القصاص على ضوء القرآن و السنة - ج3

- السيد شهاب الدين المرعشي النجفي المزيد...
458 /
3

الجزء الثالث

الإهداء

إلى من نلوذ بجوارها و حماها، سيّدتنا و مولاتنا، كريمة أهل البيت (عليهم السّلام) الستّ فاطمة المعصومة (سلام اللّٰه عليها).

إلى أجدادها الطاهرين و أبيها الإمام الكاظم (عليه السّلام)، و أخيها الإمام الرضا (عليه السّلام)، و ابن أخيها الإمام الجواد (عليهم السّلام).

إلى ذراري رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السّلام).

إلى وليّ اللّٰه الأعظم، الإمام المنتظر، الحجّة الثاني عشر (عليه السّلام).

إلى منتظر الأُمّة، و أُمّة الانتظار.

أُقدّم كلّ ما أملك، و مجهودي المتواضع هذا برجاء القبول و الدعاء و الشفاعة، و الحشر مع الأبرار، و الأئمة الأطهار (عليهم السّلام).

العبد عادل العلوي قم المقدّسة الحوزة العلمية‌

5

مقدّمة

الحمد للّٰه الذي كلّف العباد ليثيبهم، و بعث الأنبياء ليهديهم، و جعل القصاص حياةً، و العلم نجاةً، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و سادة بريّته، خاتم النبيّين و سيّد المرسلين محمّد المختار، و آله الطيّبين الأبرار، سيّما خاتم الأوصياء الأطهار عليّ حيدر الكرّار، و اللعن الدائم على أعدائهم و منكري فضائلهم و مناقبهم إلى قيام الدين.

أمّا بعد:

فهذا هو الجزء الثالث و الأخير من كتاب (القصاص على ضوء القرآن و السنّة)، تقريراً لأبحاث سيّدنا الأُستاذ آية اللّٰه العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي (قدس سره)، و بهامشه تعليقات و إشارات و نماذج من آراء الفقهاء الأعلام من الفريقين السنّة و الشيعة على طول تأريخ الاجتهاد، و ذكر الروايات و المصادر و غير ذلك، تتميماً للفوائد و تعميماً للمنافع.

و هذا الجزء هو المجلّد العاشر من موسوعتنا الكبرى (رسالات إسلاميّة) التي تضمّ أكثر من مائة و أربعين كتاباً و رسالة في أكثر من مائة مجلّد إن شاء اللّٰه تعالى.

6

أسأل الباري عزّ و جلّ أن يتقبّل منّا ذلك بأحسن قبول، و أن يوفّقنا للصواب و الرشاد، و خدمة المذهب و العباد، و أن يكون لي و لوالدي و من له حقّ عليّ ذخراً و زاداً ليوم المعاد، يوم لا ينفع مالٌ و لا بنون إلّا من أتى اللّٰه بقلبٍ سليم، و ما توفيقي و تسديدي إلّا باللّٰه العليّ العظيم، إنّه خير ناصرٍ و معين.

و آخر دعوانا أن الحمد للّٰه ربّ العالمين.

العبد عادل العلوي‌

7

القسم الثاني (1) في قصاص الطرف

قال المحقّق الحلّي (قدس سره) في كتابه القيّم (شرائع الإسلام) (القسم الثاني: في قصاص الطرف، و موجبه الجناية بما يتلف العضو غالباً، أو الإتلاف بما قد يتلف‌

____________

(1) كتاب القصاص من كتاب (شرائع الإسلام في مسائل الحلال و الحرام للمحقّق الحلّي (قدس سره)) قسّمه المصنّف إلى قسمين: الأوّل: في قصاص النفس، و فيه فصول أربعة: الأوّل: في الموجب و هو العمد و شبهه و الخطأ، و العمد إمّا بالمباشرة أو التسبيب، و الثاني: في شروط القصاص من التساوي في الحرّية و الدين و أن لا يكون القاتل أباً و كمال العقل و أن لا يكون المقتول محقون الدم و قد مرّ تفصيل ذلك في الجزء الأوّل من كتابنا (القصاص على ضوء القرآن و السنّة) و الثالث: في دعوى القتل و ما يثبت به، و الرابع: في كيفيّة الاستيفاء و فيه مسائل و قد مرّ تفصيلها في الجزء الثاني-، و أمّا القسم الثاني من كتاب القصاص فهو في قصاص الطرف، و فيه مسائل، كما سنذكر ذلك في هذا الجزء إن شاء اللّٰه تعالى.

8

لا غالباً، مع قصد الإتلاف) (1).

____________

(1) جاء في جواهر الكلام شرح شرائع الإسلام للمحقّق العظيم الشيخ حسن النجفي (قدس سره) (42: 343): (في قصاص الطرف) و هو ما دون النفس و إن لم يتعلّق بالأطراف المشهورة من اليد و الرجل و الأنف و غيرها، كالجرح على البطن و الظهر و نحوهما، و لا خلاف كما لا إشكال في أصل القصاص فيه، بل الإجماع بقسميه المحصّل و المنقول عليه مضافاً إلى الكتاب عموماً (البقرة: 2 الآية 178 و 194) و خصوصاً (المائدة: 5 الآية 3) و السنّة المتواترة الوسائل الباب 12 و 13 من أبواب قصاص الطرف.

و في تحرير الوسيلة لسيّدنا الإمام الخميني (قدس سره) (2: 540) القسم الثاني في قصاص ما دون النفس (مسألة 2) الموجب له ها هنا كالموجب في قتل النفس، و هو الجناية العمديّة مباشرة أو تسبيباً حسب ما عرفت، فلو جنى بما يتلف العضو غالباً فهو عمد، قصد الإتلاف به أو لا، و لو جنى بما لا يتلف به غالباً فهو عمد مع قصد الإتلاف و لو رجاءً.

و في مباني تكملة المنهاج لسيّدنا الإمام الخوئي (قدس سره) (2: 144) فصل في قصاص الأطراف (مسألة 156): يثبت القصاص في الأطراف الجناية عليها عمداً لقوله تعالى وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ (المائدة: 45)، و للروايات المستفيضة التي تأتي في ضمن المسائل الآتية منها: معتبرة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فيما كان من جراحات الجسد: أنّ فيها القصاص أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها» و مثلها معتبرته الثانية، و قد تقدّم أنّ حقّ القصاص إنّما يثبت في القتل العمدي دون الخطأي الشبيه بالعمد أو الخطأ المحض حيث لا يثبت فيه إلّا الدية، و قد عرفت الفرق بين هذه الأقسام. و من المعلوم أنّه لا فرق في ذلك بين قصاص النفس و قصاص الطرف، فلا يثبت حقّ القصاص فيه إلّا في الجرح العمدي دون الخطأي، فالثابت فيه إنّما هو الدية على تفصيلٍ تقدّم، و هي تتحقّق بالعمد إلى فعل ما يتلف به العضو عادة أو بما يقصد به الإتلاف، و إن لم يكن ممّا يتحقّق به الإتلاف عادة.

و في رياض المسائل للمحقّق السيّد علي الطباطبائي (قدس سره) (الطبعة الحجريّة 2: 524) القسم الثاني (في قصاص الطرف) و المراد به ما دون النفس و إن لم يتعلّق بالأطراف المشهورة من اليد و الرجل و الأُذن و الأنف و غيرها كالجرح على البطن و الظهر و غيرها.

و في كشف اللثام (2: 470) الباب الثاني في قصاص الطرف و العفو عنه و عن قصاص النفس و النزاع الواقع في السراية و فيه فصول سبعة: الأوّل: في قصاص اليد و الرجل إذا ابينتا كلّا أو بعضاً، و فيه مطلبان: الأوّل: في الشرائط الموجبة للقصاص و هي بعد وجود محلّ القصاص خمسة: الأوّل: العمد .. الثاني: التساوي بين الجاني و المجني عليه في الإسلام و الحرية و يكون المجني عليه أكمل .. الثالث: التساوي في السلامة من الشلل .. الرابع: التساوي في المحلّ مع الوجود .. الخامس: التساوي في الأصالة و الزيادة.

و في اللمعة الدمشقيّة (10: 76، طبع كلانتر النجف الأشرف) (الفصل الثاني في قصاص الطرف) و المراد به ما دون النفس و إن لم يتعلّق بالأطراف المشهورة كاليد و الرجل- (و موجبه) بكسر الجيم أي سببه (إتلاف العضو) و ما في حكمه (بالمتلف غالباً) و إن لم يقصد الإتلاف (أو بغيره) أي غير المتلف غالباً (مع القصد إلى الإتلاف) كالجناية على النفس.

و في السرائر (3: 402) باب القصاص و ديات الشجاج و الجراح: من قطع شيئاً من جوارح الإنسان وجب أن يقتص منه إن أراد ذلك و كان مكافئاً له في الإسلام و الحرية و سلامة العضو المجني عليه و إن جرحه جراحة فمثل ذلك إلّا أن يكون جراحة يخاف في القصاص منها على هلاك النفس فإنّه لا يحكم فيها بالقصاص، و إنّما يحكم فيها بالأرش و ذلك مثل المأمومة و الجائفة و ما أشبه ذلك. و كسر الأعضاء التي يُرجى انصلاحها بالعلاج فلا قصاص أيضاً فيها، بل يراعى حتّى ينجبر الموضع إمّا مستقيماً أو على عثم بالعين غير المعجمة و التاء المنقطة فوقها ثلاث نقط و هو الفساد و العيب فيحكم بالأرش، فإن كان ذلك شيئاً لا يرجى صلاحه فإنّه يقتصّ من جانبه على كلّ حال. و القصاص في النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف و الأُذن بالاذن و السنّ بالسنّ و الجروح قصاص.

و في الوسيلة إلى نيل الفضيلة لمحمّد بن عليّ الطوسي المعروف بابن حمزة من أعلام القرن السادس (الصفحة 441) فصل في بيان أحكام الشجاج و الجراح و ما يصحّ فيه القصاص و ما لا يصحّ و كيفية الاقتصاص و أحكام الديات و ما يتعلّق بذلك: القصاص فيما دون النفس في شيئين: في جرح مشقوق و عضو مقطوع و كلّ عضو لا يكون منه التلف غالباً و ينتهي إلى مفصل يدخله القصاص و قد يكون الاعتبار فيها بالمساحة طولًا و عرضاً، لا بالمقادير من الصغر و الكبر و النحافة و السمن. و كلّ شخصين يجري بينهما القصاص في النفس يجري في الأطراف بشرطين: أحدهما الاشتراك بالاسم مثل اليمين و اليسار إذا كان له عضوان إلّا ما يستثني منه، و الآخر التماثل في الصحّة و الفساد و لا قصاص فيما يكون منه التلف غالباً مثل المأمومة و الجائفة و ما لا تلحقه الآفة لا يعتبر بالسلامة، و الاعتبار فيه بالتكافؤ في ثلاثة أشياء: الحرية و الإسلام و العبودية. و يلزم الاقتصاص بين الكاملين و الناقصين و يقتصّ من الناقص للكامل دون العكس.

و في المهذّب للقاضي عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي المتوفّى 481 ه‍ (2: 370) باب القصاص و الشجاج و ما يلحق بذلك: قد تقدّم القول فيما يتعلّق بالنفس من القصاص فأمّا دون النفس فنحن نذكر منه جملة مقنعة بمشيّة اللّٰه. قال اللّٰه تعالى النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ الآية، ففصل الأعضاء كما ترى ثمّ عمّ بالقول الجميع فقال وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ و لا خلاف في جواز القصاص في الشريعة و ليس يصحّ إلّا بشروط و هي: التساوي في الحرية بأن يكون المقتصّ و المقتصّ منه حرّين مسلمين، أو يكون المجني عليه أكمل، و أن يحصل الاشتراك في الخاصّ، يمين بيمين و يسار بيسار، لأنّه لا يقطع يسار بيمين و لا يمين بيسار، و أن تكون السلامة حاصلة لأنّه لا يقطع اليد الصحيحة باليد الشلّاء، فأمّا ما كان في الرأس و الوجه من الجراح فليس يجب فيها القصاص إلّا بشرط و هو: التكافؤ في الحرية، أو يكون المجني عليه أكمل. و جملة القول من ذلك، أنّا ننظر إلى طول الشجّة و عرضها، فيعتبر بمساحة طولها و عرضها. و أمّا الأطراف فلا يعتبر فيها بكبر و لا صغر يؤخذ اليد السمينة بالهزيلة و الغليظة بالرقيقة، و لا يعتبر في ذلك المساحة، و إنّما يعتبر الاسم مع السلامة مع التكافؤ في الحرية كما قال تعالى وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ فاعتبر الاسم فقط.

و في المبسوط لشيخ الطائفة شيخنا الطوسي (قدس سره) المتوفّى سنة 460 هجري (7: 74) فصل في القصاص و الشجاج و غير ذلك. قد مضى الكلام في القصاص في النفس و هاهنا القصاص فيما دون النفس، قال اللّٰه تعالى النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ إلى قوله وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ ففصّل الأعضاء و عمّ في آخر الآية في القصاص فيما دون النفس شيئان جرح يشقّ و عضو يقطع، فأمّا العضو الذي يقطع فكلّ% 302- 3% عضو ينتهي إلى مفصل كاليد و الرجل و العين و الأنف و اللسان و الاذن و الذكر، ففي كلّها قصاص لأنّ لها حدّا ينتهى إليه. و إنّما يجب القصاص فيها بثلاثة شرائط: التساوي في الحرية و هي أن يكونا حرّين مسلمين، أو يكون المجني عليه أكمل، و الثاني: الاشتراك في الاسم الخاصّ يمين بيمين و يسار بيسار فإنّه لا يقطع يمين بيسار و لا يسار بيمين، و الثالث: السلامة فإنّا لا نقطع اليد الصحيحة باليد الشلّاء، فأمّا غير الأطراف من الجراح التي فيها القصاص و هو ما كان في الرأس و الوجه لا غير، فإنّ القصاص يجب فيها بشرط واحد و هو التكافؤ في الحرية أو يكون المجني عليه أكمل. و أمّا التساوي في الاسم الخاصّ فهذا لا يوجد في الرأس لأنّه ليس له رأسان و لا السلامة من الشلل، فإنّ الشلل لا يكون في الرأس، و القصاص في الأطراف و الجراح في باب الوجوب سواء، و إنّما يختلفان من وجه آخر و هو أنّا لا نعتبر المماثلة في الأطراف بالقدر من حيث الكبر و الصغر و نعتبره في الجراح بالمساحة على ما نبيّنه فيما بعد. و الفصل بينهما أنّا لو اعتبرنا المماثلة في الأطراف في القدر و المساحة أفضى إلى سقوط القصاص فيها، لأنّه لا يكاد يدان يتّفقان في القدر، و ليس كذلك الجراح لأنّه يعرف عرضه و طوله و عمقه، فيستوفيه بالمساحة، فلهذا اعتبرناها بالمساحة فبان الفصل بينهما.

و أمّا في كتب أبناء العامة فقد جاء في (الفقه على المذاهب الأربعة) (5: 335) مبحث الجناية على الأطراف: أمّا الجناية على الأطراف من يد أو عين أو سنّ فقد جعلت الشريعة الإسلامية عقوبتها القصاص أيضاً، بمعين أنّه يفعل بالجاني مثل ما فعل جزاءً وفاقاً، و لكن يشترط المماثلة بين العضوين، فلا تفقأ عين عوراء في نظير عين سليمة و لا يقطع لسان أخرس في لسان متكلّم و لا تقطع يد عاطلة بيد عاملة و نحو ذلك ممّا هو مبيّن في محلّه. و هذا هو العدل المطلق فإنّ الذي يعتدي على إتلاف عضو إنسان لا جزاء له إلّا أن يتلف منه ذلك العضو، كما قال تعالى وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا (الشورى: 40).

و ربما يقال: إنّ ذلك الجزاء تكثيراً لأرباب العاهات بين أفراد الأُمّة فبعد أن كان الناقص هو المعتدى عليه أصبح المعتدي ناقصاً مثله و ذلك ضارٍّ بقوّة الأُمّة و هيبتها.

و الجواب: إنّ في هذا القصاص تقليلًا لأرباب العاهات لا تكثيراً بل في القصاص قضاء على الجريمة، من أصلها كما قال تعالى وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 179) لأنّ الذي يوقن بالجزاء المماثل و يعلم أنّه إذا اعتدى على عضو من أعضاء بدن غيره قطع مثله منه فإنّه يحجم عن ارتكاب الجريمة بتاتاً و بذلك يرتفع العدوان فلا يوجد ذو عاهة أصلًا لا معتد و لا معتدى عليه. أمّا الذي يعلم أنّ نتيجة عدوانه عقوبة بالسجن القليل فإنّه لا يبالي بتكرار فعله مع كثيرين فيزيد أرباب العاهات و المجرمون معاً، على أنّ السجن إذا طال أمده فإنّه يكون من شرّ الآفات التي تقضي على حياة المجرم، فإنّه يصبح عاطلًا مستهتراً بالجرائم كما هو مشاهد في كثير من متعوّدي الأجرام و السجون، فمتى أمكن القصاص بالتساوي بين العضوين يراه زاجراً عن العودة و رادعاً للأشرار عن ارتكاب الجرائم على أنّك قد عرفت أنّ القصاص في نظر الشريعة الإسلامية حقّ المعتدى عليه، فله أن يصطلح مع خصمه على مال أو غيره أو يعفو عنه، فإذا رأى الحاكم أنّ العفو يترتّب عليه ضرر بالأمن فله أن يتّخذ الوسائل التي يراها لصيانة الأمن.

و في سنن البيهقي (8: 64) جماع أبواب القصاص فيما دون النفس قال اللّٰه تعالى وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ .. الآية، قال الشافعي (رحمه اللّٰه) و لم أعلم خلافاً في أنّ القصاص في هذه الآية كما حكى اللّٰه أنّه حكم به بين أهل التوراة.

(و ذكر أيضاً معنى ما أخبرنا أبو زكريا .. عن ابن عباس في قوله تعالى النَّفْسَ بِالنَّفْسِ قال تقتل النفس بالنفس و تفقأ العين بالعين و يقطع الأنف بالأنف و تنزع السنّ بالسنّ و يقتصّ الجراح بالجراح فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم و نساؤهم إذا كان عمداً في النفس و ما دون النفس. و روايات أُخرى في الباب.

