جامع المدارك في شرح مختصر النافع - ج7

- السيد أحمد الخونساري المزيد...
281 /
1

-

2

الجزء السابع

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الحدود الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على محمّد و آله الطاهرين المعصومين.

[كتاب الحدود و التعزيرات و فيه فصول]

كتاب الحدود و التعزيرات

الحدود جمع حدّ، و المعروف أنّ الحدّ لغة المنع، و شرعا عقوبة- خاصّة تتعلّق بإيلام بدن المكلّف بواسطة تلبّسه بمعصية خاصّة عيّن الشارع كميّتها في جميع أفراده.

و لا يخفى أنّ شأن اللّغوي بيان موارد الاستعمال و استعمل الحدّ في الحاجز بين شيئين و منتهى الشّي‌ء، و الدّفع و المنع، و تأديب المذنب بما يمنعه و غيره عن الذّنب، و تمييز الشّي‌ء عن الشّي‌ء، و غير ما ذكر.

و المعنى الشّرعيّ المذكور يناسب التأديب و إن كان التأديب أعمّ من العقوبة.

و فيه فصول:

[الفصل الأوّل في حدّ الزّنى و النظر في الموجب، و الحدّ و اللّواحق]

الفصل الأوّل في حدّ الزّنى، و النظر في الموجب، و الحدّ، و اللّواحق،

[النظر الأول في الموجب]

أمّا الموجب فهو إيلاج الإنسان فرجه في فرج امرأة من غير عقد و لا ملك و لا شبهة، و يتحقّق بغيبوبة الحشفة قبلا أو دبرا.

و يمكن أن يقال: لا بدّ أن يراد من العقد المذكور، العقد الصحيح شرعا و إلّا لزم عدم التّحقّق مع العقد الفاسد، و الكفّار يقع بينهم النكاح بما هو عقد عندهم و هم مكلّفون مقصّرون و مع ذلك إذا وقع بينهم النكاح بالعقد الفاسد شرعا ليست مباشرتهم مع نسوانهم زنى و أولادهم ليسوا أولاد الزنى، هذا مضافا إلى أنّ‌

3

تمكين الإنسان من الإيلاج، الظاهر كفايته و لو لم يكن بمباشرته، كما أنّ الظّاهر تحقّقه بمباشرة الصغيرة و الخنثى مع كونها في الواقع امرأة لعدم المعذوريّة، ألا ترى صدق الزّنى مع مباشرة الأجنبيّة مع احتمال كونها زوجته حيث لم يكن معذورا في المباشرة.

و أمّا الشبهة المذكورة فذكر في ضابطها ما أوجب ظنّ الإباحة، و لا يخفى الاشكال فيه فإنّ الظنّ مع عدم حجّيّتها كيف يكون عذرا كمن باشر امرأة ظانّا بأنّها امرأته.

و أمّا غيبوبة الحشفة دبرا فصدق الزّنى معها غير مسلّم، فالمحكيّ عن الوسيلة في الوطي في دبر المرأة قولان، و قد يتمسّك للتعميم بما في الصحيح و غير الصحيح من الأخبار «إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرّجم» (1) و الإطلاق مشكل، ألا ترى أنّ الإدخال مع عدم غيبوبة الحشفة لا يكفى و إن كان كافيا في صدق لواط الغلام الموجب لحرمة الأمّ و الأخت، بل لا يبعد الانصراف إلى القبل و الشاهد أنّه مع رمى البكر بالزّنى تلاحظ البكر فمع بقاء البكارة يشهدان ببراءتها، هذا مضافا إلى الإشكال في تعيين الموضوع بخبر الواحد، و مع الاشكال لا يبعد لزوم الاحتياط من جهة ما دلّ على درء الحدود بالشبهة و هو الحديث النبويّ المشهور «تدرء الحدود بالشبهات» (2) لعدم الدّليل على الاختصاص بالشبهة الموضوعيّة، و لعلّه من هذه الجهة لزم الاحتياط فيما لو تكرّر الحدّ حيث يحكم بالقتل بترك القتل إلى المرتبة المتأخّرة.

و يشترط في ثبوت الحدّ البلوغ و العقل و العلم بالتحريم و الاختيار، فلو تزوّج محرمة كالأمّ أو المحصنة سقط الحدّ مع الجهالة بالتحريم و يثبت مع العلم و لا يكون العقد بمجرّده شبهة في السقوط.

____________

(1) الكافي ج 3 ص 46 تحت رقم 2 عن أحدهما (عليهما السّلام).

(2) الفقيه نوادر الحدود تحت رقم 5146، و رواه ابن عدي في الكامل.

4

الظاهر عدم اشتراط البلوغ و العقل و العلم في الطرفين، فمع اجتماع الشّروط المذكورة في أحد الطرفين كيف يسقط الحدّ بالنسبة إليه، ثمّ إنّ التعبير بالعلم بالحرمة يوجب خروج طرف العلم الإجمالي كما لو علم بحرمة إحدى الأنثيين أو كانت المرأة محرّمة الوطي من جهة الأصل، إلا أن يقال بخروج ما ذكر بملاحظة ما ذكر في ضابط الشبهة الدّارئة، و المراد من الظنّ بالإباحة القطع بالإباحة حيث يعبّر بالظنّ من جهة مخالفته للواقع.

و يدلّ على ما ذكر صحيحة يزيد الكناسيّ «قال: سألت: أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن امرأة تزوّجت في عدّتها فقال: إن كانت تزوّجت في عدّة طلاق لزوجها عليها الرجعة، فانّ عليها الرّجم- إلى أن قال:- قلت: فان كانت تعلم أنّ عليها عدّة و لا تدري كم هي؟ فقال: إذا علمت أنّ عليها العدّة لزمته الحجّة فتسأل حتّى تعلم» (1).

هذا و لكن يقع الإشكال في أنّ الغالب في الكفّار لزمتهم الحجّة من جهة احتمال حقّيّة الإسلام بحيث لو فحصوا يعلمون بحقّيّة الإسلام و أحكامه و مع هذا لكلّ قوم نكاح، و ليس نكاحهم زنى مع بطلان نكاحهم على القواعد المسلّمة بين المسلمين.

و يمكن أن يقال في خصوص النكاح دلّ الدّليل على اعتباره بينهم و إن لزمت الحجّة، و هذا نظير الحكم بصحّة المعاملة إذا باع الذّمّيّ الخمر من الذّميّ مع عدم الصحّة بين المسلمين.

و أما اعتبار البلوغ فقد يتمسّك فيه بحديث رفع القلم و صحيحة يزيد الكناسيّ عن أبي جعفر (عليهما السّلام) «قال: الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم و زوّجت و أقيمت عليها الحدود التامّة عليها و لها، قال: قلت: الغلام إذا زوّجه‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 192 تحت رقم 2.

5

أبوه و دخل بأهله و هو غير مدرك أ تقام عليه الحدود على تلك الحال؟ قال (عليه السّلام):

أمّا الحدود الكاملة الّتي تؤخذ بها الرّجال فلا، و لكن يجلد في الحدود كلّها على مبلغ سنّه، فيؤخذ بذلك ما بينه و بين خمسة عشر سنة و لا تبطل حدود اللّه في خلقه، و لا تبطل حدود المسلمين بينهم» (1).

و يمكن أن يتمسّك بما في صحيح حمّاد بن عيسى «لا حدّ على مجنون حتّى يفيق، و لا على صبيّ حتّى يدرك، و لا على النائم حتّى يستيقظ» (2).

و ما في المروي عن إرشاد المفيد قال له (يعني عمر) حين أمر بحدّ المجنونة «أما علمت أنّها مجنونة آل فلان، و أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال: رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق، و أنّها مغلوبة على عقلها و نفسها- إلخ» (3).

و أما اعتبار الاختيار فاستدلّ عليه بسقوط التكليف عن المكره مضافا إلى ما ورد في عدّة روايات من نفي الحدّ عن المكره منها صحيحة أبي عبيدة عن أبي- جعفر (عليهما السّلام) قال: «إنّ عليا (عليه السّلام) أتى بامرأة مع رجل قد فجر بها فقالت: استكرهني و اللّه يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحدّ- الحديث» (4).

و منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليهما السّلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) «في امرأة أقرّت على نفسها أنّه استكرهها رجل على نفسها، قال: هي مثل السائبة لا تملك نفسها، فلو شاء [ل‍] قتلها، فليس عليها جلد و لا نفى و لا رجم» (5).

و يمكن أن يقال: أمّا التمسّك بالرّوايات فلا إشكال فيه في الجملة، لكن لا بدّ من ملاحظة أنّ مطلق الإكراه يكفي في نفي الحدّ، أو الإكراه الرّافع‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 198 تحت رقم 2.

(2) التهذيب باب الزيادات من كتاب الحدود تحت رقم 40.

(3) الوسائل كتاب الحدود ب 8 ح 2.

(4) الكافي ج 7 ص 196، و التهذيب حدود الزنى تحت رقم 51.

(5) الكافي ج 7 ص 191 تحت رقم 1.

6

للحرمة الفعليّة؟ الظاهر الفرق بين الإكراه في المقام و الإكراه في المعاملات كالبيع و غيره، ففي مثل البيع الإكراه المعتبر عدمه في صحّته، يكفي فيه عدم الرّضا لعدم طيب النفس، لكن في المقام كيف يكفي في رفع الحرمة الفعليّة التهديد بالشتم و الضرب مثلا مع صدق الإكراه، و أيضا كيف تصدّق دعوى الإكراه بمجرّدها؟ و لا تقبل الدّعوى في العقود و الإيقاعات، كما لو باع ثمّ ادّعى الإكراه فإن كان المدرك النبويّ المشهور فيؤخذ بإطلاقه، و إن كان المدرك الرّواية الصحيحة المذكورة فالحكم فيها مخصوص بالمرأة و التعدّي إلى غيرها مشكل خصوصا مع أنّ دعوى الإكراه بلا شاهد كيف تقبل؟ و لذا لا تقبل في مثل المعاملات.

و أما اشتراط العقل فقد يتمسّك له بحديث الرّفع، و الظاهر عدم الخلاف فيه بالنسبة إلى المجنونة، و أمّا بالنسبة إلى المجنون فهو المشهور، و نسب الخلاف إلى الشيخين و الصدوق و القاضي و ابن سعيد- (قدّس اللّه تعالى أسرارهم)- و استدلّوا على ذلك برواية أبان بن تغلب قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحدّ، و إن كان محصنا رجم- الحديث» (1) و ضعّفت الرّواية من جهة أنّ في سندها إبراهيم بن الفضل و لم يرد فيه توثيق و لا مدح، هذا و الظّاهر أنّ إبراهيم المذكور هو الهاشمي كما يظهر من جامع الرّواة و هو إماميّ، و قيل حسن و استشعر المحقّق البهبهاني (ره) في التعليقة من رواية جعفر بن بشير عنه وثاقته.

و لو تشبّهت الأجنبيّة بالزّوجة فعليها الحدّ دون واطئها، و في رواية يقام عليها الحدّ جهرا و عليه سرّا و هي متروكة، و لو وطئ المجنون عاقلة، ففي وجوب الحدّ تردّد، أوجبه الشيخان، و لا حدّ على المجنونة.

المشهور بين الأصحاب عدم الحدّ على المجنون و قد ظهر وجهه ممّا سبق و نسب الخلاف في ذلك إلى الشيخين و الصدوق و القاضي و ابن سعيد، و استدلّ على ذلك برواية أبان بن تغلب قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) إذا زنى المجنون أو المعتوه‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 192 رقم 3.

7

جلد الحدّ و إن كان محصنا رجم- الحديث» (1) و استشكل بضعف الرواية من جهة أنّ في سندها إبراهيم بن الفضل و لم يرد فيه توثيق و لا مدح، و يمكن أن يقال- كما قدّمنا- تضعيف الرّواية مشكل من جهة أنّ الرّاوي إبراهيم بن الفضل الهاشمي كما يظهر من جامع الرّواة، و قيل: هو حسن، و استشعر المحقّق الوحيد البهبهانيّ (قدس سره) في التعليقة وثاقته من جهة رواية جعفر بن بشير عنه، مضافا إلى عمل الشّيخين و الصدوق و القاضي و ابن سعيد- (قدّس اللّه تعالى أسرارهم)- و المسألة مشكلة بملاحظة ما سبق من رفع القلم عن المجنون، فان قلنا بدرء الحدّ من جهة الشبهات الحكميّة فلا بد من الأخذ بالمشهور.

و أما عدم الحدّ على المجنونة فوجهه ما ذكر و لا خلاف فيه ظاهرا، و أمّا الرّواية المتروكة فهي ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي روح «أنّ امرأة تشبّهت بأمة لرجل و ذلك ليلا، فواقعها و هو يرى أنّها جاريته، فرفع إلى عمر فأرسل إلى عليّ (صلوات اللّه عليه)، فقال: اضرب الرّجل حدّا في السرّ، و اضرب المرأة حدّا في العلانية» و رواه الكلينيّ عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، (2) و لعلّ وجه السرّ أنّ الرّجل كان معذورا.

و يسقط الحدّ بادّعاء الزّوجيّة و بدعوى ما يصلح شبهة بالنظر إلى المدّعى.

يسقط الحدّ بادّعاء الزّوجيّة ما لم يعلم خلافها، فلو ادّعى أحدهما أو كلاهما مع عدم إمكانها إلّا بالنسبة إلى أحدهما سقط عنه دون صاحبه، و ادّعى الإجماع على عدم التكليف باليمين و البيّنة و المقام من مقام الشبهة الدّارئة للحدّ.

و لا يثبت الإحصان الّذي يجب معه الرّجم حتّى يكون الزاني بالغا

____________

(1) تقدم آنفا.

(2) الوسائل ب 38 من أبواب حد الزنى، عن الشيخ و الكليني.

8

حرّا له فرج مملوك بالعقد الدائم أو الملك، يغدو عليه و يروح، و يستوي فيه المسلمة و الذمّيّة، و إحصان المرأة كإحصان الرّجل لكن يراعى فيها العقل إجماعا و لا تخرج المطلّقة رجعيّة عن الإحصان، و تخرج البائن و كذا المطلّق.

