأولى فثبت لإقرار المنكر على نفسه، و قيل لا يصدّق إقراره فيوجب الشبهة الدّارءة للحدود.

و من الصور لو أقام البيّنة لادّعائه الأول دون الثانية، و البيّنة طريق و حجة شرعيّة تترتب الآثار عليها، فيلزم سماع الدعوى الأولى دون الثانية، و لو صدّق المدعى عليه الثاني قول المدّعي فقاعدة (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) يلزم ثبوت قاتلية المدعى عليه الثاني، و من الناحية الأخرى البيّنة تثبت قاتلية لاعترافه أولا بعدم كون الثاني قاتلا، لا منفردا و لا مشتركا، و من المعلوم أن اعترافه هذا مسموع في حقه- بل لا يبعد سقوط الدعوى الأولى أيضا لأنه بالدعوى الثانية كذب نفسه بالنسبة إلى الدعوى الأولى فالنتيجة سقوط كلتا الدعويين.

38

المدعى عليه الأول، فيلزم تعارض البيّنة و الإقرار، و الأولى تقديم الإقرار، و ربما يقال بالتساقط، أو التوقف حتى نجد له دليلا.

و لو أقام البيّنة للثانية دون الأولى فالكلام الكلام من سماع الثانية دون الأولى.

و إذا لم تقم البيّنة على الأولى و الثانية فهذه الصورة محط اختلاف بين الفقهاء الكرام، فقيل: بسقوطهما الاولى لتكذيبه إياها و الثانية لا بيّنة لها و لا إقرار فيلزم برأيه ذمّتهما، و قيل: تسمع الثانية دون الأولى، فإن الثانية تكذّب الأولى و الثانية بحاجة إلى إثبات، و لكن يرد عليه بأنّ الدعوى الأولى محتواها قاتليّة المدعى عليه الأول، و نفي قاتليّة غيره الشامل لقاتلية المدعى عليه الثاني، و ذلك بالدلالة الالتزاميّة، فالأولى تنفي الثانية و كذلك الثانية بالدلالة الالتزامية تنفي الأولى، فكل واحدة تكذّب الأخرى فيلزم سقوطهما و تبرء ذمة المدعى عليه الأول و الثاني، و يتدارك دم المسلم المحترم من بيت المال الذي أعدّ لمصالح المسلمين.

و ذهب الشيخ الطوسي (قدس سره) الى سقوطهما (1)، و قيل قوله مطلق يعمّ فيما جاء في الجواهر ج 42 ص 201: لو لم يحلف على الأولى و لم يمض الحكم بها لم يمكنه العود إليها أيضا، تكذيبه إياها بالثانية، فمقتضى مؤاخذته بإقراره عدم سماعهما معا، نعم لو ان الثاني صدّقه في دعواه ففي القبول وجهان: أحدهما أنه ليس له ان يؤاخذه بموجب تصديقه، لأن في الدعوى الأولى اعترافا ببراءة غير المدعى عليه، و أصحهما كما في المسالك و أقربهما في القواعد المؤاخذة، لأن الحق لا يعدوهما، و يمكن‌

39

لو صدق أحدهما المدّعي، و الحال انما يسقطان لو كانتا صرف الدعوى، و قال الشهيد الثاني في المسالك: المؤاخذة أصح القولين، و قال العلامة: أقربهما، و الانصاف ذلك، فهو المختار.

و قال بعض الأصحاب بالتفصيل بين من صدّق المدعى عليه قول المدعي فيثبت قاتليته بحكم قاعدة الإقرار، و إلا فيلزم سقوط الدعويين. و أنت خبير ان هذا خلاف الفرض، فالكلام فيما لو كان صرف الدعوى بلا بيّنة و لا إقرار و لا حلف.

ثمَّ لو أقرّ الاثنان فيلزم تعارضهما فاما التساقط أو التخيير. و لو ثبت قاتليّة أحدهما فأسند المدعي القتل الى الثاني، فعليه التعزير بما يراه الحاكم الشرعي من المصلحة، و إذا لم يثبت قاتليتهما فعليه تعزيران كما هو واضح (1).

ان يكون كاذبا في الأولى أو غالطا أو ساهيا. هذا و في المتن في أصل المسألة (و فيه للشيخ قول آخر) و ظاهره أنه قول بسماع الثانية لكن في المسالك (الموجود في كلام الشيخ و غيره الخلاف في هذا القسم، و هو ما إذا صدّقه الثاني على دعواه، و ان المرجح قبول دعوى المدعي الثانية، و حينئذ فيكون هذا القول مخالفا لإطلاق الأول عدم سماع الثانية المتناول لما إذا صدّق المدعى عليه ثانيا، و ما إذا كذّب، و اما القول بان الدعوى الثانية مسموعة مطلقا مع كونها مكذبة للأولى فلا يظهر به قائل. قلت: يمكن القول بسماع الثانية إذا أظهر للأولى عذرا يقبل في حقه كما في غير المقام و ان لم أجد من ذكره هنا، بل لعدم كلامهم في المسألة الرابعة يرشد اليه. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.

