الفقه على المذاهب الأربعة و مذهب أهل البيت(ع) - ج4

- عبد الرحمن الجزيري المزيد...
716 /
11

الجزء الرابع

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب النكاح

12

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب النكاح

تعريفه

للنكاح معان ثلاثة: الأول المعنى اللغوي و هو الوطء و الضم، يقال:

تناكحت الأشجار إذا تمايلت و انضم بعضها إلى بعض، و يطلق على العقد مجازا لأنه سبب في الوطء، الثاني المعنى الأصولي و يقال له: الشرعي، و قد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها أنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد كالمعنى اللغوي من كل وجه، فمتى ورد النكاح في الكتاب و السنة بدون قرينة يكون معناه الوطء كقوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ فان معناه في هذه الآية الوطء إذ النهي انما يتصور عنه لا عن العقد في ذاته لان مجرد العقد لا يترتب عليه غيرة تنقطع بها صلات المودة و الاحترام، و هذا هو رأي الحنفية على أنهم يقولون: إن النكاح في قوله تعالى حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ معناه العقد لا الوطء لأن إسناده للمرأة قرينة على ذلك، فإن الوطء فعل و المرأة لا تفعل لكن مفهوم الآية يفيد أن مجرد العقد يكفي في التحليل و ليس كذلك لأن السنة صريحة في أن التحليل لا بد فيه من الوطء فهذا المفهوم غير معتبر، يدل على ذلك ما صرح به في حديث العسيلة بقوله صلى الله عليه و سلم: «حتى تذوقي عسيلته» إلخ.

ثانيها: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء عكس المعنى اللغوي و يدل لذلك كثرة وروده بمعنى العقد في الكتاب و السنة، و من ذلك قوله تعالى:

حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. و ذلك هو الأرجح عند الشافعية و المالكية.

ثالثها: أنه مشترك لفظي بين العقد و الوطء، و قد يكون هذا أظهر الأقوال الثلاثة لأن الشرع تارة يستعمله في العقد و تارة يستعمله في الوطء بدون أن يلاحظ في الاستعمال هجر المعنى الأول و ذلك يدل على أنه حقيقة فيهما. و أما المعنى الثالث للنكاح فهو المعنى الفقهي. و قد اختلفت فيه عبارات الفقهاء و لكنها كلها ترجع الى معنى واحد و هو أن عقد النكاح وضعه الشارع ليرتب عليه انتفاع الزوج ببضع الزوجة و سائر بدنها من حيث التلذذ، فالزوج يملك بعقد النكاح هذا الانتفاع و يختص به و لا يملك المنفعة، و الفرق بين ملك الانتفاع و ملك المنفعة أن ملك المنفعة يستلزم أن ينتفع الزوج بكل ما يترتب على البضع من المنافع و ليس كذلك فإن المتزوجة إذا نكحها شخص آخر بشبهة كأن اعتقد أنها زوجته فجامعها خطأ فإنه يكون عليه مهر المثل و هذا المهر تملكه هي لا

13

الزوج فلو كان الزوج يملك المنافع لاستحق المهر لأنه من منافع البضع، و هذا القدر متفق عليه في المذاهب و إن اختلفت عباراتهم في نص التعريف كما هو موضح في أسفل الصحيفة (1).

____________

(1) الحنفية- عرف بعضهم النكاح بأنه عقد يفيد ملك المتعة قصدا، و معنى ملك المتعة اختصاص الرجل ببضع المرأة و سائر بدنها من حيث التلذذ، فليس المراد بالملك الملك الحقيقي، و بعضهم يقول: انه يفيد ملك الذات في حق الاستمتاع، و معناه أنه يفيد الاختصاص بالبضع يستمتع به، و بعضهم يقول: إنه يفيد ملك الانتفاع بالبضع و بسائر أجزاء البدن بمعنى أن الزوج يختص بالاستمتاع بذلك دون سواه، و كل هذه العبارات معناها واحد، فالذي يقول: انه يملك الذات لا يريد الملك الحقيقي طبعا لأن الحرة لا تملك و إنما يريد أنه يملك الانتفاع. و قولهم: قصدا خرج به ما يفيد تلك المتعة ضمنا كما إذا اشترى جارية فإن عقد شرائها يفيد حل وطئها ضمنا و هو ليس عقد نكاح كما لا يخفى.

الشافعية- عرف بعضهم النكاح بأنه عقد يتضمن ملك وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو معناهما و المراد أنه يترتب عليه ملك الانتفاع باللذة المعروفة، و على هذا يكون عقد تمليك كما ذكر في أعلى الصحيفة، و بعضهم يقول: أنه يتضمن اباحة الوطء إلخ فهو عقد اباحة لا عقد تمليك، و ثمرة هذا الخلاف أنه لو حلف أنه لا يملك شيئا و لا نية له فإنه لا يحنث إذا كان يملك الزوجة فقط على القول بأن العقد لا يفيد الملك، أما على القول الآخر فإنه يحنث و الراجح عندهم أنه عقد اباحة.

المالكية- عرفوا النكاح بأنه عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها بينة قبله غير عالم عاقده حرمتها أن حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على غير المشهور رواه ابن عرفة، و معنى هذا أن النكاح عبارة عن عقد على متعة التلذذ المجردة، فقوله: عقد شمل سائر العقود و قوله: على متعة التلذذ خرج به كل عقد على غير متعة التلذذ كالبيع و الشراء، و خرج بكلمة التلذذ العقد على متعة معنوية كالعقد على منصب أو جاه، و خرج بقوله: المجردة عقد شراء أمة للتلذذ بها فإن العقد في هذه الحالة لم يكن لمجرد التلذذ بوطئها و إنما هو لملكها قصدا و التلذذ بها ضمنا فهو عقد شراء لا عقد نكاح، و قوله: بآدمية خرج به عقد المتعة بالطعام و الشراب، و قوله: غير موجب قيمتها خرج به عقد تحليل الأمة أن وقع ببينة، و ذلك كأن يملك شخص منفعة الاستمتاع بأمته فإن هذا لا يقال له عقد نكاح كما لا يقال له اجارة و هو يوجب قيمة الأمة ان وقع، أما عقد النكاح فإنه لا يوجب قيمة المعقود عليها، و قوله: غير عالم عاقده حرمتها أي حرمة المعقود عليها بالكتاب أو الإجماع فإن كانت محرمة عليه بالكتاب و عقد عليها وقع العقد باطلا فلا يسمى نكاحا من أصله، و إن كانت محرمة بالإجماع سمى نكاحا فاسدا هذا هو المشهور، و غير المشهور أنه لا يسمى نكاحا أصلا سواء كان التحريم بالكتاب أو بالإجماع، فقوله: غير عالم عاقده حرمتها أن حرمها الكتاب معناه أن هذا قيد يخرج به عقد العالم بالتحريم بالكتاب من عقد النكاح أصلا، و قوله: أو الإجماع على غير المشهور معناه أن هذا قيد يخرج به عقد العالم بالتحريم بالإجماع فلا يسمى نكاحا و لكن على خلاف المشهور لأنك قد عرفت أن المشهور يسمى نكاحا فاسدا و قوله: ببينة قبله أي قبل التلذذ و أخرج به ما إذا دخل بها قبل أن يشهد‌

14

هذا و المشهور في المذاهب (1) أن المعقود عليه هو الانتفاع بالمرأة دون الرجل كما ذكر، و لكن ستعرف من مبحث أحكام النكاح أنه يحرم الانصراف عن المرأة إذا ترتب عليه إضرار بها أو إفساد لأخلاقها، و عدم إحصانها كما أنه يحرم على الرجل أن تتلذذ به أجنبية عنه فقواعد المذاهب تجعل الرجل مقصورا على من تحل له كما تجعل المرأة مقصورة عليه، و تحتم على الرجل أن يعفها بقدر ما يستطيع كما تحتم عليها أن تطيعه فيما يأمرها به من استمتاع الا لعذر صحيح.

و بعد فمن المعلوم أن العقد الذي يفيد الاختصاص بالاستمتاع و حله انما هو العقد الشرعي الصحيح و هو لا بد فيه من أن يكون مستكملا للشرائط الآتية:

كأن يكون على امرأة خالية من الموانع، فلا يصح العقد على الرجل، و لا على الخنثى المشكل و لا على الوثنية و لا على محرمة بنسب أو رضاع أو مصاهرة كما لا يصح العقد على ما ليس من جنس الإنسان كانسانة الماء (2) مثلا فإنها كالبهائم.

____________

على الدخول فإن العقد لا يكون عقد نكاح، و يرد عليه أنه إذا دخل بها بدون شهود يفسخ بطلقة و هذا فرع ثبوت النكاح، و الجواب أن الفسخ حصل بناء على إقرارهما بالعقد و رفع عنهما الحد بشبهة العقد.

و قد صرح المالكية في أول الإجارة أن عقد النكاح هو عقد تمليك انتفاع بالبضع و سائر بدن الزوجة كما ذكرنا في أعلى الصحيفة السابقة.

الحنابلة- قالوا: هو عقد بلفظ إنكاح أو تزويج على منفعة الاستمتاع و هم يريدون بالمنفعة الانتفاع كغيرهم لأن المرأة التي وطئت بشبهة أو بزنا كرها عنها لها مهر مثلها و هي تملكه لا الزوج ان كانت متزوجة لقوله (عليه السلام): «فلها بما استحق من فرجها» أي نال منه بالوطء.

(1) الشافعية- قالوا: ان الراجح هو أن المعقود عليه بالمرأة أي الانتفاع ببضعها، و قيل:

المعقود عليه كل من الزوجين، فعلى القول الأول لا تطالبه بالوطء لأنه حقه و لكن الأولى له أن يحصنها و يعفها، و على القول الثاني لها الحق في مطالبته بالوطء كما أن له الحق في مطالبتها لأن العقد على المنفعتين منفعته بها و منفعتها به، و هذا حسن و ان كان مرجوحا لأن الرجل قد ينصرف عن المرأة فتفسد أخلاقها، و في هذه الحالة يجب عليه أن يعفها أو يسرحها بالمعروف.

الحنفية- قالوا: ان الحق في التمتع للرجل لا للمرأة بمعنى أن للرجل أن يجبر المرأة على الاستمتاع بها بخلافها فليس لها جبره إلا مرة واحدة، و لكن يجب عليه ديانة أن يحصنها و يعفها كي لا تفسد أخلاقها.

(2) أهل البيت (ع): هي خرافة لا واقع لها.

15

و لا بد أيضا أن يكون العقد بإيجاب و قبول شرعيين و أن يكون بشهود (1) سواء كانت عند العقد أو قبل الدخول على رأي بعض المذاهب، أما العقود المدنية أو الاستئجار لمدة معلومة أو نحو ذلك فإنها زنا يعاقب الشارع الإسلامي عليها.

حكم النكاح

النكاح ترد عليه (2) الأحكام الشرعية الخمسة: الوجوب، و الحرمة، و الكراهة و السنية أو الندب و الإباحة، أما المواضع التي يجب فيها النكاح (3) إلخ ففيها تفصيل المذاهب (4).

____________

(1) أهل البيت (ع): اتفق علماء الإمامية على أن الإشهاد على الزواج الدائم مستحب و ليس بواجب قال صاحب الجواهر: المعروف بين الفقهاء عدم وجوب الإشهاد بل القول بالوجوب شاذ و ذلك أن الإشهاد شرط زائد و الأصل عدمه حتى يثبت الدليل و لا دليل نعم جاء نص من طريق السنة و الشيعة على أنه لا زواج إلّا بولي و شاهدين و لكنه ضعيف بشهادة صاحب الجواهر و المسالك قال الشهيد الثاني لقد اعتبر الخيار من نقاد الحديث فوجدوه ضعيف السند (1).

(2) أهل البيت (ع): النكاح مستحب مؤكد لمن يمكنه فعله و لا يخاف بتركه الوقوع في محرم و الا وجب قال الله تعالى فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ و أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ و أقل مراتب الأمر الاستحباب و قال صلى الله عليه و آله من رغب عن سنتي فليس مني و إن سنتي النكاح (2) و لا يتعلق به غير هذين الحكمين إلا من عناوين خارجية ستأتي الإشارة إليها.

(3) أهل البيت (ع): ذكرنا أنه يجب النكاح فيما إذا خاف من تركه الوقوع في المحرم.

(4) المالكية- قالوا: يفترض النكاح على من له رغبة فيه و يخشى على نفسه الزنا إذا لم يتزوج و لم يستطع كف نفسه بالصيام و ليست له قدرة على شراء جارية تغنيه عن زواج الحرة ففي هذه الحالة يفترض عليه الزواج و لو كان عاجزا عن الكسب من حلال فيفترض النكاح بشروط ثلاثة: الأول أن يخاف على نفسه الوقوع في الزنا، الثاني أن يكون عاجزا عن الصيام الذي يكفه عن الزنا أو يكون قادرا على الصيام، و لكن الصيام لا يكفه، الثالث أن يكون عاجزا عن اتخاذ أمة تغنيه، فإذا كان قادرا على الزواج و على الصيام الذي يمنع شهوته من الطغيان و على اتخاذ أمة كان مخيرا بين واحد من الثلاثة و لكن الزواج أولى. و بعضهم يشترط القدرة على الكسب من حلال فإذا خاف على نفسه الزنا و عجز عن الصيام و اتخاذ الأمة لا يفترض عليه الزواج إلا إذا كان قادرا على الكسب من حلال لأنه إذا خاف على نفسه‌

____________

(1) فقه الامام الصادق (ع) 5/ 182

(2) اللمعة الدمشقية 5/ 85

16

..........

____________

الزنا وجب عليه أن يحارب شهوته و لا يتزوج ليسرق و ينفق على زوجته إذ لا يليق أن يدفع محرما بارتكاب محرم آخر، نعم إذا وجدت حالة ضرورة ليست في اختيار الإنسان فإن له أن يزيل الضرورة كالمضطر الذي يباح له أكل الميتة دفعا للهلاك، أما فيما عدا ذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يدفع محرما بارتكاب محرم آخر بل يجب عليه أن يحارب نفسه و يمنعها من ارتكاب المحرم ما دام ذلك في طاقته و اختياره، «و هذا رأي حسن» هذا في الرجل أما في المرأة فإن الزواج يفترض عليها إن عجزت عن قوتها و كانت عرضة لمطامع المفسدين و توقف على الزواج سترها و صيانتها.

و يكون النكاح حراما على من لم يخش الزنا و كان عاجزا عن الإنفاق على المرأة من كسب حلال أو عاجزا عن وطئها فإذا علمت المرأة بعجزه عن الوطء و رضيت فإنه يجوز، و كذا إذا علمت بعجزه عن النفقة و رضيت فإنه يجوز بشرط أن تكون رشيدة أما إذا علمت بأنه يكتسب من حرام و رضيت فإنه لا يجوز.

و يكون النكاح مندوبا إذا لم يكن للشخص رغبة فيه و لكنه يرجو النسل بشرط أن يكون قادرا على واجباته من كسب حلال و قدرة على الوطء و إلا كان حراما كما عرفت، و يكره في هذه الحالة إذا عطله عن فعل تطوع. أما إذا كانت له رغبة في النكاح و لكنه لا يخاف على نفسه من الزنا فإنه يندب له الزواج إذا كان قادرا على مئونته سواء كان له أمل في النسل أو لا و سواء عطله الزواج عن فعل تطوع أو لا.

و المرأة في ذلك كالرجل فإن لم تكن لها رغبة في النكاح ندب لها إذا كان لها أمل في النسل بشرط أن تكون قادرة على القيام بحقوق الزوج و أن لا يمنعها الزواج من فعل تطوع و الا حرم أو كره. أما إذا كانت لها رغبة فيه و لكنها لا تخاف الوقوع في الزنا و كانت قادرة على الإنفاق على نفسها و هي مصونة من غير زواج فإنه يندب لها سواء أ كان لها أمل في النسل أم لا و سواء عطلها عن فعل تطوع أو لا فان خافت على نفسها أو لم تكن قادرة على قوتها و توقف عليه سترها فإنه يجب عليها كما عرفت.

و يكون النكاح مكروها للشخص الذي ليست له رغبة في النكاح و لكنه يخشى أن لا يقوم ببعض ما يجب عليه أو يعطله عن فعل تطوع سواء كان رجلا أو امرأة كما عرفت و سواء كان له أمل في النسل أو لا.

و يكون مباحا لمن ليست له رغبة فيه و لم يرج نسلا و كان قادرا عليه و لم يعطله عن فعل تطوع.

الحنفية- قالوا: يكون الزواج فرضا بشروط أربعة: الأول أن يتيقن الشخص الوقوع في الزنا إذا لم يتزوج أما مجرد الخوف من الزنا فإنه لا يكفي في الفرضية كما ستعرف. الثاني أن لا تكون له قدرة على الصيام الذي يكفه عن الوقوع في الزنا فإن كانت له قدرة على صيام يمنعه من الزنا فإنه يكون مخيرا بين ذلك الصيام و بين الزواج فلا يفترض عليه الزواج بخصوصه في هذه الحالة. الثالث أن لا يكون قادرا على اتخاذ أمة يستغنى بها فإنه يكون مخيرا أيضا. الرابع أن يكون قادرا على المهر و الإنفاق من كسب حلال لا جور فيه فإن لم‌

17

..........

____________

يكن قادرا لا يفترض عليه الزواج حتى لا يدفع محرما بمحرم لأن الكسب الحرام فيه اعتداء على أموال الناس بالغش أو السرقة أو الزور أو الغصب أو نحو ذلك، و ذلك من الجرائم التي لا يتسامح فيها معنى ذلك أن الشخص إذا عجز عن كسب الحلال فلا يتزوج و يباح له الوقوع في الزنا كلا بل معناه أنه في هذه الحالة يفترض عليه محاربة نفسه و شهوته محاربة شديدة و يزجرها زجرا كبيرا حتى لا يقع في الزواج الذي يترتب عليه أكل أموال الناس و ظلمهم عملا بقوله تعالى وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ نِكٰاحاً حَتّٰى يُغْنِيَهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ. هذا و إذا كان يمكنه أن يقترض المهر و النفقة الحلال فإنه يفترض عليه أن يتزوج ليفر من الوقوع في المعصية بقدر ما يستطيع.

و يكون النكاح واجبا لا فرضا إذا كان للشخص رغبة في النكاح و اشتياق شديد اليه بحيث يخاف على نفسه الوقوع في الزنا و انما يجب بالشروط المذكورة في الفرضية و ما قيل في الشرط الرابع- و هو القدرة على الإنفاق- يقال هنا.

و يكون سنة مؤكدة إذا كان للشخص رغبة فيه و كان معتدلا بحيث لم يتيقن الوقوع في الزنا و لم يخف منه فاذا ترك التزوج في هذه الحالة فإنه يأثم إثما يسيرا أقل من أثم ترك الواجب. و بعضهم يقول: أن السنة المؤكدة و الواجب بمعنى واحد و لا فرق بينهما إلا في العبارة و على هذا يكون واجبا أو سنة مؤكدة في حالتين: حالة الاشتياق الشديد الذي يخاف منه الوقوع في الزنا، و حالة الاعتدال، و على كل فيشترط القدرة على الإنفاق من حلال و على المهر و الوطء فان عجز عن واحد فلا يسن و لا يجب، و يثاب إذا نوى منع نفسه و نفس زوجه عن الحرام فان لم ينو فلا يثاب إذ لا ثواب إلا بالنية.

و يكون حراما إذا تيقن أنه يترتب عليه الكسب الحرام بجور الناس و ظلمهم لأن النكاح انما شرع لمصلحة تحصين النفس و تحصيل الثواب فإذا ترتب عليه جور الناس يأثم بارتكاب المحرم فتنعدم المصلحة المقصودة بحصول المفسدة.

و يكون مكروها تحريما إذا خاف حصول الظلم و الجور و لم يتيقنه.

و يكون مباحا لمن له رغبة فيه و لكن لا يخاف الوقوع في الزنا و لا يتيقنه بل يتزوج لمجرد قضاء الشهرة، أما إذا نوى منع نفسه من الزنا أو نوى النسل فإنه يكون سنة، فالفرق بين كونه سنة و بين كونه مباحا النية و عدمها.

الشافعية- قالوا: الأصل في النكاح الإباحة فيباح للشخص أن يتزوج بقصد التلذذ و الاستمتاع فإذا نوى به العفة أو الحصول على ولد فإنه يستحب. و يجب النكاح إذا تعين لدفع محرم كما إذا خافت المرأة على نفسها من فاجر لا يصده عنها الا التزوج فإنها يجب عليها أن تتزوج. و يكره إذا خاف الشخص عدم القيام بحقوق الزوجية كالمرأة التي ليست لها رغبة في النكاح و ليست محتاجة اليه و ليست خائفة من الفجرة فإنه يكره لها التزوج و كذا الرجل الذي لا رغبة له في النكاح و ليست له قدرة على المهر و النفقة فإنه يكره له النكاح، فإن كان قادرا على مئونة النكاح و ليست به علة تمنعه من قربان الزوجة- فإن كان متعبدا- كان الأفضل له أن لا يتزوج كي لا يقطعه النكاح عن العبادة التي اعتادها و إن لم يكن‌

18

و يتعلق بالنكاح أمور أخرى مندوبة (1)

____________

متعبدا- كان الأفضل له أن يتزوج احترازا من أن تدفعه الشهوة إلى الحرام في وقت ما أما إذا كانت له رغبة في النكاح و كان قادرا على مؤنة فإنه يستحب له. هذا و المراد بالنكاح هنا بالنسبة للرجل قبول التزويج فهو الذي يستحب له أو يجب إلخ، و بالنسبة للمرأة الإيجاب لأنه هو الذي من طرفها بواسطة الولي.

الحنابلة- قالوا: يفترض النكاح على من يخاف الزنا إذا لم يتزوج و لو ظنا سواء أ كان رجلا أم امرأة و لا فرق في هذه الحالة بين أن يكون قادرا على الإنفاق أو لا فمتى قدر على أن يتزوج ليصون نفسه عن الحرام فعليه أن يتزوج و يسلك سبيل العمل الحلال الذي يرتزق منه مستعينا بالله تعالى و على الله معونته.

و يحرم النكاح في دار الحرب إلا لضرورة فإذا كان أسيرا فإنه لا يباح له الزواج على أي حال.

