الرسائل الفقهية

- السيد حسن المدرس المزيد...
119 /
5

فهرس المطالب

المقدمة:

اطلالة على المدرس- عبقرية و اجتهاد فقهى 7‌

ولادة النور 9‌

اسرة الشهيد «المدرس» 10‌

نسب الشهيد السيد حسن المدرس 12‌

دراسته و اساتذته 13‌

بعض زملائه في الدروس 17‌

موقع الشهيد «المدرس» عليما و فقيها 28‌

مؤلفات الشهيد «المدرس» 38‌

تلامذة الشهيد «المدرس» 43‌

الشهيد المدرس و الحوزات العلمية 48‌

المدرس: زهده، تقوا، ايثاره 54‌

كتابنا الحاضر، و طريقتنا في تحقيقه 58‌

الهوامش 61‌

الرسائل الفقهيّة 67‌

المقدمة فى ذكر القاعدة 69‌

القسم الأول:

«رسالة سهو الإمام و المأموم» 71‌

6

القسم الثانى:

«رسالة قضاء الفوائت من الصلوات» 87‌

القسم الثالث:

«وجيزة في ضمان الغاصب، المعضوب الفائت» 103‌

القسم الرّابع «وجيزة في بعض مسائل العدة» 115‌

7

المقدمة: إطلالة على المدرس: عبقرية علميّة و اجتهاد فقهي

9

ولادة النور

الضوء اسرع بمرات متعددة من الصوت ... هذه المقولة قاعدة ثابتة ... و على اساس هذه القاعدة ينعكس نور الانفجار الصاعق على الرؤى، قبل ان يرن صدا في المسامع ... و حوادث التاريخ على هذا المنوال أيضا، فصدى الاحداث على مسامع الشعوب يتأخر كثيرا عن وقوع الاحداث في قلب الواقع، و يتأخر كذلك عن استبصارها ...

و على هذا الاساس ذاته وقعت قصة مثيرة و ثائرة لولادة و حياة وليد وطأت قدماه الارض- قبل اكثر من مائه عام- في مشارف صحراء ايران. و عاد بعد ذلك معروفا به «بطل ميدان الفقه و الجهاد و مقارعة الظلم».

كان التقويم السنوي الهجري يشير الى سنة «1287» و كانت تخيم على ايران المسلمة و كل بقاع العالم الاسلامي ظلال ثقيلة و مظلمة من الظلم و الاستبداد و النفاق و الشرك. و عشعشت الابوام في كل ارجاء هذا البيت الكبير تنهش في بنيته. و فجأة تصدر يد التقدير و قلم الحكم و الحكمة الالهية؟ «اجمل المبدعين» امرا بوضع وليد في أنأى قرى ايران، على مشارف الصحراء، و قد كانت ولادته رصاصة الرحمة الالهية على قلب الانحطاط و الظلم و النفاق و الخراب، كان انفجارا حارقا للظلم، و آية الهيه كبرى للجميع.

و كان الصدى المدوّي لتجلي هذه الآية الالهية نظير اي صاعق آخر، فلم تحرم اذن سماعه، رغم ان «نوره» قد ابصره سكان الجبل المجاورين.

اجل: ففي ذلك اليوم، و على مشارف صحراء ايران اللاهبة الصامتة، في قرية مجهولة و جميلة «سرابه‌كچو» من توابع زواره في اردستان و لدى عائلة طاهرة و مثالية «اسرة السيد اسماعيل الطباطبائي الحسني» التي تنتمي الى الاسرة الاكبر «آل مير‌

10

عابدين زواره‌ئي» وطأ الارض وليد جديد سموه على اسم جده الاكبر الامام الحسن المجتبى (ع) «حسن».

و كان حقيقا ان يلقّب ب‍ «آية اللّه المدرس» بعد ان اضحى السيد حسن عالما زاهدا و فيلسوفا و سياسيا كبيرا، و استادا من الطراز الاول للفقه و الاصول في حوزتي طهران و اصفهان، و لانه اظهر مهارة فائقة في تدريس الفقه و الاصول و الفلسفة و العرفان و الاخلاق، و لانه كان زاهدا تقيا اصبح «آية اللّه المدرس». و بهذا اللقب المعنوي الكبير لعب دور فقيه جامع للشرائط و دور مجتهد مجاهد في ميدان الفقه و السياسة في العالم الاسلامي، و قدّم للعالم الاسلامي الرؤية السياسية الاسلامية، و كان ثمن ذلك التضحية بالنفس و الشهادة و تحمل الواني التعذيب و التبعيد. ففتح برسالته الحقة قلب القرون، و وضع حجر الاساس للثورة الاسلامية في ايران.

و من هنا يمكن ان نعدّه المربي الثوري قبل فجر الثورة الاسلامية، و ان نلقبه بحق «بوابة التاريخ الثوري الاسلامي الحديث»‌

اسرة الشهيد «المدرس»

نشأ السيد حسن المدرس و اشتد عوده في اسرة علم و عرفان و التزام بالاسلام.

يرجع اصله النسبي الى الاسرة الطباطبائية، و هم من السادة الحسينيين، الذين يعدّهم التاريخ، منذ الحكم العباسي، مناضلين صامدين في وجه الحكام الجائرين.

والده عالم ملتزم، و داعية هادف، اوقف حياته على خدمة الاسلام و المسلمين، و كان يقضي اكثر اوقات سنته مهاجرا نائيا عن وطنه و اسرته؛ بغية الدعوة الاسلام، و تبليغ احكامه، و توجيه الامة و اصلاحها.

كان «السيد حسن» يقصد مدينة قمشۀ «شاه رضا» اكثر من غيرها؛ حيث كان جده العارف العلامة «مير عبد الباقي» احد علماء تلك المدينة. اما والده السيد «اسماعيل الطباطبائي» فرغم فقره و عسر حاله المادي كان غنيا جدا على المستوى المعنوي و الروحي، و ذا مقام رفيع. و لم يكن له همّ سوى دعوة الاسلام و هداية الجماهير.

يقول الشهيد السيد «حسن المدرس» نفسه بصدد «جده» ما يلي:

«والدي السيد «اسماعيل»، و جدي «مير عبد الباقي» من اسرة مير عابدين زواره، و من السادات الطباطبائية. كان عمل جدي و والدي الوعظ و الخطابة و تبليغ احكام الشريعة الالهية، و كان عمري حين وفاته احد عشر عاما». (1)

11

جده عالم زاهد و عارف نير هو المرحوم «مير عبد الباقي الطباطبائى»، كان يعدّ واحدا من عرفاء عصره و اركان زمانه. هاجر من زواره* الى «قمشۀ» و اختار السكن في الثانية. و قد كان نفسه صاحب الدور الايجابي الاكبر في تعليم و تربية حفيده «السيد حسن»، و هو الذي وجهه صوب العلم و المعرفة و التقوى.

لقد تعهد السيد «مير عبد الباقي»، ابان حياته، بتربية و تعليم السيد حسن، و حضه و اوصاه بعد وفاته أيضا- عبر وصيته- ان يستمر في تحصيل العلوم الدينية، و يمضي على طريق السلف من علماء الاسلام.

يقول السيد حسن المدرس بصدد مكانة جده الرفيعة في الزهد و العبادة ما يلي:

«.. كان جدي «مير عبد الباقي» احد دعاة الاسلام في عصره و زاهد زمانه. و قد هاجر من «زواره» الى «قمشۀ» الواقعة في جنوب «اصفهان»، و قد تعهد جدي تربيتي و تعليمي، و انا لم ابلغ السادسة من عمري. و حينما انتقل الى (رحمة اللّه) كان عمري أربعة عشر عاما، و قد هاجرت الى «اصفهان» لا كمال دراستي، بعد عامين من وفاته طبقا لوصيته ..» (3)

كانت والدة السيد حسن المدرس تدعى «خديجة» و هي من مدينة «زواره»، و قد تربّى «السيد حسن» في حجرها حتى سن السادسة. و بعد ان بلغ السادسة افترق والده عن والدته، و بقيت والدته في «زواره» عند اسرتها، و هاجر السيد حسن يصحبه ابيه السيد «اسماعيل» الى «قمشۀ» مقيما جوار جده العلامة العارف «مير عبد الباقي».

اما علة انفصال الزوجين فهي- كما يظهرها السيد محيط الطباطبائي، و هو من سكان تلك القرية- ترجع الى ان السيدة «خديجة» لم توافق على هجر «قمشۀ»، و مغادرة اسرتها. (4) و على اي حال، فعبر هذا التاريخ تتناغم حياة «السيد حسن»، الذي ذاع صيته في ارجاء المعمورة، تحت اسم «آية اللّه المدرس»، مع مآل المحرومين و المظلومين في تاريخ الاسلام و المسلمين.

و في مدينة «قمشۀ» بذل السيد إسماعيل و مير عبد الباقي كل جهدهما المشترك لتربية و تعليم طفلهما، فعلّموه الف باء اللغة، و قراءة القرآن، و الادب الفارسى، و مبادي علوم اللغة العربية.

____________

(1) (*) كانت قرية تابعة لناحية «اردستان».)

12

و في سن الحادية عشرة تختطف يد المنون من الطفل النابغة والده الشاب على عجل، لكن يد جدّه المملوءة بالحنان و العطف لا تزال تمن برعايتها عليه.

كساه جده العلامة- على الظاهر- زي اهل العلم، و هو في سن الثالثة عشرة، و هيّأ له غرفة في مدرسة الحاج عبد الحميد العلمية. و لكن قبل ان يبلغ «السيد حسن» الرابعة عشرة فقد والده الاكبر، الذي كان يخطط لحياته، و يحنو عليه.

غير ان «السيد حسن» و اصل دراسته لعلوم الشريعة- وفقا لوصية «مير عبد الباقي»- و بقي في «قمشۀ» بمدرسة الحاج عبد الحميد حتى سن السادسة عشرة، و اكمل خلال تلك الفترة دراسته لعلوم النحو، و الصرف، و سائر مبادي اللغة.

لقد قضى «السيد حسن» هذه المرحلة من حياته الدراسية بإباء، و زهد، و عسر حال. و كان يقاوم، دون استسلام، كل مشكلات الحياة الدراسية المجهدة. فقد كان فراشه في تلك المدرسة لحافا واحدا فقط، كان يتوسده صيفا، و يلتحف به شتاء».

و بعد سنين حينما اصبح «المدرس» عضوا في مجلس الشورى، و اخذ يناضل ضد طاغوت زمانه «رضا خان» اعاد للذكرى- و هو يرد لائحة قدمها «رضا خان» الى المجلس لغرض التصديق عليها، تقضي بشراء الملابس و الفرش للجيش، و من بينها «اللحف»- حكاية تلك الأيّام قائلا:

«لما كنت طالبا في مدرسة الحاج عبد الحميد قمشه‌اي، لم يكن لي سوى لحاف واحد، كنت افترشه صيفا، و التحف به شتاء، و بعد مرور ثلاثة اعوام، و هبت اللحاف لطالب آخر.

لقد اشترينا في العام الفائت «لحفا» للجيش، فما الذي حصل؟! ...» (5)

نسب الشهيد السيد حسن المدرس

اتضح مما تقدم ان الشهيد «المدرس» ينتمي لعائلة اصيلة، اشتهرت بمكارم و فضائل خلقية، و من هنا علينا ان لا نغفل الدور الاساسى لاسرته الاخلاقية في بناء شخصيته العلويّة المتميزة.

لقد كانت انفاس المرحوم «مير عبد الباقي» الطهور في محيط قمشه‌اي و في فضاء مدرسة الحاج عبد الحميد اكسيرا حياتيا، أثّر على وجود السيد «حسن» الطاهر النابغ بكل تفاصيله.

يتصل نسب «مير عبد الباقي» جد السيد حسن المدرس لابيه بالامام الحسن بن‌

13

علي (ع) بواسطة «32 رجلا»، فيتصل نسب السيد حسن بواسطة «33» بالامام الحسن المجتبى (ع). و قد نقشت شجرة نسب الشهيد المدرس على قبره في «كاشمر».

دراسته و اساتذته

السيد حسن الطباطبائي- كما كررنا ذلك مرارا- اشتهر فيما بعد ب‍ «السيد حسن المدرس قمشه‌اي». و هو مثال الفقهاء و المجتهدين من الطراز الاول في العالم الاسلامي.

ابتدأ تحصيله الدراسي في «قمشۀ» في مدرسة الحاج عبد الحميد العلمية. و اقام في احد غرف هذه المدرسة، من سن الثالثة عشرة حتى السادسة عشرة. و حينما بلغ السادسة عشرة، و قد انهى تعلم قراءة القرآن و الادب الفارسي و علوم العربية، توجه صوب الحوزة العلمية في اصفهان- طبقا لوصية جده المرحوم مير عبد الباقي الطباطبائي- و قد كانت الحوزة العلمية في اصفهان آنذاك مركزا فريدا، متألقا للعلم و الفلسفة في ايران و العالم الاسلامي. حيث كانت هناك نجوم ساطعة و ادباء لامعة نظير: آية ... ميرزا عبد العلي النحوي الهرندي، و الآيات العظام: السيد محمد باقر درچه‌اي، و السيد صادق خاتون‌آبادي، و الشيخ مرتضي ريزي، و الشيخ عبد الكريم گزي، و الفلاسفة الضالعون بالحكمة لأصيلة بحق كالفيلسوف الشهير الآخوند ملا محمد كاشاني، و المتأله الفريد و الفيلسوف الزاهد ميرزا جهان‌گير خان قشقائي ... و امثالهم. فقد اضاء هؤلاء محيط اصفهان، بنور العلم و المعرفة و الفقه و الفلسفة، و عكفوا في مدارسها على تربية طلاب العلم.

من هنا اغرت حوزة اصفهان. بجاذبيتها القرية أيضا الطالب الفتى نابغتنا «السيد حسن». فشدّ الرحيل الى اصفهان بشجاعة لا نظير لها، و هو لم يتم السادسة عشرة بعد، فقيرا لا يملك شيئا سوى قلب ملئ بالايمان و الامل و التقوى و الاخلاص، و هيّأ لنفسه غرفة في مدرسة «جدّه كوجك»، اقام فيها لاكمال دراسته.

اقام «السيد حسن» في الحوزة العلمية في اصفهان ثلاثة عشر عاما كاملة، عاكفا ليل نهار على تحصيل العلوم الاسلامية و سائر معارف عصره. و كما يقول نفسه: «لقد حضرت عند اكثر من ثلاثين استاذا خلال ثلاثة عشر عاما، و عكفت على الافادة منهم». (14)

و قد بلغ «السيد حسن المدرس» خلال هذه المدة درجة الاجتهاد في الفقه و الاصول تحت اشراف العلمين السيد محمد باقر درچه‌اي و الشيخ مرتضى ريزي، و غيرهما من‌

14

الاساتذة. و قد مهر في علم الاصول، على وجه الخصوص، بحيث استطاع ان يقرر دورة اصولية استغرقت سنتين و نصف، للعلمين «درچه‌اي» و «ريزي». و لدى مقارنة ما تبقى من آثار «السيد حسن المدرس» ابان دراسته في اصفهان بالآثار الاصولية لكبار الاصوليين نظير آية الله الشيخ محمد حسين النائيني، و آية الله ضياء الدين العراقى، و امثالهما، نجد المدرس- و هو في اصفهان قبل ان تطأ قدماه ارض النجف مجتهدا اصوليا بارعا، ان لم يكن اقدر من النائيني و العراقي فهو في صفهما. لكنه بعد ان ورد النجف، و حضر ابحاث الاساتذة فيها، كالآخوند ملا محمد كاظم الخراساني «صاحب الكفاية»، و السيد كاظم اليزدي «صاحب العروة» و الميرزا الاول و الثاني، و بعد ان دوّن دورة كاملة لابحاثهم الفقهية و الاصولية، لم يعد بالامكان مقارنته باقرانه، كالنائيني و العراقي و الشيخ عبد الكريم الحائرى اليزدى، بل حتى مع صديقه و زميله و شريكه في البحث و الدرس آية الله السيد ابو الحسن الاصفهاني، فنعده في صف هؤلاء. بل اضحى «المدرس» اعمق و اكثر تألقا من جميع هؤلاء، نجوم سماء الاجتهاد و الفقاهة.