و في المهذّب في فقه الشافعي (2: 177): باب القصاص في الجروح و الأعضاء: يجب القصاص فيما دون النفس من الجروح و الأعضاء و الدليل عليه قوله تعالى وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ الآية، روى أنس أنّ الربيع بنت النضر بن أنس كسرت ثنية جارية إلى آخر الخبر و لأنّ ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص فكان كالنفس في وجوب القصاص .. (فصل) و القصاص فيما دون النفس في شيئين في الجروح و في الأطراف، فأمّا الجروح فينظر فيها فإن كانت لا تنتهي إلى عظم كالجائفة و ما دون الموضحة من الشجاج أو كانت الجناية على عظم ككسر الساعد و العضد و الهاشمة و المنقلة لم يجب فيها القصاص لأنّه لا تمكن المماثلة فيه، و لا يؤمن أن يستوفي أكثر من الحقّ فسقط فإن كانت الجناية تنتهي إلى عظم فإن كانت موضحة في الرأس أو الوجه وجب فيها القصاص لا تمكن المماثلة فيه و يؤمن أن يستوفي أكثر من حقّه و إن كانت فيما سوى الرأس و الوجه كالساعد و العضد و الساق و الفخذ وجب فيها القصاص و من أصحابنا من قال لا يجب لأنّه لما خالف موضحة الرأس و الوجه في تقدير الأرش خالفها في وجوب القصاص و المنصوص هو الأوّل، لأنّه يمكن استيفاء القصاص فيها من غير حيف لانتهائها إلى العظم فوجب فيها القصاص كالموضحة في الرأس و الوجه ..

(فصل) و أمّا الأطراف فيجب فيها القصاص في كلّ ما ينتهي منها إلى مفصل فتؤخذ العين بالعين لقوله تعالى وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ الآية و لأنّه يمكن المماثلة فيها لانتهائها إلى مفصل فوجب فيها القصاص و لا يجوز أن يأخذ صحيحة بقاتمة لأنّه يأخذ أكثر من حقّه، و يجوز أن يأخذ القاتمة بالصحيحة لأنّه يأخذ دون حقّه ..

و في الفقه الإسلامي و أدلّته تأليف الدكتور و هبة الزحيلي (6: 331): الفصل الثاني: الجناية على ما دون النفس. الجناية على ما دون النفس: هي كلّ اعتداء على جسد إنسان من قطع عضو أو جرح أو ضرب مع بقاء النفس على قيد الحياة. و هي عند الحنفيّة (و المالكية الذين لا يقولون بشبه العمد): إمّا عمد أو خطأ. و العمد: ما تعمّد فيه الجاني الفعل بقصد العدوان، كمن ضرب شخصاً بحجر بقصد إصابته. و الخطأ: هو ما تعمّد فيه الجاني الفعل دون قصد العدوان كمن يلقي حجراً من نافذة فيصيب رأس إنسان فيوضحه أو يقع نتيجة تقصير كمن ينقلب على نائم فيكسر ضلعه.

و ليس فيما دون النفس عند الحنفية شبه عمد، و إنّما هو عمد أو خطأ، لأنّ شبه العمد هو الضرب بما ليس بسلاح أو ما في حكمه، كالضرب المثقل من حجر أو عصا كبيرة. فوجوده يعتمد على آلة الضرب، و القتل هو الذي يختلف حكمه باختلاف الآلة، أمّا إتلاف ما دون النفس فلا يختلف حكمه باختلاف الآلة، و إنّما ينظر فيه إلى النتيجة الحاصلة، و هو حدوث الإتلاف أو قصد الاعتداء، فاستوت الآلات كلّها في دلالتها على قصد الفعل فكان الفعل إمّا عمداً أو خطأً فقط، و عقوبة شبه العمد عندهم هي عقوبة العمد، بدليل قولهم: (ما يكون شبه عمد في النفس فهو عمد فيما سواها) و يتصوّر الشافعية و الحنابلة شبه العمد فيما دون النفس كأن يضرب رأس إنسان بعظمة، أو بحجر صغير لا يشجّ غالباً، فيتورّم الموضع إلى أن يتّضح العظم و يقولون: (لا قصاص إلّا في العمد لا في الخطأ و شبه العمد) و عقوبة شبه العمد عندهم كعقوبة الخطأ. و الكلام في هذا الفصل على نوعي الجناية على ما دون النفس عمداً أو خطأ في مبحثين: المبحث الأوّل: عقوبة الجناية العمدية على ما دون النفس. الجناية العمدية على ما دون النفس: إمّا أن تكون على الأطراف بقطعها أو تعطيل منافعها أو تكون بإحداث جرح في غير الرأس و هي الجراح، أو في الرأس و الوجه و هي الشجاج. و القاعدة المقرّرة في عقوبة هذه الجناية: هي أنّه كلّما أمكن تنفيذ القصاص فيه (و هو الفعل العمد الخالي عن الشبهة) وجب القصاص، و كلّ ما لا يمكن فيه القصاص (و هو الفعل الخطأ و ما فيه شبهة) وجب فيه الدية أو الأرش، و على هذا تكون في الجملة عقوبة إبانة الأطراف أو قطعها: هو القصاص أو الدية و التعزير، و عقوبة تعطيل منافع الأعضاء (إذهاب معاني الأعضاء) في الواقع العملي: هو الدية أو الأرش. و عقوبة الجراح أو الشجاج: القصاص أو الأرش أو حكومة العدل.

ففي هذا المبحث أربعة مطالب: المطلب الأوّل عقوبة إبانة الأطراف (أو قطعها) الأطراف عند الفقهاء: هي اليدان و الرجلان و يلحق بها أو يجري مجراها الإصبع و الأنف و العين و الاذن و الشفة و السنّ و الشعر و الجفن و نحوها، و عقوبة إبانة الأطراف: إمّا القصاص أو الدية و التعزير بدلًا عنه، إذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب .. المطلب الثاني تعطيل منافع الأعضاء (الصفحة 348) .. المطلب الثالث عقوبة الشجاج (الصفحة 350) .. المطلب الرابع: عقوبة الجراح (الصفحة 355) .. المبحث الثاني: عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ (الصفحة 360)، فراجع.

16

أقول: قبل الورود في صلب الموضوع لا بأس بذكر مقدّمة، و هي: المراد من الطرف هو العضو، و سمّي بذلك، لأنّ الطرف لغةً يأتي بمعانٍ، منها: طرف الشي‌ء، و هو ما ينتهىٰ إليه من الجهات الستّة في مطلق الأجسام، و في مصطلح الفقهاء نقل‌

17

من المعنى العامّ إلى المعنى الخاصّ، فهو من النقل المألوف، و ذلك باعتبار منتهى إليه بدن الإنسان، فإنّ الرأس مثلًا و الأُذنين و اليدين و الرجلين و غير ذلك إنّما هو منتهى إليه البدن و الجسد.

و في علم أُصول الفقه من مباحثه المتعلّقة بالألفاظ، قد ذكر الأعلام مقدّمات، منها: البحث حول المنقولات، فهل عندنا منقول أو لم يقع ذلك؟ فذهب أكثر الأُصوليّين إلى النقل و وقوعه، فإنّ الدابّة لغةً بمعنى كلّ ما يدبّ على الأرض، كما في القرآن الكريم، و لكن استعمل في معنى خاصّ و نقل إلى الدوابّ ذوات الأربعة كالأنعام. و قيل: بعدم وجود المنقول، و ما يتصوّر في ذلك، إنّما هو من إطلاق الكلّي على الفرد، كإطلاق الإنسان على زيد، و من مشاهير هذا المذهب الشيخ أبو علي الفارسي من أعلام النحاة.

و المختار التفصيل بين المنقولات، فمنها ما هو واقع قطعاً، و إنّه من مصاديق النقل بالمعنى الأوّل، و منها ما يتصوّر فيها معنى النقل.

و ما نحن فيه (الطرف) إنّما هو من النقل الأوّل، و هو من النقل المألوف (1) أي من المعنى العامّ إلى المعنى الخاصّ كما ذكرنا ذلك.

____________

(1) لقد ذكرنا في الجزئين معنى النقل المألوف و غيره، بأنّه إذا نقل من معنى إلى آخر، فإن كان بين المعنيين تباين، فهو من النقل غير المألوف كما لو أُطلق على الإنسان لفظ الحديد، فلا مناسبة بين المعنيين، و إن كان بينهما نسبة العموم و الخصوص بأن ينقل من المعنى العامّ إلى الخاصّ أو بالعكس، فهنا يسمّى بالنقل المألوف، للُالفة بين المعنيين أو لما يألفه الناس و أهل الاصطلاح.

18

ثمّ المصنّف قال (القسم الثاني) باعتبار أنّ الجناية على ثلاثة أقسام: جناية النفس، و الفعل فيه يكون متلفاً غالباً، و جناية العضو، و جناية الجراحة، و القسم الثالث يذكره المصنّف (قدس سره) في طيّات القسم الثاني، و موجب الجناية و السبب و الباعث، أمّا الإتلاف عمداً، أو الإتلاف الذي لا يتلف غالباً، لكن شاءت الأقدار أن يوجب التلف، مع قصد الإتلاف.

19

شرائط جواز الاقتصاص

(1) اعلم أنّ الاقتصاص في الطرف إنّما يجوز لو اجتمعت شرائط خاصّة، قد‌

____________

(1) مباني تكملة المنهاج (2: 145، مسألة 157): يشترط في جواز الاقتصاص فيها البلوغ و العقل و أن لا يكون الجاني والد المجني عليه، و يعتبر فيه أيضاً أمران: الأوّل: التساوي في الحرّية و الرقّية فلا يقتصّ من الحرّ بالعبد .. الثاني: التساوي في الدين: فلا يقتصّ من مسلم بكافر لما عرفت من اعتبار التساوي في الدين في القصاص ..

و في تحرير الوسيلة (4: 540، مسألة 2) يشترط في جواز الاقتصاص فيه ما دون النفس ما يشترط في الاقتصاص في النفس من التساوي في الإسلام و الحرية و انتفاء الأُبوّة و كون الجاني عاقلًا بالغاً، فلا يقتصّ في الطرف لمن لا يقتصّ له في النفس.

و في جامع المدارك في شرح المختصر النافع لسيّدنا الأكرم السيّد أحمد الخوانساري (قدس سره) (7: 269) (القسم الثاني في قصاص الطرف و يشترط فيه التساوي كما في قصاص النفس، فلا يقتصّ في الطرف لمن لا يقتصّ له في النفس، و يقتصّ للرجل من المرأة و لا ردّ و للمرأة من الرجل مع الردّ فيما زاد على الثلث، و يعتبر التساوي في السلامة، فلا يقطع العضو الصحيح بالأشلّ و يقطع الأشلّ بالصحيح ما لم يعرف أنّه لا ينحسم، و يقتصّ للمسلم من الذمّي و يأخذ منه ما بين الديتين، و لا يقتصّ للذمي من المسلم و لا للعبد من الحرّ)، يثبت القصاص في الأطراف بالجناية عليها عمداً كما ذكر في النفس و قد يفسّر العمد بقصد قتل يتحقّق معه التلف غالباً، و قد يفسّر بقصد قتل يتحقّق معه التلف عادة و لو لم يقصد التلف. و كذا قصد الإتلاف بفعل، و لو لم يكن موجباً غالباً و لا عادة، و الأولى تحقّق العمد بقصد فعل يكون معرّضاً، و لذا ذكروا في كتاب الصوم أنّ فعل ما يكون معرضاً لتحقّق المفطر محسوب من العمد، كما لو لاعب الزوج مع الزوجة بلا قصد الإمناء و كانت الملاعبة لها هذه المعرضية، و يشترط في جواز الاقتصاص البلوغ و العقل، و أن لا يكون الجاني والد المجني عليه كما سبق في قصاص النفس، و يعتبر فيه أيضاً التساوي في الحرية و الرقية فلا يقتص من الحرّ بالعبد، و تدلّ عليه صحيحة أبي ولّاد الحنّاط قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن مكاتب اشترط عليه مولاه حين كاتبه جنى إلى رجل جناية فقال: إن كان قد أدّى من مكاتبته شيئاً غرم في جنايته بقدر ما أدّى من مكاتبته للحرّ، إلى أن قال: و لا تقاص بين المكاتب و بين العبد إذا كان المكاتب قد أدّى من مكاتبته شيئاً، فالحرّ بطريق أولى. و معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ (صلوات اللّٰه عليهم) قال: «ليس بين العبيد و الأحرار قصاص في ما دون النفس الحديث».

و في رياض المسائل (2: 524): (و يشترط فيه التساوي) في الإسلام و الحرية أو كون المقتصّ من أخفض، و انتفاء الأُبوّة إلى آخر ما فصّل سابقاً، و بالجملة الحكم هنا في الشروط بل العمد و شبهه و الخطأ (كما في قصاص النفس) قد مضى بلا خلاف، بل عليه الإجماع في صريح الغنية و ظاهر غيره، و هو الحجّة مضافاً إلى الإجماع القطعي بل الضرورة و الكتاب و السنّة المتقدّم بعضها، و الآتي جملة منها الإشارة في أصل ثبوت القصاص في الأطراف، قال سبحانه وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ و الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ- فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا الآية، و في الخبر في أُمّ الولد يقاص منها للمماليك و لا قصاص بين الحرّ و العبد). و هو ظاهر في اشتراك التساوي في الحرية حتّى في الأطراف للإطلاق، و يستفاد اشتراط التساوي في غيرها بعد الإجماع المركّب، مضافاً إلى الإجماع البسيط من تتبّع النصوص بل الاعتبار أيضاً، فتدبّر (فلا يقتصّ في الطرف لمن لا يقتصّ له في النفس).

21

ذكرها الأعلام، و وقع الاختلاف في بعضها، كما هو الديدن، و هذه الشرائط تارةً باعتبار المقتصّ من باب (اسم الفاعل)، و أُخرى باعتبار (اسم المفعول).

و المقتصّ كالمختار، يعلم اسم فاعله من مفعوله بالإعلال و فكّ الإدغام، فالمقتصّ الاسم الفاعلي هو المقتصص بكسر ما قبل الآخر و الاسم المفعولي بفتح ما قبل الآخر و هو الجاني الذي يقتصّ منه.

و إنّما يقتصّ منه لو اجتمعت فيه الشرائط التالية:

أن يكون قاصداً للجناية (1)

____________

(1) كشف اللثام (2: 470) في الشرائط: الأوّل: العمد، فلا قصاص بقطع العضو خطأً أو شبه العمد اتّفاقاً، و يتحقّق العمد بإتلاف العضو إمّا بفعل ما يتلفه غالباً و إن لم يقصد الإتلاف كما هو في القتل، أو بإتلافه بما لا يتلف غالباً مع قصد الإتلاف سواء كان مباشرةً كقطع اليد أو تسبيباً كما لو ألقى ناراً على يده فاحترقت أو حيّة فنهشتها أو قطع إصبعاً فسرت الجراحة أو الجناية أو الإصبع أي قطعها إلى كفّه أو جرحه في عضو فسرى إليه في عضو آخر أو سرى إلى نفسه، و يكون استطراداً و قد مرّ تفسير المباشرة و التسبيب.

و في مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام للشهيد الثاني (2: 483) (في قصاص الطرف): من شرائط القصاص في الطرف تساويهما في السلامة لا مطلقاً لأنّ اليد الصحيحة يقطع بالرضا، بل المراد سلامته خاصّة و هي التي يؤثر التفاوت فيها، أو يتخيّل تأثيره كالصحّة و الشلل، فلا يقطع اليد و الرجل الصحيحتان بالشلّاوين و إن رضي به الجاني كما أنّه لا يقتل الحرّ بالعبد و المسلم بالذمّي و إن رضي الحرّ و المسلم، و أمّا اليد الشلّاء و الرجل الشلّاء فالمشهور أنّه يراجع فيه إلى أهل الخبرة فإن قالوا إنّها لو قطعت لم يفسد فم العروق بالجسم و لم ينقطع الدم فلا يقطع بها لما فيه من استيفاء النفس بالطرف و المجني عليه الدية، و إن قالوا ينقطع فله قطعها أو يقع قصاصاً كقتل الذمّي بالمسلم و العبد بالحرّ و ليس له أن يطلب سبب الشلل أرشاً و وجه ذلك بأنّ الصحيحة و الشلّاء متساويتان في الجرم و الاختلاف بينهما في الصفة و الصفة المجرّدة تقابل بالمال و كذلك إذا قتل الذمّي بالمسلم و العبد بالحرّ لم يجب لفضيلة الإسلام و الحرية شي‌ء ..

و في اللمعة (10: 77) (و شروطه: شروط قصاص الطرف) من التساوي في الإسلام و الحرية أو كون المقتصّ منه أخفض، و انتفاء الأُبوّة إلى آخر ما فصّل سابقاً، (و يزيد هنا) على شروط النفس اشتراط (التساوي) أي تساوي العضوين المقتصّ به و منه (في السلامة) أو عدمها أو كون المقتصّ منه أخفض.

و في إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد (4: 633) الباب الثاني في قصاص الطرف و فيه فصول (الأوّل) في قصاص اليد و الرجل و فيه مطلبان: الأوّل: في الشرائط و هي خمسة (الأوّل) العمد فلا قصاص بقطع العضو خطأ أو شبيه العمد و يتحقّق العمد بإتلاف العضو إمّا بفعل ما يتلفه غالباً أو بإتلافه بما لا يتلفه غالباً مع قصد الإتلاف سواء كان مباشرة كقطع اليد أو تسبيباً كما لو ألقى ناراً على يده أو جيبه أو قطع إصبعاً فسرت إلى كفّه أو جرحه فسرى إليه. الثاني: التساوي في الإسلام و الحرية أو يكون المجني عليه أكمل فيقتصّ للمسلم من المسلم و الذمّي و للذمّي من الذمّي خاصّة و لا يقتصّ له من المسلم بل يجب الدية. الثالث: التساوي في السلامة .. الرابع: التساوي في المحلّ .. الخامس: التساوي في الأصالة و الزيادة ..

و في المهذّب (2: 373) فأمّا الأطراف فيجري القصاص فيها من المفاصل في اليدين و الرجلين و العينين و الأذنين و الأنف و الأسنان و اللسان و الذكر للآية، و يجب ذلك بشروط و هي: الاتفاق في الحرية و السلامة و الاشتراك في الاسم الخاصّ يمين بيمين و يسار بيسار و لا يعتبر القدر و المساحة، بل يؤخذ اليد السمينة بالهزيلة و الغليظة بالرقيقة للآية.

و في المراسم في الفقه الإسلامي لحمزة بن عبد العزيز الديلمي المتوفّى سنة 463 ه‍ (الصفحة 242) ذكر: أحكام الجناية على ما هو دون النفس من الأعضاء: الأعضاء على ضربين: أحدهما: في الإنسان منه واحد فقط، و الآخر: فيه أكثر من واحد. فالواحد: اللسان و الذكر و عين الأعور و خلفه و الصلب و الرقبة و ما كان مثل ذلك و في الجناية في هذا على ضربين: جناية باستئصاله و جناية بغير استئصاله .. و للبحث صلة فراجع ثمّ يقول: و لا قصاص بين المسلم و الذمّي و العبد، و إنّما القصاص مع التساوي في الحرية و الدين ثمّ يذكر أحكام الجراح و الشجاج و أنّها على ثمانية أضرب: الحارصة و الدامية و البافقة و السمحاق و الموضحة و الهاشمية و الناقلة و المأمومة و الجائفة و لا قصاص إلّا في سبع منهن ما عدا المأمومة و الجائفة فإنّ فيهما تعذر بالنفس و لا قصاص فيهما .. انتهى كلامه رفع اللّٰه مقامه.