و يكون سنة لمن له رغبة فيه و لكنه لا يخاف على نفسه الزنا سواء كان رجلا أم امرأة و هو في هذه الحالة يكون أفضل من النوافل لما فيه من تحصين نفسه و تحصين زوجه و الحصول على الولد الذي تكثر به الأمة و يكون عضوا عاملا في بناء المجتمع.

و يكون مباحا لمن لا رغبة له فيه كالكبير و العنين بشرط أن لا يترتب عليه إضرار بالزوجة أو فساد لأخلاقها و الا حرم لهذه العوارض.

(1) أهل البيت (ع): و يستحب لمن أراد التزويج قبل تعيين المرأة صلاة ركعتين و الاستخارة و هو أن يطلب من الله تعالى الخيرة له في ذلك و الدعاء بعدهما بالخيرة بقوله: «اللهم إني أريد أن أتزوج فقدر لي من النساء أعفهن فرجا و أحفظهن لي في نفسها و مالي و أوسعهن رزقا و أعظمهن بركة و قدر لي ولدا طيبا تجعله خلفا صالحا في حياتي و بعد موتي أو غيره من الدعاء و ركعتي الحاجة لأنها من مهام الحوائج و الدعاء بعدهما بالمأثور أو بما سنح و الإشهاد على العقد و الإعلان إذا كان دائما و الخطبة بضم الخاء أمام العقد للتأسي و أقلها الحمد لله و إيقاعه ليلا قال الرضا (ع): «من السنة التزويج بالليل لأن الله جعل الليل سكنا و النساء إنما هن سكن». و ليجتنب إيقاعه و القمر في برج العقرب لقول الصادق (ع): «من تزوج و القمر في العقرب لم ير الحسنى و التزويج حقيقة في العقد فإذا أراد الدخول بالزوجة صلى ركعتين قبله و دعا بعدهما بعد أن يمجد الله سبحانه و يصلي على النبي صلى الله عليه و آله بقوله: «اللهم ارزقني إلفها و ودها و رضاها و أرضني بها و اجمع بيننا بأحسن اجتماع و انس و ائتلاف فإنك تحب الحلال و تكره الحرام» أو غيره من الدعاء و تفعل المرأة كذلك فتصلي ركعتين بعد الطهارة و تدعو الله تعالى بمعنى ما دعا و ليكن الدخول ليلا كالعقد قال الصادق (ع): زفوا نساءكم ليلا و أطعموا ضحى و يضع يده على ناصيتها و هي ما بين نزعتيها من مقدم رأسها عند دخولها عليه و ليقل: «اللهم على كتابك تزوجتها و في أمانتك أخذتها و بكلماتك استحللت فرجها فإن قضيت في رحمها لي شيئا فأجعله مسلما سويا و لا تجعله شرك شيطان» و يسمي الله تعالى عند الجماع دائما عند الدخول بها و بعده ليتباعد عنه الشيطان و يسلم من شركه.

19

..........

____________

و يسأل الله الولد الذكر السوي الصالح قال: عبد الرحمن بن كثير: «كنت عند ابي عبد الله (ع) فذكر شرك الشيطان فعظمه حتى أفزعني فقلت جعلت فداك فما المخرج من ذلك؟

فقال: إذا أردت الجماع فقل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الذي لا إله إلّا هو بديع السّموات و الأرض اللّهمّ إن قضيت منّى في هذه اللّيلة خليفة فلا تجعل للشيطان فيه شركا و لا نصيبا و لا حظّا و اجعله مؤمنا مخلصا صفيّا من الشّيطان و رجزه جلّ ثناؤك» و ليولم عند الزفاف يوما أو يومين تأسيا بالنبي (ص) فقد أولم على جملة من نسائه و قال (ص): «الوليمة أول يوم حق و الثاني معروف و ما زاد رياء و سمعة».

و يدعو المؤمنين إليها و أفضلهم الفقراء و يكره أن يكونوا كلهم أغنياء و لا بأس بالشركة و يستحب لهم الإجابة استحبابا مؤكدا و من كان صائما ندبا فالأفضل له الإفطار خصوصا إذا شق بصاحب الدعوة صيامه.

و يجوز أكل نثار العرس و أخذه بشاهد الحال أي مع شهادة الحال بالإذن في أخذه لأن الحال يشهد بأخذه دائما.

و على تقدير أخذه به فهل يملك بالأخذ أو هو مجرد اباحة قولان أجودهما الثاني. و تظهر الفائدة في جواز الرجوع فيه ما دامت عينه باقية (3).

و يكره الجماع مطلقا عند الزوال الا يوم الخميس فقد روي أن الشيطان لا يقرب الولد الذي يتولد حينئذ حتى يشيب و بعد الغروب حتى يذهب الشفق الأحمر و مثله ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس لوروده معه في الخبر و عاريا للنهي عنه رواه الصدوق عن أبي عبد الله (ع) و عقيب الاحتلام قبل الغسل أو الوضوء قال (ص): «يكره أن يغشى الرجل المرأة و قد احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي رأى فإن فعل ذلك و خرج الولد مجنونا فلا يلومنّ إلا نفسه» و لا تكره معاودة الجماع بغير غسل للأصل.

و الجماع عند ناظر اليه بحيث لا يرى العورة قال النبي (ص): «و الذي نفسي بيده لو أن رجلا غشي امرأته و في البيت مستيقظ يراهما و يسمع كلامهما و نفسهما ما أفلح أبدا إن كان غلاما كان زانيا و إن كانت جارية كانت زانية» و عن الصادق (ع) قال: لا يجامع الرجل امرأته و لا جاريته و في البيت صبي فإن ذلك مما يورث الزنا».

و هل يعتبر كونه مميزا وجه يشعر به الخبر الأول و أما الثاني فمطلق.

و النظر الى الفرج حال الجماع و غيره و حال الجماع أشد كراهة و الى باطن الفرج أقوى شدة و حرمه بعض الأصحاب و قد روي أنه يورث العمى في الولد.

و الجماع مستقبل القبلة و مستدبرها للنهي عنه و الكلام من كل منهما عند التقاء الختانين الا بذكر الله تعالى قال الصادق (ع): «اتقوا الكلام عند ملتقى الختانين فإنه يورث الخرس» و من الرجل آكد «ففي وصية النبي (ص) يا علي لا تتكلم عند الجماع كثيرا فإنه إن قضي‌

____________

(3) اللمعة الدمشقية ج 5 من ص 88 الى ص 93

20

مفصلة في المذاهب (1).

____________

بينكما ولد لا يؤمن أن يكون أخرس و ليلة الخسوف و يوم الكسوف و عند هبوب الريح الصفراء أو السوداء أو الزلزلة فعن الباقر (ع) أنه قال: «و الذي بعث محمدا (ص) بالنبوة و اختصه بالرسالة و اصطفاه بالكرامة لا يجامع أحد منكم في وقت من هذه الأوقات فيرزق ذرية فيرى فيها قرة عين» و أول ليلة من كل شهر الا شهر رمضان و نصفه عطف على أول لا على المستثنى ففي الوصية «يا علي لا تجامع امرأتك في أول الشهر و وسطه و آخره فإن الجنون و الجذام و الخبل يسرع إليها و الى ولدها. و عن الصادق (ع) «يكره للرجل أن يجامع في أول ليلة من الشهر و في وسطه و في آخره فإنه من فعل ذلك خرج الولد مجنونا الا ترى ان المجنون أكثر ما يصرع في أول الشهر و وسطه و آخره و روى الصدوق عن علي (ع) أنه قال:

يستحب للرجل أن يأتي أهله أول ليلة من شهر رمضان لقوله عز و جل «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ» (و في السفر مع عدم الماء) للنهي عنه عن الكاظم (ع) مستثنيا منه خوفه على نفسه (4).

(1) الحنفية- قالوا: يندب إعلان عقد النكاح بدف «طبل» أو تعليق الرايات الدالة عليه أو بكثرة المصابيح أو نحو ذلك من الأمور التي يعرف بها عقد الزواج، و كذا يندب أن يخطب أحد قبل اجراء العقد و لا يلزم أن تكون الخطبة بألفاظ مخصوصة و لكن إذا خطب بما ورد كان أحسن، و من ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه و سلم و هو «الحمد لله نحمده و نستعين به و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له. و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله. يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ إلى قوله:

رَقِيباً (النساء، 1). يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ وَ لٰا تَمُوتُنَّ إِلّٰا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران، 102). يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً الى قوله عَظِيماً (الأحزاب، 75). و يندب أن يكون يوم جمعة. و كذا يندب أن لا يباشر العقد مع المرأة نفسها بل يتولى العقد عاقل رشيد غير فاسق من عصبتها. و كذا يندب أن يكون الشهود عدولا. و أن لا يحجم عن الزواج لعدم وجود المهر بل يندب له الاستدانة إذا أمكنه لأن المتزوج الذي يريد العفاف يكون الله معينا له كما ورد في حديث. و كذا يندب أن ينظر إلى زوجة قبل العقد بشرط أن يعلم أنه يجاب في زواجها، أما إذا كان يعلم أنه يرد و لا يقبل فلا يحل له أن ينظر إليها على أي حال. و معنى هذا أن النظر إلى المخطوبة انما يكون الاقدام الصحيح على الزواج و تحقق الرغبة من الجانبين و رضا كل منهما بالآخر، أما إذا كان الغرض مجرد الرغبة في الاطلاع على النساء بدون أقدام صحيح على الزواج فإنه يحرم.

و يندب أن تكون المرأة أقل من الرجل سنا لئلا تكبر بسرعة فلا تلد، و الغرض الصحيح من الزواج انما هو التناسل الذي به تكثر الأمة و يعز جانبها. و يندب أن تكون أقل منه في الجاه و العز و الرفعة و المال لأن الرجال قوامون على النساء حافظون لهن فاذا لم يكن الرجل أعز جاها و أكثر مالا لا تخضع المرأة له فلا يستطيع صيانتها لهذا قال رسول الله صلى الله‌

____________

(4) اللمعة الدمشقية ج 5 من ص 93 الى ص 97

21

..........

____________

عليه و سلم: «من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله الا ذلا، و من تزوجها لما لها لم يزده الله الا فقرا. و من تزوجها لحسبها لم يزده الله الا دناءة، و من تزوج امرأة لم يرد بها الا أن يغض بصره و يحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها و بارك لها فيه». و يندب أن تكون أحسن منه خلقا و أدبا و ورعا و جمالا، و الأحسن أن تكون بكرا.

و من آداب الزواج أن يختار أيسر النساء مهرا و نفقة و لا يتزوج ما لا تعفه كالطويلة المهزولة و القصيرة الدميمة. و لا يتزوج سيئة الخلق، و لا امرأة لها ولد من غيره، و لا امرأة مسنة. و لا يتزوج أمة مع قدرته على زواج الحرة.

و من آداب الزواج أن لا يزوج ابنته الصغيرة الشابة شيخا كبيرا و لا رجلا دميما و عليه أن يزوجها كفئا و ان خطبها الكف‌ء فلا يرده.

و من آدابه أن تختار المرأة الزوج المتمسك بدينه فلا تتزوج فاسقا، و تختار الزوج الموسر صاحب الخلق الحسن و الجود فلا تتزوج معسرا لا يستطيع الإنفاق عليها أو موسرا شحيحا فتقع في الفاقة و البلاء.

و لا يكره زفاف العروس الى زوجها و هو أن يجتمع النساء و يهدوا الزوج الى زوجها و ذلك هو المعروف في زماننا «بزفة العروس». و المختار أن ضرب الدف و الأغاني التي ليس فيها ما ينافي الآداب جائز بلا كراهة ما لم يشتمل كل ذلك على مفاسد كتبرج النساء الأجنبيات في العرس و تهتكهن أمام الرجال و العريس و نحو ذلك و الا حرم.

المالكية- قالوا: يندب للنكاح أمور: منها أن يتزوج بكرا إلا إذا كانت حاجته الى الشيب أشد. و منها النظر الى وجه المخطوبة و كفيها ليتحقق من كون جمالها يوافقه أو لا، و إنما يندب النظر الى وجه المرأة و كفيها ظاهرهما و باطنهما بشروط: أحدها أن لا يقصد التلذذ بذلك النظر. ثانيها أن يكون متحققا من رضائها به زوجا أن كانت رشيدة أو من رضاء وليها ان كانت قاصراً فإن لم يكن متحققا من ذلك الرضا حرم عليه أن ينظر أن كان النظر يترتب عليه فتنة محرمة فان لم تترتب عليه فتنة كان مكروها. و ربما يقال إذا نظر إليها بدون لذة و لم يترتب على نظره فتنة، لا يكون للكراهة وجه لأن النظر إلى الأجنبية مع الأمن من الفتنة بها و عدم قصد التلذذ جائز و الجواب إن النظر إلى المخطوبة مع علمه بأنها لا ترضى به بعلا فيه شبهة قصد التلذذ لأنه في هذه الحالة لا معنى للنظر إليها فيكره لهذه العلة. ثالثها أن تكون عالمة فلا يحل له أن ينظر إليها بغير علمها. و منها الخطبة و هي كل كلام مشتمل على حمد الله و الصلاة و السلام على رسول الله و آية من القرآن الكريم. و الخطبة مندوبة من أربعة: الأول الزوج أو وكيله عند التماس الزواج، فيندب للزوج أو لوكيله أن يقول: الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ وَ لٰا تَمُوتُنَّ إِلّٰا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. اتَّقُوا اللّٰهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً) أما بعد فإني أو فان موكلي فلانا رغب فيكم و يريد الانضمام إليكم و الدخول في زمرتكم و فرض لكم من الصداق كذا فزوجوه. الثاني ولى أمر الزوجة أو وكيلها فيندب له أن يرد على الزوج في هذا المقام بخطبة، فيحمد الله و يصلى و يسلم على‌

22

..........

____________

رسول الله إلخ ثم يقول: أما بعد فقد أجبناه لذلك أو يعتذر له. الثالث ولي المرأة أو وكيلها عند العقد فيندب له أن يقول: الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله أما بعد فقد زوجتك بنتي فلانة أو موكلتي بكذا. الرابع الزوج أو وكيله فيندب له أن يقول: الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله أما بعد فقد قبلت زواجها لنفسي أو لموكلي بالصداق المذكور. و لا يضر الفصل بين الإيجاب و القبول بالخطبة إنما يندب تقليلها كما هو واضح في الأمثلة المذكورة. و منها إعلان الزواج فيندب أن يطعم الطعام أو يضرب الدف و يندب تهنئة العروسين و الدعاء لهما عند العقد و عند الدخول كأن يقول لهما: بارك الله لكل منكما في صاحبه و جعل منكما الذرية الصالحة و جمع بينكما في خير و سعة رزق، و نحو ذلك.

الحنابلة- قالوا: يندب اختيار المرأة الصالحة التي لها دين حتى يكون آمنا على عرضه و أن تكون بكرا ولودا و أن يكون العقد يوم الجمعة مساء، و يسن أن يخطب قبل العقد بخطبة ابن مسعود، و هي: أن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب اليه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله. و يسن أن يبارك للزوجين بقول: بارك الله لكما و عليكما و جمع بينكما في خير و عافية. و يندب أن يقول بعد زفافها: اللهم إني أسألك خيرها و خير ما جبلتها عليه و أعوذ بك من شرها و شر ما جبلتها عليه.

أما النظر الى وجه المخطوبة و رقبتها و يدها فمباح بشرط أن يغلب على ظنه أنه مقبول عندها بحيث لا ترد خطبته و أن لا يكونا في خلوة. و لا يشترط أن يستأذنها أو يستأذن وليها في النظر بل له أن ينظر إليها و هي غافلة و أن يكرر النظر مرة أخرى لقوله (عليه السلام): «إذا خطب أحدكم امرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه الى نكاحها فليفعل» رواه أحمد و أبو داود.

الشافعية- قالوا: يندب لمن أراد التزوج بامرأة أن ينظر الى وجهها و كفيها ظاهرا و باطنا فقط فلا يجوز النظر الى غيرهما و له النظر إليهما و لو بشهوة أو افتتان بها لأن ذلك من بواعث الرغبة في الاقتران بها و هو المطلوب في هذا المقام، أما المرأة فيسن لها أن تنظر من بدن الرجل ما تقدر على نظره ما عدا عورته لأنها يعجبها منه ما يعجبه منها، فإن لم يتيسر له النظر إليها أو كان يستحي من طلب ذلك بعث من يتأملها و يصفها له لأن المقصود من التزويج دوام الألفة فكل ما يوصل إليهما كان مطلوبا شرعا، و الأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم للمغيرة بن شعبة- و قد خطب امرأة-: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما المودة و الألفة» و معنى يؤدم تطيب به المعيشة كما يطيب الطعام بالإدام رواه الترمذي و حسنه و الحاكم و صححه.

و يسن أن يخطب بكرا إلا إذا كانت الحاجة تدعوه الى الثيب كأن يكون عنده أطفال تحتاج الى تربيتها ممن تعود التربية أو يكون كبير السن فتنصرف عنه البكر فلا تدوم بينهما الألفة.

و يسن أن تكون ذات دين يحملها على القيام بحقوق الزوجية، و المراد بالمتدينة المتصفة بصفة العدالة و يسن أن تكون جميلة لا ينفر الطبع منها فلا تدوم بينهما الألفة، و ينبغي أن‌

23

مبحث أركان النكاح

للنكاح ركنان (1) و هما جزآه اللذان لا يتم بدونهما: أحدهما الإيجاب و هو

____________

يراعي في ذلك مقدرة الرجل على صيانة المرأة من التعرض للفساد بقدر المستطاع فلا يجوز لمن لا يقدر على الإنفاق على باهرة الجمال مثلا أن يتزوجها فيضطرها الى التبذل و عرض جمالها على من يطمع فيها. و يرى بعضهم أن بارعة الجمال تكره لئلا تختال بجمالها فلا يستطيع كبح جمالها.

و يسن أن تكون ولودا لأن العقيم لا تؤدي وظيفته التناسل المطلوبة للمجتمع الإنساني.

و أن تكون ذات أصل طيب بأن تكون منسوبة إلى الصالحين و العلماء و العاملين لأن تربية الأبناء تتأثر بالبيئة فمتى كان منبتها الذي نبتت فيه صالحا كانت صالحة و لذا ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم: «إياكم و خضراء الدمن، المرأة الحسناء في المنبت السوء».

و يسن للخاطب أن يخطب خطبتين: إحداهما عند طلب المخطوبة، و الأخرى قبل العقد كما يسن للولي أن يخطب عند اجابته. و الخطبة كلام مفتتح بحمد مختتم بدعاء و وعظ كأن يقول ما روى: أن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و سلم و على آله و أصحابه، يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ وَ لٰا تَمُوتُنَّ إِلّٰا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران، 102). يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ إلى قوله رَقِيباً (النساء، 1)، و عند الخطبة الأولى يقول: جئتكم خاطبا كريمتكم أو فتاتكم: و تحصل السنة بالخطبة قبل العقد من الولي أو الزوج أو أجنبي عنهما.

فهذه خطب ثلاث اثنتان من الزوج أو من ينوب منابه و واحدة من الولي و هي أن يقول بعد الثناء و الصلاة و السلام: لست بمرغوب عنك أو قبلناك صهرا و نحو ذلك و زاد بعضهم خطبة رابعة بين الإيجاب و القبول و هي من الزوج أو من ينوب عنه، فإذا قال الولي:

زوجتك فيسن أن يقول بعد الحمد و الثناء على بركة الله تعالى و رجاء معونته و نحو ذلك قبلت. و بعضهم يرى كراهة ذلك لأن الفصل بين الإيجاب و القبول أن طال يفسد العقد فالأحوط ترك ذلك.

(1) المالكية- قالوا: عدّوا أركان النكاح خمسة: أحدها ولي للمرأة بشروطه الآتية فلا ينعقد النكاح عندهم بدون ولي. ثانيها الصداق فلا بد من وجوده و لكن لا يشترط ذكره عند العقد ثالثها زوج. رابعها زوجة خاليان من الموانع الشرعية كالإحرام و العدة. خامسها الصيغة.

و المراد بالركن عندهم ما لا توجد الماهية الشرعية إلا به. فالعقد لا يتصور الا من عاقدين: و هما الزوج و الولي، و معقود عليه: و هما المرأة و الصداق، و عدم ذكر الصداق لا يضر حيث لا بد من وجوده، و صيغة: و هي اللفظ الذي يتحقق به العقد شرعا، و بذلك يندفع ما قيل: أن الزوجين ذاتان و العقد معنى فلا يصح كونهما ركنين له. و ما قيل أن‌

24

اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه (1). و ثانيهما القبول و هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه (2)، فعقد النكاح هو عبارة عن الإيجاب و القبول و هل هذا هو المعنى الشرعي أو هناك معنى آخر زائد عليهما؟ و الجواب أن هناك أمرا آخر زائدا عليهما (3) و هو ارتباط الإيجاب بالقبول.

فالعقد الشرعي يتركب من أمور ثلاثة: اثنان حسيان- و هما الإيجاب و القبول- و الثالث معنوي و هو ارتباط الإيجاب بالقبول. فملك المعقود عليه من

____________

الصداق ليس ركنا و لا شرطا لأن العقد يصح بدونه. و ما قيل: أن الصيغة و الولي شرطان لا ركنان لخروجهما عن ماهية العقد فإن ذلك انما يرد إذا أريد ماهية العقد الحقيقة التي وضع لها اللفظ لغة لأنها تكون مقصورة على الإيجاب و القبول و الارتباط بينهما، أما إذا أريد من الركن ما لا توجد الماهية الشرعية إلا به سواء كان هو عين ماهيتها أو لا فلا إيراد.

الشافعية- قالوا: أركان النكاح خمسة: زوج، زوجة، ولي، شاهدان، صيغة. و قد عد أئمة الشافعية الشاهدين من الشروط لا الأركان و قد عللوا ذلك بأنهما خارجان عن ماهية العقد و هو ظاهر، و لكن غيرهما مثلهما كالزوجين كما ترى فيما تقدم.

و الحكمة في عد الشاهدين ركنا واحدا بخلاف الزوج و الزوجة أن شروط الشاهدين واحدة، أما شروط الزوج و الزوجة فهما مختلفان.