و ليس هذا القول ادعاء صرفا، بل ان قراءة و تفحص الحياة العلمية لهؤلاء العظام، و مقارنة آثار دراستهم، تكشف عن حقيقة هذا القول بوضوح. و قد أيّد الفقيه المجاهد آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي «قدس»- و هو استاذ جميع من تقدم ذكره من رجال عظام- رجحان ذكاء المدرس و علمه على الآخرين. فقد قال بصدد السيد حسن المدرس عبر كلمة قصيرة دالة ما يلي:

«ان هؤلاء ابناء رسول اللّه (ص)، لهم ما لاجدادهم من طهر، فقد كنت أدهش احيانا بذكائه و فراسته، و قد فاق جميع زملائه في مدة و جيزة، و كان على رأسهم في المنطق و الفقه و الاصول، و كانت قدرته على الموازنة و الحكم في غاية الكمال، و نهاية الاستقامة و التقوى» (15)

كان المدرس ايام التعطيل الدراسي، كالخميس و الجمعة و ايام الوفيات و غيرها عاكفا بشكل اساس على تحصيل العلوم و استيعاب الابحاث المرتبطة بالفلسفة و العرفان، و ما سواها من الابحاث، التي لا تتناولها الفصول الدراسية المعتادة. و قد شجع «المدرس» على الاهتمام بالعرفان و الفلسفة ما كان يلقاه من رعاية و حنو أولاها له الفيلسوف الكبير الآخوند «ملا محمد كاشاني»، الذي لمس في المدرس نبوغا و اخلاصا و جدية-، فقد كان يعلّم المدرس برعاية و اهتمام، بشكل خاص، و لم يحضر ذلك الدرس‌

15

الخاص سوى التلميذ اليافع و الاستاذ الهرم المتأله، و قد كان الدرس يستغرق الساعات.

كتب الشهيد المدرس خلاصة حياته الدراسية في حوزه اصفهان باللغة العربية، و بشكل مختصر جدا، في مقدمة كتابه الذي لا يزال في عالم المخطوطات و الموسوم ب‍ «شرح الرسائل»، و يبدو ان هذا الكتاب نتيجة تحقيقه و تقريره لدروس آية الله السيد محمد باقر درچه‌اي و آية الله الشيخ مرتضى ريزي في علم اصول الفقه، على مستوى بحث الخارج. و أليك نص ما كتبه المرحوم المدرس بقلمه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم كان اوّل زمان ورودي في اصبهان للتحصيل في ثالث عشرة مضت من اوّل الحمل في سنة ثمان و تسعين و مائتين بعد الألف من الهجرة النبوية (ص) و كان اشتغالي في الزمان المذكور بجامع المقدمات في علم النحو و الصرف، و الى خمسة سنين كان اشتغالي بالمقدمات المعروفة: علم النحو و الصرف و المنطق و البيان عند الاساتيذ المتعددة، المتبحرة، منهم اثنان آية اللّه الشيخ عبد العلي الهرندى الاصل الساكن في الاصبهان في المحلة الواقعة جنب مسجد الجامع، و كان شيخا كبيرا ذا جربزة لا يوجد مثله الا قليل و لم ينحصر فضله في الادبيات و الصرف بل له فيها و في الفقه و الاصول و الرياضة تصانيف متعددة، لكن لعدم اقبال الدنيا كما هو عادتها به صار هو مع تصانيفه كأن لم يكن شيئا مذكورا في نظر الناس، و قد توفى (ره) بهذه الحالة في سنة اثنين و ثلاثمائة بعد الألف من الهجرة في موقفه (رحمه اللّه)، و الآخر الفاضل الكامل ملا محمد الكاشاني و قد احتوى من العلوم معقولها و منقولها و جمع فضائلها بحيث لم يكن له نظير في زمانه و قد رحل اقامته من الكاشان باصبهان سنة ستة و ثمانين و مائتين بعد الألف بعد ان كان فاضلا على ما علم من الخارج و كان في الاصبهان ساكنا في المدرسة محصلا و متحصلا مدرسا بعد ان كان متدرسا في سابق الزمان عند الاساتيذ المعتبرة منهم الحاج ملا حسين التويسركاني الاصل المسكن في الاصبهان. و كان في غاية الفقر و الفاقة و كنت مثله في زمان تحصيلي عنده لشرح اللمعة في الفقه و بعده القوانين و الفصول في الفاقة بحيث يترحم علي و اترحم عليه في ما بيننا و بين اللّه و كان ..... تحصيلي المعقول عنده في ازمنة التعطيل و هو كتاب شرح الهداية المبدى و شرح المنظومة و الشوارق و الشواهد الربوبية ثم حصّلت السطح في الفقه و الاصول في أربعة سنين مع تلفيقها في بعض ازمنة تحصيل المقدمات و كان في احوالي في هذا البين تزويجي ... و مات ابي في سنة‌

16

الثمانية من التحصيل، و كنت بعد ذلك في الاصبهان في أربعة سنين مشتغلا بخارج الاصول عند العالم الربّانى شيخ مرتضى ريزي الاصل الساكن فى الاصبهان في محلة در كوشك، و قد حصلت عنده في الاصول بحث حجية الظن في سنتين و ستة شهور تخمينا و كان هو من تلاميذ سيد العلماء الحاج سيد حسين التركي الاصل المشرف في النجف مسكنا و تحصيلا و مدرسا و مدفونا، و قد جمعت من تقريراته في الزمن المذكور قريبا من عشرة آلاف بيت كتابة متعلقة بالمسألة. و عند السيد الجليل العالم العامل السيد محمد باقر درچه‌اي الاصل محصلا في الاصبهان و بعد في النجف الاشرف من تلامذة الشيخ الاكبر و الجليل الاعلم المقنن لقوانين الاصول في زمانه الحاج ميرزا حبيب اللّه الرشتي الاصل النجفي المسكن و المجاور حفظه اللّه تعالى من الحوادث المسائل المتعلقة بالاستصحاب في ثلاثة سنين و ثلاثة شهور تخمينا و بعض المسائل المتعلقة بدليل الانسداد و الظن في اصول الدين، مع مسائل متفرقة. و قد كتبت ما حصلت عنده في قريب من خمسة عشر الف بيت من التقريرات ثم بعد ذلك هاجرت من الاصبهان الى مجاورة ابي الائمة و هادي الامة بقصد الزيارة أولا و التحصيل فى جواره ثانيا بتوفيق اللّه تعالى سنة احد و عشر و ثلاثمائة بعد الألف فى الهجرة النبوية في اواخر شهر شعبان .....

و هناك رواية اخرى عن حياة الشهيد «المدرس» نقلها السيد «محسن الامين» في اعيان الشيعة «ج 5، ص 621» عن جريدة الهاتف النجفية في عددها الصادر 7 رمضان 1361، نقلا و تعريبا عن جريدة «اطلاعات»، حيث كتب لها السيد «المدرس» ترجمة حياته، و لعل هذه الرواية مع ما تقدم منه تشكل ترجمة كاملة لحياة الشهيد «المدرس». و أليك بعض ما جاء في اعيان الشيعة:

«... مكثت في اصفهان ثلاث عشرة سنة و حضرت عند ثلاثين مدرسا في مختلف العلوم من العربية و الفقه و الاصول و الاصول و الفلسفة، و اعظم استاذ حضرت عنده في العربية هو الميرزا عبد العلي النحوي، الذي كان عمره يتجاوز الثمانين سنة. و في الفلسفة حضرت عن العالمين جهان‌گير خان و الآخوند ملا محمد علي، و كانا يعيشان عيشة زهد و انقطاع، و بعد قضية (الدخان) المشهورة هاجرت الى النجف، و حضرت عند اغلب علمائها تيمنا و تبركا، و لكن كان جل دراستي عند العالمين الخراساني و اليزدي رحمهما اللّه.

17

و مكثت في العراق سبع سنوات ثم رجعت الى اصفهان و اخذت أدرّس الفقه و الاصول في احدى المدارس على النهج الذي أدرّسه في مدرسة سبهسالار الآن، و اسال اللّه ان يوفقني لان اقضي بقية حياتي كذلك.»‌

و قد كان آية اللّه العظمى الشهيد السيد حسن المدرس، حين اقامته في العراق وجها علميا مشهورا و معروفا في الحوزة العلمية في العراق.

و كانت له علاقة و عشرة أيضا مع علماء و فضلاء تلك الديار.

بعض زملائه فى الدروس

اما الزملاء الذين اشتركوا مع المدرس تلامذة في ابحاث الخارج، التي كان يلقيها العلماء الاعلام «الخراساني، اليزدي، شيخ الشريعة الاصفهاني، و الميرزا الشيرازي الاول و الثاني .. و غيرهم»، و الذين كان للمدرس معهم رفقة و عشرة و صداقة فهم الاعلام: السيد اسماعيل الصدر، الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي. السيدين مصطفى و ابو القاسم الكاشاني، الشيخ ابو القاسم ملايري، السيد محمد تقي الخونساري، (19) الشيخ محمد حسين النائيني الغروي، الشيخ فضل اللّه النوري، الشيخ محمد ملايري، الشيخ حسين اليزدي، السيد هبة الدين الشهرستاني، السيد محمد صادق الطباطبائى، السيد محمود المرعشي، السيد علي كازروني، السيد ابو الحسن الاصفهاني ... (20)

و قد اضحى جميع هؤلاء الاعلام، بعد ذلك، ملجأ للمسلمين في حياتهم، و احتل كل واحد منهم موقعا مرجعيا، في بقعة من بقاع العالم الاسلامي. بل كانت لبعضهم، كالسيد ابو الحسن الاصفهاني، و الشيخ عبد الكريم الحائرى، و السيد محمد تقي الخونساري، مرجعية عامة في عالم التشيع.

و من بين هؤلاء الزملاء العظام كان للمدرس مباحثون أيضا، فقد كان يذاكر ابحاث الخارج- بشكل اساس- مع آية الله السيد ابو الحسن الاصفهاني، و آية الله السيد على كازروني، و السيد محمود المرعشي.

و قد كتب السيد المرعشي النجفي بهذا الصدد ما يلي:

«المرحوم آية اللّه السيد مير حسن المدرس قمشه‌اي من اجلاء علماء العصر و من‌

18

الرجال البارزين في المراحل الاخيرة. هاجر العظيم الى العتبات المقدسة «النجف» بعد ان اتم تحصيل المقدمات و شطرا من الخارج في اصفهان. و خلال عدة سنين انهى تحصيله طالبا عند الآيات العظام الشيخ الآخوند ملا محمد كاظم الخراساني، و السيد محمد فشاركي، و السيد محمد كاظم اليزدي، و شيخ الشريعة. و كان يذاكره المرحومين آية اللّه السيد ابو الحسن الاصفهاني، و السيد على الكازروني متولي مدرسة قوام الشيرازي «و هي احدى مدارس النجف الاشرف» و كانت مذاكرتهم عند العصر في مقبرة المرحوم آية اللّه العلامة، كما تذاكر مدة قليلة من الزمن مع والدي آية اللّه النسابة السيد محمود المرعشي النجفي المتوفي سنة 1338 ه‍ ...» (21)

و رغم كون «المدرس» مجتهدا جامعا للشرائط، بل لعله الاعلم بين علماء عصره، و على حد تعبير زعيم الطائفة الاكبر الميرزا الشيرازي: «كان متقدما على سائر اقرانه في المنطق و الفقه و الاصول»، الا انه لم يدبج رسالة عملية للفتوى ليرجع له الناس، و لو قدر ان ينشر المدرس رسالة عملية بين الناس لكان حظه من التقليد اوفر مما كان عليه آية الله السيد ابو الحسن الاصفهاني، و آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي!

ان بعضى الاعلام و الفقهاء المعاصرين يرون «المدرس» اقدر و ارفع مستوى من آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري على المستويين السياسي، الاجتماعي، و العلمي الفقهي.

و يذهب بعضى اصحاب الرأي و المجتهدين المعاصرين الى ترجيح «المدرس» فقيها و علميا و سياسيا اجتماعيا على آية اللّه الشيخ عبد الكريم الحائري أيضا.

آية اللّه السيد محمد رضا بهاء الديني واحد من المجتهدين الذين طالت تجربتهم و الاساتذة الكهول في الحوزة العلمية بقم، يقول في مقام المقارنة بين المرحومين آية اللّه الشيخ عبد الكريم الحائري و الشهيد المدرس عليما و اجتماعيا:

«كان المدرس رجلا سياسيا و عالما دينيا، و رجل على هذا الطراز اكثر اهمية من عالم ديني فحسب، اذ السياسة مظهر الولاية، حيث ورد في الرواية: بني الاسلام على خمس ... فاذا توفرت الولاية و سياسة المسلمين تحققت لباقي فروع الاسلام مصداقية كاملة ...» (22)

19

و يقول أيضا:

«نعم؛ انهم لم يعرفوا المرحوم «المدرس»، لقد كان «المدرس» رجلا خارقا للعادة.

انه نموذج لرجل الدين الواقعي، فهو ان لم يكن ارفع مستوى من مراجع التقليد لم يكن اقل منهم ...» (23)

لقد كان للمدرس ابان وجوده في طهران علاقة و معاشرة مع اولئك العلماء الربانيين، الذين كانوا يشعرون بالمسئولية، و يهتمون بمستقبل الاسلام و الامة الاسلامية، و يعملون في واقع المجتمع، فضلا عما كانوا يتحلون به من كمالات علمية و معنوية. امثال العالم الرباني و المجتهد التقي المجاهد آية الله السيد ابو الحسن الطالقاني، الذي كان واحد زمانه في محاربة الظلم، و ألدّ المعارضين الصامدين للنظام الطاغوتي «نظام رضا خان»، فقد كانا يتشاوران في قضايا الاسلام و المسلمين، و يشتركان في السعي. (24)

و حينما كان المدرس في اصفهان مجتهدا و استاذا لابحاث الخارج كانت له علاقة وثيقة بالمجتهدين المخلصين المناضلين الواعين آية الله سيد العراقين، و الميرزا احمد بيدآبادي، و الشيخ نور اللّه الاصفهاني، و آخرين، و كان يشاركهم السعي في حل مشكلات المسلمين، و تقريب و جهات النظر.

لقد كان موقع «المدرس» العلمي، و نفوذه المعنوي عميقا شاملا الى حد بعيد؛ بحيث كان المعاصرون جميعهم يعترفون له بهذا الموقع، و يغبطونه عليه. بل يمكن القول ان البعض كان يحسده على موقعه العلمي و الاجتماعي و السياسي، و اثر هذا الحسد تعاون مع ظالم ك‍ «رضا خان» ضد «المدرس»، كما دفع هذا الحسد بعضى رجال دين الوقت للتعاون مع رضا خان، و اصرار بيان لتثبيت موقع «رئيس وزراء» النظام الظالم، و من الطبيعي ان ينتهي ذلك الى الاضرار بالاسلام و المسلمين و آية اللّه المدرس. (25)

لم يتوفر الشهيد السيد حسن المدرس على هذا الموقع العلمي و الفقهي الرفيع دون عناء، فقد واصل دراسته بقلب تعتصره آلاف المشكلات، حيث كان يذهب في بعضى ايام التعطيل الدراسي ليعمل اجيرا عاديا؛ بغية توفير قوته اليومي، و هذه حقيقة تواتر نقلها عبر رفاقه. الحكاية التي سنأتي على نقلها رويت بوسائط متعددة على لسان الشهيد المدرس نفسه، و هي واحدة من قضايا و حكايات متعددة، نجزم مع تعددها رغم احتمال اختلاف تفاصيلها بصحة هذه الواقعة.

