المسح على الأرجل أو غسلها في الوضوء

- السيد عبد الحسين شرف الدين المزيد...
51 /
5

تقديم

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و آله الطاهرين.

من جملة اهتمامات «المجمع العالمي لأهل البيت (عليه السلام)» التعريف بمدرسة أهل بيت النبوة و العصمة (سلام اللّٰه عليهم) في شتى جوانبها، الفكرية و الفقهية، و بين يدي القارئ الكريم كتاب قيّم عرض فيه مؤلفه الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين (قدّس سرّه) ما ورد عنهم (عليه السلام) في مسألة من المسائل التي وقع فيها الخلاف و كثر فيها الجدال، و هي مسألة «المسح على الأرجل أو غسلها في الوضوء»، و قد أجاد المؤلف (رضوان اللّٰه عليه) الاستدلال و النقض و الإبرام، و كشف اللثام عن وجه الحق فيها حتى سطع، و بين جوانب الضعف في أدلة من خالفهم.

و قد طبع هذا الكتاب عدة مرات خاليا عن الهوامش المفيدة و من دون تحقيق و لا تخريج للأحاديث و الأقوال. مما دفع المجمع العالمي لأهل البيت (عليه السلام) لإعادة طبعه بحلة جديدة مزينة بالهوامش‌

6

و التعليقات الضرورية مما يسهل الأمر على القارئ و المحقق، و يرجع النصوص و الأقوال إلى مصادرها و مآخذها.

نسأل اللّٰه سبحانه و تعالى القبول و هو حسبنا و نعم الوكيل.

المعاونية الثقافية في المجمع العالمي لأهل البيت (عليه السلام)

7

قال السيد عطر اللّٰه مرقده:

اختلف علماء الإسلام في نوع طهارة الأرجل من أعضاء الوضوء، فذهب فقهاء الجمهور و منهم الأئمة الأربعة إلى وجوب الغسل فرضا على التعيين، و أوجب داود بن علي الأصفهاني، و الناصر للحق من أئمة الزيدية، الجمع بين الغسل و المسح (1). و رب قائل منهم بالتخيير بينهما (2)، و الذي عليه الإمامية (تبعا لأئمة العترة الطاهرة (عليه السلام)) مسحها فرضا معينا (3).

حجة الإمامية

هي قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

و قد كفانا الإمام الرازي بيان الوجه في الاحتجاج بهذه الآية بما صدع به مفصلا إذ قال: حجة من قال بوجوب المسح مبنية على‌

____________

(1) نقل ذلك عنهما فخر الدين الرازي حول آية الوضوء من تفسيره الكبير، ج: 11، ص: 161. و كأنهما وقعا في حيرة فالتبس الأمر عليهما بسبب التعارض بين الآية و الأخبار، فأوجبا الجمع عملا بهما معا.

(2) كالحسن البصري، و محمد بن جرير الطبري فيما نقله عنهما الرازي في تفسيره الكبير، ج: 11، ص: 161 و غيره و كأنهما حيث كان كل من الكتاب و السنة حقا لا يأتيه الباطل، رأيا أن كلا من المسح و الغسل حق و أن الواجب أحدهما على سبيل التخيير.

(3) و هذا مذهب ابن عباس و أنس بن مالك و عكرمة و الشعبي و الامام أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) فيما ذكره الرازي في تفسيره، ج: 11، ص: 161 نقلا عن تفسير القفال.

قلت: و عليه سائر أئمتنا (عليهم السلام).

8

القراءتين المشهورتين في قوله وَ أَرْجُلَكُمْ قال: فقرأ ابن كثير و حمزة و أبو عمرو و عاصم- في رواية أبي بكر عنه- بالجر، و قرأ نافع و ابن عامر و عاصم- في رواية حفص عنه- بالنصب (قال): فنقول:

أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل. قال: فإن قيل لم لا يجوز أن يقال: هذا كسر على الجوار، كما في قوله: جحر ضب خرب، و قوله: كبير أناس في بجاد مزمل؟ قلنا: هذا باطل من وجوه: الأول:

أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر، و كلام اللّٰه يجب تنزيهه عنه. و ثانيها: أن الكسر [على الجوار] إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله: جحر ضب خرب، فإن من المعلوم بالضرورة أن الحزب لا يكون نعتا للضب بل للجحر، و في هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل. و ثالثها: أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، و اما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب. (قال): و أما القراءة بالنصب فقالوا أيضا: إنها توجب المسح. و ذلك لأن قوله وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فرؤوسكم في محل النصب [بامسحوا لأنه المفعول به] و لكنها مجرورة [لفظا] بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفا على محل الرؤوس (1) و [جاز] الجر عطفا على‌

____________

(1) و أنشد بعضهم:

معاوي إننا بشر فأسجح * * * فلسنا بالجبال و لا الحديدا

و قال تأبط شرا:

هل أنت باعث دينار لحاجتنا * * * أو عبد رب أخا عون بن مخراق

ينصب عبد عطفا على موضع دينار.

9

الظاهر. (قال): إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله وَ أَرْجُلَكُمْ هو قوله وَ امْسَحُوا (1). و يجوز أن يكون هو قوله فَاغْسِلُوا (2) لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى (3). (قال): فوجب أن يكون عامل النصب في قوله وَ أَرْجُلَكُمْ هو قوله وَ امْسَحُوا، (قال): فثبت أن قراءة و أرجلكم بنصب اللام توجب المسح أيضا. (قال): ثم قالوا:

و لا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد (4) و نسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.

هذا كلامه بلفظه (5) لم يتعقبه، و لكنه قال: إن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، و الغسل مشتمل على المسح و لا ينعكس،

____________

(1) بل يجب ذلك، و لا يجوز كون العامل فاغسلوا لما ستسمعه.

(2) بل لا يجوز ذلك قطعا لاستلزامه عطف الأرجل على الوجوه، و هذا ممنوع باتفاق أهل اللغة لعدم جواز الفصل بين العاطف و المعطوف عليه بمفرد فضلا عن الجملة الأجنبية.

(3) ليس هنا إلا عامل واحد و هو و امسحوا لما بيناه.

(4) بل هي مما لم يثبت عندنا أصلا.

(5) فراجعه في ص: 161 من الجزء الحادي عشر من تفسيره الكبير حول آية الوضوء من المائدة.

10

فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب المصير إليه (1) (قال): و على هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها. إلخ.

قلت: أما أخبار الغسل فستعلم رأي أئمة أهل البيت (عليهم السلام) و أوليائهم فيها قريبا إن شاء اللّٰه تعالى.

و أما قوله بأن الغسل مشتمل على المسح فمغالطة واضحة، بل هما حقيقتان لغة و عرفا و شرعا (2) فالواجب إذا هو القطع بأن غسل الأرجل لا يقوم مقام مسحها. لكن الإمام الرازي وقف بين محذورين هما: مخالفة الآية المحكمة، و مخالفة الأخبار الصحيحة في نظره، فغالط نفسه بقوله: ان الغسل مشتمل على المسح و إنه أقرب إلى الاحتياط و إنه يلزم مقام المسح، ظنا منه أنه قد جمع بهذا الآية و الاخبار، و من أمعن في دفاعه هذا وجده في ارتباك و لولا أن الآية واضحة الدلالة على وجوب المسح ما احتاج إلى جعل الغسل قائماً مقامه، فأمعن و تأمل مليا.

و على هذا المنهاج جرى جماعة من جهابذة الفقه و العربية، منهم الفقيه البحاثة الشيخ إبراهيم الحلبي، إذ بحث الآية في الوضوء من كتابه- غنية المتملي في شرح منية المصلي على المذهب الحنفي- فقال:

قرئ في السبعة بالنصب و الجر، و المشهور أن النصب بالعطف على‌

____________

(1) لا يأتي الاحتياط إلا بالجمع بين المسح و الغسل لكونهما حقيقتين مختلفتين.

(2) لأن الغسل مأخوذ في مفهومه سيلان الماء على المغسول و لو قليلا، و المسح مأخوذ في مفهومه عدم السيلان و الاكتفاء بمرور اليد على الممسوح.

11

وجوهكم و الجر على الجوار. (قال): و الصحيح أن الأرجل معطوفة على الرؤوس في القراءتين، و نصبها على المحل، و جرها على اللفظ، (قال): و ذلك لامتناع العطف على وجوهكم للفصل بين العاطف و المعطوف عليه بجملة أجنبية هي وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ. (قال):

و الأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلا عن الجملة. (قال): و لم نسمع في الفصيح: ضربت زيدا و مررت ببكر و عمرا، بعطف عمرا على زيدا.

(قال): و أما الجر على الجوار فإنما يكون على قلة في النعت، كقول بعضهم: هذا جحر ضب خرب، و في التأكيد كقول الشاعر:

يا صاح بلّغ ذوي الزوجات كلّهم * * *أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب

بجر كلهم على ما حكاه الفراء.

(قال): و أما في عطف النسق فلا يكون، لأن العاطف يمنع المجاورة.

هذا كلامه بنصه (1).

و ممن نهج هذا المنهاج الواضح الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الهادي المعروف بالسندي في حاشيته على سنن ابن ماجة إذ قال (بعد أن جزم بأن ظاهر القرآن هو المسح): و إنما كان المسح هو ظاهر الكتاب لأن قراءة الجر ظاهرة فيه، و حمل قراءة النصب عليها بجعل‌

____________

(1) فراجعه في ص: 16 من غنية المتملي المعروف بحلبي كبير، و هو موجود أيضا في مختصره المعروف بحلبي صغير، و كلاهما منشور مشهور.