(1) أهل البيت (ع): الإيجاب هو اللفظ الصادر من المرأة البالغة الرشيدة أو وكيلها و إن كانت صغيرة أو مجنونة فمن وليها أو وكيل الوليّ نعم اشترط بعض الفقهاء في تزويج البكر إذن وليها و هو الأب أو الجد من الأب إلا إذا منعها الولي من التزويج بالكفؤ شرعا و عرفا فإنه تسقط ولايته حينئذ (5).

(2) أهل البيت (ع): إذا كان الزوج صغيرا أو مجنونا فالقبول من وليه أو وكيل الولي و إذا كان عاقلا بالغا رشيدا فيكون القبول منه أو من وكيله.

(3) أهل البيت (ع): العقد عند أكثر الفقهاء مجموع الإيجاب و القبول و ارتباطهما على وجه يتحقق بإنشائهما معنى له آثاره الخارجية و عليه يكون العقد اسما لإنشاء ما قصده الموجب و القابل، لا نفس المعنى المقصود لهما و المسبب عن إنشائهما. و ليس للشارع حقيقة و اصطلاح خاص في العقد لأنه موجود قبل التشريع و المشرّع و لم يزد شيئا و إنما أقره و أمضاه بعد ان قلّم و طعّم بما يتفق مع مبادئ العدالة. فقد نهى عن شي‌ء و سكت عن آخر و اما المسكوت عنه فهو جائز عرفا و شرعا إذ لا يليق بالشارع أن يهمل و لا يبين ما لا يريده و لا يرضى عنه فالعقد هو عبارة عن الإيجاب و القبول و لم يضف الشارع عليه شيئا (6) و لهذا عبر فقهاء الإمامية عن العقد بالإيجاب و القبول و لم نجد في عبائرهم ما يشير الى وجود الأمر الثالث. نعم لم يعتبر بعض فقهائنا الموالاة و لكنه لم يلتزم بالأمر الثالث.

____________

(5) منهاج الصالحين 2/ 287

(6) فقه الامام الصادق (ع) 3/ 16

25

عين كما في البيع و الشراء، أو منفعة كما في النكاح يترتب على هذه الأمور الثلاثة و هو الذي يسمى عقد أما غيرهما مما يتوقف عليهما صحته في نظر الشرع فهي خارجة عن ماهيته و يقال: لها شروط لا أركان.

مبحث شروط النكاح

للنكاح شروط عدها بعض المذاهب أركانا و عد شروطا غيرها لم يعتبرها بعض المذاهب الأخرى كما تراه مفصلا في المذاهب (1).

____________

(1) الحنفية- قالوا: للنكاح شروط بعضها يتعلق بالصيغة و بعضها يتعلق بالعاقدين و بعضها يتعلق بالشهود، فأما الصيغة- و هي عبارة عن الإيجاب و القبول- فيشترط فيها شروط: أحدها أن تكون بألفاظ مخصوصة، و بيانها أن الألفاظ التي ينعقد بها النكاح اما أن تكون صريحة و إما أن تكون كناية، فالصريحة هي ما كانت بلفظ تزويج و إنكاح أي ما اشتق منهما كزوجت و تزوجت و زوجني ابنتك مثلا أو زوجيني نفسك فتقول: زوجت أو قبلت أو سمعا و طاعة. و يصح النكاح بلفظ المضارع إذا لم يرد به طلب الوعد، فلو قال: تزوجني بنتك فقال: زوجتك صح، أما إذا نوى الاستيعاد- أي طلب الوعد- فإنه لا يصح، و لو قال: أتزوجك بالمضارع فقالت: زوجت فإنه يصح بدون كلام لأنه لا يطلب من نفسه الوعد. و قوله: زوجني فيه خلاف هل هو توكيل بالزواج- أي وكلتك- بأن تزوجني ابنتك أو هو إيجاب كقول: زوجتك ابنتي؟ و الراجح أنه توكيل ضمني لأن الغرض من الأمر طلب التزويج و هو يتضمن التوكيل. و إذا كان توكيلا ضمنا لا صراحة فلا يأخذ حكم التوكيل من أنه لا يشترط فيه اتحاد المجلس فلو وكله اليوم ثم قبل التوكيل بعد أيام صح بخلاف النكاح فإن القبول يشترط فيه أن يكون في مجلس الإيجاب كما ستعرف بعد. فلفظ زوجني له جهتان: جهة طلب النكاح و هي المقصودة فتعتبر فيها شروط النكاح، وجهة توكيل- و هي ضمنية- فلا يعتبر فيها شروط التوكيل، و لا يشترط في الألفاظ الصريحة أن يعرف الزوجان أو الشهود معناها و إنما يشترط معرفة أن هذا اللفظ ينعقد به النكاح، مثلا إذا لقنت امرأة أعجمية لفظ زوجتك نفسي عارفة أن الغرض منه اقترانها بالزوج و لكنها لم تعرف معنى زوجت نفسي فإن النكاح ينعقد، و مثل الزوجة في ذلك الزوج و الشهود، و هذا بخلاف البيع فإنه لا يصح إلا إذا عرف البيعان معنى اللفظ فلا يكفي فيه معرفة أن ينعقد به البيع أما الخلع فإن المرأة إذا لقنت خالعني على مهري و نفقتي فقالته و هي لا تعلم معناه فإن الصحيح أن الطلاق يقع و لا يسقط مهرها و لا نفقتها. أما الكناية فإن النكاح لا ينعقد بها الا بشرط أن ينوي بها التزويج و أن تقوم قرينة على هذه النية. و أن يفهم الشهود المراد أو يعلنوا به أن لم تقم قرينة يفهموا منها.

و الكنايات التي ينعقد بها النكاح تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول لا خلاف في الانعقاد به عند الحنفية و هو ما كان بلفظ الهبة أو الصدقة أو التمليك أو الجعل، فإذا قالت: وهبت نفسي لك ناوية معنى الزواج و قال: قبلت، انعقد النكاح. و كذا إذا قالت: تصدقت بنفسي عليك أو جعلت نفس صدقة لك أو قالت: ملكتك نفسي. أو قال: جعلت لك ابنتي بمائة فإن كل ذلك ينعقد به النكاح بلا خلاف.

26

..........

____________

القسم الثاني: في الانعقاد به خلاف و لكن الصحيح الانعقاد، و هو ما كان بلفظ البيع و الشراء فلو قالت: بعت نفسي منك بكذا ناوية به الزواج و قبل فإنه يصح و مثل ما إذا قالت: أسلمت إليك نفسي في عشرين أردبا من القمح أخذها بعد شهر تريد به الزواج فإنه يصح و كذا إذا قال: صالحتك على الألف التي على لابنتي يريد به الزواج فقال: قبلت، فينعقد النكاح على الصحيح بلفظ البيع و الشراء و السلم و الصلح و الفرض.

القسم الثالث: فيه خلاف، و الصحيح عدم الانعقاد و هو ما كان بلفظ الإجارة و الوصية، فلو قالت: أجرت لك نفسي، أو قال: أوصيت لك بابنتي بعد موتي، أو قال أوصيت لفلان بابنتي و لم يقل: بعد موتي فقال: قبلت فإنه لا ينعقد بها النكاح، و أولى إذا قال: قبلت بعد موته، أما إذا قال له: أوصيت لك ببضع ابنتي الآن أو للحال أو حالا بألف مثلا فقال:

قبلت فإنه يصح و ذلك لأنه لا يشترط أن يفيد اللفظ تمليك العين في الحال. و الوصية المطلقة و المقيدة بما بعد الموت تفيد الملك مآلا.

القسم الرابع: لا خلاف في عدم الانعقاد به و هو ما كان بألفاظ الإباحة، و الإحلال، و الإعارة، و الرهن، و التمتع، و الإقالة، و الخلع. فلو قالت: أحللت لك نفسي أو أعرتك أو متعتك بنفسي أو قال له: أقلني من بيع السلعة الفلانية على ابنتي بنية الزواج فإنه لا يصح.

ثانيها: أن يكون الإيجاب و القبول في مجلس واحد فإذا قالت: زوجتك نفسي، أو قال:

زوجتك ابنتي فقام الآخر من المجلس قبل القبول و اشتغل بعمل يفيد انصرافه عن المجلس. ثم قال: قبلت بعد ذلك فإنه ينعقد. و كذا إذا كان أحدهما غائبا. فلو قالت امرأة بحضرة شاهدين: زوجت نفسي من فلان و هو غائب فلما علم قال بحضرة شاهدين: قبلت فإنه لا ينعقد. لأن اتحاد المجلس شرط و هذا بخلاف ما إذا أرسل إليها رسولا قال لها: فلان أرسلني يطلب منك أن تزوجيه نفسك فقالت: قبلت، فإنه ينعقد لأن الإيجاب و القبول في مجلس واحد و أن كان الزوج غائبا عن المجلس، فإذا لم تقبل المرأة عند ما قال لها الرسول، ثم أعاد الرسول الإيجاب في مجلس آخر فقبلت فإنه لا ينعقد لأن رسالته انتهت أولا. و كذا إذا أرسل إليها كتابا يخطبها و هو غائب عن البلد فأحضرت الشهود و قرأت عليهم الكتاب و قالت: زوجت نفسي فإنه ينعقد، و ذلك لأن الإيجاب و القبول حصلا في مجلس واحد.

فإن الكتاب في المجلس إيجاب الزوج، و قول المرأة: زوجت أو قبلت هو القبول حتى لو لم تقبل في المجلس. ثم قرأت الكتاب في مجلس آخر و قبلت فإنه ينعقد. لأن كل ما قرأ في الكتاب كان إيجابا من الزوج و لهذا لو قالت أمام الشهود زوجت نفسي من فلان و لم تقرأ عليهم الكتاب فإنه لا ينعقد لأن سماع الشطرين شرط صحة النكاح، و لا يصح النكاح بالكتابة مع وجود الخاطب و يمكنه من حضور مجلس العقد و يتفرع على اتحاد المجلس أنهما إذا عقدا على دابة تسير أو عقدا و هما يمشيان فإنه لا يصح لعدم الاستقرار في مكان واحد.

أما إذا عقدا على ظهر سفينة و هي تسير فإنه يصح لأن السفينة تعتبر مكانا. و هل السيارة «الاتوموبيل» و نحوه مثل السفينة أو الدابة؟ أنه مثل الدابة فلا يصح العقد عليه عند الحنفية.

هذا و لا يشترط الفور عند الحنفية، فلو قالت: زوجتك فتكلم في المجلس بكلام خارج عن‌

27

..........

____________

العقد ثم قال قبلت: فإنه يصح. على أنه لا بد في عقد النكاح من اللفظ فلا ينعقد بالتعاطي مثلا لو قالت له: زوجتك نفسي بألف فأعطاها الألف و لم يقل: قبلت لا ينعقد النكاح و كذا لا ينعقد بالإقرار على المختار بمعنى أن الإقرار إظهار لما هو ثابت، و معنى كون العقد يثبت بالتصادق أن العقد يكون حاصلا من قبل و القاضي يحكم بثبوته لا إن الإقرار ينعقد به النكاح أول الأمر لأنه يكون كذبا.

ثالثها: أن لا يخالف القبول الإيجاب، فإذا قال شخص لآخر: زوجتك ابنتي على ألف درهم فقال الزوج: قبلت النكاح و لا أقبل المهر لا ينعقد النكاح، و لو قبل و سكت عن المهر ينعقد أما إذا قالت له: زوجتك نفسي بألف فقبلها بألفين فإنه يصح، و أن كان القبول يخالف الإيجاب لأن غرضها قد تحقق مع زيادة، و لكن لا تلزمه الزيادة إلا إذا قبلت في المجلس. و إذا قال لها زوجيني نفسك بألف فقالت بخمسمائة فإنه يصح و لا يحتاج الى قبول منه لأن هذا إبراء و إسقاط بخلاف الزيادة فإنها لا تلزم الا القبول.

رابعها: أن تكون الصيغة مسموعة للعاقدين فلا بد أن يسمع كل من العاقدين لفظ الآخر أما حقيقة كما إذا كانا حاضرين أو حكما كالكتاب من الغائب لأن قراءته قامت مقام الخطاب هنا، و لا يشترط في الصيغة أن تكون بألفاظ لغوية صحيحة، بل تصح بالألفاظ المحرفة على التحقيق فإذا كانت المرأة أو وكيلها من العامة الذين لا يحسنون النطق بقول: زوجت:

و قالت: جوزتك نفسي، أو قال: جوزتك ببنتي فإنه يصح. و مثل النكاح الطلاق فإنه يصح بالألفاظ المحرفة.

خامسها: أن لا يكون اللفظ مؤقتا بوقت فإذا قال لها زوجيني نفسك شهرا بصداق كذا فقالت: زوجت فإنه يقع باطلا، و هذا هو نكاح المتعة الآتي:

و أما الشروط المتعلقة بالعاقدين و هما الزوج و الزوجة، فمنها العقل- و هو شرط في انعقاد النكاح- فلا ينعقد نكاح المجنون و الصبي الذي لا يعقل أصلا. و منها البلوغ و الحرية و هما شرطان للنفاذ.

فإذا عقد الصبي الذي يعقل و العبد فإن عقدهما ينعقد و لا ينفذ إلا بإجازة الولي و السيد.

و منها أن تكون الزوجة محلا قابلًا للعقد فلا ينعقد على رجل و لا على خنثى مشكل و لا على معتدة أو متزوجة للغير، و منها أن يكون الزوج و الزوجة معلومين.

فلو زوج ابنته و له بنتان لا يصح إلا إذا كانت إحداهما متزوجة فينصرف إلى الخالية من الأزواج.

و إذا كان لرجل بنت لها اسم في صغرها ثم اشتهرت باسم آخر في كبرها تذكر بالاسم المعروفة به، قال في الهندية و الأصح أن تذكر بالاسمين رفعا للإبهام. و لو كانت له ابنة واحدة اسمها فاطمة فذكرها باسم عائشة فإنه لا يصح.

و منها أن يضاف النكاح إلى المرأة أو الى جزء يعبر به عن الكل كالرأس و الرقبة، فلو قال: زوجني يد ابنتك أو رجلها فإنه لا ينعقد على الصحيح.

28

..........

____________

أما الشروط التي تتعلق بالشهادة، فإن الشهادة أولا في ذاتها شرط لصحة عقد النكاح فلا بد منها.

و أقل نصاب الشهادة في النكاح اثنان فلا تصح بواحد. و لا يشترط فيهما أن يكونا ذكرين بل تصح برجل و امرأتين، على أن النكاح لا يصح بالمرأتين وحدهما، بل لا بد من وجود رجل معهما. و لا يشترط فيهما عدم الإحرام فيصح عقد المحرم بالنسك.

و يشترط في الشهود خمسة شروط: العقل، و البلوغ، و الحرية، فلا ينعقد بحضرة مجنون أو صبي أو عبد. و الرابع الإسلام، فلا ينعقد نكاح المسلمين بشهادة الذميين إلا إذا كانت المرأة ذمية، و الرجل مسلما فإنه ينعقد نكاحها بشهادة ذميين سواء كانا موافقين لها في الملة أو مخالفين.

و إذا كان العاقدان غير مسلمين فلا يشترط في الشهود أن يكونا مسلمين من باب أولي لا فرق أن يكونا موافقين لهما في الملة أو مخالفين. و ينعقد النكاح بشهادة أعميين أو محدودين في قذف أو زنا و أن لم يتوبا، أو فاسقين، كما ينعقد بشهادة الابن الذي لا تقبل شهادته على أبيه و أمه في غير النكاح فيصح أن يتزوج امرأة بشهادة ابنيه منها أو معه غيرها. كما يصح شهادة ابنيها معه غيره. و مثل الابن الأب فيصح في النكاح شهادة الأصول و الفروع.

و لكن شهادة هؤلاء و أن كان ينعقد بها النكاح الا أنه لا يثبت بها عند الإنكار، فشهادتهم تنفع في حل الزوجة ديانة لا قضاء، فالنكاح له حالتان. حالة الانعقاد و هذه تصح فيها شهادة الأعمى، و الفاسق، و الابن و الأب. و حالة إثبات عند الإنكار و هذه لا تصح فيها شهاداتهم، بل يشترط في الشاهد على إثبات النكاح ما يشترط في غيره. و على هذا إذا وكل رجل آخر على أن يزوج ابنته الصغيرة فزوجها بحضور امرأتين مع وجود الأب الموكل صح النكاح لأن الأب يعتبر شاهدا، و المرأتان شاهد آخر.

و بهذا تعلم أن شهادة الولي تنفع في الانعقاد. فإذا زوج الأب ابنته البالغة بحضور رجل واحد و كانت هي حاضرة فإنه يصح، و ذلك لأنها تجعل في هذه الحالة هي المباشرة للعقد، و يجعل أبوها شاهدا مع الرجل الآخر، و ذلك لأنها هي التي أمرت أباها بتزويجها. و القاعدة أن الآمر إذا حضر في المجلس تنتقل عبارة الوكيل إليه، فكأنه هو المعبر فتكون هي مباشرة، و لا يمكن جعلها شاهدة لأنه لا يتصور كون الشخص شاهدا على نفسه. أما إذا كانت صغيرة و زوجها أبوها بحضرة رجل واحد فإنه لا يصح لأن العقد لا يمكن نقله إليها لصغرها. و مثل ذلك ما إذا وكلت امرأة بالغة رجلا أجنبيا و كانت حاضرة فزوجها بحضرة آخر فإنه يصح، و تصلح هي شاهد لإثبات العقد عند الإنكار. إنما ينبغي أن لا يذكر العقد لأنه باشره فلا يصح أن يشهد على نفسه، بل يقول: إنها منكوحة فلان أو زوجه.

الشرط الخامس: من الشروط المتعلقة بالشهود أن يسمعا كلام العاقدين معا، فلا تصح شهادة النائمين اللذين لم يسمعا كلام العاقدين. أما الشهادة على التوكيل بالعقد فإنها ليست شرطا في صحة النكاح فلو قالت لأبيها: وكلتك في زواجي بدون حضور شاهدين فإنه يصح. و لكن إذا أنكرت أنها وكلته لم يكن عليها بينة. ففائدة الشهود في التوكيل الإثبات‌

29

..........

____________

عند إنكار التوكيل. و يشترط في الشهادة على إثبات التوكيل أن يعرف الشهود المرأة و يسمعوا كلامها. فإذا رآها الشاهدان و سمعا كلامها إن كانت وحدها في المنزل جاز لهما أن يشهدا على إثبات التوكل عند إنكارها. فإن كانت غائبة و لم يسمعوا كلامها بأن عقد لها وكيلها فإن كان الشهود يعرفونها كفى ذكر اسمها إذا علموا أنه أرادها، و إذا كانوا يعرفونها فلا بد من ذكر اسمها و اسم أبيها و جدها على أنك قد عرفت أن الشهادة في ذلك يصح بها العقد و لكن لا تنفع عند جحود التوكل، فالأحوط أن يشهد على التوكل اثنان عارفان بالزوجة أنها وكلت بعد سماعها.

و ينعقد النكاح بشهادة الأخرس و فاقد النطق إذا كان يسمع و يفهم. و لا يشترط فهم الشهود معنى اللفظ بخصوصه، و إنما يشترط أن يعلموا أن هذا اللفظ ينعقد به النكاح كما تقدم. فإذا تزوج عربي بحضرة أعجميين يصح إذا كانا يعرفان أن لفظ الإيجاب و القبول ينعقد بهما النكاح و إلا فلا. و ينعقد بحضرة السكارى إذا كانا يعرفان أن هذا ينعقد به النكاح، و لو لم يدركوه بعد الإفاقة من السكر.

و إذا أرسل شخص جماعة يخطبون له ابنة آخر، فقال أبوها: زوجته ابنتي، و قال أحد الخاطبين قبلت زواجها له فإن النكاح ينعقد على الصحيح.

خاتمة: لا يشترط في النكاح اختيار الزوج و الزوجة، فلو أكره الزوج أو الزوجة على النكاح انعقد النكاح. و مثل النكاح الطلاق، و العتق، فإنه لا يشترط فيهما الاختيار و الرضا و كذلك لا يشترط الجد في هذه الأمور الثلاثة: النكاح، و الطلاق، و العتق، بل تنعقد و لو كان هازلا.

الشافعية- قالوا: شروط النكاح بعضها يتعلق بالصيغة، و بعضها يتعلق بالولي، و بعضها بالزوجين و بعضها يتعلق بالشهود.

فأما الصيغة فإنه يشترط لصحتها ثلاثة عشر شرطا، و قد ذكرت مفصلة في الجزء الثاني صحيفة 208 من هذه الطبعة في أحكام البيع. و منها عدم التعليق كأن يقول له: زوجتك ابنتي إن أعطيتني دار كذا، أو أن رضيت بك زوجا فإنه لا يصح. و منها التأقيت كأن يقول لها: زوجيني نفسك مدة شهر و هو نكاح المتعة و قد ورد النهي عنه في خبر الصحيحين:

و يزاد على ما ذكره في البيع هنا أن تكون الصيغة بلفظ مشتق من تزويج أو إنكاح كزوجتك ابنتي، أو أنكحتك موكلتي. فلو قال: أزوجك ابنتي بلفظ المضارع، أو أنكحك إياها فإنه لا يصح لأنه يحتمل الوعد. أما إذا قال: أزوجك ابنتي الآن. أو قال: إني مزوجك ابنتي، و لو لم يقل: الآن فإنه يصح، لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال فلا يحتمل الوعد. و يصح العقد بالألفاظ المحرفة كما إذا قال له: جوزتك موكلتي حتى و لو لم تكن لغته على المعتمد:

و كذلك يصح بالألفاظ الأعجمية و لو كان العاقدان يعرفان العربية بشرط أن يكونا فاهمين معناها. فلو خاطبته بالفرنساوية أو الانكليزية بقولها: زوجتك نفسي و قبل صح العقد، و يصح بقوله: زوجني ابنتك، فيقول له: زوجتك، كما يصح بقول الولي، تزوج بنتي فيقول له: تزوجت. و لا ينعقد النكاح بغير هذه الصيغ الصريحة، فلا يصح بقوله: أحللت‌

30

..........