لم يتضح وجه التعزير إلا ان يقال أنه من مصاديق الإيذاء أو إهانة المؤمن أو جرح شخصيته أو الكذب. و إلا لو ادعى المدعي و لم تثبت عند الحاكم الشرعي فلما ذا‌

40

و لو ادعى في الأولى بانفراد القاتل، ثمَّ ادعى في الثانية بالاشتراك، ففيه أربع احتمالات: تسمع الدعويان، و لا تسمع مطلقا، و تسمع الأولى دون الثانية، و بالعكس. و لو كان زيد مثلا في الأولى و الثانية، فهو مسلّم القاتليّة، انما النزاع في انفراده و شركته، فمن قال بسماعهما أو سماع الثانية فيلزم ذهاب دعوى الانفرادية، و لازمه إثبات الشركة من إقامة البيّنة، و ان أقيمت على الانفراد و على الاشتراك، فبالنسبة الى زيد فلا كلام في قاتليّته، انما يلزم التعارض بين البيّنتين بالنسبة إلى الشريك كعمرو، فنرجع الى ترجيح احدى البيّنتين ان كانت المرجحات، و إلا فالتساقط أو التخيير على اختلاف المباني، و عند السقوط فإنه يلزم إسناد القتل الى من لم يكن قاتلا فعليه التعزير.

المسألة الرابعة (1) لو ادعى قتل العمد ففسّره بالخطإ فهل تبطل أصل الدعوى؟

يعزّر المدّعي؟ الّا أن يقال ان التعزير بعد إثبات القتل فان دعواه يكون من مصاديق الكذب، فتأمل.

جاء في الجواهر ج 42 ص 202 المسألة الرابعة: (لو ادعى قتل العمد ففسّره بالخطإ لم تبطل أصل الدعوى، و كذا لو ادعى الخطأ و فسّره بما ليس بخطإ).

و في مسالك الشهيد الثاني 2/ 469 في قوله (لو ادعى قتل العمد): هذه المسألة كالمتفرعة على السابقة من حيث ان كل واحد من العمد و الخطأ يخالف الآخر، و إنما فصّلها عنها و حكم بالقبول، لأن كل واحد منهما قد يخفى مفهومه على كثير من الناس، فقد يظن ما ليس بعمد عمدا فيتبين بتفسيره انه مخطئ في اعتقاده و بالعكس، و أيضا فقد يكذب في الوصف و يصدق في الأصل، فلا يرد أصل الدعوى، و يعتمد على‌

41

لو ادعى أولا القتل العمدي، ثمَّ ادعى ثانيا انه من الخطأ مدّعيا الاشتباه في بيان القصة و أدائها في البداية، فقيل تسمع دعواه الثانية، فإنها تفصيل للأولى، و قيل بتعارضهما و تساقطهما، و المختار التفصيل في المدعي، فان كان من الناس السذج فتسمع دعواه ثانية، و إلا فلا، و البيّنة لا يمكنها ان تشهد على الأمور القلبيّة إلا ان تشهد بإقراره، فمطالبة البيّنة على شهادة الحس من صدور القتل و الإقرار، فلو شهدت بصدور القتل فقط و يدعي المتهم الخطأ، فإنه تؤخذ الدية من عاقلته لو كان من الخطأ المحض، و إلا فمن ماله ان كان له مال أو من بيت المال، و مقتضى القاعدة أخذ الدية منه لاستناد القتل اليه، و توجه ذلك الى العاقلة يحتاج الى دليل تعبّدي، و ذلك فيما لو كان القتل من الخطأ المحض، و اما إذا كان محتمل الخطأ و العمد أو شبه العمد فإنه تؤخذ الدية منه.

تفسيره، و يمضى حكمه، و يحتمل عدم القبول، لأن في دعوى العمدية اعترافا ببراءة العاقلة فلا يتمكن من مطالبته، و لأن في دعوى العمدية اعترافا بأنه ليس بمخطئ و بالعكس، فلا يقبل الرجوع عنه، و كذا القول فيما ادّعى الخطأ المحض، ثمَّ فسّره بشبه العمد.

و في تكملة المنهاج 2/ 90: لو ادعى القتل العمدي على أحد، و فسره بالخطإ، فإن احتمل في حقه عدم معرفته بمفهوم العمد و الخطأ سمعت دعواه- لأن الدعوى الأولى لا تكذب الدعوى الثانية، فتكون مسموعة- و الّا سقطت الدعوى من أصلها- و ذلك لأن الدعوى الثانية مكذبة للدعوى الأولى و بالعكس، فتسقطان معا، فلا يثبت القصاص و لا الدية- و كذلك الحال فيما لو ادعى القتل الخطئي و فسره بالعمد.

42

....

و لو ادعى الخطأ أولا ثمَّ يدعي التوهم في ذلك و ان القتل كان عمديا، فالمختار كما مر من التفصيل بين المدعى الساذج و غيره الذكي العالم بالألفاظ فلا يسمع دعواه ثانية، و كل من الدعويين تحتاج الى بيّنة، فان أقيمت على القتل العمدي فالقصاص و إلا فالدية.