أما اعتبار البلوغ فلاشتراطه في الحدّ كما سبق، و أمّا اشتراط الحرّيّة فيدلّ عليه صحيحة أبي بصير المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال «في العبد يتزوّج الحرّة ثمّ يعتق فيصيب فاحشة، قال: فقال لا رجم عليه حتّى يواقع الحرّة بعد ما يعتق- الحديث» (1).

و صحيحة محمّد بن قيس عن أبى جعفر (عليهما السّلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في العبيد إذا زنى أحدهم أن يجلد خمسين جلدة، و إن كان مسلما أو كافرا أو نصرانيا و لا يرجم و لا ينفى» (2).

و أما اعتبار أن يكون له ما ذكر فيدلّ عليه عدّة روايات منها معتبرة إسحاق ابن عمّار قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السّلام) عن الرّجل إذا زنى و عنده السريّة و الأمة يطأها تحصنه الأمة، و تكون عنده؟ قال: نعم إنّما ذلك لأنّ عنده ما يغنيه عن الزّنى، قلت: فان كانت عنده أمة زعم أنّه لا يطأها، فقال: لا يصدّق، قلت: فان كانت عنده امرأة متعة أ تحصنه؟ فقال: لا إنّما هو على الشّي‌ء الدّائم عنده» (3).

و منها صحيح إسماعيل بن جابر «سئل الصّادق (عليه السّلام) عن المحصن فقال: من كان له فرج يغدو عليه و يروح فهو محصن».

و منها صحيحة رفاعة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرّجل يزني قبل أن يدخل بأهله أ يرجم؟ قال: لا» (4).

____________

(1) الكافي ج 7 ص 179 تحت رقم 9، و الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 45.

(2) التهذيب باب حدود الزنى تحت رقم 88، و الكافي ج 7 ص 238.

(3) الكافي ج 7 ص 178، و الاستبصار ج 4 ص 204.

(4) الكافي ج 7 ص 179 تحت رقم 8.

9

و منها صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث «قال: لا يرجم الغائب عن أهله و لا المملك الّذي لم يبن بأهله، و لا صاحب المتعة» (1) بناء على أن يكون المراد من الدخول بأهله الوقاع و أن يكون المراد من البناء بالأهل الوقاع و الأولى كفاية الثاني قبل الدّخول بالأهل و قيل هو الزّفاف.

و منها صحيحة حريز قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) فقال الّذي عنده ما يغنيه» (2).

و منها مضمر أبي بصير قال: «قال: لا يكون محصنا حتّى تكون عنده امرأة يغلق عليها بابه (3)».

و لا يخفى اختلاف هذه الاخبار، فالمستفاد من بعضها كفاية أن يكون له ما ذكر معلّلا بأنّه عنده ما يغنيه عن الزّنى، و المستفاد من بعضها عدم الكفاية، و لزوم مواقعة الحرّة قبل الزّنى، و في كشف اللّثام لا ذكر له في المقنعة و الانتصار و الخلاف و التبيان و مجمع البيان، و في المتن أيضا لم يذكر، و لا مجال للجمع بتقييد ما دلّ بإطلاقه على عدم لزوم الوطي لأنّ ما دلّ على تعريف المحصن ليس مطلقا قابلا للتقييد و ما في بعضها من قوله (عليه السّلام) على المحكيّ «يغدو و يروح» لا مجال لحمله على فعليّة المباشرة في الغدوة و الرّواح قطعا، فلا بدّ من الحمل على التمكّن لا الفعليّة، و مع عدم الجمع العرفي لا يبعد الرّجوع إلى العموم الكتابي «الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي- الاية».

و أما استواء المسلمة و الذّمّيّة في تحقّق الإحصان للزّوج فهو مبنيّ على صحّة نكاح الدّائم بالنسبة إلى الذمّيّة و مع عدم الصحّة و عدم كفاية النكاح الانقطاعي كيف يصحّ الاستواء إلّا أن يفرض كون الزّوج و الزّوجة ذمّيين و أسلم الزّوج دون الزّوجة، و قلنا ببقاء الزّوجيّة الدّائمة.

____________

(1) الكافي ج 7 ص 179 تحت رقم 13 و 4 على الترتيب.

(2) الكافي ج 7 ص 179 تحت رقم 13 و 4 على الترتيب.

(3) الكافي ج 7 ص 179 تحت رقم 7.

10

و أمّا كون إحصان المرأة كإحصان الرّجل، فذكر في وجهه عدم الخلاف و دعوى الإجماع حكيت عن بعض، و اشتراك معنى الإحصان فيهما نصّا و فتوى، و لا يخفى الإشكال في الوجه الأخير حيث إنّه مع اعتبار كون الزّوج أو المولى متمكّنا بحيث يغدو و يروح كيف يشترط في المرأة، بل المطلّقة الرّجعيّة لا اختيار لها بوجه.

نعم يمكن أن يقال: حيث حكم في الاخبار برجم المحصنة و لم يشترط غير ما هو معلوم بحسب الأخبار اعتباره يكتفي بما هو معلوم اشتراطه.

و في حسنة محمّد بن مسلم «المغيب و المغيبة ليس عليهما رجم» (1). فبناء على اعتبار السّند لا بدّ من اشتراط عدم الغيبة في إحصان المرأة.

و أما اشتراط الحرّيّة في المرأة فإذا لم يدلّ عليه الدّليل يشكل اعتبارها في المرأة، و ظاهر كلمات الفقهاء- (رضوان اللّه تعالى عليهم)- التسوية بين الرّجل و المرأة و اعتبارها إلّا أن يقال مع احتمال المدخليّة في حقيقة الإحصان نرجع إلى عموم الآية الشريفة «الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي- إلخ» مضافا إلى تحقّق الشّبهة الدارئة، و قد يتمسّك بصحيحة محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليهما السّلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في مكاتبة زنت- إلى أن قال- و أبى أن يرجمها و أن ينفيها قبل أن يتبيّن عتقها» (2).

و تؤيّدها رواية بريد العجليّ عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) «في الأمة تزني، قال: تجلد نصف الحدّ، كان لها زوج أو لم يكن لها زوج» (3).

و يمكن أن يقال: يظهر من الصحيحة إن كان صادرة بالنحو المذكور الفصل‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 178 تحت رقم 5، و المغيب- كمحسن- و المغيبة: التي غاب زوجها.

(2) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 92. و الكافي ج 7 ص 236 تحت رقم 15.

(3) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 82.

11

بين الصدر و الذّيل، و لا نعلم الفاصل، و يحتمل أن يكون الفاصل ذكر عدم الزّوج للمكاتبة، و عدم الرّجم من جهة عدم الزّوج، و عدم النفي من جهة عدم تبيّن العتق، و مع هذا الاحتمال كيف يتمسّك بالصحيحة، ألا ترى أنّه يستشكل التمسّك بقوله (عليه السّلام) على المحكيّ «إنّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام» (1) لعدم إفادة المعاطاة إباحة التّصرف، أو عدم إفادتها اللّزوم بملاحظة صدر الخبر و هو ما رواه ثقة الإسلام عن ابن أبي عمير بسنده عن خالد بن نجيح [حجّاج خ ل] «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الرّجل يجيئني و يقول: اشتر لي هذا الثوب و أربحك كذا، فقال: أ ليس إن شاء أخذ و إن شاء ترك، قلت: بلى، قال: لا بأس إنّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام» (2) و من هذه الجهة وقع الإشكال في تقطيع الأخبار و أمّا التأييد بالرّواية المذكورة فلا فائدة فيه بعد عدم تماميّة السّند في الرّواية، و ما ذكر من التسوية بين الرّجل و المرأة في شرائط الإحصان ينافي مع ما ذكر من كون المطلّقة بالطلاق الرّجعي محصنة فالأولى التمسّك بصحيحة الحسن بن السّري عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إذا زنى العبد و الأمة و هما محصنان فليس عليهما الرّجم و إنّما عليهما الضرب خمسين نصف الحدّ» (3) بحمل المحصنان على المتزوّجان كما في قوله تعالى «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ- الآية» و مقتضى الإطلاق شمولها لما اجتمع فيه سائر الشرائط و غيره فتأمّل.

و لقائل أن يقول: من المحتمل أن يكون عدم ترتّب الأثر من جهة عدم القدرة على بقاء الزّواج لا من جهة الرّقيّة و تظهر الثمرة فيما لو التزم المولى على عدم المنع.

و أما خروج البائن و المطلّق فوجهه واضح.

و لو تزوج معتدّة عالما حدّ مع الدّخول و كذا المرأة، و لو ادّعيا الجهالة أو أحدهما قبل على الأصحّ إذا كان ممكنا في حقّة، و لو راجع الخالع لم يتوجّه عليه

____________

(1) الكافي ج 5 ص 201 تحت رقم 6.

(2) الكافي ج 5 ص 201 تحت رقم 6.

(3) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 83.

12

الرّجم حتّى يطأ، و كذا العبد لو أعتق، و المكاتب إذا تحرّر.

أمّا تزوج الرّجل المعتدّة عالما بالحرمة فلا إشكال في أنّ وطأه زنى فيجب عليه الحدّ، و كذا المرأة إذا كانت عالمة، و لو ادّعيا الجهل بالحرمة قبل مع إمكان الجهالة في حقّ المدّعى كما في المتن.

و يمكن أن يقال: تارة يكون الجاهل قاصرا بحيث لا يحتمل الحرمة، و اخرى يكون شاكا أو ظانّا، ففي هذه الصّورة يجب عليه الفحص و مع عدم الفحص لا عذر له فلا يكفى مجرّد الجهالة، و يمكن استفادة هذا ممّا في صحيحة يزيد الكناسيّ المتقدمة «قلت: فإن كانت تعلم أنّ عليها عدّة و لا تدري كم هي، فقال:

إذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة فتسأل حتّى تعلم» (1) و أمّا مع مراجعة الخالع فقد حكم بعدم توجّه الرّجم على الزّاني حتّى يطأ زوجته المختلعة من جهة أنّها بحكم الزّوجة الجديدة، و قلنا باعتبار الوطي قبل الزّنى خلافا لجماعة من الأعلام.

و لقائل أن يقول: المرأة بالخلع بانت، لكن بعد رجوع المرأة ببذلها أعيدت المرأة رجعيّة كإعادة المعدوم فلا بدّ من إقامة الدّليل على لزوم الوطي الجديد.

و أما العبد و المكاتب فاعتبار المباشرة بعد العتق و التحرّر، ففي العبد مبنى على الأخذ بالأخبار الدّالّة على الاعتبار، و قد سبق الأخبار الّتي دلّت على كفاية الزّوجيّة و مخالفة جماعة من الأعلام.

و أما المكاتب فاتّحاد حكمه مع العبد في هذا الحكم يحتاج إلى الدّليل.

و يجب الحدّ على الأعمى، فإن ادّعى الشبهة فقولان، أشبههما القبول مع الاحتمال، و في التقبيل و المضاجعة و المعانقة التعزير.

أمّا وجوب الحدّ مع عدم الشبهة فلا إشكال فيه و لا خلاف للإطلاق و مع ادّعاء‌

____________

(1) تقدم آنفا.

13

الشبهة تقبل الدّعوى لأنّ دعوى الشبهة في حقّه قابلة للقبول عند العقلاء كدعوى الإكراه في المعاملة مع التهديد من جانب الغير، و لقائل أن يقول: ما وجه درء الحدّ مع دعوى الأعمى و لم يدرء الحدّ مع عدم الدّعوى ألا ترى أنّه لو وقع الأعمى في البئر لم يشكّ أحد في أنّ وقوعها في البئر من جهة عدم التّوجه، فلو رأى أربعة شهود مباشرة الأعمى الأجنبيّة بالنحو الموجب للحدّ لو لا الشّبهة مع احتمال الشّبهة احتمالا قويّا كيف يحدّ مع أنّ الحدود تدرء بالشبهات.

و أمّا التقبيل فقد يقال فيه: إن قبّل المحرم غلاما بشهوة فيضرب مائة سوط و إلّا عزّره الحاكم دون الحدّ حسب ما يراه من المصلحة، و استدلّ للصورة الأولى بمعتبرة إسحاق بن عمّار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): محرم قبّل غلاما بشهوة، قال: يضرب مائة سوط» (1) و لا يضرّ كون يحيى بن المبارك في سندها فإنّه ثقة على الأظهر.

و يمكن أن يقال تقبيل المحرم- و المراد من له القرابة- بشهوة على نحوين تارة كتقبيل الرّجل حليلته بشهوة، و نحو آخر كتقبيل الوالد لولده الصّغار أو لولده الكبير الجائي من سفر بعيد، و هذا نظير النظر إلى الأوراد و المناظر البهيّة، و هل يمكن الالتزام بحرمته. و النحو الأوّل لا إشكال في حرمته، و أمّا استحقاق مائة سوط فهو مبنى على حجّيّة الخبر المذكور من جهة السّند و يحيى بن المبارك المذكور مجهول الحال و لم يظهر وجه لتوثيقه و مع هذا يشكل حيث إنّ الحدّ المذكور قد يوجب القتل و تدرء الحدود بالشبهات، و مطلق التقبيل و المضاجعة و المعانقة اختلف الأصحاب و الرّوايات فيه، و المشهور ثبوت التعزير و لا يبلغ حدّ الزّاني، و يدل عليه صحيحة حريز عن الصادق (عليه السّلام) «إنّ عليّا (عليه السّلام) وجد رجلا و امرأة في لحاف فجلد كلّ واحد منهما مائة سوط إلّا سوطا» (2).

____________

(1) الكافي ج 7 ص 200 تحت رقم 9.

(2) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 41 و الاستبصار ج 4 ص 213.

14

و عن زيد الشحّام «عن الصادق (عليه السّلام) في الرّجل و المرأة يوجدان في لحاف واحد، فقال: يجلدان مائة غير سوط» (1).

و استند القائل بوجوب الحدّ كملا إلى صحيحة الحلبيّ عن الصادق (عليه السّلام) «حدّ الجلد أن يوجدا في لحاف واحد» (2).

و رواية عبد الرّحمن الحذّاء عن الصادق (عليه السّلام) قال: «سمعته يقول: إذا وجد الرّجل و المرأة في لحاف واحد جلدا مائة جلدة» (3) و غيرهما من الأخبار، و حملها الشيخ على وقوع الزّنى مع علم الامام (عليه السّلام) بذلك أو على تكرار الفعل منهما و قد عزّرهما مرّتين أو ثلاثا جمعا بين الأخبار.