20

و الحكاية التالية تدلل على ما كان يتمتع به الشهيد المدرس من اباء و شهامة و شجاعة فائقة، رغم فقره و ضيق حاله. و هي حكاية تدور بين السيد حسن المدرس، واحد اقطاعي اصفهان المتنفذين، الذي يدعى «محمد رضا خان سرهنگ گزي».

يقول المدرس:

«حينما قدمت الى اصفهان لإكمال الدراسة كنت مضطرا؛ بغية تهيئة قوتي، و مستلزمات دراستي ان ابدل زيّ، و اذهب الى القرى للعمل اجيرا فيها. و ذات يوم ذهبت الى قرية «گز»، و اشار رب العمل و هو كان احد عمال «محمد رضا خان» و أنا لا أعرفه، الى حائط بستان من بساتينه، و قال لي: اهدم هذا الجدار، و خذ ريالين اجرة عملك وقت العصر، فقبلت العقد و شرعت بالعمل، و قريب الظهر وقف قريبا مني فارس، و قال لي: ايها الخادم ساعدك اللّه، لا تهدم ما تبقى من الجدار. فقلت له: ايها السيد انا لا اعرفك، و قد قال لي شخصى آخر اهدم الجدار، و لا بدّ من ان اكمل عملي. فقال: ايها الرجل ان البستان ملكي، و اقول لك كفى! لا تهدم اكثر من ذلك. قلت: من الممكن ان تكون صاحب البستان، لكنني لا اعرفك، و قد كلفني رب العمل، فلا بد ان يأتي هو، و يقول لي: لا تهدم. فغضب الفارس و قال: ابن اللعين يريد مني سند الملك «الطابو». فقلت له: لست ابن لعين، و البينة على من ادعى و اليمين على من انكر! فاخذ الفارس يفكر قليلا، ثم ابتعد مسرعا من ذلك المكان. و فجأة قدم فارسان مأموران، و انتقلا بي الى منزل «سرهنگ»، فقال لي الاقطاعي: أ تدري لم لم يؤدباك هناك؟

قلت: لا.

قال: لانني احسست بالضعف في وجودي لاول مرة، اذ لم يقف امامي حتى الآن اي شخصى: قل الآن ما هي هويتك؟

اجبته: انا السيد حسن طالب علم، اذهب الى قرى اصفهان احيانا للعمل بغية توفير مستلزمات اكمال دراستي. ثم لبست جبتي و وضعت عمامتي على رأسى. امر المرحوم محمد رضا خان احد اعوانه باصدار حوالة على احد تجار اصفهان، ليعطي السيد حسن ثلاثين تومانا شهريا، و يوصلها الى غرفته، و لا يطالبه بوثيقة الوصول. بعد ذلك جلبوا الغداء فأكلنا، ثم عدت الى اصفهان و ...» (26)

بعد ان تعرفنا بشكل مختصر و اجمالي على واقع المدرس الدراسي في مراحله المختلفة يحسن بنا ان نلقي أيضا نظرة سريعة على حياة اساتذة الشهيد المدرس‌

21

المشهورين، و نطل على شخصيتهم المعنوية، و العلمية، و النضالية؛ لكي نتمكن من معرفة افضل للروح الطاهر الذي ربى في احضانه هذا النموذج الهادي من العظماء، و قدمه هدية للمجتمع الاسلامي، فقديما قيل: «المرء على دين خليله».

اساتذته الأعلام

التقى الشهيد المدرس اساتذة متنوعين و متعددين، و افاد منهم، و على حد قوله انه افاد من ثلاثين مدرسا في اصفهان فقط. (27) و التقى في العراق أيضا اساتذة و مجتهدين كثيرين. و لكن لا يسعنا هذا المجال ان نترجم لجميع هؤلاء و نتعرف عليهم بدقة.

من هنا نقتصر على ترجمة مختصرة لعدد من اعلام اساتذته الذين اشرنا إليهم عبر حديثنا:

1- مير عبد الباقي الطباطبائي:

لا شك ان اوّل استاذ مربي للسيد حسن المدرس هو جده العالم الزاهد المرحوم «مير عبد الباقي الطباطبائي»، الذي كان يسكن «قمشۀ»، و يمارس الوعظ و الارشاد فيها.

يقول المدرس بهذا الصدد:

«تعهد جدي مير عبد الباقي في سن السادسة تربيتي ..» (28) «كان مير عبد الباقي زاهدا تقيا من اصحاب الكرامات و الرياضة الروحية. و كان يسكن محلة «فضل‌آباد» في مدينة «قمشۀ». توفي عام 1301 ه‍، و دفن عند مشارف مدينة «شاه رضا»» (29)

2- آية اللّه الشيخ عبد العلي النحوي الهرندي:

يعرف بالشيخ عبد العلي النحوي، و قد لاحظت ترجمته بقلم المدرس آنفا. و قد اثنى المدرس على علمه و تقواه، و حزن لفقده.

3- آية اللّه الشيخ مرتضى ريزي:

«ريزي» احد اساتذة «المدرس» الذين احتلوا اهمية خاصة في حياته، و كان لهم الاثر الكبير عليها. و قد كتب «المدرس» بحثا مفصلا عن العلاقة التي كانت تربط التلميذ بالاستاذ، و قد اشرنا لها سابقا. كما قرر ابحاث الظن من دراسات «ريزي»‌

22

الاصولية.

ولد الشيخ مرتضى ريزي في حدود عام 1250 ه‍ في قرية «كانت تسمى «ريز»، و تدعى اليوم «زرين شهر». والده الشيخ عبد الوهاب ريزي، و قد ابتدأ الشيخ مرتضى دراسته على يد والده.

كان الشيخ مرتضى ريزي على مستوى روحي رفيع مضافا لما كان له من اجتهاد و فقاهة. و كان يعقد في ليالي الجمع مجلسا لدعاء كميل في «تخت‌فولاذ» باصفهان، و هو الموقع الذي تحتله «مقبرة الشهداء» اليوم، و كانت تشارك في هذا المجلس جماهير غفيرة من الناس، و قد روي بهذا الصدد:

ان الشيخ مرتضى ريزي كان يقرأ دعاء كميل في «تخت‌فولاذ» بصوته الرخيم الحميم، و كان يشترك في مجلس دعائه ما يقرب من عشرين الف نفر من اهالي اصفهان.

في احدى الليالي، و بينها كان يناجي ربه وسط الدعاء اخذ يصيح: اين انتم ايها العصاة؟ فيرتفع من وسط المجموع صوت يقول: لبيك، لبيك! ان «تقي» حاضر. و حينما يلتفتون الى مصدر الصوت يجدون مجتهد اصفهان الكبير «النجفي» مشاركا سرا في مجلس الدعاء، ليفيد من فيضه الروحي» (30)

توضح هذا الرواية المستوى الروحي الرفيع، الذي كان يتمتع به الشّيخ ريزي. و قد افاد السيد حسن المدرس من هذه الارواح الطاهرة لعرفاء إلهيين و زهاد واقعيين، حتى تمكن ان يكون «المدرس الشهيد» و يبلغ المستوى المعنوي و الروحي الرفيع.

4- آية اللّه السيد محمد باقر درچه‌اي:

هو احد المجتهدين الكبار، و كان يعدّ احد مراجع التقليد في عصره كانت له حوزة دراسية كبيرة، و كان يلقي دروسه على الغالب في مدرسة «نيم آورد» في اصفهان، كما هو حال الآخوند «ملا عبد الكريم».

انتقل آية اللّه درچه‌اي الى رحمة ربه عام 1342 ه‍، و قد ربى جمعا من رجال التاريخ الذي يعد كل واحد منهم نموذجا للعالم الملتزم في الفقاهة و المعرفة و الاخلاص و التقوى و الكياسة و الادارة.

و هناك رجلان من بين هؤلاء الرجال كان لهما الاثر الكبير في العالم الاسلامي و هما:

23

آية اللّه العظمى السيد حسين البروجردي «مرجع الطائفة»، و الشهيد السيد حسن المدرس (رضوان اللّه عليهما). (31)

كتب الشهيد المدرس- كما اشرنا آنفا- الابحاث العالية «الخارج» التي كان يتلقاها من استاذه «درچه‌اي»، كما اشاد كثيرا بتقوى استاذه و علمه. (32)

لقد كان المرحوم السيد درچه‌اي نادرة زمانه في تقواه، و قد امتلأت حياته المعنوية بوقائع مذهلة، تدلل على تقواه، و أليك الحكاية التي نقلها احد تلاميذه درسه في أخريات عمره، حيث تدلل بوضوح على تقوى هذا المجتهد، و عظيم احتياط هذا الفقيه الكبير:

«دعى احد التجار الكبار المرحوم «درچه‌اي» و جمعا من العلماء و الطلبة الى وليمة في داره. و قد كانت وليمة ضخمة، امتلأت مائدتها بالوان الاطعمة، و كان الاهتمام باعدادها و تشكيلها كبيرا أيضا، تناول المرحوم «درچه‌اي» على عادته اليومية قليلا من الطعام، ثم نهض لغسل يديه و فمه. بعد ذلك قام المضيّف و قدم للسيد «درچه‌اى» سندا لمعاملة؛ بغية ان يصادق عليه. و قد كانت فتوى السيد حرمة المعاملة. هنا ادرك السيد ان هذه الوليمة كانت مقدمة لامضاء المعاملة و التصديق على السند، فحسبها «الوليمة» رشوة. فجأة تغير لونه و ارتعش بدنه و قال لمضيفه: اي عمل سيئ ارتكبته بحقك، لكي تطعمني هذا الزقوم؟ لم لم تأتني بهذا السند قبل تقديم الطعام، لكي لا ألوث يدي بهذا الغذاء المشبوه؟ ثم نهض من المجلس مضطربا، و اسرع الخطى صوب المدرسة، فجلس قرب حديقة المدرسة مقابل غرفته، ثم وضع اصبعه في داخل فمه، و تقيّئ كل ما اكله في تلك الوليمة، فهدا اضطرابه و تنفس الصعداء.» (33)

5- الفيلسوف الالهي ميرزا جهان‌گير خان قشقائى:

هو احد اساتذة الشهيد المدرس الاساسيين في الفلسفة و الحكمة- كما جاءت الاشارة الى ذلك في اعيان الشيعة أيضا «ج 5، ص 21». كان الميرزا من نوادر عصره، و لم يكن له حتى وفاته مسكن سوى حجرة صغيرة في اصفهان، كما انه لم يتزوج طول حياته.

يقول شهيدنا الاستاذ مطهري:

«عشق جهان‌گير خان قشقائي التحصيل العلمي و هو كبير، فتابع طلب العلم، حتى اضحى استاذ الفلسفة المعترف به في اصفهان. و قد كان المرحوم مضافا‌

24

لموقعه العلمي و الفلسفي نموذجا في الانضباط الاخلاقي و متانة الشخصية. و بقي حتى وفاته مرتديا للباسه الاعتيادي الاول، دون ان يغيره، و كان محبوبا بشغف من قبل تلامذته و معارفه. و قد تلمذ على يد «محمد رضا قمشه‌اي»، و يحتمل انه ادرك في بداية حياته العلمية حضور دروس الميرزا عبد الجواد حكيم خراسانى المقيم في اصفهان، و الملا اسماعيل الأصفهاني درب‌كوشكي.

ولد جهان‌گير خان عام 1243 في مدينة «دهقان» الاصفهانية، و توفي في اصفهان عام 1328 ه‍، و قبره معروف في «تخت‌فولاد» اصفهان». (34)

و بصدد زهد ميرزا جهان‌گير خان يقول الشهيد المدرس:

«درست الفلسفة أيضا على يد عالمين كبيرين: جهان‌گير خان، و الآخوند ملا محمد كاشي. و كان هذان الاستاذان يعيشان في المدرسة، و كانت حياتهما حياة زاهدة قطعت علاقتها بالدنيا». (35)

6- آية اللّه الحكيم الكبير الآخوند ملا محمد كاشي:

كانت للشهيد المدرس علاقة عاطفية خاصة مع استاذه «كاشي»، و قد شارك في حضور دروسه العامة لاربع سنين، كما تلمذ على يده ايام التعطيل الدراسي- بشكل خاص في الحكمة و العرفان. و لم يقف احد على اسرار هذه العلاقة الروحية بين العارفين الكبيرين اللذين قضا حياتهما زاهدين فقيرين سوى الاستاذ و تلميذه، كما يصرح المدرس:

«لقد كان يعطف علي، و احنو له أيضا، و قد كانت هذه العلاقة خاصة بيننا، و لم يعلمها احد الا اللّه تعالى».

لقد كان ل‍ «كاشي» اكبر الاثر على تلميذه النموذجي «المدرس» في البناء الاخلاقي و العرفاني و الفلسفي. و قد كان السيد البروجردي احد تلاميذ الآخوند كاشي أيضا.

و قد كتب الشهيد مطهري حوله ما يلي:

«الآخوند ملا محمد كاشي المقيم في اصفهان معاصر ل‍ «جهان‌گير خان»، و كان تلميذا ل‍ «محمد رضا قمشه‌اي». عاش في مدرسة الصدر باصفهان، و قضى حياته‌

25

عازبا، و كان رجلا مرتاضا تبرز في سلوكه بعض الممارسات المذهلة.

و قد تلمذ على يده عدد من كبار الطائفة، نظير: الحاج رحيم رباب، و المرجع الكبير السيد حسين البروجردي، و جمع آخر من تلامذته (و قد سمعت منه حين تلمذي عليه في بروجرد انه تلمذ على يد الآخوند، و انه كانت تبرز على سلوكه حالات غريبة.

توفي الآخوند كاشي عام 1332 في اصفهان، و دفن قرب قبر جهان‌گير خان في مقبرة «تخت‌فولاد» باصفهان». (36)

7- السيد محمد صادق الاصفهاني خاتون‌آبادي:

كان استاذا للشهيد المدرس في مرحلة السطوح. و قد كان المدرس يحترمه و يجله كثيرا. فحينما كان يرد مجلسا من المجالس العامة كان المدرس يثب من مكانه لاستقبال استاذه السابق. (37) و قد كان «خاتون‌آبادي» من خيرة تلامذة الآخوند الخراساني البارزين. و قد اعان استاذه و ساهم في كتابة «كفاية الاصول». و كان مجتهدا في الفقه و الاصول، و ذاع صيت درسه في كتاب «الرسائل».

هاجر مع من هاجر من العلماء و المجتهدين عام 1345 ه‍ الى قم، بمعونة الشهيد نور اللّه الاصفهاني، ليتجمعوا هناك معارضة لبعض ممارسات «رضا خان»، و تفرق جمعهم بوفاة الحاج نور اللّه بطريقة مشكوكة.

ارّخ الاستاذ جلال الدين همائي عام وفاة المرحوم خاتون‌آبادي سنة 1328 ه‍، في حين ارّخه كاتب آخر تناول «المدرس» في بحث عام 1346 ه‍. (38)

و قد نشر مؤخرا كتاب للخاتون‌آبادي تحت اسم «كشف الحق» او «اربعين خاتون‌آبادي»، و هو عبارة عن مجموعة احاديث انحصرت بالامام المهدي الموعود (عجل اللّه تعالى فرجه) مع شرح و تفسير لطيف لهذه الاحاديث. و قد صدر الكتاب عن مؤسسة البعثة عام 1361 ه‍، ش.