12

العطف على المحل أقرب من حمل قراءة الجر على قراءة النصب كما صرح به النحاة. (قال): لشذوذ الجوار و إطراد العطف على المحل.

(قال): و أيضا فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف و المعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح. هذا نصه (1)، لكنه كغيره أوجب حمل القرآن على الأخبار الصريحة بالغسل.

و تفلسف الإمام الزمخشري في كشافه حول هذه الآية إذ قال:

الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح، و لكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها (قال): و قيل: (إلى الكعبين) فجي‌ء بالغاية إماطة لظنّ ظان يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة (2).

هذه فلسفته في عطف الأرجل على الرؤوس، و في ذكر الغاية من الأرجل، و هي كما ترى ليست في شي‌ء من استنباط الأحكام الشرعية من الآية المحكمة، و لا في شي‌ء من تفسيرها، و لا الآية بدالة على شي‌ء منها بشي‌ء من الدوالي، و إنما هي تحكم في تطبيق الآية على مذهبه بدلا عن استنباط المذهب من الأدلة. و قد أغرب في تكهنه بما‌

____________

(1) في تعليقته على ما جاء في غسل القدمين ص: 88 من الجزء الأول من شرح سنن ابن ماجة، و الذين صرحوا بما صرح به الرازي و الحلبي و السندي كثيرون لا يسعنا استقصاؤهم، فحسبنا هؤلاء الأئمة الثلاثة عليهم رحمة اللّٰه تعالى.

(2) الزمخشري، الكشاف، ج: 1، ص: 611.

13

لا يصغي إليه إلا من كان غسل الأرجل عنده مفروغا عنه بحكم الضرورة الأولية، أما مع كونه محل النزاع فلا يؤبه به، و لا سيما مع اعترافهم بظهور الكتاب في وجوب المسح، و حسبنا في ذلك ما توجبه القواعد العربية من عطف الأرجل على الرؤوس الممسوحة بالإجماع نصا و فتوى.

نظرة في أخبار الغسل

أخبار الغسل قسمان: منها ما هو غير دال عليه، كحديث عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص إذ قال- كما في الصحيحين (1)-: تخلّف عنا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في سفر سافرناه معه فأدركنا و قد حضرت صلاة العصر، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى: «ويل للأعقاب من النار» (2).

و هذا لو صح لاقتضى المسح إذ لم ينكره (صلّى اللّه عليه و آله) عليهم بل أقرّهم عليه كما ترى و إنما أنكر عليهم قذارة أعقابهم، و لا غرو فإن فيهم أعرابا حفاة جهلة بوّالين على أعقابهم، و لا سيما في السفر، فتوعّدهم بالنار‌

____________

(1) صحيح البخاري، ج: 1، كتاب العلم، باب 3 و 30، ص: 21 و 32، و ج: 1، كتاب الوضوء، باب 27، ص: 49، و صحيح مسلم، ج: 3، كتاب الطهارة، باب غسل الرجلين، ص:

131.

(2) هذه الكلمة- ويل للأعقاب من النار- جاءت أيضا في حديث كل من عمرو و عائشة و أبي هريرة صحيحة على شرط الشيخين.

14

لئلّا يدخلوا في الصلاة بتلك الأعقاب المتنجسة.

و منها ما هو دال على الغسل، كحديث حمران مولى عثمان بن عفان، إذ قال: رأيت عثمان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض و استنشق و استنثر. الحديث (1). و قد جاء فيه: ثم غسل كل رجل ثلاثا. ثم قال:

رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يتوضأ نحو وضوئي. و مثله حديث عبد اللّٰه بن زيد بن عاصم الأنصاري و قد قيل له: توضأ لنا وضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه. الحديث (2). و في آخره: ثم غسل رجليه إلى الكعبين. ثم قال: هكذا كان وضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله). إلى غير ذلك من أخبار جاءت في هذا المعنى، و فيها نظر من وجوه:

أحدها أنها جاءت مخالفة لكتاب اللّٰه عز و جل و لما أجمعت عليه أئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام) (3). و الكتاب و العترة ثقلا رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) لن يفترقا أبدا و لن تضل الأمة ما إن تمسكت بهما. فليضرب بكل ما خالفهما عرض الجدار.

و حسبك في إنكار الغسل و وهن أخباره ما كان من حبر الأمة‌

____________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، ج: 1، كتاب الوضوء، باب 28، ص: 49.

(2) أخرجه مسلم في صحيحه، ج: 3، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، ص: 122.

(3) أجمعوا (عليهم السلام) على وجوب المسح، و تلك نصوصهم في وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، باب وجوب المسح على الرجلين، ص: 418- 423. و في سائر المؤلفات في فقههم و حديثهم.

15

و عيبة الكتاب و السنة عبد اللّٰه بن عباس إذ كان يحتج للمسح فيقول:

افترض اللّٰه غسلتين و مسحتين، ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين و ترك المسحتين؟ (1).

و كان يقول: الوضوء غسلتان و مسحتان (2). و لما بلغه أن الرّبيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية تزعم أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) توضأ عندها فغسل رجليه، أتاها يسألها عن ذلك، و حين حدثته به قال- غير مصدق بل منكرا و محتجا-: إن الناس أبوا إلا الغسل، و لا أجد في كتاب اللّٰه إلا المسح (3) ثانيها: أنها لو كانت حقا لأربت على التواتر لأن الحاجة إلى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة عامة لرجال الأمة و نسائها، أحرارها و مماليكها، و هي حاجة لهم ماسة في كل يوم و ليلة، فلو كانت غير المسح المدلول عليه بحكم الآية لعلمه المكلفون في عهد النبوة و بعده و لكان مسلّما بينهم و لتواترت أخباره عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في كل عصر و مصر فلا يبقى مجال لإنكاره و لا للريب فيه و لما لم يكن الأمر‌

____________

(1) كما في صفحة 433 من الجزء التاسع من كنز العمال و هو الحديث 26842.

(2) كما في ص 433 من الجزء التاسع من الكنز و هو الحديث 26840. و منه أخذ الإمام الشريف بحر العلوم في منظومته الفقهية درة النجف إذ يقول:

إن الوضوء غسلتان عندنا * * * و مسحتان و الكتاب معنا

فالغسل للوجه و للدين * * *و المسح للرأس و للرجلين

(3) أخرجه ابن ماجة فيما جاء في غسل القدمين من سننه، ج: 1، ح: 458، ص: 156، و غير واحد من أصحاب المسانيد.

16

كذلك ظهر لنا الوهن المسقط لتلك الأخبار عن درجة الاعتبار.

ثالثها: أن الأخبار في نوع طهارة القدمين متعارضة بعضها يقتضي الغسل كحديثي حمران و ابن عاصم و قد سمعتهما، و بعضها يقتضي المسح كالحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه (1)، و رواه كل من أحمد (2) و ابن أبي شيبة (3) و ابن أبي عمر البغوي (4) و الطبراني (5) و الماوردي (6) كلهم من طريق كلّ رجاله ثقات (7) عن أبي الأسود عن عباد بن تميم المازني عن أبيه قال: رأيت رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) يتوضأ و يمسح الماء على رجليه.

و كالذي أخرجه الشيخ في الصحيح عن زرارة و بكير ابني أعين عن الباقر (عليه السلام) أنه حكى وضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) فمسح رأسه و قدميه إلى‌

____________

(1) في الإصابة لابن حجر العسقلاني في ترجمة تميم بن زيد المازني (1/ 187): أخرجه البخاري في تأريخه. و لكننا لم نعثر عليه لا في الصحيح و لا في التأريخ في الطبعات المتوفرة لدينا، و لعله مما أسقطته أيدي التحريف.

(2) مسند أحمد بن حنبل، ج: 4، ح: 16019، ص: 40.

(3) راجع: المصنف لابن أبي شيبة، ج: 1، كتاب الطهارة، باب المسح على القدمين، ص:

30.

(4) راجع تفسير (معالم التنزيل) للبغوي الشافعي، ج: 2، سورة المائدة، الآية (6)، ص: 16.

(5) الطبراني، المعجم الكبير، ج: 2، ح: 1286، ص: 60.

(6) لم نعثر على الحديث في كتاب الحاوي الكبير للماوردي و لكن هناك آخر في معناه.

(7) وصفهم بكونهم كلهم ثقات ابن حجر العسقلاني حيث أورد هذا الحديث في ترجمة تميم بن زيد من الجزء الأول من الإصابة، ص: 187، نقلا عمن ذكرناهم من أصحاب المسانيد.

17

الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماء (1).

و كما في مجمع البيان عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) فمسح على رجليه (2).

و حيث تعارضت الأخبار كان المرجع كتاب اللّٰه عز و جل لا نبغي عنه حولا.

____________

(1) راجع وسائل الشيعة للحر العاملي، ج: 1، كتاب الطهارة، باب 23، ح: 1076، ص: 414.

(2) الطبرسي، مجمع البيان، ج: 3، ص: 164.

18

نظرة في احتجاجهم هنا بالاستحسان

ربما احتج الجمهور على غسل الأرجل أنهم رأوه أشد مناسبة للقدمين من المسح كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل إذ كان القدمان لا ينقّى دنسهما إلا بالغسل غالبا بخلاف الرأس فإنه ينقّى غالبا بالمسح.

و قد قالوا: إن المصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة، حتى الشرع لاحظ فيها معنيين: معنى مصلحيا و معنى عباديا، و عنوا بالمصلحي ما يرجع إلى الأمور المحسوسة، و بالعبادي ما يرجع إلى زكاة النفس.