____________

لك ابنتي، أو بعتها لك، أو ملكتك إياها، أو وهبتها لك، أو نحو ذلك من الصيغ التي يصح انعقاده بها عند الحنفية، فلا بد عند الشافعية من لفظ مشتق من إنكاح، أو تزويج، و يقولون: أن هذا هو المراد من كلمة الله الواردة في حديث «و استحللتم فروجهن بكلمة الله» لأن كلمة الله الواردة في القرآن هي نكاح و تزويج لا غير، و لا يصح أن يقاس عليها غيرها.

و بالجملة فلا يصح النكاح بالكناية لأنها تحتاج إلى نية، و الشهود ركن و لا بد لهم من الاطلاع على النية و لا يمكن الاطلاع عليها.

و أما القبول فلا بد أن يقول 3030 ه: قبلت فيه زواجها أو نكاحها، أو النكاح، أو التزويج، أو رضيت نكاحها، أو أحببته، أو أردته، فلو قال: قبلت و سكت فإنه لا يصح، و يصح تقديم القبول على الإيجاب.

و أما الشروط المتعلقة فهي أمور:

أحدها: أن يكون مختارا فلا يصح من مكروه.

ثانيها: أن يكون ذكرا فلا يصح من أنثى، و لا خنثى، لعدم صحة ولايتهما.

ثالثها: أن يكون محرما فلا يصح من غير محرم.

رابعها: أن يكون بالغا فلا يصح من صبي لعدم ولايته.

خامسها: أن يكون عاقلا فلا يصح من مجنون لعدم ولايته.

سادسها: أن يكون عدلا فلا يصح من فاسق لعدم ولايته.

سابعها: أن لا يكون محجورا عليه لسفه لعدم ولايته.

ثامنها: أن لا يكون مختل النظر.

تاسعها: أن لا يكون مخالفا في الدين لعدم ولايته.

عاشرها: أن لا يكون رقيقا لعدم ولايته.

أما الشروط المتعلقة بالزوج فأمور: أن يكون غير محرم للمرأة فلا يصح أن يكون أخا لها أو ابنا أو خالا أو غير ذلك من المحارم سواء كانت من نسب أو مصاهرة أو رضاع.

و أن يكون مختارا فلا يصح نكاح المكره، و أن يكون معينا فلا يصح نكاح المجهول، و أن لا يكون جاهلا حل المرأة فلا يجوز له أن يتقدم على نكاحها و هو جاهل لحلها.

و أما الشروط المتعلقة بالزوجة فأمور: أن لا تكون محرما له، و أن تكون معينة، و أن تكون خالية من الموانع فلا يحل نكاح محرمة، و لا نكاح إحدى المرأتين مثلا، و لا نكاح المتزوجة أو المعتدة.

و أما الشروط المتعلقة بالشاهدين فهي الشروط المتعلقة بسائر الشهود: فلا تصح شهادة عبدين أو امرأتين أو فاسقين أو أصمين أو أعميين أو خنثيين لم تتبين ذكورتهما كما لا تصح شهادة المتعين للولاية فلو انحصرت الولاية في الأب أو الأخ فوكل غيره بمباشرة العقد و حضر هو فإنه لا يصح أن يكون شاهدا و أن اجتمعت فيه شروط الشهادة لأنه في الواقع ولي عاقد‌

31

..........

____________

فلا يكون شاهدا كالزوج و وكيله فلا تصح شهادته مع وجود وكيله، و دليل الشهادة مع الولي في النكاح ما رواه ابن حبان «لا نكاح إلا بولي و شاهدي عدل و ما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل».

و ينعقد النكاح بشهادة ابني الزوجين أو ابني أحدهما و لكن لا يثبت به النكاح كما يقول الحنفية و مثل الابن العدو فإنه يصح شهادته في انعقاد النكاح و لكن لا يثبت به عند الإنكار لعدم صحة شهادته على عدوه.

و يصح النكاح بمستوري العدالة- و هما المعروفان بها ظاهرا لا باطنا- إذ لو اعتبرت العدالة في الواقع لتعذر الحصول على الشهود.

و يسن الاشهاد على رضا غير المجبرة احتياطا كي لا تنكر و ذلك لأن رضاها ليس من نفس النكاح الذي جعل الاشهاد ركنا له و انما رضاها شرط في النكاح فيسن الاشهاد على وقوعه منها و رضاها قد يحصل بأخبار وليها من غير شهادة.

الحنابلة- قالوا: للنكاح أربعة شروط: الشرط الأول تعيين الزوجين كأن يقول: زوجتك ابنتي فلانة، فإذا قال: زوجتك ابنتي من غير تعيين و كان له غيرها لم يصح العقد كما لا يصح إذا قال: قبلت نكاحها لابني و له غيره بل يلزم أن يقول لابني فلان، فلا بد من أن يميز الزوج و الزوجة باسمه أو بصفته التي لم يشاركه فيها غيره كقوله: بنتي الكبرى أو الصغرى أو البيضاء أو الحمراء أو ابني الكبير أو الصغير أو نحو ذلك.

و قد عرفت أن صيغة النكاح لا بد أن تكون بلفظ النكاح أو التزويج، و أما القبول فيكفي فيه أن يقول: قبلت أو رضيت فلا يشترط فيه أن يقول: قبلت زواجها أو نكاحها و لا يصح أن يتقدم القبول على الإيجاب. و يشترط الفور فإن تأخر القبول عن الإيجاب حتى تفرقا أو تشاغلا بما يقطعه عرفا فإنه لا يصح و لا يشترط أن يكون اللفظ عربيا بل يصح بغير العربية من العاجز عن النطق بالعربية بشرط أن يؤدي معنى الإيجاب و القبول بلفظ التزويج أو النكاح بالكتابة و لا بالإشارة الا من الأخرس، فإنه يصح منه بالإشارة المفهومة.

الشرط الثاني الاختيار و الرضا فلا ينعقد نكاح المكره إذا كان عاقلا بالغا و لو رقيقا لأن السيد ليس له إكراهه على الزواج لأنه يملك الطلاق فليس لا كراهة على الزواج معنى أما إذا لم يكن عاقلا بالغا فإن للأب إكراهه، و كذلك وصي الأب و الحاكم أما غيرهم فلا يصح له أن يزوج غير المكلف و لو رضي لأن رضاه غير معتبر. و للأب أن يجبر البكر و لو كانت بالغة كما سيأتي في مبحث الولي.

الشرط الثالث: الولي، و يشترط فيه سبعة شروط الذكورة إذا لا تصلح ولاية المرأة، العقل إذ من لا عقل له لا يمكنه النظر في شئون نفسه فلا يصلح أن يتولى شئون غيره- و لا يضر الإغماء- البلوغ لأن الولاية لا تصلح من الصغير لقصر أمره عن تدبير شئون غيره. الحرية فلا تصح ولاية العبد لأنه لا ولاية له على نفسه فلا يصح أن يكون له ولاية على غيره.

اتفاق الدين فلا تصح ولاية كافر على مؤمن و لا ولاية مجوسي على نصراني إلا السلطان فإن‌

32

..........

____________

له الولاية بصرف النظر عن اختلاف الدين. الرشد- و هو أن يكون ذا خبرة بمعرفة الكف‌ء الصالح- و مصالح النكاح.

الشرط الرابع من شروط النكاح: الشهادة فلا يصح الا بشهادة ذكرين بالغين عاقلين عدلين و لو كانت عدالتهما ظاهرا و لو رقيقين، و يشترط فيهما أن يكون متكلمين مسلمين سميعين فلا تصح شهادة الأصم و الكافر، و يشترط أن يكونا من غير أصل الزوجين و فرعيهما فلا تصح شهادة أب الزوجة أو الزوج أو أبنائهما لأن شهادتهما لا تقبل، و تصح شهادة الأعميين، و شهادة عدوي الزوجين.

الشرط الخامس: خلو الزوجين من الموانع الشرعية.

المالكية- قالوا: لكل ركن من أركان النكاح المتقدمة شروط، فيشترط في الصيغة شروط أحدها: أن تكون بألفاظ مخصوصة و هي أن يقول الولي: أنكحت بنتي أو زوجتها، أو يقول له: زوجني فلانة، و متى تلفظ الولي أو الزوج بلفظ الإنكاح أو التزويج فيكفي أن يجيبه الآخر بما يدل على القبول بأي صيغة كأن يقول: قبلت، أو رضيت، أو نفذت، أو أتممت، و لا يشترط أن يقول: قبلت نكاحها أو زواجها كما هو رأي الشافعية فإذا خلا لفظ الزوج أو الولي عن الإنكاح و التزويج فان النكاح لا ينعقد على المعتمد الا بلفظ الهبة بشرط أن يكون مقرونا بذكر الصداق بأن يقول الولي: وهبت لك ابنتي بصداق كذا، أو يقول الزوج: هب لي ابنتك بصداق كذا. أما غير ذلك من الألفاظ التي تفيد التمليك كبعت و تصدقت و منحت، و أعطيت، و ملكت، و أحللت، مع ذكر الصداق بأن يقول: بعت لك ابنتي بصداق قدره كذا فإن فيها خلافا. و الراجح عدم انعقاد النكاح بها. أما إذا لم يذكر الصداق فان النكاح لا ينعقد بها اتفاقا فتحصل من هذا أنه يشترط في الصيغة أن تكون بلفظ الإنكاح أو التزويج، أو الهبة بشرط ذكر الصداق.

ثانيها: الفور فيشترط لصحة النكاح أن لا يفصل بين الإيجاب و القبول فاصل كثير يقتضي الإعراض. فإذا قال الولي: زوجتك فلانة قال الزوج: قبلت ذلك الزواج. و لا يضر الفاصل اليسير كما إذا فصل بخطبة قصيرة و نحوها و يستثني من ذلك الإيصاء بالتزويج فإنه يغتفر فيه الفاصل الطويل فإذا قال: ان مت فقد زوجت ابنتي لفلان فإنه يصح و لا يلزم أن يجيبه الموصى له على الفور بقوله قبلت، بل يصح إذا قبل الزوج بعد موت الموصى سواء كان القبول بعد موته بمدة قريبة أو بعيدة على المعتمد. إنما يشترط لصحة النكاح بالوصية أن تكون الوصية في مرض مات فيه سواء كان مخوفا أو لا، و سواء طال أو قصر. و مثل ذلك ما إذا قال: زوجت ابنتي لفلان ان رضي، فإنه إذا رضي يعقد النكاح. و لا يلزم أن يكون موجودا في المجلس، بل يصح أن يرضى بعد علمه و لو بزمن طويل. و الحاصل أن الفور شرط فيما إذا كان الطرفان حاضرين في مجلس العقد، و في هذه الحالة لا يغتفر الفصل بين الإيجاب و القبول إلا بالأمر اليسير. و بذلك تعلم أن الإيصاء بالنكاح و التعليق على الرضى ينعقد بهما عند المالكية خلافا لغيرهم.

ثالثها: أن لا يكون اللفظ مؤقتا بوقت كأن يقول للولي: زوجني فلانة شهرا بكذا،

33

..........

____________

أو يقول قبلت زواجها مدة شهر بكذا و هذا هو نكاح المتعة الآتي.

رابعها: أن لا يكون مشتملا على الخيار، أو على شرط يناقض العقد، و سيأتي بيان ذلك في مبحث الشروط.

و يشترط في الولي ثمانية شروط: الذكورة، و الحرية، و العقل، و البلوغ، و عدم الإحرام و عدم الكفر- إذا كان وليا لمسلمة- أما ولاية الكافر لمثله فصحيحة، و عدم السفه إذا لم يكن عاقلا أما إذا كان سفيها و لكن ذا رأي و عقل فان سفهه لا يخرجه عن الولاية فله حق إجبار المرأة، و عدم الفسق.

و يشترط في الصداق أن يكون مما يملك شرعا فلا يصح الصداق إذا كان خمرا أو خنزيرا أو ميتة أو كان مما لا يصح بيعه كالكلب أو كان جزء ضحية فإذا وقع العقد على صداق من هذه الأشياء كان فاسدا و يفسخ وجوبا قبل الدخول فإن دخل بها فان العقد يثبت بصداق المثل كما يأتي في الصداق.

أما الشهادة فقد عرفت أنها ضرورية لا بد منها و لكن لا يلزم أن يحضر الشهود عند العقد بل يندب ذلك فقط فاذا قال الولي: زوجتك فلانة و قال الزوج: قبلت انعقد النكاح و أن لم يحضر أحد و لكن يجب أن يحضر شاهدان عند الدخول بها فإن دخل عليها من غير شاهدين فسخ النكاح بطلقة لأنه عقد صحيح فيكون فسخه طلاقا بائنا و ذلك لأن عدم الاشهاد مطلقا يفتح الباب على مصراعيه للزناة إذ يمكن كل واحد يوجد في خلوة مع امرأة خالية الأزواج أن يدعي العقد عليها. و لا بد أن يشهد شاهدان غير الولي فلا يرفع الفسخ حضور الولي. و إذا عقد الولي من غير شهود ثم تفرقا فلقي الولي شاهدين فقال لهما:

أشهدكما بأنني زوجت فلانا لفلانة و لقي الزوج شاهدين غيرهما فقال لهما: أشهدكما بأنني تزوجت فلانة فإنه يصح، و يقال لهذه الشهادة: شهادة الأبداد- أي المتفرقين- و هي تكفي في النكاح و العتق، فيكون على الزوج شاهدان و على الولي شاهدان.

و ينبغي أن يكون شاهدا الولي غير شاهدي الزوج فان كان شاهدا أحدهما عين شاهدي الآخر فلا تكون الشهادة أبداد و لكن يكفي ذلك في العقد إذا لا يلزم فيه أن يكون الشهود أربعة.

ثم إذا دخل عليها بدون شهادة اثنين و اعترف بأنه وطئها أو قامت بينة بأنه وطئها كان عليهما حد الزنا ما لم يشتهر الدخول بها- كزوجة له- بوليمة أو دف أو إيقاد نار أو نحو ذلك مما يعمل عادة عند الدخول بالأزواج، و كذا إذا كان على الدخول أو العقد شاهد واحد.

ثم ان أمكن حضور شاهدي العدل ليشهدا على العقد أو النكاح فإنه لا يشهد غيرهما و أن لا فتصح شهادة المستور بشرط أن لا يكون مشهورا بالكذب، و يستحسن في هذه الحالة الاستكثار من الشهود.

و يشترط في الزوجين الخلو من الموانع كالإحرام، فلا يصح العقد في حال الإحرام و أن لا‌

34

..........

____________

تكون المرأة زوجة للغير أو معتدة منه. و أن لا يكونا محرمين بنسب أو رضاع أو مصاهرة.

أهل البيت (ع): النكاح على قسمين: دائم و منقطع و كل منهما يحتاج الى عقد مشتمل على إيجاب و قبول لفظين دالين على إنشاء المعنى المقصود و الرضا به دلالة معتبرة عند أهل المحاورة فلا يكفي مجرد الرضا القلبي من الطرفين و لا المعاطاة الجارية في غالب المعاملات و لا الكتابة و كذا الإشارة المفهومة في غير الأخرس و الأحوط لزوما كونه فيهما باللفظ العربي فلا يجزي غيره من سائر اللغات الا مع العجز عنه و لو بتوكيل الغير و إن كان الأقوى عدم وجوب التوكيل و يجوز بغير العربي مع العجز عنه و عند ذلك لا بأس بإيقاعه بغيره لكن بعبارة يكون مفادها مفاد اللفظ العربي بحيث تعد ترجمته.

مسألة: الأحوط لو لم يكن الأقوى أن يكون الإيجاب من طرف الزوجة و القبول من طرف الزوج فلا يجزي أن يقول الزوج: «زوجتك نفسي» فتقول الزوجة: «قبلت» على الأحوط و كذا الأحوط تقديم الأول على الثاني و إن كان الأظهر جواز العكس إذا لم يكن القبول بلفظ «قبلت» و أشباهه.

مسألة: الأحوط أن يكون الإيجاب في النكاح الدائم بلفظي «أنكحت» أو «زوجت» فلا يوقع بلفظ «متعت» على الأحوط و إن كان الأقوى وقوعه به مع الإتيان بما يجعله ظاهرا في الدوام و لا يوقع بمثل «بعت» أو «وهبت» أو «ملكت» أو «آجرت» و أن يكون القبول بلفظ «قبلت» أو «رضيت» و يجوز الاقتصار في القبول بذكر «قبلت» فقط بعد الإيجاب من دون ذكر المتعلقات التي ذكرت فيه فلو قال الموجب الوكيل عن الزوجة للزوج: «أنكحتك موكلتي فلانة على المهر الفلاني» فقال الزوج: «قبلت» من دون أن يقول: «قبلت النكاح لنفسي على المهر الفلاني» صح.

مسألة: يتعدى كل من الإنكاح و التزويج الى مفعولين و الأولى أن يجعل الزوج مفعولا أولا و الزوجة مفعولا ثانيا و يجوز العكس و يشتركان في أن كلا منهما يتعديان الى المفعول الثاني بنفسه تارة و بواسطة «من» أخرى فيقال: أنكحت أو زوجت زيدا هندا أو أنكحت هندا من زيد و باللام أيضا هذا بحسب المشهور و المأنوس و ربما يستعملان على غير ذلك و هو ليس بمشهور و مأنوس.

مسألة: عقد النكاح قد يقع بين الزوج و الزوجة و بمباشرتهما فبعد التقاول و التواطؤ و تعيين المهر تقول الزوجة مخاطبة الزوج: «أنكحتك نفسي أو أنكحت نفسي منك أو لك على المهر المعلوم «فيقول الزوج بغير فصل معتد به: «قبلت النكاح لنفسي على المهر المعلوم أو هكذا».

أو تقول الزوجة: «زوجتك نفسي أو زوجت نفسي منك أو لك على المهر المعلوم» فيقول: «قبلت التزويج لنفسي على المهر المعلوم أو هكذا» و قد يقع بين وكيليهما فبعد التقاول و تعيين الموكلين و المهر يقول وكيل الزوجة مخاطبا لوكيل الزوج: «أنكحت موكلك فلانا موكلتي فلانة أو من موكلك فلان على المهر المعلوم» فيقول وكيل الزوج: «قبلت النكاح لموكلي على المهر المعلوم أو هكذا» و قد يقع بين وليهما كالأب و الجد فبعد التقاول و تعيين‌

35

..........

____________

المولّى عليهما و المهر يقول ولي الزوجة: «أنكحت ابنتي أو ابنة ابني فلانة مثلا ابنك أو ابن ابنك فلانا أو من ابنك أو ابن ابنك أو لابنك أو لابن ابنك على المهر المعلوم» أو يقول:

«زوجت بنتي ابنك مثلا أو من ابنك أو لابنك» فيقول ولي الزوج: «قبلت النكاح أو التزويج لابني أو لابن ابني على المهر المعلوم» و قد يكون بالاختلاف بأن يقع بين الزوجة و وكيل الزوج و بالعكس أو بينها و بين ولي الزوج و بالعكس أو بين وكيل الزوجة و ولي الزوج و بالعكس و يعرف كيفية إيقاع العقد في هذه الصورة مما فصلناه في الصور المتقدمة و الاولى تقديم الزوج على الزوجة في جميع الموارد كما مرّ.

مسألة: لا يشترط في لفظ القبول مطابقته لعبارة الإيجاب بل يصح الإيجاب بلفظ آخر فلو قال: «زوجتك» فقال: «قبلت النكاح» أو قال: «أنكحتك» فقال: «قبلت التزويج» صح و إن كان الأحوط المطابقة.

مسألة: و إذا لحن في الصيغة فإن كان مغيّرا للمعنى بحيث يعد اللفظ عبارة لمعنى آخر غير ما هو المقصود لم يكف و إن لم يكن مغيرا بل كان بحيث يفهم منه المعنى المقصود و يعد لفظا لهذا المعنى إلا أنه يقال له لفظ ملحون و عبارة ملحونة من حيث المادة أو من جهة الاعراب و الحركات فالاكتفاء به لا يخلو من قوة و إن كان الأحوط خلافه و أولى بالاكتفاء اللغات المحرفة عن العربية الأصلية كلغة سواد العراق في هذا الزمان إذا كان المباشر للعقد من أهالي تلك اللغة لكن بشرط أن لا يكون مغيرا للمعنى مثل جوزت بدل زوجت إلا إذا فرض صيرورته في لغتهم كالمنقول.

مسألة: و يعتبر في العقد القصد الى مضمونه و هو متوقف على فهم لفظي «أنكحت» و «زوجت» و لو بنحو الإجمال حتى لا يكون مجرد لقلقة لسان نعم لا يعتبر العلم بالقواعد العربية و لا العلم و الإحاطة بخصوصيات معنى اللفظين على التفصيل بل يكفي علمه إجمالا فإذا كان الموجب بقوله «أنكحت» أو «زوجت» قاصدا لإيقاع العلقة الخاصة المعروفة المرتكزة في الأذهان التي يطلق عليها النكاح و الزواج في لغة العرب و يعبّر عنها في لغات أخرى بعبارات أخرى و كان القابل قابلًا لهذا المعنى كفى إلا إذا كان جاهلا باللغات بحيث لا يفهم أن العلقة واقعة بلفظ «زوجت» أو بلفظ «موكلي» فحينئذ صحته مشكلة و إن علم أن هذه الجملة لهذا المعنى.

مسألة: و يعتبر في العقد قصد الإنشاء بأن يكون الموجب في قوله: «أنكحت» أو «زوجت» قاصدا إيقاع النكاح و الزواج و إيجاد ما لم يكن لا الاخبار و الحكاية عن وقوع شي‌ء في الخارج و القابل بقوله: «قبلت» منشأ لقبول ما أوقعه الموجب.

مسألة: و تعتبر الموالاة و عدم الفصل المعتد به بين الإيجاب و القبول.

مسألة: و يشترط في صحة العقد التنجيز فلو علّقه على شرط و مجي‌ء زمان بطل نعم لو علّقه على أمر محقق الحصول كما إذا قال في يوم الجمعة «أنكحت إن كان اليوم يوم الجمعة» لم يبعد الصحة.

مسألة: يشترط في العاقد المجري للصيغة البلوغ و العقل فلا اعتبار بعقد الصبي و المجنون‌

36

..........