8- آية اللّه فتح اللّه شريعت اصفهاني:

اشتهر المرحوم ب‍ «شيخ الشريعة»، و هو احد كبار فقهاء الطائفة و علمائها في القرن الرابع عشر الهجري، و قد تخرج على يده فقهاء و عرفاء كبار، كالفقيه الشهيد السيد‌

26

حسن المدرس، كما اشار الى ذلك آية اللّه النجفي المرعشي في رسالته الخطية. و قد كانت تربط السيد المدرس بالشيخ فضلا عن رابطة التلمذة علاقة شخصية خاصة صميمة قريبة جدا.

ولد «شيخ الشريعة» باصفهان عام 1266 ه‍، و تلمذ على يد كبار العلماء كصاحب روضات الجنات.

و قد انتقلت إليه المرجعية العامة للطائفة بعد وفاة آية اللّه الميرزا محمد تقي الشيرازي، لكنه لم يعش طويلا بعد ذلك فقد توفي عام 1339 ه‍ بعد ستة اشهر من تقلده مقام المرجعية العامة. و له مؤلفات ذات اهمية كبيرة في الفقه و الاصول، جاء على ذكرها تفصيلا كتاب «علماء معاصرون» للواعظ التبريزي. (39)

9- آية اللّه ميرزا حسين الخليلي:

احد اساتذة الشهيد المدرس في النجف الاشرف. (40) و قد كان الشيخ الخليلي «قدس» احد اساتذة جامعة النجف، و واحدا من مراجع التقليد فيها.

والده علي ابن ابراهيم، من سكان مدينة «ري» قرب طهران، سكن النجف، و هو من تلامذة المرحوم الشيخ محمد حسين الكاظمي. له مقلدون كثيرون في الهند و لبنان و العراق و ايران. كان الشيخ الخليلي في البدء من انصار- تأسيس الحكومة «المشروطة» في ايران، و عاضد الآخوند الخراساني و ملا عبد اللّه المازندراني في هذا السبيل. الا انّه راوده الشك بعد حين في قضية «المشروطة» فعدل عن رايه الاول، و اصدر فتوى «بتحريم المشروطة». (41)

10- آية اللّه المجاهد ميرزا محمد تقي الشيرازي:

الميرزا الشيرازي قائد الجهاد الجماهيري ضد الانجليز، و صاحب الفتوى الشهيرة بهذا الصدد.

احتل موقع الزعامة و المرجعية العامة للتقليد بعد وفاة آية الله السيد محمد كاظم اليزدي. و من مؤلفاته تعليقة على كتاب «المكاسب» للشيخ الانصاري، و قد طبعت هذه التعليقة على الحجر في طهران. (42)

يعرف هذا الرجل الكبير ب‍ «الميرزا الثاني»، و قد ربى تلامذة مبرزين و لائقين، و كان الشهيد السيد حسن المدرس واحدا من هؤلاء.

27

و يقول المرحوم «امير عبد الجواد» المعروف ب‍ الاديب النيشابوري: ان الشهيد المدرس كتب بخط مقروء تقريرا للدروس العالية التي كان يلقيها المرحوم الميرزا حسن الشيرازي «الميرزا الاول» و المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي «الميرزا الثاني». و يظن انها قد نهبت حينما هجم رجال الشرطة على داره. (43)

افجع آية اللّه الميرزا الثافي العالم الاسلامي بوفاته عام 1338 ه‍.

11- آية اللّه السيد محمد فشاركي:

تلمذ الشهيد المدرس أيضا- كما اشار آية اللّه المرعشي النجفي في رسالته، و كما مر منا سلفا- على يد العالم التقي و الفقيه الكبير السيد محمد ابن قاسم فشاركي الاصفهاني. (44)

كان «فشاركي» احد تلامذة الميرزا الاول، و كانت له حوزة درس في «سامراء» ابان حياة استاذه، و كان يعد احد الفقهاء المبرزين.

و حينما رحل الميرزا محمد حسن الشيرازي «صاحب الفتوى المشهورة بتحريم التنباكو»، اعتبر كثير من اهل العلم السيد محمد فشاركي «اعلم» الفقهاء، و طلبوا منه التصدي للزعامة، و قبول مرجعية التقليد. لكنه- بما كان يتمتع به من تقوى و بعد نظر- رفض بشدة هذا العرض و قال:

«انا لسنا اهلا و لا لائقا لهذا الموقع. حيث ان الزعامة الشرعية تستدعي العلم بامور اخرى، عدا الفقه و الاصول، كالقضايا السياسية و الاجتماعية، و معرفة ظروف و ملابسات الامور. لكنني رجل محتاط و غير حاسم، و كثير الوسوسة في القضايا و المواضيع، و لو قبلت الزعامة الشرعية و مرجعية التقليد فسوف يجر ذلك امور المسلمين الى فاجعة! انا لا بدّ ان ابقى مشغولا بالبحث و التدريس. و سماحة الميرزا محمد تقي الشيرازي يتمتع بكفاءة و لياقة لهذا الامر، فاذهبوا صوبه:» (45)

و قد انتقل هذا الفقيه العظيم الى رحمة ربه في ذي القعدة عام 1316 ه‍.

طبيعي ان يأتي «المدرس» طاهرا حرا تقيا إلهيا، بعد ان تلمذ و درس على يد امثال هؤلاء الاساتذة الالهين المتقين، الذين تعالوا فوق المادة، و تحرروا من اسر الشهوات الدنيوية.

28

ان الانفاس الطاهرة لها اثر عجيب؛ حيث يمكن ان تحيي النفوس الميتة، و كيف بروح إلهي مؤمن مستعد كروح الشهيد السيد حسن المدرس!

12، 13، 14- الا علوم الثلاث: الآخوند محمد كاظم الخراساني صاحب «كفاية الاصول» و زعيم حركة المشروطة، و الميرزا محمد حسن الشيرازي «صاحب فتوى التنباكو»، و السيد محمد كاظم اليزدي، صاحب «العروة الوثقى».

كان هؤلاء الاعلام مراجع تقليد الطائفة في العصور المتأخرة، و ملئت شهرتهم الآفاق، و لا حاجة هنا للافاضة في تعريفهم. و قد كان جميعهم اساتذة للشهيد «المدرس».

و قد صرح الشهيد «المدرس»- كما نقلنا ذلك آنفا- بتلمذه على يد الاستاذين الخراساني و اليزدي.

اما بالنسبة لتتلمذ «المدرس» على يد الميرزا الاول فقد صرح الاديب النيشابوري «ميرزا عبد الجواد»- كما نقلنا ذلك- ان الشهيد المدرس كتب دورة لدروس الميرزا الاول و الثاني.

كما ان شهادة الميرزا الشيرازي بشأن المدرس معروفة و مشهورة، و هي شهادة استاذ لتلميذه، و قد نقلناها سلفا.

لقد جلس «الشهيد المدرس»، سنين طوال، تحت منابر كل هؤلاء الاساتذة من حكماء محكمين و فقهاء متقنين، تلميذا مستفيدا، فأفاد من علومهم و معارفهم و تقاهم، حتى اضحى- عن هذا الطريق- فقيها على طراز اساتذته. و بنى حوزة دراسية واسعة للفقه و الاصول و العرفان و الاخلاق و نهج البلاغة، و ربى للامة تلامذة نموذجين، كآية اللّه الميرزا علي آقا الشيرازي، و مهدي إلهي قمشه‌اي، و الميرزا ابو الحسن الشعراني ... و امثالهم.

في هذا الضوء لا نطيل اكثر مما تقدم في تعريف اساتذة «المدرس» في الحوزة العلمية، و نعطف الحديث على تحليل شخصية العلمية و موقعه العلمي، و تعريف مؤلفاته و آثاره، و بعض من تلامذته.

موقع الشهيد «المدرس» علميا و فقهيا

السيد «حسن المدرس» الفقيه المظلوم في تاريخ الاسلام و ايران المعاصرين، مجهول مشهور، فهذا الوجه المقدس، رغم ذياع صيته و شهرته العالمية- ظل مجهولا في معظم ابعاده.

29

لقد صدرت حول هذا الشهيد المظلوم، حتّى الآن، كتب، و مقالات، و لقاءات صحفية، سعى كل واحد منها الى تعريف وجه من وجوه: شجاعته، ايمانه، اخلاصه، خدمته و صلابته، مطالبته بالاستقلال، تقواه و اصالته الاسلامية .. و ثم كشفت عن نضال شهيد الاسلام و الحرية ضد الاستعمار و الاستبداد.

و رغم كل هذه المحاولات القيمة الا ان الانصاف يقتضينا القول: ان الوجه النضالي و السياسي للسيد «المدرس» لم يعرف حتى الآن كما يجب، و لم يؤد حقه؛ اذ ان جميع هذه الكتابات و المحاولات القيمة لم تتعد حدود البيلوغرافية و الترجمة الشخصية التقليدية؛ و لذا فان «قواعد الرؤية السياسية» للمدرس و اسلوبه في الافادة من الاسلام سياسيا لم يعد حتى الآن واضحا، و مكتوبا.

و مع هذا يلزمنا الاعتراف أيضا: ان مظلومية و ضياع هذا الفقيه المجاهد، شهيد القرون، تتأكد في حقل اغفال مقامه العلمي الرفيع، و الجهل بشخصيته الفقهية المتينة المحكمة. فالسواد العام من المسلمين، بل حتى الكثير من الخواص و فضلاء عصرنا يجهلون الموقع العلمي الرفيع لهذا الشهيد الكبير، و ليس لهم علم بما تركه «المدرس» و ما كان له من دور علمي في الدراسات الفلسفية و الأصولية و الفقهية، و الاخلاقية، و التاريخية، و الحديثية- خصوصا في نهج البلاغة-، كما ان قدرات «المدرس» الادبية في الشعر العربي و الفارسي بقيت مجهولة لدى الجميع!

لقد اغفلوا ان هذا الشهيد الفقيه التقى طول مدة دراسته اكثر من خمسين استاذا ماهرا في مختلف العلوم الاسلامية، و حضر دروسهم، و استفاد منهم.

لقد بلغ آية اللّه العظمى السيد «حسن المدرس» درجة الاجتهاد في حدود الخامسة و العشرين من عمره الكريم، و بعد بلوغه هذا المستوى الرفيع، شدّ الرحال من اصفهان صوب النجف الاشرف؛ بغية اثراء فقاهته و تعميقها. و ما بقي من آثار المدرس، ابان وجوده في اصفهان- قبل رحيله الى النجف- خصوصا تقريره لابحاث العلمين «ريزي» و «درچه‌اي» ادل شاهد على هذا المدعى: انه بلغ درجة الاجتهاد، قبل انتقاله الى النجف.

كان «المدرس» علميا و حوزويا شخصية نموذجية متحيزة. فقد اضحى فقيها جامعا لشرائط الفتيا، و محلا لرجوع الامة إليه في تقليدها. الا انه لم يكن على استعداد لنشر رسالته العملية. و لكن احتفظت يد القدر لنا- جملة آثار و مؤلفات فقيهة و اصولية غنية و عميقة، تركها المدرس، و هي شاهد على ما نقول.

قبل ان يكون «المدرس» رجل سياسة، كان رجلا اصوليا، و فقيها حوزويا. فكان‌

30

في النجف مذاكرا و قرينا للسيد «ابو الحسن الاصفهاني» مرجع الطائفة. و قد كان- كما يعترف المطلعون بذلك- متفوقا على قرينه و مذاكره «السيد ابو الحسن الاصفهاني» من كل الجهات، بل كان يفوق الشيخ عبد الكريم الحائري أيضا لما جمع بين الفقاهة و السياسة أيضا.

حينما سئل السيد «بسنديده» الاخ الاكبر للامام الخميني: ما هو مستوى الشهيد «المدرس» فقهيا و حوزويا، و ما هي نسبته لمراجع التقليد في زمانه؟ يجيب السيد بسنديده قائلا:

«كان ارقى من الجميع، فقد كان ممتازا عليهم من كل الجهات، لكنه لم يكن بصدد نشر رسالة عملية .. لم يكن القياس ممكنا بين «المدرس» و الآخرين ...» (49)

هذه مقولة عالم ادرك حضور درس «آية المدرس» «ابحاث الخارج» في طهران لمدة سنتين، كما انه يعرف العلماء الآخرين.

كما تقدم من آية اللّه «بهاء الديني» الجواب عن سؤال مشابه. و قد اجاب آية اللّه «بهاء الديني» عن الدافع لسفره الى «كاشمر» لزيارة مرقد الشهيد «المدرس» مع ما عليه من كهولة مضنية، قائلا:

«قبره [السيد حسن المدرس] اليوم هناك [في كاشمر] مزار و قد قال نفسه الى «رضا خان»: اينما دفنتني فسيتحول ذلك المكان الى مزار! و جاذبية السيد هي التي دفعتنا الى الذهاب الى هناك، و لو حال دون ذهابي آلاف الرجال لما استطاعوا». (51)

لقد كان المدرس في حوزة العراق- في حضور درس آية اللّه الخراساني و اليزدي و الميرزا الاول و الثاني- زميلا لرجال نظير: النائيني، و العراقي، و الكمپاني «الشيخ محمد حسين الاصفهاني»، و السيد ابو الحسن الاصفهاني، و أمثالهم. و رغم كل هؤلاء العظام لاحظنا ان استاذ هؤلاء الكبار يرجع «المدرس» على الجميع في الفقه و الاصول و المنطق.

من هنا يلزمنا ان نقرأ حياة «المدرس» بوصفه فقيها جامعا للشرائط، لا بوصفه «رجل دين» اعتيادي، ناضل بوعي ضد الطاغوت. اجل! فاجتهاد «المدرس» و فقهه‌

31

هو الذي ضمن سلامة خطه السياسي، و هو يخوض ميدانا متشابكا، و يطوي مرحلة معقدة و خطيرة، من تاريخ ايران السياسي. فقد كانت فقاهته و رؤيته الفلسفية و السياسية مسببا لسلامة الاصول و الرؤية السياسية التي انتهجها، و التي كانت منطلقة من آراءه الفقهية؛ و لذا نجده يمارس عمله بوصفه «الولي الفقيه». و قد صرح في احدى خطبه اثناء جلسات مجلسى الشورى تفسيرا لنيابيته، وردا على مزاحم الجهلة و المناوئين فقال:

«ان نيابتي في المجلس هي في الواقع نيابة إلهية» (52)

1- اشارة لما تقدم من الميرزا محمد حسن الشيرازي بصدد ذكاء و نبوغ «المدرس».

عنى بذلك انه الولي الفقيه، و ان هذه الولاية ولاية إلهية تشريعية.

لقد طرح الشهيد «المدرس» عبر رسائله الفقهية الاستدلالية، التي لم تطلها يد التلف، و لم تصل إليها يد طاغوت زمانه و عملائه الوحشيين، و التي وصلت إلينا- منهجه الفقهي، و قدّمه للاجيال.

فقد دلل على مهارة فائقة، و هو يطرح المشكلات الفقهية المعقدة، و ينقل الآراء فيها، و يناقش الوجوه. و حينما تقرأ كتاباته يتداعى الى ذهنك الشيخ الاكبر الفقيه القدير «مرتضى الانصاري» «قدس»، و ينتقل ذهنك قهرا الى كتاب «المكاسب»، و غيره من مؤلفات الشيخ الانصارى. بل يتردد القاري: أ هل ان الذي يحدثنا هو «الشيخ الانصاري»، فيستدل بهذا العمق و يبحث بهذا المشمول، أم انه تلميذه بالواسطة الفقيه المجهول المظلوم الشهيد «السيد حسن المدرس»؟ لم يقتصر على مناقشة آراء السلف من الفقهاء، بل، من خلال ما اعتمد من منهج اصولي، وضع آراء اساتذته موضع المناقشة أيضا و قلّب وجوه الرأي فيها- مع رعاية الادب و بخلقه الرفيع-، ثم اقام رأيه المختار على سوقه، مستدلا بقواعد الفقه و مباني الاصول.

من هنا يشتد اسف المطالع و حزنه على ضياع و اتلاف اكثرية مؤلفات و آثار هذا الفقيه المخلص.