و لو ادعى القتل فصالح على مال ثمَّ قال بعد ذلك: ظلمته بأخذ المال مفسرا له بان الدعوى كانت كاذبة استرد المال منه أخذا بإقراره. و لو كان في المال نماءات و منافع، فلو انتفع المدعي منها فتكون من المنافع المستوفاة فعليه ردّه كذلك ان كانت العين أو بدله مثليا أو قيميا، أما ما فاتت من المنافع التي لم يستوفيها المدعي، فإنه قد اختلف الفقهاء في ردّها و تداركها، و المختار لزوم تداركها و ان لم ينتفع منها. هذا فيما لو استلم المال من قبل، و أما إذا اعترف و أقرّ و لم يأخذ من المال شيئا، فإنه لا يجوز له أخذ المال حينئذ، و ذهب بعض الى التفصيل بأن الفائت لو كان بمقدار الدية فإنه لا يرجع اليه و ان كان زائدا فعليه الزائد و ان كان ناقصا فيأخذ الناقص و هو كما ترى، و ربما من سهو القلم ذلك، و إلا كيف يكون هذا و الحال بإقراره يلزمه عدم استحقاق شي‌ء؟

ثمَّ من طرق إثبات الدعوى القسامة، و قيل من مصاديق الإقرار و هي ان يحلف من أقوام المدعي خمسون يمينا، و يؤخذ بالقسامة، و ذكرت في أبواب من الفقه كرؤية الهلال، فيما لو شهد خمسون على رؤيته و هم مجهولو الحال فذهب غير واحد الى سماع شهادتهم بعد حلفهم، و ما نحن فيه لو حلف أقوام المدعي على قتل ثبت ذلك، و ان قلّ عن الخمسين فإنه يتكرّر اليمين، و يأتي تمام الكلام فيه من حيث كيفية القسم و أداء اليمين و غير ذلك، فلو ثبتت قاتليّة زيد

43

بالقسامة، و تصالح الولي معه على مال لإسقاط القصاص، ثمَّ بعد أخذ المال يدعي الولي انه من الحنفيّة- أتباع أبي حنيفة- الذين يقولون ببطلان القسامة، فهل يسترجع المال منه؟

من المسائل المبتلى بها في كتاب الفقه هي انه هل يجوز للحاكم أن يعمل في مقام القضاء بعلمه أو يقضي بالبيّنة و الايمان و لا غير؟ المختار- كما هو ثابت في محلّه- التفصيل بين أن يتهم الحاكم فلا يعمل بعلمه، و إلا فيجوز له ذلك.

و من المسائل المبتلى بها أيضا، أن غير المسلمين في رفع خصوماتهم عند الحاكم الشرعي المسلم، هل يحكم عليهم بحكم الإسلام، سيما في ما لو كانت الدعوى في البلاد الإسلامية- أو يقضي بينهم بحسب دينهم- ألزموهم بما التزموا به- أو يرد المتخاصمين إلى علمائهم ليقضوا بينهم؟ المختار هو الأول كما هو ثابت في محلّه.

و من المسائل المبتلى بها أيضا، انه لو كان المتخاصمان من المخالفين لمذهب الحاكم الشرعي، كأن يكونا من الشافعية و الحاكم من الإمامية الاثني عشرية، فهل يحكم القاضي بينهما بمذهبه الحق، أو بمقتضى مذهبهما؟ المختار هو الأول.

و حينئذ لو ثبت القتل بالقسامة، و بعد أخذ المتصالح عليه، لو ادعى الولي انه من الحنفية القائل ببطلان القسامة، فإن القاضي فيما لو حكم بمذهبه الحق لا يسترجع المال، كما ذهب إليه الأكثر (1)، باعتبار ان الحكم يدور مدار الواقع جاء في الجواهر ج 42 ص 203: و لو ادعى القتل فصالح على مال ثمَّ قال بعد ذلك: ظلمته بأخذ المال مفسرا له بان الدعوى كانت كاذبة استرد المال منه أخذا‌

44

حينئذ، و ذهبت شرذمة قليلة إلى استرجاع المال.

ثمَّ هناك بحث في علمي الكلام و أصول الفقه حول رأي المجتهد و أنه مخطئ أو مصيب في حكمه، بمعنى أن ما حكم به المجتهد هو الحكم الواقعي مطلقا كما عند المصوّبة، أو ان المجتهد يخطئ أو يصيب، فإن أصاب فله حسنة كما عند الأخباريين أو حسنتان كما عند الأصوليين، و ان أخطأ فله حسنة كما عند الأصوليين أو لا شي‌ء عليه كما عند بعض الأخباريين. و من المصوّبة من قالت ان للّه في الواقع أحكاما إلا انها تتبدّل برأي المجتهد، و الحق ان للّه أحكاما ثابتة يشترك فيها العالم و الجاهل، و انما المجتهد بعد استفراغ وسعه يستنبط الحكم الشرعي من الأدلة التفصيليّة، فإن أصاب فله أجران، و ان أخطأ فله أجر واحد.

و ذهب أبو حنيفة في أصوله على ما حكي عنه انه لو قضى القاضي في موضوع، فان خالف الواقع فإنه بحكمه ينقلب الواقع الى ما قاله و قضى به، و هذا بإقراره، و اما لو فسره بأنه حنفي لا يرى القسامة و قد أخذه منه بها لم يسترد، لأن النظر في الحكم إلى رأي الحاكم المحق، و هو يرى الاستحقاق بها لا إلى رأي الخصمين، فالمال له شرعا، و ان كان يزعم خلافه. و دعوى ذلك لا يوافق أصولنا كما عن الأردبيلي بل يوافق أصول أبي حنيفة الذي يرى انقلاب الواقع بحكم الحاكم واضحة الفساد كما حرّرناه في كتاب القضاء (ج 40 ص 94- 103) و غيره و قلنا: ان ذلك هو معين قولهم: (ان الفتوى تنقض بالحكم دون العكس) نعم هو كذلك في الموضوع و الحكم القطعيين فإنه لا يتغير الواقع بحكم الحاكم بخلاف الاجتهادي و التقليدي. انتهى كلامه.