و في الجواهر لعلّ التأمّل في الجمع بين النصوص يقتضي تعيين كونه يعني التعزير مائة إلّا سوطا خصوصا بعد إشعار صحيح الحلبيّ الوارد في الرّجلين بأنّ ذكر المائة للتقيّة فعن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فدخل عليه عبّاد البصريّ و معه أناس من أصحابه فقال: حدّثني عن الرّجلين إذا أخذا في لحاف واحد، فقال له: كان عليّ (عليه السّلام): إذا أخذ الرّجلين في لحاف واحد ضربهما الحدّ. فقال عبّاد: إنك قلت: غير سوط، فأعاد عليه ذكر الحدّ حتّى أعاد عليه ذلك مرارا، فقال: غير سوط، فكتب القوم الحضور عند ذلك- الحديث» (4) فحمل نصوص المائة عليه أو على علم الإمام (عليه السّلام) بالزّنى.

و يمكن أن يقال: المعروف أنّ التعزير تعيينه بنظر الحاكم يلاحظ المصلحة، و في المقام يستفاد من كلام الإمام (عليه السّلام) نقل فعل أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما) تعيين التعزير بمائة غير سوط تعيين التعزير بهذا الحدّ ليس غير، و أمّا الحمل على‌

____________

(1) الاستبصار ج 4 ص 213.

(2) الكافي ج 7 ص 181 تحت رقم 1، و الاستبصار ج 4 ص 214.

(3) الكافي ج 7 ص 182 تحت رقم 5، و التهذيب حدود الزنى تحت رقم 150.

(4) الكافي ج 8 ص 182، و الاستبصار ج 4 ص 214.

15

علم الامام (عليه السّلام) بوقوع الزّنى فلم يظهر وجهه، و فيه أوّلا أنّه لو بنى على إجراء الحدّ مع علم الامام (عليه السّلام) أو الحاكم لما احتيج إلى الإقرار أربع مرّات أو الشهادة بالنحو المقرّر فإنّه يحصل العلم غالبا بالإقرار مرّة واحدة و شهادة عدلين. و ثانيا لا بدّ من أن يكون الجواب مطابقا للسؤال فإذا كان السؤال عن مجرّد الاجتماع بالنحو المسئول عنه بدون العلم بأمر آخر بل مع القطع بعدم وقوع أمر آخر كيف يجيب الحكيم بما ذكر، و لا بدّ من تقييد المضاجعة بعدم الاضطرار كما لا يخفى.

و يثبت الزّنى بالإقرار و لا بد من بلوغ المقرّ و كماله و اختياره و حرّيّته و تكرار الإقرار أربعا.

أما حجّيّة الإقرار في الجملة فلا إشكال و لا خلاف فيه بل هو حجّة عند العقلاء.

و أما اعتبار البلوغ و كماله من جهة العقل فقد يتمسّك فيه بحديث رفع القلم عن الصبي و المجنون و غيرهما.

و لقائل أن يقول: لازم عدم الاعتبار بإقرار الصبي بقول مطلق عدم الاعتبار بإسلامه كما لو تولّد بين الكافر و الكافرة و اعتقد العقائد الحقّة بالبرهان و الأدلّة و أقرّ بالإسلام، و هل يمكن الالتزام و القول بكفره بتبعيّته لأبيه و أمّه مع كمال عقله و اختياره، و لا مانع من المشموليّة لما دلّ على أنّ إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، غاية الأمر عدم استحقاق حدّ الزّاني البالغ، و أمّا التعزير اللازم على غير البالغ فما وجه سقوطه؟

و أما اعتبار الاختيار فوجهه واضح حيث رفع ما استكرهوا عليه، لكن بناء العقلاء على كون المقرّ مختارا كما هو الحال في المعاملات الصادرة من العقلاء إلّا أن يكون الإقرار و المعاملة مقرونة بما يدلّ على الكراهة.

و أما اعتبار الحرّيّة فلانّ المملوك ملك الغير و الإقرار بالنسبة إلى غيره‌

16

ليس نافذا.

و يمكن أن يقال: لا مانع من نفوذ الإقرار بحيث لو أعتق يجري عليه الحدّ من دون حاجة إلى إقرار جديد.

و أما لزوم تكرار الإقرار أربع مرّات فيدلّ عليه عدّة روايات منها ما رواه الصدوق (ره) بسنده المعتبر إلى سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: «أتت امرأة أمير المؤمنين صلوات اللّه تعالى عليه فقالت: يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني طهّرك اللّه فأنّ عذاب الدّنيا أيسر من عذاب الآخرة الّذي لا ينقطع فقال لها: ممّ أطهّرك قالت: من الزّنى فقال لها: فذات بعل؟ فقالت: ذات بعل- إلى أن قال- فلمّا ولّت عنه المرأة من حيث لا تسمع كلامه قال: اللّهمّ هذه شهادة، فلم تلبس أن أتته فقالت: إنّي وضعت فطهّرني فتجاهل عليها و قال: أطهّرك يا أمة اللّه من ما ذا؟ قال: إنّي زنيت- إلى أن قال- فلمّا ولّت حيث لا تسمع كلامه قال: إنّهما شهادتان، فلمّا أرضعته عادت إليه فقالت: يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني، قال لها: و ذات بعل كنت إذ فعلت ما فعلت، أم غير ذات بعل؟ قالت: بل ذات بعل، قال: و كان زوجك حاضرا أم غائبا؟

قالت: بل حاضرا، قال: اذهبي فاكفليه إلى أن قال- فانصرفت و هي تبكي فلمّا ولّت حيث لا تسمع كلامه، قال: اللّهمّ هذه ثلاث شهادات- إلى أن قال- فرجعت و أخبرت أمير المؤمنين (عليه السّلام) بقول عمرو، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): لم يكفّل عنك عمرو ولدك؟

قالت: يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني- إلى أن قال- فرفع أمير المؤمنين (عليه السّلام) رأسه إلى السّماء فقال: اللّهمّ إنّه قد أثبت ذلك عليها أربع شهادات- الحديث».

و قريب منها رواية أبي بصير (1).

و يظهر من المحقّق الأردبيلي- (قدس سره)- عدم الجزم بصحّة هذا الخبر‌

____________

(1) الفقيه باب الحدود و التعزيرات، و رواه الكليني ج 7 ص 185 عن على بن أبي حمزة عن ابى بصير عن صالح بن ميثم عن أبيه بأدنى اختلاف في اللفظ و الخبر بسنديه ضعيف لوجود البطائني في طريق الكليني و الشيخ، و سعد بن طريف القاضي العامّي غير الموثّق في طريق الصدوق. ثم لا يخفى ما فيه من تكرار الإقرار خمس مرات في لفظ الكافي و التهذيب.

17

و الخبر السابق حيث عبّر بقوله «و لعلّ» و قد يقال: مورد الرّوايات و إن كان هو الرّجم إلّا أنّه يستفاد منها حكم الجلد لوجهين:

الأوّل أنّ الإقرار بالزّنى بمنزلة الشهادة كما عرفت فكما لا يثبت الرّجم إلّا بأربع شهادات لا يثبت الجلد إلّا بذلك.

الثاني أنّ الجلد لو كان يثبت بالإقرار مرّة واحدة لم يكن وجه لتأخير الحدّ في الإقرار بالزّنى حتّى يتمّ أربع مرّات كما في هذه الرّوايات.

و يمكن أن يقال: التنزيل المذكور في الرّوايات تنزيل الإقرار بمنزلة الشهادة اللّازمة في مورد الرّجم حيث سئل بعد الإقرار الأوّل «فذات بعل فقالت:

ذات بعل» و لزوم تعدّد الشهادة ليس من آثار الشهادة، و ممّا ذكر ظهر الإشكال في الوجه الثاني حيث إنّ الرّجم مترتّب على الإقرار أربع مرّات و المحصنة حدّها الرّجم و ليس حدّها الجلد، مضافا إلى أنّه مع احتمال الحمل لا بدّ من التأخير لاحتمال قتل الحمل.

و هل يشترط اختلاف مجالس الإقرار؟ أشبهه أنّه لا يشترط، و لو أقرّ بحدّ و لم يبيّنه ضرب حتّى ينتهي عن نفسه.

لا دليل على اشتراط اختلاف مجالس الإقرار إلّا ما وجد في فعل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و فعل أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)، و مجرّد هذا لا يوجب الاشتراط، و لا يبعد الأخذ بعموم أدلّة الحدود على أنّ الاشتراط خلاف الأصل، و إذا قال من يقبل إقراره على نفسه على حدّ من حدود اللّه و لم يبيّن الحدّ المقرّ به يسمع إقراره فيضرب السّوط حتّى ينتهي بأن يقول: لا تضرب، و الحدّ له اطلاقان تارة يكون في مقابل التعزير، و اخرى ما يعم التعزير، فما يشترط فيه الإقرار أربع مرّات لا يثبت بمجرّد الإقرار مرّة، و مع احتمال إرادة التعزير لعلّ الظاهر عدم وجوب الضرب، و الظاهر أنّ الشهود لعذاب الزّاني خروجهم عن المجلس بمنزلة الإقرار على ما يوجب التعزير، و لم يدلّ دليل على تعزيرهم، فمع احتمال هذا كيف يجب‌

18

ضرب المقرّ. و إن قيل بأنّ الظاهر أنّ الحدّ المقرّ به ما يقابل التعزير فلا بدّ من الاكتفاء بأقلّ ما يصدق عليه الحدّ، و على أيّ تقدير إذا بلغ الضرب إلى حدّ نهى المضروب عن الضرب سواء وصل إلى أقلّ الحدود أم لا، يكتفى به، إلّا أن يقال:

التعزير منوط بنظر الحاكم لا بنظر المقرّ، و لعلّ نظر الحاكم مخالف لنظره من جهة شرافة المحلّ أو شرافة الزّمان.

و لو أقر بما يوجب الرّجم، ثمّ أنكر سقط عنه و لا يسقط غيره.

المشهور أنّه إذا أنكر بعد الإقرار بما يوجب الرّجم يسقط عنه الرّجم دون الحدّ و يدلّ عليه عدّة روايات منها صحيحة الحلبي عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) «في رجل أقرّ على نفسه بحدّ ثمّ جحد بعد، فقال: إذا أقرّ على نفسه عند الامام أنّه سرق، ثمّ جحد قطعت يده و إن رغم انفه، و إن أقرّ على نفسه أنّه شرب خمرا أو بفرية فاجلدوه ثمانين جلدة، قلت: فإن أقرّ على نفسه بحدّ يجب فيه الرّجم أ كنت راجمه؟ فقال: لا و لكن كنت ضاربه الحدّ» (1).

و قريب منها صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إذا أقرّ الرّجل على نفسه بحدّ أو فرية، ثمّ جحد جلد، قلت: أ رأيت إن أقرّ على نفسه بحدّ يبلغ فيه الرّجم أ كنت ترجمه؟ قال: لا و لكن كنت ضاربه» (2).

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) «قال: من أقرّ على نفسه بحدّ أقمته عليه إلّا الرّجم فإنّه إذا أقرّ على نفسه، ثمّ جحد لم يرجم» (3).

و يمكن أن يقال: هذه الاخبار ظاهرها كفاية مجرّد الإقرار و لو مرّة و الحال أنّه لا بدّ في الإقرار في باب الزّنى من التكرّر أربع مرّات فمع التكرّر أربع مرّات كيف يسقط الرّجم، و مع عدم الرّجم كيف يكتفى بمرّة واحدة في‌

____________

(1) الكافي 7 ص 220 و التهذيب في حد السرقة تحت رقم 109.

(2) الكافي ج 6 ص 219 و 220 و الثاني في التهذيب أيضا في حدود الزنا تحت رقم 161.

(3) الكافي ج 6 ص 219 و 220 و الثاني في التهذيب أيضا في حدود الزنا تحت رقم 161.

19

الجلد مع أنّ ظاهر الأخبار المذكورة الاكتفاء بمرّة واحدة مثل الإقرار بالسرقة أو الإقرار بفرية، و التفرقة بين الأقارير بعيدة، و عن جامع البزنطي «إنّ المنكر بعد الإقرار يحلف و يسقط عنه الرّجم» و انّه رواه عن الصّادق (عليه السّلام) بعدّة أسانيد هذا، و المخالفة للمشهور مشكلة.

و لو أقرّ ثمّ تاب كان الامام (عليه السّلام) مخيّرا في الإقامة رجما كان أو غيره، و لا يكفي في البيّنة أقلّ من أربعة رجال أو ثلاثة و امرأتين، و لو شهد رجلان و أربع نساء يثبت بهم الجلد لا الرّجم، و لا تقبل شهادة ستّ نساء و رجل، و لا شهادة النساء منفردات، و لو شهد ما دون الأربع لم يثبت و حدّوا للفرية.

و استدلّ على النحو المذكور بصحيح ضريس الكناسيّ، عن أبي جعفر (عليهما السّلام) قال: «لا يعفى عن الحدود الّتي للّه دون الإمام، فأمّا ما كان من حقّ النّاس في حدّ فلا بأس بأن يعفى عنه دون الامام (عليه السّلام)» (1).

و قد يقال: لا بدّ من رفع اليد عن إطلاق هذه الصحيحة بما إذا ثبت الحقّ بالبيّنة، و استدلّ بمعتبرة طلحة بن زيد عن جعفر (عليه السّلام) «قال: حدّثني بعض أهلي إنّ شابّا أتى أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) فأقرّ عنده بالسّرقة، قال: فقال له عليّ (عليه السّلام): إنّي أراك شابّا لا بأس بهبتك (2) فهل تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقرة، فقال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، قال: و إنّما منعه أن يقطعه لانّه لم تقم عليه بيّنة» (3).

و تؤيّده روايته الأخرى عن جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) «قال: جاء رجل إلى أمير- المؤمنين (عليه السّلام) فأقرّ بالسرقة، فقال: أ تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، قال: فقال الأشعث: أ تعطّل حدّا من حدود اللّه؟

____________

(1) الفقيه في نوادر الحدود تحت رقم 7.