و في المبسوط في فقه الإمامية (7: 78): قد ذكرنا أنّ القصاص يجري في الأطراف من المفاصل في اليدين و الرجلين و الأذنين و العينين و الأنف و الأسنان و اللسان و الذكر لقوله النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ الآية فنصّ على ما نصّ، و نبّه على اليدين و الرجلين إذا كان لها حدّ ينتهى إليه أمكن اعتباره بغير زيادة. و إنّما يجب بثلاثة شروط: الاتفاق في الحرية و السلامة و الاشتراك في الاسم الخاصّ يمين بيمين و يسار بيسار، و لا يعتبر القدر و المساحة بل يؤخذ اليد الغليظة السمينة باليد الدقيقة الهزيلة الضعيفة، لظاهر الآية و لما تقدّم من أنّ اعتبار المساحة يؤدّي إلى سقوط القصاص، لتعذّر الاتفاق بين الأيادي على صورة واحدة كبراً و صغراً، فإذا ثبت ذلك ففي اليد أربع مسائل .. فراجع كما سيأتي.

و في كتب العامة جاء في المغني (9: 410) فصل و يشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء: أحدها أن يكون عمداً محضاً فأمّا الخطأ فلا قصاص فيه إجماعاً و لأنّ الخطأ لا يوجب القصاص في النفس و هي الأصل ففيما دونها أولى، و لا يجب بعمد الخطأ و هو أن يقصد ضربه بما لا يفضي إلى ذلك غالباً مثل أن يضربه بحصاة لا يوضح مثلها فتوضحه فلا يجب به القصاص لأنّه شبه العمد و لا يجب القصاص إلّا بالعمد المحض و قال أبو بكر يجب به القصاص و لا يراعى فيه ذلك لعدم الآية. الثاني: التكافؤ بين الجارح و المجروح و هو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو قتله كافر المسلم مع الحرّ المسلم فإمّا أن لا يقتل بقتله فلا يقتصّ منه فيما دون النفس له كالمسلم مع الكافر و الحرّ مع العبد و الأب مع ابنه لأنّه لا تأخذ نفسه بنفسه فلا يؤخذ طرفه بطرفه و لا يجرح بجرحه كالمسلم مع المستأمن. الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف و لا زيادة لأنّ اللّٰه تعالى قال وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ و قال فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و لأنّ دم الجاني معصوم إلّا في قدر جنايته فما زاد عليها يبقى على العصمة فيحرم استيفاؤه بعد الجناية كتحريمه قبلها و من ضرورة المنع من الزيادة المنع من القصاص لأنّها من لوازمه فلا يمكن المنع منها إلّا بالمنع منه و هذا لا خلاف فيه نعلمه. و ممّن منع القصاص فيما دون الموضحة الحسن و الشافعي و أبو عبيد و أصحاب الرأي و منعه في العظام عمر بن عبد العزيز و عطاء و النخعي و الزهري و الحكم و ابن شبرمة و الثوري و الشافعي و أصحاب الرأي إذا ثبت هذا فإنّ الجرح الذي يمكن استيفاؤه من غير زيادة هو كلّ جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة في الرأس و الوجه و لا نعلم في جواز القصاص في الموضحة خلافاً و هي كلّ جرح ينتهي إلى العظم في الرأس و الوجه و ذلك لأنّ اللّٰه تعالى نهى على القصاص في الجروح فلو لم يجب ها هنا لسقط حكم الآية و في معنى الموضحة كلّ جرح ينتهي إلى عظم فيما سوى الرأس و الوجه كالساعد و العضد و الساق و الفخذ في قول أكثر أهل العلم و هو منصوص الشافعي. و قال بعض أصحابه لا قصاص فيها لأنّه لا يقدر فيها و ليس بصحيح لقول اللّٰه تعالى وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ و لأنّه أمكن استيفاؤها بغير حيف و لا زيادة لانتهائها إلى عظم فهي كالموضحة.

و في الصفحة 416 قال: أجمع أهل العلم على جريان القصاص في الأطراف، و قد ثبت ذلك بقوله تعالى الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ و بخبر الربيع بنت النضر بن أنس و يشترط لجريان القصاص فيها شروط خمسة: أحدها: أن يكون عمداً على ما أسلفناه. و الثاني: أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني بحيث يقاد به لو قتله. و الثالث: أن يكون الطرف مساوياً للطرف و لا يؤخذ صحيح بأشلّ و لا كاملة الأصابع بناقصة و لا أصليّة بزائدة و لا يشترط التساوي في الدقّة و الغلظ و الصغر و الكبر و الصحّة و المرض لأنّ اعتبار ذلك يفضي إلى سقوط القصاص بالكلّية. و الرابع: الاشتراك في الاسم الخاصّ فلا تؤخذ يمين بيسار و لا يسار% 304- 3% بيمين و لا إصبع بمخالفة لها و لا جفن أو شفة إلّا بمثلها. و الخامس: إمكان الاستيفاء من غير حيف و هو أن يكون القطع من مفصل فإن كان من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع بغير خلاف نعلمه، و قد روى نمر بن جابر عن أبيه أنّ رجلًا ضرب رجلًا على ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل فاستعدى عليه النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) فأمر له بالدية فقال إنّي أُريد القصاص؟ قال: (خذ الدية بارك اللّٰه لك فيها) و لم يقضِ له بالقصاص، رواه ابن ماجه.

و في المهذّب في الفقه الشافعي (2: 182) (فصل) و ما وجب فيه القصاص من الأعضاء وجب فيه القصاص و إن اختلف العضوان في الصغر و الكبر و الطول و القصر و الصحّة و المرض لأنّا لو اعتبرنا المساواة في هذه المعاني سقط القصاص في الأعضاء لأنّه لا يكاد أن يتّفق العضوان في هذه الصفات فسقط اعتبارها (فصل) و ما انقسم من الأعضاء إلى يمين و يسار كالعين و اليد و غيرهما لم تؤخذ اليمين فيه باليسار و لا اليسار باليمين، و ما انقسم إلى أعلى و أسفل كالشفة و الجفن لم يؤخذ الأعلى بالأسفل و لا الأسفل بالأعلى، و لا يؤخذ سنّ بسنّ غيرها و لا إصبع بإصبع غيرها، و لا أنملة بأنملة غيرها لأنّها جوارح مختلفة المنافع و الأماكن، فلم يؤخذ بعضها ببعض كالعين بالأنف و اليد بالرجل، و لا يؤخذ بعضه ببعض ممّا ذكرناه لا يؤخذ و إن رضي الجاني و المجني عليه و كذلك ما لا يؤخذ من الأعضاء الكاملة بالأعضاء الناقصة كالعين الصحيحة بالقاتمة و اليد الصحيحة بالشلّاء، لا يؤخذ و إن رضي الجاني و المجني عليه بأخذها لأنّ الدماء لا تستباح بالإباحة.

و في الفقه الإسلامي و أدلّته (6: 333): يشترط لتطبيق القصاص في الطرف و الجروح و لغيرهما ممّا دون النفس الشروط العامّة المشروطة للقصاص في النفس و يضاف إليها شروط خاصّة. أمّا الشروط العامّة: فهي عند الحنفية أن يكون الجاني عاقلًا بالغاً متعمّداً مختاراً، غير أصل للمجني عليه، و كون المجني عليه معصوماً ليس جزءاً للجاني و لا ملكه، و كون الجناية مباشرة لا تسبيباً، و أن يكون القصاص ممكناً بإمكان المماثلة. و أضاف الجمهور كما بيّنا في القتل العمد: أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني لا فرق عندهم بين أن تكون الجناية مباشرة أو تسبيباً. و بناءً عليه تكون موانع القصاص العامّة ما يلي: 1 الأُبوّة .. 2 انعدام التكافؤ .. 3 كون الاعتداء شبه عمد عند الشافعيّة و الحنابلة .. 4 أن يكون الفعل تسبيباً عند الحنفيّة .. 5 أن تكون الجناية واقعة في دار الحرب عند الحنفيّة .. 6 تعذّر استيفاء القصاص .. و أمّا الشروط الخاصّة للقصاص في الجناية على ما دون النفس: فهي التي ترجع إلى أساس واحد و هو تحقيق التماثل. و مقتضاه تحقيق التماثل بين الجناية و العقوبة في أُمور ثلاثة: التماثل في الفعل و التماثل في المحلّ (أو الموضع و الاسم) و التماثل في المنفعة (أو الصحّة و الكمال) و أضاف الحنفية التماثل في الأرشين .. و الدليل على اشتراط التماثل قوله تعالى وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ و قوله عزّ و جلّ وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ- فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و لأنّ دم الجاني معصوم إلّا بمقدار جنايته فما زاد عليها معصوم يمنع التعرّض له، فلا تصحّ الزيادة في القصاص على قدر الجناية، و بناء عليه تكون موانع القصاص الخاصّة بما دون النفس ثلاثة هي: 1 عدم التماثل في الفعل (أو عدم إمكان الاستيفاء بلا حيف و لا زيادة) .. 2 عدم المماثلة في الموضع قدراً و منفعة .. 3 عدم التماثل في الصحّة و الكمال .. و أحسن نموذج تطبيقي للقصاص فيما دون النفس هو قوله تعالى وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ (المائدة: 45).

26

، متعمّداً، مختاراً، فإنّه من الأحكام التكليفيّة‌

27

و الوضعيّة، فالساهي و الناسي و المشتبه للحكم الشرعي و المخطئ لا يقتصّ منه.

28

و أن لا يكون مكرهاً، كما لو دار الأمر بين حفظ النفس أو قطع يد الآخر، فإنّه يقطع و لا قصاص عليه، و لا مجال للقول بأنّه (لا تقيّة في الدماء) فإنّ ذلك إنّما يصدق في النفس، لا ما دونها كالطرف.

و أمّا شرائط المقتصّ بمعنى اسم المفعول أن يكون بالغاً عاقلًا قاصداً للقصاص، و هناك شرائط اخرى نتعرّض لها من خلال المباحث الآتية إن شاء اللّٰه تعالى.

29

أدلّة جواز قصاص الطرف

قال صاحب الجواهر (قدس سره):

لا خلاف و لا إشكال في أصل القصاص فيه، بل الإجماع بقسميه، مضافاً إلى الكتاب عموماً و خصوصاً و السنّة المتواترة.

أقول:

على ما نذهب من المبنى من عدم اعتبار الإجماع كدليل مستقلّ، فلا حاجة لنا إليه في وجوب قصاص الطرف، بعد ما لنا من الأدلّة القطعيّة من الكتاب الكريم و السنّة الشريفة.

فمن الآيات الكريمة قوله تعالى:

النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (1).

و من الروايات ما يذكرها صاحب الوسائل (قدس سره):

بسنده عن الكليني بسنده عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام): تقطع يد الرجل و رجليه‌

____________

(1) المائدة: 55.

30

في القصاص (1).

و مثله في التهذيب.

و لا يخفى أنّ المحقّق الأردبيلي و تلامذته كصاحب المعالم و صاحب المدارك يذهبون إلى حجّية الخبر فيما لو كان كلّ واحد من رواته مذكّى بشهادة عدلين. و هذا بنظري ممّا يوجب طرح كثير من الروايات و ضرب الإجماعات و الشهرات، و هذا أمر بعيد، بل يكفي في حجّية الخبر وثاقة رواته، فكلّ خبر موثوق الصدور فهو حجّة، كما عليه الأكثر، و هو المختار، و على هذا المبنى روايات المقام موثوقة الصدور، و لا تعارضها روايات اخرى، كما لم تصدر للتقيّة، و لم يعرض عنها الأصحاب، و لم تخالف حكم العقل، فلا بدّ حينئذٍ مع اجتماع شرائط العمل بالخبر الواحد الموثّق أن يعمل به، و من أراد النقاش في سند الخبر المزبور على أنّ إسحاق بن عمّار فطحيّ المذهب، فلا يؤخذ به، فهو مردود لوثاقة الرجل كما هو ثابت في محلّه (2) و لا سيّما في سند الخبر الثاني ففيه ابن محبوب، و هو من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 19: 140، الباب 12 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1. محمّد ابن يعقوب عن أبي علي الأشعري عن محمّد بن عبد الجبّار عن صفوان بن يحيى عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) يقول: تقطع يد الرجل و رجليه (و رجلاه) في القصاص. و رواه الشيخ بإسناده عن أبي علي الأشعري مثله.

(2) قال الشيخ في الفهرست: إسحاق بن عمّار الساباطي له أصل، و كان فطحيّاً، إلّا أنّه ثقة، واصلة معتمد عليه. (رجال السيّد الخوئي 3: 62، و جامع الرواة 1: 82) روى عن الصادق و الكاظم (عليهما السّلام)، و في نتائج التنقيح (برقم 678) إنّه ثقة موثّق (المجلّد الأوّل: 117).

31

أصحاب الإجماع.

و هناك روايتان في الباب أيضاً (1)، و ربما يناقش في الثلاثة باعتبار دلالتها،

____________

(1) الوسائل (19: 141).

2 و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن هشام بن سالم عن حبيب السجستاني قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين، قال: فقال: يا حبيب، تقطع يمينه الذي قطع يمينه أوّلًا، و تقطع يساره للرجل الذي قطع يمينه أخيراً، لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير و يمينه قصاص للرجل الأوّل، قال: فقلت: إنّ عليّاً (عليه السّلام) إنّما كان يقطع اليد اليمنى و الرجل اليسرى، فقال: إنّما كان يفعل ذلك فيما يجب من حقوق اللّٰه، فأمّا يا حبيب حقوق المسلمين فإنّه تؤخذ لهم حقوقهم في القصاص اليد باليد إذا كانت للقاطع يد (يدان) و الرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يد، فقلت له: أو ما تجب عليه الدية و تترك له رجله؟ فقال: إنّما تجب عليه الدية إذا قطع يد رجل و ليس للقاطع يدان و لا رجلان، فثمّ تجب عليه الدية، لأنّه ليس له جارحة يقاس منها. و رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن الحسن بن محبوب. و رواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب.

3 و رواه البرقي في (المحاسن) عن ابن محبوب مثله إلى قوله: قصاص للرجل الأوّل، ثمّ قال: فقلت: تقطع يداه جميعاً فلا تترك له يد يستنظف بها؟ فقال: نعم إنّها في حقوق الناس فيقتصّ في الأربع جميعاً، فأمّا في حقّ اللّٰه فلا يقتصّ منه إلّا في يد و رجل، فإن قطع يمين رجل و قد قطعت يمينه في القصاص قطعت يده اليسرى، و إن لم يكن له يدان قطعت رجله باليد التي قطع، و يقتصّ منه في جوارحه كلّها إذا كانت في حقوق الناس.

أقول: و تقدّم ما يدلّ على بعض المقصود، و يأتي ما يدلّ عليه انتهى كلامه رفع اللّٰه مقامه.

32

بأنّ المذكور فيها لفظ الجناية دون العمد، و هي أعمّ من العمد و شبهه و من الخطأ.

و جوابه واضح: بأنّه قد ثبت من الدليل الخارجي أنّ الخطأ لا قصاص فيه، لحديث الرفع و الروايات الخاصّة في المقام، و كذلك شبه العمد كما مرّ في قصاص النفس فيبقى العمد، و هو المقصود فلا حاجة إلى قيده في الروايات، فثبت العمل بها لصحّة سندها و تماميّة دلالتها، فثبت المطلوب من قصاص الطرف.

عودٌ على بدء:

لقد ذكرنا بعض شرائط الجاني المقتصّ منه، و الشرائط إجمالًا، كما يلي (1):

1 البلوغ: فالصبيّ لا يقتصّ منه لحديث الرفع، فإنّه رفع القلم قلم التكليف عن الصبيّ حتّى يبلغ (بالاحتلام أو إنبات الشعر الخشن أو إكمال‌

____________

(1) جاء في الجواهر (42: 343): و كذا (يشترط في جواز الاقتصاص) فيه ما يشترط في قصاص النفس من انتفاء الأُبوّة و من (التساوي في الإسلام و الحرية أو يكون المجني عليه أكمل) كما عرفت سابقاً من أنّ من لا يقتصّ منه في النفس لا يقتصّ منه في الأطراف بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك بل و لا إشكال، بل عن صريح الغنية و ظاهر غيرها الإجماع عليه، بل هو محصّل، مضافاً إلى ما في النصوص السابقة من ظهور اعتبار التساوي في الحرّية في القصاص طرفاً و نفساً: كقوله (عليه السّلام) في أُمّ الولد: (يقاصّ منها للمماليك و لا قصاص بين الحرّ و العبد) بل و غير الحرّية ممّا تقدّم سابقاً كما هو واضح.

33

خمس عشر سنة هلاليّة، و الصبيّة بعد إكمال تسع سنوات) (1).

2 العقل: فلا قصاص على المجنون لحديث الرفع أيضاً، فإنّ القلم مرفوع عنه حتّى يفيق.

3 الاختيار: فإنّ المضطرّ و المكره مرفوع عنهما القلم لحديث الرفع.

4 العلم بالموضوع: بأنّ اليد مثلًا محترمة في الإسلام فلا يجوز التعدّي عليها.

5 العلم بالحكم: بأنّه لا يجوز قطع يد المسلم من دون موجبات القطع.

6 التساوي في محلّ القصاص (2): ذكره العلّامة، فلو قطع اليد اليمنى، فإنّه‌

____________

(1) هذا المعنى لم يذكره سيّدنا الأُستاذ (قدس سره).

و قد ثبت عندنا ذلك في مباحثنا الفقهيّة (درس الخارج) في الاجتهاد و التقليد، كما سيطبع قريباً إن شاء اللّٰه تعالى من قبل بعض أجلّاء الحضور.

(2) في مسالك الأفهام (2: 483) يعتبر أيضاً المماثلة في المحلّ، فإنّها معتبرة في القصاص و هي في الطرف بمثابة الكفاة التي تطلق في النفس، فلا يقابل طرف بطرف من غير جنية كاليد و الرجل و العين و الأنف، و إذا اتّحد الجنس لم يؤثر التفاوت في الصغر و الكبر و الطول و القصر و القوّة و الضعف و الضخامة و النحافة، كما لا يعتبر مماثلة النفسين في هذه الأُمور و السرّ في ذلك أنّ مماثلة النفوس و الأطراف في ذلك لا يكاد يتّفق و في اشتراطها إبطال مقصود القصاص و على هذا فلا يقطع اليمنى باليسرى و بالعكس، و كذلك في الرجل و العين و الاذن و غيرها، و استثني من ذلك ما إذا قطع يمينه فلم يكن للقاطع يمين فإنّه يقطع يسراه فإن لم يكن له يسار قطعت رجله، و مستند الحكم رواية حبيب السجستاني .. و الرواية صحيحة السند إلى حبيب المذكور أمّا هو نصّ على توثيقه فإطلاق جماعة من الأصحاب صحّة الرواية مدخول أو محمول على الصحّة الإضافيّة كما تقدّم في نظائره و هذا هو السرّ في نسبة المصنّف الحكم إلى الرواية من غير ترجيح له، و لكن عمل بمضمونها الشيخ و الأكثر و ردّها ابن إدريس و حكم بالدية بعد قطع اليدين و هو أقوى، لأنّ قطع الرجل باليد على خلاف الأصل فلا بدّ له من دليل صالح و هو منفي، و في قوله تعالى أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ الآية ما يدلّ على اعتبار المماثلة، و الرجل ليست مماثلة لليد، نعم يمكن تكلّف مماثلة اليد و إن كانت يسرى لليمنى لتحقّق أصل المماثلة في الحقيقة و إن تغايرا من وجه.

