المسائل الطبية (للشيرازي، السيد صادق)

- السيد صادق الحسيني الشيرازي المزيد...
176 /
5

المقدمة

إن المسئولية الملقاة على عاتق الاطباء و الجرّاحين و ما يتعرضون له عند المعالجة و الجراحة- من دون عمد و لا اختيار- الى اخطاء و هفوات، هي من المواضيع المهمة التي لازمت ممارسة الطب منذ قديم الأزمنة، و قد وضعت القوانين و النصوص المحددة لتلك المسئولية، و المشخصة لذلك الخطأ و الهفوة منذ العصور الغابرة.

و بتطور العلوم الطبية عبر مختلف العصور، تطورت تلك القوانين أيضا و بشكل ينسجم مع تطور الطب، حتى اذا جاء الاسلام و وضع ضوابط وافية، و قوانين كافية و شافية لممارسة الطب و التي يشكل محورها القرآن الحكيم و احاديث النبي الكريم و عترته الهادية (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين).

فقد ورد في القرآن الحكيم آية تجمع الطب كله في جملة‌

6

واحدة، و هي قوله سبحانه: «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لٰا تُسْرِفُوا» (1).

و قد ورد عن الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) حول التداوي قوله المأثور:

«تداووا فما أنزل اللّه داء إلا أنزل معه دواء إلا السام فإنه لا دواء له»

و السام: يعني الموت (2).

و ورد عن الحلبي أنّه قال: قال أبو عبد اللّه (سلام اللّه عليه) و هو يوصي رجلا فقال: «أقلل من شرب الماء فإنّه يمدّ كل داء و اجتنب الدواء ما احتمل بدنك الداء» (3).

لقد جاء الإسلام بأفضل نظام عرفه التاريخ في مجال الطب و الجراحة، نظاما يتضمّن وظائف الطبيب و الجرّاح و مسئولياته، و يشرح روابطه مع المرضى و المراجعين، نظاما يعطي لمهنة الطب و الطبابة مكانة مرموقة في المجتمع الإسلامي و الإنساني، و يجعل للطبيب و الجراح منزلة رفيعة في الوسط الاجتماعي و البشري، أنه قال و بكل وضوح: العلم علمان: علم الأبدان، و علم الأديان. (4)

____________

(1) سورة الأعراف: 31.

(2) بحار الانوار: ج 59، ص 65، ح 9.

(3) الكافي للكليني: ج 6، ص 382، ح 2.

(4) أنظر كنز الفوائد للكراجكي: ص 239 و بحار الانوار: ج 1، ص 220، ح 52.

7

نعم، لقد جعل الإسلام علم الأبدان و هو الطب و الطبابة، موازيا لعلم الاديان، و عدلا و قسيما له، و فرضا و واجبا كفائيا على المسلمين، يأثمون جميعا بتركهم له، و يسقط عنهم لو قام به بعضهم بقدر الكفاية.

انطلاقا من هذه المكانة الرفيعة التي منحها الإسلام للطبيب و الجراح، و العناية الكبيرة التي بذلها للطب و الطبابة، خصّ هذه المهنة و أصحابها بأحسن المناهج و أجملها، و أفضل البرامج و أتقنها، حيث أنه فرض على الطب و الطبيب أمورا، و حرّم عليهم أمورا، و حبّذ لهم أمورا أخرى:

1. فرض عليهم التضلّع في علم الطب و المهارة فيه، بعد أن فرض عليهم إجراء التجارب الطبية على الحيوانات و الاجسام المشابهة المطاطية لا على الانسان، كما اوجب عليهم تطبيب المرضى و انقاذهم من الموت أن توقفت حياتهم عليه، بعد أن أوجب عليهم إبداء الدقة في تشخيص الداء و وصف الدواء.

2. و حرّم عليهم اتخاذ المرضى أو الموتى وسيلة لإجراء التجارب الطبية عليهم، كما و حرّم عليهم ترك المعالجة و التطبيب فيما لو كان في الترك خطرا على حياة‌

8

المريض، و كذلك حرّم عليهم ترك الدقة اللازمة في تشخيص المرض و في توصيف الدواء، بعد أن حرّم عليهم ترك المهارة و التضلّع في مهنة الطب و الجراحة.