يدلنا على مقام «المدرس» العلمي انه لم يترك البحث و التحقيق و التدريس منذ بلوغه حتى آخر لحظات شهادته، في حوزات اصفهان، و النجف، و طهران، و في تبعيده، و خلال ظروفه المختلفة!

مبتدءا من افقر ايام «المدرس» حينما كان طالبا يافعا في المدرسة، و انتهاء بايام‌

32

تألقه العالمي و نفوذه السياسي، لم يهجر «المدرس» التفقه في الدين.

حينما اضحى «المدرس» مجتهدا من الطراز الاول، و منتخبا من قبل فقهاء النجف و اصفهان في المجلس بطهران، اخذ يدرّس اهل العلم و الفضل في مدرسة «سبهسالار» بطهران درسين من الابحاث العالية «الخارج» كل يوم احدهما في الفقه و الآخر في الاصول. و قد استمر في هذين الدرسين، دون توقف، حتى ليلة اعتقاله من قبل عملاء و ازلام «رضا خان»، الذين رأسهم «دركاهي»، و ابعاده الى اقصى نقاط ايران «خواف» على الحدود مع افغانستان، و حبس هناك في قلعة خربة.

لقد جعل «المدرس» التدريس على رأس فعالياته أيضا، حينما عاد من النجف الى اصفهان. و اختار لتدريسه «مدرسة جده كوجك» مكانا، حيث كان يعد فيما مضى واحدا من طلابها، فالقى دروسه العالية «الخارج» في الفقه و الاصول في ذلك المكان. و بحكم ما كان يتمتع به «المدرس» من عمق و نفوذ بصيرة اضحى في مدة و جيزة اشهر اساتذة الحوزة العلمية الاصفهانية، و اصبح قرينا لا عرف مجتهدي تلك المدينة، نظير الشهيد آية اللّه نور اللّه الاصفهاني، و امثاله.

كان «المدرس» مؤمنا بان، «العالم الملتزم»، العارف بزمانه، المتحلي باخلاق الاسلام، لا يمكن اعداده عن طريق الفقه و الاصول فقط؛ لذا عكف- الى جانب تدريسه ذينك الدرسين- على تدريس التفسير و الاخلاق على هدي نهج البلاغة: و قد كان «المدرس» شديد الاسف على هجران تدريس علوم القرآن في الحوزات العلمية، و على النتيجة الناشئة جراء هذا الوضع من عجز العلماء عن اعداد تفسير قرآني يتفاهم مع حاجات عصره و لغته!

و من هنا شمر ساعد الجد لتلافي هذا النقص، و قدم اطروحة لدراسة القرآن، و تأليف تفسير جامع و معاصر، لكن نداء الشهادة الذي اخذ يلوح في الافق، و اعتقاله و سجنه لعشر سنين حال دون تحقيق هذا العمل المقدس. (53)

حينما كان الشهيد «المدرس» مقيما في اصفهان، كان يدرس الطلاب، ايام الخميس، دروسا في الاخلاق. و قد كان درسه في الاخلاق قائما على اساس كتاب «نهج البلاغة». و في ضوء تتبعنا يكون «المدرس» اوّل العلماء المعاصرين و المتأخرين الذين درّسوا «نهج البلاغة»، و قد توفروا على ارقى درجات الفقاهة و ذياع الصيت. فاحيى «المدرس بذلك «نهج البلاغة» في حوزات الطائفة.*

____________

(1) (*) و الثاني من فقهائنا ممن اضحى استاذا لنهج البلاغة هو الاستاذ آية اللّه العظمى الشيخ المنتظري.)

33

كان المرحوم الميرزا علي الشيرازي «قدس» احد اساتذة «نهج البلاغة»، و هو احد اساتذة الشهيد «مطهري»، و قد اثنى عليه كثيرا «مطهري» في مقدمة كتابه «رحلة في نهج البلاغة» (54)، كما كان في نفس الوقت استاذا لآية اللّه العظمى السيد البروجردي أيضا. و قد صرح نفسه «(رحمه اللّه)» انه تعلم «نهج البلاغة» على يد الشهيد «المدرس»، و قال واصفا ايام دراسته لدى «المدرس» في اصفهان:

«... كان «المدرس» يعيش حياة مدهشة، فلم يترك سلوكه الطلابي «بما يمتاز من زهد و بساطة و صدق» طول حياته، فقد كان مأكله لقمة من الخبز، و لباسه قطعة من قماش. و حينما عاد من النجف اخذ يلقي على الطلاب ايام الخميس دروسا في الاخلاق، و كان درسه في الاخلاق قائما على اساس «نهج البلاغة». و ذات يوم ذهبت الى درسه، فوجدته حاضر البديهة بشكل مذهل، فكان يقرأ نص النهج من الحافظة، يستشهد له باشعار العرب و نثرها و امثالها. فشدني درسه و حضرته مدة من الزمن.

كان يوصي و يخاطب الطلاب: ايها السادة ان الشخصية الانسانية تتقوم بالاخلاق الانسانية، فقد قال النبي: بعثت لاتمم مكارم الاخلاق. و ارفع كتاب اخلاقي هو «نهج البلاغة»، اقرءوه، و علموه للآخرين:

و على اي حال فقد كان «المدرس» المحفز الاساس الذي دفعني الى «نهج البلاغة».

لقد حضرت في اصفهان درس السيد «درچه‌اي»، و الآخوند «كاشاني»، و الميرزا محمد حكيم. كما حضرت في النجف درس السيد «اليزدي» و الآخوند «الخراساني»، ثم عدت الى اصفهان ابان احداث «المشروطة». فعملت في التجارة لسنين متعددة، فنصحني «المدرس» يوما و قال لي: من الحيف ان تغير مسيرة حياتك، تابع تجارة الدنيا و الآخرة، و هو البحث و الخطابة و الارشاد. و على اثر ذلك عكفت على البحث و الدراسة و الارشاد.

لقد كنت اصغر من «المدرس» ببضع سنين، لكنه اكمل دراسته بسرعة. فحينما رحل الى النجف كان عمره في حدود الثانية و العشرين، و حينما عاد الى اصفهان كان في حدود الثلاثين، و كان عندئذ رجلا متكاملا جامعا ...» (55)

اجل! فقد كان «المدرس» شعلة نور إلهي، و آية ربانية عظمى لعباد اللّه، و قد كان حديثه مؤثرا على النفوس الطاهرة تأثيرا عميقا، بحيث كان قادرا على تحويل مسيرة‌

34

حياة الانسان!

لم يقتصر «المدرس» في اصفهان على تدريس مادة «الفقه»، و الاصول، و الاخلاق، و نهج البلاغة. بل كان يدرس الى جانب تلك المواد ما يسميه معاصروه ب‍ «المعقولات»، يعني: الفلسفة و المنطق. حيث تعلمهما على يد حكماء مشهورين كالميرزا جهان‌گير خان، و الآخوند كاشاني، اللذين يعدان من حكماء الاسلام.

و قد كان «المدرس» مؤمنا بان لهذين الدرسين قيمة كبرى- خلافا لاسلوب بعض الفقهاء- و قد بذل جهدا كبيرا في تحصيلهما، كما اشار الميرزا الاول لتفوقه في «علم المنطق» (56)»‌

«كان «المدرس» في الصباح يلقي دروس الفقه و الاصول بمدرسة «جدّه كوجك»، و يلقي دروس المنطق و شرح المنظومة «الفلسفة» عصرا بمدرسة «جده بزرگ»، و كان يدرس الاخلاق على اساس نهج البلاغة يوم التعطيل المرسوم بين الطلاب «الخميس» ...» (57)

بحكم ما كان يتمتع به آية اللّه العظمى السيد حسن المدرس من علم و تقوى حق اختياره للدورة الاولى لمجلس المشروطة من قبل مراجع التقليد في النجف الآخوند «الخراساني» و الملا عبد اللّه المازندراني بوصفه مجتهدا من الطراز الاول، و ليكون مشرفا على مصوبات السلطة التشريعية؛ وفقا لملحق المادة الثانية من الدستور الاسبق في «نظام المشروطة» بايران. و قد أنتخب السيد حسن المدرس مع أربعة مرشحين آخرين من قبل المجلس بين عشرين فقيه كبير رشحوا لاستلام هذه المسئولية. و أليك ترجمة وثائق الترشيح و الانتخاب:

انطلاقا ملحق المادة الثانية من الدستور رشح مراجع تقليد الطائفة الشيعية في النجف آية اللّه الشيخ عبد اللّه المازندراني، و آية اللّه الشيخ محمد كاظم الخراساني عشرين مجتهدا و فقيها متدينا الى مجلس الشورى في كتابهم التايي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‌

مجلس الشورى الوطني المحترم شيد اللّه اركانه.

ان الفصل الثاني من متمم الدستور يقرر رسميا؛ بغية الاشراف على القوانين و التأكد عدم مخالفتها لاحكام الشريعة ترشيح عشرين مجتهدا عادلا عارفا‌

35

بمقتضيات العصر الى المجلس لانتخاب خمسة افراد او اكثر باكثرية الآراء او بالقرعة، ليكونوا اعضاء في المجلس المحترم، و يكون رأي هذه اللجنة في مجالها مطاعا و متبعا، و كل قانون تشخص اللجنة مخالفته للشريعة المطهرة يكون ملغيا و ليست له صفة قانونية او تنفيذية.

و على ضوء هذه المادة الشريفة، التي تعد بمثابة روح السياسة الاسلامية، و حافظ لهذا الروح الذي هو اساس السعادة، اصبحنا منذ زمن في مقام الفحص و الاستفهام في امهات البلاد الاسلامية، و رغم ان هناك- بحمد اللّه- الكثير ممن يتمتع بالمواصفات المذكورة، الذين تقر بوجودهم عين الاسلام، محن ثبت لنا واقعهم بمعرفتنا الشخصيت او بشهادة الشهود المعتبرين، الا ان بقاء جملة هؤلاء في مواقعهم اهم و ألح، كما ان توجه جملة أخرى منهم الى مدينة «طهران» امر عسير، و مع كون الكثير من السادة العظام من اهل طهران جامعي لتلك المواصفات الا ان دوامهم المستمر في المجلس امر مزاحم و لا يطاق بالنسبة لهم، لذا نكتفي بترشيح السادة المدونة اسماؤهم، مع الاعتذار عن الغاء الالقاب و عدم رعاية التقديم و التأخير:

من النجف الاشرف زاده اللّه تعالى شرفا و عزا: السيد مصطفى الكاشاني، الشيخ اسماعيل محلاتي، الميرزا محمد حسين النائيني، السيد ابو الحسن الاصفهاني، الشيخ مهدي المازندراني، الشيخ ضياء الدين العراقي، الشيخ عبد اللّه الكلبايكاني.

من مشهد المقدس: السيد اسد اللّه القزويني،

من طهران: حجة الاسلام البهبهاني، امام جمعه خوئي، السيد محمد البهبهاني.

من اصفهان: الحاج آقا نور اللّه، السيد حسن المدرس قمشه‌ء.

من تبريز: الميرزا ابو الحسن انجزي.

من شيراز: السيد علي الكازروني.

من يزد: مير سيد علي الحائري.

من قم: الميرزا زين العابدين.

من همدان: الشيخ محمد باقر.

من سلطان‌آباد: آغا نور الدين.

من گلبايگان: الآخوند ملا زين العابدين.

ان السادة المرشحين ثبت تحلي بعضهم بالمواصفات بمعرفتنا الكاملة الشخصية، كما ثبت ذلك في البعضى الآخر بشهادة الشهود. يتعين على السادة الذين سينتخبون الى‌

36

عضوية المجلس رعاية تطبيق القوانين المتعلقة بالمواد القضائية و فصل الخصومات و الحدود و القصاص و غير ذلك، و بما ان صدور الحكم في هذه الموارد مسئولية خاصة بحكام الشرع الانور و ليس لهيئة الدولة المعظمة دخل سوى الارجاع الى المجتهدين العدول نافذي الحكم، كما ليس لها تصرف في اجراء الحكم الصادر على كائن من كان، فسن مثل هذه القوانين و المقررات لحكام الشرع الانور خارج أيضا عن صلاحيات المجلس، بل هو محدد و مبين في الشريعة. و مهمة المجلس المحترم في هذه الامور تنحصر في تعيين اسلوب الارجاع و التنفيذ و تشخيص مصاديق المجتهد نافذ الحكومة: و ستعين المصاديق الواقعية باذن اللّه. و بالنسبة للسادة العلماء العظام الذين يحتلون مركز النيابة في المجلس، فرغم اتصاف عدد منهم بالشروط المطلوبة في هيئة رقابة المجلس، لكن الهيئة مسئوله عن الاشراف على تطابق قوانين المجلس السياسية مع احكام الشريعة و من هنا نعتذر عن عدم ادخالهم بهذه العجالة في تلك الهيئة، و مع ذلك تؤخذ و جهات نظرهم بالاعتبار لدى الهيئة المعيّنة إن شاء اللّه تعالى.

الاحقر عبد اللّه المازندراني امضاء و مهر‌

الاحقر الجاني محمد كاظم الخراساني امضاء و مهر‌

و بعد وصول هذا البلاغ الى مجلس الشورى الوطني، التمس المجلس السادة المرشحين، بواسطة البرق و الابلاغ الكتبي، للحضور في المجلس. و قد اجاب كل واحد منهم برقية المجلس بشكل من الاشكال، لكن اكثريتهم اعتذرت عن الحضور في المجلس.

في تاريخ 7 شعبان 1328 اجاب المجلس علماء النجف بكتابه المرقم 1792/ 4722 و أليك نصه:

حضرات حجج الاسلام آية اللّه الخراساني و المازندراني و دامت افاضاتهما في الجلسة المنعقدة في 7 شعبان انتخب الميرزا زين العابدين القمي بالاجماع، و انتخب بالقرعة السيد ابو الحسن الاصفهاني، و مير سيد علي الحائري، و السيد حسن المدرس قمشه‌اي، و امام جمعه خوئي، لاطلاع الذوات المقدسة.

و قد أبلغ المنتخبون بواسطة البرق، و كانت البرقية المبعوثة للسيد حسن المدرس هي التالي:

37

اصفهان- بواسطة مجمع الولاية المحترم- جناب مستطاب ملا الانام الميرزا السيد حسن المدرس قمشه‌اى سلمه اللّه.

وجود جنابكم المستطاب العالي المحترم كواحد ممن انتخبهم مجلس الشورى الوطني من مرشحي العلماء العظام.

تفضلوا بالحركة الى طهران و شرفوها عاجلا، لينتفع عموم الشعب ببركة حضور حضرتكم العالية.

وافق المدرس، و امام جمعة خوئي، و الميرزا ابو الحسن انجزي، و الشيخ باقر الهمداني على عضوية المجلس، لكن الباقين اعلنوا رفضهم. و قد كتب السيد ابو الحسن الاصفهاني و مير سيد علي الحائري الى المجلس:

مجلس الشورى الوطني المقدس شيد اللّه تعالى اركانه.

رغم تشكري لانتخاب النواب العظام ايدهم اللّه تعالى لخادم الشريعة المطهرة بسمة عضوية هيئة المجتهدين العظام المقدسة، و رغم تطلعي لخدمة الدين و الدولة، لكن موانع متعددة تحول دون توفيقي لهذا العمل، كما كتبت للسادة الاعلام و اخبرتهم بانني ساقدم اعتذاري عن قبول المركز في المجلس.

الداعى ابو الحسن الموسوي الاصفهاني‌

بحكم نقاهتي الصحية و ضعف مزاجي فانا معذور من تحقيق هذا المقصد العالي.

الحائري.