45

من التصويب الباطل.

ثمَّ الأحكام في مصطلح الأصوليين على أقسام أربعة: 1- حكم عقلي، عند ما يتصور أن عليه حكما و هو نظير الانقياد. 2- و حكم واقعي أولى في اللوح المحفوظ يشترك فيه العالم و الجاهل، (إلا ان الجاهل ان كان جهله عن قصور فهو معذور) (1). 3- و حكم واقعي ثانوي مثل التيمم عند تعذر الوضوء.

4- و حكم ظاهري هو مدلول الأمارات الظنيّة، فإنه له عنوان الطريقيّة إلى الواقع، فربما يصيب و ربما يخطأ.

و ما نحن فيه: لو ادعى آخذ المال أنه من الحنفيّة و لا يرى القسامة، فذهب المشهور كما مرّ انه لا يسترجع منه المال، لثبوت القسامة على مذهب القاضي المحق.

أشكل المحقق الأردبيلي على ذلك، بأنه لو قلنا بالتصويب كما عند أبي حنيفة فيلزم حينئذ صحة القسامة، أمّا لو قلنا بالتخطإ كما هو الحق، فلازمه عدم صحة القسامة و أخذ المال بالمصالحة.

أجيب عن هذا بوجوه:

منها: ان الحكم الأولي الواقعي لو ثبت بالوجدان، فلا ينقلب لو خالفه نظر الحاكم أو الأمارة، بل يبقى على تنجّزه، أما لو ثبت الحكم الواقعي بقطع تعبّدي، فإنه قابل للتغيير بنظر الحاكم، فإنه من باب الامارة تكذّب الامارة، و الانصاف انه لا فرق في ذلك بين الأحكام الواقعية الثابتة بالوجدان كضروريات الدين أو الثابتة بقطع آخر.

هذا المعنى لم يذكره سيدنا الأستاذ.

46

و منها: ان الحكم الثانوي متأخر رتبة من الأولي، مثلا الشاة حلال من حيث هو و من حيث الأصل و الحكم الأولي، و إذا غصبت يكون ذلك حراما و لا تعارض بينهما، و بالنسبة إلى موضوعيّة نظر القاضي فقد اختلف الفقهاء في ذلك أنه على نحو الطريقية أو الموضوعيّة، فإذا كان الثاني فإنه لا يعارض الحكم الواقعي، فإنه حكم حيثي، أي من حيث هو، فيكون نظر القاضي و الحاكم الشرعي حكم ظاهري يؤخذ به و ان قلنا بعدم التصويب، و لكن هذا الجواب مبنوي.

ثمَّ يرد إشكال آخر على ما ذهب اليه المشهور، أنه لو كان المدعي حنفيّا، فكيف يجوز له ان يتصرف بالمال على مذهبه فإنه من مصاديق أكل المال بالباطل، فعليه أن يرده الى المتهم و لا يعمل بنظر الحاكم.

ثمَّ لو قال المدعي: قتل زيد أبي و بعد ثبوته بنظر الحاكم رضي بمال مصالحة، ثمَّ رجع المدعي أو المتهم الى قاض آخر فحكم بخلاف الأول، فهل ينقض حكمه أو لا ينقض؟ اختلف الفقهاء في ذلك كما في كتاب القضاء، و المسألة مبنويّة، فان كان نظر القاضي على نحو الموضوعيّة فإنه لا ينقض بحكم الآخر، و إذا كان بنحو الطريقية فإنه قابل للنقض، و الكلام كلّه في محلّه.

ثمَّ لو ثبت القتل و تصالح المدعي مع الجاني بمال، إلا انه بعد أخذ المال ادّعى أنه غصب (1)، فان عيّن صاحب المال، فان الحاكم يدفع المال إليه للإقرار، و ان لم جاء هذا المعنى في الجواهر ج 42 ص 203: و لو قال: هذا المال حرام مفسرا له بعدم ملك الباذل له فان عيّن له مالكا دفعه اليه، و إلا ففي إفرازه في يده مضمونا عليه‌

47

يعيّن أو تعذّر الوصول إليه فإن المال يكون عرضا مثل مجهول المال يتصدق الحاكم الشرعي به، و إذا ذكر المدعي الاجمال فعلى الحاكم الاستفصال فان تعين فيدفع اليه و إلا فيتصدّق به الى غير الهاشمي من باب اللقطة أو ردّ المظالم أو غير ذلك. ثمَّ يأخذ الحاكم مالا آخر من الجاني لو قلنا ان الصلح هبائي، و إلا فعليه القود، و المختار ان أخذ المال منه أولا لم يكن بعنوان هبائي انما هو من العوض، و لم يقصد الهبة، و العقود و الإيقاعات إنشاء تابع للقصد، فمع ردّ المال يلزم ثبوت القصاص بالقسامة.