3. و حبّذ لهم أمورا أخلاقية و إنسانية جمة، مثل تلقي المريض بوجه بشوش، و ثغر ضحوك و مبتسم، و عدم تلقيه بتثاقل و تكاسل، و تخذيل و تخييب، فكيف بما لو كان بتقطّب و تعبّس و تخويف و تهويل؟

و مثل تطييب نفوس المرضى بقولهم: ان مرضهم بسيط و ان الشفاء محتوم لهم، و السلامة و العافية تنتظرهم و تترقّبهم.

و مثل التسامح مع المرضى في الأمور المالية و عدم تعيين اجرة لفحصهم و علاجهم، و الرضا منهم بما يهديه المرضى إليهم من أموال و أجور، و أن يكون هدفهم خدمة المجتمع و تقديم النفع الى الناس، فإن خير الناس من نفع الناس.

هذا و قد ورد في الحديث الشريف ما مضمونه: ان الطبيب انما يقال له: طبيب، لأنّه يطيّب نفوس المرضى بتهوين مرضهم عليهم، و تقليله في أعينهم، و ببشارتهم بالصحة و السلامة، و الشفاء و العافية، و قد أقر علماء النفس هذا الأسلوب الجميل، و أثبتوا له الأثر الكبير في استعادة المريض صحته و سلامته، و غلبته على‌

9

مرضه و دائه، و هو ما يؤكد على الطبيب و الجراح الالتزام به و مزاولته مع المرضى و المراجعين.

هذا و يمكن تلخيص فقه الطب في نقاط تالية:

1. الحكم التكليفي لطلب علم الطب و ممارسته.

2. الحكم الوضعي لمزاولة الطبابة و الجراحة.

3. الحكم الأخلاقي للطبيب و الجرّاح تجاه مهنته، و أمام المرضى و المراجعين.

و هذه المجموعة من المناهج السليمة، المتضمنة للوجوب و التحريم، و التحييد و التحريض، و كذلك الاحكام الراقية، المشتملة على الحكم التكليفي و الوضعي، و الأخلاقي و الإنساني، المختصة في مجال الطب و الطبابة، و المعنية بالطبيب و الجراح تسمى: فقه الطب، و كل طبيب مسلم هو بحاجة إليها و غير مستغن عنها لتنظيم حياته الطبية، و توفيقها مع أحكام الشريعة الإسلامية، استكمالا للسعادة الروحية و الجسمية ان شاء اللّه تعالى.

و عليه: فشريعة الاسلام ليست معزولة عن واقع ما يعيشه المسلم بل إن كل متخصص في أي علم من العلوم يجد في الاسلام ما يعينه على معرفة حكم الشريعة في تخصصه. و نحن قد جمعنا هنا في هذا الكتاب بعض الاحكام الطبية، و قسما من‌

10

المسائل الشرعية المرتبطة بالطب و الطبيب، مضافا الى اجوبة بعض الاسئلة التي وجّهها بعض الاطباء لسماحة آية اللّه العظمى المحقق السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله الوارف.

نسأل اللّه تعالى أن يتقبل منا هذا الجهد القليل، إنه ولي حميد و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين و حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد و آله الطيبين الطاهرين.

11

فائدة

تعتبر مهنة الطب واحدة من المهام العلمية و الخدمية التي واكبت المسيرة الانسانية منذ القدم و قد أولتها الاديان السماوية عناية كبيرة. حتى جاء الاسلام فأقرّ ما أولته الاديان من العناية بل و زاد عليها عناية و اهتماما، و شجّع عليها، و على مزاولتها، و على الكتابة في مجالها و بكل ما يرتبط بها، فكان من تمام الفائدة التنويه بما اسداه الاسلام لعلم الطب من اعتبار و مكانة، و تشجيع و عناية، استتبعت استمراره و نموه، و تطوّره و تقدّمه و قد ارفد هذا العلم من قبل علماء المسلمين بجملة تأليفات خاصة في مجال الطب منها:

1. طب النبي (صلى اللّه عليه و آله).

2. طب الأئمة (صلوات اللّه و سلامه عليهم).

3. طب الإمام الصادق (سلام اللّه عليه).

4. طب الإمام الرضا (سلام اللّه عليه) المعروف ب «الرسالة الذهبيّة».

و غيرها من الكتب التي لم نستطع حصرها و لا عدّها و احصاءها في هذه العجالة.

12

القرآن و الطب

قال تعالى: وَ مِنْ آيٰاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهٰا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (1).

و قال تعالى: اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (2).