اجل: بهذا الاسلوب دخل «المدرس» الى المجلس، و كان دخوله سببا لخدمات عظمى، كان «المدرس» انسانا نموذجيا متميزا للغاية، حيث جمع في شخصه الصفات البارزة للصديقين، و الحكماء، و الشهداء، و الفقهاء، و السياسيين، و المجاهدين، و الادباء، و الكتاب، و الزهاد الكبار.

لقد ورث «المدرس» دون مبالغة، شجاعة و حمية «ابو ذر»، و زهد «سلمان»، و كياسة «ابن عباس»، و قيادة «مالك الاشتر»، و لباقة و حذاقة «مؤمن الطاق»، و فصاحة و ادب «الرضي»، و فقاهة «الشيخ الطوسي»، و اصولية «الآخوند الخراساني»، و القدرة الاستدلالية للشيخ «مرتضى الانصاري»، و حكمة و تواضع «سقراط»، و رسالية اجداده الاطهار: امرهم بالمعروف، و نهيهم عن المنكر، تحملهم للمسئولية، و طلبهم الشهادة ..

38

لكن المؤسف حقا هو ان اعداء الاسلام الحاقدين اكتشفوه بسرعة، قبل غيره من زملاءه و اصدقاؤه العلماء، و خوفا من جهاده ابعدوه الى قلعة «خواف»، و بعد عشر سنين من الابعاد و السجن قتلوه شهيدا في مدينة «كاشمر».

مؤلفات الشهيد «المدرس»

رغم ان الشهيد السيد حسن «المدرس» كان مدرسا لا على مراحل الدراسة في الحوزة العلمية «بحث الخارج»، لكنه كان كاتبا أيضا.

و قد كتب هذا الفقيه الشهيد معظم آثاره باللغة العربية، التي كانت آنذاك اللغة العلمية الوحيدة السائدة في الحوزات العلمية الاسلامية. كما كتب قسما من مؤلفاته باللغة الفارسية، و هي النزر. و قد تميز نثره العربي بالتلقائية و السهولة، دون اي تكلف او صنعة.

ابتدأ «المدرس» الكتابة عبر تقرير لابحاث اساتذته. و قد كانت العادة الجارية في الحوزات العلمية، و لا تزال بشكل من الاشكال قائمة حتى اليوم، هي: ان يقوم أليق تلامذة الاستاذ بضبط ما يلقيه و كتابته، ثم يدعى ما كتبه الطالب «تقريرات». و تعد قدرة الطالب و نجاحه على كتابة تقريرات الابحاث العالية و ليلا بارزا من ادلة اجتهاد الطالب. ابتدأ «المدرس» منذ شروعه حضور ابحاث «الخارج» في اصفهان بكتابة تقرير ابحاث اساتذته. و لعله استمر على هذا النهج حتى آخر ايام وجوده في العراق مستفيدا من اساتذة حوزته العلمية.

و قد ترك لنا «المدرس» تقريرات ممتعة في علمي الاصول و الفقه لابحاث «الخارج» التي كان يلقيها آية اللّه الشيخ «ريزي» و السيد «درچه‌اى»، و قد كتب «المدرس» هذه التقريرات قبل بلوغه الثلاثين، و مع ذلك فلمس فيها مهارة مجتهد مطلق.

و بعد ان هاجر الى النجف الاشرف مشارك في دروس الآخوند الخراساني و السيد كاظم اليزدي في الفقه و الاصول، مدة طويلة، و قد افاد منهما، كما اعترف نفسه. و على القاعدة و في ضوء دأبه المستمر لا بد ان يكون المدرس قد كتب تقريرا كاملا لابحاث اساتذته. كما حضر، مدة من الزمن، دروس الفقيه المجاهد الميرزا محمد تقي الشيرازي «الميرزا الثاني» و افاد منها، و يظهر انه قد كتب تقريرا لابحاث الميرزا أيضا. بل ذهب بعض رجال العلم و الادب كالاديب «النيشابوري» الى: ان السيد حسن حضر قسما من ابحاث الميرزا الاول السيد محمد حسن الشيرازي صاحب فتى تحريم «التنباكو»، و كتب تقريرا لابحاثه، ضاع على اثر هجوم عملاء الطاغوت «رضا خان» على منزل «المدرس»‌

39

في طهران.

غير ان الثابت هو ان «المدرس» حضر ابحاث الميرزا الثاني «الشيخ محمد تقي الشيرازي» مدة من الزمن، كما حضر ابحاث الاستاذين الكبيرين «الخراساني» و «اليزدي» مدة طويلة، و يظهر انه ان لم يكتب دورة كاملة من تقريرات ابحاثهم، فقد كتب قسما من تلك الابحاث، و لكن لم يصل لا يدينا ايّ اثر لهذه التقريرات، و قد قال «الاديب النيشابوري» بهذا الصدد ما يلي:

«... كانت لدى «المدرس» تقريرات ابحاث متعددة، تمثل ما كتبه من دروس اساتذته في اصفهان، و ابحاث مراجع و اساتذة النجف، التي أتلفت على الاظهر، بعد هجوم رجال الشرطة ليلا على داره و نهبهم لكتبه. نظير: تقريرات الميرزا حسن الشيرازي و الميرزا محمد تقي الشيرازي، التي كتب منهما دورة مقروءة». (58)

و الاديب النيشابوري عالم ثقة ممن يعتمد عليهم، كما انه كان معاصرا للمدرس. و حينما يقول جازما. ان المدرس ترك دورة من تقريرات الميرزا الاول و الثاني و بخط مقروء، فهذا يعني انه قد رأى هذه التقريرات بنفسه.

على اي حال فقد ترك «المدرس» مؤلفات و كتابات متعددة، اعم من تقريرات الابحاث، و مما اجاد ابداعه الشخصي، و قد ضاع اكثرها على يد خصومه الخونة، و لم يبق منها الآن سوى نزر يسير، وصل ناقصا، و البعض الآخر كاملا. و لم نضع اليد عليها الا بعد بحث و تنقيب كبير، و كان لحفيد الشهيد السيد علي المدرس سهم اساس في مضمار هذه الخذمة.

نأتي الآن على ذكر ما بقي من كتابات المدرس، التي اطلعنا على وجودها الفعلي او السابق بالمباشرة او بالواسطة، مع شرح مختصر لها:

1- الكتاب الاصفر «كتاب زرد»

و هو احد كتب الشهيد «المدرس» المهمة، و قد كتبه باللغة الفارسية، و هو يتناول تاريخ ايران السياسي للفترة التي عاصرها الشهيد. و قهر كشف «المدرس» عبر هذا الكتاب عن الكثير من الحقائق، و فضح عددا من الجواسيس. لذا يحتل هذا الكتاب اهمية بالغة، و قد جاء بخط يده الدقيق في «437» صفحة، و كان هذا الكتاب مفقودا الى‌

40

وقت قريب، و قد عثر عليه بجهود مشكورة بذلها احد ابناءه مؤخرا. على امل ان يوضع هذا الكتاب القيم في متناول اهل التحقيق، لينتفع منه عموم القراء.

2- خاطرات «خواف»

كتب الشهيد «المدرس» هذا الكتاب عند مرحلة ابعاده و سجنه في قلعة خواف. و يتضمن الكتاب خواطر الشهيد في ذلك السجن الانفرادي، التي استمر فيه عشرة سنين، و قد جاء في 180 صفحة بخط المرحوم.

و هذا الكتاب أيضا موجود لدى احد ابناء الشهيد «المدرس»، و يظهر ان نسخة هذا الكتاب، قد عثر عليهما بعد جهود متظافرة.

3- قواعد نظم العدلية

طبع هذا الكتاب جديدا بواسطة الجهاد الجامعي في اصفهان عام 1406 بمناسبة انعقاد «مؤتمر تعريف و احياء ذكرى «المدرس»». و جاء في «581 صفحه من القطع الرقعي. و هو من مؤلفات الشهيد «المدرس» التي شاركه في تأليفها «مشير الدولة» و «امام جمعه خوئي».

و قد كتب هذا الكتاب بوصفه كتابا قانونيا يوضح قواعد النظم في مجلس الشورى، و هو في بابين: استقل الباب الاول تحت عنوان «قواعد نظم العدلية» و حمل الباب الثاني عنوان «في المحاضر الشرعية و محاكم الصلح». و يستحق هذا الكتاب دراسة قانونية و فقهية.

4- حاشية على كتاب النكاح لمسجد شاهي

المرحوم آية اللّه الشيخ «محمد رضا النجفي مسجد شاهي» احد العلماء و الفقهاء المشهورين في عصره، و قد زامل الشهيد المدرس في بعض الدروس، كما ذاكره أيضا. و قد كتب كتابا فقيها في باب النكاح. و قد كتب المرحوم «المدرس»- على طريقة السلف من علماء الشيعة- حاشية على هذا الكتاب، فسجل بذلك فتاواه الخاصة في باب النكاح على حواشي هذا الكتاب. و يظهر ان هذا الكتاب موجود الآن لدى رجل دين يدعى «العلامة الفاني». (59).

41

5- تعليقة على «كفاية الاصول»

«كفاية الاصول» تأليف الآخوند محمد كاظم الخراساني، من الكتب الغنية المختصة في علم اصول الفقه، و هو كتاب دراسي على مستوى «السطوح» في الحوزات «العلمية الشيعية، يتداوله الطلاب بالدرس منذ زمن ليس بالقصير. و يعد هذا الكتاب احد المتون الاصولية الاستدلالية المعمقة، و قد كتب العلماء و المجتهدون شروحا و تعليقات كثيرة على هذا الكتاب، و تعليقة الشهيد «المدرس» واحدة من هذه التعليقات.

و كتابة تعليقة على «الكفاية» من قبل الشهيد المدرس احد الادلة على تمكن و عمق هذا الرجل العظيم في محيط علم اصول الفقه.

يحتفظ بالنسخة الاصلية لهذا الكتاب الآن ابن الشهيد الدكتور عبد الباقي المدرس. (60)

6- رسالة في الترتب:

و هو بحث اصولي.

7- رسالة في الشرط المتأخر:

دراسة اصولية.

8- رسالة حول «لزوم القبض و عدمه فى الموقوفات و غيرها»:

و هي بحث يتناول احدى القضايا الخلافية المعقدة في الفقه الاسلامي.

9- مجموعة خطابات و مقالات و رسائل «المدرس»

كان للشهيد «المدرس» ابان حياته خطب و مقالات و مقابلات كثيرة في مجلس الشورى، و في المحافل السياسية و الاسلامية، و في الصحف و المجلات. و لو قدر ان يجمع كل هذا الانتاج، و يبوب، فسوف يضحي كتابا من عدة اجزاء. و قد نشرت «دار ابو ذر» بعض هذه المقابلات و الخطب المقالات عام 1356 ه‍. ق، و جاءت طباعته- بحكم امكانات ذلك الوقت- رديئة و ناقصة. و يبدو ان مؤسسة التاريخ نظمت هذه المقالات و المقابلات و الخطب في عدة اجزاء، و هي معدّة الآن للطبع.

42

10- شرح الرسائل

«فرائد الاصول» او «الرسائل» كتاب قيم من مصنفات الفقيه و الاصولي القدير «الشيخ مرتضى الانصاري» (رضوان اللّه تعالى عليه). و يعدّ هذا الكتاب منذ امد بعيد متنا دراسيا محترما في الحوزات العلمية الشيعية، و لا يزال المتن الدراسي الذي لم يحتل موقعه حتى الآن بديل جديد.

و قد كتبت حول هذا الكتاب اللائق شروح و تعليقات و حواشي كثيرة منذ زمن الشيخ الانصاري حتى يومنا القائم، و قد استوعب بعضها الكتاب باكمله، و جاء البعضى الآخر منها ناقصا غير شامل. و يمكن عدّ حاشية الميرزا الآشتياني «صاحب كتاب القضاء» التي جاءت تحت اسم «بحر الفوائد»، و حاشية الشيخ آغا رضا الهمداني «صاحب مصباح الفقيه، و حاشية الملا (رحمة اللّه) كرماني، و حاشية العلامة الميرزا موسى التبريزي من الحواشي العميقة و الجيدة لكتاب «الرسائل»».

و قد كان الفقيه الاصولي الشهيد السيد حسن المدرس قمشه‌اي احد شراح رسائل الشيخ الانصاري أيضا، و لا يزال شرحه حتى الآن في عالم المخطوطات.

و قد كتب «المدرس» شرحه للرسائل كتقرير لدروس استاذيه في اصفهان الشيخ ريزي و السيد درچه‌اي. و قد شمل الشرح كل كتاب الرسائل سوى بحث القطع و باب التعادل و الترجيح.

كتب «المدرس» هذا الشرح و هو في اصفهان، قبل هجرته الى النجف، حينما كان شابا حديث السن، و هذا مؤشر على تمتع «المدرس» بامكانات عقلية عالية.

و قد هيّأت مقدمات تحقيق هذا الكتاب؛ بغية احياءه و نشره قريبا باذنه تعالى. و النسخة الخطية الوحيدة لهذا الكتاب من ممتلكات حفيد «المدرس» السيد علي المدرس الموقر.

11- الرسائل الفقهية

يحتوي هذا الكتاب با على مجموعة رسائل موجزة في بعض ابواب الفقه. و هو الكتاب الذي نقدمه الآن، و نسخته الخطية الملحقة بكتاب «شرح الرسائل» بخط الشهيد المدرس نفسه. و سيأتي في خاتمة هذه المقدمة شرح اوفى لهذا الكتاب.

12- رسالة في علم الكلام

مما بقى من آثار الشهيد «المدرس» كتيب صغير حول بعضى مسائل علم الكلام.

43

و النسخة الاصلية لهذا الكتيب موجودة لدى حفيده السيد علي المدرس.

** مضافا لما تقدم ذكره هناك أيضا الكثير من كتابات الشهيد «المدرس»، التي لم تصل الى ايدينا حتى الآن، و قد نهبت هذه الكتابات- على حد قول المرحوم الاديب النيشابوري- من قبل شرطة نظام الجائر «رضا خان»، و من جملتها تقريرات دروس «الخارج» التي القاها مراجع التقليد في العراق.

تلامذة الشهيد «المدرس»

قضى الشهيد «المدرس» سنوات طويلة مدرسا في الحوزات العلمية باصفهان و النجف و طهران، و كان له «بحث خارج». و كان الفقه و الاصول و المنطق و الفلسفة و الاخلاق في نهج البلاغة مواده الدراسية الاساسية. و من الطبيعي ان يشارك في حضور دروسه الكثير من طلاب العلم، و ان يفيدون من هذا الحضور المبارك. غير ان المؤسف- بحكم عوامل مختلفة، كان العامل الامني على رأسها لم يعرف حتى الآن طلاب «المدرس» بشكل دقيق. فقد كان التظاهر بالارتباط بالمدرس، ايام حكم «رضا خان»، و التلمذ على يده جريمة لا تغتفر؛ و لذا كان يسعى الناس الى اخفاء علاقتهم بالمدرس؛ لاجل حفظ حياتهم. و من ثم انتقل الى (رحمة اللّه) اكثرية طلاب مدرسته، دون معرفة قضية تلمذهم عليه. فلم نتمكن من الوقوف على اسماء طلاب «المدرس» في متابعتنا، الا على عدد قليل جدا منهم، قدر لهم البقاء سالمين من تطاول يد الطاغوت عليهم لاعتزالهم الحياة السياسية! كما ان اثنين ممن درس على «المدرس» احتلوا مواقع في النظام، لقربهم من البلاط البهلوي «الاسرة التي اغتالت المدرس»، و على اي حال أليك اسماء بعض تلاميذ «المدرس»:

1- آية اللّه الميرزا علي آغا الشيرازي:

هو واحد من فلاسفة و عرفاء و فقهاء و اطباء العالم الاسلامي، شخصية نادرة، جمعت العلم و الاخلاق. و كان يتمتع بشكل كبير- على حد قول الشهيد مطهري- بتدريس نهج البلاغة. (62) و قد لاحظنا من قبل انه تلمذ على يد «المدرس» في نهج البلاغة و علم الاخلاق. و بغية معرفة اكبر بما للشيرازي من مقام علمي و معنوي راجع رحلة في نهج البلاغة للشهيد مطهري.