(2) في المصدر «لا بأس بهيئتك».

(3) التهذيب في حد السرقة تحت رقم 123 و الاستبصار ج 4 ص 252.

20

فقال: و ما يدريك، هذا إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، و إذا أقر الرّجل على نفسه فذاك إلى الامام إن شاء عفا و إن شاء قطع» (1).

و يمكن أن يقال: إنّ معتبرة طلحة بن زيد المذكورة مخصوصة بصورة السّرقة فالتعدي إلى غيرها مشكل، و الرّواية الأخرى مع عدم إحراز الصحّة من جهة السند كيف يؤخذ بمضمونها بحيث يتعدّى إلى مثل الزّنى.

و أمّا عدم الكفاية في البيّنة بغير ما ذكر في المتن فقد تبيّن في كتاب الشهادات.

و أما توجّه الحدّ على ما دون الأربع للفرية فتدلّ عليه معتبرة السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السّلام) «في ثلاثة شهدوا على رجل بالزّنى فقال عليّ (عليه السّلام):

أين الرّابع؟ قالوا: الآن يجي‌ء، فقال (عليه السّلام): حدّوهم فليس في الحدود نظرة ساعة» (2).

و رواية نعيم بن إبراهيم، عن عبّاد البصريّ قال: «سألت أبا جعفر (عليهما السّلام) عن ثلاثة شهدوا على رجل بالزّنى و قالوا: الآن نأتي بالرّابع، قال: فقال: يجلدون حدّ القاذف ثمانين جلدة كلّ رجل منهم» (3).

و المحكيّ عن الشيخ في الخلاف عدم اشتراط اتّحاد المجلس حيث إنّه إذا تكاملت شهود الزّنى فقد ثبت الحكم بشهادتهم، و قد تأمّل المحقّق الأردبيليّ- (قدس سره)- لكن مع اعتبار الرّوايتين من جهة الشهرة الجابرة لضعف السند لا بدّ من الأخذ بمضمونهما.

و لا بدّ في الشهادة من ذكر المشاهدة كالميل في المكحلة و لا بدّ من تواردهم على الفعل الواحد في الزّمان الواحد و المكان الواحد، و لو أقام الشهادة بعض

____________

(1) التهذيب باب حد السرقة تحت رقم 9 و الاستبصار ج 4 ص 252.

(2) التهذيب باب حد الزنى تحت رقم 185.

(3) الكافي ج 7 ص 210 تحت رقم 1 و التهذيب ب 12 من حد القذف تحت رقم 25.

21

حدّوا و لم يرتقب إتمام البيّنة، و تقبل شهادة الأربعة على الاثنين فما زاد و لا يسقط الحدّ بالتوبة بعد قيام البيّنة و يثبت لو كانت قبلها رجما كان أو غيره.

أمّا اعتبار المشاهدة بالنحو المذكور فهو المعروف و قيل لا خلاف فيه يعتدّ به و يدلّ عليه قول الصادق (عليه السّلام) على المحكيّ في صحيح الحلبيّ «حدّ الرّجم أن يشهد عليه أربعة أنّهم رأوه يدخل و يخرج» (1).

و في خبر أبي بصير «لا يرجم الرّجل و المرأة حتّى يشهد عليهما أربعة على الجماع و الإيلاج و الإدخال كالميل في المكحلة» (2).

و لا يخفى أنّ اعتبار المشاهدة بهذا النحو مع عدم التعرّض في سائر الأخبار بعيد، ففي الموثّق كالصحيح «قال في رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال و امرأتان وجب عليه الرّجم، و إن شهد رجلان و أربع نسوة فلا تجوز شهادتهم و لا يرجم و لكن يضرب حدّ الزّاني» (3).

و يدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «حدّ الرّجم إن يشهد أربع أنّهم رأوه يدخل و يخرج» (4).

و صحيحة محمّد بن قيس عن أبى جعفر (عليهما السّلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السّلام):

لا يرجم رجل و لا امرأة حتّى يشهد عليه أربعة شهود على الإيلاج و الإخراج» (5).

و في قبال ما ذكر صحيحة حريز عن ابى عبد اللّه (عليه السّلام) «قال: القاذف يجلد ثمانين جلدة- إلى أن قال- و لا تقبل شهادتهم حتّى يقول أربعة رأينا مثل الميل في المكحلة» (6).

____________

(1) الكافي ج 7 ص 187 تحت رقم 1، و استبصار ج 4 ص 217.

(2) الكافي ج 7 ص 174 تحت رقم 4، و استبصار ج 4 ص 217.

(3) الفقيه: الحدود و التعزيرات تحت رقم 6، و التهذيب في حدود الزنى تحت رقم 80

(4) تقدمت آنفا.

(5) الكافي ج 7 ص 183، و الاستبصار ج 4 ص 217.

(6) تفسير على بن إبراهيم ص 451.

22

فان كان المراد تعلّق الرّؤية بالظرف و المظروف بحيث لو لم تكن الشهادة بهذا النحو لزم الحدود على الشهود حدود القذف، فتقع المعارضة مع ما سبق، و لا مجال لرفع اليد عمّا ذكر.

و أما لزوم توارد الشهود على الفعل الواحد و الزّمان الواحد و المكان الواحد فقد يوجّه بأنّه مع الاختلاف لا يثبت الزّنى بشهادتهم.

و يمكن أن يقال: لا نسلّم عدم الإثبات ألا ترى أنّ الموثّق المذكور آنفا حكم فيه بوجوب الرّجم مع عدم السؤال عن الشهود من جهة الزّمان و المكان مع إمكان اختلافهم في الزّمان و المكان.

و أمّا قبول شهادة الأربعة على الاثنين فما زاد فللإطلاقات.

و أما عدم سقوط الحدّ بالتوبة بعد قيام البيّنة فقد يتمسّك فيه بالإطلاقات الدّالّة على لزوم إجراء الحدّ، و عدم الدّليل على السقوط بالتوبة مضافا إلى التأكيد بما دلّ على أنّ من هرب من الحفيرة يرد حتّى يقام عليه الحدّ إذا كان قد قامت عليه البيّنة لصحيحة الحسين بن خالد قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السّلام):

أخبرني عن المحصن إذا هو هرب من الحفيرة هل يرد حتّى يقام عليه الحدّ؟ فقال يردّ و لا يردّ- إلى أن قال- و إن كان إنّما قامت عليه البيّنة و هو يجحد، ثمّ هرب ردّ و هو صاغر حتّى يقام عليه الحدّ- الخبر» (1) هذا، و لم أعرف كيف يستفاد من هذه الصحيحة عدم قبول التوبة، فإنّ الهرب من الحفيرة كيف يدلّ على التوبة.

و أمّا التمسّك بالإطلاقات فيمكن الاشكال فيه بأنّ السقوط ليس في عرض الثبوت و لعلّه لذا قد يتمسّك بالاستصحاب بأنّ الحدّ ثبت عليه فيستصحب، و مع الإشكال في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة يشكل الاستصحاب.

و أما التوبة قبل قيام البيّنة فقبولها و سقوط الحدّ هو المشهور بل ادّعى عليه الإجماع، و استشكل من جهة عدم تحقّق الإجماع، و استدلّ عليه بما رواه جميل‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 185 تحت رقم 5، و المحاسن ص 306.

23

عن رجل، عن أحدهما (عليهما السّلام) «في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم ذلك منه و لم يؤخذ حتّى تاب و صلح، فقال (عليه السّلام): إذا صلح و عرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحدّ- الحديث» (1).

و استشكل بأنّ الرّواية لإرسالها غير قابلة للاعتماد عليها نعم في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه قال: السّارق إذا جاء من قبل نفسه تائبا إلى اللّه عزّ و جلّ تردّ سرقته إلى صاحبها و لا قطع عليه» (2)، لكن الصحيحة خاصّة بالسرقة، و يمكن أن يتمسّك بمعتبرة أصبغ بن نباتة قال: «أتى رجل أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي زنيت فطهّرني فأعرض عنه بوجهه، ثمّ قال له: اجلس فقال:

أ يعجز أحدكم إذا قارف هذه السيّئة أن يستر على نفسه كما ستر اللّه عليه، فقام الرّجل فقال: يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني، فقال: و ما دعاك إلى ما قلت؟

قال: طلب الطّهارة، قال: و أيّ طهارة أفضل من التوبة، ثمّ أقبل على أصحابه يحدّثهم، فقام الرّجل فقال: يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني- الحديث» (3).

فالمستفاد من هذه الرّواية أنّ الزّاني إذا تاب بينه و بين اللّه تعالى يكون متطهّرا من الذّنب فلا حاجة إلى التطهير بإقامة الحدّ عليه، و ترك الاستفصال يقتضي عدم الفرق بين ما يوجب الرّجم أو الجلد و غيرهما.

[النظر الثاني في الحد]

النظر الثاني في الحد:

يجب القتل على الزّاني بالمحرمة كالأمّ و البنت، و ألحق الشيخ كذلك امرأة الأب.

الظاهر عدم الخلاف فيه بين الأصحاب و تدلّ على ذلك عدّة روايات: منها‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 250. و التهذيب باب حد السرقة تحت رقم 107.

(2) التهذيب في حد السرقة تحت رقم 106.

(3) الفقيه: ما يجب به التعزير تحت رقم 31.

24

صحيحة أبي أيّوب قال: «سمعت ابن بكير بن أعين يروي عن أحدهما (عليهما السّلام) قال:

من زنى بذات محرم حتّى يواقعها ضرب ضربة بالسّيف أخذت منه ما أخذت، قيل له: فمن يضربهما و ليس لهما خصم؟ قال ذلك على الإمام إذا رفعا إليه (1)».

و منها: رواية عبد اللّه بن بكير، عن أبيه قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): من أتى ذات محرم ضرب ضربة بالسّيف أخذت منه ما أخذت» (2) و غيرهما.

و قد يستشكل بأنّ هذه الصحيحة و ما شاكلها لا تدلّ على القتل لعدم الملازمة بين الضربة المذكورة و القتل، و أجيب بأنّ ترتّب القتل أمر عاديّ لا يتخلّف عنه عادة و يكشف عنه قوله في صحيحة جميل بن درّاج قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أين يضرب الّذي يأتي ذات محرم بالسيف أين هذه الضربة؟ قال (عليه السّلام): تضرب عنقه- أو قال:

تضرب رقبته-» (3) و يمكن أن يقال: المتفاهم عرفا من ضرب العنق أو ضرب الرّقبة القتل و أمّا التعبير بقوله (عليه السّلام) على المحكيّ «ضربة واحدة بالسيف أخذت منه ما أخذت» فلا ظهور فيه، و أمّا صحيحة جميل فالظاهر أنّ السؤال فيها عن مكان الضرب و هذا غير التعبير بضرب العنق أو ضرب الرقبة، ثمّ إنّه لم يظهر مراد الفقهاء- (قدّس اللّه تعالى أسرارهم)- من المحرمة هل هي خصوص من حرم نكاحها بالنسب أو مطلق من حرم نكاحها بنسب أو رضاع أو مصاهرة حرمة أبديّة، كما ذكر في مسألة تغسيل الموتى أو الأعمّ منهما، فان كان النظر إلى الإجماع في المسألة فلا بدّ من الاقتصار بالقدر المتيقّن، و إن كان النظر إلى الأخبار فالتعدّي عن مواردها لا يجوز، و المعروف الحمل على ذات المحرّمات نسبا، و إن كان بحسب اللّغة الّتي يحرم نكاحها، ثمّ إنّه يقع الإشكال في ما لو كان الزّاني بالمحرمة محصنا حيث إنّ المحصن يرجم، و النسبة‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 190 تحت رقم 1، و الاستبصار ج 4 ص 208.

(2) الكافي ج 7 ص 190 تحت رقم 6.

(3) الكافي ج 7 ص 190 تحت رقم 2، و التهذيب في حدود الزنى تحت رقم 69 و فيه «أين يضرب هذه الضربة- يعنى من أتى ذات محرم».

25

بين ما دلّ على ترتّب الرّجم و بين ما دلّ على ترتّب الضرب بالسيف عموم من وجه، و لم يظهر وجه لتقديم أحد الدّليلين.

و الظاهر أنّ المقام من باب المزاحمة و تزاحم المقتضيين كما لو قتل شخص شخصين مع التكافؤ و أراد وليّا المجنيّ عليهما القصاص فيجي‌ء التخيير، و يمكن الاستشهاد بمثل صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) «في الرّجل يؤخذ و عليه حدود أحدها القتل، فقال: كان عليّ (عليه السّلام) يقيم الحدود، ثمّ يقتله، و لا نخالف عليّا (عليه السّلام)». (1) و قريب منها صحيحتا حمّاد بن عثمان و عبد اللّه بن سنان (2) حيث إنّ الظّاهر أنّ الرّاوي استفاد من الأدلّة السببيّة، و السؤال راجع إلى أنّه مع تعدّد السبب كيف يعمل و قرّره الامام (عليه السّلام) على ما فهمه.

و قد يقال: لا بدّ من تقديم الرّوايات الرّاجعة إلى الضرب بالسيف في الزّاني بالمحرمة لأنّها ناظرة إلى إثبات خصوصيّة للزّنى بذات المحرم فيرفع اليد بها عن إطلاق ما دلّ على ثبوت الجلد أو الرّجم، مضافا إلى أظهريّتها نظرا إلى دلالتها على ذلك بالعموم وضعا، و دلالة تلك بالإطلاق، و يمكن أن يقال: الخصوصيّة في الطرفين ملحوظة و الأظهريّة ممنوعة، و ما ذكر مبنىّ على كون المقام من باب المعارضة لا من باب المزاحمة.

و أمّا معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إذا زنى الرّجل بذات محرم حدّ حدّ الزّاني إلّا أنّه أعظم ذنبا» (3) فتطرح لشذوذها و شهرة تلك الأخبار.

و أما ما ذكر من إلحاق الشيخ- (قدس سره)- امرأة الأب فلعلّه لخصوص الرّواية في ذلك و إلّا لزم الحكم في جميع المصاهرات مثل حليلة الولد و هي رواية‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 250 تحت رقم 1.

(2) راجع الكافي ج 7 ص 250، و التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 163 و 164.