فأقول: نحن نؤمن بأن الشارع المقدس لاحظ عباده في كل ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية، فلم يأمرهم إلا بما فيه مصلحتهم، و لم ينههم إلا عما فيه مفسدة لهم، لكنه مع ذلك لم يجعل شيئا من مدارك تلك الأحكام منوطا من حيث المصالح و المفاسد بآراء العباد، بل تعبّدهم بأدلّة قوية عيّنها لهم، مندوحة عنها إلى ما سواها، و أول تلك الأدلّة الحكيمة كتاب اللّٰه عز و جل و قد حكم بمسح الرؤوس و الأرجل في الوضوء، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه، أما نقاء الأرجل من الدنس فلا بد من إحرازه قبل المسح عليها، عملا بأدلّة خاصة دلّت‌

19

على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه (1)، و لعل غسل رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) المدّعى في أخبار الغسل إنما كان من هذا الباب، و لعله كان من باب التبرّد أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء و اللّٰه تعالى أعلم.

تنبيه

أخرج ابن ماجة فيما جاء في غسل القدمين من سننه من طريق أبي إسحاق عن أبي حية، قال: رأيت عليا توضأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثم قال: أردت أن أريكم طهور نبيكم (2) (صلّى اللّه عليه و آله).

قال السندي- حيث انتهى إلى هذا الحديث في تعليقته على السنن-: هذا رد بليغ على الشيعة القائلين بالمسح على الرجلين حيث «الغسل» من رواية علي. (قال): و لذلك ذكره المصنف من رواية علي و بدأ به الباب. و لقد أحسن المصنف و أجاد في تخريج حديث علي في هذا الباب. جزاه اللّٰه خيرا (3).

____________

(1) و لذا ترى حفاة الشيعة و العمال منهم كأهل الحرث و أمثالهم و سائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطة بالطهارة إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثم توضأوا فمسحوا عليها نقية جافة.

(2) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 1، كتاب الطهارة، باب غسل القدمين، ح: 456، ص: 155.

(3) هامش المصدر السابق.

20

هذا كلامه بلفظه عفا اللّٰه عنه و عن الإمام ابن ماجة و سائر علماء الجمهور، فإنهم يعلمون سقوط هذا الحديث بسقوط سنده من عدة جهات:

الأولى: أن أبا حيّة راوي هذا الحديث نكرة من أبهم النكرات، و قد أورده الذهبي في الكنى من ميزانه فنص على أنه لا يعرف، ثم نقل عن ابن المديني و أبي الوليد الفرضي النص على أنه مجهول. ثم قال:

و قال أبو زرعة: لا يسمى (1)، قلت: أمعنت بحثا عن أبي حية فما أفادني البحث إلا مزيد الجهل به، و لعله إنما اختلقه مختلق حديثه و اللّٰه تعالى أعلم.

الثانية: أن هذا الحديث تفرّد به أبو إسحاق (2)، و قد شاخ و نسي و اختلط فتركه الناس (3)، و لم يروه عنه إلا أبو الأحوص و زهير بن معاوية الجعفي (4)، فعابهم الناس بذلك (5). و لا غرو فإن المحدث إذا‌

____________

(1) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 4، الكنى، ترجمة رقم 10138، ص: 519.

(2) كما نص عليه الذهبي حيث أورد أبا حيّة في الكنى من ميزانه ج: 4، ص: 519، فقال:

تفرد عنه أبو إسحاق بوضوء علي فمسح رأسه ثلاثا و غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا.

(3) كما هو مذكور في أحواله- و اسمه عمرو بن عبد اللّٰه السبيعي- من معاجم التراجم كميزان الاعتدال ج: 3، ترجمة رقم 6393، ص: 27، و غيره.

(4) كما نص عليه الذهبي إذ أورد أبا حيّة و حديثه هذا في ميزان الاعتدال، ج: 4، ص: 519.

(5) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 2، ترجمة رقم 2921، ص: 86، قال: قال الإمام أحمد- و قد ذكر زهير بن معاوية هو ثبت فيما روى عن المشايخ- (قال): و في حديثه عن أبي إسحاق لين سمع منه بآخره، انتهى، و قال أبو زرعة: زهير بن معاوية ثقة، إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط، انتهى. و قال الذهبي (بعد أن نقل عن أحمد و أبي زرعة ما قد سمعت): قلت: لين روايته عن أبي إسحاق من قبل أبي إسحاق لا من قبله.

21

اختلط سقط من حديثه كل ما لم يحرز صدوره عنه قبل الاختلاط، سواء أعلم صدوره بعد الاختلاط كهذا الحديث، أم جهل تاريخ صدوره، لأن العلم الإجمالي في الشبهات المحصورة يوجب اجتناب الأطراف كلها كما هو مقرر في أصول الفقه.

الثالثة: أن هذا الحديث يعارض الأحاديث الثابتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و عن أبنائه (عليه السلام) الميامين، أهل بيت النبوة و موضع الرسالة و مختلف الملائكة و مهبط الوحي و التنزيل، و يخالف كتاب اللّٰه عز و جل، فليضرب به عرض الجدار.

22

إلى الكعبين

الكعبان في آية الوضوء هما مفصلا الساقين من القدمين (1) بحكم الصحيح عن زرارة و بكير ابني أعين، إذ سألا الإمام الباقر (عليه السلام) عنهما (2)، و هو الظاهر مما رواه الصدوق عنه أيضا (3)، و قد نص أئمة اللغة على أن كل مفصل للعظام كعب (4).

و ذهب الجمهور إلى أن الكعبين هنا إنما هما العظمان النابتان في جانبي كل ساق (5). و احتجوا بأنه لو كان الكعب مفصل الساق عن القدم لكان الحاصل في كل رجل كعبا واحدا فكان ينبغي أن يقول و أرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقا واحدا قال وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ.

____________

(1) و قيل هما قبتا القدمين كما في التهذيب للطوسي، ج: 1، ص: 74. و الأول أحوط و أقوى.

(2) الشيخ الطوسي، التهذيب، ج: 1، ح: 191/ 40، ص: 76. في حديث رواه بسنده الصحيح إليهما، و قد قالا للإمام (عليه السلام): فأين الكعبان؟ قال (عليه السلام): ها هنا، يعني: المفصل دون عظم الساق.

(3) روى الصدوق في «من لا يحضره الفقيه»، ج: 1، باب صفة وضوء النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، ص: 36، عن الباقر (عليه السلام) و قد حكى صفة وضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: و مسح على مقدم رأسه و ظهر قدميه دون عظمي الساقين.

(4) و معاجم اللغة تعلن ذلك، فراجع مثلا: القاموس المحيط للفيروزآبادي، ج: 1، ص: 124، مادة «كعب».

(5) الرازي، التفسير الكبير: ج: 11، ص: 162.

23

(قلت): و لو قال هنا إلى المرفقين لصح بلا اشكال، و يكون المعنى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى مرفقي كل منكم، وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ من كل منكم، فتثنية الكلمتين في الآية و جمعها في الصحة سواء، و كذلك جمع إحداهما و تثنية الأخرى و لعل التفنّن في التعبير قد اقتضاه.

هذا إذا كان الحاصل في كل رجل كعبا واحدا، أما إذا كان الحاصل في كل رجل كعبين فلا يبقى لكلامهم وجه، و قد أجمع علماء التشريح على أن هناك عظما مستديرا مثل كعب البقر و الغنم تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق و القدم يسمى كعبا أيضا (1)، و عليه فمسح كل رجل ينتهي إلى كعبين اثنتين هما المفصل نفسه و الكعب المستدير تحته. و في تثنية الكعب في الآية دون المرفق نكتة لطيفة و إشارة إلى ما لا يعلمه إلا علماء التشريح فسبحان الخلّاق العليم الحكيم.

____________

(1) و قد ذهب محمد بن الحسن الشيباني و الأصمعي إلى ان الكعب في آية الوضوء إنما هو هذا العظم تحت الساق. و كان الأصمعي يقول: إن العظمين الناتئين في جانب الساق يسميان المنجمين، و ظن الرازي أن هذا هو مذهب الإمامية، فرد عليهم بأن العظم المستدير الموضوع تحت الساق شي‌ء خفي لا يعرفه إلا المشرحون بخلاف الناتئين في طرفي كل ساق فإنهما محسوسان قال: «و مناط التكاليف الظاهرة يجب أن يكون شيئا ظاهرا» كما في تفسيره الكبير، ج: 11، ص: 162، و الجواب: أن الرازي لما رأى الإمامية يمسحون إلى مفصل الساق ظنهم يقولون بما قاله الشيباني و الأصمعي، و لم يدر أن الكعب عندهم هو المفصل نفسه المحسوس المعلوم لكل أحد.

24

المسح على الخفّين و الجوربين

اختلف فقهاء الإسلام في المسح على الخفين و الجوربين اختلافا كثيرا لا يحاط به في هذه العجالة، و بالجملة فالبحث عنه يتعلق بالنظر في جوازه و عدم جوازه، و في تحديد محلّه، و في تعيين محلّه، و في صفة محلّه، و في توقيته، و في شروطه، و في نواقضه.

أما الجواز ففيه ثلاثة أقوال:

أحدها: الجواز مطلقا سفرا و حضرا.

ثانيها: الجواز في السفر دون الحضر.

ثالثها: عدم الجواز بقول مطلق لعدم ثبوته في الدين. و الأقوال الثلاثة مروية عن الصدر الأول و عن مالك (1).