انتقل هذا الرجل العظيم الى (رحمة اللّه) عام 1357 ه‍.

44

2- آية اللّه مهدي إلهي قمشه‌اى:

الاستاذ المرحوم قمشه‌اي يعد احد الفلاسفة المعاصرين و المؤمنين الراسخين.

حضر بحوث المرحوم «المدرس» في الفقه و الاصول، مدة طويلة من الزمن، في مدرسة سبهسالار بطهران، كما كان هو نفسه يمارس تدريس الفلسفة و المنطق في تلك المدرسة.

ترجم آية اللّه قمشه‌اي القرآن الكريم الى اللغة الفارسية و تعد ترجمته المشهورة لدى الجميع افضل ترجمة للقرآن الكريم.

و قد ترجم نفسه بوصفه واحدا من تلامذة الشهيد المدرس.

3- آية اللّه الحاج ميرزا ابو الحسن شعراني:

فيلسوف تقي و متكلم زاهد، و هو تلميذ آخر من تلامذة الشهيد «المدرس» في مدرسة سبهسالار بطهران. و قد قطف ثمار المعرفة من الرجل العظيم، و تعلم دروسا من حياته الالهية.

و قد عدّ المرحوم إلهي قمشه‌اي «شعراني» زميلا له في درس «المدرس». (64)

4- السيد كمال الدين نوربخش دهكردي:

اصبح السيد كمال الدين استاذا جميعا، و هو صاحب مؤلفات أيضا. من اهل قرية «كرد»، التي هي اليوم مدينة «شهر كرد»، و من تلاميذ المرحوم السيد محمد باقر درچه‌اي، و الشهيد السيد حسن المدرس. و المشهور ان «نوربخش» اشتغل في ادارة المعارف للتدريس، وفق توصية «المدرس».

5- الشيخ محمد حسين برهان:

ولد في قمشه‌ء «شاه رضا» من توابع اصفهان. و قد كان ايام الديكتاتورية احد خطباء «طهران» المشهورين. الذين حملوا على نظام «رضا خان» الديكتاتوري في خطبهم. و قد كان احد المشاركين في درس الشهيد «المدرس» بمدرسة سبهسالار.

6- جلال الدين همائي

طرح «همائي» في احد مصادر حياة «المدرس» بوصفه تلميذا للشهيد. (65) لكن المرحوم «همائي» في مقدمة كتاب «همائي‌نامه» ذكر اسماء اساتذته، دون ان يتعرض باية‌

45

اشارة الى انه تلمذ على يد المرحوم «المدرس». و يبدو ان هذا الامر كان تقية؛ حيت ان هذا الاثر طبع ايام حكومة الطاغوت. كما ان هناك احتمالا آخر، و هو ان «همائي» ذكر اسم المدرس، دون تقية، لكن الرقابة على المطبوعات آنذاك حذفت الاسم. و لاجل الاطلاع الكامل على حياة «همائي» راجع مقدمة كتاب «همائي‌نامه» و «الشعوبية».

7- ابن يوسف الشيرازي:

«ضياء الدين حدائق» المعروف ب‍ «ابن يوسف الشيرازي» احد تلامذة المرحوم «المدرس» أيضا. «ابن يوسف» شيرازي و كان ابنا لاحد علماء تلك المنطقة المشهورين.

اتم القسم الاعظم من دراسته في طهران على يد اساتذة الحوزة آنذاك. ثم عاد الى مسقط رأسه «شيراز»، و اقام فيها حتى موته. و على الرغم من المعلومات الكثيرة التي توفر عليها «ابن يوسف»، لكنه لم يستطع الصمود امام التحولات المتلاطمة، لتلك الحقبة من الزمان.

و لم يتمكن من الاستقامة على خط استاذه «المدرس» الفكري، فمال نحو البلاط:

البلاط، الذي قتل معلمه و استاذه! (66)

لقد كان «ابن يوسف» محصلا مجدا في حوزة الشهيد المدرس بمدرسة سبهسالار «طهران»، و له مؤلفات جيدة في مختلف المواضيع، ك‍ «امثال القرآن الكريم»، و «فهرست الكتب الخطية العربية و الفارسية في مدرسة سبهسالار»، و «ما هو نهج البلاغة»، و غيرها ... (67)

8- بديع الزمان فروزانفر:

يعد احد محققي و ادباء و كتاب ايران المعاصرين، و هو وجه علمي و ادبي في الوسط الجامعي بايران. و لا يشك احد في لياقته الادبية و قدرته الكتابية، الا ان الوثائق الموجودة تشير الى ان ضياع و انحراف «فروزانفر» عن خط الاستاذ الفكري كان اكثر سوءا مما اصبح عليه زميله «ابن يوسف». حيث كان قربه الاكيد من البلاط سببا لصيرورته اسير الثقافة الغربية الملوثة، و قد ظهرت على سلوكه ممارسات منحرفة يبعد ان تصدر من رجل علم.

و على اي حال فان «فروزانفر» احد طلاب الشهيد المدرس، و لكن المؤسف هو ان مترجمي حياة «فروزانفر» الذين جمعوا مقالاته و طبعوها اغفلوا تلمذه على «المدرس».

و قد ذكر المرحوم الاستاذ «مهدي إلهي قمشه‌اي» الذي زامل «فروزانفر» في‌

46

مدرسة سبهسالار و حضرا معا دروس «المدرس» خاطرة ظريفة. و تدلل هذه الخاطرة على نفوذ بصيرة «المدرس» في معرفة الشخصيات، كما توضح نقاط الضعف التي منيت بها شخصية فروزانفر منذ البدء:

سئل «فروزانفر» ذات يوم «المدرس»، فاجابه المدرس قائلا: هذا السؤال يحكي عن طلبك للجاه! و انت تريد ان تستخدم في جهاز الهيئة الحاكمة، و بهذه الروحية تفقد شخصيتك:

ثم ذكر المقولة التالية: نعم السلطان الذي كان على باب العلماء، و بئس العالم الذي كان على باب السلاطين.

ثم قرأ بيت الشعر التالي:

«اذا كان العالم الذاهب الى بيت الحكام حسن السمعة فى حال ذهابه، فسوف يعود سيئ السمعة من بيوتهم» (68)

9- السيد على اصغر سدهي.

10- السيد ابو الحسن سدهي.

11- الآقا صدر كوپائي.

12- الشيخ محمود مفيد.

13- الشيخ محمد باقر الفت.

14- الشيخ محمد باقر النجفى.

و كل هؤلاء علماء اعلام في اصفهان، كانوا يحضرون درسه باصفهان، قبل رحيله الى طهران.

15- الميرزا ولي اللّه جليلى:

- كان مجيدا لفن التصوير مضافا الى معرفته الحوزوية الاسلامية. و حينما كان المدرس سجينا، استنسخ صورة من صور «المدرس» و اطّرها، و قدمها هوية لاسرته.

16- محمد شريعت سنكلجي:

شارك «شريعت» في حضور دروس الشهيد بمدرسة سبهسالار لمدة قصيرة.

47

17- آية اللّه السيد مرتضى بسنديده:

هو الاخ الاكبر للامام الخميني «دام ظله و عبر لقاء مع آية اللّه «بسنديده» صرح قائلا: «تلمذت عند المرحوم (المدرس) مدة سنين فى طهران» و لديه خواطر كثيرة حول تلك المرحلة.

18- الشيخ علي اكبر كلاردشتي. 19- الشيخ محمد على لواساني. 20- السيد رضي لاهيجاني. 21- ابن الدين آل آقا. 22- شيخ الاسلام ملايري.

و قد كان كل واحد من هؤلاء الاعلام استاذا لطلاب العلم على مستوى السطح في مدرسة سبهسالار الى جانب تلمذه على يد «المدرس». و كان المرحوم «شيخ الاسلام ملايري» شخصية اسلامية سياسية، و كان نائبا في المجلس، كما كان وصي الشهيد «المدرس»، و كان يقوم ببعض اعماله، حين كان الشهيد سجينا في قلعة «خواف». و هو الذي أماط اللثام، لاول مرة عن استشهاد «المدرس» الذي كتم امره. و خطب في الذكرى السنوية لشهادة رجل التاريخ «المدرس» في مجلس الشورى يوم 27 مرداد عام 1320 ه‍. ش، قائلا:

«رغم ان السادة المحترمين اطنبوا في خطبهم المتعلقة باعادة الاملاك: النقود و الجواهر، و لكن اعتقاد المخلص هو ان الجوهر الغالي لبلد ما هو انسان و آدم ذلك البلد. فاذا خسرناه لا يعوض. «ماكياول» قبل خمسة قرون يقول: اذا ذهب مال من يدك لا تتحسر عليه، فسوف يعوّض، و اذا شارف اعتبارك على الانكار فلا تحزن عليه، لانه ممكن الاعادة، و لكن عليك ان تسعى لحفظ شجاعتك، فاذا فقدت الامة شجاعتها فلا عوض لها. كل السادة المحترمين يعلمون بشهادة الحق و التاريخ ان نظير المرحوم المدرس المقتول، السيد الكبير و الشجاع الذي اجتمع فى شخصه حب الوطن و الطهارة الروحية و الرؤية الثاقبة، لم اره انا، و لم يره خبير:

و باعتباري وصيا له، وفق اكثر فى وصية خطية، و باعتباري مدونا لتاريخ‌

48

عشرين عاما من حياته «كيف اصبح و كيف اضحى» فانني كنت معتقدا بان المرحوم قتل و قد وقع قتله الفجيع في 29 رمضان للّه العام الفائت، لكن احد السادة صحّح الخطاء، و قال انه قتل في 26 رمضان على التحقيق و بالوجه الذي اقدمه الآن الى السادة:

بعد ان كلف «نوائي» المجرم المشهور في الشرطة بقتل المرحوم «اسدي» [محافظ خراسان آنذاك]، و قدم تقريرا ضمنه: ان «اسدي» في هذه الاضطرابات كان يتمنى ان يأتي بالمدرس الى خراسان؛ اصدروا امرا بقتل المدرس! ...

و في النتيجة كان يوم 26 رمضان و قبل الافطار بقليل، حيث كان المرحوم السيد صائما، صنع الشاي، و القى شخصان هما «حبيب اللّه خلج» و «حبيب اللّه مستوفي» سما مهلكا في الشاي، و قدماه للمرحوم السيد. فقال لهما: اصبرا حتى يحل الافطار، فقالا له: لا، انت مجبور لتشرب. استأذنهما ان يصلي ركعتين، و بعد ان صلى شرب الشاي، ثم قام للصلاة، و بعد مرة وجدا ان السم لم يؤثر، حينئذ جاء الانزال الثلاثة المنحطون، و خنقوا السيد و هو يصلي». (69)

و بهذا و فى شيخ الاسلام ملايري لحق الصداقة و الصحبة و تلمذته على يد الشهيد المدرس، و دافع امام الملاء العام عن الدم المقدس المسفوك، و فضح قاتلي «المدرس» المنحطين.

*** على أية حالة فهذا العدد هم اشهر الافراد الذين استطعنا التعرف عليهم من بين مئات الطلاب الذين تعلموا لدى الشهيد المدرس. و الدراسة التفصيلية لحياة بعضى هؤلاء و التعرف على البعض الآخر من تلامذة المدرس المجهولين يستدعي فرصة مناسبة اخرى، سنتوفر عليها يوما ما اذا وفقنا اللّه.

الشهيد المدرس و الحوزات العلمية

كان آية اللّه مدرس ابن الحوزة، الابن الذي عانى فيها، و بقي وفيا لها. لقد جرب المعاناة الطلابية منذ صباها و طفولته، بدءا بمدرسة الحاج عبد الحميد قمشه‌اي، و مدرسة جدّه كوجك في اصفهان، و انتهاء بمدرسة الصدر في النجف الاشرف. و ادرك عبر هذه السنين قيمة و اصالة الحوزات العلمية، و ضرورة دوام حياه هذه المراكز العلمية الملتزمة بفعالية.

49

لم ينس «المدرس» ابدا الحوزات العلمية طول حياته، فحينما اضحى رجل ايران المحبوب و المقتدر، و نائبا في المجلس كمجتهد من الطراز الاول بقي على حبه لحياة المدرسة، سالكا نهج طلبة العلوم الاسلامية في الحياة، دون ادنى فرق يذكر، فهو في المجلس كما كان في النجف و في مدرسة الصدر! و من هنا عرف «المدرس» في الحوزات العلمية و في مدرسة سبهسالار، قبل ان يعرف في اي مركز آخر.

كان «المدرس» مؤمنا بضرورة تسلح طلاب العلوم الاسلامية بسلاحي العلم و التقوى معا. و اي منهما بمفرده لا يحل المشكلة. و قد نقل ابنه المرحوم «حجة الاسلام السيد اسماعيل السيد حسن المدرس» بهذا الصدد ما يلي:

«كان «السيد حسن المدرس» يوصي الطلاب على الدوام بالتقدم العلمي، و ان الاسلام اعتبر طلب العلم فريضة، لكن العلم وحده غير كاف، فيجب على المسلم ان يتسلح بسلاحي العلم و التقى. ان الانجليز لديهم علم، و ليس لديهم تقوى. و لو تسلح المسلمون بالعلم و التقى فسوف لا يتسلط عليهم اي احد». (70)

كان المدرس مؤمنا بضرورة تعلم طلاب العلوم الاسلامية اللغة العربية و آدابها بشكل جيد قبل تعلم اي شي‌ء آخر، لان اللغة و آدابها مفتاح كل العلوم الاسلامية، فاذا كان التحصيل الدراسي لطالب العلم في اللغة و آدابها محكما فسيوفق في تحصيل سائر العلوم الاخرى.

و عبر الرسائل المتعددة التي وجهها السيد حسن المدرس من سجن «خواف» الى ولده السيد عبد الباقي، اكد الشهيد على اهمية الدراسة الحوزوية، و خصوصا آداب اللغة و الفلسفة:

«... رابعا: بالنسبة لقضية التحصيل الدراسي، فسوف تصرف بعض نهارك و مساءك- بالطبع- في صناعتك «الطبا»، اما البعض الآخر، الذي سيكون مجموع ساعاته في النهار و الليل ست ساعات، فعليك ان تخصصه لقراءة الدروس و مذاكرة العلوم الاخرى، و اعزم على الحزم و عدم الاهمال، فكل درس بلا قراءة و مذاكرة تكون فائدته قليلة.

خامسا: وضعت المنطق و الفلسفة نصب عينك، و من الواضح ان المقصود من‌

50

الفلسفة الفلسفة الإلهية، و من المنطق هو المقدمة المختصرة، و لكن العلوم الادبية مقدمة، كلما تقدمت خلالها خطوة كان لذلك عشرة اقدام من التأثير في العلوم الاخرى. و عليك البدء فعلا بدراسة المقدمات من الصرف و النحو و المنطق. و بعد دراسة عامة للمنطق ابتدأ بالفلسفة، دون ان ترفع اليد عن العلوم الادبية و لو الى آخر الحياة. وفقك اللّه لانهاء حياتك في البحث و دراسة الفلسفة الالهية.