34

يقتصّ منه في يمينه، فيشترط الاتّحاد في المحلّ.

7 التساوي بالمساحة في الشجاج طولًا و عرضاً (1).

8 الاتّحاد في الأصالة و التبعيّة: مثلًا لو كان للمجني عليه إصبع زائد من دون الأصلي، فقطعه الجاني، و هو سليم اليدين من الزيادة، فلا يقتصّ منه، لأنّ أصابعه أصليّة، و ما قطع من المجني عليه زائدة فرعيّة. فيتدارك حينئذٍ بالدية، بالمراجعة إلى أهل الخبرة في هذا المقام، و خير طريق في حقّ الناس المصالحة.

9 التساوي في السلامة: فلو كانت يد المجني عليه شلّاء، فقطعها الجاني و يده‌

____________

(1) في المسالك (2: 483) و يعتبر التساوي بالمساحة في الشجاج: الكلام في قصاص الشجّة في الرأس من الموضحة و غيرها في المساحة و المحلّ، أمّا الثاني فسيأتي و أمّا المساحة فمرعية طولًا و عرضاً، فلا يقابل ضيقه بواسعه، و لا يقنع بضيقه عن واسعه، أمّا العمق فغير معتبر، لأنّ المعتبر اسم الشجّة و التساوي في قدر العرض قليلًا ما يتّفق خصوصاً مع اختلاف الرؤوس في السمن و الضعف و غلظ الجلد و رقّته فيقطع النظر عنه قليلًا كما يقع النظر عن الصغر و الكبر في الأطراف، و ذهب بعض الشافعية إلى اعتبار التساوي في العمق أيضاً.

35

سالمة، فإنّه لا يقتصّ منه، بل يتدارك ذلك بالدية، و يتمّ بالصلح، فإنّ الأدلّة تنصرف إلى السالمة إلّا في موارد مذكورة في كتاب الديات.

10 المساواة في الحرية: فلا يقتصّ من الحرّ بالعبد.

11 التساوي في الدين: فلا يقتصّ من المسلم بالكافر (1).

12 انتفاء الأبوّة: أن لا يكون الجاني أباً للمجني عليه، فإنّه لا يقتصّ من الوالد بولده كما مرّ بيان ذلك بالتفصيل في قصاص النفس، فكذلك في قصاص الطرف لوحدة الملاك و مقتضى الاحتياط الصلح بالدية.

و لا يخفى أنّ الأب يطلق مجازاً على غير الأب الحقيقي و هو المولّد حقيقة، فيقال الآباء ثلاثة: أب ولّدك، و أب زوّجك، و أب علّمك و هو أفضلهم، و كذلك يطلق على الأب الرضاعي كلمة الأب، و القاعدة التي تقول: (لا يقتل الوالد بولده) إنّما المقصود من الوالد هو الأوّل أي أبٌ ولّدك صاحب الفراش و الآخذ بالساق، و ذلك للانصراف و للتصريح بذلك في الروايات، ثمّ ظهورها في الأب بلا واسطة، لا سيما في قوله: (أبٌ ولّدك) فلا يشمل الجدّ إلّا من باب الملاك إن كان و ثبت ذلك.

و إنمّا لا يقتصّ من الولد بولده تمسّكاً بالإجماعات بقسميها المحصّل و المنقول و الشهرة الفتوائيّة، و هما كما مرّ منّا تكراراً لا يعتمد عليهما على نحو‌

____________

(1) كشف اللثام (2: 470) من الشرائط الثاني: التساوي بين الجاني و المجني عليه في الإسلام و الحرية و يكون المجني عليه أكمل، لما عرفت من أنّ من لا يقتصّ منه في النفس لا يقتصّ منه في الأطراف، فيقتصّ للمسلم من المسلم و الذمّي و للذمّي من الذمّي و الحربي خاصّة، و لا يقتصّ له من المسلم بل يجب له الدية إن جنى عليه مسلم.

36

الدليل المستقلّ، إنّما الدليل في المقام هو عموم روايات (لا يقتصّ الوالد بولده) كما مرّ في الجزء الأوّل من هذا الكتاب و ذلك في النفس، إلّا أنّه من باب وحدة الملاك يجري الحكم في قصاص الطرف أيضاً، و بنظري لا يخلو ذلك من إشكال.

و أمّا الروايات: فمنها لظريف بن ناصح المدني الكوفي ثمّ البغدادي في منتهى الوثاقة، كما إنّ الرواة بينه و بين أصحاب الكتب الأربعة المحامد الثلاثة من المعتبرين، و إنّه يروي كثيراً في الديات و القصاص عن أمير المؤمنين علي (عليه السّلام)، و قد أيّد كتابه مولانا الإمام الرضا (عليه السّلام).

و روايته في المقام: (و قضى أنّه لا قود لرجل أصابه والده) اجتمعت فيها جهات الحجّية، فلا معارض لها، كما لم تخالف حكماً عقلياً، و لم تصدر للتقيّة، و صحّ السند و تمّت الدلالة، فيكفينا أمثال هذه الرواية في إثبات المدّعى، بأنّه لا يقتصّ من الوالد بولده (1).

____________

(1) الوسائل 19: 58، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، و في الباب 11 رواية، الحديث 10، و بإسناده إلى كتاب ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: و قضى أنّه لا قود لرجلٍ أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه ما أصابه عيبه من قطع و غيره، و يكون له الدية، و لا يقاد. و رواه الصدوق و الشيخ كما يأتي.

أقول: ظريف بن ناصح كما في نتائج التحقيق لشيخنا المامقاني (قدس سره): ثقة و جاءت ترجمته برقم (5984) 2: 111، الطبعة الحجريّة، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الباقر (عليه السّلام)، له كتاب الديات أصله كوفي نشأ ببغداد بياع الأكفان و كان ثقة في حديثه صدوقاً، و عدّه الحاوي في قسم الثقات و وثّقه في الوجيزة و البلغة أيضاً، فالرجل مسلّم الوثاقة.

37

و أمّا أنّه لا يقتصّ من الحرّ بالعبد (1)، فقيل للإجماع و الشهرة و هما كما ترى، و للروايات في هذا المقام و هي العمدة.

عن ابن محبوب عن أبي ولّاد الحنّاط أي يبيع الحنطة قال: سألت‌

____________

(1) مباني تكملة المنهاج (2: 145): بلا خلاف و لا إشكال بين الأصحاب قديماً و حديثاً، و تدلّ على ذلك صحيحة أبي ولّاد الحنّاط .. فهي تدلّ على أنّ المكاتب الذي تحرّر مقدار منه لا يقتصّ بالعبد فضلًا عن الحرّ، و معتبرة السكوني عن أبي جعفر عن أبيه عن علي (عليه السّلام) .. و تؤيّد ذلك رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في حديث أُمّ الولد قال: و يقاصّ منها للمماليك و لا قصاص بين الحرّ و العبد.

كشف اللثام (2: 470): و يشترط التساوي حريةً أو رقّاً أو كون المجني عليه أكمل، و لذا يقتصّ للحرّ من العبد و له استرقاقه إن ساوت قيمته دية الجناية أو قصرت أو زادت و ساوى أرش الجناية دية النفس كما في جنايته على النفس و له استرقاقه بما قابلها إن زادت عليها و لم يساو أرشها دية النفس الجاني و الخيار في ذلك للمجني عليه و لا خيار للمولى فليس له افتكاكه إذا أراد المجني عليه استرقاقه كلا أو بعضاً إلّا برضاه كما في قتل النفس، خصوصاً إذا ساوت قيمة الجاني دية المجني عليه لاستلزامه تساوي عضو الجاني و المجني عليه في القيمة .. و للبحث صلة فراجع.

و في إيضاح الفوائد (4: 633) و يقتصّ للحرّ من العبد و له استرقاقه إن ساوت قيمته الجناية أو قصرت و ما قابلها إن زادت و لا خيار للمولى و لا يقتصّ للعبد من الحرّ و يقتصّ للعبد من مثله لا من المكاتب إذا تحرّر بعضه و يقتصّ له من المدبّر و أُمّ الولد و لمن انعتق منه أكثر القصاص من الأقلّ و المساوي، و يشترط التساوي في القيمة أو نقص الجاني فإن زادت قيمة الجاني لم يكن للمولى الآخر الاقتصاص إلّا بعد ردّ التفاوت.

38

أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن مكاتب اشترط عليه مولاه حين كاتبه جنى إلى رجل جناية فقال: إن كان أدّى من مكاتبته شيئاً، غرم في جنايته بقدر ما أدّى من مكاتبته للحرّ إلى أن قال: و لا تقاصّ بين المكاتب و بين العبد ..) (1).

و رواية مسمع بن عبد الملك (2)، و رواية الصفّار عن السكوني (جراحات العبد على نحو جراحات الأحرار في الثمن) (3)، و هناك روايات اخرى تدلّ على‌

____________

(1) الوسائل 19: 78، الباب 46 حكم القصاص بين المكاتب و العبد و بينه و بين الحرّ و حكم ما لو أُعتق نصفه، و في الباب روايتان: الحديث 1 محمّد بن يعقوب عن محمّد ابن يحيى عن أحمد بن محمّد و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه جميعاً عن ابن محبوب عن أبي ولّاد الحنّاط قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن مكاتب اشترط عليه مولاه حين كاتبه جنى إلى رجل جناية، فقال: إن كان أدّى من مكاتبته شيئاً غرم في جنايته بقدر ما أدّى من مكاتبته للحرّ إلى أن قال-: و لا تقاصّ بين المكاتب و بين العبد إذا كان المكاتب قد أدّى من مكاتبته شيئاً، فإن لم يكن قد أدّى من مكاتبته شيئاً فإنّه يقاصّ العبد به، أو يغرم المولى كلّ ما جنى المكاتب لأنّه عنده ما لم يؤدّ من مكاتبته شيئاً.

(2) الوسائل 19: 76، الباب 43، الحديث 1 محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن نعيم بن إبراهيم عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال: أُمّ الولد جنايتها في حقوق الناس على سيّدها، و ما كان من حقوق اللّٰه عزّ و جلّ في الحدود فإنّ ذلك في بدنها، قال: و يقاصّ منها للمماليك و لا قصاص بين الحرّ و العبد. و رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب.

(3) الوسائل 19: 126، الباب 5 من أبواب قصاص الطرف، حكم جراحات المماليك، الحديث 1 محمّد بن الحسن بإسناده عن الصفّار عن إبراهيم بن هاشم عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ (عليهم السّلام) قال: جراحات العبيد على نحو جراحات الأحرار في الثمن.

أقول: و يأتي ما يدلّ على ذلك.

39

المطلوب، قد اجتمعت فيها شرائط العمل بالخبر الموثّق، فلا يجوز قصاص الحرّ بالعبد، خلافاً لكثير من العامّة.

و أمّا المماثلة و التساوي في الدين، أي لا يقتصّ من المسلم بالكافر (1)، فللروايات الدالّة على ذلك. و ادّعي الإجماع و الشهرة أيضاً.

فمن الروايات خبر محمّد بن قيس، و هو من حواري الإمام الباقر (عليه السّلام) (2)، قال: لا يقاد مسلم بذمّي في القتل، و لا في الجراحات.

____________

(1) و في السرائر (3: 403) فإن جرح ذمّي مسلماً أو قطع شيئاً من جوارحه كان عليه أن يقطع جوارحه إن كان قطع، أو يقتصّ منه إن كان جرح، و يرد مع ذلك فضل ما بين الديتين، فإن جرحه المسلم كان عليه أرشه بمقدار ديته التي ذكرناها. و روى أنّه إن كان معتاداً لذلك جاز للإمام أن يقتصّ منه لأولياء الذمّي بعد أن يردّوا عليه فضل ما بين الدّيتين.

(2) الوسائل 19: 127، الباب 8 من أبواب قصاص الطرف، إنّه لا قصاص على المسلم إذا جرح الذمّي و عليه الدية، الحديث 1 محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: لا يقاد مسلم بذمّي في القتل و لا في الجراحات، و لكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم.

أقول: و تقدّم ما يدلّ على ذلك، و تقدّم ما ظاهره المنافاة و أنّه محمول على المعتاد.

40

ربما يقال هناك رواية أبي بصير (2) يستشمّ منها معارضتها لرواية محمّد بن قيس، ففيها: (سألته عن ذمّي قطع يد مسلم .. خُيّر أولياء المعاهد فإن شاؤوا أخذوا دية يده، و إن شاؤوا قطعوا يد المسلم).

فقيل في جوابها: إنّها مضمرة، فلا تقاوم الاولى سنداً لضعفها بالإضمار، و لكن ليس كلّ إضمار يدلّ على الضعف، فإنّ أبا بصير كان من العلماء الأعلام في عصره، و مثله لا يسأل إلّا من الإمام (عليه السّلام) كمحمّد بن مسلم و زرارة عليهم الرحمة، فالسند تامّ في ظاهره.

و قيل: قد أعرض الأصحاب عن الثانية، و إعراضهم يدلّ على وهنها، (و لكن ليس كلّ إعراض يدلّ على الوهن، بل ما كان من المعاصرين للأئمة الأطهار العارفين بذوقهم (عليهم السّلام)) (1).

و قيل: رواية أبي بصير تحتمل التقيّة، فلا يعمل بها، فإنّ من العامّة من يقول‌

____________

(2) الوسائل 19: 138، الباب 22 حكم القصاص في الأعضاء و الجراحات بين المسلمين و الكفّار و الرجال و النساء و الأحرار و المماليك و الصبيان، و في الباب 3 روايات، الحديث 1 محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن عيسى عن يونس عن حريز و ابن مسكان عن أبي بصير، قال: سألته عن ذمّي قطع يد مسلم، قال: تقطع يده إن شاء أولياؤه و يأخذون فضل ما بين الديتين، و إن قطع المسلم يد المعاهد خيّر أولياء المعاهد فإن شاؤوا أخذوا دية يده، و إن شاؤوا قطعوا يد المسلم و أدّوا إليه فضل ما بين الديتين، و إذا قتله المسلم صنع كذلك.

أقول: تقدّم الوجه فيه و أنّه مخصوص بالمعتاد لذلك انتهى كلامه.

(1) هذا المعنى لم يذكره سيّدنا الأُستاذ (قدس سره).

41

بقصاص المسلم بالكافر، و لكن عندنا صدور الخبر للتقيّة يشترط فيه أن يكون موافقاً للفتوى الرسمي عند الطغمة الحاكمة عند صدور الرواية، بأن تصدر الرواية موافقة و مطابقة لفتوى الحكومة الجائرة، فيعلم أنّها صدرت للتقيّة، و أنّى إثبات ذلك؟

و قيل: إنّما نطرح رواية أبي بصير إذ لم يفت بمضمونها فقهيّا، فكيف تعارض الطائفة الأُولى فنطرحها عملًا، و نرد علمها إليهم (عليهم السّلام) فهم أعرف بما قالوا، كما أدّبونا بذلك.

و قيل: تحمل الرواية على محامل جمعاً بين الأخبار و الجمع مهما أمكن أولى من الطرح إلّا أنّ المحامل عندنا مخدوشة. فمنهم كصاحب الوسائل حملها على أنّ الجاني المسلم كان معتاداً للقطع كما ذهب إليه الشيخ، إلّا أنّه لا شاهد عليه من كتاب أو سنّة قطعيّة أو عقل فطري سليم.

و منهم من حمل المسلم على المسلم في الظاهر المحكوم عليه بالكفر كالنواصب و الخوارج، فيكون الكافر قد قطع يد كافر، فيقتصّ منه به، و لكن هذا يحتاج إلى شاهد و قرينة، و أنّى لهم بذلك؟

و منهم: من أراد أن يتصرّف في كلمة (الولي) بأنّ المراد منه الوليّ المطلق و هو اللّٰه سبحانه و تعالى، أو من نصبه اللّٰه سبحانه و هو المعصوم من النبيّ أو الإمام (عليهما السّلام)، فإنّهما أولى بالمؤمنين من أنفسهم، (و هذا بعيد جدّاً) (1).

____________

(1) لم يذكر سيّدنا الأُستاذ هذا المعنى، إلّا أنّ الظاهر ذلك، فهذا الوجه أبعد من الوجهين الأوّلين، فأنّى لهم الشاهد عليه.

42

تنبيهات

كما هو الديدن نذكر هنا تنبيهات نافعة إن شاء اللّٰه تعالى:

الأوّل هل المراد من الكافر عموم الكفّار أو بعضهم دون بعض؟

الظاهر أنّ الكفر ملّة واحدة، فالمراد عموم الكفّار، فلو قطع المسلم يد اليهودي أو النصراني أو غيرهما فإنّه لا يقتصّ منه، و إنّه يقتصّ من اليهودي للنصراني و بالعكس.

الثاني هل المراد من المسلم عموم المسلمين؟

الظاهر عموم ذلك، فيشمل كلّ من قال بالشهادتين التوحيد و النبوّة إلّا الفرق المحكومة عليهم بالكفر (1) كالغلاة و النواصب و الخوارج، و عند الشكّ في الاختصاص نجري أصالة العدم.

____________

(1) لقد ذكرت تفصيل ذلك في كتاب (زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار) المطبوع في موسوعة رسالات إسلاميّة، المجلّد الثاني، فراجع.

43

الثالث قال المحقّق الحلّي (قدس سره) في بيان شرائط جواز الاقتصاص (أن يكون المجني عليه أكمل)

(1) أي يشترط في جواز الاقتصاص الأُمور الثلاثة: التساوي في‌

____________

(1) و لا بأس أن أذكر هنا ما جاء في السرائر (3: 412) من المطالب العامّة و المفيدة، قال: و الأطراف كالأنفس، فكلّ نفسين جرى القصاص بينهما في الأنفس جرى بينهما في الأطراف سواء اتّفقا في الدية أو اختلفا فيها كالحرّين و الحرّتين و الحرّ و الحرّة و العبدين و الأمتين و العبد و الأمة و الكافرين و الكافرتين و الكافر و الكافرة، و يقطع أيضاً الناقص بالكامل، دون الكامل بالناقص، و كلّ شخصين لا يجري القصاص بينهما في الأنفس كذلك في الأطراف، كالحرّ و العبد و الكافر و المسلم طرداً و عكساً إلّا أنّه إذا اقتصّ للحرّة من الرجل الحرّ في الأطراف ردّت فاضل الدية على ما قدّمناه في ما مضى و شرحناه.