و أما تحديد محلّه فاختلفوا فيه أيضا بين قائل بأن الواجب من ذلك مسح أعلى الخف و أن مسح أسفله مستحب (2). و قائل بأن الواجب مسح ظهورها و بطونها (3)، و قائل ثالث بأن الواجب مسح الظهور‌

____________

(1) نص على هذا الإمام الفقيه الأصولي الفيلسوف ابن رشد في ص 18 من الجزء الأول من كتابه بداية المجتهد و نهاية المقتصد.

(2) هذا رأي الشافعي، انظر ابن رشد، ص: 19.

(3) هذا مذهب ابن نافع، انظر المصدر السابق.

25

دون البطون، فإن مسح البطون لا واجب و لا مستحب (1)، و رب قائل بالتخيير بين مسح الباطن و الأعلى فأيهما مسح كان واجبا (2).

و أما نوع المحل فإن القائلين بالمسح على الخفّين اختلفوا في المسح على الجوربين فأجازه قوم و منعه آخرون (3).

و أما صفة الخف فقد اختلفوا في المسح على الخف المخرّق، فمنهم من قال بجواز المسح عليه ما دام يسمى خفا و إن تفاحش خرقه (4)، و منهم من منع أن يكون في مقدم الخف يظهر منه القدم و لو يسيرا (5)، و منهم من أجاز المسح عليه بشرط أن يكون الخرق يسيرا (6).

و أما التوقيت فقد اختلفوا فيه، فمنهم من ذهب إلى أنه غير مؤقت و أن لابس الخفّين يمسح عليهما ما لم ينزعهما أو تصيبه جنابة (7)، و منهم من ذهب إلى أن ذلك مؤقت بوقت خاص للحاضر و وقت آخر للمسافر (8)، و لهم هنا اختلاف في وصف السفر و اختلاف في مسافته.

____________

(1) هذا مذهب أبي حنيفة و داود و سفيان و جماعة آخرين، انظر المصدر السابق.

(2) هذا رأي أشهب، انظر المصدر السابق.

(3) أجازه سفيان الثوري و أبو يوسف و محمد بن الحسن الشيباني، و منعه أبو حنيفة و الشافعي و آخرون، انظر المصدر السابق.

(4) هذا مروي عن سفيان الثوري، انظر ابن رشد، ص: 20.

(5) هذا أحد قولي الشافعي في المسألة، انظر المصدر السابق.

(6) هذا مروي عن مالك و أصحابه، و حدد أبو حنيفة الخرق بأن يكون أقل من ثلاثة أصابع، انظر ابن رشد، ص: 20.

(7) هذا مروي عن مالك، انظر ابن رشد، ص: 21.

(8) هذا مذهب أبي حنيفة و الشافعي، انظر المصدر السابق.

26

و أما شرط المسح على الخفّين فهو أن تكون الرجلان طاهرتين عند لبس الخفّين بطهر الوضوء، و هذا الشرط قال به أكثرهم، لكن روي عن مالك عدم اشتراطه (1). و اختلفوا في هذا الباب فيمن غسل رجليه و لبس خفّيه ثم أتمّ وضوءه هل يكتفي بما كان منه من غسل رجليه قبل لبسهما أم لا بد من المسح عليهما؟ فهنا قولان (2).

و أما النواقض المختلف فيها فمنها نزع الخف. فقد قال قوم ببقاء طهارته إذا نزع خفّيه، حتى يحدث حدثا ينقض الوضوء و ليس عليه غسل رجليه (3)، و قال بعضهم بانتقاض طهارته بمجرّد نزع خفّيه (4)، و قال آخرون ببقاء طهارته إن غسل قدميه بعد نزع الخفّين، أما إذا صلّى و لم يغسلهما أعاد الصلاة بعد غسلهما (5). إلى غير ذلك من أقوال لهم مختلفة و مذاهب تتعلق بالمسح على الخفّين متباينة لسنا الآن في صدد تفصيلها.

و الذي عليه الإمامية خلفا عن سلف- تبعا لأئمة العترة الطاهرة (عليه السلام)- عدم جواز المسح على الخفّين، سواء أ كان ذلك في‌

____________

(1) ذكر ذلك ابن لبانة في المنتخب، و قد روى عن ابن القاسم عن مالك، انظر المصدر السابق.

(2) فممن قال بالاكتفاء أبو حنيفة، و ممن قال بعدمه الشافعي، انظر ابن رشد، ص: 22.

(3) و ممن قال بهذا القول داود و ابن أبي ليلى، انظر ابن رشد، ص: 23.

(4) هذا رأي الحسن بن حي، انظر ابن رشد، ص: 23.

(5) ممن قال بذلك الشافعي، و بكل واحد من هذه الأقوال الثلاثة قالت طائفة من فقهاء التابعين، انظر ابن رشد، ص: 22.

27

الحضر أم في السفر، و حسبنا حجة على هذا قوله عز من قائل:

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، لاقتضائه فرض المسح على الأرجل أنفسها.

فمن أين جاء المسح على الخفّين؟ أنسخت هذه الآية؟ أم هي من المتشابهات؟ كلا بل هي- إجماعا و قولا واحدا- من المحكمات اللاتي هنّ أم الكتاب، و قد أجمع المفسرون (1) على أن لا منسوخ في سورة المائة المشتملة على آية الوضوء إلا آية واحدة هي يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُحِلُّوا شَعٰائِرَ اللّٰهِ (2)، إذ قال بعضهم بنسخها دون ما سواها من آيات تلك السورة المباركة.

أما الأخبار الدالة على الترخيص بالمسح على الخفّين فلم يثبت منها شي‌ء على شرطنا، و قد دلّنا على و هنها مضافا إلى ذلك أمور:

أحدها: أنها جاءت مخالفة لكتاب اللّٰه عز و جل، و المأثور عن رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّٰه فإن وافقه فاقبلوه و إلا فردّوه (3).

ثانيها: أنها جاءت متعارضة في أنفسها، و لذا كثر الاختلاف بين مصححيها العاملين على مقتضاها كما علمته، مما أشرنا إليه قريبا،

____________

(1) نقل هذا الإجماع فخر الدين الرازي ص: 130 من الجزء الحادي عشر من تفسيره الكبير.

(2) المائدة: 2.

(3) تجد هذا الحديث في ص: 163 من الجزء الحادي عشر من تفسير الرازي.

28

فإنهم إنما تعارضوا في أقوالهم لتعارضها، إذ هي مستندهم في تلك الأقوال (1).

ثالثها: إجماع أئمة العترة الطاهرة «علي و بنيه الأوصياء (عليه السلام)» على القول بعدم جواز المسح على كل حائل، سواء في ذلك الخف و الجورب و الحذاء و غيرها من سائر الأجناس و الأنواع (2)، و أخبارهم صريحة بالمعارضة لأخبار الجمهور (3) الدالة على الجواز، و القاعدة المسلّمة في الأخبار المتعارضة تقديم ما وافق منها كتاب اللّٰه عز و جل. هذا إذا تكافأت سندا و دلالة، و أنّى يكافأ ثقل رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) و أعدال كتاب‌

____________

(1) كما اعترف به ابن رشد في أول صفحة 19 من الجزء الأول من بدايته، حيث ذكر اختلافهم في تحديد محل المسح. فقال: و سبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك، و اعترف به أيضا في ص: 19 حيث ذكر اختلافهم في توقيت المسح إذ قال: و السبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك. (قال): و ذلك انه ورد في هذا ثلاثة أحاديث. ثم أوردها بنصها فكان الأول فيها صريحا في كون الوقت ثلاثة أيام و لياليهن للمسافر و يوما و ليلة للمقيم، و كان الثاني نصا في الترخيص بالمسح على الخفّين ما بدا للمكلّف ان يمسح من غير توقيت لا في الحضر و لا في السفر، و كان نص الثالث مخالفا لسابقيه. و من أراد التوسّع في معرفة اختلاف الأئمة الأربعة حول هذه المسألة فعليه بكتاب الفقه على المذاهب الأربعة الذي أخرجته وزارة الأوقاف المصرية.

(2) روى إجماعهم (عليه السلام) على هذا غير واحد من أعلام الإمامية، أحدهم الإمام السيد علي الطباطبائي في كتابه البرهان القاطع، ج: 1، كتاب الطهارة، كيفية مسح الرجلين، ص: 275- 280، و أعلام الإمامية يدينون للّٰه متقربين اليه بالعمل على ما يقتضيه مذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في الفروع و الأصول منذ عهدهم (عليهم السلام) إلى يومنا، فهم أعرف الناس بفقههم و حديثهم و سرّهم و علانيتهم.

(3) أخبارهم المعارضة لأخبار الجمهور في هذه المسألة كثيرة، حتى قال الإمام الطباطبائي في برهانه القاطع، ج: 1، كتاب الطهارة، كيفية مسح الرجلين، ص: 277 حيث ذكرها: و لا يبعد تواترها.

29

اللّٰه تعالى و سفن نجاة الأمة و باب حطتها و أمانها من الاختلاف.

رابعها: أنها لو كانت حقا لتواترت في كل عصر و مصر، لأن الحاجة إلى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة- كما قلنا سابقا- عامة لرجال الأمة و نسائها، و هي حاجة لهم ماسة في كل يوم و ليلة من أوقات حضرهم و سفرهم، فلو كانت غير المسح المدلول عليه بالآية لعلمه المكلّفون في عهد النبوّة و بعده، و لكان مسلّما بينهم في كل خلف، و لا سيما مع مجيئه عبادة محضة غير معقولة المعنى (1)، غريبة في باب العبادات، تستوجب الشهرة بغرابتها، و لما لم يكن الأمر كذلك ظهر لنا و هن أخبارها المسقط لاعتبارها.