سادسا: ليس هناك استاذا اعرفه لتدريس الموضوعين افضل علما و اخلاقا من الشيخ محمد علي اللواساني ابن الشيخ عيسى، او يندر وجود غيره. فحصّل كلا الدرسين لديه قبل طلوع الشمس، و هو قد جعل التدريس جزء من اجزاء التعقيب لصلاة الصبح، فسوف يرعى اليتامى، و يلقي الدروس على طلاب المدارس العلمية. و يلزمك حتما استشارته في انتخاب الكتاب الدراسي لكلا الموضوعين، و في تحديد بداية الدرس. حتى لو كانت من صرف مير و العوامل و الكبرى في المنطق. آمل الافادة من علومه و اخلاقه، و السلام عليكم، السيد حسن المدرس» (71)

و لو عدنا لقراءة هذه الرسالة سنجد ملاحظات في غاية الروعة تعكس رؤية الشهيد المدرس للحوزات العلمية. كان الشهيد مؤمنا- كما قلنا- بأولوية اللغة العربية و آدابها و مقدميتها لكل العلوم الاسلامية و كان يرى فائدة في تحصيل و دراسة اللغة بشكل مستمر. حيث اعتقد ان دراسة اللغة تساهم في التقدم عشر خطوات في تحصيل العلوم الاسلامية الاخرى.

و كان يرى ضرورة علم المنطق و دراسته بشكل مختصر، و في حدود رفع الحاجة و التعرف على المصطلحات، و كان يعتبر الغوص في «المنطق» اكثر من الحد المطلوب اتلافا للوقت. اما الفلسفة و خصوصا الفلسفة الالهية فيراها هدفا و مقصدا اساسيا، الافضل ان ينهي الانسان عمره في الاشتغال بها.

و قد اكد الشهيد المدرس خلال ذلك على «عنصر المذاكرة» بشكل اساس، و اتى على ذكر هذا العنصر ثلاث مرات في هذه الرسالة المختصرة. و ذهب الى عدم نفع كل درس، دون مذاكرة و قراءة. فعنصر المذاكرة بين الزميلين في البحث ظاهرة تميزت بها الحوزة العلمية عن سائر الجامعات العلمية، و قد اكد الشهيد المدرس على الاحتفاظ بهذه الظاهرة، و ذهب الى ضرورة دوام حياتها، مؤكدا و موصيا.

51

القضية المهمة الاخرى التي اشارت لها هذه الرسالة القيمة هي قضية الالتفات الى فكر الاستاذ و اخلاقه و تقواه، فلا بد ان يكون العلم توأم العمل، و الا فلا يستطيع الاستاذ ان يربي تلميذا نافعا للمجتمع.

كان الشهيد «المدرس» آسفا لهجر الاهتمام بالعلوم الاسلامية المتنوعة الذي اولته الحوزات العلمية القديمة، في الحوزة العلمية المعاصرة، و اختصار الطلاب على العكوف لدراس الفقه و اصوله فقط، و كان يتطلع لتستعيد الحوزة العلمية شمولها العلمي السابق. و قد خطى الشهيد المدرس نفسه الخطوة الاولى على هذا الطريق، بغية اصلاح النظام الدراسي في الحوزات العلمية، و كانت خطوة «المدرس» العملية الاولى هي: ان يبدأ بنفسه تدريس الفلسفة و المنطق و الاخلاق على هدي نهج البلاغة في حوزة اصفهان مضافا لتدريسه الفقه و الاصول، و عكف على تربية و اعداد اهل الفضل.

ثم ابتكر الشهيد المدرس خطوة اخرى و هي: ابتدأ في مدرسة «سبهسالار» بتدوين برنامج دراسي و تحقيقي اختصاصي لتفسير القرآن المجيد؛ بغية ان يدون تفسير جامع بشكل جامعي، يتناسب مع مستوى ثقافة و فكر و استيعاب الامة في ذلك الزمان.

جمع المدرس عددا من العلماء و الفضلاء حوله؛ لاجل ان يعد تفسيرا جماعيا، لاول مرة في تاريخ التشيع. قال بعض السادة: ان مثل هذا التفسير الذي تريد مكتوب! سأل المدرس: اي تفسير هو؟! فقالوا له انه «تفسير الطنطاوي». فاخذ الاستاذ الشهيد المدرس مجلدا من ذلك التفسير و قرأه كاملا، ثم قال: ان هؤلاء لم يفهموا روح القرآن، علينا نحن البدء بهذا المشروع.

بعد ذلك اعدّ طرحا مختصرا، لكنه في غاية الجودة و الشمول لاعداد هذا الكتاب، لكن المؤسف ان يتعطل هذا الطرح، كسائر آمال هذا الفقيه العالم القرآني، باعتقاله، و تبعيده، و شهادته. و نص الطرح هو كالتايي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم يحتل تحصيل علوم القرآن و تفسيره ضمن العلوم الدراسية الاخرى على مستوى الدروس المتوسطة «السطح» و العالية «الخارج» المرتبة الاولى من الاهمية. لكن المؤسف ان هذه العلوم كغيرها من العلوم الاسلامية المهمة اضحت متروكة و انا اعتقد ان كتابا كاملا نافعا ليس في متناول ايدينا، و خصوصا تفاسير الشيعة.

و يلزم- بغية تحقيق هذا العمل- كتابة تفسير وفق الطرح التالي- بحيث ان يأتي متوفرا على المزايا المذكورة و ان يدرّس على مستوى المرحلة المتوسطة و العالية-:

52

1- الادبية: يعني التقاط المهمة من زاوية: البيان، الصرف، الاشتقاق، الاعراب، اللغة.

2- نزول الآية.

3- التفسير: يعني بيان مدلول الآية بشكل اجمالي، و ربطها بسياقها السابق و اللاحق، و تعيين، لمعكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ و دفع الشبهات الواردة على بعض الآيات، و بيان بعضى الانكار العلمية المرتبطة بالآية و تطبيقها على معلومات العصر.

4- الكلام: يعني بيان دلالة الآية على الجوانب العقائدية في المبدأ و المعاد و النبوة و نحوها.

5- الفقه: يعني بيان ما يدل من الآية على الاحكام التكليفية.

6- الفلسفة: يعني بيان دلالة الآية على قضايا الحكمة و العرفان و المواعظ و الاخلاق و السياسة، اي القضايا المتعلقة بالحضارة و المجتمع، ....» (71)

كان المدرس مؤمنا بضرورة انطلاق طلاب العلوم الاسلامية من اسر جدران المدارس، بل لا بدّ لهم من الدخول في قلب الواقع الاجتماعي، و فهم مشكلاته. و على هذا الاساس كان يقول: يجب ان ينخرط طلاب العلوم الاسلامية في الخدمة العسكرية. فقد سعى الى اقرار قانون الخدمة العسكرية الالزامية في مجلس الشورى، دون استثناء طلاب العلوم الدينية، اما الجو العام فقد كان يريد تحقيق هذا الاستثناء، لكن المدرس لم يك شخصية تخضع للجو الضاغط.

«زار «المدرس» مدينة اصفهان بعد قطيعة طويلة، فاستقبلته الجماهير، و اتخذ من مدرسة چهارباغ «الباستين الاربعة» محلا و قد كان استاذه الاسبق آية اللّه السيد محمد صادق خاتون‌آبادي من جملة مستقبليه و زائريه، و قد اجله «المدرس» اجلسه صدر المجلس. فقال السيد خاتون‌آبادي للمدرس: سيدنا المدرس! ان الجميع يقدرون اسلوبك في العمل و جهادك و نضالك المنطلق خالصا من اساسك الديني. و لكن هناك مناقشات في المجلس حول قانون الخدمة العسكرية الالزامية، و يستحسن ان تستثني طلاب العلوم الدينية منها. فقال له المدرس: حضرة الاستاذ! كنت في البدء على هذا الرأي، ثم التفت الى ان جمعا من العناصر الأمية الفاشلة في الحياة تفر من الخدمة العسكري و تنخرط في سلك‌

53

الطلاب، ثم تترك هذا السلك.

ثم لو ان الطلاب تعلموا الفنون العسكرية و تدربوا على السلاح العصري فهو امر مفيد جدا». (73)

كان «المدرس» مؤمنا بالاهمية البالغة لتنظيم حياة طلاب العلوم الاسلامية و للتحصيل الجاد الشامل و للوعي الاجتماعي و السياسي و العسكري لطلاب العلوم الاسلامية. و كان مستاء من ظاهرة امية بعض المعممين، و لم يخف استياءه.

«قام المدرس- ذات يوم- بزيارة قرية مهيار الواقعة في اطراف اصفهان، و نزل ضيفا في دار محمد حسين انصاري، فأقيم مجلس عزاء هناك. ارتقى المنبر احد الوعاظ يلقب «موسوي» فشد المجلس بصوته الرنان الحزين. و بعد ان اتم الواعظ مجلسه اذن المؤذن للصلاة، قام المدرس للوضوء متجها صوب حوض الدار، فشاهد رجلا كبيرا يتوضأ بشكل غير صحيح، نادى الواعظ و قال له: ايها السيد ان المنبر لا يعني اقامة مجلس العزاء و ترخيم الصوت فقط، فقد كان هدف الامام الحسين (ع) ارفع من ذلك، يجب عليك ان تعلم الناس اخلاق الاسلام و احكام الوضوء و الصلاة أيضا. و لو كنت دقيقا في اداء دورك و مسئوليتك لما توضأ هذا الرجل الكبير بشكل غير صحيح، فهل انت تنتظر فقط ان تلد سخلة العجوز فترسل لها آنيتك ليأتوك بحليب السخلة: لقد عين لك اللّه مسئوليات اخرى، يجب عليك ان تجتمع بالناس اسبوعيا و تعلمهم على الاقل مسائل الاحكام، و هذا لا يستدعي علما أيضا، بل يكفيك ان تأخذ الرسالة العملية للمجتهد، و تقرأها على الناس». (74)

كان الشهيد «المدرس» شديد الحساسية بالنسبة لقضايا الحوزات العلمية و طلابها، و كان يتطلع الى اليوم الذي تصل فيه الحوزات العلمية الى الحد المطلوب على مستوى العلم و العمل. كان «المدرس» يرفض المقولة المشهورة «ان نظم الحوزات في اللانظم» و سعى الى تنظيم القضايا المالية و الدراسية للحوزة، و قد تعرض لمحاولة اغتيال مسلحة من قبل اللصوص آكلة اموال الموقوفات سحتا؛ لانه اراد تنظيم واردات الموقوفات، لكنه نجا منها. كما تآمروا عليه في مدرسة سبهسالار لهذا السبب ذاته، و كشفت المؤامرة قبل وقتها، و أحبطت. لقد كانت حياة «المدرس» الشخصية منظمة تنظيما دقيقا شاملا.

54

ننقل بهذا الصدد خاطرة للمرحوم السيد محمد رضا الخراساني الاصفهاني لنختتم بها الحديث:

«... ان شخصية المرحوم «المدرس» العلمية و العملية تهيمن على الجميع. و حينما عاد من النجف اقام حوزة درسه في مدرسة جده كوجك باصفهان. و كنت اذهب احيانا الى تلك المدرسة للقائه، و على العكس من اولئك الذين يرون ان «نظم الحياة الطلابية في اللانظم» كان «المدرس» ملتزما بنظم امور الحياة التزاما غريبا.

فلو راقب شخص دقائق اعماله خلال سنة، فمن المحتمل ان لا يجد تغييرا في أية دقيقة خلال السنة. كان يبتدأ صباحه بالتدريس في الساعة السابعة حيث يدرّس الفقه، و بدءا من الساعة التاسعة يدخل غرفته لمدة نصف ساعة و بين الساعت 11- 12 قبل الظهر كان يجلس لاستقبال مراجعيه، حيث يستثمر هذا الوقت لتناول الشاي حينا و للتدخين حينا آخر. كان ملتزما باداء الصلاة جماعة في اوّل وقت الظهيرة، و كان يسعى ان لا يكون هو امام الجماعة، بل يقتدي بالآخرين. ثم يذهب بعد ذلك الى منزله. و على رأس الساعة الثالثة بعد الظهر يرجع الى المدرسة. و كان يدرس اوّل الصباح ايام الخميس درسا في نهج البلاغة، و كان يسحر الطلاب بدرسه هذا، و كان يخصص وقت العصر يومي الخميس و الجمعة لاعماله الشخصية». (75)

نعم! هكذا كان «المدرس»: فسلام عليه يوم ولد، و يوم استشهد صائما، و يوم يبعث مع الصديقين و شهداء التاريخ.

المدرس: زهده، تقواه، ايثاره

اكتسب «المدرس» الكمالات المعنوية و العرفانية، الى جانب اكتسابه للكمالات العلمية. فكان نموذج العارف الزاهد بمعنى الكلمة. و رغم ان «المدرس»- على حد تعبير آية اللّه بهاء الديني لم يكن اقل مستوى من مراجع تقليد زمانه، لكنه لم يفكر اطلاقا بالتصدي لمقام الزعامة، فحيث كان يجد عددا من المجتهدين «من به الكفاية» متصديا للتقليد و الزعاعة، لم يتصد لمقام الزعامة و المرجعية بايثار و تجاوز للذات، قلّ نظيره. بل احتل موقعه في العمل السياسي، ليؤكد الوحدة الكاملة بين الدين و السياسة، و هذا اكبر مظهر من مظاهر الايثار التى يمكن ان يمارسه فقيه في تلك الحقبة. و على هذا المنوال من‌

55

الايثار اعرض المرحوم العلامة الطباطبائي «صاحب تفسير الميزان» عن الرئاسة، و عكف على احياء القرآن. و لم يكن ذلك الا بحكم ما تمتع به اولئك العظام من تقوى، و من ادراك لاهمية الدور الذي لعبوه، دون ان يأبهوا بالسمعة و الصيت و الزعامة.

انجز «المدرس» الكثير من اعمال البر العامة، دون ان يكون مستعدا ان يكتب له اسم عليها، فيشتهر بها. فقد كان تأسيس مستشفى «فيروزآبادي» بمدينة «شهر ري» من ابتكار «المدرس» و كان له الدور الاكبر في البدء ببناء هذا المستشفى.

يقول السيد «نجفي ملايري» بهذا الصدد ما يلي:

«... من القضايا الاخرى التي لم يطلع عليها احد: بناء مستشفى فيروزآبادي، حيث دعى «المدرس» ذات يوم السادة:

فيروزآبادي، ناظم العلماء، ملايري، قوام الدولة، مؤتمن الملك، مشير الدولة، وثوق الدولة، فيروز الدولة، و مستوفي.

الى داره و قال:

انكم في غنى «عن رواتب المجلس، فاجمعوا هذه النقود، و ابنوا مستشفى فوافق الجميع على اقتراح المدرس، و تعهد فيروزآبادي مسئولية متابعة الموضوع، و اشتروا بستان «حرمة الدولة» كل عشرة امتار بتومان. و بعد حين التحق بهذا الجمع المرحوم فرازي و آخرون، و بنوا المرحلة الاولى من المستشفى. اقترح «المدرس» ان تسمى المستشفى باسم «فيروزآبادي»، حيث تحمل مسئولية البناء، و بقي «فيروزآبادي» يخدم في المستشفى حتى آخر حياته». (76)

كان الدور الاول في التأسيس نصيب المدرس- كما هو ملاحظ-، و لكن لم يسمع من «المدرس» انه ادعى له دورا في تأسيس هذا المشروع على الاطلاق، و ليس هذا الا لتقواه و ايثاره، و عدم اعتناءه بطنين الالقاب و ذياع الصيت.

كما ان سحب الماء من منطقة «كوهرنك» الى مدينة اصفهان، التي لا تزال تنتفع به، هو من ابتكار الشهيد «المدرس» أيضا. ففي ذي الحجة من عام 1344 ه‍ عزم على زيارة اصفهان بعد ان تركها و استقر في طهران نائبا في مجلس الشورى. فجلب معه عددا من المهندسين؛ بغية دراسة امكانية و طريقة نقل الماء من «كوهرنك» الى اصفهان، و وضع خطة المشروع. اتجه المهندسون الى تلك المنطقة و رسموا الخرائط الاولية و قدموها للمسئولين. هذه هي قصة الخطوة الاولى لنقل الماء الى اصفهان، و بعد ذلك تتابعت‌