فرع: من المعلوم أن اسم الجلالة (اللّه) موضوع للذات واجب الوجود لذاته بذاته في ذاته المستجمع لجميع الصفات الجمالية و الجلالية و الكمالية، و هذا ما يعتقده المسلم، و حينئذ لو كانت القسامة على الكافر الذمي فكيف يحلف، فان حلف على عقيدته فإنه لا يصح، و إن حلف على عقيدة المسلمين فذلك غير ما يعتقده و يقطع به، هذا فيما يتنازع عند الحاكم في بلاد المسلمين و يحكم عليه بأحكام الإسلام، و منها القسامة، و المختار انه يثبت ذلك في حق المسلمين دون غيرهم.

أولا أو أخذ الحاكم منه و حفظه لمالكه وجهان: و قد تقدم الكلام في نظيره في الإقرار (ج 35 ص 58- 62) و الغصب (ج 37 ص 230- 231) و غيره من الكتب السابقة و على كل حال فليس على الباذل شي‌ء من غير بيّنة.

48

الطريق الأول الإقرار بالقتل

بعد ان عرفنا شرائط الدعوى و صحّتها و بعض المسائل و الفروعات، يعود المحقّق في الشرائع (1) ليبيّن لنا ما يثبت به الدعوى بالقتل، و طرق إثبات موجبات القصاص و هي ثلاثة (2): جاء في الجواهر ج 42 ص 203: و كيف كان فلا خلاف كما لا إشكال في أنه (تثبت الدعوى) بالقتل (بالإقرار أو البيّنة أو القسامة، أما الإقرار فيكفي) فيه (المرة) وفاقا للأكثر بل عليه عامة المتأخرين عدا نادر للعموم و خصوص ظاهر المرسل المرفوع الآتي و غيره (و) لكن (بعض الأصحاب) كالشيخ و ابني إدريس و البراج و الطبرسي و يحيى ابن سعيد على ما حكى عنهم (يشترط الإقرار مرتين) و لا نعرف له وجها إلا الاحتياط في الدماء الذي لا يعارض الأدلة مع أنه معارض بمثله، و عدم بطلان دم المسلم، و لذا قبلت فيه في الجملة شهادة النساء و الصبيان و قسامة المدعي تحقيقا لقوله تعالى وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ (البقرة: 179) و إلا القياس على السرقة الممنوع عندنا، على أنه مع الفارق، ضرورة كونها من الحقوق الإلهية المبنيّة على التخفيف و المسامحة و لذا يسقط بالتوبة بخلاف حقوق الآدميين- انتهى كلامه.

جاء في إيضاح الفوائد 4/ 603: انما يثبت دعوى القتل بأمور ثلاثة: الإقرار‌

49

و البينة و القسامة فهنا مطالب، الأول: الإقرار و يشترط فيه بلوغ المقر و كمال عقله و الاختيار و الحرية و القصد فلا عبرة بإقرار الصبي و لا المجنون و لا المكره و لا العبد فان صدقه مولاه فالأقرب القبول- الى آخره.

و في الوسيلة لابن حمزة الطوسي ص 457 فصل في بيان أحكام الشهادة على الجنايات و أحكام القسامة و انما يثبت القتل و الجراح و الشجاج بأحد ثلاثة أشياء:

بالإقرار و قد ذكرنا حكمه و بالبينة و بالقسامة .. فأما البينة فشهادة عدلين فيما يوجب القصاص ..

و في جامع المدارك للسيد الخوانساري 7/ 240 القول فيما يثبت به- أي القتل- و هو الإقرار أو البينة أو القسامة، أما الإقرار فيكفي المرة و بعض الأصحاب يشترط التكرار و يعتبر في المقر البلوغ و العقل و الاختيار و الحرية ..

و في السرائر لابن إدريس الحلي 3/ 338 باب البينات على القتل و على قطع الأعضاء الحكم بالقتل يثبت بشيئين أحدهما قيام البينة .. و الثاني إقراره على نفسه سواء كان القتل عمدا أو خطأ أو شبه العمد فان لم يكن لأولياء المقتول نفسان يشهدان بذلك و كان معهم لوث- بفتح اللام و تسكين الواو- و هو التهمة الظاهرة، لأن اللوث القوة يقال ناقة ذات لوث أي قوة، و كأنه قوة ظن كان عليهم القسامة ..

و جاء في اللمعة و روضتها للشهيدين 10/ 67 القول فيما يثبت به القتل و هي ثلاثة:

الإقرار به و البينة عليه و القسامة بفتح القاف و هي الإيمان يقسّم على أولياء الدم قاله الجوهري.

و في المسالك 2/ 469 يثبت الدعوى بالإقرار أو البينة أو القسامة، أما الإقرار فيكفي المرة و بعض الأصحاب يشترط الإقرار مرتين: القول بثبوته بالإقرار مرة‌

50

..........

مذهب أكثر الأصحاب لعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز و حمله على الزنا و السرقة و غيرهما مما يعتبر فيه التعدد قياس مع وجود الفارق و لأنه حق آدمي فيكفي فيه المرة كسائر الحقوق و ذهب الشيخ في النهاية و القاضي و ابن إدريس و جماعة إلى اعتبار المرتين عملا بالاحتياط في الدماء و لأنه لا ينقص عن الإقرار بالسرقة التي يشترط فيها التعدد ففيه أولى و ضعفه ظاهر. انتهى قوله.

و جاء في تكملة المنهاج 2/ 91: يثبت القتل بأمور: الأول الإقرار ص 96 الثاني البينة ص 102 الثالث القسامة.