ثمّ قال في (الصفحة 415) القصاص في ما دون شيئان: جرح يشقّ و عضو يقطع، فأمّا العضو الذي يقطع فكلّ عضو ينتهي إلى مفصل كاليد و الرجل ففي كلّها القصاص، لأنّ لها حدّا ينتهى إليه، و إنّما يجب القصاص فيها بثلاث شروط: التساوي في الحرّية أو يكون المجني عليه أكمل، و الثاني الاشتراك في الاسم الخاصّ يمين بيمين و يسار بيسار، فإنّه لا تقطع يمين بيسار و لا يسار بيمين، و الثالث السلامة فإنّا لا نقطع اليد الصحيحة باليد الشلّاء، فأمّا غير الأطراف من الجراح التي فيها القصاص و هو ما كان في الرأس و الوجه لا غير فإنّ القصاص يجب فيها بشرط واحد و هو التكافؤ في الحرّية أو يكون المجني عليه أكمل. و أمّا التساوي في الاسم الخاصّ فهذا لا يوجد في الرأس لأنّه ليس له رأسان و لا السلامة من الشلل فإنّ الشلل لا يكون في الرأس. و القصاص في الأطراف و الجراح في باب الوجوب سواء، و إنّما يختلفان من وجه آخر، و هو أنّا لا نعتبر المماثلة في الأطراف بالقدر من حيث الكبر و الصغر، و نعتبره في الجراح بالمساحة و الفصل بينهما أنّا لو اعتبرنا المماثلة في الأطراف في القدر و المساحة أفضى إلى سقوط القصاص فيها، لأنّه لا يكاد يدان يتّفقان في القدر، و ليس كذلك الجراح، لأنّه يعرف عرضه و طوله و عمقه، فيستوفيه بالمساحة فلهذا اعتبرناها بالمساحة فبان الفصل بينهما. و جملته أنّا نعتبر في القصاص المماثلة، و ننظر إلى طول الشجّة و عرضها فأمّا الأطراف فلا نعتبر فيها الكبر و الصغر بل تؤخذ اليد الغليظة بالدقيقة و السمينة بالهزيلة و لا يعتبر المساحة لما تقدّم، و إنّما يعتبر الاسم مع السلامة و مع التكافؤ في الحرّية، قال اللّٰه تعالى وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ فاعتبر الاسم فقط فلهذا رعيناه. فإذا ثبت ذلك فالقصاص يجوز من الموضحة قبل الاندمال عند قوم، و قال قوم لا يجوز إلّا بعد الاندمال و هو الأحوط، و الذي وردت الأخبار به عندنا، لأنّها ربما صارت نفساً. انتهى كلامه رفع اللّٰه مقامه.

44

الإسلام و الحرية و أن يكون المجني عليه أكمل، و عبارة المحقّق هكذا: (يشترط في جواز الاقتصاص التساوي في الإسلام و الحرّية أو يكون المجني عليه أكمل) أي يكفي إحدى الأُمور الثلاثة الاشتراك في الحرية و الدين و الأكمليّة، حتّى لو لم تكن بعض الشرائط متوفّرة، و قد بحثت عن وجه التفصيل في الأكمل فلم أجد شيئاً يشفي الغليل.

و عند الأُصوليين و علماء البلاغة أنّ حذف المتعلّق يفيد العموم، فقوله بالأكمل من دون ذكر المتعلّق يفيد العموم كالأكمليّة من حيث الذكوريّة و الأُنوثيّة، و من حيث الجسد، و من جهة الورع و التقوى و تهذيب الأخلاق، و غير ذلك كالعلم و الشجاعة و الحرية، و هذا العموم لا يراد به قطعاً، و المذكور في كتب الأصحاب‌

45

الذكوريّة و الأُنوثيّة، فالمجني عليه لو كان من الذكور و الجاني من الإناث فهل يقتصّ منها مطلقاً أو يقال بالتفصيل؟ و هذا يعني أنّ المراد من الأكمليّة من جهة الذكورة و الأُنوثة، لا كلّ ما يخطر على البال من عناوين الكمال، فتأمّل.

الرابع كيف يقتصّ من المرأة للرجل [في جناية الطرف]

(1) في جناية الطرف؟

____________

(1) جاء هذا المعنى في الجواهر (42: 344): و حينئذ (فيقتصّ) فيه في الطرف- (للرجل من) الرجل بل و من (المرأة و لا يؤخذ) له (الفضل) على نحو ما سمعته في النفس (و يقتصّ لها منها) و من الرجل و لكن (بعد ردّ التفاوت في النفس و الطرف) كما تقدّم الكلام في ذلك كلّه مفصّلًا، بل و في تساوي ديتهما ما لم تبلغ ثلث دية الحرّ، ثمّ يرجع إلى النصف فيقتصّ لها منه مع ردّ التفاوت في ما تجاوز ثلث دية الرجل، و لا ردّ في ما نقص عن الثلث و في ما بلغه خلاف، فلاحظ و تأمّل انتهى كلامه رفع اللّٰه مقامه.

و في تكملة المنهاج 2: 150، مسألة 162: إذا جنت المرأة على الرجل اقتصّ الرجل من المرأة من دون أخذ شي‌ء منها، و إن جنى الرجل على المرأة اقتصّت المرأة منه بعد ردّ التفاوت إليه إذا بلغت دية الجناية الثلث تدلّ على ذلك عدّة روايات، منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في حديث قال: جراحات الرجال و النساء سواء .. و منها معتبرة ابن أبي يعفور .. و منها: صحيحة الحلبي الثانية قال: سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن جراحات الرجال و النساء في الديات و القصاص: السنّ بالسنّ و الشجّة بالشجّة و الإصبع و الإصبع سواء، حتّى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا جازت الثلث صيرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية، و دية النساء ثلث الدية) بقي هنا شي‌ء و هو أنّ ظاهر بعض الروايات هو تساوي المرأة و الرجل في الدية فيما بلغت الجناية الثلث أيضاً، و يختصّ تضعيف دية الرجل على دية المرأة بما إذا جازت الدية الثلث و لكنّك ستعرف أنّها لا بدّ من رفع اليد عنها بمعارضتها لما دلّ على التضعيف فيما بلغ الثلث فيرجع إلى عموم ما دلّ على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل و إن جنى الرجل على المرأة اقتصّت المرأة منه بعد ردّ التفاوت إليه إذا بلغت دية الجناية الثلث، و إلّا فلا، فلو قطع الرجل إصبع المرأة جاز لها قطع إصبعه بدون ردّ شي‌ء إليه، و لو قطع يدها جاز لها قطع يده بعد ردّ نصف دية يده إليه تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) .. و لا تعارضها موثّقة زيد بن علي عن آبائه (عليهم السّلام) فإنّها رواية شاذّة لا عامل بها و معارضة بالروايات المتقدّمة، و لظاهر الكتاب وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ .. فتطرح لا محالة و من الغريب أنّ الشيخ حملها في الاستبصار على نفي التساوي في القصاص بين الرجل و المرأة، و ذلك لأنّه على ما ذكره (قدس سره) لا يصحّ الاستثناء كما هو ظاهر.

و في تحرير الوسيلة 2: 540، مسألة 3 لا يشترط التساوي في الذكورة و الأُنوثة فيقتصّ فيه للرجل من الرجل و من المرأة من غير أخذ الفضل، و يقتصّ للمرأة من المرأة و من الرجل لكن بعد ردّ التفاوت فيما بلغ الثلث كما مرّ.

و في جامع المدارك (7: 270): و أمّا الاقتصاص للرجل من المرأة بلا ردّ التفاوت، و الاقتصاص للمرأة من الرجل مع ردّ التفاوت فيما زاد على الثلث، فتدلّ عليه عدّة روايات، منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) .. و منها معتبرة ابن أبي يعفور .. و منها صحيحة الحلبي الثانية ..

و هل التنصيف بعد بلوغ الدية الثلث و التجاوز عن الثلث أو قبل التجاوز؟ قد مرّ الكلام فيه فيما سبق.

و في رياض المسائل (2: 524): و لا يشترط التساوي في الذكورة و الأُنوثة (بل يقتصّ للرجل من المرأة، و لا ردّ للمرأة عن الرجل مع الردّ فيما زاد عن الثلث) أو بلغه على الخلاف المتقدّم هو مع نقل الإجماع و النصوص المستفيضة على ثبوت أصل التقاصّ بينهما في بحث الشرط الأوّل من شرائط القصاص الخمسة فلا وجه للإعادة.

و في كشف اللثام (2: 470): و لا يشترط التساوي في الذكورة و الأُنوثة بل يقتصّ للرجل من مثله و من المرأة و لا يرجع بالتفاوت مطلقاً نقصت دية العضو عن الثلث أو زادت، و يقتصّ للمرأة من مثلها و من الرجل بعد ردّ التفاوت فيما تجاوز ثلث دية الرجل، و لا ردّ فيما نقص عن الثلث و فيما بلغ الثلث خلاف، و قد مضى جميع ذلك.

و في إيضاح الفوائد (4: 633): و يقتصّ للرجل من مثله و من المرأة و لا يرجع بالتفاوت مطلقاً و للمرأة من مثلها و عن الرجل بعد ردّ التفاوت فيما تجاوز ثلث دية الرجل و لا ردّ فيما نقص عن الثلث.

و في السرائر (3: 390): و المرأة تقاصص الرجل فيما تساويه في ديته من الأعضاء و الجوارح و الأسنان و لا قصاص بينهما و بينه فيما زاد على ذلك لكنّها تستحقّ به الأرش و الديات، هكذا أورده شيخنا المفيد في مقنعته. و الذي يقتضيه الأدلّة و يحكم بصحّته أُصول مذهبنا أنّ لها القصاص، فيما تساويه و فيما لا تساويه، غير أنّ فيما تساويه لا تراد إذا اقتصت و فيما لا تساويه تردّ فاضل الدية، و تقتصّ حينئذٍ لأنّ إسقاط القصاص بين الأحرار المسلمين يحتاج إلى دليل شرعي، و لا دليل على ذلك بل القرآن و الإجماع منعقد على ثبوته.

و إلى ما حرّرناه يذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّٰه) في الجزء الثالث من استبصاره في باب حكم الرجل إذا قتل امرأة، و هو الصحيح الذي يقتضيه الأدلّة و لم يخالف فيه سوى من ذكرته و هو معلوم العين.% 307- 3% و في السرائر (3: 403): و يقتصّ للرجل من المرأة و للمرأة من الرجل، و يتساوى جراحتهما ما لم تتجاوز ثلث الدية، فإن بلغ ثلث الدية نقصت المرأة و زيد الرجل. و إذا جرح الرجل المرأة بما يزيد عن الثلث و أرادت المرأة أن تقتصّ منه كان لها ذلك، إذا ردّت عليه فضل ما بين جراحتهما. و إن جرحت المرأة الرجل و أراد أن يقتصّ منها لم يكن له عليها، أكثر من جراحة مثلها أو المطالبة بالأرش على التمام من ديته، مع تراضيهما لذلك، و إلّا فلا يستحقّ عليها سوى القصاص.

و في الصفحة 389: و المرأة تساوي الرجل في جميع ما قدّمناه من ديات الأعضاء و الجوارح حتّى تبلغ ثلث دية الرجل، فإذا بلغتها رجعت إلى النصف من ديات الرجال. و للبحث صلة فراجع.

و في المقنعة (الصفحة 714): و المرأة تقاصّ الرجل فيما تساويه في ديته من الأعضاء و الجوارح و الأسنان و لا قصاص بينها و بينه فيما زاد على ذلك لكنّها تستحقّ به الأرش و الديات.

و أمّا في كتب أبناء العامّة فقد جاء في (الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري 5: 287): القصاص بين الرجل و المرأة فيما دون النفس: الشافعية و المالكية و الحنابلة قالوا: يجوز القصاص بين الرجال و النساء فيما دون النفس فقد اعتبروا الأطراف بالنفوس لأنّها تابعة للنفوس، فكما يجري القصاص بين الرجال و النساء في النفوس بالإجماع فكذلك يجري القصاص بينهم في الأطراف لكونها تابعة لها، بل القصاص في الأطراف أحرى و أولى، و لقوله تعالى وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما قال: تقتل النفس بالنفس و تفقأ العين بالعين و يقطع الأنف بالأنف و تنزع السنّ بالسنّ و تقتصّ الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم و نساؤهم إذا كان عمداً في النفس، و ما دون النفس و يستوي فيه العبيد رجالهم و نساؤهم إذا عمداً في النفس و ما دون النفس، رواه ابن جرير و ابن أبي حاتم. الحنابلة في باقي قولهم: إنّ الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها إلّا أن يدفع وليّها إلى أوليائه نصف الدية لأنّ ديتها على النصف من دية الرجل. الحنفية قالوا: لا قصاص بين الرجل و المرأة فيما دون النفس و لا بين الحرّ و العبد و لا بين العبيد لأنّ الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، فينعدم التماثل بالتفاوت في القيمة و التفاوت معلوم قطعاً بتقويم الشرع، فإنّ الشرع قوم اليد الواحدة للحرّ بخمسمائة دينار قطعاً و يقيناً، و لا تبلغ يد العبد إلى ذلك، فإن بلغت كانت بالحزر و الظنّ فلا تكون مساوية ليد الحرّ يقيناً، فإذا كان التفاوت معلوماً قطعاً أمكن لنا اعتباره بخلاف التفاوت في البطش لأنّه لا ضابط له فاعتبر أصله. و قد سلكنا بالأطراف مسلك الأموال لأنّها خلقت وقاية للأنفس كالمال فالواجب أن يعتبر التفاوت المالي مانعاً مطلقاً. و الآية الكريمة و إن كانت عامّة في جميع الأطراف من غير تفاوت لكن قد خصّ منها الحربي و المستأمن و النصّ العامّ إذا خصّ منه شي‌ء يجوز تخصيصه بخبر الواحد، فخصّصوه بما روي عن عمران بن حصين أنّه قال: قطع عبدٌ لقوم فقراء اذنَ عبدٍ لقوم أغنياء فاختصموا إلى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه (و آله) و سلم فلم يقضِ بالقصاص، و قيل: إنّ الآية المذكورة آية القصاص يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ و القصاص ينبئ عن المماثلة فالمراد بما في الآية المذكورة، ما يمكن فيه المماثلة لا غير.

و في صحيح البخاري (6: 2524) باب القصاص بين الرجال و النساء في الجراحات: و قال أهل العلم: يقتل الرجل بالمرأة. و يذكر عن عمر: تقاد المرأة من الرجل في كلّ عمد يبلغ نفسه فما دونها من الجراح و به قال عمر بن عبد العزيز و إبراهيم و أبو الزناد عن أصحابه و جرحت أُخت الربيع إنساناً فقال النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله): القصاص.

و في الفقه الإسلامي و أدلّته (6: 359): دية جراح المرأة: للفقهاء رأيان في تقدير ديات جراح المرأة: 1 فقال الحنفية و الشافعية: الجناية على ما دون النفس في المرأة تقدر بحسب ديتها، و بما أنّ دية المرأة نصف دية الرجل، فتكون جراحها و شجاجها نصف جراح الرجل و شجاجه، إلحاقاً بجرحها بنفسها. 2 و قال المالكية و الحنابلة: دية جراح المرأة كدية جراح الرجل فيما دون ثلث الدية كاملة، فإن بلغت الثلث أو زادت عليها رجعت إلى نصف دية الرجل و على هذا إن قطعت إصبع المرأة ففيها عشر من الإبل و إن قطعت ثلاث إصبع ففيها ثلاثون من الإبل، فإن قطع أربعة أصابع ففيها عشرون من الإبل. و دليلهم ما روى النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): (عقل المرأة مثل عقل الرجل حتّى يبلغ الثلث من ديتها) و روى سعيد بن منصور عن ربيعة قال: قلت لسعيد بن المسيّب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: لمّا عظمت مصيبتها قلّ عقلها؟ قال سعيد: هكذا السنّة يا ابن أخي. و يضيف البيهقي جواباً على اعتراض ربيعة قول ابن المسيّب: أ عراقيّ أنت؟ قال ربيعة: عالم متثبّت أو جاهل متعلّم. قال: يا ابن أخي، إنّها السنّة. انتهى كلامه.

50

لقد جاء في الأحاديث الشريفة (1): أنّ جراحات النساء و الرجال سواء،

____________

(1) الوسائل 19: 122، باب 1 من أبواب قصاص الطرف ثبوت القصاص بين الرجل و المرأة في الأعضاء و الجراحات حتّى تبلغ ثلث الدية فتضاعف دية الرجل، و في الباب أربع روايات، الحديث 1 محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في حديث قال: جراحات الرجال و النساء سواء: سنّ المرأة بسنّ الرجل، و موضحة المرأة بموضحة الرجل، و إصبع المرأة بإصبع الرجل حتّى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية ضعفت دية الرجل على دية المرأة. و رواه الشيخ بإسناده عن عليّ بن إبراهيم مثله.

51

و هذا التساوي ليس في المقدار، إنّما هو باعتبار أصل القصاص في الجناية العمديّة. لهذا يقال: سنّ الرجل بسنّ المرأة، و موضّحة المرأة بموضحة الرجل، و هكذا حتّى تبلغ الجراحات ثلث الدية.

فمن الروايات الشريفة: رواية الحلبي، و السؤال فيها عن الجراحات في النساء و الرجال، و أُخرى عنه (1) في فقإ العين، و رواية المقنع (2) للشيخ الصدوق عليه‌

____________

(1) الوسائل 19: 124، باب 2 حكم رجل فقأ عين امرأة، و امرأة فقأت عين رجل، الحديث 1 محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه و عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد جميعاً عن ابن محبوب عن عليّ بن رئاب عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) أنّه قال في عبد جرح حرّة فقال: إن شاء الحرّ اقتصّ منه، و إن شاء أخذه إن كانت الجراحة تحيط برقبته، و إن كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه، فإن أبى مولاه أن يفتديه كان للحرّ المجروح [حقّه] من العبد بقدر رقبته دية جراحة، و الباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقّه و يردّ الباقي على المولى، و رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب، و كذا الصدوق. أقول: و تقدّم ما يدلّ على ذلك و يأتي ما يدلّ عليه انتهى كلامه.

(2) مستدرك الوسائل 18: 276، باب 2 من أبواب قصاص الطرف: الصدوق في المقنع: و إذا فقأ الرجل عين امرأة، فإن شاءت أن تفقأ عينه فعلت، و أدّت إليه ألفين و خمسمائة درهم، و إن شاءت أخذت ألفين و خمسمائة درهم، و إن فقأت هي عين الرجل غرمت خمسة آلاف درهم، و إن شاء أن يفقأ عينها فعل و لا يلزم شيئاً.