____________

و لو أدواريا حال جنونه سواء عقدا لنفسهما أو لغيرهما و الأحوط البناء على سقوط عبارة الصبي لكن لو قصد المميز المعنى و عقد لغيره وكالة أو فضولا و أجاز أو عقد لنفسه مع إذن الولي أو إجازته أو أجاز هو بعد البلوغ يتخلص بالاحتياط و كذا يعتبر فيه القصد فلا اعتبار بعقد الساهي و الغالط و السكران و أشباههم نعم في خصوص عقد السكرى إذا عقبه الإجازة بعد إفاقتها لا يترك الاحتياط بتجديد العقد أو الطلاق.

مسألة: يشترط في صحة العقد تعيين الزوجين على وجه يمتازان عن غيرهما بالاسم أو الإشارة أو الوصف الموجب لذلك فلو قال: زوجتك إحدى بناتي أو قال: زوجت بنتي فلانة من أحد بنيك أو من أحد هذين بطل نعم يشكل فيما لو كانا معينين بحسب قصد المتعاقدين و متميزين في ذهنهما لكن لم يعيناهما عند إجراء الصيغة و لم يكن ما يدل عليه من لفظ أو فعل أو قرينة خارجية كما إذا تقاولا و تعاهدا على تزويج بنته الكبرى من ابنه الكبير و لكن في مقام إجراء الصيغة قال: «زوجت إحدى بناتي من أحد بنيك» و قبل الآخر نعم لو تقاولا و تعاهدا على واحدة فعقدا مبنيا عليه فالظاهر الصحة كما إذا قال بعد التقاول: «زوجت ابنتي منك» دون أن يقول: «زوجت إحدى بناتي».

مسألة: لو اختلف الاسم مع الوصف أو اختلاف أحدهما مع الإشارة يتبع العقد لما هو المقصود و يلغى ما وقع غلطا و خطأ فإذا كان المقصود تزويج البنت الكبرى و تخيل أن اسمها فاطمة و كانت المسماة بفاطمة هي الصغرى و كانت الكبرى مسماة بخديجة و قال: «زوجتك الكبرى من بناتي فاطمة» وقع العقد على الكبرى التي اسمها خديجة و يلغى تسميتها بفاطمة و إن كان المقصود تزويج فاطمة و تخيل أنها كبرى فتبين أنها صغرى وقع العقد على المسماة بفاطمة و ألغي وصفها بأنها الكبرى و كذا لو كان المقصود تزويج المرأة الحاضرة و تخيل أنها كبرى و اسمها فاطمة فقال: «زوجتك هذه و هي فاطمة و هي الكبرى من بناتي» فتبين أنها الصغرى و اسمها خديجة وقع العقد على المشار إليها و يلغى الاسم و الوصف و لو كان المقصود العقد على الكبرى فلما تخيل أن هذه المرأة الحاضرة هي تلك الكبرى قال: «زوجتك هذه و هي الكبرى» لا يقع العقد على الكبرى بلا إشكال و في وقوعه على المشار إليها وجه لكن لا يترك الاحتياط بتجديد العقد أو الطلاق.

مسألة: لا إشكال في صحة التوكيل في النكاح من طرف واحد أو من طرفين بتوكيل الزوج أو الزوجة إن كانا كاملين أو بتوكيل وليهما إن كانا قاصرين و يجب على الوكيل أن لا يتعدى عما عيّنه الموكل من حيث الشخص و المهر و سائر الخصوصيات فإن تعدى كان فضوليا موقوفا على الإجازة و كذا يجب عليه مراعاة مصلحة الموكل فإن تعدى و أتى بما هو خلاف المصلحة كان فضوليا نعم لو عين خصوصية تعينت و نفذ عمل الوكيل و إن كان ذلك على خلاف مصلحة الموكل.

مسألة: لو وكلت المرأة رجلا في تزويجها ليس له أن يزوجها من نفسه إلا إذا صرحت بالتعميم أو كان كلامها بحسب متفاهم العرف ظاهرا في العموم بحيث يشمل نفسه.

مسألة: الأقوى جواز تولي شخص واحد طرفي العقد بأن يكون موجبا و قابلًا من الطرفين‌

37

..........

____________

أصالة من طرف و وكالة من آخر أو ولاية من الطرفين أو وكالة عنهما أو بالاختلاف و إن كان الأحوط الاولى مع الإمكان تولي الاثنين و عدم تولي شخص واحد للطرفين خصوصا في تولي الزوج طرفي العقد أصالة من طرفه و وكالة عن الزوجة في عقد الانقطاع فإنه لا يخلو من إشكال غير معتد به لكن لا ينبغي فيه ترك الاحتياط.

مسألة: إذا وكلا وكيلا في العقد في زمان معين لا يجوز لهما المقاربة بعد ذلك الزمان ما لم يحصل لهما العلم بإيقاعه و لا يكفي الظن نعم لو أخبر الوكيل بالإيقاع كفى لأن قوله حجة فيما وكل فيه.

مسألة: لا يجوز اشتراط الخيار في عقد النكاح دواما أو انقطاعا لا للزوج و لا للزوجة فلو شرطاه بطل الشرط بل المشهور على بطلان العقد أيضا و قيل ببطلان الشرط دون العقد و لا يخلو من قوة و يجوز اشتراط الخيار في المهر مع تعيين المدة فلو فسخ ذو الخيار سقط المهر المسمى فيكون كالعقد بلا ذكر المهر فيرجع الى مهر المثل هذا في العقد الدائم الذي لا يعتبر فيه ذكر المهر و أما المتعة التي لا تصح بلا مهر فهل يصح فيها اشتراط الخيار في المهر؟ فيه إشكال.

مسألة: إذا ادعى رجل زوجية امرأة فصدقته أو ادعت امرأة زوجية رجل فصدقها حكم لهما بذلك مع احتمال الصدق و ليس لأحد الاعتراض عليهما من غير فرق بين كونهما بلديين معروفين أو غريبين و أما إذا ادعى أحدهما الزوجية و أنكر الآخر فالبينة على المدعي و اليمين على من أنكر فإن كان للمدعي بينة حكم له و إلا فتتوجه اليمين الى المنكر فإن حلف سقطت دعوى المدعي و إن نكل يرد الحاكم اليمين على المدعي فإن حلف ثبت الحق و إن نكل سقط و كذا لو رده المنكر على المدعي و حلف ثبت و إن نكل سقط هذا بحسب موازين القضاء و قواعد الدعوى و أما بحسب الواقع فيجب على كل منهما العمل على ما هو تكليفه بينه و بين الله تعالى.

مسألة: إذا رجع المنكر عن إنكاره إلى الإقرار يسمع منه و يحكم بالزوجية بينهما و إن كان ذلك بعد الحلف على الأقوى.

مسألة: إذا ادعى رجل زوجية امرأة و أنكرت فهل لها أن تتزوج من غيره و للغير أن يتزوجها قبل فصل الدعوى و الحكم ببطلان دعوى المدعي أم لا؟ وجهان أقواهما الأول خصوصا فيما لو تراخى المدعي في الدعوى أو سكت عنها حتى طال الأمر عليها و حينئذ إن أقام المدعي بعد العقد عليها بينة حكم له بها و بفساد العقد عليها و إن لم تكن بينة تتوجه اليمين الى المعقود عليها فإن حلفت بقيت على زوجيتها و سقطت دعوى المدعي و كذا لو ردت اليمين على المدعي و نكل عن اليمين و إنما الإشكال فيما إذا نكلت عن اليمين أو ردّت اليمين على المدعي و حلف فهل يحكم بسببهما بفساد العقد عليها فيفرّق بينها و بين زوجها أم لا؟ وجهان أوجههما الثاني لكن إذا طلقها الذي عقد عليها أو مات عنها زال المانع فترد الى المدعي بسبب حلفه المردود عليه من الحاكم أو المنكر.

مسألة: و يجوز تزويج امرأة تدعي أنها خلية من الزوج مع احتمال صدقها من غير فحص‌

38

خلاصة لأهم المسائل المتقدمة المتفق عليها و المختلف فيها.

الصيغة (1) اتفق ثلاثة (1) على أن النكاح لا يصح بألفاظ العقود المفيدة لتمليك العين

كالبيع و الشراء و الصدقة و الجعل و التمليك، كتصدقت لك بابنتي بمهر كذا أو جعلتها لك أو ملكتك إياها و مثل ذلك عقد الصلح و القرض كقوله اصطلحت معك على الألف التي علي بابنتي أو نحو ذلك.

____________

حتى فيما إذا كانت ذات بعل سابقا فادعت طلاقها أو موته نعم لو كانت متهمة في دعواها فالأحوط الاولى الفحص عن حالها فمن غاب غيبة منقطعة لم يعلم موته و حياته إذا ادعت زوجته حصول العلم لها بموته من الأمارات و القرائن و إخبار المخبرين جاز تزويجها و إن لم يحصل العلم بقولها و يجوز للوكيل أن يجري العقد عليها إذا لم يعلم كذبها في دعوى العلم و لكن الأحوط الترك خصوصا إذا كانت متهمة.

مسألة: إذا تزوج بامرأة تدعي أنها خلية عن الزوج فادعى رجل آخر زوجيتها فهذه الدعوى متوجهة الى كل من الزوج و الزوجة فإن أقام المدعي بينة شرعية حكم له عليهما و فرّق بينهما و سلمت اليه و مع عدم البينة، توجه اليمين إليهما فإن حلفا معا على عدم زوجيته سقطت دعواه عليهما و إن نكلا عن اليمين فردها الحاكم عليه أو رداها عليه و حلف ثبت مدعاه و إن حلف أحدهما دون الآخر بأن نكل عن اليمين فردها الحاكم عليه أو ردّ هو عليه فحلف سقطت دعواه بالنسبة إلى الحالف و أما بالنسبة إلى الآخر و إن ثبتت دعوى المدعي بالنسبة إليه لكن ليس لهذا الثبوت أثر بالنسبة الى من حلف فإن كان الحالف هو الزوج و الناكل هي الزوجة ليس لنكولها أثر بالنسبة إلى الزوج إلا أنه لو طلقها أو مات عنها ردت الى المدعي و إن كان الحالف هي الزوجة و الناكل هو الزوج سقطت دعوى المدعي بالنسبة إليها و ليس له سبيل اليه على كل حال.

مسألة: إذا ادعت امرأة خلية فتزوجها رجل ثم ادعت بعد ذلك أنها كانت ذات بعل لم تسمع دعواها نعم لو أقامت البينة على ذلك فرّق بينهما و يكفي في ذلك بأن تشهد بأنها كانت ذات بعل فتزوجت حين كونها كذلك من الثاني من غير لزوم تعيين زوج معين.

مسألة: يشترط في صحة العقد الاختيار أعني اختيار الزوجين فلو أكرها أو أكره أحدهما على الزواج لم يصح نعم لو لحقه الرضا صح على الأقوى (7).

(1) أهل البيت (ع): الأحوط أن يكون الإيجاب في النكاح الدائم بلفظي أنكحت أو زوجت فلا يوقع بلفظ متعت على الأحوط و إن كان الأقوى وقوعه به مع الإتيان بما يجعله ظاهرا في الدوام و لا يوقع بمثل بعت أو وهبت أو ملكت أو آجرت (8).

____________

(7) تحرير الوسيلة ج 2 من ص 225 الى ص 232

(8) تحرير الوسيلة 2/ 226

39

و خالف الحنيفة فقالوا يصح، راجع شروط الصيغة عند الحنفية.

و اتفق الشافعية و الحنابلة على أنه لا يصح إلا بصيغة مشتقة من إنكاح و تزويج فلا يصح بلفظ الهبة كما لا يصح بغيرها من ألفاظ العقود، و خالفهم المالكية في ذلك فقالوا أنه يصح بلفظ الهبة إن كانت مقرونة بذكر الصداق كأن يقول الولي: وهبت لك ابنتي بصداق كذا أو يقول الزوج: هب لي ابنتك بصداق كذا.

(2) اتفقوا على أن النكاح ينعقد و لو هزلا (1)،

فإذا قال شخص لآخر، زوجتك ابنتي فقال: قبلت، و كانا يضحكان انعقد النكاح. كالطلاق و العتق فإنهما يقعان بالهزل.

و اتفق الثلاثة على عدم انعقاده بالإكراه (2)، مثلا إذا أكره شخص آخر على أن يقول قبلت زواج فلانة لنفسي بوسائل الإكراه المعروفة شرعا فإنه لا ينعقد.

و خالف الحنفية فإنهم قالوا: ان الإكراه بهذه الحالة ينعقد به النكاح، على أن الحنفية قالوا: إذا أكرهته الزوجة على التزويج بها لم يكن لها حق في المهر قبل الدخول و لها مهر المثل بالوطء و لا يخفى أن الإكراه بهذا المعنى غير إكراه الولي المجبر الآتي بيانه عند الثلاثة.

(3) اتفقوا جميعا على ضرورة اتحاد مجلس العقد (3)،

فلو قال الولي:

زوجتك ابنتي و انفض المجلس قبل أن يقول الزوج: قبلت، ثم قال: قبلت في مجلس آخر أو في مكان آخر، لم يصح. و اختلفوا في الفور- يعني النطق

____________

(1) أهل البيت (ع): يعتبر في العقد القصد الى مضمونه و هو متوقف على فهم معنى لفظي أنكحت و زوجت و لو بنحو الإجمال حتى لا يكون مجرد لقلقة لسان فإذا كان الموجب بقوله أنكحت أو زوجت قاصدا لإيقاع العلقة الخاصة المعروفة المرتكزة في الأذهان التي يطلق عليها النكاح و الزواج في لغة العرب و يعبّر عنها في لغات أخر بعبارات أخر و كان القابل قابلًا لهذا المعنى كفى (9). و كذلك الأمر في الطلاق و العتق.

(2) أهل البيت (ع): يشترط في صحة العقد الاختيار أعني اختيار الزوجين فلو أكرها أو أكره أحدهما على الزواج لم يصح نعم لو لحقه الرضا صح على الأقوى (10).

(3) أهل البيت (ع): قال السيد الحكيم في الجزء التاسع من المستمسك ان صدق العقد لا يتوقف على الفورية و لا على اتحاد المجلس و قال صاحب الجواهر لا دليل على اعتبار اتحاد المجلس في عقد الزواج و لا في غيره من العقود (11).

____________

(9) تحرير الوسيلة 2/ 228

(10) تحرير الوسيلة 2/ 232

(11) فقه الامام جعفر الصادق (ع) 5/ 179

40

بالقبول عقب الإيجاب بدون فاصل- فاتفق الحنابلة و الحنفية على أن الفور ليس بشرط ما دام المجلس قائماً عرفا، أما إذا تشاغلا بما يقطع المجلس عرفا فيه لا يصح.

و اشترط الشافعة و المالكية الفور و اغتفروا الفاصل اليسير الذي لا يقطع الفور عرفا.

(4) اتفق الثلاثة على أنه يصح تقديم القبول على الإيجاب،

فلو قال الزوج للولي: قبلت زواج ابنتك فلانة بصداق كذا فقال له الولي: زوجتك إياها فإنه يصح، و كذا إذا قال له: زوجني ابنتك فقال له: زوجتك و لم يقل: قبلت فإنه يصح لأن معنى زوجني قبلت زواجها. و لكن الحنفية يقولون: إن المتقدم يقال له: إيجاب سواء كان من الزوج أو الزوجة، أما الحنابلة فإنهم خالفوا الثلاثة في ذلك، و قالوا: لا بد أن يقول الولي أو من يقوم مقامه أولا زوجتك أو أنكحتك فلانة و يقول الزوج أن من يقوم مقامه قبلت أو رضيت، فلا يصح النكاح أن تقدم الإيجاب على القبول عندهم.

(5) اتفق الثلاثة على أنه يكفي في القبول قبلت أو رضيت،

ثم إن كان الزواج له قال لنفسي، و أن كان لموكله قال لموكلي، و أن كان لابنه قال لابني، و خالف الشافعية في ذلك فقالوا: لا بد أن يصرح بلفظ التزويج أو النكاح في القبول حتى لو نواه لا يكفي فلا بد عندهم من أن يقول قبلت زواجها أو نكاحها.

(6) اتفقوا على أن النكاح المؤقت بوقت باطل (1).

فلو قال للولي، زوجني بنتك أسبوعين أو شهرا بصداق كذا فزوجه على ذلك بطل النكاح و لكنه لو دخل بها لا يحد لأنه فيه شبهة العقد.

____________

(1) أهل البيت (ع): قال الحجة الشيخ محمد جواد مغنية:

لقد كثر الكلام قديما و حديثا حول المتعة و بالأصح كثر الخلاف و النقاش في حكمها و هل هي حلال أو حرام في الشريعة الإسلامية؟ و أن كثيرا من الناس يحسبونها ضربا من الزنا و الفجور جهلا بحقيقتها و يعتقدون أن ابن المتعة عند الشيعة لا نصيب له من ميراث أبيه و لا يشارك اخوته من الزواج الدائم في شي‌ء. و أن المتمتع بها لا عدة لها و أنها تستطيع أن تنتقل من رجل الى رجل إن شاءت بمجرد أن ينتهي أمد الاتفاق بينها و بينه. و من أجل هذا استقبحوا المتعة و استنكروها و شنعوا على من أباحها.

و بما أن الواجب على رجل الدين أن يقوم بدور إيجابي في توعية الناس بخاصة في المسائل الدينية و إرشادهم إلى الحقيقة بعيدا عن التعصب و الطائفية التي يستنكرها العقل‌

41

..........

____________

و الدين فقد رأيت أن اعرض المتعة و اكشف عن حقيقتها كما هي عند الشيعة دون أن أبدي رأيا أو أوحي بفكرة أو اقارن و اوازن.

من معاني المتعة:

للمتعة معان منها المنفعة قال تعالى مَتٰاعُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا و منها الزاد قال سبحانه:

مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ و منه البقاء قال عز من قال فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا و منها العطاء قال تباركت أسماؤه مَتٰاعاً بِالْمَعْرُوفِ.

اما الفقهاء فقد تكلموا عن المتعة بمعنى العطاء و أوجبوه على الذي يتزوج امرأة دون أن يسمي لها مهرا حين العقد ثم يطلقها قبل الدخول أوجبوا عليه أن يهدي المطلقة شيئا يتناسب مع وضعه المادي من الثراء و العوز و استدلوا على ذلك بالآية 236 من سورة البقرة لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ مٰا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتٰاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ و تكلم الفقهاء أيضا عن متعة الحج و بحثت مفصلا في الجزء الثاني من كتاب فقه الإمام جعفر (ع): فصل التقصير و الحلق فقرة عمر و متعة الحج.

زواج المتعة: و أيضا تكلم الفقهاء عن المتعة بمعنى الزواج المؤقت و أجمعوا قولا واحدا السنة منهم و الشيعة على أن الإسلام شرعها و رسول الله (ص) أباحها و استدلوا بالآية 24 من سورة النساء فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً.

و بما جاء في صحيح البخاري ج 9 كتاب النكاح أن رسول الله (ص) قال لأصحابه في بعض حروبه: «قد اذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا. أيما رجل و امرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا تركا.

و بما جاء في صحيح مسلم ج 2 باب نكاح المتعة ص 623 طبعة 1248 ه‍ عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: «استمتعنا على عهد رسول الله و أبي بكر و عمر» و في الصفحة نفسها حديث آخر عن جابر قال فيه: ثم نهانا عنها عمر.

و بعد أن اتفق المسلمون جميعا على شرعيتها و إباحتها في عهد الرسول الأعظم (ع) اختلفوا في نسخها و هل صارت حراما بعد أن أحلها الله سبحانه ذهب السنة إلى أنها نسخت و حرمت بعد الاذن بها قال ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج 11 ص 70 طبعة 1959: «وردت عدة أحاديث صحيحة صريحة بالنهي عن المتعة بعد الاذن بها» و جاء في الجزء السادس من كتاب المغني لابن قدامة ص 645 طبعة ثالثة ما نصه بالحرف: «قال الشافعي: لا أعلم شيئا أحله الله ثم حرمه ثم أحلّه ثم حرمة إلا المتعة». و قال الشيعة: أجمع المسلمون كافة على إباحة المتعة و اختلفوا في نسخها و ما ثبت باليقين لا ينفى و يزول بمجرد الشك و الظن بل لا بد من ثبوت النسخ يقينا و أيضا استدلوا على عدم النسخ بروايات كثيرة عن أهل البيت (ع) ذكرها الحر العاملي في كتاب الوسائل منها أن الإمام الصادق (ع) سئل: هل نسخ آية‌

42

..........

____________

المتعة شي‌ء؟ قال: لا، لولا ما نهى عنها عمر ما زنى إلا شقي.

و ليس من شك أن النسخ لو ثبت عند السنة لقالوا بمقالة الشيعة و لو لم يثبت عند الشيعة لقالوا بمقالة السنة و ليست آية المتعة وحدها محلا للاختلاف من حيث النسخ و عدمه فقد اختلف السنة و الشيعة في غيرها من هذه الحيثية كما اختلف فقهاء السنة بعضهم مع بعض و فقهاء الشيعة كذلك في نسخ جملة من الأحكام و الآيات.

و مهما يكن فإن الزواج المنقطع- أي المتعة- يجتمع مع الزواج الدائم في أشياء و يفترق في أشياء عند الشيعة و فيما يلي نذكر ملخصا لما يجتمعان فيه و يفترقان:

المساواة بين الزواج الدائم و المنقطع:

أجمع فقهاء المذهب الجعفري على أن الزواج الدائم و المنقطع يشتركان في الأمور التالية:

1- لا بد في كل منهما أن تكون المرأة عاقلة بالغة راشدة خالية من جميع الموانع فلا يجوز التمتع بالمتزوجة و لا بالمعتدة من طلاق أو وفاة و لا بالمحرّمة نسبا أو مصاهرة أو رضاعا و لا بالمشركة و ما الى هذه مما ذكرناه مفصلا في فصل المحرمات. و أيضا لا يجوز لها هي أن تتمتع الا بالمسلم الخالي من جميع الموانع.