(3) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 71.

26

إسماعيل بن أبي زياد «عن أبي جعفر، عن أبيه، عن أمير المؤمنين (عليهم السّلام) أنّه رفع إليه رجل وقع على امرأة أبيه فرجمه و كان غير محصن» (1).

و يقع الاشكال من جهة عدم صحّة السند و فتوى الأكثر على الخلاف و «تدرء الحدود بالشبهات».

و كذا يقتل الذّمّيّ إذا زنى بالمسلمة، و الزّاني قهرا، و لا يعتبر الإحصان، و يتساوى فيه الحرّ و العبد، و المسلم و الكافر، و في جلده قبل القتل تردّد.

أمّا قتل الذّمّي إذا زنى بمسلمة فيدلّ عليه الصحيح عن حنان بن سدير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سألته عن يهوديّ فجر بمسلمة؟ قال: يقتل (2)» و ادّعي الإجماع عليه.

و قد يتأمّل في الصحيحة من جهة ما قيل في حنان حيث قال المحقّق الأردبيليّ- (قدس سره)-: و لا يضرّ القول في حنان (3) و هذه الصحيحة موردها اليهوديّ، و قد يقال: المتفاهم منها عرفا مطلق من لا يجوز قتله يهوديّا كان أو نصرانيّا.

و يؤيّده رواية جعفر بن رزق اللّه قال: «قدم إلى المتوكّل رجل نصرانيّ فجر بامرأة مسلمة و أراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم قد هدم إيمانه شركه و فعله- إلى أن قال- فلمّا قدم الكتاب كتب أبو الحسن [يعني الثالث] يضرب حتّى يموت، فأنكر يحيى بن أكثم- إلى أن قال- فكتب (عليه السّلام): «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فَلَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا قٰالُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنٰا بِمٰا كُنّٰا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمٰانُهُمْ لَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا سُنَّتَ اللّٰهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبٰادِهِ وَ خَسِرَ هُنٰالِكَ

____________

(1) الفقيه في حد اللواط و السحق تحت رقم 9.

(2) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 134. و الكافي ج 7 ص 239.

(3) حنان بن سدير موثق لكونه واقفيا كما ذكره الشيخ في فهرسه.

27

الْكٰافِرُونَ» (1) قال: فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات» (2).

و يمكن أن يقال: أمّا ما ذكر من المتفاهم العرفيّ- إلخ، فلم يظهر وجهه فإنّ الحكم في مورد خاصّ و التعدّي منوط بالعلم بالمناط و العلّة، و لا طريق لنا.

و أمّا الرّواية المذكورة فهي و إن لم يصحّح سندها لكن متن الرّواية يشهد بعدم الصدور من غير المعصوم (صلوات اللّه عليه) لكن المذكور فيه الضّرب حتّى يموت و هذا غير مطلق القتل، و المذكور في الرّواية «رجل نصرانيّ فجر- إلخ» و لم يذكر فيها كيفيّة إثبات ما وقع مع لزوم إثبات الزّنى بالنحو المذكور في الأخبار.

و أما قتل الزّاني قهرا فالظاهر عدم الخلاف فيه و تدلّ عليه عدّة روايات منها صحيحة بريد العجليّ قال: «سئل أبو جعفر (عليهما السّلام) عن رجل اغتصب امرأة فرجها؟ قال: يقتل محصنا كان أو غير محصن» (3).

و نحوها صحيحة زرارة (4) على طريق الصدوق- (قدس سره).

و أمّا عدم الاعتبار بالإحصان بمعنى أنّ اللّازم القتل فقطّ و لو كان الزّاني محصنا ففي الزّاني قهرا يتمسّك بصحيحتي بريد العجليّ و زرارة، و أمّا عدم الاعتبار بالإحصان بالنسبة إلى الذّمّي الزّاني بالمسلمة فيشكل حيث إنّ ظاهر الأدلّة العلّيّة، فالإحصان يوجب الرّجم فمع التزاحم و عدم تقديم أحد المقتضيين من طرف الشرع مقتضى القاعدة التخيير.

و قد يدّعى عدم وجدان الخلاف في التساوي مع الزّنى قهرا على أنّه لو‌

____________

(1) المؤمن: 84.

(2) الكافي ج 7 ص 238 تحت رقم 2، و التهذيب حدود الزنى تحت رقم 135.

(3) الكافي ج 7 ص 189، و الفقيه في حد ما يكون المسافر فيه معذورا تحت رقم 9.

(4) الفقيه الباب المذكور تحت رقم 6.

28

سلّم التعارض بين إطلاق الأدلّة هنا و بين غيرها من وجه فلا ريب أنّ الترجيح لما هنا و لو لفتوى الأصحاب، و الاشكال في ما ذكر ظاهر حيث إنّ مجرّد عدم وجدان الخلاف ليس إجماعا و مع استظهار العلّيّة و تحقّق التزاحم كيف يعامل معاملة المتعارضين اللّذين ليس الملاك إلّا في أحدهما.

و يجب الرّجم على المحصن إذا زنى ببالغة عاقلة، و يجمع للشيخ و الشيخة بين الحدّ و الرّجم إجماعا، و في الشّابّ روايتان أشبهما الجمع، و لا يجب الرّجم بالزّنى بالصغيرة و لمجنونة و يجب الجلد، و كذا لو زنى بالمحصنة صغير.

لا بدّ من نقل الأخبار الواردة في المقام فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليهما السّلام) «في المحصن و المحصنة جلد مائة ثمّ الرّجم» (1).

و منها رواية موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبى جعفر (عليهما السّلام) قال: «المحصن يجلد مائه و يرجم، و من لم يحصن يجلد مائة و لا ينفي و الّتي قد أملكت و لم يدخل بها تجلد مائة و تنفى» (2).

و أخرى عنه (عليه السّلام) قال: «قضى عليّ (عليه السّلام) في امرأة زنت فحبلت فقتلت ولدها سرّا فأمر بها فجلدها مائة ثمّ رجمت و كان أوّل من رجمها» (3).

و صحيحته عنه (عليه السّلام) أيضا مثل صحيحة محمّد بن مسلم.

و منها صحيحة عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «الرّجم حدّ اللّه الأكبر، و الجلد حدّ اللّه الأصغر، فإذا زنى الرّجل المحصن رجم و لم يجلد» (4).

و منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليهما السّلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام)

____________

(1) الاستبصار ج 4 ص 201. و التهذيب في حدود الزنى تحت رقم 13.

(2) التهذيب: في حدود الزنى تحت رقم 12.

(3) المصدر تحت رقم 15.

(4) المصدر تحت رقم 18، و الكافي ج 7 ص 176.

29

في الشّيخ و الشّيخة أن يجلدا مائة و قضى للمحصن الرّجم، و قضى في البكر و البكرة إذا زنيا جلد مائة و نفي سنة في غير مصرهما، و هما اللّذان قد أملكا و لم يدخل بها» (1).

و قد يقال: إنّ مقتضى هذه الصّحيحة أنّ الشيخ و الشيخة لا رجم عليهما إذا لم يكونا محصنين فالنتيجة أنّ الجمع بين الجلد و الرّجم يختص بصورة الإحصان فإذا لم يكن إحصان كان الحدّ هو الجلد فحسب، فصحيحة عاصم بن حميد المذكورة لا بدّ من تقييدها بغير الشّيخ و الشّيخة بصحيحة محمّد بن مسلم المذكورة، فتحمل صحيحة عاصم المذكورة على الشّابّ و الشّابة فتكون أخصّ من صحيحة محمّد بن مسلم و صحيحة زرارة المذكورتين فتحمل صحيحتان على الشيخ و الشيخة، و تؤيّد ذلك رواية عبد اللّه ابن طلحة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إذا زنى الشّيخ و العجوز جلدا، ثمّ رجما عقوبة لهما، و إذا زنى النّصف من الرّجال رجم، و لم يجلد إذا كان قد أحصن- الحديث» (2).

و يمكن أن يقال: إذا تعارض الأخبار لا وجه للجمع بين بعضها مع بعض أولا ثمّ ملاحظة النسبة بين المتصرّف فيه مع بعض آخر فإنّ الأخص المطلق يقدّم على الأعمّ المطلق من جهة الأظهريّة في حد ذاته، و المطلقان المتعارضان لا أظهريّة لأحدهما على الآخر من جهة ظهورهما، فالتّعارض بين المطلقين باق و أمّا التأييد بما ذكر من رواية عبد اللّه بن طلحة فلا فائدة فيه مع عدم التماميّة من جهة السند و لكنّها دليل الشّيخ- (قدس سره)- يقوي اختياره.

هذا مضافا إلى أنّ تقييد صحيحة محمّد بن مسلم بخصوص الشّيخ و الشّيخة لا يخفى الاشكال فيه لأنّ القاعدة في القانون أن لا يكون الباقي بعد التخصيص أقلّ‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 177.

(2) الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 48، و النصف- بالتحريك-: ما بين الشاب و الكهلة.

30

بل و لا المساوي و الظاهر أنّ ابتلاء الشّباب بارتكاب الزّنى مع الإحصان أكثر من ارتكاب الشّيخ و الشّيخة.

و أما الزّنى بالصغيرة و المجنونة فالمشهور عدم الرّجم على الزّاني المحصن بل الواجب الجلد، و لم يذكر له وجه يعتمد عليه، و قد يقال: بثبوت الرّجم مع الإحصان من جهة صدق زنى المحصن خصوصا في المجنونة مضافا الى إطلاق ما ورد من ثبوت الحدّ على البالغ منهما و المنساق منه الحدّ الكامل بحسب حاله من الإحصان و غيره ففي موثّق ابن بكير عن [أبي مريم عن] أبي عبد اللّه (عليه السّلام) «في غلام لم يبلغ الحلم وقع على امرأة أو فجر بامرأة ما يصنع بهما؟ قال: يضرب الغلام دون الحدّ، و يقام على المرأة الحدّ، قلت، جارية لم تبلغ وجدت مع رجل يفجر بها، قال: تضرب الجارية دون الحدّ، و يقام على الرّجل الحدّ» (1). و لقائل أن يقول: لم يظهر لهذا الموثّق إطلاق بالنظر إلى صورة الإحصان و الشاهد على هذا صحيح أبي بصير عن الصّادق (عليه السّلام) «في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنى بامرأة؟ قال: يجلد الغلام دون الحدّ، و تجلد المرأة الحدّ كاملا قيل له: فان كانت محصنة؟ قال: لا ترجم لأنّ الّذي نكحها ليس بمدرك فلو كان مدركا رجمت» (2) حيث إنّ السؤال لو كان مطلقا لما احتاج إلى السؤال و كذا الكلام في الزّنى بالمجنونة فتأمّل.

و لو زنى بها المجنون لم يسقط عنها الرّجم، و يجزّ رأس البكر مع الحدّ، و يغرّب عن بلده سنة، و البكر من ليس بمحصن، و قيل: الّذي أملك و لم يدخل، و لا تغريب على المرأة و لا جزّ.

أمّا عدم سقوط الرّجم عن المرأة فللإطلاقات و عدم ما يقيّدها.

____________

(1) الكافي ج 7 ص 180 و ليس فيه [عن ابى مريم] مع وجوده في التهذيب:

حدود الزنى تحت رقم 45.

(2) الكافي ج 7 ص 180.

31

و أما جزّ رأس البكر و التغريب عن البلد سنة فيدل عليه صحيحة حنان قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) و أنا أسمع عن البكر يفجر و قد تزوّج ففجر، قبل أن يدخل بأهله، فقال: يضرب مائة و يجزّ. شعره و ينفى عن المصر حولا، و يفرّق بينة و بين أهله» (1).

و صحيحة عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السّلام) قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة و لم يدخل بها فزنى ما عليه؟ قال: يجلد الحدّ و يحلق رأسه، و يفرّق بينه و بين أهله، و ينفى سنة» (2) و استشكل في تعميم الحكم لكلّ من ليس بمحصن من جهة أن مورد الصحيحتين خصوص من أملك و لم يدخل بأهله.

و يمكن أن يقال: مقتضى صحيحة الحلبيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «في الشيخ و الشيخة جلد مائة و الرّجم، و البكر و البكرة جلد مائة و نفي سنة» (3) الإطلاق، و قد يقيّد بملاحظة صحيحة محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليهما السّلام) قال: «قضى أمير- المؤمنين (عليه السّلام) في الشّيخ و الشّيخة أن يجلدا مائة جلدة، و قضى للمحصن الرّجم، و قضى في البكر و البكرة إذا زنيا جلد مائة، و نفي سنة في غير مصرهما» (4) و هما اللّذان قد أملكا و لم يدخل بهما، و يمكن أن يقال: البكر و البكرة معناهما معروف عند العرف ألا ترى كلام الفقهاء في كتاب النكاح في ولاية الأب و الجدّ بالنسبة إلى البكر و أمّا تقييدهما بما ذكران رجع إلى تقييد الموضوع فلا كلام و ان رجع إلى تعيين الموضوع فقد يشكل من جهة عدم إثبات الموضوع بخبر واحد هذا مضافا إلى ما ادّعى من أنّ المشهور أنّ البكر عبارة عن غير المحصن لإطلاق قول الصادق (عليه السّلام) على المحكيّ في خبر عبد اللّه بن طلحة «إذا زنى الشّاب الحدث‌

____________

(1) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 125 و 126.

(2) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 125 و 126.

(3) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 14، و الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 10.

(4) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 123 و الاستبصار ج 4 ص 202.

32

السّن جلد و نفي سنة من مصره» (1) فإنّه عام خرج المحصن منه بالنّصّ. و لما في خبر السّكوني من «أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) «عن الرّجل يزني بالمرأة اليهوديّة؟ فكتب إليه إن كان محصنا فارجمه و إن كان بكرا فاجلده مائة ثمّ انفه إلى غير بلده» (2).

و أما ما ذكر من عدم التغريب و الجزّ على المرأة، فالجزّ في الأخبار راجع إلى الرّجل و لا دليل عليه بالنسبة إلى المرأة فلا وجه لثبوت الجزّ عليها.