و في رياض المسائل 2/ 514 فيما يثبت به موجب القصاص و هو أمور ثلاثة الإقرار أو البينة أو القسامة ..

و في مختلف الشيعة 788 الفصل الثاني فيما يثبت به القتل .. و في قواعد الأحكام 293.

و من كتب العامة جاء في الفقه الإسلامي و أدلته للدكتور وهبة الزحيلي 6/ 385 الفصل الخامس طريق إثبات الجناية فيه مبحثان، المبحث الأول: لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة. المبحث الثاني: إثبات القتل بطريق خاص- القسامة. المبحث الأول .. لاحظنا في أثناء الكلام عن الحدود ان الفقهاء يبحثون باختصار طرق إثبات الجريمة الموجبة للحد من شهادة أو إقرار و نحوهما لما للحد من خطورة خاصة تتطلب توقف الحكم به على ثبوت الجريمة ثبوتا قاطعا أو مؤكدا و ذلك بالإضافة إلى وجود مباحث مستقلة لطرق الإثبات في كل كتاب فقهي. و كذلك الشأن في الجنايات لا بد من الإشارة لما تثبت به تسهيلا على القاضي في إصدار أحكامه بنا، و لفت نظره لضرورة التأكد من وقوع الجناية الموجبة لعقوبة بدنية كالقصاص أو التعزير أو لعقوبة مالية‌

51

..........

كالدية و الأرش.

لذا فإني أعطي هنا فكرة أو لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة من إقرار و شهادة و قرينة و نكول يمين لبيان مدى صلاحية إحداها لإثبات الجناية سواء عند جمهور الفقهاء أو عند بعض الفقهاء، و أحيل بالتفصيل على البحوث المستقلة الخاصة بكل منها في هذا الكتاب أو غيره.

و يلاحظ ان العلماء اتفقوا على جواز إثبات جرائم القصاص في القتل و الجرح و العمد بالإقرار أو شهادة رجلين.

أولا- الإقرار: الإقرار هو اخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه، و هو حجة قاصرة على المقر لا يتعدى أثره إلى غيره، لقصور ولاية الإقرار على غيره، فيقتصر أثر الإقرار على المقر نفسه، و يؤخذ بمقتضى الإقرار، لأن الإنسان غير متهم على نفسه.

و لا خلاف في جواز الاعتماد على الإقرار في العبادات و المعاملات و الأحوال الشخصية و الجرائم أو الجنايات و الحدود، فقد أجمعت الأمة على صحة الإقرار مطلقا، و كونه حجة في مختلف العصور إذا كان صحيحا.

و اتفق العلماء على صحة الإقرار بحق من الحر البالغ العاقل المختار غير المتهم في إقراره.

و جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للشيخ عبد الرحمن الجزيري 5/ 326:

مبحث فيما يثبت موجب القصاص: الحنفية و الشافعية و الحنابلة رحمهم اللّه تعالى قالوا:

يثبت موجب القصاص من قتل أو جرح عمد بإقرار أو شهادة رجلين، قال تعالى:

وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (البقرة: 282) و قال تعالى:

52

1- الإقرار بالقتل.

2- البيّنة على القتل.

3- القسامة.

فيقع الكلام في الطريق الأول. فلو أقرّ الجاني بجنايته فإنه يثبت عليه القود، إلا أن المقرّ به، اي ما يقرّ به يكون على أربعة صور، فتارة يقرّ بما فيه الضرر على نفسه، و أخرى بما فيه النفع، و ثالثة ما فيه الضرر على الغير، و رابعة ما فيه النفع للغير، و انما تترتب الآثار الشرعية في الإقرار لو كان الضرر على النفس لقاعدة (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) أي نافذ، اما على الغير ضررا و نفعا، فإنه لا يثبت بالإقرار، و ذلك لمكان (على) في القاعدة.

ثمَّ مسألة تعدّد الإقرار أو كفاية المرّة الواحدة متأخرة رتبة في مباحث الإقرار إلا انه نقتفي أثر المحقق في ذلك.

فنقول: المعاصي التي توجب الحد هل يكفي فيها الإقرار مرة واحدة إلا ما وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (الطلاق: 2) و قال عليه الصلاة و السلام: (شاهداك أو يمينه)، و لا تقبل شهادة النساء في الحدود و القصاص، قال الزهري: مضت السنة من لدن رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) و الخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود و القصاص. و ألحقوا به علم القاضي و نكول المدعى عليه و حلف المدعي فإنه يثبت بهما أيضا، و يثبت موجب المال من قتل أو جرح خطأ أو شبه عمد بالإقرار و شهادة عدلين أو علم القاضي أو برجل و امرأتين أو برجل و يمين لا بامرأتين و يمين .. قالت المالكية: يثبت الحق في القصاص و الجرح بالإقرار أو شهادة رجلين عدلين، لأن كل ما ليس بمال و لا آئل إلى المال لا يكفي فيه الّا عدلان كالعتق و العفو عن القصاص ..

53

خرج بالدليل كالزنا، أو لا بد من التعدّد فيها مطلقا؟ اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب المشهور إلى كفاية المرة الواحدة إلا في موارد خاصة كالزنا، و قيل في كل الموارد لا بد من الإقرار مرتان، إلا ما خرج بالدليل كالزنا حيث يشترط فيه أربع مرّات، و المختار كفاية المرة الواحدة إلا في موارد خاصة.