و قال تعالى: وَ اللّٰهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوٰاجاً وَ مٰا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثىٰ وَ لٰا تَضَعُ إِلّٰا بِعِلْمِهِ وَ مٰا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لٰا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اللّٰهِ يَسِيرٌ (3).

و قال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعٰامِ ثَمٰانِيَةَ أَزْوٰاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمٰاتٍ ثَلٰاثٍ ذٰلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ

____________

(1) سورة الروم، الآية: 21.

(2) سورة الروم، الآية: 54.

(3) سورة فاطر، الآية: 11.

13

فَأَنّٰى تُصْرَفُونَ (1).

و قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّٰى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ فَإِذٰا قَضىٰ أَمْراً فَإِنَّمٰا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (2).

و قال تعالى: يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحٰامِ مٰا نَشٰاءُ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّٰى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلٰا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَ تَرَى الْأَرْضَ هٰامِدَةً فَإِذٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْهَا الْمٰاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتىٰ وَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ (3).

و قال تعالى: يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىٰ وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ

____________

(1) سورة الزمر، الآية: 6.

(2) سورة غافر، الآية: 67- 68.

(3) سورة الحج، الآية: 5- 6.

14

خَبِيرٌ (1).

و قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسٰانُ أَنّٰا خَلَقْنٰاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذٰا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَ ضَرَبَ لَنٰا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قٰالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ بِقٰادِرٍ عَلىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلىٰ وَ هُوَ الْخَلّٰاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحٰانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (2).

الطب عند أهل البيت

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «تداووا فان اللّه عز و جل لم ينزل داء الا و أنزل له شفاء» (3).

و قال (صلى اللّه عليه و آله): «اثنان عليلان: صحيح محتم، و عليل مخلط» (4).

و قال (صلى اللّه عليه و آله): «تجنّب الدواء ما احتمل بدنك الداء، فاذا لم يحتمل‌

____________

(1) سورة الحجرات، الآية: 13.

(2) سورة يس، الآية: 77- 83.

(3) مكارم الاخلاق: ص 416، مطبعة النعمان، النجف الاشرف.

(4) مكارم الاخلاق: ص 416، مطبعة النعمان، النجف الاشرف.

15

الداء فالدواء» (1).

و قال أمير المؤمنين (سلام اللّه عليه): «توقوا البرد في أوله و تلقوه في آخره فإنه يفعل بالأبدان كما يفعل بالأشجار أوله يحرق و آخره يورق» (2).

و قال (سلام اللّه عليه): «لا تجتمع الصحة و النهم» (3).

و قال (سلام اللّه عليه): «لا يجتمع الجوع و المرض» (4).

و قال (سلام اللّه عليه): «لا وقاية أمنع من السلامة» (5).

و قال (سلام اللّه عليه): «لا تجتمع الشيبة و الهرم» (6).

و قال (سلام اللّه عليه): «لا تجتمع عزيمة و وليمة» (7).

و قال (سلام اللّه عليه): «لا تنال الصحة إلا بالحمية» (8).

و قال (سلام اللّه عليه): «من غرس في نفسه محبة أنواع الطعام اجتنى ثمار‌

____________

(1) بحار الأنوار ج 59، ص 66، باب 50.

(2) وسائل الشيعة: ج 7، ص 508، باب 16، ح 9985.

(3) غرر الحكم و درر الكلم: ص 483 في الصحة و السلامة ح 11166.

(4) غرر الحكم و درر الكلم: ص 320 في الجوع ح 7409.

(5) الكافي: ج 8 ص 19 خطبة لأمير المؤمنين (سلام اللّه عليه) ... ح 4.

(6) عيون الحكم و المواعظ: للواسطي ص 533.

(7) نهج البلاغة: الخطبة 241 من كلام له (سلام اللّه عليه) يحث به أصحابه على الجهاد.

(8) مستدرك الوسائل: ج 16 ص 453 ب 109 ح 20528.

16

فنون الأسقام» (1).

و قال (سلام اللّه عليه): «قلّ من أكثر من فضول الطعام إلا لزمته الأسقام» (2).

و قال (سلام اللّه عليه): «كم من أكلة منعت أكلات» (3).

و عن أبي عبد اللّه (سلام اللّه عليه) قال: «ليست الحمية من الشي‌ء تركه إنما الحمية من الشي‌ء الإقلال منه» (4).