و أمّا التغريب فادّعى الإجماع على أنّه لا تغريب على المرأة و لكن نسب الخلاف إلى بعض و تردّد الشهيد الثاني- (قدس سره)- في المسالك، و تدلّ على الثبوت عدّة روايات منها قوله (عليه السّلام) في صحيحة محمّد بن قيس المتقدّمة على المحكيّ «و قضى في البكر و البكرة إذا زنيا جلد مائة و نفي سنة».

و منها قوله (عليه السّلام) على المحكيّ في صحيحة الحلبيّ المذكورة «و البكر و البكرة جلد مائة و نفي سنة».

و المملوك يجلد خمسين ذكرا كان أو أنثى محصنا أو غير محصن و لا جزّ على أحدهما و لا تغريب و لو تكرّر الزّنى كفى حد واحد.

يدلّ على ما ذكر عدّه من الرّوايات تقدّمت جملة منها في اعتبار الحرّية في الإحصان منها صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث «قيل له: فإن زنى و هو مكاتب و لم يؤدّ شيئا من مكاتبته؟ قال: هو حقّ اللّه تطرح عنه من الحدّ خمسين جلدة و يضرب خمسين» (3).

و منها صحيحة حسن بن السّري عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) «قال: إذا زنى العبد‌

____________

(1) الفقيه في باب ما يجب به التعزير تحت رقم 48.

(2) الاستبصار ج 4 ص 207.

(3) الكافي ج 7 ص 236 تحت رقم 17.

33

و الأمة و هما محصنان فليس عليهما الرّجم و إنّما عليهما الضرب خمسين نصف الحدّ» و قوله تعالى «نِصْفُ مٰا عَلَى الْمُحْصَنٰاتِ مِنَ الْعَذٰابِ».

فأما عدم الجزّ فلاختصاص دليله بالرّجل الحرّ.

و أما عدم التغريب فلصحيحة محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليهما السّلام) «قال:

قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في العبيد إذا زنى أحدهم أن يجلد خمسين جلدة، و إن كان مسلما أو كان كافرا، أو نصرانيا و لا يرجم و لا ينفي» (1).

و الصحيحة متعرّضة للعبيد، و قد يدّعى القطع بعدم النفي بالنسبة إلى الأمة و لم يظهر وجه القطع مع دلالة الخبر السابق على النفي و عدم الدّليل على نفي النفي بالنسبة إلى المرأة.

و أما كفاية الحدّ الواحد مع تكرّر الزّنى فادّعى عدم الخلاف فيها في الجملة، و قد حكى التفصيل في المسألة عن الشيخ الصّدوق و الإسكافي- (قدس سرهما)- بين ما كان في يوم واحد و امرأة واحدّة فحدّ حدّا واحدا و بين ما كان بنسوة متعدّدة حدّ حدودا متعدّدة بتعدّد النساء، و السند في هذا التفصيل هو رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليهما السّلام) قال: سألته عن الرّجل يزني في اليوم الواحد مرارا كثيرة؟ قال:

فقال: إن زنى بامرأة واحدة كذا مرّة فإنّما عليه حدّ واحد، و إن هو زنى بنسوة شتّى في يوم واحد و في ساعة واحدة فإنّ عليه في كلّ امرأة فجر بها حدّا» (2) فاستشكل في العمل بهذه الرّواية من جهة ضعفها فانّ في سندها عليّ بن أبي حمزة البطائني الضعيف، و يمكن أن يقال كفاية الحدّ الواحد منافية مع القاعدة المعروفة من تعدّد المسبّبات بتعدّد الأسباب، و إن أمكن الإشكال في كليّة تلك القاعدة لكن في المقام يشكل الأخذ بهذه القاعدة حيث إنّ المباشرة مع ما ذكر في بعض الأخبار من مشاهدة الشهود الإدخال و الإخراج مع أنّه كثيرا ينفصل المباشر‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 236 تحت رقم 11، و التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 89.

(2) الكافي ج 7 ص 196.

34

و مع الانفصال يتكرّر الزّنى، فالزّنى الواحد بنظر العرف يكون مكرّرا، و لا إشكال في أنّه لا يوجب إلّا حدا واحدا، فلا مجال للأخذ بهذه القاعدة، و أمّا التفصيل من جهة الخبر المذكور، فإن كان الخبر المذكور مع ضعف السند معمولا به فلا مانع من العمل، ألا ترى عمل الأصحاب بالخبر المعروف «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّى» مع ضعف السّند، و حكى عن بعض الأكابر أنّ الرّاوي فيه أبو هريرة، و قد يقال: إن الجلد أو الرّجم انّما يثبت على الزّاني أو الزّانية، و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين وحدة الزّنى و تكرّره، و الظاهر أنّ النظر إلى ترتّب الحكم على صرف الطبيعة لا الطبيعة السّارية، كما أن وجوب الغسل مترتّب على صرف الطبيعة و لا ينافي هذا كون المحرّم الطبيعة السّارية كسائر المحرمات.

و يمكن أن يقال: لازم هذا عدم ترتّب الحدّ على الزّنى الواقع بعد إجراء الحدّ على الزّاني سابقا لعدم تكرّر صرف الطبيعة.

و لو حدّ مع كلّ واحد مرّة قتل في الثالثة، و قيل: في الرّابعة، و هو أحوط.

أمّا قتل الحرّ و الحرّة في الثالثة مع إقامة الحدّ في المرتبة الاولى و الثانية فهو المشهور، و استدلّ عليه بمعتبرة أبي بصير قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام):

الزّاني إذا زنى يجلد ثلاثا و يقتل في الرّابعة أي يجلد ثلاث مرّات» (1).

و يؤيّد ذلك خبر محمّد بن سنان عن الرضا (عليه السّلام) فيما كتب إليه أنّ «علّة القتل من إقامة الحدّ في الثالثة على الزّاني و الزانية لاستحقاقهما و قلّة مبالاتهما بالضرب- الحديث» (2).

____________

(1) الكافي ج 7 ص 191 و الاستبصار ج 4 ص 212.

(2) العلل ج 2 ص 233، و العيون ج 2 ص 97. و في الأول «لاستحقاقهما» و لعل الصواب هو.

35

و عن الصدوقين و الحلّيّ- (قدس سرهم)- أنّه إذا أقيم عليه الحدّ مرّتين قتل في الثالثة، و استدلّ عليه بصحيحة يونس عن أبي الحسن الماضي (عليه السّلام) قال: «أصحاب الكبائر كلّها إذا أقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في الثالثة» (1) و قد يقال: إنّ هذه الصحيحة تقيّد بالمعتبرة المتقدّمة فالنتيجة خروج الزّاني عن عمومها.

و يمكن أن يقال: المعتبرة المذكورة لم يظهر منها شمول الحكم للزّانية و إن أمكن الشمول بإرادة الإنسان الزّاني لكن صحّة الإطلاق غير الظهور و المؤيّد المذكور مع عدم صحّة السّند لا يكون كافيا.

و أمّا ما ذكر من تقييد الصحيحة بالمعتبرة المتقدّمة فيصحّ مع عدم إباء الصحيحة عن التخصيص و لا يبعد الإباء مع ذكر كلّها في الصحيحة، هذا مع أنّ ما ذكر في المتن من أنّ القتل في الرابعة أحوط يشكل من جهة أنّ رعاية هذا الاحتياط بأن يجلد في الثالثة أيضا و ليس الجلد و القتل من قبيل الأقل و الأكثر بل هما متباينان و مع التّباين ما المجوّز للجلد، و أمّا الآية الشريفة «الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي إلخ» فلا مجال للأخذ بإطلاقها من جهة المخصّص المردّد بين المتباينين.

هذا و في المقام شبهة اخرى و هي أنّ اعتبار خبر الثقة أو العدل مع توثيق بعض علماء الرّجال أو تعديله من جهة بناء العقلاء أو الاستفادة من بعض الأخبار لا يخلو عن الإشكال في الدّماء مع شدّة الاهتمام في الدّماء ألا ترى أنّ العقلاء في الأمور الخطيرة لا يكتفون بخبر الثقة مع اكتفائهم في غيرها به، قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد: «ثمّ اعلم أنّ القتل أمر عظيم لاهتمام الشارع بحفظ النفس فإنّه مدار التكاليف و السعادات و لهذا أوجبوا حفظها حتّى أنّه ما جوّز و الترك لتقتل غيرها و لا تقتل، و العقل أيضا يساعده، و في الجملة ينبغي الاحتياط التامّ في ذلك فظاهر الآية المقتضية للجلد فقط حتّى يثبت غيره و لمّا‌

____________

(1) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 130.

36

ثبت أنّه استحقّ القتل في الرابعة بالاتّفاق فلا حرج في اختياره، و أمّا قبلها فلا دليل عليه بحسب الظاهر إلّا رواية يونس عن أبي الحسن الماضي (صلوات اللّه عليه) قال:

«أصحاب الكبائر كلّها إذا أقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في الثالثة» (1) و هي قاصرة من جهة السّند- انتهى».

و قد عرفت الإشكال في الأخذ بالآية الشريفة، و يمكن أن يقال: ما استدلّ به لاستحقاق القتل في المرتبة الثالثة إن كان حجة و بنى على الاحتياط و التأخّر إلى المرتبة الرّابعة من جهة الاحتياط في الدّماء فلا مجال للتمسّك بالآية الشريفة بناء على كونها في مقام البيان لقيام الحجّة على خلاف الإطلاق فيسأل عن مجوّز الجلد فإنّه إيذاء للمسلم في المرتبة الثالثة، و إن لم يكن ما استدلّ به حجّة فلا مجال للتمسّك بما ذكر من الاهتمام في الدّماء و التمسّك بالاحتياط، و يتمسّك بإطلاق الآية الشريفة بناء على كونها في مقام البيان لا في مقام أصل التشريع.

و المملوك إذ أقيم عليه حدّ الزّنى سبعا قتل في الثامنة و قيل في التاسعة و هو اولى، و للحاكم في الذمّي الخيار في إقامة الحدّ عليه و تسليمه إلى أهل نحلته ليقيموا الحدّ على معتقدهم.

أمّا القتل في الثامنة فتدلّ عليه صحيحة بريد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

«إذا زنى العبد جلد خمسين، فإن عاد ضرب خمسين إلى ثماني مرّات فان زنى ثماني مرّات قتل و أدّى الإمام (عليه السّلام) قيمته إلى مواليه من بيت المال» (2).

و عن النهاية و القاضي و الجامع و المختلف أنّه يقتل في التاسعة، و الدّليل عليه رواية بريد العجليّ أو عبيد بن زرارة قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أمة‌

____________

(1) تقدمت آنفا.

(2) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 87، و الكافي ج 7 ص 7 ص 135 في الحسن.

37

زنت» قال: تجلد خمسين جلدة، قلت: فإنها عادت؟ قال: تجلد خمسين، قلت:

فيجب عليها الرّجم في شي‌ء من الحالات؟ قال: إذا زنت ثماني مرّات يجب عليها الرّجم، قلت: كيف صار في ثماني مرّات؟ قال: لأنّ الحرّ إذا زنى أربع مرّات و أقيم عليه الحدّ قتل، فإذا زنت الأمة ثماني مرّات رجمت في التاسعة- الخبر» (1) و ضعّف هذا القول من جهة ضعف الرّواية سندا و اختلال المتن من جهة اقتضاء التعليل القتل في الثامنة لا التاسعة مضافا إلى ما فيه من الأمر بالرّجم مع عدم وجدان قائل به.

و يمكن أن يقال: أمّا تضعيف السّند فيشكل مع عمل الأعلام المذكورين و أمّا ما ذكر من اختلال المتن فلم يظهر وجهه لانّه لم يعلّ بما يقتضي القتل في المرّة الثامنة، و أمّا الأمر بالرّجم فمع عدم القول به بالخصوص لا يمنع من العمل بمضمون الخبر ما سوى هذا، و أمّا ما ذكر في المتن من الأولويّة رعاية لتأخير القتل فيشكل من جهة احتمال كون الجلد في المرتبة الثامنة غير مأمور به و إيذاء بلا موجب، مع الشّك في الحكم كما ذكر هذا آنفا.

و أمّا الخيار للحاكم في الذّمّي فالظاهر عدم الخلاف فيه لكن يشكل مع احتمال أن يكون نظر الفقهاء إلى ما في الآية الشريفة فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم و عدم التنافي مع قوله تعالى «وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ» (2) بعد عدم ثبوت نسخه لذلك و إن حكى عن بعض العامّة بل عن ابن عبّاس «خيّر اللّه تعالى نبيّه بقوله فَإِنْ جٰاؤُكَ- إلخ» (3).

و لقائل أن يقول: كيف استفيد من قوله تعالى «أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ» التسليم إلى‌

____________

(1) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 130.

(2) المائدة: 48.

(3) المائدة: 43 و تمام الآية «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ- الاية».

38

أهل نحلتهم، و المرويّ عن قرب الاسناد «عن يهوديّ أو نصرانيّ أو مجوسيّ أخذ زانيا، أو شارب خمر ما عليه؟ قال: يقام عليه حدود المسلمين إذا فعلوا ذلك في مصر من أمصار المسلمين أو في غير أمصار المسلمين إذا رفعوا إلى حكام المسلمين» (1) و المسألة مشكلة مع دعوى عدم الخلاف ظاهرا في الخيار.

و لا يقام على الحامل حدّ و لا قصاص حتّى تضع، و تخرج من نفاسها، و ترضع الولد و لو وجد له كافل جاز، و يرجم المريض و المستحاضة و لا يجلد أحدهما حتّى يبرء. و لو رأى الحاكم التعجيل ضربه بالضغث المشتمل على العدد.

ظاهر المتن عدم الفرق بين الرّجم و الجلد و استدلّ على التربّص بالمحصنة حتّى تضع حملها بمعتبرة عمّار السّاباطي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن محصنة زنت و هي حبلى؟ قال: تقرّ حتّى تضع ما في بطنها و ترضع ولدها، ثمّ ترجم» (2).