و المحقق في إثبات دعوى القتل يقول بكفاية المرة الواحدة (1)، و قيل: مرّتان.

الجواهر 42/ 203: و كيف كان فلا خلاف و لا إشكال في أنه تثبت الدعوى بالقتل بالإقرار أو البينة أو القسامة، أما الإقرار فيكفي فيه المرة وفاقا للأكثر، بل عليه عامة المتأخرين عدا نادر، للعموم و خصوص ظاهر المرسل المرفوع الآتي و غيره و لكن بعض الأصحاب كالشيخ و ابني إدريس و البراج و الطبرسي و يحيى بن سعيد على ما حكي عنهم يشترط الإقرار مرتين، و لا نعرف له وجها الّا الاحتياط في الدماء الذي لا يعارض الأدلة مع أنه معارض بمثله، و عدم بطلان دم المسلم، و لذا قبلت فيه في الجملة شهادة النساء و الصبيان و قسامة المدعي تحقيقا لقوله تعالى وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ و الا القياس على السرقة الممنوع عندنا، على أنه مع الفارق، ضرورة كونها من الحقوق الإلهية المبنية على التخفيف و المسامحة، و لذا يسقط بالتوبة بخلاف حقوق الآدميين. انتهى كلامه.

و قال المحقق الطباطبائي في رياض مسائله 2/ 514: و أما الإقرار فتكفي المرة على الأظهر و الأشهر، بل عليه عامة من تأخر، لعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، و هو المتحقق بالمرة حيث لا دليل على اعتبار التعدد كما في المسألة لما ستعرفه، مضافا الى التأيد بخصوص الروايات الدالة بإطلاقها على أخذ المقر و الحكم عليه بمجرد إقراره، مثل ما في قضاء مولانا الحسن (عليه السّلام) الآتي إليه الإشارة، و ما يدل على كون دية‌

54

..........

الخطأ على المقر، فان المذكور فيه الإقرار مرة، و ما يدل على حكم أنه لو أقر واحد بالعمد و آخر بالخطإ كما يأتي و نحو ذلك، و بعض الأصحاب كالشيخ و الحلي و المرتضى و جماعة يشترط التكرار مرتين، و لا يظهر له وجه صحة عدا الحمل على السرقة، و هو قياس فاسد في الشريعة، و الاحتياط في الدماء و يعارض بمثله هنا في جانب المقتول لعموم لا يطلّ دم امرء مسلم، و منه يظهر جواب آخر عن الأول و هو وجود الفارق لكون متعلق الإقرار هنا حق آدمي فيكفي فيه المرة، كسائر الحقوق الآدمية، و لا كذلك السرقة فإنها من الحقوق الإلهية المبنية على التخفيف و المسامحة.

و في السرائر 3/ 341: و أما الإقرار فيكفي أن يقرّ القاتل على نفسه دفعتين، من غير إكراه و لا إجبار، و يكون كامل العقل، فان لم يكن كامل العقل، أو كان عبدا مملوكا، فإنه لا يقبل إقراره، لأن إقراره إقرار على الغير الذي هو سيده، فأما إن لحقه العتاق بعد إقراره، قبلناه، و حكم فيه بما يقتضيه الشرع.

و في اللمعتين 2/ 408: فالإقرار يكفي فيه المرة لعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، و هو يتحقق بالمرة حيث لا دليل على اعتبار التعدد، و قيل تعتبر المرتان و هو ضعيف.

و في جامع المدارك 7/ 241: و أما ما يثبت به الجناية فمنها الإقرار، و المشهور كفاية المرة، و يدل عليه إطلاق دليل حجية الإقرار و خصوص صحيحة الفضيل قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: من أقرّ على نفسه عند الامام بحقّ من حدود اللّه مرة واحدة حرّا كان أو عبدا أو حرّة كانت أو أمة فعلى الامام أن يقيم الحد عليه- الى أن قال: فقال له بعض أصحابنا: يا أبا عبد اللّه فما هذه الحدود التي إذا أقرّ بها عند الإمام مرة واحدة على نفسه أقيم عليه الحد فيها- الى أن قال: و إذا أقرّ بقتل رجل لم يقتله‌

55

..........

حتى يحضر أولياء المقتول فيطالبوه بدم صاحبهم (التهذيب في حدود الزنا تحت رقم 7).

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي- الى أن قال: حتى أتاهم رجل فأقرّ عند الوالي أنه قتل صاحبهم عمدا، و أن هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود برئ من قتل صاحبه فلا تقتلوه به، و خذوني بدمه؟

قال: فقال أبو جعفر (عليه السّلام): إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه (الكافي 7/ 108 رقم 3).

و لقائل أن يقول: أما التمسك بدليل حجية الإقرار فلا اشكال فيه، و أما التمسك بصحيحة فضيل المذكورة فيشكل التمسك بها لمعارضة ما دلّ على عدم كفاية الإقرار مرة في الزنى و اللواط، و عدم الأخذ بإقرار العبد حيث إن إقراره يكون ضررا على مولاه، الّا أن يؤخذ به بعد انعتاقه، و هذه الصحيحة غير قابلة للتخصيص، و أما صحيحة زرارة المذكورة ففيها الاشكال من جهة أخرى، لأن السؤال عن رجل كان قتله مفروغا عنه، و الجواب ظاهرا يرجع الى إقرار الشخص الثاني الذي قال ببراءة الشخص الأول، مع كونه مفروغا عنه، و قيام الشهود على قتله، فلا بد من ردّ علمه إلى أهله. و قد أيّد ما ذكر من اعتبار الإقرار مرة بمرفوعة علي بن إبراهيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: اتي أمير المؤمنين (عليه السّلام) برجل وجد في خربة و بيده سكّين ملطخ بالدم، و إذا برجل مذبوح يتشحط في دمه، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): ما تقول؟ قال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فأقيدوه به- الحديث.