خامسها: أنه لو فرض صحتها لوجب أن تكون منسوخة بسورة المائدة، لأنها آخر سورة نزلت، و بها أكمل اللّٰه الدين و أتم النعمة و رضي الإسلام دينا، فواجبها واجب إلى يوم القيامة و حرامها حرام إلى يوم القيامة، كما نصّت عليه أم المؤمنين عائشة، و قد قالت لجبير بن نفير- إذ حج فزارها-: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم. قالت: أما أنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه و ما وجدتم من حرام فحرّموه (2).

____________

(1) لكن الإمام أبا حنيفة يرى أن الوضوء من الواجبات التوصلية، لا تتوقف صحته على نية كغسل الثوب المتنجس، و هذا الرأي في المسح على الخفّين في الخصوص كما ترى، راجع: الفقه على المذاهب الخمسة، محمد جواد مغنية، ص: 35.

(2) أخرجه الحاكم في أول تفسير سورة المائدة ص: 311 من الجزء الثاني من المستدرك، ثم أخرج نحوه عن عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص، و قال بعد إيراد كل من الحديثين: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، و قد أورده الذهبي في تلخيصه مرمزا الى صحته على شرط الشيخين.

30

لكن الجمهور يتشبّثون في بقاء حكم المسح على الخفّين بعد نزولها بحديث جرير، إذ بال ثم توضأ و مسح على خفّيه. فقيل: تفعل هذا؟

فقال: نعم رأيت رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) بال ثم توضأ و مسح على خفّيه (1).

رواه مسلم، و روى أن هذا الحديث كان يعجبهم، و علّل ذلك بأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة (2).

قلت: بل أسلم قبل نزول المائدة بدليل حضوره حجة الوداع مع رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد أمره (صلّى اللّه عليه و آله) يومئذ- كما في ترجمته من الإصابة نقلا عن الصحيحين- أن يستنصت الناس (3).

فإسلامه لا بد أن يكون قبل تلك الحجة، و نزول المائدة لم يكن قبلها يقينا (4).

و أيضا أخرج الطبراني عن جرير قال: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله): (إن‌

____________

(1) مسلم، صحيح مسلم، ج: 3، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفّين، ص: 164.

(2) قال النووي في تعليقه على هذا الكلام: إن اللّٰه تعالى قال في سورة المائدة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فلو كان إسلام جرير متقدما على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخا بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخرا علمنا أن حديثه يعمل به. إلى آخر كلامه. قلت: من أين لنا العلم بتأخره و قد بيّنا في الأصل تأخّر المائدة؟

(3) العسقلاني، الإصابة، ج: 1، ص: 234.

(4) و حسبك ما أخرجه البخاري في صحيحه في الجزء الخامس في كتاب التفسير في تفسيره لسورة المائدة من نزول بعض آياتها على رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم عرفة و هو على راحلته في حجة الوداع.

31

أخاكم النجاشي قد مات) (1) و موت النجاشي إنما كان قبل نزول المائدة إذ لا كلام في انه مات قبل السنة العاشرة (2).

و للقسطلاني هنا تشبّث آخر غريب إذ قال- حول المسح على الخفّين-: و ليس المسح بمنسوخ، لحديث المغيرة [الصريح بمسح النبي (صلّى اللّه عليه و آله) خفّيه] في غزوة تبوك، و هي آخر غزواته، و المائدة نزلت قبلها في غزوة المريسيع. إلى آخر كلامه (3).

قلت: غزوة المريسيع هي غزوة بني المصطلق، كانت لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس، و قيل: سنة أربع كما في صحيح البخاري (4) نقلا عن ابن عقبة، و عليه جرى النووي في الروضة، و قيل: سنه ست للهجرة، و قد نزلت بعدها المائدة و كثير من السور، و إنما نزلت فيها آية التيمّم، و هي قوله تعالى في سورة النساء وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَفُوًّا غَفُوراً.

و الرواية في ذلك ثابتة عن عائشة أخرجها الواحدي في كتابه‌

____________

(1) الطبراني، المعجم الكبير، ج: 2، ح: 2346، ص: 323.

(2) ابن الأثير، الكامل في التأريخ، ج: 2، ص: 292 يقول: في السنة التاسعة نعى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) النجاشي للمسلمين.

(3) القسطلاني، إرشاد الساري، ج: 1، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين، ص: 499.

(4) صحيح البخاري، ج: 5، كتاب المغازي، غزوة المريسيع، ص: 54.

32

أسباب النزول (1)، فراجع، لتكون على يقين من أن القسطلاني قد اشتبهت عليه آية الوضوء بآية التيمم، على أن المغيرة و جريرا ممن لا نحتج بهم، و عن قريب تقف على ما أرابنا في المغيرة، و لجرير سيرة مع الوصي (عليه السلام) أوجبت لنا الريب فيه أيضا.

سادسها: أن عائشة أم المؤمنين كانت- على مكانتها من الدراية و الفطنة و مكانها من مهبط الوحي و التشريع- تنكر المسح على الخفّين أشد الإنكار، و ابن عباس- و هو حبر الأمة و عيبة الكتاب و السنة بلا مدافع- كان من أشد المنكرين أيضا، و قد بلغا في إنكارهما أبعد غاية يندفع فيها المنكر اندفاع الثائر، ألا تمعن معي في قولها (2): لأن تقطع قدماي أحب إليّ من أن أمسح على الخفّين. و في قوله: لأن أمسح على جلد حمار أحب إليّ من أن أمسح على الخفّين.

بجدك هل يجتمع هذا الشكل من الإنكار مع اعتبار تلك الأخبار؟! كلّا بل لا يجتمع مع احترامها، و إذا كانت هذه أقوال المشافهين بها العارفين بغثّها و سمينها، فكيف يتسنّى لنا الركون إليها على بعدنا المتنائي عنها قرونا و أحقابا؟

و من أمعن محررا في إنكار الأدنين من رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) كزوجته و ابن عمه و سائر الهداة القادة من عترته اضطرّه ذلك إلى الريب في تلك‌

____________

(1) الواحدي، أسباب النزول، ص: 102.

(2) تجد قولها هذا في صفحة 163 من الجزء الحادي عشر من تفسير الرازي، و هناك كلمة ابن عباس.

33

الأخبار.

و من هنا نعلم أن القول بتواترها إسراف و جزاف. أ تبلغ حد التواتر ثم يجهلها هؤلاء السفرة البررة؟! أو يتجاهلونها؟! سُبْحٰانَكَ هٰذٰا بُهْتٰانٌ عَظِيمٌ.

بل لو كانت متواترة ما أنكرها عبد اللّٰه بن عمر (1) و الإمام مالك في إحدى الروايتين عنه (2) و لا غيرهما من السلف الصالح و صالح المؤمنين.

و أجحف كل الإجحاف من قال: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفّين (3)، و يرى أن المسح على الخفّين لا هو من أصول الدين، و لا هو من الضروريات من فروعه، و لا هو مما افترضه الكتاب، و لا هو- بإجماع الأمة- مما أوجبته السنة، و إنما هو مجرد رخصة عند قوم من المسلمين دون آخرين منهم. فأي جناح بتركه عملا بما افترضته آية الوضوء؟ و قد أجمع أهل القبلة على صحة العمل بمقتضاها، و تصافقوا على استباحة الصلاة بذلك. بخلاف المسح على‌

____________

(1) قال عطاء كما في ص: 164 من الجزء الحادي عشر من تفسير الرازي: كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفّين، لكنه لم يمت حتى وافقهم. قلت: و إنكاره على سعد إذ رآه يمسح على خفّيه ثابت في صحيح البخاري، ج: 1، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفّين، ص: 58.

(2) تجد الروايتين عنه في ص: 164 من الجزء الحادي عشر من تفسير الرازي، و في مظان ذلك من الكتب الفقهية.

(3) فممن قال ذلك الكرخي، كما نقله عنه القسطلاني في إرشاد الساري، ج: 1، كتاب الوضوء، باب المسح على الخف، ص: 499.

34

الخفّين، فإن صحة الوضوء معه و رفع الحديث به و استباحة الصلاة فيه محلّ خلاف بين المسلمين. فهل يخشى الكفر على من أخذ بالاحتياط؟! و ما رأيكم في عائشة و علي (عليه السلام) و ابن عباس و سائر أهل البيت (عليهم السلام) إذ لم يروا المسح على الخفّين يا مسلمون؟!

المسح على العمامة

ذهب علماؤنا إلى عدم جواز المسح على العمامة، و هذا مذهب الشافعي و أبي حنيفة و مالك، و خالف الإمام أحمد بن حنبل و أبو ثور و القاسم بن سلام و الأوزاعي و الثوري (1). و الخلاف منقول عن غيرهم أيضا، فقالوا بالجواز قياسا على الخف، و عملا بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) مسح بناصيته و على العمامة، و في بعض طرقه أنه مسح على العمامة و لم يذكر الناصية (2).

و حسبنا كتاب اللّٰه عز و جل وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ و سنة رسوله مسحه بناصيته (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذا مسلّم لا يحتاج إلى بيان و الإجماع منعقد عليه منقولا و محصلا و الحمد للّٰه رب العالمين.

____________

(1) هذا الخلاف نقله ابن رشد في بدايته، ج: 1، ص: 13، عن أحمد و أبي ثور و القاسم بن سلام، و نقله الرازي في تفسيره، ج: 11، ص: 160، عن الأوزاعي و الثوري و أحمد.

(2) صحيح مسلم، ج: 3، كتاب الطهارة، باب المسح على مقدّم الرأس، ص: 171-

35

و لا حجة لهم بالقياس على الخف لأن دين اللّٰه لا يصاب بالقياس على أن المسح على الخف كما علمت.