و عن العالم (الامام الكاظم) (سلام اللّه عليه) قال: «الحمية رأس الدواء و المعدة بيت الداء ...» (5).

و عن الإمام الرضا (سلام اللّه عليه) قال: «لو أن الناس قصروا في الطعام لاستقامت أبدانهم» (6).

____________

(1) غرر الحكم و درر الكلم: ص 484 دستورات طبية ح 11191.

(2) غرر الحكم و درر الكلم: ص 484 دستورات طبية ح 11183.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 210 ب 9 ح 20301.

(4) مكارم الأخلاق: ص 362.

(5) مكارم الأخلاق: ص 362.

(6) مكارم الأخلاق: ص 362.

17

الإمام الصادق و المفضل

عن الامام الصادق (سلام اللّه عليه): مما أخبر به المفضل بخصوص مسئلة الخلق و مراحل تطوره و نشأته منذ انعقاده في رحم أمه و ما يتمخض عنه الى حين أجله.

حيث قال (سلام اللّه عليه): نبدأ يا مفضل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين في الرحم، و هو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، و ظلمة الرحم، و ظلمة المشيمة (1) حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء و لا دفع أذى و لا استجلاب منفعة و لا دفع مضرّة فإنّه يجرى إليه من دم الحيض ما يغذوا الماء و النبات فلا يزال ذلك غذاؤه.

ولادة الجنين و اسلوب غذائه و نموه

حتى إذا كمل خلقه و استحكم بدنه و قوى أديمه (2) على‌

____________

(1) المشيمة: غشاء ولد الإنسان يخرج معه عند الولادة، جمعه مشيم و مشايم.

(2) الأديمه: الجلد.

18

مباشرة الهواء، و بصره على ملاقاة الضياء هاج الطلق (1) بأمه فأزعجه أشدّ إزعاج، و أعنفه حتّى يولد.

فإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أمّه إلى ثدييها و انقلب الطعم و اللّون إلى ضرب آخر من الغذاء و هو أشدّ موافقة للمولود من الدم فيوافيه في وقت حاجته إليه فحين يولد قد تلمّظ (2) و حرك شفتيه طلبا للرضاع فهو يجد ثديي أمه كالإداوتين (3) المعلقتين لحاجته إليه.

فلا يزال يتغذى باللّبن ما دام رطب البدن رقيق الأمعاء لين الأعضاء، حتى إذا تحرّك و احتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتد و يقوى بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان و الأضراس (4) ليمضغ (5) بها الطعام فيلين عليه و يسهل له إساغته فلا يزال كذلك حتى يدرك فإذا أدرك و كان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك‌

____________

(1) الطلق (بسكون الثاني) وجع الولادة.

(2) تلمظ: إذا أخرج لسانه فمسح به شفتيه.

(3) الأداوة: بكسر ففتح- إناء صغير من جلد يتخذ للماء جمعه أداوي.

(4) الطواحن: هي الأضراس، و تطلق غالبا على المآخير و الأسنان على المقاديم، كما هو الظاهر هنا، و ان لم يفرّق اللغويون بينهما.

(5) مضغ الطعام: لاكه بلسانه.

19

علامة الذكر و عزّ الرجل الّذي يخرج به من حد الصبا و شبه النساء و إن كانت أنثى يبقى وجهها نقيّا من الشعر لتبقى لها البهجة و النضارة التي تحرّك الرجل لما فيه دوام النسل و بقاؤه.

اعتبر يا مفضّل فيما يدبّر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة هل ترى يمكن أن يكون بالإهمال.

أ فرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم و هو في الرحم أ لم يكن سيذوي و يجف كما يجف النبات إذا فقد الماء؟ و لو لم يزعجه المخاض (1) عند استحكامه أ لم يكن سيبقى في الرحم كالمئود (2) في الأرض.

و لو لم يوافقه اللّبن مع ولادته أ لم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا يلائمه و لا يصلح عليه بدنه و لو لم تطلع له الأسنان في وقتها أ لم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام و إساغته أو يقيمه على الرضاع فلا يشتدّ بدنه و لا يصلح لعمل ثمّ كان تشغل أمّه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد.

____________

(1) وجع الولادة و هو الطلق.

(2) وأد البنت: دفنها في التراب و هي حيّة، كما كان يفعله الجاهليون قبل الاسلام.

20

نبات اللحية و علة ذلك

و لو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته أ لم يكن سيبقى في هيئة الصبيان و النساء فلا ترى له جلالة و لا وقارا.