و قد يقال الإرضاع في الرّواية لا بدّ من حمله على الإرضاع مدّة اللّباء فإنّ الطفل على ما قيل لا يعيش بدونه، و الدّليل على ذلك صحيحة أبي مريم عن أبي جعفر (عليهما السّلام) قال: «أتت امرأة أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقالت: إنّي قد فجرت، فأعرض بوجهه عنها فتحوّلت حتّى استقبلت وجهه فقالت: إنّي قد فجرت فأعرض عنها بوجهه، ثمّ استقبلته، فقالت: إنّي قد فجرت فأعرض عنها، ثمّ استقبلته فقالت: إنّي قد فجرت فأمر بها فحبست و كانت حاملا فتربّص بها حتّى وضعت، ثمّ أمر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة في الرّحبة و خاط عليها ثوبا جديدا و أدخلها الحفيرة إلى ألحقوه و موضع الثديين و أغلق باب الرّحبة و رماها بحجر- الحديث» (3) فإنّ هذه الصحيحة واضحة الدّلالة على أنّ الرّجم لا، يؤخّر‌

____________

(1) قرب الاسناد ص 113.

(2) الفقيه في الحدود و التعزيرات تحت رقم 51.

(3) الفقيه في الحدود و التعزيرات تحت رقم 30.

39

إلى إتمام الرّضاع حولين كاملين، و شبهة اشتراك أبي مريم بين الأنصاريّ الّذي هو ثقة و بين بكر بن حبيب الكوفي الّذي لم يثبت وثاقته مندفعة من وجهين:

الأوّل أنّ المعروف بين أصحاب الرّوايات هو أبو مريم الأنصاري الّذي له كتاب دون غيره، فينصرف اللّفظ إليه، و الثاني أنّ الرّاوي عنه هذه الرواية هو يونس ابن يعقوب، و هو من رواة أبي مريم الأنصاري.

و أمّا ما في رواية الأصبغ بن نباتة المتقدّمة من أمر أمير المؤمنين عليه صلوات اللّه تعالى المرأة المقرّة بالزّنى المحصنة بإرضاعها حولين كاملين فهو أجنبي عن محلّ الكلام لأنّ أمره كان قبل ثبوت الزّنى بالشهادة أربع مرّات.

و يمكن أن يقال: ما ذكر من لابدّيّة حمل الإرضاع مدّة اللّباء مشكل حيث إنّ ما ذكر من أنّ الطفل لا يعيش بدون اللّباء مورد الإنكار فكيف يصرف اللّفظ إليه بلا قرينة، و ما ذكر في رفع شبهة الاشتراك ليس يفيد إلّا الظّن و الظنّ ما لم يصل إلى حدّ الوثوق و الاطمئنان كيف يصحّ الاعتماد عليه في رفع الشبهة.

و أمّا ما ذكر في رواية أصبغ بن نباتة من أنّ الأمر بالإرضاع كان قبل الثبوت يشكل حيث إنّه مع إصرار المرأة بتطهيرها و العلم العادي بأنّها تقرّ مكرّرا حتّى يجري عليها الحدّ كيف تؤمر بالإرضاع حولين كاملين، هذا مضافا إلى أنّه مع عدم مرضعة أخرى كيف يؤخذ بما دلّ على عدم جواز تأخير الحدّ مع لزوم حفظ النّفس، و مع وجود الكافل وجب إقامة الحدّ لوجوب التعجيل و عدم المانع و هذا مستفاد من خبر ميثم المشتمل على قضيّة الامرأة المحصنة الّتي أقرّت بالزّنى عند أمير المؤمنين صلوات اللّه تعالى عليه و هي حبلى و فيه «فاستقبلها عمرو بن حريث المخزومي فقال لها: ما يبكيك يا أمة اللّه و قد رأيتك تختلفين إلى عليّ (عليه السّلام) تسألينه أن يطهّرك فقالت: إنّي أتيت أمير المؤمنين (عليه السّلام) فسألته أن يطهّرني فقال: اكفلي ولدك حتّى يعقل أن يأكل و يشرب و لا يتردّى‌

40

من سطح و لا يتحوّر في بئر، و قد خفت أن يأتي عليَّ الموت و لم يطهّرني، فقال لها عمرو بن حريث: ارجعي إليه فأنا أكفّله، فرجعت و أخبرت أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) بقول عمرو بن حريث فقال لها أمير المؤمنين (عليه السّلام) و هو متجاهل عليها: و لم يكفّل ولدك؟ فقالت يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني قال: أو ذات بعل كنت إذ فعلت ما فعلت؟ قالت: نعم، قال: أ فغائب عنك كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم حاضرا؟ قال: بل حاضرا، قال: فرفع رأسه إلى السّماء فقال: اللّهمّ إنّه قد ثبت لك عليها أربع شهادات و إنّك قد قلت لنبيّك صلواتك عليه و آله فيما أخبرته من دينك يا محمّد من عطّل حدّا من حدودي فقد عاندني، و طلب بذلك مضادّتي، اللّهمّ و إنّي غير معطّل حدودك و لا طالب مضادّتك و لا مضيّع لأحكامك بل مطيع لك و متّبع سنة نبيك (صلوات اللّه عليه) و آله فنظر إليه عمرو ابن حريث و كأنّما الرّمان يفقأ في وجهه و قال: يا أمير المؤمنين إنّما أردت أن أكفّله إذ ظننت أنّك تحبّ ذلك فأمّا إن كرهته فإنّي لست أفعل، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): بعد أربع شهادات باللّه لتكفّلنّه و أنت صاغر- الحديث» (1).

و المستفاد من هذا الخبر لزوم الكفالة إمّا من جهة لزوم إجراء الحدّ مع وجود من يكفل الولد حيث لا مزاحمة في البين، و إمّا من جهة وجوب الوفاء بالوعد و المستفاد منه أيضا كفاية وجود البعل و حضوره في تحقّق الإحصان و لزوم الرّجم من جهة الزّنى من دون لزوم شي‌ء آخر من وقوع المباشرة قبل الزّنى و كون الزّوج بحيث يغدو و يروح.

و أما رجم المريض و المستحاضة فالظاهر وجوبه لإطلاق الأدلّة و النهي عن تعطيل الحدود و الفرض أنّ النّفس مستوفاة. و أمّا عدم جلد المريض و المستحاضة حتّى يحصل البرء فلقول الصادق (عليه السّلام) في معتبرة السكوني على المحكي «أتي أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) برجل أصابه حدّا و به قروح في جسده كثيرة،

____________

(1) الكافي و التهذيب و الفقيه في ما يجب به التعزير و الحد تحت رقم 32.

41

فقال (عليه السّلام): أخروه حتّى يبرء لا تنكؤها عليه فتقتلوه» (1) و قال في خبره أيضا على المحكي «لا يقام الحدّ على المستحاضة حتّى ينقطع الدّم عنها» (2).

و في خبر مسمع أيضا «اتى أمير المؤمنين (عليه السّلام) برجل أصاب حدّا و به قروح و مرض و أشباه ذلك فقال: أخروه حتّى يبرء لا تنكؤا قروحه عليه فيموت و لكن إذا برء حدّ دناه» (3).

و لا يبعد استفادة لزوم التأخير لضعف المزاج بحيث يكون في معرض الموت من جهة إجراء الحدّ فمع رجاء البرء يؤخّر الحدّ، و مع عدم الرّجاء يضرب بالضغث المشتمل على العدد، و هذا ليس من باب اقتضاء المصلحة التعجيل.

و يدلّ عليه ما روى سماعة عن الصادق (عليه السّلام) «اتي النبيّ صلى اللّه عليه و آله برجل كبير البطن قد أصاب محرّما فدعى بعرجون فيه مائة شمراخ فضربه مرّة واحدة فكان الحدّ» (4).

و في خبر حنان عن يحيى بن عبّاد المكيّ «قال لي سفيان الثوريّ: أرى لك من أبي عبد اللّه (عليه السّلام) منزلة فسله عن رجل زنى بامرأة و هو مريض إذا أقيم عليه الحدّ مات ما تقول فيه، فسألته، فقال: إنّ هذه المسألة، من تلقاء نفسك، أو قال لك إنسان أن تسألني عنها؟ فقلت: سفيان الثوريّ سألني أن أسألك عنها، فقال: إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله اتي برجل كبير البطن قد استقى بطنه و بدت عروق فخذيه و قد زنى بامرأة مريضة، فأمر صلى اللّه عليه و آله بعرجون فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة و ضربها به ضربة واحدة و خلّى سبيلهما، ثمّ تلي هذه الآية «‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 244 و الاستبصار ج 4 ص 211.

(2) الكافي ج 7 ص 262 تحت 14.

(3) الكافي ج 7 ص 244.

(4) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 107، و الاستبصار ج 4 ص 211.

42

وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً- إلى آخرها» (1).

و صحيح أبي العبّاس عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «اتي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله برجل دميم قصير قد سقى بطنه و بدت عروق بطنه قد فجر بامرأة، فقالت المرأة: ما علمت به إلّا و قد دخل عليّ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: أ زنيت؟ فقال له: نعم، و لم يكن أحصن فصعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بصره و خفضه، ثمّ دعا بعذق فعدّه مائة ثمّ ضربه بشماريخه» (2).

و لا يخفى أنّ المستفاد من هذه الصحيحة كفاية الإقرار مرّة واحدة مع عدم الإحصان.

و لا يسقط الحدّ باعتراض الجنون، و لا يقام في الحرّ الشديد، و لا في أرض العدوّ، و لا على من التجأ إلى الحرم و يضيّق عليه في المطعم و المشرب حتّى يخرج للإقامة، و لو أحدث في الحرم ما يوجب حدّا حدّ فيه.

أمّا عدم سقوط الحدّ باعتراض الجنون فيدلّ عليه صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليهما السّلام) «في رجل وجب عليه الحدّ فلم يضرب حتّى خولط، فقال: إن كان أوجب على نفسه الحدّ و هو صحيح لا علّة به من ذهاب عقل أقيم عليه الحدّ كائنا ما كان» (3).

و أمّا عدم إقامة الحدّ في الحرّ الشديد فاستدلّ عليه بمرسل أبي داود «مررت مع أبي عبد اللّه (عليه السّلام) بالمدينة في يوم بارد و إذا رجل يضرب بالسّياط، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): سبحان اللّه في مثل هذا الوقت يضرب، قلت له: و للضّرب‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 244 و فيه «اتى برجل احتبن مستسقي البطن» و في التهذيب:

حدود الزنى تحت رقم 108 مثل ما في المتن.

(2) الكافي ج 7 ص 244 و فيه «قد درت عروق بطنه»، و التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 109 و فيه «و لم يكن محصنا».

(3) الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 11.

43

حدّ؟ قال: نعم إذا كان في البرد ضرب في حرّ النّهار [آخر النهار- خ ل] و إذا كان في الحرّ ضرب في برد النّهار» (1).

و مرسل سعد بن مسلم عن أبي الحسن (عليه السّلام) نحو المرسل السابق.

و في خبر هشام بن أحمر، عن العبد الصالح (عليه السّلام) قال: «كان جالسا في المسجد و أنا معه فسمع صوت رجل يضرب صلاة الغداة في يوم شديد البرد، فقال: ما هذا؟ قالوا رجل يضرب، قال: سبحان اللّه في هذه الساعة إنّه لا يضرب أحد في شي‌ء من الحدود في الشّتاء إلّا في آخر ساعة من النّهار و لا في الصيف إلّا في أبرد ما يكون من النّهار» (2).

ثمّ إنّ هذه الأخبار بعد حجّيّتها و لو من جهة عمل الأصحاب متعرّضة بخصوص الجلد دون مطلق الحدّ كما في المتن، و في المسالك: كون الحكم على الوجوب دون النّدب، فلو أقام على غير الوجه المزبور ضمن.

و يمكن أن يقال: كيف يجمع بين هذه الأخبار و بين ما دلّ على عدم جواز التأخير فلاحظ ما في خبر ميثم المشتمل على قضيّة الامرأة المحصنة المتقدّمة، و فيه «و إنّك قد قلت لنبيّك صلواتك عليه و آله فيما أخبرته من دينك: من عطّل حدّا من حدودي فقد عاندني و طلب بذلك مضادّتي- إلخ» و حمل التعطيل على ترك الحدّ أصلا بعيد و التصريح في عدم جواز التأخير معتبرة السّكوني عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ صلوات اللّه تعالى عليهم «في ثلاثة شهدوا على رجل بالزّنى فقال عليّ (عليه السّلام) أين الرّابع؟ قالوا: الان يجي‌ء فقال حدّوهم فليس في الحدود نظرة ساعة» (3) و يؤيّده ما رواه الصدوق مرسلا عن أمير المؤمنين صلوات اللّه تعالى عليه «إذا كان في الحدّ لعلّ أو عسى فالحدّ معطّل» (4).

____________

(1) الكافي ج 7 ص 217 و التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 137.

(2) الكافي ج 7 ص 217 و التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 136.

(3) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 185 و قد تقدم.

(4) الفقيه في باب ما يجب به التعزير تحت رقم 9.

44

ثمّ إنّه على فرض الأخذ بمضمون الأخبار الدالّة على ترك الجلد في شدّة الحرارة و شدّة البرودة فهل التقييد بنحو وحدة المطلوب بحيث لو أجرى الحدّ في شدّة الحرارة أو في شدّة البرودة لم يكن حدّا شرعيّا بل جناية واردة على من وقع عليها كما يظهر من صاحب المسالك- (قدس سره)- أو بنحو تعدّد المطلوب فيه إشكال، و لا يبعد الجمع بين الأخبار بحمل الأخبار الدالّة علي التأخير على الاستحباب إلّا أنّه يشكل هذا الجمع مع ما دلّ على عدم جواز التّأخير.

و أمّا عدم إقامة الحدّ في أرض العدوّ فاستدلّ عليه بمعتبرة أبي مريم عن أبي جعفر (عليهما السّلام) قال: «قال أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): لا يقام على أحد حدّ بأرض العدوّ» (1).

و معتبرة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، أو عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (صلوات اللّه عليهم) إنّه قال: «لا أقيم على رجل حدّا بأرض العدوّ حتّى يخرج منها، مخافة أن تحمله الحميّة فيلحق بالعدوّ».

و قد يقال: إطلاق المعتبرة الاولى يقيّد بالثانية، و الأظهر أن يكون ما ذكر من باب الحكمة من جهة أنّ المطلق لا بدّ فيه من بقاء الغالب فيه بعد التقييد لا الأقلّ و لا المساوي.