و رواه الصدوق (قدس سره) باختلاف يسير مرسلة عن أبي جعفر (عليه السّلام) (الفقيه باب الحيل في الأحكام رقم 8) و لا يخفى أن الإقرار مع اقترانه بما ذكر يوجب‌

56

و نحن أبناء الدليل أينما مال نميل، فلا بد لنا من ملاحظة وجوه القولين. اما مستند من قال بالمرتين، فبعد التفحّص لم نجد له دليلا معتبرا، إلا ما قاله صاحب الجواهر انه من باب الاحتياط في الدماء، و لكن ربما مثل هذا الاحتياط يكون القطع غالبا، و الكلام في حجية الإقرار مرة بدون القطع، و نظر من قال بعدم اعتبار المرة إلى الاحتياط في الدماء، و يشكل من جهة أنه ربما لم يحصل القطع حتى مع تكرر الإقرار أيضا، فلا يتحقق الاحتياط الّا مع القطع، و لازمه عدم اعتبار الإقرار.

و في تكملة المنهاج 2/ 90 يثبت القتل بأمور: الأول: الإقرار، و تكفي فيه مرة واحدة- على المشهور شهرة عظيمة، خلافا لجماعة: منهم الشيخ و ابنا إدريس و البراج و الطبرسي، و يدل على المشهور مضافا الى إطلاق أدلة الإقرار- خصوص صحيحة الفضيل .. و صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) .. و يؤيد ذلك بمرفوعة علي بن إبراهيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) .. و رواها الصدوق باختلاف يسير مرسلة عن أبي جعفر (عليه السّلام)، و لكن صاحب الوسائل نسبها إلى رواية الصدوق بإسناده إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السّلام) و لعله من سهو القلم. و أما ما ذهب اليه الشيخ و هؤلاء الجماعة مع اعتبار الإقرار مرتين، فليس له وجه ظاهر، و ما استدل عليه- من أن فيه احتياطا للدماء، و ليس القتل بأدون من السرقة- واضح الضعف، كيف و لو تمَّ ذلك، فلا بد من اعتبار الإقرار أربع مرات، لأن القتل ليس بأدون من الزنا.

و من كتب العامة جاء في الفقه الإسلامي و أدلته 6/ 388: و لا يشترط تعدد الإقرار، و يكفي مرة واحدة إلّا في الإقرار بالزنا عند الحنفية و الحنابلة، فإنه يطلب كونه أربع مرات، طلبا للتثبت في إقامة الحد، و عملا بواقعة إقرار ماعز بن مالك أمام الرسول ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) أربع مرات.

57

سببا لمهدورية دم المقتول، لأنه ربما أقرّ مرة، ثمَّ لم تقم البيّنة و لم تكن القسامة، فيذهب دم المقتول هدرا، و الحال إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

و أما مستند قول المشهور بل الأشهر من كفاية المرة الواحدة فدعوى الإجماعات و الشهرة الفتوائية، و لا نعتمد عليها كما مر، و قاعدة الإقرار، و هي من القواعد الفقهيّة المنصوصة و المصطادة كقاعدة السلطنة (الناس مسلّطون على أموالهم).

و هذه القاعدة (قاعدة الإقرار) (1) كانت في الشرائع السالفة قبل الإسلام كما قاعدة إقرار العقلاء من القواعد الفقهية المعروفة، و المراد من الجواز هو الجواز الوضعي بمعنى النفوذ و المضي، و هي من الامارات الظنية القوية اعتمد عليها العقلاء سيما القضاة و الحكام في جميع الأعصار و الأمصار، و لم يردع الشارع عنها، بل أمضاها كما نشاهد ذلك في كتاب الحدود و الديات و القصاص و غيرها، و انما يعتمد عليه العقلاء، لأن إقرار العاقل اما لبيان الواقع لندمه على الخلاف الذي صدر عنه، أو لتخفيف العذاب الأخروي، و من النادر أن يقرّ لإظهار الشخصية مثلا فهذا يعدّ من الشذوذ الذي لا يؤثر في بناء العقلاء، و جاء في الآيات و الروايات الاعتماد على الإقرار كقوله تعالى اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ (التوبة: 102) و قوله أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قٰالُوا أَقْرَرْنٰا (آل عمران: 81) و قوله تعالى كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ (النساء: 135) و قد نوقش الاستدلال بهذه الآيات (راجع القواعد الفقهية لشيخنا الأستاذ الشيخ فاضل اللنكراني دام ظلّه ص 65) و أما الروايات فمنها الحديث المشهور بين الفريقين الذي عبّر عنه صاحب الجواهر 3/ 35 بالنبوي المستفيض أو المتواتر و هو قوله ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) (إقرار العقلاء على أنفسهم‌