52

الرحمة بناءً على أنّ كتابه ألفاظ روايات مع حذف السند، و غيرها، و قد اجتمعت شرائط حجّية الخبر فيها، إلّا أنّه يقال بوقوع المعارضة بينها و بين طائفة أُخرى من الروايات.

فلنا بعض الروايات يدلّ على خلاف ذلك.

منها: ما رواه التهذيب (1) بسنده عن أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) قال: ليس بين الرجال و النساء قصاص إلّا في النفس.

و في سند الرواية مناقشات لا سيّما في حسين بن علوان و عمرو بن خالد (2)

____________

(1) الوسائل 9: 124، باب 1، حديث 7: و بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن أبي جعفر عن أبي الجوزاء عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد ابن علي، عن آبائه، عن علي (عليهم السّلام) قال: ليس بين الرجال و النساء قصاص إلّا في النفس. الحديث. قال الشيخ: معناه ليس بينهما قصاص يتساوى فيه الرجل و المرأة.

أقول: و تقدّم ما يدلّ على ذلك، و يأتي ما يدلّ عليه.

(2) القصاص على ضوء القرآن و السنّة 1: 229، و راجع حياة حسين بن علوان الكلبي: مولاهم كوفي عامي و أخوه الحسن يكنّى أبا محمّد ثقة رويا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) ذكره النجاشي قال ابن عقدة إنّ الحسن كان أوثق من أخيه و أحمد عند أصحابنا و قيل إنّه من رجال العامة كان له محبّة و عقلًا شديداً و قيل كان مستوراً و لم يكن مخالفاً و قد وقع في أسناد عدّة من الروايات تبلغ 92 مورداً معجم رجال الحديث 6: 31، و جامع الرواة 1: 247، و حياة عمرو بن خالد إلى المعجم أيضاً 13: 91، و جامع الرواة 1: 634، و في نتائج التنقيح (برقم 2927) حسين بن علوان: عامي لم يوثّق.

53

فإنّهما من رؤساء الزيدية.

و في الاستبصار (2) ذكر الشيخ (قدس سره) محملًا لهذه الرواية، بأنّه لا قصاص فيما لم يكن ردّ فاضل الدية و هو كما ترى. فالرواية هذه لا تقاوم الطائفة الأُولى، فالمختار ما جاء فيها من تساوي جراحات النساء مع الرجال في أصل القصاص، و أمّا‌

____________

(2) الاستبصار 4: 365، باب 154 حكم الرجل إذا قتل امرأة فيذكر ستّ روايات ثمّ يقول عليه الرحمة: فلا ينافي الأخبار الأدلّة من وجهين أحدهما: أنّه يجوز أن يكون (عليه السّلام) لم يجعل بينهما قصاصاً من حيث لم يكن القتل عمداً يجب فيه القود، و الثاني: أنّه لم يجعل بينهما قصاصاً لا يحتاج معه إلى ردّ فضل الدية لأنّ الأخبار الأولة و قد تضمّنت أنّ بينهما قصاصاً بشرط أن يردّوا فضل ديتها على أولياء الرجل، فمتى لم يردّوا فليس لهم إلّا الدية، و الذي يؤكّد ذلك يذكر رواية حسين بن علوان و عمرو بن خالد عن زيد ابن علي كما ذكرناها ثمّ يقول: فأثبت القصاص بينهما في النفس على الشرط الذي ذكرناه، فأمّا ما تضمّنه هذا الخبر من أنّه ليس بينهما قصاص إلّا في النفس، المعنى فيه أنّه ليس بينهما قصاص يتساوى فيه الرجل و المرأة، لأنّ ديات أعضاء المرأة على النصف من ديات أعضاء الرجل إذا جاوز ما فيه ثلث الدية على ما بيّناه في الكتاب الكبير، و الذي يدلّ على أنّه يثبت بينهما القصاص في الأعضاء: ما رواه الحسن بن محبوب عن عبد الرحمن بن سيابة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال: إنّ في كتاب عليّ (عليه السّلام): لو أنّ رجلًا قطع فرج امرأته لأغرمته لها ديتها فإن لم يؤدّ إليها ديتها قطعت لها فرجه إن طلبت ذلك.

54

المقدار فما دام لم يبلغ ثلث الدية، فإذا بلغ فإنّه يرجع إلى النصف (1).

الخامس هل يقتصّ من المسلم للكافر

(2)؟

____________

(1) راجع تفصيل ذلك إلى كتابنا (القصاص على ضوء القرآن و السنّة) 1: 231، قصاص الأطراف بين الحرّ و الحرّة.

(2) جاء في الجواهر (42: 394): (و يقتصّ للذمّي من الذمّي) و الحربي (و لا يقتصّ له من مسلم لعدم التكافؤ.

و في تكملة المنهاج (2: 149): الثاني التساوي في الدين فلا يقتصّ من مسلم بكافر، فلو قطع المسلم يد ذمّي مثلًا لم تقطع يده و لكن عليه دية اليد بلا خلاف و لا إشكال بين الأصحاب، و تدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: (لا يقاد مسلم بذمّي في القتل و لا في الجراحات، و لكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم) و أمّا ما في صحيحة أبي بصير قال: سألته عن ذمّي قطع يد مسلم، قال: تقطع يده إن شاء أولياؤه، و يأخذون فضل ما بين الديتين، و إن قطع المسلم يد المعاهد خُيّر أولياء المعاهد .. فهي رواية شاذّة لا عامل بها من الأصحاب مع اشتمالها على اقتصاص المسلم من الذمّي و أخذ فضل الدية منه، و هو خلاف ما تسالم عليه الأصحاب و لم يقل به أحد، و عليه فلا بدّ من ردّ علمها إلى أهله، أو حملها على من كان معتاداً على قتل الذمّي فالنتيجة هي اعتبار التساوي في الدين في قصاص النفس و الأطراف، و لا فرق بينهما من هذه الناحية أصلًا.

و في مدارك الأحكام (7: 272): أمّا الاقتصاص للمسلم من الذمّي و أخذ ما بين الديتين منه فاستدلّ عليه بالصحيح ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بصير ..

و في الرياض في سنده إضمار، و في ذيله مخالفة للأصل، لكن لم أجد خلافاً فيما تعلّق منه بما نحن فيه، حتّى من نحو الحلّي و ظاهر التنقيح عدم الخلاف فيه، و حمل صاحب الوسائل (قدس سره) على صورة الاعتياد أعني اعتياد المسلم قتل الذمّي الظاهر أنّ نظره إلى ذيل الصحيح حيث إنّه لا يقتل المسلم بالذمّي، و لا يخفى بعد هذا الحمل من جهة عدم ذكر الاعتياد و حمل المطلق على غير الغالب، بل التبادر بعيد جدّاً.

و في رياض المسائل (2: 524): (و يقتصّ المسلم من الذمّي و يأخذ عنه فضل ما بين الديتين) للصحيح عن ذمّي قطع يد مسلم قال: تقطع يده إن شاء أولياؤه و يأخذون فضل ما بين الديتين. و في سنده إضمار و في ذيله مخالفة للأصل، لكن لم أجد خلافاً فيما يتعلّق عنه بما نحن فيه، حتّى من نحو الحلّي و ظاهر (قيح) عدم الخلاف فيه حيث لم يتعرّض لذكر هذا الخبر، و لو وجد فيه خلاف لنقله و تعرّض له كما هو دأبه و يعضده ما مرّ، من ردّ فضل ما بين الديتين إذا قتل المسلم بالذمّي باعتياده القتل له أو مطلقاً، و أنّه لو قتل ذمّي مسلماً دفع هو و ماله إلى أولياء المقتول و أنّ لهم الخيرة بين قتله و استرقاقه حيث إنّه لم يكتف في الاقتصاص منه بنفسه بل يضمّ إليه ماله فتدبّر (و لا يقتصّ للذمّي من المسلم و لا للعبد من الحرّ) بل يجب الدّية لفقده التساوي في الإسلام و الحرية المشترط في القصاص كما مرّ إليه الإشارة، مضافاً إلى خصوص الخبر المتقدّم قريباً، و لا قصاص بين الحرّ و العبد في الثاني و الصحيح لا يقاد مسلم بذمّي في القتل و لا في الجراحات، و لكن يؤخذ من المسلم دية الذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم في الأوّل، و أمّا ما في ذيل الصحيح المتقدّم من أنّه إن قطع المسلم يد المعاهد خيّر أولياء المعاهد فإن شاؤوا أخذوا الدية و إن شاؤوا قطعوا يد المسلم و أدّوا إليه فضل ما بين الديتين و إذا قتل المسلم صنع كذلك فقد مرّ الجواب في أمثاله في الشرط الثاني من شرائط قصاص النفس من الشذوذ و احتمال التقيّة أو الاختصاص بصورة الاعتياد خاصّة كما فصّلته النصوص ثمّة.

56

بعد أن اشترطنا أو اعتبرنا التكافؤ و التساوي في الدين في جواز القصاص و وجوبه، فلا يقتصّ للكافر من المسلم لعدم التكافؤ، نعم يقتصّ للذمّي من الذمّي و من الحربي، كما مرّ في قصاص النفس مفصّلًا (1)، فلا نعيد طلباً للاختصار.

يدلّ على ذلك رواية السكوني (2) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان يقول: يقتصّ اليهودي و النصراني و المجوسي بعضهم من بعض، و يقتل بعضهم بعضاً إذا قتلوا عمداً.

و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: لا يقاد مسلم بذمّي في القتل و لا في الجراحات و لكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم (3).

نعم في خبر أبي بصير ما ينافي ذلك، فيلزم المعارضة بينهما حيث قال أبو‌

____________

(1) القصاص على ضوء القرآن و السنّة 1: 250، الشرط الثاني التساوي في الدين. و في السرائر 3: 324، و لقوله تعالى لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، و لقوله (عليه السّلام): لا يقتل المسلم (المؤمن) بكافر.

(2) الوسائل 19: 81، باب 48، الحديث 1 محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني .. و رواه الشيخ بإسناده عن عليّ بن إبراهيم.

(3) الوسائل 19: 127، باب 8 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1 محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن محمّد بن قيس .. الحديث.

57

بصير: سألته عن ذمّي قطع يد مسلم، قال: تقطع يده إن شاء أولياؤه، و يأخذون فضل ما بين الديتين و إن قطع المسلم يد المعاهد، خُيّر أولياء المعاهد، فإن شاؤوا أخذوا دية يده، و إن شاؤوا قطعوا يد المسلم و أدّوا إليه فضل ما بين الديتين، و إذا قتله المسلم صنع كذلك) (1).

فيقال: يؤخذ أصل القصاص من رواية محمّد بن مسلم، و فاضل الدية من رواية أبي بصير، كما ذهب إلى هذا المعنى ابن إدريس الحلّي (قدس سره)، و بعض أراد تحكيم قوله برواية ضريس الكناسي (2) .. (قيل: و إن كان معه عين [مال] قال: دفع إلى أولياء المقتول هو و ماله) قيل هنا بمعنى سُئل، و الرواية في قتل النفس، و بناء على‌

____________

(1) الوسائل 19: 138، باب 22 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1 محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن عيسى عن يونس عن حريز و ابن مسكان عن أبي بصير قال: الحديث.

(2) الوسائل 19: 81، باب 39 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 محمّد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه جميعاً، عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السّلام) في نصراني قتل مسلماً فلمّا أخذ أسلم قال: اقتله به، قيل: و إن لم يسلم، قال: يدفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا، و إن شاؤوا عفوا، و إن شاؤوا استرقّوا، قيل: و إن كان معه عين [مال] قال: دفع إلى أولياء المقتول هو و ماله. و رواه الصدوق بإسناده عن الحسن ابن محبوب. و رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب عن عليّ بن رئاب عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السّلام). و عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام).

أقول: و تقدّم ما يدلّ على ذلك. انتهى كلامه.

58

عدم الفرق بينه و بين الطرف يجري حكمها في قصاص الطرف أيضاً، إلّا أنّه يشكل قبول ذلك، فإنّه ليس في الرواية قصاص، بل دفع الجاني إلى أولياء المقتول هو و ماله، و حينئذٍ إمّا أن يقتصّ منه أو يؤخذ ماله، و ذلك على نحو التخيير، فإنّه يحتمل هذا المعنى (فتكون الرواية مجملة، فتسقط عن الاستدلال بها) (1) فكيف يقال بهذا الوجه.

و قيل كما في الوسائل و غيره إنّما يقتصّ منه على أنّه من المعتاد على قتل الذمّي، إلّا أنّك خبير بأنّ هذا المجمل لا شاهد عليه، فكيف يؤخذ به (2).

و العجب من ابن إدريس فإنّه لا يقول بحجّية الخبر الواحد فكيف عمل بخبر أبي بصير، إلّا أن يقال إنّه كان عنده محفوفاً بالقرائن القطعيّة، و أنّى لنا بإثبات ذلك، فلا يقتصّ من الذمّي مع ردّ فاضل الدية لعدم التساوي في الدين.

السادس هل يقتصّ للحرّ من العبد في قصاص الطرف

(3)؟

____________

(1) هذا المعنى لم يذكره سيّدنا الأُستاذ.

(2) جاء في تكملة المنهاج للسيّد الخوئي (قدس سره) (2: 150) في جواب رواية أبي بصير: بأنّها شاذّة لا عامل بها من الأصحاب، مع اشتمالها على اقتصاص المسلم من الذمّي و أخذ فضل الدية منه، و هو خلاف ما تسالم عليه الأصحاب و لم يقل به أحد، و عليه فلا بدّ من ردّ علمها إلى أهله، أو حملها على من كان معتاداً على قتل الذمّي، فالنتيجة هي اعتبار التساوي في الدين في قصاص النفس و الأطراف، و لا فرق بينهما من هذه الناحية أصلًا.

(3) الجواهر 42: 344: (و يقتصّ للذمّي من الذمّي و لا يقتصّ له من المسلم و للحرّ من العبد) إن شاء و إن شاء استرقّه إن أحاطت جنايته بقيمته و الخيار له في ذلك لا للمولى كما صرّح به الفاضل في القواعد هنا، لظاهر قوله الباقر (عليه السّلام) في صحيح زرارة (في عبد جرح رجلين هو بينهما إن كانت جنايته تحيط بقيمته، و أظهر منه في صحيح فضيل عن الصادق (عليه السّلام) .. و بهما يخرج في العبد عن قاعدة إيجاب جناية العمد القصاص دون الدية، نحو ما سمعته في جنايته على النفس التي حكي الإجماع عليها، مضافاً إلى ظاهر النصوص المستفيضة فيها (الوسائل، الباب 45 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1) و دعوى الفرق بين القتل و الجرح بأنّ له إزالته عن ملك المالك بالقتل فبالأولى تكون له إزالته بالاستراق بخلاف الجرح، فإنّ القصاص فيه لا يزيل الملك كالاجتهاد في مقابلة النصّ، و نحوها الاستناد إلى قاعدة القصاص التي قد عرفت وجوب الخروج عنها بما سمعت، و قد تقدّم الكلام في ذلك كلّه، و قلنا هناك: إنّ ظاهر خبر الفضيل اعتبار إحاطة الجناية بالرقبة في ذلك بخلاف ما إذا لم تحط، كما أنّه ذكرنا أيضاً خلاف الفاضل و غيره في ذلك، فلاحظ و تأمّل. (و لا يقتصّ للعبد من الحرّ) في الطرف و إن ساوت قيمته دية الحرّ أو زادت (كما لا يقتصّ له منه في النفس) لعدم المكافئة المعتبرة في القصاص بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه، كما عرفت الكلام فيه سابقاً.

و جاء في تكملة المنهاج 2: 146، مسألة 158: لو جرح العبد حرّا، كان للمجروح الاقتصاص منه كما أنّ له استرقاقه إن كانت الجراحة تحيط برقبته و إلّا فليس له استرقاقه إذا لم يرض مولاه، و لكن عندئذٍ إن افتداه مولاه و ادّى دية الجرح فهو، و إلّا كان للحرّ المجروح من العبد بقدر دية جرحه، و الباقي لمولاه، فيباع العبد و يأخذ المجروح حقّه، و يردّ الباقي على المولى بلا خلاف في ذلك عند الأصحاب، و تدلّ على ذلك عدّة روايات: منها صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) .. و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام).

ثمّ يذكر سيّدنا الأجلّ هنا ثلاث مسائل في العبد كمسألة إذا جنى حرّ على مملوك فلا قصاص و عليه قيمة الجناية من دون خلاف بين الأصحاب بل هو أمر مقطوع به بينهم .. و كمسألة لو قطع حرّ يد عبد قاصداً قتله فأُعتق ثمّ جنى آخر عليه فكذلك فسرت الجنايتان فمات .. و كمسألة: لو قطع حرّ يد عبد ثمّ قطع رجله بعد عتقه كان عليه أن يردّ قيمة الجناية الاولى إلى مولاه، كما للمسائل تتمّة و هوامش، فراجع.

و في السرائر (3: 403): و لا قصاص بين الحرّ و العبد و لا بين المسلم و الذمّي و لا بين الكامل و الناقص، بل يقتصّ للكامل من الناقص، و لا يقتصّ لناقص العضو من السليم الكامل العضو. فإن جرح عبداً حرّ كان عليه أرشه بمقدار ذلك من ثمنه، و كذلك الحكم في سائر أعضائه، فإن كانت الجناية قيمته كان عليه القيمة، و يأخذ العبد و السيّد بالخيار بين أن يمسكه و لا شي‌ء له و بين أن يسلّمه و يأخذ كمال قيمته، هذا إذا كانت الجناية تحيط بقيمته، فإن كانت لا تحيط بقيمته فليس لمولاه سوى الأرش. و إن جرح عبد حرّا كان على مولاه أن يسلّمه إلى المجروح يسترقّه بمقدار ما لزمه، أو يفديه بمقدار ذلك. فإن استغرق أرش الجراحة ثمنه لم يكن لمولاه فيه شي‌ء فإن لم يستغرق كان له منه بمقدار ما يفضل من أرش الجراح.

و في المقنعة (الصفحة 715): و ليس بين العبيد و أهل الذمّة و الأحرار من المسلمين في الجراح قصاص. و إذا جنى العبد على الحرّ المسلم جناية تحيط ديتها و أرشها بقيمته كان على مولاه أن يسلّمه إلى المجني عليه إلّا أن يرضيه بشي‌ء يتّفقان عليه. و إن كانت دية الجناية أرشها أكثر من قيمة العبد لم يكن على سيّده أكثر من تسليمه إلى المجني عليه إلّا أن يصطلحا على شي‌ء سواه، فالصلح بينهما على ذلك جائز، فإن رضي المجني عليه بالقصاص منه لم يكن له أكثر من ذلك، و لا يتعدّ في القصاص.