أما حديث المغيرة فباطل، و إن أخرجه مسلم. و قد قال فيه أبو عمر بن عبد البر: إنه حديث معلول (1). قلت: و لعل أبا حنيفة و الشافعي و مالكا إنما لم يأبهوا به لكونه معلولا عندهم أيضا.

و للمغيرة سيرة مكر و خداع و تقلّب و احتيال، و ارتماس في الموبقات و انغماس في الشهوات، و انطلاق في الغدر و تجاوز للحدود فيما يحب و فيما يكره، و لا سيما مع من يواليهم من أعداء آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و مع من يعاديهم من أولياء اللّٰه و رسوله.

دخل في الإسلام حقنا لدمه من بني مالك، و ذلك أنه وفد مع جماعة من أشرافهم على المقوقس و هو في الإسكندرية، ففاز المالكيون دونه بجائزة الملك، فحمله الطمع بها على الغدر بهم، فدعاهم إلى الشراب و هم مستسلمون لصحبته فجعل يسقيهم حتى إذا أخذ السكر مأخذه من مشاعرهم عدا عليهم فقتلهم عن آخرهم، فصفت له أموالهم، و حيث لم يجد معتصما من أهلهم غير الالتحاق بالإسلام وفد على رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو في المدينة، فدخل عليه يشهد أن لا إله إلا اللّٰه و أن محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) رسول اللّٰه، فقبل إسلامه جريا على سنّته في ذلك مع المؤمنين و مع المنافقين، و حين عرض عليه أموال بني مالك ترفّع عنها،

____________

(1) نقله عنه ابن رشد في ص: 14 من الجزء الأول من بدايته.

36

و كان له أخذها، لأنها من أموال المحاربين المستحلّين منه ما حرّم اللّٰه تعالى، لكن لما كان أخذها غدرا أبت نفسه القدسية قبولها فأوفرها عليه (1).

إن إسلامه هذا يعطيك صورة من مبادعه و دواعيه، و قد شهد عليه أبو بكرة- و هو من فضلاء الصحابة- و أصحابه بما يوجب الحد في قضية مشهورة من حوادث سنة 17 للهجرة (2). فكيف نعارض القرآن الحكيم بحديثه يا أولي الألباب؟!

____________

(1) أخرج هذه القضية ابن سعد في ترجمة المغيرة ص: 285، من الجزء الرابع من كتاب الطبقات بسنده إلى المغيرة نفسه قال: كنا قوما من العرب متمسكين بديننا و نحن سدنة اللات، فأراني لو رأيت قومنا قد أسلموا ما تبعتهم، فأجمع نفر من بني مالك الوفود على المقوقس و أهدوا له هدايا، فأجمعت الخروج معهم. الحديث، و قد سمعت مضمونه.

(2) تجد تفصيلها في ترجمة يزيد بن زياد الحميري من وفيات الأعيان لابن خلكان، ج: 6، ص: 364. و أشار إليها أصحاب المعاجم في التراجم. إذ ترجموا المغيرة و الشهود عليه و هم: أبو بكرة و شبل بن معبد الصحابيان و نافع بن الحارث بن كلدة و زياد بن أبيه، و هي مما لا يخلو منها كتاب يشتمل على حوادث سنة 17 للهجرة.

37

هل لمسح الرأس حد؟

ذهب علماؤنا إلى أنه لا حد في مسح الرأس لا للماسح و لا للمسوح، بل يكفي عندهم مسمّاه و لو بأقل مصاديقه العرفية (1)، و هذا مذهب الشافعي أيضا. و ذهب الإمامان مالك و أحمد و جماعة آخرون إلى أن الواجب مسح الرأس كله، و ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الواجب مسح ربعه بثلاث أصابع، حتى أن من مسحه بأقل من ذلك لا يجزي عنده (2).

حجتنا في ذلك قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ إذ المراد إلصاق المسح بالرأس مطلقا، و هذا كما يتحقق بالاستيعاب و بالربع، يتحقق بأقل مسمّى المسح، و لو بجزء من إصبع ممرّا له على جزء من الرأس، و لا دليل على شي‌ء مما قالوه بالخصوص، و لو أراد الاستيعاب لقال سبحانه: و امسحوا رءوسكم، كما قال فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.

و لو كان المراد قدرا مخصوصا لبيّنه كما فعله في غسل اليدين إذ قال:

إِلَى الْمَرٰافِقِ و في مسح الرجلين إذ قال إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

____________

(1) و حيث كان رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) يمسح على مقدّم رأسه اختصوه بالمسح اقتصارا على القدر المتيقّن.

(2) نقله عنهم ابن رشد في بدايته، ج: 1، ص: 12.

38

ستة فروع خلافية

1- مسح الأذنين:

أجمع الإمامية- تبعا لأئمة العترة الطاهرة (عليه السلام)- على أن مسح الأذنين ليس من الوضوء في شي‌ء، إذ لا دليل عليه من كتاب أو سنّة أو إجماع، بل صريح الكتاب أن الوضوء غسلتان- للوجه و لليدين- و مسحتان- للرأس و للرجلين.

و قال الحنابلة بافتراض مسح الأذنين مع سماخيهما (1)، و نقل ابن رشد هذا القول عن أبي حنيفة و أصحابه و قال: قال الشافعي و مالك:

مسحهما سنّة. و اختلفوا في تجديد الماء لهما و عدم تجديده، و شذّ قوم منهم فذهبوا إلى أنهما يغسلان مع الوجه. و قال آخرون: يمسح باطنهما مع الرأس و يغسل ظاهرهما مع الوجه، و يستحب الشافعي فيهما التكرار كما يستحبه في مسح الرأس (2).

____________

(1) الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج: 1، كتاب الطهارة، فرائض الوضوء، ص: 62.

(2) راجع: بداية المجتهد ص: (14- 13) من جزئه الأول.

39

احتجوا بأخبار واهية لم يثبت شي‌ء منها عندنا، و الشيخان البخاري و مسلم لم يأبها بشي‌ء منها، و إنما اعتبرها معتبروها مع ضعفها عندهم لجبرها بشهرة العمل بها فيما بينهم.

لكن أئمة الهدى (عليهم السلام) من ثقل رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يأبهوا بها و هم أهل بيت النبوة و أهل البيت أدرى بالذي فيه و حسبنا الثقلان.

2- هل يجزى، غسل الرأس بدلا عن مسحه:

أهل المذاهب الأربعة متفقون على أن غسل الرأس في الوضوء يكفي عن مسحه، غير أنهم اختلفوا في كراهة ذلك و عدم كراهته، فالحنفية و المالكية قالوا بكراهته محتجين بأنه خلاف ما أمر اللّٰه به، و الشافعية قالوا: إنه ليس بمكروه و لكنه خلاف الأولى. و الحنابلة قالوا: إنه إنما يجزي الغسل هنا بدل المسح بشرط إمرار اليد على الرأس (1).

أما الإمامية فمجمعون على عدم الإجزاء لأنه خلاف ما أمر اللّٰه به و خلاف الثابت عن رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) من مسح ناصيته الشريفة دون غسلها، و إذن يكون تشريعا في العبادة باطلا في نفسه مبطلا لها. و قد علمت مما قلناه آنفا أن الغسل و المسح حقيقتان مختلفتان لا يغني‌

____________

(1) الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج: 1، كتاب الطهارة، فرائض الوضوء، ص: (57- 62).

40

أحدهما عن الآخر.

3- الترتيب في الوضوء:

أجمع الإمامية- تبعا لأئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام)- على اشتراط الترتيب في أفعال الوضوء على نسق ما هو مرتب في آياته الكريمة (1).

و ذهب المالكية و الحنفية و سفيان الثوري و داود إلى عدم اشتراطه و عدم وجوبه، و اعتبروه سنّة لا يبطل الوضوء بمخالفتها. و قالوا بصحة وضوء المتوضئ إذا ابتدأ بغسل رجله اليسرى منتهيا من الوضوء بغسل وجهه على عكس الآية في كل أفعاله (2).

حجتنا في ذلك الكتاب و السنّة. أما الكتاب فلتبادر الترتيب منه، و إن كان العطف فيه بالواو. لا بثم و لا بالفاء، لأن الواو كثيرة ما يعطف بها الأشياء المرتبة و لا تجوّز في ذلك، و هذا ثابت باستقراء كلام العرب لا ريب فيه لأحد، و لذا قال الكوفيون من النحاة بأنها حقيقة في الترتيب و النسق بالخصوص، و إن كانت ثم و الفاء أظهر منها في ذلك.

و أما السنّة فوضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) إذ كان ملتزما فيه بالترتيب، سواء أ كان وضوؤه لإحدى الفرائض الخمس أم كان لغيرها من واجب أو ندب، و قد كان مدة حياته (صلّى اللّه عليه و آله) على طهارة يسبغ الوضوء‌

____________

(1) و اشترطوا الترتيب في نفس الأعضاء، فأوجبوا غسل الأعلى قبل الأسفل اقتداء بأئمتهم و عملا بنصوصهم (عليهم السلام).

(2) نقل ذلك عنهم ابن رشد في بداية المجتهد، ج: 1، ص: (16- 17).

41

كلما انتقض و يسبغ الوضوء على الوضوء، و ربما قال (صلّى اللّه عليه و آله) إنه: نور على نور (1). و قد أجمعت الأمة على أنه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يتوضأ قط إلا مرتبا، و لو لا اشتراط الترتيب و افتراضه في الوضوء لخالفه و لو مرة واحدة، أو صدع بجواز المخالفة بيانا للحكم كما هي سنّته، و حيث لم يخالف الترتيب و لم يصدع بجواز المخالفة علمنا عدم جوازها، على أن الأصل العملي يوجب هنا إحراز الشي‌ء المشكوك في شرطيته و استصحاب الحدث جار مع عدم إحرازه.