2- لا يصح الزواج المنقطع بالمعاطاة و مجرد المرضاة بل لا بد فيه من العقد اللفظي الدال صراحة على قصد الزواج تماما كالزواج الدائم و لا يقع عقد المتعة بلفظ وهبت و أبحت و أجرت و نحوه بل ينحصر لفظ العقد بخصوص أنكحت و زوجت و متعت قال صاحب الجواهر: «أما صيغة زواج المتعة فهي اللفظ الذي وضعه الشرع للإيجاب كزوجتك و أنكحتك و متعتك ايها حصل وقع الإيجاب به و لا ينعقد بغيرها كلفظ التمليك و الهبة و الإجارة و يقع القبول باللفظ الدال على الإنشاء كقبلت و رضيت».

3- عقد الزواج المنقطع كالدائم لازم في حق الرجل و المرأة. أجل للزوج أن يهب المدة المتفق عليها للتمتع بها كما له أن يطلق الزوجة الدائمة.

4- الزواج المنقطع ينشر الحرمة تماما كالدائم فإن المتمتع بها تحرم على أب الزوج مؤبدا و بنتها ربيبته و لا يجمع بين الأختين متعة كما لا يجمع بينهما دواما و الرضاع من المتمتع بها كالرضاع من الدائمة من غير تفاوت اما الرضاع من الزانية فلا أثر له إطلاقا و الفرق أن المتمتع بها زوجة شرعية و فراش صحيح أما الزانية فلها الحجر.

5- الولد من الزوجة المنقطعة كالولد من الدائمة في وجوب التوارث و الإنفاق و سائر الحقوق المادية و الأدبية فقد سئل الإمام الصادق (ع) عن المرأة المتمتع بها إذا حملت؟ فقال: هو ولده.

6- يلحق الولد بالزوج بمجرد الجماع حتى و لو عزل و أراق ماءه في الخارج لأن المتمتع بها فراش شرعي كالدائمة و الولد للفراش إجماعا و نصا.

43

..........

____________

7- المهر في الزواج المنقطع كالمهر في الزواج الدائم من حيث عدم تقديره قلة أو كثرة فيصح بكل ما يقع عليه التراضي واحدا كان أو مليونا عملا بالآية الكريمة وَ آتَيْتُمْ إِحْدٰاهُنَّ قِنْطٰاراً فَلٰا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً.

8- إذا طلق الزوجة قبل الدخول يثبت لها نصف المهر المسمى و كذا إذا وهب المدة للزوجة المؤقتة قبل أن يدخل أما إذا انقضت المدة دون أن يدخل لسبب فلها المهر كاملا.

و قيل: نصف المهر.

9- لا أثر للخلوة من غير الدخول في الزواج الدائم و المنقطع بالنسبة إلى المهر و العدة.

10- على المتمتع بها أن تعتد مع الدخول بها بعد الأجل و لا عدة عليها إذا لم يدخل تماما كالزوجة الدائمة إذا طلقت من غير تفاوت و عليهما معا العدة الكاملة من وفاة الزوج سواء أدخل أو لم يدخل.

11- كل شرط سائغ في الشريعة الإسلامية تشترطه المرأة أو الرجل في متن العقد فهو نافذ كالشرط في الزواج الدائم الحديث: «المؤمنون عند شروطهم».

12- تحرم مقاربة الزوجة و هي في الحيض منقطعة كانت أو دائمة.

13- إذا عقد عليها متعة ثم تبين فساد العقد لسبب موجب للتحريم فسد العقد و لا شي‌ء لها من المهر ان لم يدخل اما إذا تبين فساد العقد بعد الدخول فينظر: فإن كانت عالمة بالتحريم و مع ذلك أقدمت و مكنت من نفسها فلا شي‌ء لها لأنها بغيّ و قد جاء في الحديث: «لا مهر لبغيّ» و إن كانت جاهلة فلها المهر كما هو في الدائمة.

14- لا يجوز أن يدخل على المتمتع بها بنت أختها أو بنت أخيها إلا بإذنها كما هو الحكم في الدائم.

التباين بين الزواج الدائم و المنقطع:

و يفترق الزواج الدائم عن الزواج المنقطع في الأمور التالية:

1- لا بد في الزواج المنقطع أن يذكر في متن العقد أجل معين لا يقبل الزيادة و النقصان أما الزواج الدائم فلا يصح ذكر الأجل فيه بحال و هذه الحقيقة تدل على نفسها بنفسها و تحمل قياسها معها.

و إذا قصد كل من الرجل و المرأة الزواج المنقطع و تركا ذكر الأجل في متن العقد نسيانا فهل يقع الزواج دواما أو متعة أو يكون العقد لغوا لا يقع هذا و لا ذاك؟

ذهب المشهور بشهادة صاحب المسالك الى ان الزواج و الحال هذي يقع دائما بل قال صاحب الجواهر: «لعله مجمع على ذلك لصلاحية اللفظ للدوام و لقول الإمام الصادق (ع):

إذا سمي الأجل فهو متعة و إن لم يسم فهو نكاح ثابت.

و قال بعض الفقهاء: بل يقع لغوا لا دائما و لا منقطعا لأن ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

44

..........

____________

2- المهر ركن من أركان العقد في الزواج المنقطع فلو أخل بذكره في متن العقد بطل من رأس قال الإمام الصادق (ع): لا تكون متعة إلا بأمرين: أجل مسمى و أجر و عنه في رواية ثانية: أجل معلوم و مهر معلوم.

أما الزواج الدائم فالمهر ليس ركنا له بل يصح مع المهر و دونه فمن تزوج امرأة و لم يذكر لها مهرا في متن العقد و دخل بها فعليه مهر المثل.

3- إذا طلقت الزوجة الدائمة قبل الدخول فلا عدة لها و مثلها المنقطعة إذا انتهى الأجل قبل الدخول. و إذا طلقت الدائمة بعد الدخول و كانت غير حامل فعدتها ثلاث حيضات أو ثلاثة أشهر و إن كانت حاملا فعدتها وضع الحمل إما المنقطعة فعدتها بعد الدخول و انقضاء الأجل حيضتان أو خمسة و أربعون يوما إن كانت غير حامل و إن كانت حاملا فعدتها وضع الحمل. هذا بالقياس إلى طلاق الدائمة و انتهاء أجل المنقطعة أما بالنسبة إلى عدّة الوفاة، فلا فرق بينهما إطلاقا فكل منهما تعتد أربعة أشهر و عشرة أيام سواء أ كان قد دخل الزوج أم لم يدخل هذا مع عدم الحمل أما معه فتعتدان بأبعد الأجلين من وضع الحمل و هو أربعة أشهر و عشرة أيام.

4- اختلف فقهاء المذهب الجعفري في توارث الزوجين في الزواج المنقطع فذهب جماعة منهم الشهيد الأول محمد مكي (ت 786 ه‍) و الشهيد الثاني زين العاملي الجبعي (ت 965 ه‍) ذهبوا الى أنه لا توارث الا مع الشرط لأن عقد الزواج بطبيعته لا يقتضي التوارث و لا عدمه و متى حصل الشرط وجب العمل به لحديث: «المؤمنون عند شروطهم». و لقول الإمام الصادق (ع): «إن اشترطا الميراث فهما على شرطهما».

5- لا نفقة للمنقطعة الا مع الشرط أما الدائمة فلها النفقة حتى و لو اشترط عدم الإنفاق.

6- يكره التمتع بالأبكار اما الزواج بهن دواما فمندوب قال صاحب الحدائق: «سئل الإمام الصادق (ع) عن المتعة؟ فقال: إن أمرها شديد فاتقوا الأبكار.

7- قال الفقهاء: للزوجة الدائمة حق على الزوج أن ينام في فراش قريب من فراشها ليلة واحدة من كل أربع ليالي معطيا لها وجهه و إن لم يتلاصق الجسدان و المهم أن لا يعدّ هاجرا أما المواقعة فتجب عليه في كل أربعة أشهر مرة و لها أن تطالب إن امتنع عن المبيت أو المواقعة.

و لا يجب شي‌ء من ذلك للمنقطعة بل يترك له الخيار و ليس لها أن تطالبه لا بالمبيت و لا بالمواقعة.

8- إذا طلّقت الزوجة الدائمة طلاقا رجعيا بعد الدخول فللمطلق أن يرجع إليها قبل انقضاء العدة. و إذا كان الطلاق خلعيا و عن كره و بذل منها له، فلها الحق أن ترجع بالبذل ما دامت في العدة.

أما المنقطعة فإنها تبين منه بمجرد انتهاء المدة أو هبتها و لا يحق له و لا لها الرجوع أثناء العدة و بالأولى بعد انتهائها أجل يجوز له أن يجدد العقد عليها دواما أو انقطاعا و هي في‌

45

..........

____________

العدة منه و لا يجوز ذلك لغيره الا بعد انقضاء العدة.

9- إذا دخل بالزوجة الدائمة فقد استقر عليه تمام المهر فإن امتنعت بعد ذلك و لم تمكنه من نفسها نشوزا منها و عصيانا فلا يسقط من مهرها شي‌ء و إنما تسقط نفقتها لأنها في مقابل الطاعة.

أما إذا دخل بالمنقطعة ثم امتنعت من غير عذر فللزوج أن يضع من مهرها بنسبة الوقت الذي امتنعت فيه قال صاحب الجواهر: «لو أخلت هي ببعض المدة كان له أن يضع من المهر بنسبتها إن نصفا فنصف و إن ثلثا فثلث بلا خلاف أجده بل و لا إشكال للروايات المعتبرة المستفيضة التي منها رواية ابن حنظلة قال: سألت الإمام الصادق (ع) أتزوج امرأة شهرا بشي‌ء مسمى فتأتي بعض الشهر و لا تفي ببعض؟ قال: تحبس عنها من صداقها بقدر ما احتبست عنك إلا أيام حيضها فإنها لها.

10- يجوز أن يتمتع الرجل بأكثر من أربع نساء و لا يجوز له في الدائم الزيادة على الأربع و قد ذكر الحر العاملي في كتاب وسائل الشيعة روايات عن أهل البيت تدل على ذلك. و لكنه ذكر الى جانبها روايات أخرى تدل على عدم جواز الزيادة على الأربع في المتعة كما هو الحكم في الدائم منها ما رواه عمار الساباطي عن الإمام الصادق (ع) أنه سئل عن المتعة؟ فقال: هي أحد الأربعة و منها ما رواه زرارة عن الإمام أبي جعفر (ع) أنه سئل:

هل المتعة مثل الإماء يتزوج ما شاء؟ فقال: لا. هي من الأربع و بالجملة أن كل ما يثبت للزوجة الدائمة يثبت للمنقطعة الا ما خرج بالدليل. و قد دل الدليل على ما ذكرناه من الفروق فيبقى غيرها من الآثار و الأحكام على حكم العموم. قال صاحب الجواهر: «الأصل اشتراك الدائم و المنقطع في الأحكام التي موضوعها النكاح و التزويج مما يشمل المنقطع الا ما خرج بالدليل» و جاء في كتاب اللمعة و شرحها ما نصه بالحرف: «حكم الزواج المنقطع كالدائم في جميع ما سلف من الأحكام شرطا و ولاية و تحريما الا ما استثني».

و من هنا قال كثير من الفقهاء: إن حقيقة المنقطع و الدائم واحدة و إن لفظ الزواج موضوع لمعنى له فردان: أحدهما الزواج الدائم و الآخر الزواج المنقطع تماما كالإنسان الشامل للذكر و الأنثى.

التمتع بالعفيفة:

و من الخير ان نختم الكلام عن المتعة ببعض ما جاء فيها عن أهل البيت (ع) فقد سئل الإمام الصادق (ع) عن المتعة؟ فقال: هي حلال و لا تتزوج إلا عفيفة إن الله سبحانه يقول:

وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ. و في رواية أخرى أنه قال: إن الله عز و جل يقول الزّٰانِي لٰا يَنْكِحُ إِلّٰا زٰانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزّٰانِيَةُ لٰا يَنْكِحُهٰا إِلّٰا زٰانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

و من هنا قال الشيخ الصدوق: «إن من تمتع بزانية فهو زان» كما جاء في كتاب الحدائق.

و جاء في كتاب وسائل الشيعة مجلد 3 ص 74 طبعة 1324 ه‍ أن علي ابن يقطين سأل الإمام الرضا حفيد الإمام الصادق (ع) عن المتعة؟ فقال: ما أنت و ذاك قد أغناك الله عنها.

46

..........

____________

و سأله آخر فقال: هي حلال مباح مطلق لمن لم يغنه الله بالتزويج فليستعفف بالمتعة فإن استغنى عنها بالتزويج فهي مباح له إذا غاب عنها أي عن زوجته (12).

قال السيد الخوئي: و يشترط فيه الإيجاب مثل أن تقول المرأة: متعتك أو زوجتك أو أنكحتك نفسي و القبول من أهله مثل: قبلت و يشترط فيه ذكر المهر كما يشترط أيضا ذكر أجل معين لا يزيد على عمر الزوجين عادة و الا كان العقد عقد دوام على الأظهر و لو لم يذكر المهر بطل.

مسألة: و لو نسي ذكر الأجل ففي البطلان أو انقلابه دائما قولان أظهرهما الأول.

مسألة: و يحرم عقد المتعة على غير الكتابية من الكفار و الأمة على الحرة من دون إذنها و بنت الأخ و الأخت من دون إذن العمة و الخالة و يكره على البكر و على الزانية و إذا كانت مشهورة بالزنا فالأحوط لزوما ترك التمتع بها.

مسألة: و لا تنحصر المتعة في عدد فيجوز التمتع بما شاء الرجل من النساء كما لا ينحصر ملك اليمين في عدد و لا حدّ للمهر قلة و كثرة و يجوز أن يكون المهر عملا كخياطة ثوب أو تعليم كتابة و نحوهما كما يجوز أن يكون حقا قابلًا للانتقال كحق التحجير و لو وهبها المدة قبل الدخول ثبت نصف المهر على الأظهر و لو ماتت أو مات أو انقضت المدة لم ينقص منه شي‌ء و إن كان قبل الدخول.

مسألة: و تملك المتمتع بها تمام المهر بالعقد و تسليم نفسها للاستمتاع بها لكنها لو أخلت ببعض المدة سقط من المهر بنسبته و لا فرق بين كون الإخلال لعذر أو غيره عدا أيام الحيض و نحوها مما يحرم عليه فيها الوطء و المدار في الإخلال على الاستمتاع بالوطء دون غيره من أنواع الاستمتاع فلو أخلت به مع التمكين من الوطء لم يسقط من المهر شي‌ء و لو لم تحضر في بعض المدة لعجزه عن الاستمتاع بالوطء ففي سقوط بعض المهر إشكال.

مسألة: لو ظهر بطلان العقد فلا مهر لها قبل الدخول، و بعده لها أقل الأمرين من المهر المسمى و مهر المثل لا دواما مع جهلها و لا مهر مع علمها بالبطلان.

مسألة: يلحق الولد بزوج المتمتع بها إذا وطأها و إن كان قد عزل و يلحق بالوطء الإنزال في فم الفرج و ليس للزوج حينئذ نفي الولد مع احتمال تولده منه و لو نفاه جزما انتفى ظاهرا بلا لعان إلا إذا كان قد أقر به سابقا و كذا الحكم في الأمة.

مسألة: لو أبرأها المدة على أن لا تتزوج فلانا صح الإبراء و صح الشرط فيجب عليها الوفاء به لكنها لو تزوجت منه و لو عصيانا صح زواجها على الأظهر.

مسألة: لو صالحها على أن يبرئها المدة و أن لا تتزوج بفلان صح الصلح و وجب عليه الإبراء فإن امتنع أجبره الحاكم فإن تعذر تولاه الحاكم و لا يجوز لها أن تتزوج بفلان لكنها إن تزوجت به صح التزويج و إن كانت المصالحة على أن تتزوج بفلان وجب ذلك عليها فإن‌

____________

(12) فقه الامام جعفر الصادق (ع) ج 5 من ص 246 الى ص 256

47

الشهود و الزوجان (7) اتفق الثلاثة على ضرورة وجود (1) الشهود عند العقد

فإذا لم يشهد شاهدان عند الإيجاب و القبول بطل. و خالف المالكية فقالوا أن وجود الشاهدين ضروري و لكن لا يلزم أن يحضرا العقد بل يحضران الدخول أما حضورهما عند العقد فهو مندوب فقط.

____________

امتنعت أجبرها الحاكم فإن تعذّر إجبارها زوّجها الحاكم منه و لو صالحها على أن تكون بريئة من المدة بنحو شرط النتيجة صحت المصالحة و لو أبرأها معلقا على شي‌ء مثل أن لا تتزوج من فلان مثلا أو مطلقا بطل الإبراء.

مسألة: تعتد الحائل بعد الأجل أو بعد الإبراء بحيضتين كاملتين و لا يكفي المسمى أو في إحداهما فإن كانت في سن من تحيض و لا تحيض فبخمسة و أربعين يوما و في الموت بأربعة أشهر و عشرة أيام إن كانت حرة و إن كانت أمة اعتدت بشهرين و خمسة أيام و تعتد الحامل بأبعد الأجلين من المدة و وضع الحمل إن كان الاعتداد للوفاة بل لغيرها أيضا على الأحوط.

مسألة: لا يصح للزوج تجديد العقد على المتمتع بها دائما أو منقطعا قبل انقضاء الأجل.

مسألة: إذا اختلف الزوجان في الدوام و الانقطاع لم يبعد تقديم قول مدعي الانقطاع بيمينه إن لم تكن بينة على الدوام.

مسألة: لا يجوز جعل المدة منفصلة عن العقد فيتزوجها شهرا بعد شهر العقد و قيل يجوز و هو ضعيف.

مسألة: يجوز للمتمتع بها أن تشترط على زوجها أن لا يدخل بها و يجب عليه الوفاء بالشرط و لكنها إذا أسقطت الشرط جاز له ذلك.

مسألة: يجوز التمتع بالصغيرة و إن كانت المدة قليلة لجواز الاستمتاع بها بغير الوطء و إنما لا يجوز الدخول بها قبل بلوغها.

مسألة: صحة العقد متعة للصغير لمدة لا تكون قابلة للاستمتاع فيها محل إشكال و الاحتياط لا يترك.

مسألة: يجوز لولي الصغير إبراء المدة إذا كانت فيه مصلحة للصبي.

مسألة: لا تجب نفقة الزوجة المتمتع بها على زوجها إلا إذا اشترط ذلك في عقد المتعة أو في ضمن عقد آخر لازم.

مسألة: لا طلاق و لا لعان في المتعة و لا توارث بينهما إلا إذا اشترط ذلك لهما أو لأحدهما و مع الاشتراط ينفذ ذلك (13).

(1) أهل البيت (ع): ذكرنا أنه لا يعتبر الإشهاد في صحة عقد الدائم نعم هو مستحب و ليس بواجب.

____________

(13) منهاج الصالحين ج 2 من ص 301 الى ص 304

48

(8) اتفق الشافعية و الحنابلة على اعتبار العدالة (1) في الشاهدين

و على أنه يكفي العدالة ظاهرا فإذا عرف الشاهد بالعدالة في الظاهر عند الزوجين صحت شهادته على العقد و لا يكلف الزوجان البحث في حقيقة أمره لأن ذلك فيه مشقة و حرج. و قال المالكية: إن وجد العدل فلا يعدل عنه الى غيره و أن لم يوجد فتصح شهادة المستور الذي لم يعرف بالكذب.

و اتفق الثلاثة على اشتراط الذكورة في الشاهدين، أما الحنفية فقالوا:

العدالة غير شرط في صحة العقد و لكنها شرط في إثباته عند الإنكار، و لا تشترط الذكورة فيصح بشهادة رجل و امرأتين و لكن لا يصح بالمرأتين وحدهما بل لا بد من وجود رجل معهما.

(9) اتفق الثلاثة على أن المحرم بالنسك لا يصح عقده.

و خالف فقالوا:

يصح العقد من المحرم فعدم الإحرام ليس شرطا.

[مباحث الولي في عقد النكاح]

تعريف الولي

الولي في النكاح هو الذي يتوقف عليه صحة العقد فلا يصح بدونه (2)،

____________

(1) أهل البيت (ع): تقدم منا عدم وجوب الإشهاد على عقد النكاح فضلا عن ضرورة العدالة و كذلك الأمر بالنسبة إلى الذكورة و اعتبار وجوب العدالة و الذكورة فرع وجوب الإشهاد و لكن لم يثبت وجوب الإشهاد فلم يثبت اعتبارها.

(2) أهل البيت (ع): للأب و الجد من طرف الأب بمعنى أب الأب فصاعدا ولاية على الصغير و الصغيرة و المجنون المتصل جنونه بالبلوغ و كذا المنفصل عنه على الظاهر و لا ولاية للأم عليهم و للجد من طرف الأم و لو من قبل أم الأب بأن كان أبا لأم الأب مثلا و لا للأخ و العم و الخال و أولادهم.

مسألة: ليس للأب و الجد للأب ولاية على البالغ الرشيد و لا على البالغة الرشيدة إذا كانت ثيبة و أما إذا كانت بكرا ففيه أقوال: استقلالها و عدم الولاية لهما عليها لا مستقلا و لا منضما. و استقلالها و عدم سلطنة و ولاية لها كذلك، و التشريك بمعنى اعتبار إذن الولي و إذنها معا و التفصيل بين الدوام و الانقطاع إما باستقلالها في الأول دون الثاني أو العكس و الأحوط الاستئذان منهما نعم لا إشكال في سقوط اعتبار إذنهما إن منعاها من التزويج بمن هو كفو لها شرعا و عرفا مع ميلها و كذا إذا كانا غائبين بحيث لا يمكن الاستئذان منهما مع حاجتها الى التزويج.

مسألة: ولاية الجد ليست منوطة بحياة الأب و لا موته فعند وجودهما استقل كل منهما بالولاية و إذا مات أحدهما اختصت بالآخر و أيهما سبق في تزويج المولّى عليه عند وجودهما لم يبق محل للآخر و لو زوج كل منهما من شخص فإن علم السابق منهما فهو المقدم و لغا‌

49

..........

____________

الآخر، و ان علم التقارن قدم عقد الجدّ و لغا عقد الأب و إن جهل تاريخهما فلا يعلم السبق و اللحوق و التقارن لزم إجراء حكم العلم الإجمالي بكونها زوجة لأحدهما و إن علم تاريخ أحدهما دون الآخر فإن كان المعلوم تاريخ عقد الجد قدم على عقد الأب و إن كان عقد الأب قدم على عقد الجد لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في هذه الصورة.