61

بعد اعتبارنا التساوي في الحرية و الرقية، لا يقتص للعبد من الحرّ في الطرف كما لا يقتصّ له منه في النفس لعدم المكافئة المعتبرة في القصاص.

و أمّا القصاص للحرّ من العبد، فذهب المشهور إلى التخيير بين قصاص يد العبد مثلًا في قصاص الطرف أو أخذ دية يده.

و هنا صور: فإمّا أنّ الدية تساوي قيمة العبد أو لا؟ فعلى الأوّل: فله أن يسترقّ العبد أو يبيعه، و إن امتنع يجبره الحاكم الشرعي على ذلك، فإنّه وليّ الممتنع، و ذهب الشهيدان و الفاضل الهندي و العلّامة إلى أنّ التخيير هنا كأنّه مخصّص للقصاص، إلّا أنّه يبعد ذلك.

ثمّ الخيار لصاحب الحقّ لا المولى خلافاً لبعض العامّة، و يدلّ على ذلك خبر فضيل بن يسار (1)، و هو من أصحاب الإجماع، ممدوح في كتب الرجال، و بينه و بين‌

____________

(1) الوسائل 19: 124، باب 3 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1 محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه، و عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعاً عن ابن محبوب عن عليّ بن رئاب عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) أنّه قال في عبد جرح حرّا، فقال: إن شاء الحرّ اقتصّ منه، و إن شاء أخذه إن كانت جراحته تحيط برقبته، و إن كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه، فإن أبى مولاه أن يفتديه كان للحرّ المجروح [حقّه] من العبد بقدر دية جراحة، و الباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقّه و يردّ الباقي على المولى. و رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب و كذا الصدوق.

أقول: و تقدّم ما يدلّ على ذلك، و يأتي ما يدلّ عليه انتهى كلامه.

62

الكليني ثقات، فتكون الرواية صحيحة أو معتبرة.

فلا يقتصّ من الحرّ للعبد، بل يضمن الدية، فإذا كان للعبد قيمة، فإمّا أن تساوي دية الحرّ أو أقلّ منها أو أكثر، فالمشهور قال: لو زادت قيمته على الدية و أراد المجني عليه الاسترقاق فعليه أن يردّ فاضل قيمته إلى المولى، فإنّ الزائد لا يضمن دون المساوي أو الأقلّ، فإنّه يضمن و له أن يسترقّه.

و يدلّ على ذلك روايات (1) كرواية الشيخ في التهذيب و رواية الكافي عن‌

____________

(1) الوسائل 19: 125، باب 4 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1 محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن نعيم بن إبراهيم عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في حديث أُمّ الولد قال: يقاصّ منها للمماليك و لا قصاص بين الحرّ و العبد.

2 و عنه عن محمّد بن عيسى عن يونس عمّن رواه قال: قال يلزم مولى العبد قصاص جراحة عبده من قيمة ديته على حساب ذلك يصير أرش الجراحة و إذا جرح الحرّ العبد فقيمة جراحته من حساب قيمته.

3 و عنه عن أبيه و عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد جميعاً عن ابن محبوب عن عبد العزيز العبدي عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في رجل شجّ عبداً موضحة قال: عليه نصف عشر قيمته. و رواه الشيخ بإسناده عن السن بن محبوب و كذا الأوّل و الذي قبله بإسناده عن يونس. و رواه الصدوق بإسناده عن ابن محبوب.

أقول: و تقدّم ما يدلّ على ذلك، و يأتي ما يدلّ عليه انتهى كلامه.

و في الباب 5 حكم جراحات المماليك، الحديث 1 محمَّد بن الحسن بإسناده عن الصفّار عن إبراهيم بن هاشم عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ (عليه السّلام) قال: جراحات العبيد على نحو جراحات الأحرار في الثمن.

أقول: و يأتي ما يدلّ على ذلك.

و في الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 3 و بإسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير و فضالة عن جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن المرأة بينها و بين الرجل قصاص؟ قال: نعم في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء، فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل و سفلت المرأة. (و لا يخفى أنّه بإطلاقها يستدلّ على ما نحن فيه، فتأمّل).

63

عبيد بن زرارة و رواية جميل بن درّاج و رواية السكوني و هو موثّق و إن كان من أبناء العامّة، كما إنّ رواية التهذيب عن يونس عمّن رواه، و يونس من أصحاب الإجماع. إلّا أنّ روايته هنا مضمرة فهي ضعيفة، فإنّ قوله (قال) لا يعلم من هو القائل، و أنّها في المتن مطلقة، كرواية السكوني، و أمّا رواية عبيد بن زرارة ففي سندها سهل بن زياد و الأمر فيه سهل، نعم عندنا موثّقة أبي مريم (1) (قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فيمن قطع أنف العبد أنّه يؤدّي إلى مولاه قيمته) و الرواية مطلقة أيضاً، و لا يعلم التفصيل من الروايات الشريفة، مع ما عندنا من المناقشات في سندها، فمقتضى الاحتياط أن نتمسّك في المقام بالقواعد العامّة المسلّمة في الفقه كقولهم (لا يحلّ دم امرئ مسلم أن يذهب هدراً) و قاعدة الضمان (من أتلف مال الغير فهو ضامن) فإن كان مثليّا فالمثل، و إلّا فالقيمة، فبإطلاق هذه القاعدة يضمن القيمة سواء تساوت أو زادت أو قلّت في جناية النفس أو الأطراف، و هو المختار.

و في بعض كلمات الأعلام أن يكون بينهما الصلح أو التراضي، و هذا معنى‌

____________

(1) الوسائل 19: لم أجد الرواية.

64

إجراء قاعدة (إلّا أن يرضوا بالصلح) أو (الصلح خير) و هو كما ترى (1).

السابع لو قطع صاحب اليد الشلّاء اليد السالمة فما هو حكمه

(2)؟

____________

(1) جاء في الجواهر 42: 346: و يجوز لمولى المجني عليه الصلح على ما تراضيا به، و في كشف اللثام (و منه استرقاق ما بإزاء نسبة عضو عبده إلى قيمته، إن لم تزد على دية الحرّ) و لعلّه بناءً على اعتبار ذلك في قيمة القاطع على نحو قيمة المقطوع بدعوى ظهور النصوص في عدم تجاوز قيمة العبد دية الحرّ في باب الجناية قاطعاً كان أو مقطوعاً، و لكن لا يخلو من نظر و بحث باعتبار انسياق المجني عليه منها لا مطلقاً، فلاحظ و تأمّل.

على أنّ المسألة مفروضة في الصلح، و هو لا يتقدّر بقدر، بل يجب ما يتراضيان به، فله حينئذٍ استرقاق كلّه به، و إن زادت قيمة عضوه على كلّ قيمة المجني عليه، لكونه حينئذٍ كالصلح عن الكثير بالقليل، أمّا ما قابل الجناية منه فقد عرفت عدم احتياجه إلى الصلح، بل له استرقاقه قهراً.

(2) الجواهر 42: 348: و بالجملة كلّ ما عرفته من شرائط القصاص في النفس معتبر في القصاص في الطرف و يزيد اعتبار (التساوي في السلامة) من الشلل و في المحلّ و في الأصالة و الزيادة (فلا تقطع اليد الصحيحة) مثلًا (بالشلّاء) بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به بعضهم، بل عن ظاهر المبسوط أو صريحه و صريح الخلاف الإجماع عليه، و هو الحجّة بعد إطلاق قول الصادق (عليه السّلام) في خبر سليمان بن خالد (في رجل قطع يد رجل شلّاء أنّ عليه ثلث الدية) بل قيل: و قوله تعالى فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ- وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ و إن كان فيه أنّ الظاهر المماثلة في أصل الاعتداء و العقاب على وجه يصدق كونه مقاصة، لا ينافي ما دلّ على القصاص من قوله تعالى وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ و غيره، إلّا أنّ الأمر سهل بعد عدم انحصار الأصل فيه، إذ الحكم مفروغ منه عندهم، و قد حكي الإجماع صريحاً و ظاهراً عليه.

و جاء في تكملة المنهاج 2: 152، مسألة 163: المشهور اعتبار التساوي في السلامة من الشلل في الاقتصاص، فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلّاء و إن بذل الجاني يده للقصاص، و هو لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد عدمه وجه الإشكال هو أنّه قد ادّعي الإجماع في المسألة، و قال في الجواهر: (إنّ الحكم مفروغ عنه) و استدلّ على ذلك بإطلاق رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) .. و لكنّها ضعيفة سنداً و دلالة، أمّا سنداً فلأنّ في سندها حمّاد بن زياد و هو مجهول، و رواية الحسن بن محبوب عنه لا تدلّ على توثيقه على ما فصّلناه في محلّه، و أمّا دلالة فلأنها في مقام بيان مقدار الدية، و لم تتعرّض للقصاص لا نفياً و لا إثباتاً، و تؤيّد ذلك رواية محمّد بن عبد الرحمن العرزمي عن أبيه عبد الرحمن عن جعفر عن أبيه (عليهما السّلام) .. لكنّها ضعيفة سنداً بيوسف بن الحارث، إذ لم يذكر بمدح و لا توثيق، و تقريب التأييد بها هو اشتمالها على ما فيه قصاص يقيناً، و ليس هذا إلّا من ناحية أنّ الرواية في مقام بيان مقدار الدية، و ليس لها نظر إلى القصاص، فهي من هذه الناحية تؤيّد ما ذكرناه في الرواية الأُولى.

و على تقدير تسليم الإطلاق فيهما فلا بدّ من تقييدهما بإطلاق قوله تعالى وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ فإنّ النسبة بينهما و إن كانت عموماً من وجه، إلّا أنّ الآية تتقدّم عليهما لا محالة.

و أمّا رواية الحسن بن صالح .. فهي ضعيفة سنداً فإنّ الحسن بن صالح لم يذكر بتوثيق و لا مدح، على أنّه لا إطلاق لها من هذه الناحية، فإنّ الظاهر أنّها في مقام مقدار الدية فحسب، و نظير ذلك عدّة روايات واردة في بيان دية الأطراف فحسب، مع ثبوت القصاص في مواردها جزماً، و ليس ذلك إلّا من ناحية أنّها في مقام البيان من هذه الجهة دون القصاص، و من جملة تلك الروايات صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) .. فالنتيجة أنّه لا دليل على اعتبار التساوي في السلامة ما عدا دعوى الإجماع فإن تمّ فهو، و إلّا فلا يبعد عدم اعتباره لإطلاق الآية الكريمة وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ و دعوى انصرافه عن مثل المقام لا أساس لها أصلًا، و سيأتي أنّ العضو الصحيح يقطع بالمجذوم.

و أمّا اليد الشلّاء فتقطع باليد الصحيحة بلا إشكال بلا خلاف بين الأصحاب لإطلاق الكتاب و السنّة و عدم الدليل على التقييد إلّا أن يحكم أهل الخبرة أنّها لا تنحسم، فعندئذٍ لا يجوز قطعها و تؤخذ الدّية و ذلك تحفّظاً على النفس، لفرض أنّ قطع يده (و الحال هذه) يوجب إتلاف نفسه فلا يجوز ذلك قصاصاً، و أمّا أخذ الدية فلأنه في كلّ مورد لا يمكن الاقتصاص من الجاني لزمته الدية، لأنّ حقّ امرئ مسلم لا يذهب هدراً انتهى كلامه رفع اللّٰه مقامه.

و في تحرير الوسيلة 2: 450، مسألة 4 يشترط في المقام زائداً على ما تقدّم التساوي في السلامة من الشلل و نحوه على ما يجي‌ء أو كون المقتصّ منه أخفض، و التساوي في الأصالة و الزيادة، و كذا في المحلّ على ما يأتي الكلام فيه، فلا تقطع اليد الصحيحة مثلًا بالشلّاء و لو بذلها الجاني، و تقطع الشلّاء بالصحيحة، نعم لو حكم أهل الخبرة بالسراية، بل خيف منها يعدل إلى الدية.

و في جامع المدارك 7: 271: و أمّا اعتبار التساوي في السلامة و عدم قطع عضو الصحيح بالأمثل فادّعى الإجماع عليه، و استدلّ عليه بإطلاق رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في رجل قطع رجل شلّاء؟ قال: عليه ثلث الدية، و استشكل بضعف الرواية سنداً و دلالة أمّا سنداً فلأنّ في سنده حمّاد بن زياد و هو مجهول، و رواية% 310- 3% الحسن بن محبوب عنه لا تدلّ على توثيقه، و أمّا من جهة الدلالة فمن جهة أنّ الرواية متعرّضة للدية دون التقاص، و تؤيّد هذا رواية محمّد بن عبد الرحمن العزرمي عن أبيه عبد الرحمن عن جعفر عن أبيه (عليهما السّلام) أنّه جعل في سنّ السوداء ثلث ديتها، و في العين القائمة إذا طمست ثلث ديتها، و في شحمة الأُذن ثلث ديتها، و في الرجل العرجاء ثلث ديتها، و في خشاش الأنف في كلّ واحد ثلث الدية، مع القطع باشتمالها على ما فيه قصاص.

و يمكن أن يقال: لا مجال لاحتمال الفتوى بغير دليل يعتمد عليه بالنسبة إلى الأكابر فإن كان المدرك الخبر المذكور يتوجّه الإشكال من جهة الدلالة لكن هذا غير معلوم.

و في رياض المسائل 2: 524: (و يعتبر) هنا زيادة على شروط النفس المتقدّمة و التساوي أي (تساوي) العضوين المقتصّ به و منه (في السلامة) من الشلل أو فيه مع انتفاء التغرير في المقتصّ منه و الشلل قيل هو يبس اليد و الرجل بحيث لا يعمل و إن بقي فيها حسّ أو حركة ضعيفة، و ربما اعتبر بطلانهما و هو ضعيف.

و في كشف اللثام (2: 471) في شرائط قصاص الطرف: الثالث: التساوي في السلامة من الشلل أو في الشلل مع انتفاء التغرير أو التفاوت مع الصحّة من المجني عليه، فلا يقطع اليد أو الرجل الصحيحة بالشلّاء فالإجماع كما في الخلاف و لقوله تعالى فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و قوله فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ و إطلاق ظاهر قول الصادق (عليه السّلام) في خبر سليمان بن خالد في رجل قطع يد رجل شلّاء عليه ثلث الدية خلافاً لداود.

و في اللمعة (10: 77): (فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلّاء) و هي الفاسدة (و لو بذلها) أي بذل اليد الصحيحة (الجاني) لأنّ بذله لا يسوغ قطع ما منع الشارع من قطعه، كما لو بذل قطعها بغير قصاص.

و في إيضاح الفوائد (4: 633) الثالث: التساوي في السلامة فلا يقطع اليد الصحيحة بالشلّاء و إن بذلها الجاني لكن لا يضمن القاطع و استوفى حقّه و يقطع الشلّاء بالصحيحة إلّا أن يحكم أهل الخبرة بعدم انحسامها فتجب الدية، و كذا لا يقطع الشلّاء بمثلها مع الخوف من السراية، و يقطع لا معه. و لو كانت بعض أصابع المقطوع شلّاء لم يقتصّ من الجاني في الكفّ بل في أربع الأصابع الصحيحة و تؤخذ منه ثلث دية إصبع صحيحة عوضاً عن الشلّاء و حكومة ما تحتها و ما تحت الأصابع الأربع من الكفّ .. و للبحث صلة فراجع.

و في المبسوط (7: 80): فإن كانت يده شلّاء فقطع صحيحة فالمجني عليه بالخيار بين أخذ الدية و بين أخذ الشلّاء بالصحيحة و يرجع فيه إلى أهل الخبرة، فإن قالوا متى قطعت الشلّاء بقيت أفواه العروق مفتّحة و لا ينحسم و لا ينضمّ بشي‌ء، و لا يؤمن التلف بقطعها لم يقطعها، لأنّا لا نأخذ نفساً بيد، و إن قالوا ينحسم و يبرأ في العادة أخذنا بها، لأنّه قد رضي بأخذ ما هو أنقص من حقّه فهو كالضعيفة بالقويّة.

68

بعد أن اعتبرنا في قصاص الطرف التساوي في السلامة، ذهب المشهور في المقام إلى عدم القصاص، فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلّاء.

و مستند المشهور روايات منها: رواية ابن محبوب (1) في جناية العبد قال‌

____________

(1) الوسائل 19: 253، باب 28 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2 و عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن الحسن ابن صالح قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن عبد قطع يد رجل حرّ و له ثلاث أصابع من يده شلل فقال: و ما قيمة العبد؟ قلت: اجعلها ما شئت، قال: إن كانت قيمة العبد أكثر من دية الإصبعين الصحيحتين و الثلاث الأصابع الشلل ردّ الذي قطعت يده على مولى العبد ما فضل من القيمة و أخذ العبد، و إن شاء أخذ قيمة الإصبعين الصحيحين و الثلاث أصابع الشلل، قلت: و كم قيمة الإصبعين الصحيحتين مع الكفّ و الثلاث الأصابع الشلل؟ قال: قيمة الإصبعين الصحيحتين مع الكفّ ألفا درهم، و قيمة الثلاث أصابع الشلل مع الكفّ ألف درهم لأنّها على الثلث من دية الصحاح، قال: و إن كانت قيمة العبد أقلّ من دية الإصبعين الصحيحتين و الثلاث الأصابع الشلل دفع العبد إلى الذي قطعت يده أو يفتديه مولاه و يأخذ العبد.

محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسن بن محبوب مثله.

69

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن عبد قطع يد رجل حرّ و له ثلاث أصابع من يده شلل، فقال: و ما قيمة العبد؟ قلت: اجعلها ما شئت، قال: إن كانت قيمة العبد أكثر من دية الإصبعين الصحيحتين و الثلاث الأصابع الشلل ردّ الذي قطعت يده على مولى العبد ما فضل من القيمة و أخذ العبد، و إن شاء أخذ قيمة الإصبعين الصحيحتين و الثلاث أصابع الشلل) الخبر.

و منها رواية سليمان بن خالد (1) في رجل قطع يد رجل شلّاء؟ قال: عليه ثلث الدية.

فالقاعدة تقول: لا تقطع اليد السالمة بالشلّاء فيأخذ حينئذٍ ثلث الدية لروايات و لقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ

____________

(1) الوسائل 19: 253، باب 28، الحديث 1 محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسن بن محبوب عن حمّاد بن زياد عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في رجل قطع يد رجل شلّاء قال: عليه ثلث الدية.

محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب مثله.

70

(1) وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ (2)، فيشترط المماثلة في السلامة و الشلل.

و قيل: لا يتمّ استدلال المشهور لمناقشة سند الروايات، ففي الرواية الثانية حمّاد بن زياد (3) و لم يرد في كتب الرجال فيه مدحاً أو قدحاً، إلّا أنّه يجاب أنّ ابن محبوب من أصحاب الإجماع، فلا يضرّ جهل من كان بعده، إلّا أن يرد بأنّ من يذهب إلى خلاف المشهور في المقام لا يقول بهذا الإجماع، فيكون النزاع حينئذٍ مبنويّ.