4- الموالاة:

ذهب علماؤنا- تبعا لأئمتهم (عليهم السلام)- إلى أن الموالاة بين أفعال الوضوء شرط في صحته، و ضابطها أن لا يجف العضو السابق- عند اعتدال الزمان و المكان و مزاج المتوضئ- قبل الفراغ من العضو اللاحق.

و ذهب الشافعية و الحنفية إلى أن الموالاة ليست بفرض و لا بشرط و لا بواجب و إنما هي سنّة، فيكره عندهم التفريق بين الأعضاء إذا كان بغير عذر، أما للعذر فلا يكره، و ذلك كما إذا كان ناسيا، أو فرغ الماء المعدّ لوضوئه، فذهب ليأتي بغيره ليكمل به وضوءه (2).

و ذهب المالكية إلى أن الموالاة فرض مع الذكر و القدرة، ساقطة مع‌

____________

(1) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج: 1، ص: 41، ح: 82.

(2) راجع: الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج: 1، كتاب الطهارة، فرائض الوضوء، ص: 59.

42

النسيان و مع العذر (1).

حجّتنا في ذلك فعل رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) إذ كان يوالي في وضوئه كما كان يرتّبه، و لم يرو عنه التراخي في أفعال الوضوء مطلقا، كما لم يرو عنه عدم ترتيبها. و لو لا اشتراط الموالاة لتركها و لو مرة واحدة، أو صدع بجواز تركها بيانا للحكم الشرعي، جريا على سننه في التشريع عن اللّٰه تعالى، و حيث لم يفعل علمنا عدم الجواز.

على أنه لا خلاف في صحة الوضوء جامعا لهذه الشرائط. أما إذا لم يكن جامعا لها فصحته محل نزاع، و أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يرونه حينئذ رافعا للحدث، و لا مبيحا للصلاة. فاحتط لدينك، و الاحتياط هنا مما لا بد منه لأن الأصل العملي يوجب إحراز الشي‌ء المشكوك في شرطيته، و استصحاب الحدث جار مع عدم إحرازه كما أسلفناه.

5- النية:

أجمع الإمامية- تبعا لأئمة الثقلين (عليهم السلام)- على اشتراط النية في صحة الوضوء و الغسل، لكونهما من العبادات التي أمر اللّٰه بها وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و هذا مذهب الشافعي و مالك و أحمد و داود و أبي ثور و كثير من أئمة الجمهور (2).

____________

(1) المصدر السابق، ص: 62.

(2) ابن رشد، بداية المجتهد، ج: 1، ص: 8.

43

و قال الحنفية: إن وجوب الوضوء و الغسل بالماء المطلق ليس إلا توصليا إلى الطهارة التي تحصل بمجرد سيلانه على الأعضاء، سواء أ كان ذلك عن نية أم لم يكن عن نية، بل و لا عن اختيار، نظير غسل الثوب المتنجّس، لأن الماء مطهّر بطبعه، و قالوا: إذا سقط شخص بالماء بدون اختيار أو دخل الماء عابثا أو بقصد التبرّد أو النظافة، أو كان حاكيا لفعل غيره أو مرائيا فشمل الماء أعضاء وضوئه صح له أن يصلي بهذا الوضوء حتى لو كان عند دخول الماء كافرا فأسلم عند خروجه إذ لم يشترطوا الإسلام في صحة الوضوء (1).

نعم اشترطوا النية في صحة التيمم (2)، لأن الصعيد غير مطهّر بطبعه، و إنما طهوريته تعبدية فلا بد في التيمم به من نية. و كذا الوضوء و الغسل بنبيذ التمر أو سؤر الحمار أو البغل، لأن طهورية هذا النبيذ و السؤرين تعبدية كالصعيد (3).

و بالجملة فصلوا في الوضوء و الغسل بين ما كان منهما بنبيذ تمر أو سؤر الحمار أو البغل، و بين ما كان بغير ذلك من المياه المطلقة، فاعتبروا الأول عبادة غير معقولة المعنى، فأوجبوا لها النية كالتيمم، و اعتبروا الثاني من الواجبات التوصلية إلى النظافة المحسوسة كالطهارة من‌

____________

(1) الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج: 1، كتاب الطهارة، شروط الوضوء.

(2) المصدر السابق، ص: 157، الهامش.

(3) ابن عابدين، ج: 1، ص: 76. و محمد جواد مغنية، الفقه على المذاهب الخمسة، ص:

35، عنه.

44

النجاسة.

و ما أدري من أين علموا أن غرض الشارع من الوضوء و الغسل ليس إلا الطهارة المحسوسة التي يوجدها سيلان الماء بمجرد طبعه؟! و قد علم كل مسلم و مسلمة أن الوضوء و الغسل إنما هما لرفع أثر الحدث استباحة للصلاة و نحوها مما هو مشروط برفعه، و هذا غير محسوس و لا مفهوم لولا التعبّد بالأوامر المقدّسة الصادرة من لدن حكيم مطلق بكل حقيقة و دقيقة تخفى على الإنس و الجن و الملائكة و سائر المخلوقات. نعم نؤمن بأن الوضوء لرفع أثر الحدث الأصغر، و أن الغسل لرفع الحدث الأكبر تعبّدا، كما نؤمن بفرائض الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج كيفا و كما و وقتا.

و مجرّد حصول النظافة المحسوسة بالوضوء و الغسل في كثير من الأوقات لا يجعلهما توصليين إليها، كما أن إنعاش مستحقي الزكاة بأدائها إليهم لا يخرجها عن العبادة فيجعلها توصلية إلى إنعاشهم، و كذلك الخمس و الكفارات و سائر الصدقات و العبادات المالية، و لو كان الغرض من الوضوء و الغسل مجرد الطهارة المحسوسة وجبا على المحدث إذا كان في غاية النظافة و النقاء، و هذا خارق لإجماع المسلمين مخالف لما هو ثابت عن سيد النبيين إذ قال (صلّى اللّه عليه و آله): لا يقبل اللّٰه صلاة بغير طهور و لا صدقة من غلول (1).

____________

(1) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 1، كتاب الطهارة، باب كيفية الوضوء، ح:

1039، ص: 398، و ابن رشد، بداية المجتهد، ص: 7.

45

و قد يستدل على اشتراط النية هنا بالكتاب و السنّة مضافا إلى ما يقتضيه الأصل العملي من وجوب إحراز الشرط المشكوك في شرطيته و استصحاب بقاء الحدث في صورة التوضؤ بغير نية.

أما الكتاب فمجموع آيتي المائدة و البينة، فإن آية المائدة و هي:

إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ إلى آخرها تثبت الصغرى في شكل القياس، و هي أن الوضوء و الغسل مما أمرنا به، و آية البينة و هي وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ تثبت كبرى الشكل و هي كل ما أمرنا به يجب الإخلاص للّٰه فيه، لكن في هذا الاستدلال نظرا بل إشكالا.

و أما السنّة فقوله (صلّى اللّه عليه و آله) في الصحيح المشهور: «إنما الأعمال بالنيات» بناء على أن التقدير إنما صحة الأعمال كائنة بالنيات، لكن للحنفية أن يقولوا: تقديره إنما كمال الأعمال بالنيات، و حينئذ لا يصلح دليلا على ما نقول. و قد يقال في جوابهم: إن التقدير الأول أولى، لأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى، لأن ما كان ألزم للشي‌ء كان أقرب خطورا للذهن عند إطلاق اللفظ. و مع ذلك فإن فيه تأملا.

و نحن الإمامية في كل ما ندين اللّٰه به تبع لأئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام) و مذهبهم عندنا حجة بنفسه، لأنهم أعدال كتاب اللّٰه، و عيبة سنن‌

46

رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) و سفن نجاة الأمة، يسلم من ركبها و يغرق من تخلّف عنها، و باب حطة يأمن من دخلها، و العروة الوثقى لا انفصام لها، و أمان الأمة من الاختلاف و أمنها من العذاب، و بيضة رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) التي تفقأت عنه، و أولياؤه و أوصياؤه، و وارثو علمه و حكمه، و أولى الناس به و بشرائع اللّٰه تعالى، كما هو مبرهن عليه في محلّه من مراجعاتنا الأزهرية و غيرها.

6- الوضوء بالنبيذ:

أجمع الإمامية تبعا للأئمة (عليهم السلام) من آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله)- على اشتراط الإطلاق في ماء الوضوء و الغسل، سواء أ كان في الحضر أم في السفر، و أجمعوا أيضا على أنه إن تعذر الماء تعيّن على المكلف تيمم الصعيد طيّبا. و هذا مذهب الشافعي و مالك و أحمد و غيرهم (1).

و ذهب الإمام أبو حنيفة و سفيان الثوري إلى جواز الوضوء و الغسل بنبيذ التمر (2) في السفر مع فقد الماء (3)، و كرهه الحسن البصري‌

____________

(1) محمد جواد مغنية، الفقه على المذاهب الخمسة، ص: 18.

(2) النبيذ فعيل بمعنى مفعول، و هو الماء الذي ينبذ فيه نحو التمر و الزبيب لتخرج حلاوته إلى الماء، و هو نوعان: مسكر و غير مسكر، و محل النزاع هنا انما هو غير المسكر، اما المسكر فلا خلاف في عدم جواز الوضوء به نبيذا كان أم غير نبيذ.