مسألة: يشترط في صحة تزويج الأب و الجد و نفوذه عدم المفسدة و إلا يكون العقد فضوليا كالأجنبي يتوقف صحته على إجازة الصغير بعد البلوغ بل الأحوط مراعاة المصلحة.

مسألة: إذا وقع العقد من الأب و الجد عن الصغير أو الصغيرة مع مراعاة ما يجب مراعاته لا خيار لهما بعد بلوغهما بل هو لازم عليهما.

مسألة: لو زوج الولي الصغيرة بدون مهر المثل أو زوج الصغير بأزيد منه فإن كانت هناك مصلحة تقتضي ذلك صح العقد و المهر و لزم و إن كانت المصلحة في نفس التزويج دون المهر فالأقوى صحة العقد و لزومه و بطلان المهر بمعنى عدم نفوذه و توقفه على الإجازة بعد البلوغ فإن أجاز استقر و الا رجع الى مهر المثل.

مسألة: السفيه المبذر المتصل سفهه بزمان صغره أو حجر عليه للتبذير لا يصح نكاحه إلا بإذن أبيه أو جده أو الحاكم مع فقدهما و تعيين المهر و المرأة إلى الولي و لو تزوج بدون الاذن وقف على الإجازة فإن رأى المصلحة و أجاز جاز و لا يحتاج إلى إعادة الصيغة.

مسألة: إذا زوج الولي المولّى عليه بمن له عيب لم يصح و لم ينفذ سواء كان من العيوب الموجبة للخيار أو غيرها ككونه منهمكا في المعاصي و كونه شارب الخمر أو بذي‌ء اللسان سي‌ء الخلق و أمثال ذلك إلا إذا كانت مصلحة ملزمة في تزويجه و حينئذ لم يكن خيار الفسخ لا له و لا للمولّى عليه إذا لم يكن العيب من العيوب المجوزة للفسخ و إن كان فالظاهر ثبوت الخيار للمولّى عليه بعد بلوغه هذا كله مع علم الولي بالعيب و إلا ففيه تأمل و تردد و إن لا تبعد الصحة مع إعمال جهده في إحراز المصلحة و على الصحة له الخيار في العيوب الموجبة للفسخ كما أن للمولّى عليه ذلك بعد رفع الحجر عنه و في غيرها لا خيار له و لا للولي على الأقوى.

مسألة: ينبغي بل يستحب للمرأة المالكة أمرها أن تستأذن أباها أو جدها و إن لم يكونا فأخاها و إن تعدد الأخ قدمت الأكبر (14).

مسألة: نعم يستحب لها إيثار اختيار وليها على اختيارها بل يكره لها الاستبداد كما أنه يكره لمن يريد نكاحها أن لا يستأذن وليها بل ينبغي مراعاة الوالدة أيضا بل يستحب أن تلقي أمرها إلى أخيها مع عدم الوالد و الوالدة لأنه بمنزلتهما في الشفقة (15).

مسألة: يشترط في ولاية الأولياء البلوغ و العقل و الحرية و الإسلام إذا كان المولّى عليه‌

____________

(14) تحرير الوسيلة ج 2 من ص 233 الى ص 234

(15) جواهر الكلام 29/ 183

50

و هو الأب أو وصيه (1) و القريب العاصب (2) و المعتق (3) و السلطان (4) و المالك (5).

____________

مسلما فلا ولاية للصغير و الصغيرة على أحد بل الولاية في موردها لوليهما و كذا لا ولاية للأب و الجد إذا جنّا و إن جنّ أحدهما يختص الولاية بالآخر و كذا لا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم فتكون للجد إذا كان مسلما و الظاهر ثبوت ولايته على ولده الكافر إذ لم يكن له جد مسلم و إلا فلا يبعد ثبوتها له دون الكافر (16).

(1) أهل البيت (ع): هل للوصي أي القيم من قبل الأب أو الجد ولاية على الصغير و الصغيرة في النكاح؟ فيه إشكال لا يترك الاحتياط (17).

مسألة: للوصي ولاية النكاح على الصبي إذا نص عليه الموصي و كذا على المجنون و اضطر الى التزويج و الأحوط استئذان الحاكم (18).

(2) الحنفية- قالوا: القريب العاصب ليس بشرط بل هو مقدم فإذا عدم تنتقل الولاية لذوي الأرحام كما سيأتي.

أهل البيت (ع): ذكرنا أن الولاية للأب و الجد من طرف الأب و الوصي على قول.

(3) أهل البيت (ع): لا ولاية للمعتق على معتقه في النكاح ذكرا أم أنثى مطلقا.

(4) أهل البيت (ع): ليس للحاكم (الشرعي) ولاية في النكاح على الصغير ذكرا كان أو أنثى مع فقد الأب و الجد و لو اقتضت الحاجة و الضرورة و المصلحة اللازمة المراعاة النكاح بحيث ترتب على تركه مفسدة يلزم التحرز عنها قام الحاكم به و لا يترك الاحتياط بضم إجازة الوصي للأب أو الجد مع وجوده و كذا فيمن بلغ فاسد العقل أو تجدد فساد عقله إذا كان البلوغ و التجدد في زمان حياة الأب أو الجد (19).

(5) المالكية- زادوا الولاية بالكفالة، فمن كفل امرأة فقدت والدها و غاب عنها أهلها فقام بتربيتها مدة خاصة كان له حق الولاية عليها في زواجها، و يشترط لولايته أمران:

أحدهما أن تمكث عنده زمنا يوجب حنانه و شفقته عليها عادة فتخالطه مخالطة الأبناء لآبائهم، فلا يلزم تقدير هذه المدة بزمن معين كأربع سنين أو عشر على الأصح. و الثاني أن تكون دنيئة لا شريفة، و الشريفة في هذا الباب هي ذات الجمال و المال بحيث يوجدان فيها أو أحدهما فإن كانت ذات مال فقط أو جمال فقط فلا ولاية عليها بل يكون وليها الحاكم، و لكن رجع بعضهم أن ولاية الكافل عامة تشمل الشريفة و الدنيئة، فكلا القولين مرجح.

و هل إذا كفلتها امرأة تكون لها ولاية؟ الصحيح لا إذا لا ولاية للنساء، و قيل: تكون لها ولاية و لكن ليس لها مباشرة العقد بل توكل عنها رجلا يباشره.

و كذلك زاد المالكية في الأولياء الولي بالولاية العامة، و الولاية العامة هي ما تكون لكل المسلمين على أن يقوم بها واحد منهم كفرض الكفاية، فإذا وكلت امرأة فردا من أفراد‌

____________

(16) تحرير الوسيلة 2/ 235

(17) تحرير الوسيلة 2/ 234

(18) منهاج الصالحين 2/ 290

(19) تحرير الوسيلة 2/ 234

51

و ترتيب الأولياء في أحقية الولاية مفصل في المذاهب (1).

____________

المسلمين ليباشر عقد زواجها ففعل صح ذلك إذا لم يكن لها أب أو وصية و لكن بشرط أن تكون دنيئة لا شريفة، و هذا معنى ما نقل عن المالكية من أن الدنيئة لا يشترط في صحة عقدها الولي، فإن مرادهم بذلك الولي الخاص أما الولي بالولاية العامة فلا بد منه بحيث لو باشرت عقد زواجها بنفسها لا يصح. و قد خفي ذلك على بعض شراح الحديث فنقلوه عن المالكية مبهما.

أهل البيت (ع): للمولى الولاية على مملوكه ذكرا أم أنثى مطلقا (20).

(1) الحنفية- قالوا: ترتيب الأولياء في النكاح هكذا. العصبة بالنسب أو بالسبب كالمعتق فإنه عصبة بالسبب، فمن أعتق جارية كان له عليها الولاية هو و عصبته و لو كان أنثى، و تقدم العصبة بالنسب على العصبة بالسبب ثم ذوو الأرحام، ثم السلطان ثم القاضي إذا كان ذلك الحق منصوصا عليه في أمر تعيينه.

و ترتيب العصبة هكذا: ابن المرأة ان كان لها ابن و لو من زنا، ثم ابن ابنه و أن سفل، ثم بعد الابن الأب، ثم أب الأب- و هو الجد- و أن علا، ثم الأخ لأب و أم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب و أم، ثم ابن الأخ لأب و هكذا و ان سفلوا. ثم العم لأب و أم، ثم العم لأب، ثم ابن العم لأب و أم، ثم ابن العم لأب و هكذا و ان سفلوا. ثم عم الأب لأب و أم، ثم عم الأب لأب، ثم بنوهما على هذا الترتيب، ثم عم الجد لأب و أم، ثم عم الجد لأب، ثم بنوهما على هذا الترتيب. ثم من بعد هؤلاء ابن عم بعيد، و هو أبعد العصبات إلى المرأة.

فكل هؤلاء لهم ولاية الإجبار على البنت و الذكر في حال الصغر، أما في حال الكبر فليس لهم ولاية الا على من كان مجنونا من ذكر أو أنثى.

و عند عدم العصبة يملك تزويج الصغير و الصغيرة كل قريب يرث من ذوي الأرحام عند أبي حنيفة خلافا لمحمد، و الأقرب عند أبي حنيفة الأم، ثم البنت، ثم بنت الابن، ثم بنت البنت، ثم بنت ابن الابن، ثم بنت بنت البنت. ثم الأخت لأب و أم، ثم الأخت لأب، ثم الأخ و الأخت لأم، ثم أولادهم. و بعد أولاد الأخوات العمات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بنات الأعمام ثم بنات العمات. و أبو الأم أولى من الأخت. ثم مولى الموالاة، ثم السلطان، ثم القاضي و من يقيمه القاضي ا ه‍ مخلصا من الهندية.

و قد تقدم هذا في مباحث الحجر جزء ثاني صفحة 411 من هذه الطباعة مع الفرق بين الولي في المال و الولي في النكاح فارجع اليه ان شئت.

المالكية- قالوا: ترتيب الأولياء في النكاح هكذا: الولي المجبر و هو الأب و وصيه و المالك ثم بعد الولي المجبر يقدم الابن و لو من زنا بأن تزوجت أمه أولا بنكاح صحيح و أتت به بعد ذلك من الزنا ففي هذه الحالة يكون له حق الولاية عليها مقدما على الجميع، أما إذا زنت به ابتداء قبل أن تتزوج فحملت به فإن أباها في هذه الحالة يقدم عليه لأنه يكون وليا مجبرا لها‌

____________

(20) منهاج الصالحين 2/ 291

52

..........

____________

إذ الولي المجبر يجبر البكر و الثيب بالزنا كما ستعرفه بعد، و مثلها المجنونة لأن مجبرها أبوها، و مثل الأب وصيه، ثم بعد الابن يقدم ابن الابن، ثم الأب غير المجبر بشرط أن يكون أبا شرعيا جاءت به منه بنكاح صحيح أما إذا كان أبا من زنا فإنه لا قيمة له فلا ولاية له، ثم الأخ على الصحيح، ثم الأخ لأب، و قيل: الأخ الشقيق و الأخ لأب في مرتبة واحدة، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب على الصحيح أيضا، ثم الجد لأب على المشهور، ثم العم الشقيق، ثم ابنه، ثم العم لأخ، ثم ابنه، ثم أبو الجد، ثم عم الأب، ثم تنقل الولاية إلى كافل المرأة المتقدم ذكره، ثم تنتقل الولاية إلى الحاكم بشرط أن لا يكون قد وضع ضريبة مالية على تولي العقد فان كان كذلك لا تكون له ولاية. و الحاكم يزوجها بإذنها و رضاها بعد أن يثبت عنده خلوها من الموانع و أن لا ولي لها أو لها ولي منعها من الزواج أو غاب عنها غيبة بعيده. ثم ان كانت رشيدة فإن رضاها بالزوج يكفي و إن لم تكن رشيدة فلا بد له أن يتحقق من كفاءة الزوج في الدين و الحرية و السلامة من العيوب و مساواته لها فيما هي عليه من صفات الكمال و المهر، و ذلك لأن الرشيدة لها حق إسقاط الكفاءة المذكورة فمتى رضيت صح، أما غيرها فليس لها ذلك.

فإن لم يوجد حاكم مفسد تنتقل الولاية لعامة المسلمين كما تقدم.

الشافعية- قالوا: ترتيب الأولياء في النكاح هكذا: الأب، ثم الجد أبو الأب، ثم أبوه فإذا اجتمع جدان كان الحق للأقرب، ثم الأخ الشقيق، ثم الأب لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأب لأب، ثم العم الشقيق ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن الأب.

و المراد بالعم ما شمل عم المرأة و عم أبيها و عم جدها، ثم تنتقل الولاية بعد ذلك الى المعتق ان كان ذكرا، ثم عصبته ان وجدت، ثم الحاكم يزوج عند فقد الأولياء من النسب و الولاء.

الحنابلة- قالوا: ترتيب الأولياء هكذا: الأب، وصي الأب بعد موته، الحاكم عند الحاجة- و هؤلاء أولياء مجبرون كما ستعرف- ثم تنتقل الولاية إلى الأقرب فالأقرب من العصبات كالإرث و أحق الأولياء الأب، ثم الجد و أن علا، ثم الابن، ثم ابنه و ان نزل، و عند اجتماع هؤلاء يقدم الأقرب، ثم من بعد الابن يقدم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب. ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم بنوهما و ان نزلوا، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب و ان نزلوا، ثم أعمام الجد، ثم بنوهم، ثم أعمام أبي الجد، ثم بنوهم كذلك و هكذا، فيقدم أولاد الأقرب على أولاد الأعلى، فالأخ لأب و ابنه أولى من العم، و الأخ لأب أولى من ابن الأخ لأنه أقرب، و على هذا القياس، ثم تنتقل الولاية إلى المولى المعتق، ثم عصبته الأقرب فالأقرب، ثم السلطان الأعظم أو نائبه فإن تعذر وكلت رجلا عدلا يتولى عقدها.

أهل البيت (ع): اتفق علماء الإمامية على أن الولاية على الصغيرين و المجنونين و السفيهين للأب و الجد و إن علا و ولاية أحدهما ليست منوطة و مترتبة على ولاية الآخر. قال الامام الخميني (قده): ولاية الجد ليست منوطة بحياة الأب و لا موته فعند وجودهما استقل كل منهما بالولاية و إذا مات أحدهما اختصت بالآخر و أيهما سبق في تزويج المولّى عليه عند‌

53

أقسام الولي

ينقسم الولي إلى قسمين: ولي مجبر (1) له حق تزويج بعض من له عليه الولاية بدون اذنه و رضاه و ولي غير مجبر (2) ليس له ذلك بل لا بد منه و لكن لا يصح له (3) أن يزوج بدون اذن من له عليه الولاية و رضاه. و في تعريف الولي المجبر (4) و غيره تفصيل المذاهب (5).

____________

وجودهما لم يبق محل للآخر و لو زوج كل منهما من شخص فإن علم السابق منهما فهو المقدم و لغا الآخر، و إن علم التقارن قدم عقد الجد و لغا عقد الأب و إن جهل تاريخهما فلا يعلم السبق و اللحوق و التقارن لزم إجراء حكم العلم الإجمالي بكونها زوجة لأحدهما و إن علم تاريخ أحدهما دون الآخر فإن كان المعلوم تاريخ عقد الجد قدم على عقد الأب و إن كان عقد الأب قدم على عقد الجد لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في هذه الصورة.

مسألة: يشترط في صحة تزويج الأب و الجد و نفوذه عدم المفسدة و ألا يكون العقد فضوليا كالأجنبي يتوقف صحته على إجازة الصغير بعد البلوغ بل الأحوط مراعاة المصلحة (21).

مسألة: للوصي ولاية النكاح على الصبي إذا نص عليه الموصي و كذا على المجنون و اضطر الى التزويج و الأحوط استئذان الحاكم.

مسألة: للحاكم الشرعي الولاية على المجنون إذا لم يكن له ولي مع ضرورته الى التزويج و في ولايته على الصبي في ذلك إشكال و الأظهر الجواز مع ضرورته إليه (22).

(1) أهل البيت (ع): ليس لدينا اصطلاح فقهي باسم المجبر و غيره و إنما ذكروا أن الولاية من جهة الأب و إن علا فيجوز لهما أن يجوزا الصغيرين و المجنونين و اختلفوا في ولايتهما على البكر الرشيدة كما تقدم. و أشرنا إلى ولاية الوصي و الحاكم و المولى أيضا فراجع.

(2) الحنفية- قالوا: لا ولي إلا المجبر فمعنى الولاية تنفيد القول على الغير سواء رضي أو لم يرض فليس عندهم ولي غير مجبر يتوقف عليه العقد. و يختص الولي المجبر بإجبار الصغير و الصغيرة مطلقا و المجنون و المجنونة الكبار على تفصيل يأتي في المبحث الذي بعد هذا.

(3) أهل البيت (ع): أشرنا الى ما فيه من التفصيل.

(4) أهل البيت (ع): ليس لدينا مثل هذا المصطلح في الفقه و إنما الوارد هو الولي المتمثل في الأب و الجد من جهة الأب و إن علا كما تقدم.

(5) الشافعية- قالوا: الولي المجبر هو الأب، و الجد و ان علا، و السيد و الولي غير المجبر هو الأب، و الجد، و من يليهم من العصبات المتقدم ذكرهم، و قد عرفت أن الابن ليس وليا عندهم.

المالكية- قالوا: الولي المجبر هو الأب لا الجد، و وصي الأب بعد موته بشرط أن يقول له:

____________

(21) تحرير الوسيلة 2/ 233

(22) منهاج الصالحين ج 2 ص 290

54

مبحث اختصاص الولي المجبر و غيره

يختص الولي المجبر (1) بتزويج الصغيرة و الصغير، و الكبيرة و الكبير إذا جنا، و الكبيرة العاقلة البالغة إذا كانت بكرا حقيقة أو حكما (2) فللولي المجبر تزويج هؤلاء بدون استئذان و رضا بشروط (3)، و يختص الولي غير المجبر بتزويج الكبيرة

____________

أنت وصيي على زواج بناتي، أو أنت وصيي على تزويج بنتي، أو أنت وصيي على أن تزوج بنتي ممن أحببت، أو أنت وصيي على أن تزوجها من فلان، ففي هذه الحالة يكون للوصي حق الإجبار كالأب و لكن لا من كل وجه بل يشترط أن يزوجها بمهر المثل لرجل غير فاسق أو يزوجها لمن عينه له الأب بخصوصه، أما إذا قال له: أنت وصيي على بناتي أو بنتي و لم يذكر التزويج ففيه خلاف و الراجح أنه لا يكون بذلك وليا مجبرا. فإذا قال له أنت وصيي فقط، و لم يذكر بنته أو قال له: أنت وصيي على مالي أو بيع تركتي فإنه لا يكون مجبرا باتفاق.

و الثالث المالك فان له الحق في جبر إمائه على تفصيل مذكور في غير هذا الكتاب.

فالولي المجبر منحصر في الثلاثة المذكورين.

و يستثني من البكر البالغ، البكر التي رشدها أبوها أو وصيه، و معنى يرشدها أن يعلنها بأنها رشيدة كأن يقول لها: رشدتك أو أطلقت يدك أو رفعت الحجر عنك فإنها في هذه الحالة تكون كالثيب فلا تزوج الا برضاها، و يثبت ترشيدها بإقراره أو بالبينة.

و أما الولي غير المجبر فقد تقدم ذكره.

الحنابلة- قالوا: المجبر الأب بخصوصه فلا يجبر الجد كالمالكية، الثاني وصيي الأب يقوم مقامه سواء عين له الأب الزوج أو لا خلافا للمالكية. الثالث الحاكم عند عدم وجوب الأب و وصيه بشرط أن تكون هناك حاجة ملحة تبعث على الزواج.

(1) الحنفية- قالوا: كل ولي مجبر كما تقدم، و لكن لا ولاية الا على الصغير و الصغيرة و المجنون و المجنونة و لو كبارا إلا أن الولي تارة يكون أبا أو جدا و لهما الولاية على الصغار و الكبار إذا كان بهم جنون عند عدم وجود الابن و الا كان ابن المجنونة وليها على المذهب لا أبوها و تارة يكون غير ذلك كما هو مبين في ترتيب الأولياء المتقدم.

أهل البيت (ع): ذكرنا بأن ولاية الأب و الجد من جهة الأب تختص بالصغيرين و المجنونين و لا ولاية لهما على الكبير الرشيد و أما ولايتهما على الباكرة الرشيدة و الكبير السفيه فمحل خلاف.

(2) أهل البيت (ع): إذا زالت بكارتها بغير الوطئ فهي بمنزلة البكر بخلاف ما إذا زالت بالوطى‌ء شبهة أو زنا على الأظهر (23).

(3) أهل البيت (ع): ذكرنا أنه يشترط في صحة تزويج الأب و الجد و نفوذه عدم المفسدة و الا يكون العقد فضوليا كالأجنبي يتوقف صحته على إجازة الصغير بعد البلوغ بل‌

____________

(23) منهاج الصالحين 2/ 290

55

العاقلة البالغة بإذنها و رضاها سواء كانت بكرا أو ثيبا (1) الا أنه لا يشترط في إذن البكر أن تصرح برضائها فلو سكتت بدون أن يظهر عليها ما يدل على الرفض كان ذلك إذنا، أما الثيب فإنه لا بد في أذنها من التصريح بالرضا لفظا فلا يصح العقد بدون أن يباشره الولي على التفصيل المتقدم (2) كما لا يصح للولي أن يعقد بدون إذن المعقود عليها و رضاها، و في كل ذلك تفصيل المذاهب (3).

____________

الأحوط مراعاة المصلحة (24).

مسألة: لو زوج الولي الصغير بدون مهر المثل أو زوج الصغير بأزيد منه فإن كانت هناك مصلحة تقتضي ذلك صح العقد و المهر و لزم و إن كانت المصلحة في نفس التزويج دون المهر فالأقوى صحة العقد و لزومه و بطلان المهر بمعنى عدم نفوذه و توقفه على الإجازة بعد البلوغ فإن أجاز استقر و الا رجع الى مهر المثل.