و أما عدم إقامة الحدّ على من التجأ إلى الحرم فيدلّ عليه صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) «في الرّجل يجني في غير الحرم، ثمّ يلجأ إلى الحرم قال: لا يقام عليه الحدّ، و لا يطعم و لا يسقى و لا يكلّم و لا يبايع، فإنّه إذا فعل به ذلك يوشك أن يخرج فيقام عليه الحدّ، و إن جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحدّ في الحرم فإنّه لم ير للحرم حرمة» (2) و التعبير بالجناية في‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 218 تحت رقم 4.

(2) الوسائل كتاب الحدود و التعزيرات ب 34 ح 1 عن الشيخ ره و لم أجده في التهذيب بهذا اللفظ و الراوي، بل فيه في الزيادات من فقه الحج تحت رقم 102 عن معاوية بن عمار مثله. لكن في الجواهر قال: «في صحيح هشام «في الرجل يجني في غير الحرم- الخبر» و روى نحوه العلل كما في مقدمات طواف الوسائل ب 14 تحت رقم 5 عن ابن أبى عمير عن حفص البختري مثله، و قال: و رواه القمي في تفسيره عن ابن أبى عمير نحوه.

45

السؤال و شمولها لارتكاب الزّنى لا يخلو عن النظر و إن كان الجواب مناسبا، و يظهر من الصحيحة وجه إقامة الحدّ على الجاني في الحرم.

و إذا اجتمع الحدّ و الرّجم جلد أوّلا و يدفن المرجوم إلى حقويه و المرأة إلى صدرها، فإن فرّ أعيد، و لو ثبت الموجب بالإقرار لم يعد، و قيل:

إن لم يصبه الحجارة أعيد.

الظاهر أنّ الابتداء بالجلد و تأخير الرّجم من باب لزوم أداء التكليفين لا من باب اشتراط صحّة الرّجم بالجلد سابقا عليه، و كأنّه من جهة لزوم كون الجلد في حال الحياة بحيث يتأذى المجلود، و لازم ذلك أنّه مع تحقّق الموت قبل إتمام الجلد يسقط ما بقي من الجلد، و على اشتراط الترتيب لو شرع في الرّجم و لم يتمّ الرّجم لا بدّ من الشروع في الجلد فمع موت المجلود يسقط الرّجم كما لو مات الزّاني قبل إجراء الحدّ عليه.

و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليهما السّلام) قال: «أيّما رجل اجتمعت عليه حدود فيها القتل يبدء بالحدود الّتي هي دون القتل، ثمّ يقتل بعد ذلك» (1).

و وجه الاستظهار المذكور أنّ الموارد الّتي يستقل به العقل بالحكم لو صدر من طرف الشرع أمر لا ظهور له في المولويّة بل يستظهر منه الإرشاد، و لا أقلّ من الشكّ فلا ظهور، و لذا يستشكل في ظهور ما دلّ بظاهره على حرمة الخلوة إلى الأجنبيّة و إنّ ثالثهما الشيطان كالأمر بالتّقوى من مواضع التّهم في الحرمة المولويّة.

____________

(1) الفقيه باب ما يجب فيه اجتماع الحدود تحت رقم 1، و في التهذيب في حد الفرية و السب تحت رقم 26.

46

و أما دفن المرجوم الى حقويه و المرأة إلى صدرها فاستدلّ عليه بموثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «تدفن المرأة إلى وسطها ثمّ يرمي الإمام و يرمي النّاس بأحجار صغار، و لا يدفن الرّجل إذا رجم إلّا إلى حقويه» (1).

و موثّق أبي بصير قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «تدفن المرأة إلى وسطها إذا أرادوا أن يرجموها و يرمي الإمام، ثمّ النّاس بعد بأحجار صغار» (2).

و في صحيحة أبي مريم في المرأة المقرّة بالزّنى «أنّ أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) أدخلها الحفرة إلى الحقو و موضع الثّديين» (3).

و قد يقال: هذه الصحيحة قرينة على أنّ المراد بالوسط في معتبرة سماعة هو موضع الثّديين، و لا يخفى الإشكال فيه بل لا يبعد التخيير، و قد يستشكل باشتمال الموثّقتين على ما لا يقولون فيه بالوجوب حيث وقع التقييد بالأحجار الصغار و لازم وحدة السّياق عدم استفادة الوجوب حيث إنّ رمي الإمام و إبدائه لا يلتزمونه بنحو الإطلاق و أيضا لعلّه حكاية فعل الإمام و فعله (عليه السّلام) يمكن أن يكون من باب الوجوب و أن يكون من باب الاستحباب، هذا مضافا إلى الإشكال في دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب. و ما يقال في دلالتها من أنّها من باب تأكّد الوجوب لا كليّة فيه.

و أما التفصيل بين ما لو ثبت الزّنى بالشهود و بين ما لو ثبت بالإقرار فالدّليل عليه صحيحة الحسين بن خالد قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السّلام): أخبرني عن المحصن إذا هو هرب من الحفيرة هل يردّ حتّى يقام عليه الحدّ؟ فقال:

يردّ و لا يردّ، فقلت: فكيف ذلك؟ قال: إن كان هو المقرّ على نفسه ثمّ هرب من الحفيرة بعد ما يصيبه شي‌ء من الحجارة لم يردّ، و إن كان إنّما قامت عليه‌

____________

(1) الفروع ج 7 ص 184 تحت رقم 4.

(2) الفروع ج 7 ص 184، و التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 116.

(3) الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 30.

47

البيّنة و هو يجحد، ثمّ هرب ردّ و هو صاغر حتّى يقام عليه الحدّ- الحديث» (1).

و معتبرة أبي العباس قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «أتى النّبيّ صلى اللّه عليه و آله رجل فقال: إنّي زنيت- إلى أن قال- فأمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أن يرجم، فحفروا له حفيرة، فلمّا أن وجد مسّ الحجارة خرج يشتدّ فلقيه الزّبير فرماه بساق بعير فسقط فعقله به فأدركه النّاس فقتلوه، فأخبروا النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بذلك فقال: هلا تركتموه- الحديث» (2).

و أما إذا ثبت الزّنى بالإقرار و كان الفرار قبل الإصابة فلزوم الردّ هو المشهور.

و استدلّ عليه بصحيحة الحسين بن خالد المذكورة حيث قيّد عدم الرّدّ في المقرّ بصورة الإصابة مضافا إلى إطلاقات أدلّة الرّجم.

و يمكن أن يقال: قيد الرّدّ بقيام البيّنة و جحد الزاني، و مع عدم الجحد كيف يردّ.

و يدلّ على عدم الردّ مطلقا في ما أصابه ألم الحجارة صحيحة أبي بصير عن أبي- جعفر (عليهما السّلام) «أنّه إن كان أصابه ألم الحجارة فلا يردّ، و إن لم يكن أصابه ألم الحجارة ردّ» (3).

و قد يقال: يقيّد إطلاق هذه الصحيحة بصحيحة المتقدّمة الدّالّة على لزوم الرّدّ مطلقا إذا ثبت بالبيّنة سواء أصابه ألم أو لم يصيبه و النّسبة و إن كانت عموم من وجه إلّا أنّ ظهور تلك الصحيحة أقوى من جهة تفصيل الإمام (عليه السّلام) و على تقدير وقوع المعارضة فالمرجع هو إطلاقات أدلّة الرّجم.

و يمكن أن يقال: إن كان التفصيل موجبا للتقديم فالتّفصيل في كلتى‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 185، و المحاسن ص 306.

(2) الكافي ج 7 ص 185، و التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 8.

(3) الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 30.

48

الصحيحين، و أمّا ما ذكر من أنّه مع التعارض فالمرجع العمومات ففيه أنّ العامّ إذا لم يكن ظهوره في عرض ظهور الخاصّ كالأصل فلما ذكر وجه، و مع كون ظهوره في عرض ظهور الخاصّ و تقديم الخاصّ عليه من باب الأظهريّة فكيف يرجع إليه مع أظهريّة الخاصّ.

و يبدء الشهود بالرّجم و لو كان مقرّا بدأ الإمام، و يجلد الزّاني قائما مجرّدا، و قيل: إن وجد بثيابه جلد بها أشدّ الضرب، و قيل متوسّطا، و يفرق على جسده و يتّقى فرجه و وجهه، و تضرب المرأة جالسة و تربط ثيابها.

استند المشهور في لزوم ابتداء الشهود بالرّجم إلى رواية صفوان عمّن رواه عن ابى عبد اللّه (عليه السّلام)، و رواية عبد اللّه بن المغيرة و صفوان و غير واحد رفعوه إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إذا أقرّ الزّاني المحصن كان أوّل من يرجمه الإمام، ثمّ النّاس، فإذا قامت عليه البيّنة كان أوّل من يرجمه البيّنة، ثمّ الإمام، ثمّ النّاس» (1).

و قد يقال هذه الرّواية من جهة الإرسال غير قابلة للاستدلال بها و دعوى الانجبار بعمل المشهور غير صحيحة صغرى و كبرى، فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على أنّ الإمام يرمي أوّلا، ثمّ يرمي النّاس كمعتبرة سماعة المتقدّمة و معتبرة أبي بصير المتقدّمة.

و يمكن أن يقال أمّا منع الصغرى فمع ما ذكر من استناد المشهور لم يظهر وجهه، و أمّا منع الكبرى فلم يظهر وجهه مع حصول الوثوق، و ليس هذا الوثوق أقل من الوثوق الحاصل من توثيق علماء علم الرّجال المذكورين في سند الرّواية، نعم يمكن الإشكال من جهة منع ظهور الجملة الخبريّة في اللّزوم مضافا إلى أنّ معتبرة أبي العبّاس المتقدّمة يظهر منها عدم حضور النّبيّ صلى اللّه عليه و آله و لا أمير المؤمنين صلوات‌

____________

(1) الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 23، و الكافي ج 7 ص 184.

49

اللّه عليه، و الاعتذار بأنّه قضيّة في واقعة لم يظهر وجهه مع أنّ الإمام (عليه السّلام) في مقام بيان الوظيفة.

و أما جلد الزّاني قائما مجرّدا فيدلّ على وجوبه أو استحبابه قول الباقر (عليه السّلام) على المحكي في خبر زرارة عن أبي جعفر (عليهما السّلام) «يضرب الرّجل الحدّ قائما و المرأة قاعدة، و يضرب كلّ عضو و يترك الرّأس و المذاكير» (1) و قيل:

لا يضرّ وجود أبان- كأنّه الأحمر- فيصح الخبر.

و صحيحة إسحاق بن عمّار قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السّلام) عن الزّاني كيف يجلد؟ قال: أشدّ الجلد، قلت: في فوق ثيابه؟ قال: بل يخلع ثيابه، قلت:

فالمفتري؟ قال: يضرب بين الضّربين جسده كلّه فوق ثيابه» (2).

و اخرى له قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السّلام) عن الزّاني كيف يجلد؟ قال:

أشدّ الجلد، فقلت فوق الثياب؟ فقال: بل يجرّد» (3) و قيل لا يضرّ القول في إسحاق.

و عن جماعة بل نسب إلى المشهور أنّه يجلد على الحال الّتي وجد عليها، إن وجد عاريا فعاريا، و إن وجد كاسيا فكاسيا، و المستند معتبرة طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السّلام) قال: «لا يجرّد في حدّ و لا يشبح- يعنى يمدّ- و قال: يضرب الزّاني على الحال الّتي وجد عليها إن وجد عريانا ضرب عريانا و إن وجد و عليه ثيابه ضرب و عليه ثيابه» (4).

و قد يقال: إنّ معتبرة طلحة بن زيد معارضة بمعتبرتي إسحاق بن عمّار‌

____________

(1) الكافي ج 7 ص 183 تحت رقم 1، و الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 25 و فيه «و يترك الوجه و المذاكير» كما في التهذيب رقم 104.

(2) الكافي ج 7 ص 183 تحت رقم 2.

(3) الكافي ج 7 ص 183 و التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 102.

(4) الفقيه باب ما يجب به التعزير تحت رقم 27. و في قرب الاسناد ص 67.

50

نظرا إلى أنّها ظاهرة في حرمة التجريد و هما ظاهرتان في وجوبه فتسقطان، فالمرجع هو إطلاقات أدلّة الجلد من الكتاب و السّنّة. و يمكن أن يقال: إنّ معتبرة إسحاق بن عمّار مطلقة من ناحية أنّه كان في حال وجدانه عاريا و اكتسى بعد ذلك، و إنّه كان كاسيا حال وجدانه و عليه فيقيّد إطلاقها بمعتبرة طلحة بن زيد فالنتيجة هي اختصاص وجوب الخلع بما إذا كان في حال وجدانه عاريا، و أمّا إذا كان كاسيا حين وجدانه ضرب و عليه ثيابه.

و لقائل أن يقول: مع تعارض الخبرين بنحو التّباين ما وجه عدم الأخذ بما دلّ على التخيير خصوصا مع الإشكال في كون ما في الكتاب و السّنّة في مقام البيان لا في مقام التّشريع.

و أمّا ما ذكر من اختصاص وجوب الخلع بما إذا كان في حال وجدانه عاريا و اكتسى بعد ذلك فالظاهر أنّه من حمل المطلق على غير الغالب و مقتضى الحكمة ذكر المطلق و الباقي فيه بعد التقييد الأكثر لا الأقلّ و لا المساوي، و قد سبق الإشكال في استفادة الوجوب من الجملة الخبريّة و إن كانت الاستفادة مشهورة، و صاحب المستند- (قدس سره)- مخالف للمشهور.

و أما ما قيل من التّوسّط فلرواية حريز أنّه يضرب متوسّطا، قال: «و يضرب بين الضّربتين» (1).

و أما التفريق على جسده فلما في بعض النّصوص من أنّه استلذّ بجميع أعضائه» (2).

و امّا اتّقاء الوجه و الفرج فلقول الباقر (عليه السّلام) على المحكي في خبر زرارة على ما في الفقيه و التهذيب «و يضرب على كلّ عضو و يترك الوجه و المذاكير» (3).

____________

(1) التهذيب: حدود الزنى تحت رقم 105.

(2) الوسائل نقله عن العلل و العيون في الباب 11 «من أبواب حد الزنى».

(3) تقدم آنفا.