(3) هذا القول متواتر عن أبي حنيفة، و قد نقله عنه ابن رشد في بداية المجتهد ج: 1، ص: 33، و الإمام الرازي حول آية التيمم ص: 169 من الجزء الحادي عشر من تفسيره الكبير، و أورده السندي في باب الوضوء بالنبيذ من تعليقته على سنن ابن ماجة نقلا عن أبي حنيفة و الثوري.

47

و أبو العالية رفيع بن مهران. و قال عطاء بن أبي رباح: التيمم أحب إليّ من الوضوء بالحليب و اللبن (1)، و جوّز الأوزاعي الوضوء و الغسل بسائر الأنبذة (2)، بل بسائر المائعات الطاهرة (3).

حجّة الإمامية و من يرى في هذه المسألة رأيهم- مضافا إلى الأصول العملية- كتاب اللّٰه عز و جل و سنة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) و إجماع الأمة.

أما الكتاب فقوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ (4) إذ أطلق الأمر بالتيمم مع فقد الماء، و لم يجعل وسطا بينه و بين الصعيد.

و أما السنّة فحسبنا قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الصعيد الطيب وضوء المسلم إن لم يجد الماء»، الحديث (5). و هو كالآية في الإطلاق و عدم الواسطة.

و أما الإجماع فلأن أهل القبلة كافة في هذه المسألة على رأي واحد، و من خالف فيه فإنما هو شاذ خارق لإجماع المسلمين لا يعبأ بشذوذه،

____________

(1) نقل البخاري في الجزء الأول، كتاب الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ و لا المسكر من صحيحه، ص: 66، عن كل من الحسن البصري و أبي العالية و عطاء ما قد نقلناه في الأصل عنهم فراجع.

(2) كما نص عليه القسطلاني في ص: 556 من الجزء الأول من إرشاد الساري.

(3) كما نقل ذلك عنه الإمام الرازي في ص: 169 من الجزء الحادي عشر من تفسيره إذ قال: ذهب الأوزاعي و الأصم إلى انه يجوز الوضوء و الغسل بسائر المائعات الطاهرة.

(4) سورة المائدة: 6، و سورة النساء: 43.

(5) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 1، كتاب الطهارة، اشتراط طهارة الماء في الوضوء، ح: 1281، ص: 484، و بداية المجتهد لابن رشد، ص: 33.

48

كمن شذّ بقوله لا يجوز الوضوء بماء البحر (1) مثلا.

احتج أبو حنيفة و الثوري و من رأى رأيهما بما روي عن ابن مسعود من طريقين:

أولهما: عن العباس بن الوليد بن صبح الخلّال الدمشقي، عن مروان بن محمد الطاطري الدمشقي، عن عبد اللّٰه بن لهيعة عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن عبد اللّٰه بن عباس، عن ابن مسعود أن رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) قال له ليلة الجن: معك ماء؟. قال: لا. إلّا نبيذا في سطيحة (2)، قال رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله): تمرة طيبة و ماء طهور. صبّ عليّ. قال:

فصببت عليه، فتوضأ به (3).

أخرج هذا الحديث من هذا الطريق محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه، و لم يخرجه من هذا الطريق أحد من أصحاب السنن سواء فيما أعلم، لظلماته المتراكمة بعضها على بعض، فإن العباس بن الوليد لم يكن بثقة و لا مأمونا، و قد تركه جهابذة الجرح و التعديل، حتى سئل عنه أبو داود- كما في ميزان الاعتدال- فقال: كان عالما بالرجال و الأخبار لا أحدث عنه (4). و أنت تعلم أنهم إنما تركوه‌

____________

(1) كان عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص لا يجيز الوضوء بماء البحر كما هو مشهور عنه. و قد نقل الرازي عنه ذلك حول آية الوضوء من سورة المائدة، ج: 11، ص: 169.

(2) السطيحة من أواني الماء ما كان من جلدين قوبل أحدهما بالآخر فسطح عليه، تكون صغيرة و كبيرة.

(3) سنن ابن ماجة، ج: 1، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ص: 136.

(4) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 2، رقم الترجمة: 4185، ص: 387.

49

لوهنه. أما شيخه مروان بن محمد الطاطري فقد كان من ضلّال المرجئة، و أورده العقيلي في كتاب الضعفاء (1)، و صرح بضعفه ابن حزم. تعلم هذا كله من ترجمته في ميزان الاعتدال (2). على أن شيخه عبد اللّٰه بن لهيعة ممن ضعّفه أئمتهم في الجرح و التعديل، فراجع أقوالهم في أحواله من معاجم التراجم، كميزان الاعتدال و غيره، تجده مشهودا عليه بالضعف من ابن معين و ابن سعيد و غيرهما (3)، و هناك مغامز أخر في غير هؤلاء الثلاثة من رجال هذا الطريق لسنا في حاجة إلى بيانها.

أما الطريق الثاني من طريقي الحديث فينتهي إلى أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن عبد اللّٰه بن مسعود أن رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) قال له ليلة الجن: عندك طهور؟ قال: لا. إلا شي‌ء من نبيذ في إداوة. قال (صلّى اللّه عليه و آله): تمرة طيبة و ماء طهور. فتوضأ.

أخرجه ابن ماجة و الترمذي و أبو داود (4)، و ليس فيما رواه أبو داود «فتوضأ به». و هذا الحديث باطل من هذا الطريق أيضا، كما هو باطل من طريقه الأول. و حسبك في بطلانه أن مداره على أبي زيد‌

____________

(1) العقيلي، الضعفاء الكبير، ج: 4، رقم الترجمة: 1788، ص: 205.

(2) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 4، رقم الترجمة: 8435، ص: 93.

(3) المصدر السابق، ج: 2، رقم الترجمة: 4530، ص: 475.

(4) سنن ابن ماجة، ج: 1، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح: 384، ص: 135، و الترمذي، في سننه، ج: 1، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح: 88، ص: 147، و أبو داود في سننه، ج: 1، كتاب الطهارة، الوضوء بالنبيذ، ح: 84، ص: 21.

50

مولى عمرو بن حريث، و هو مجهول عند أهل الحديث، كما نص عليه الترمذي (1) و غيره. و قد ذكره الذهبي في الكنى من ميزانه، فنص على أنه لا يعرف، و أنه روى عن ابن مسعود، و أنه لا يصح حديثه، و أن البخاري ذكره في الضعفاء، و أن متن حديثه: إن نبي اللّٰه توضأ بالنبيذ.

و أن الحاكم قال: إنه رجل مجهول، و أنه ليس له سوى هذا الحديث «الباطل» (2).

و بالجملة فإن علماء السلف أطبقوا على تضعيف هذا الحديث (3) بكلا طريقيه، على أنه معارض بما أخرجه الترمذي في صحيحه، و أبو داود في باب الوضوء من سننه، و صححه الأئمة كافة. عن علقمة أنه سأل ابن مسعود فقال له: من كان منكم مع رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) ليلة الجن؟

فقال: ما كان معه أحد منا (4).

و لو فرض صحته و عدم معارضته لكانت آية التيمم ناسخة له لأن ليلة الجن كانت في مكة قبل الهجرة و آية التيمم مدينة بلا خلاف (5).

____________

(1) سنن الترمذي، ج: 1، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح: 88، ص: 147.

(2) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج: 4 (الكنى)، ترجمة: 10209، ص: 526.

(3) كما نص عليه القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري، ج: 1، كتاب الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ و لا المسكر، ص: 566، و شرح صحيح البخاري للشيخ زكريا الأنصاري، ج: 2، ص: 43، المطبوع مع شرح القسطلاني.

(4) سنن أبي داود، ج: 1، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، ح: 85، ص: 21، و الترمذي في سننه، ج: 5، كتاب تفسير القرآن، سورة الأحقاف، ح: 3258، ص: 356.

(5) كان الوضوء قبلها سنّة مستحبة، و لم يكن التيمم مشروعا حتى نزلت آيته بعد الهجرة. فراجع القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري، ج: 1، كتاب الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ، ص: 556.

51

و يجوز حمل الحديث- لو فرضت صحته- على أنه كان في الإداوة مع الماء تميرات قليلة يابسة لم تخرج الماء عن الإطلاق و ما غيرت له وصفا.

و احتج الأوزاعي و الأصم و من رأى رأيهما في الوضوء و الغسل بسائر المائعات الطاهرة و أن اللّٰه تعالى إنما أمر بالغسل و المسح و هما كما يتحققان بالماء المطلق يتحققان بغيره من المائعات الطاهرة.

و الجواب: ان اللّٰه عز و جل أوجب التيمم عند عدم الماء، فتجويز الوضوء بغيره يبطل ذلك. و هذا ما يجعل الغسل المأمور به في الآية مقيدا بالماء كما هو واضح و الحمد للّٰه على الفهم.

و لعل الحنفية إنما جوزوا الوضوء باللبن الممزوج بالماء فيما حكي عنهم (1) استنادا إلى ما استند إليه الأوزاعي و الأصم حاتم بن عنوان البلخي.

هذا ما يسر اللّٰه تعالى لعبده و ابن عبديه، عبد الحسين ابن الشريف يوسف ابن الجواد بن إسماعيل بن محمد بن محمد بن شرف الدين إبراهيم بن زين العابدين بن علي نور الدين بن نور الدين علي بن الحسين آل أبي الحسن الموسوي العاملي.

و الحمد للّٰه رب العالمين‌

____________

(1) ممن حكى ذلك عنهم الامام القسطلاني في الجزء الأول، كتاب الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ و لا المسكر، ص: 556 من إرشاد الساري و إليك نصه بلفظة قال: و أما اللبن الخالص فلا يجوز التوضؤ به إجماعا، فإن خالط ماء فيجوز عند الحنفية انتهى.