و إشكال السند في الرواية الأُولى لمكان سهل بن زياد و الأمر فيه سهل، و لحسن بن صالح فلم يرد فيه مدحاً و لا قدحاً. إلّا أن يقال ابن محبوب من أصحاب الإجماع، و النزاع يكون مبنويّاً حينئذٍ.

و أمّا المناقشة في المتن فرواية سليمان بن خالد لم تصرّح بعدم القصاص، فالسكوت عنه نفياً و إثباتاً لا يدلّ على عدم القصاص، بل الرواية بصدد بيان مقدار الدية، و كذلك الرواية الأُخرى.

و أمّا الآيتان فلا شاهد فيهما لقول المشهور، فإنّهما في مقام بيان أصل عدم الزيادة في القصاص.

____________

(1) البقرة: 194.

(2) النحل: 126.

(3) راجع ترجمة حمّاد بن زياد إلى معجم رجال الحديث 6: 205، و جامع الرواة 1: 269، و في نتائج التنقيح برقم (3289) حمّاد بن زياد: مهمل.

71

و أمّا ادّعاء الإجماع و الشهرة على ذلك، فهما كما ترى، فيستشكل العمل بقول المشهور حينئذٍ، فتأمّل.

و أمّا القول الآخر، فإنّما يقال بالقصاص لعموم قوله تعالى السِّنَّ بِالسِّنِّ نعم، يبقى ادّعاء الانصراف بأنّ الآية تنصرف إلى اليد السالمة باليد السالمة، و إلّا إنّ هذا الانصراف بدويّ يزول بأدنى التفات و تأمّل، فلا تحمل الآية الشريفة عليه.

و خير جمع بين الروايات و عموم أدلّة القصاص، أنّه يقتصّ و إلّا فالدية، و الروايات إنّما تعيّن مقدار الدية و أنّها الثلث.

ثمّ بين الروايات الطائفة الأُولى و عموم أدلّة القصاص عموم و خصوص من وجه، و حينئذٍ في مادّة الاجتماع يقع التعارض دون مادّتي الافتراق.

فمادّة الاجتماع في ما نحن فيه: أن يكون المقطوع يد شلّاء و للقاطع يد سالمة، فيلاحظ الأقوى فالقوي، كما في التزاحم يلاحظ الأهمّ فالمهمّ، و أدلّة القصاص أتقن و أحكم من تلك الروايات المخدوشة سنداً و متناً، هذا بناءً على مذاق الأصحاب، و المختار هو القول الثاني من القصاص.

الثامن بناءً على ما ذهب إليه المشهور من القول بثلث الدية في اليد الشلّاء

، فإنّه لا فرق في ذلك بين الحرّ و العبد، إلّا أنّ الحرّ ثلث ديته، و العبد ثلث قيمته.

التاسع بناءً على القول المشهور أنّه لا يقتصّ من السالم الصحيح بالشلّاء

و إن رضي الجاني بذلك كما في عبارة المحقّق (فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلّاء و لو‌

72

بذلها الجاني) (1)، على المختار يقتصّ منه سواء رضي بذلك أم لم يرضَ به.

العاشر هل تقطع الشلّاء بالصحيحة

(2)؟

____________

(1) الجواهر 42: 348 (و لو بذلها الجاني) كما صرّح به الفاضل و الشهيدان فإنّه لا يكفي في التسويغ كما إذا رضي الحرّ القاتل للعبد بالقود لم يجز أن يقاد منه، نعم في القواعد و كشف اللثام (و لكن لا يضمن القاطع مع البذل شيئاً و إن أثم و استوفى حقّه كما في المبسوط و الأصل) و إن كان هو لا يخلو من إشكال بل منع، ضرورة عدم حقّ له غير الدية كي يكون مستوفياً له، بل قد يشكل أيضاً ما قيل من احتمال ضمان ثلث الدية، لأنّ دية الشلّاء سدس الدية، و الصحيحة نصفها بأنّ المتّجه ترتّب القصاص على القاطع لا الدية، إلّا إذا قلنا بعدمه مع الإذن من ذي اليد بالقطع ابتداءً من دون قصاص.

(2) الجواهر (42: 349): (و تقطع الشلّاء بالصحيحة) لعموم الأدلّة، بل لا يضمّ إليها أرش للأصل و غيره بعد تساويهما في الجرم و نحوه، و إنّما اختلافهما في الصفة التي لا تقابل بالمال، كالرجوليّة و الأُنوثيّة و الحرّية و العبوديّة و الإسلام و الكفر، فإنّه إذا قتل الناقص منهم بالكامل لم يجبر بدفع أرش خصوصاً بعد قولهم (عليهم السّلام): (إلّا أن يحكم أهل الخبرة أنّها لا تنحسم) لو قطعت، و لبقاء أفواه عروقها مفتّحة أو احتملوا ذلك احتمالًا راجحاً أو مساوياً على وجه يتحقّق الخوف المعتدّ به (ف‍)- لا تقطع بل (يعدل) حينئذ (إلى الدية تفصّياً من خطر السراية) على النفس التي هي أعظم من الطرف، و كذا لو كان كلّ منهما شلّاء بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك، بل عن الغنية الإجماع عليه، بل و لا إشكال، ضرورة وجوب المحافظة على النفس ممّا يزيد على أصل القطع من العوارض التي منها الشلل المزبور، لكن نسبة غير واحد له إلى الشهرة قد يشعر بالخلاف إلّا أنّا لم نتحقّقه.

و في جامع المدارك (7: 272): و يقطع الأشلّ بالصحيح ما لم يعرف أنّه لا ينحسم لبقاء أفواه العروق، و قيل: لا يقطع مع احتمال ذلك احتمالًا راجحاً أو مساوياً على وجه يتحقّق الخوف المعتدّ به، و لازم ما ذكر عدم القطع مع احتمال كون القطع موجباً لموت المقطوع يده، و لم يظهر من الأدلّة هذا التقييد و ليس هذا الاحتمال بعيداً حتّى يقال بالانصراف، و لا يبعد أن يقال: مع كون الاحتمال غير بعيد لا يشمل الأدلّة للزوم حفظ النفس.

و في رياض المسائل (2: 524): (فلا يقطع العضو الصحيح) منه من يد أو رجل (بالأشلّ) بلا خلاف بل عليه الإجماع عن الخلاف و هو الحجّة المخصّصة للعمومات مضافاً إلى الاعتبار و إطلاق خصوص بعض المعتبرة في رجل قطع يد رجل شلّاء قال عليه ثلاث الدية (و يقطع) العضو (الأشلّ) بمثله (و بالصحيح ما لم يعرف) أنّه (لا ينحسم بلا إشكال فيه، و في تعيين الدية مع المعرفة بأخبار أهل الخبرة بعدم الانحسام و انسداد أفواه العروق، و لا خلاف فيهما أيضاً بل عليهما الإجماع في الغنية و هو الحجّة مضافاً إلى العمومات في الأوّل و لزوم صيانة النفس المحترمة عن التلف مع إمكان تدارك الحقّ بالدية، و يخطر بالبال ورود رواية لها عليه دلالة في الثاني، و نسبة الحكم فيه في المسالك و غيره إلى المشهور، و ربما توهّم وجود خلاف فيه أو إشكال و لكن لا أثر لهما، و حيث يقطع الشلّاء يقتصر عليها و لا يضمّ إليها أرش التفاوت للأصل و عدم دليل على الضمّ مع تساويهما في الحرمة.

و في كشف اللثام (2: 471): و يقطع الشلّاء بالصحيحة و لا يضمّ إليها أرش و لا يثبت الدية إلّا بالتراضي، إلّا أن يحكم أهل الخبرة بعدم انحسامها إذا قطعت لبقاء أفواه% 311- 3% عروقها منفجّة أو احتملوا ذلك احتمالًا مساوياً أو راجحاً فيجب الدية حينئذٍ خاصّة حذراً من السراية.

و في اللمعة (10: 77): (و تقطع) اليد (الشلّاء بالصحيحة) لأنّها دون حقّ المستوفي (إلّا إذا خيف) من قطعها (السراية) إلى النفس لعدم انحسامها (فتثبت الدية) حينئذٍ و حيث يقطع الشلّاء يقتصر عليها، و لا يضمّ إليها أرش التفاوت.

و في المهذّب (2: 375): و إذا كانت يده شلّاء فقطع صحيحة سئل أهل الخبرة فإن قالوا: إنّ الشلّاء إذا قطعت بقيت أفواه العروق لا ينضمّ و لا ينحسم و لا يبرأ و لا يؤمن التلف بقطعها لم تقطع، لأنّه لا يجوز أن يؤخذ نفس بيد، و إن قالوا: إنّها ينحسم و يبرأ في المقادة أخذنا بها، لأنّه قد رضي بأخذ ما هو أقلّ من حقّه فهو كالضعيفة بالقويّة، و إذا قطع يداً شلّاء و يده صحيحة لم يكن فيها قود، و يكون فيها ثلث دية اليد الصحيحة.

و في المبسوط (7: 80): و إذا قطع يداً شلّاء و يده صحيحة لا شلل فيها، فلا قود عليه عندنا و عند جميعهم، و قال داود: يقطع الصحيحة، غير أنّ عندنا أنّ فيها ثلث دية اليد الصحيحة، و عندهم فيها الحكومة.

و في كتب العامّة: جاء في الفقه على المذاهب الأربعة (5: 350) مبحث قطع اليد الشلّاء بالصحيحة: ذكر الأئمة (رض) أنّه إذا كانت يد المقطوع صحيحة و يد القاطع شلّاء أو ناقصة الأصابع فالمقطوع بالخيار إن شاء قطع اليد المعيبة و لا شي‌ء له غيرها و إن شاء أخذ الأرش كاملًا لأنّ استيفاء الحقّ كاملًا متعذّر، فله أن يتجوّز بدون حقّه، و له أن يعدل إلى العوض كالمثلي إذا انصرم عن أيدي الناس بعد الإتلاف. ثمّ إذا استوفاها ناقصاً فقد رضي به فيسقط حقّه كما إذا رضي بالردي‌ء مكان الجيّد.

و في المغني (9: 451) (مسئلة) قال (و إذا كان القاطع سالم الطرف و المقطوعة شلّاء فلا قود) لا نعلم أحداً من أهل العلم قال بوجوب قطع يد أو رجل أو لسان صحيح بأشلّ، إلّا ما حكي عن داود أنّه أوجب ذلك لأنّ كلّ واحد منهما مسمّى باسم صاحبه فيؤخذ به كالأذنين. و لنا أنّ الشلّاء لا نفع فيها سوى الجمال، فلا يؤخذ بها ما فيه نفع كالصحيحة لا تؤخذ بالقاتمة، و ما ذكر له قياس و هو لا يقول بالقياس، و إذا لم توجب القصاص في العينين مع قول اللّٰه تعالى الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ لأجل تفاوتهما في الصحّة و العمى فلإن لا يجب ذلك فيما لا نصّ فيه أولى.

يذكر المصنّف هنا فصول في الاذن الشلّاء.

و في الصفحة 453 (مسئلة) (و إن كان القاطع أشلّ و المقطوعة سالمة فشاء المظلوم أخذها فذلك له و لا شي‌ء له غيرها و إن شاء عفا و أخذ دية يده)، و (فصل) و تؤخذ الشلّاء بالشلّاء، و (فصل) تؤخذ الناقصة بالناقصة إذا تساوتا فيه، و (فصل) و يجوز أخذ الناقصة بالكاملة، و (فصل) و إن كانت يد القاطع و المجني عليه كاملتين و في يد المجني عليه إصبع زائدة و غير ذلك من المباحث المفصّلة، فراجع.

و في المهذّب في فقه الشافعي (2: 181): (فصل) و لا تؤخذ يد صحيحة بيد شلّاء و لا رجل صحيحة برجل شلّاء، لأنّه لا يأخذ فوق حقّه، و إن أراد المجني عليه أن يأخذ الشلّاء بالصحيحة نظرت فإن قال أهل الخبرة: إنّه إن قطع لم تفسد العروق و دخل الهواء إلى البدن و خيف عليه، لم يجز أن يقتصّ منه لأنّه يأخذ نفساً بطرف، و إن قالوا: لا يخاف عليه، فله أن يقتصّ لأنّه يأخذ دون حقّه، فإن طلب مع القصاص الأرش لنقص الشلل لم يكن له لأنّ الشلّاء كالصحيحة في الخلقة، و إنّما تنقص عنها في الصفة فلم يؤخذ الأرش للنقص مع القصاص كما لا يأخذ وليّ المسلم من الذمّي مع القصاص أرشاً لنقص الكفر، و في أخذ الأشلّ بالأشلّ وجهان: أحدهما أنّه يجوز لأنّهما متساويان، و الثاني: لا يجوز، و هو قول أبي إسحاق، لأنّ الشلل علّة، و العلل يختلف تأثيرها في البدن فلا تتحقّق المماثلة بينهما.

76

ذهب الأشهر إلى ذلك لعموم الأدلّة، و ادّعي عليه الإجماع، و قيل: كما عند بعض العامّة بالدية، فإنّ القصاص في السالمتين أو المعيوبتين بالشلل مثلًا، و يردّه عموم أدلّة القصاص و لا يصحّ ضمّ الأرش إلى اليد الصحيحة للأصل، و لتساويهما في الذات، و إنّما الاختلاف في الصفة (الشلل و السلامة) التي لا تقابل بالمال.

و يؤيّد قول المشهور ما يذكره علماء الأُصول عند التزاحم من تقديم الأهمّ فالمهم، و قطع اليد الشلّاء بالصحيحة أهمّ من يد الصحيحة، و الأصل في الباب هو القصاص، و الرجوع إلى الدية أو الأرش يحتاج إلى دليل، و عدم الدليل دليل العدم.

نعم، لو قال أهل الخبرة بأنّ قطع يد الشلّاء يوجب هلاك نفس الجاني، و حفظ النفس أهمّ فإنّه يعوّض حينئذٍ بالدية.

و عند تحيّر أهل الخبرة و اختلافهم في سراية القطع إلى موته، و لا مرجّح في البين، فإنّه ذهب الشهيدان لا سيّما الثاني منهما (قدس سرهما) كما في المسالك، إلى القصاص للعموم، و إنّه لم يحرز موته و هلاكه، و نشكّ في السراية، و الأصل العدم. إلّا أنّ الفاضل الهندي و بعض شرّاح قواعد العلّامة قالوا: بأنّ القصاص يخالف الاحتياط، و مقتضى ذلك أخذ الدية، و صاحب الجواهر يميل إلى قول المشهور بعد تقوية القول بالاحتياط، و المختار: إنّ عموم القصاص لا يؤخذ به فيما نحن فيه، للشبهة المصداقيّة.

و أمّا الأصل: فهنا أُصول ثلاثة‌

77

الأوّل: عدم حرمة القصاص لأصالة الإباحة فالقصاص مباح.

الثاني: الأصل عدم كفاية الدية.

الثالث: الأصل عدم السراية.

و نتيجة الأُصول الثلاثة القصاص، و لكن الأصل الثالث من الأصل المثبت، فعند عدم السراية يترتّب عليه عقلًا أنّه غير مسرف في القود، فيجوز القصاص، و الأصل المثبت في الأُصول ليس بحجّة كما هو ثابت في محلّه.

و أمّا أصل الإباحة فهو من الشكّ في المسبّب أنّه يوجب السراية أو لا يوجب؟ و لا إشكال من جريان أصالة الإباحة في الشبهة التحريميّة. و الأصل الثاني يزول الشكّ فيه يجريان الأصل الأوّل، فلا مجال له. و يبقى الاحتياط فإنّه أمر مهمّ، و لا سيّما اهتمام الشارع المقدّس في الأُمور الثلاثة: الدماء و الفروج و الأموال، و الحدود تدرأ بالشبهات، فيخاف من السراية حيث توجب هلاكه، فلا يقتصّ منه حينئذٍ، بل تؤخذ الدية بدلًا، جمعاً بين (لا يحلّ دم امرئ مسلم) و بين (تلف النفس) فتأمّل.

الحادي عشر هل يشترط و يعتبر في تساوي الطرفين في الصحّة و السلامة

مطلقاً و من كلّ الجهات أو يقال بتساويهما في السلامة مطلقاً؟ كما لو كانت اليد معيبة بالبهق أو البرص، و الأوّل تكون قطع بيضاء على الجسد، و الثاني قطع سوداء و العياذ باللّٰه فلو كانت يد الجاني برصاء دون المجني عليه، فقيل بعدم القصاص لعدم صفة السلامة، و لكن كما ذكرنا إنّ ما يقابل اليد الصحيحة هو ذات اليد لا الصفات، و يجري هذا المعنى فيما لو كانت يد الجاني أضعف من المجني عليه، و كذلك‌

78

الأعرج و السالم، فتدبّر (1).

الثاني عشر هل يتصوّر وقوع الجناية من اليد الشلّاء على اليد الصحيحة؟

أدلّ دليل على إمكان الشي‌ء وقوعه، و الحقّ وقوع ذلك، فإنّ الشلل ذو مراتب، ففي آخر المراتب يستلزم السلامة، و حينئذٍ لو قطعت الصحيحة صحيحة، و قبل القصاص شلّت اليد الجانية، فإنّه يأتي الكلام و النزاع.

الثالث عشر لا فرق في الكلام في اليد الشلّاء بين أن ينتهي الشلل إلى حدّ يبس اليد [و غيرها]

و سقوطها من الحركة نهائيّاً حتّى يقال لها: يد ميّتة و بين غيرها، و إن كان البعض يقول بالتفصيل فيقتصّ في الأُولى دون الثانية، و صاحب الجواهر عليه الرحمة يناقش ذلك، بأنّها لو كانت ميتة لجافت و نتنت، و لمّا لم يكن ذلك فهي‌

____________

(1) الجواهر 42: 350: هذا و لكن في المسالك (من شرائط القصاص في الطرف تساويهما في السلامة لا مطلقاً) لأنّ اليد الصحيحة تقطع بالبرصاء، بل المراد سلامة خاصّة، و هي التي تؤثّر التفاوت فيها أو يتخيّل تأثيره كالصحّة و الشلل).

قلت: لا كلام في عدم القصاص بين الصحيحة و الشلّاء بعد الاتّفاق عليه نصّاً و فتوى، أمّا ما لا يصدق عليه اسم الشلل ممّا هو مؤثّر فيها أيضاً فلا دليل على عدم القصاص به بعد قوله تعالى وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ و صدق (اليد باليد) نعم يجبر ضرر المقتصّ منه بدفع التفاوت من المقتصّ بناءً على ما أشرنا إليه من خبر الحسن بن الجريش المشتمل على قضيّة ابن عباس لكن لم أجد من أقعد القاعدة المزبورة على وجه يعمل عليها في غير محلّ النصّ.