مسألة: إذا زوج الولي المولّى عليه بمن له عيب لم يصح و لم ينفذ سواء كان من العيوب الموجبة للخيار أو غيرها ككونه منهمكا في المعاصي و كونه شارب الخمر أو بذي‌ء اللسان سي‌ء الخلق و أمثال ذلك إلا إذا كانت مصلحة ملزمة في تزويجه و حينئذ لم يكن خيار الفسخ لا له و لا للمولّى عليه إذا لم يكن العيب من العيوب المجوزة للفسخ و إن كان منها فالظاهر ثبوت الخيار للمولّى عليه بعد بلوغه هذا كله مع علم الولي بالعيب و إلا ففيه تأمل و تردد و إن لا تبعد الصحة مع أعمال جهده في إحراز المصلحة و على الصحة له الخيار في العيوب الموجبة للفسخ كما أن للمولّى عليه ذلك بعد رفع الحجر عنه و في غيرها لا خيار له و لا للولي على الأقوى (25).

و أما الشروط المعتبرة في الولي فهي كما يقول الإمام الخميني:

يشترط في ولاية الأولياء البلوغ و العقل و الحرية و الإسلام إذا كان المولّى عليه مسلما فلا ولاية للصغير و الصغيرة على أحد بل الولاية في موردها لوليهما و كذا لا ولاية للأب و الجد إذا جنّا و إن جنّ أحدهما يختص الولاية بالآخر و كذا لا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم فتكون للجد إذا كان مسلما و الظاهر ثبوت ولايته على ولده الكافر إذا لم يكن له جد مسلم و إلا فلا يبعد ثبوتها له دون الكافر (26).

(1) أهل البيت (ع): اتفق علماء الإمامية على عدم الولاية على البالغة الرشيدة الثيبة بالوطى‌ء و اختلفوا في شأن البكر البالغة الرشيدة فمنهم من نفى الولاية و منهم من أوجبها و منهم من استحسنها كما تقدم.

(2) أهل البيت (ع): مر تفصيل ذلك.

(3) الحنفية- قالوا: يختص الأب و الجد و غيرهما من الأولياء عند عدم وجودهما بتزويج‌

____________

(24) تحرير الوسيلة 2/ 233

(25) تحرير الوسيلة 2/ 233

(26) تحرير الوسيلة 2/ 235

56

..........

____________

الصغير و الصغيرة و إن لم يرضيا بذلك سواء كانت الصغيرة بكرا أو ثيبا و لكن إذا زوجهما الأب أو الجد فلا خيار لهما بعد بلوغهما بشرطين: أن لا يكون معروفا بسوء الاختيار قبل العقد، ثانيهما أن لا يكون سكران فيقضي عليه سكره بتزويجها بغير مهر المثل أو بفاسق أو غير كف‌ء فإذا لم يكن الأب أو الجد معروفا بسوء الاختيار قبل العقد ثم زوج الصغيرة من فاسق أو من غير كف‌ء فإنه يصح و ليس لها اختيار بعد البلوغ، فإذا زوج بعد ذلك بنتا أخرى بهذه الصورة فإنه لا يصح و كان لها حق الاختيار عند البلوغ إذ بزواج الأولى عرف بسوء الاختيار فإذا زوجها المعروف بسوء الاختيار من كف‌ء و بمهر المثل فإنه يصح و لا خيار لها كما إذا زوجها و هو سكران كذلك، أما إذا زوجها غير الأب و الجد فان كان من غير كف‌ء و بغير مهر المثل فان النكاح لا يصح أصلا و أن كان من كف‌ء و بمهر المثل فإنه يصح و يكون لهما حق خيار الفسخ بالبلوغ، فبمجرد أن ترى الصغيرة الدم تشهد أنها فسخت العقد و اختارت نفسها ثم يفرق القاضي بينهما، هذا إذا كان زوجها كبيرا فإن كان صغيرا فرق القاضي بينهما بحضرة أبيه أو وصيه، فإن لم يوجد له أب و لا وصي نصب القاضي وصيا للمخاصمة عن الصغير و يطلب القاضي منه حجة تبطل دعوى الفرقة من بينة على رضاها بالنكاح بعد البلوغ، أو تأخيرها طلب الفرقة فان لم توجد البينة حلفها الخصم فإذا حلفت فرق بينهما الحاكم بدون انتظار بلوغ الولي، فإذا بلغت و هي لا تعلم بالزواج و مضى على بلوغها زمن ثم علمت فلها حق الخيار عقب العلم مباشرة و يفرق بينهما على الوجه المتقدم، فإذا مات الصغير أو الصغيرة قبل فسخ العقد كان لكل منهما أن يرث صاحبه و يلزم الزوج كل المهر، ثم ان كانت الفرقة من قبل الزوجة كانت فسخا لا ينقص عدد الطلاق فلو جدد العقد بعده ملكها بثلاث طلقات، و أما أن كانت من قبلها فطلاق.

و يلحق بالصغير و الصغيرة المجنون و المجنونة و لو كانا كبيرين، فإذا زوج المجنونة الكبيرة ابنها و هو وليها ثم أفاقت لا يكون لها حق الخيار إذا كانا وليها غير معروف بسوء الاختيار على الوجه المتقدم، أما إذا زوجها غير ابنها أو أبيها عند عدم وجود ابنها فان لها حق الخيار بمجرد الإفاقة. و لا يجوز للولي أن يزوج المجنونة الكبيرة بدون اذنها إلا إذا كان جنونها مطبقا، أما إذا كان متقطعا فإنه يجب أن ينتظر وقت إفاقتها و يستأذنها، و مثلها المجنون و المعتوه و المعتوهة.

و يشترط لصحة خيار الصغيرة البكر أن تختار نفسها بمجرد البلوغ كما ذكرناه، فلو رأت دم الحيض مثلا ثم سكتت بطل خيارها بل ينبغي لها أن تقول فورا: اخترت نفسي و نقضت النكاح و بذلك لا يبطل حقها بالتأخير، و مثل ذلك ما إذا كانت جاهلة بالنكاح ثم بلغها الخبر فإنه يلزمها أن تقول فورا: لا أرضى أو فسخت النكاح إلا لضرورة كأن أخذها العطاس أو السعال فقالت بعد انتهائه. و إذا فصلت بين البلوغ و بين اختيار نفسها بالسؤال عن الزوج أو بالسؤال عن المهر أو سلمت على الشهود الذين استدعتهم ليشهدوا بأنها اختارت نفسها فقيل: يبطل خيارها بذلك، و قيل: لا يبطل، و المحققون على أنه لا يبطل بذلك خصوصا تسليمها على الشهود فان السلام عليهم مطلوب قبل الكلام معهم. فإذا كانت الصغيرة ثيبا لا بكرا بأن دخل بها زوجها قبل البلوغ، أو كانت ثيبا قبل أن يعقد عليها فإنه لا يبطل‌

57

..........

____________

خيارها بالسكوت مهما طال الزمن لأن وقت حقها في الخيار العمر كله، و إنما يبطل إذا صرحت بأنها رضيت بالزوج أو مكنته من نفسها أو قبلته أو لامسته، فلو ادعت أنها مكنته من ذلك كرها صدقت لأن الظاهر يصدقها، و مثل الصغيرة الثيب الغلام الصغير إذا زوجه غير الأب و الجد من امرأة ليست بكف‌ء له فلو زوج الأخ مثلا أخاه من امرأة أدنى منه فان له خيار الفسخ عند البلوغ كالصغيرة و الثيب.

و من هذا يتضح أن الكفاءة و ان كانت لا تعتبر من جانب الرجل و لكنها تعتبر إذا كان صغيرا.

هذا و إذا رأت الصغيرة الدم في جوف الليل حيث لا يمكنها إحضار الشهود فان عليها أن تختار نفسها فورا و تفسخ العقد ثم تشهد بمجرد طلوع النهار و لكنها لا تصرح بأنها رأت الدم ليلا بل تقول لهم: اشهدوا بأنني بمجرد أن بلغت فسخت العقد، أو تقول اشهدوا بأنني بالغة الآن و قد فسخت العقد بمجرد البلوغ و لا تقول: انني بلغت ليلا إذ لو قالت ذلك بطل اختيارها. و لا يخفى أن هذه حالة ضرورة.

هذا و ليس للوصي أن يزوج الصغير و الصغيرة سواء أوصى له الأب بزواجهما أو لم يوص. و قد عرفت أنه إذا لم يكن لها ولي من العصب أو ذوي الأرحام كان وليها السلطان أو القاضي المأذون بتزويج الصغيرة من السلطان، فإذا زوجت نفسها في جهة بها قاضٍ انعقد العقد موقوفا على إجازة القاضي، و قيل لا ينعقد و يتوقف على إجازتها بعد بلوغها.

أما البالغة سواء كانت بكرا أو ثيبا فلا جبر عليها لأحد و لا يتوقف نكاحها على ولي بل لها أن تزوج نفسها لمن تشاء بشرط أن يكون كف‌ءا و الا فللولي الاعتراض و فسخ العقد إذا زوجت نفسها من غير كف‌ء. و الا فللأقرب منهم حق الفسخ، فإذا زوجها الولي فإنه يسن له أن يستأذنها بأن يقول لها: فلان يخطبك و نحو ذلك فان زوجها بغير استئذان خالف السنة، و يصح العقد موقوفا على رضاها.

و لا يشترط في البكر أن تصرح بالقبول بل يكفي أن يصدر منها ما يدل على الرضا كأن تسكت أو تبتسم أو تضحك غير مستهزئة أو تبكي بكاء الفرح، أما إذا ظهر منها ما يدل على عدم الرضا كأن تضرب وجهها أو نحو ذلك فإنه لا يكون رضا، هذا إذا زوجها الولي أو وكيله أو رسوله أو زوجها الولي ثم أخبرها رسوله أو أخبرها شخص أجنبي فضولي بشرط أن يكون عدلا فصدر منها ما يدل على الرضا على الوجه المتقدم فإنه يعتبر اجازة للعقد، أما إذا زوجها غير الولي من غير اذنها و رضاها- و هو نكاح الفضولي- ثم بلغها الخبر بالصورة المتقدمة فان اجازة العقد لا يكفي فيها سكوتها بل لا بد أن يصدر منها ما يدل على الرضا دلالة صريحة من قول أو فعل، و دلالة الفعل هو أن تطلب مهرها أو تقبل التهنئة بالسكوت أو الرد عليها، أو تمكن الزوج من الدخول و الوطء أو نحو ذلك. و مثل البكر التي زوجها غير الولي الثيب التي زوجها الولي أو غيره فإنه لا بد فيها من التصريح بالقول أو ما في معناه.

و البكر اسم لامرأة لم تجامع أصلا، و يقال لها: بكر حقيقة فمن زالت بكارتها بوثبة أو‌

58

..........

____________

حيض قوي أو جراحة أو كبر فإنها بكر حقيقة، و مثلها من تزوجت بعقد صحيح أو فاسد و لكن طلقت أو مات عنها زوجها قبل الدخول و الخلوة أو فرق بينهما القاضي بسبب كون زوجها عنينا أو مجبوبا فإنها بكر حقيقة، أما من زالت بكارتها بزنا فإنها بكر حكما بمعنى أنها تعتبر بكرا و أن زالت بكارتها و محل ذلك ما إذا لم يتكرر الزنا و لم تحد به و إلا كانت ثيبا، فالثيب هي الموطوءة بنكاح صحيح أو نكاح فاسد أو بشبهة أو زنا حدث به و لو مرة أو زنا تكرر منها و أن لم تحد به.

المالكية- قالوا: يختص الولي المجبر بجبر الصغيرة، و المجنونة بالغة كانت أو لا. إذا كان جنونها مطبقا بكرا كانت أو ثيبا، أما إذا كانت ثيبا و كان جنونها متقطعا فلا تزوج إلا في حال إفاقتها بعد استئذانها، يختص أيضا بجبر الكبيرة البالغة العاقلة إذا كانت بكرا.

و حد البكر هي التي لم تزل بكارتها بوطء في عقد صحيح أو فاسد يدرأ عنها الحد، أما إذا زالت بكارتها بزنا و لو تكرر منها على الأرجح، أو عارض آخر كتقدم في السن أو صدمة أو غير ذلك فإنها بكر له عليها الجبر.

و يستثني من ذلك البكر التي رشدها أبوها أو وصيه بأن يعلن لها أنها رشيدة مرفوع عنها الحجر بقوله: رشدتك أو أطلقت يدك أو رفعت الحجر عنك أو نحو ذلك، و يثبت رشدها بإقراره أو ببينة و في هذه الحالة لا يكون له عليها جبر فهي بمنزلة الثيب التي زالت بكارتها بالنكاح المتقدم، فلا يصح زواجها إلا بإذنها و رضاها، فللأب و من قام مقامه أن يزوج الصغيرة ثيبا كانت أو بكرا فلو ثيبت الصغيرة قبل البلوغ بنكاح صحيح ثم طلقت و زوجت قبل البلوغ أيضا كان له عليها الجبر، أما إذا بلغت عنده و هي ثيب، فقيل: له عليها الجبر، و قيل: لا و كذلك له أن يجبر المجنونة مطلقا إذا كانت لا تفيق، و يجبر البكر البالغة العاقلة فيزوجهن لمن يحب سواء كان كف‌ءا أو لا و سواء كان بمهر أو لا إلا أنه يشترط أن لا يزوجهن لخصي أو عنين أو مجبوب أو أبرص أو رقيق أو عبد فليس له جبر في هذه الحالة فإن فعل كان للمجبورة خيار الفسخ.

و قد عرفت أن الوصي بالتزويج و أن كان له الجبر الا أنه يزيد على هذا الشرط لا يزوجها لرجل فاسق، و أن لا يكون مهرها دون مهر المثل.

و للولي المجبر من أب و وصي أن يجبر ولده الذكر المجنون جنونا مطبقا إذا خاف عليه الزنا أو الضرر الشديد أو الهلاك و كان الزواج ضروريا متعينا لانقاذه، فان لم يكن له أب و لا وصي أب و كان جنونه قبل البلوغ زوجه الحاكم.

و كذلك لهم جبر الذكر الصغير لمصلحة كتزوجه من شريفة أو غنية أو بنت عم و هل لهؤلاء جبر السفيه أو لا؟ الجواب: أنه إذا خيف عليه الزنا لهم الجبر قطعا، و أن ترتب على تزويجه مفسدة لم يصح قطعا، أما إذا لم يترتب عليه مفسدة و لم يخف عليه الزنا فخلاف. و الأظهر عدم الجبر فان لم يكن عندهم صداق كان صداقهم على الأب، و لو مات يؤخذ من تركته أما إذا كان عندهم أخذ منهم، و مثل الأب الوصي و الحاكم.

أما الولي غير المجبر فليس له تزويج هؤلاء على أي حال على المشهور، فإن فعل يفسخ‌

59

..........

____________

النكاح مطلقا و لو دخل و طال الزمن، و قيل: لا يفسخ بعد الدخول و طول الزمن.

يختص الولي غير المجبر بتزويج من له عليها الولاية بإذنها و رضاها إذا كانت كبيرة عاقلة، فليس له أيضا أن يزوج الصغيرة و من في حكمها مطلقا لأنه ليس له حق التزويج إلا إذا استأذن و رضيت، و الصغيرة لا يعتبر اذنها فتبقى بلا زوج حتى تبلغ، على أنهم استثنوا من ذلك اليتيمة الصغيرة التي يخشى عليها الفساد في مالها أو نفسها إذا بلغت المرغوب في نكاحها، و قدره بعضهم بعشر سنين، و لكن الراجح عدم تعيين مدة بل المدار على خوف الفساد عند ذلك يجبرها وليها على التزويج سواء رضيت أو لم ترض. و لكن يجب عليه أن يشاور القاضي قبل مباشرة العقد فان لم يشاور القاضي فسخ قبل الدخول أما بعد الدخول فإنه يصح و أن لم يطل الزمن، فإذا زوجها الولي غير المجبر بدون أن يخاف عليها الفساد فإنه يصح ان دخل بها و مكث معها زمنا طويلا، قدر بثلاث سنين، أما قبل ذلك فإنه يفسخ.

و له أن يزوج الكبيرة العاقلة بكرا كانت أو ثيبا بإذنها و رضاها كما تقدم، ان كانت بكرا فصمتها رضا، و يندب أن يقول الولي لها: أن سكوتك عن الإجابة رضا منك بالزوج و الصداق و ان نفرت أو منعت فإنه لا يصح أن يزوجها، أما إذا ضحكت أو بكت فإنه علامة الرضا الا إذا قامت قرينة على أن البكاء علامة الرفض. أما الثيب فإنها تبين باللفظ عما في نفسها فلا بد من التصريح بأنها رضيت و أنها تأمر الولي بعقد زواجها على من ذكره لها.

و يلحق بالثيب البكر التي رشدها الأب أو الوصي فإنه لا بد من لفظها صراحة. و البكر التي منعها أبوها من الزواج فرفعت أمرها إلى الحاكم ليزوجها فإنها في هذه الحالة تعرب عما في نفسها بصريح اللفظ فإن أمر الحاكم أباها بتزويجها فزوجها أبوها فإنه لا يحتاج إلى إذنها لأنه مجبر و لم يضع حقه في ذلك. و كذلك التي زوجها ولي غير مجبر بصداق من عروض التجارة و هي من قوم لا يزوجون به فإنه لا بد من رضاها بالصداق صريحا سواء كانت عروض التجارة بعض الصداق أو كله، أما الزوج فيكفي صمتها في الرضا به. و كذا إذا زوجت برجل به عيب يجعل لها فيه الخيار، فإنه لا بد في رضائها به من نطقها حتى و لو زوجها الولي المجبر كما تقدم. و كذلك البكر التي زوجها ولي غير مجبر بغير اذنها ثم بلغها الخبر فرضيت فإنه لا بد من لفظها بأنها رضيت. و هذا هو نكاح الفضولي و انما يصح بشروط:

أحدها: أن يقع العقد بالبلد التي تقطن بها الزوجة. ثانيها: أن يبلغها الخبر عقب العقد أو قريبا منه فترضى بدون تسويف، و قدر لقرب الزمن ثلاثة أيام على الأكثر فإذا علمت بعد ثلاثة أيام فإنه لا يصح، و كذا إذا بلغها في حينه و لكن لم تعلن رضاها به حتى مضت الثلاثة الأيام. ثالثها: أن لا يصرح الولي عند مباشرة العقد بأنه غير مأذون منها، فان صرح يفسخ اتفاقا. رابعها: أن لا ترده عند علمها فان ردته ثم أجازته فإنه لا يصح.

و إذا منع الولي المجبر أو غيره من له عليها الولاية من الكف‌ء الذي رضيت به لا تنتقل الولاية إلى الأبعد بل لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم ليسأله عن سبب امتناعه فإن أظهر سببا معقولا ردها اليه و الا أمره بتزويجها، فان امتنع عن تزويجها بعد أمر الحاكم. و إذا دعت الى‌

60

..........

____________

كف‌ء و دعا وليها الى كف‌ء آخر تعين الكف‌ء الذي دعت إليه هي.

و لكن الولي المجبر يعتبر عاضلا برد أول كف‌ء سواء كان أبا بالنسبة لبنته الثيب و البكر المرشدة أو كان غير أب بالنسبة للجميع. أما الولي المجبر سواء كان أبا أو وصيا فإنه لا يعتبر عاضلا و لو ردّ الكف‌ء ردا متكررا، و انما يعتبر عاضلا إذا ثبت عليه أنه فعل ذلك قاصدا للمنع لأن مجرد رد الخاطب لا يدل على العضل بل قد يكون لمصلحة يعلمها الولي و هو أشفق الناس على بنته فان تحقق قصد الضرر و لو مرة أمره الحاكم بالتزوج، ثم زوج ان لم ينفذ.

الشافعية- قالوا: يختص الولي المجبر بتزويج الصغيرة، و المجنون صغيرا أو كبيرا، و البكر البالغة العاقلة بدون استئذان و رضا بشروط سبعة:

الشرط الأول: أن لا يكون بينه و بينها عداوة ظاهرة، أما إذا كانت العداوة غير ظاهرة فإنها لا تسقط حقه.

الشرط الثاني: أن لا يكون بينها و بين الزوج عداوة أبدا ظاهرة معروفة لأهل الحي و لا باطنة فلو زوجها لمن يكرهها أو يريد بها السوء فإنه لا يصح.

الشرط الثالث: أن يكون الزوج كف‌ءا.

الشرط الرابع: أن يكون موسرا قادرا على الصداق.

و هذه الشروط الأربعة لا بد منها في صحة العقد، فان وقع مع فقد شرط منها كان باطلا أن لم تأذن به الزوجة و ترضى به.

الشرط الخامس: أن يزوجها بمهر مثلها.

الشرط السادس: أن يكون المهر من نقد البلد.

الشرط السابع: أن يكون حالا.

و هذه الشروط الثلاثة شروط لجواز مباشرة الولي للعقد، فلا يجوز له أن يباشر العقد أصلا إلا إذا تحققت هذه الشروط، فاذا فعل كان آثما و صح العقد، على أن اشتراط كون الصداق حالا و كونه من نقد البلد مقيد بما إذا لم تكن العادة جارية بتأجيل الصداق أو بالتزويج بغير نقد البلد كالتزويج بعروض التجارة، فإذا كانت العادة جارية به فإنه يجوز:

و متى تحققت هذه الشروط كان للأب أو الجد إجبار البكر صغيرة كانت أو كبيرة عاقلة أو مجنونة، و لكن يسن استئذانها تطييبا لخاطرها إذا كانت بالغة- و لو كانت سكرى- لأن السكر لا يخرجها عن التكليف فهذا اختصاص الولي المجبر. أما الولي غير المجبر- و هو غير الأب و الجد ممن تقدم ذكره من العصبات و ذوي الولاء و السلطان- فليس له أن يزوج من له عليها الولاية إلا بإذنها و رضاها فان كانت بكرا بالغا فرضاها يعرف بسكوتها عند الاستئذان ما لم تقم قرينة على عدم رضاها كصياح و لطم و نحوه، و هذا بالنسبة للمهر إذا كان دون مهر المثل أو من غير نقد البلد فلا بد من رضا به صريحا، و هذا هو الراجح. و بعضهم يقول:

إذا كان الولي غير مجبر فإنه لا يكفي سكوت البكر بل لا بد من التصريح برضاها بالزوج‌