فقال المفضل: فقلت: له يا مولاي فقد رأيت من يبقى على حالته و لا ينبت الشعر في وجهه و إن بلغ الكبر فقال (سلام اللّه عليه):

«ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللّٰهَ لَيْسَ بِظَلّٰامٍ لِلْعَبِيدِ» (1) فمن هذا الذي يرصده (2) حتّى يوافيه بكل شي‌ء من هذه المآرب إلا الذي أنشأه خلقا بعد أن لم يكن، ثمّ توكل له بمصلحته بعد أن كان فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد و التقدير يأتيان بالخطإ و المحال لأنهما ضد الإهمال و هذا فظيع من القول و جهل من قائله لأن الإهمال لا يأتي بالصواب و التضاد لا يأتي بالنظام (3) تعالى اللّه عما يقول الملحدون علوا كبيرا.

____________

(1) سورة آل عمران: آية 182.

(2) يرصده: أي يرقبه.

(3) أي إذا لم تكن الأشياء منوطة بأسبابها، و لم ترتبط الأمور بعللها، فكما جاز أن يحصل هذا الترتيب و النظام التام بلا سبب فجاز أن يصير التدبير في الأمور سببا لاختلالها، و هذا خلاف ما يحكم به العقلاء لما نرى من سعيهم في تدبير الأمور، و ذمهم من يأتي بها على غير تأمل و روية ... و يحتمل أن

21

المولود لو ولد فهما عاقلا

و لو كان المولود يولد فهما (1) عاقلا لأنكر العالم عند ولادته و لبقي حيرانا تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف و ورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم و الطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة و يوما بعد يوم و اعتبر ذلك بأنّ من سبي من بلد و هو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع إلى تعلّم الكلام و قبول الأدب كما يسرع الذي سبي صغيرا غير عاقل، ثمّ لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة (2) إذا رأى نفسه محمولا مرضعا، معصبا بالخرق، مسجّى (3) في المهد لأنّه لا يستغني عن هذا كلّه لرقة بدنه و رطوبته حين يولد، ثمّ كان لا يوجد له من الحلاوة و الوقع من القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج إلى الدنيا غبيا (4)

____________

يكون المراد أن الوجدان يحكم بتضاد آثار الأمور- المتضادة، و ربما أمكن اقامة البرهان عليه أيضا فإذا أتي الإهمال بالصواب يجب أن يأتي ضده و هو التدبير بالخطإ، و هذا أفظع و أشنع. (من تعليقات البحار). ج 3، ص 60، طبع مؤسسة الوفاء.

(1) الفهم- بفتح فكسر- السريع الفهم.

(2) الغضاضة: هي الذلة و المنقصة- جمعها غضائض.

(3) التسجية: هي التغطية بثوب يمد على الجسم.

(4) على وزن فعيل- و هو القليل الفطنة.

22

غافلا عما فيه أهله فيلقى الأشياء بذهن ضعيف و معرفة ناقصة ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا و شيئا بعد شي‌ء و حالا بعد حال حتى يألف الأشياء و يتمرن و يستمر عليها فيخرج من حد التأمل لها و الحيرة فيها إلى التصرّف و الاضطرار إلى المعاش بعقله و حيلته و إلى الاعتبار و الطاعة و السهو و الغفلة و المعصية، و في هذا أيضا وجوه آخر فإنّه لو كان يولد تامّ العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد، و ما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة، و ما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبر و العطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم (1)، ثمّ كان الأولاد لا يألفون آباءهم و لا يألف الآباء أبناءهم لأنّ الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء و حياطتهم فيتفرّقون عنهم حين يولدون فلا يعرف الرجل أباه و أمّه و لا يمتنع من نكاح أمّه و أخته و ذوات المحارم إذا كان لا يعرفهن و أقل ما في ذلك من القباحة بل هو أشنع و أعظم و أفظع و أقبح و أبشع لو خرج المولود من بطن أمه و هو يعقل أن يرى (2) منها ما‌

____________

(1) أي بأن يبروا الابناء بآبائهم و العطف عليهم عند حاجة الآباء إلى ذلك في كبرهم و ضعفهم، و جزاء لما عانوا من الشدائد في سبيل تربية الأبناء.

(2) خبر لقوله: أقل ما في ذلك.

23

لا يحلّ له و لا يحسن به أن يراه. أ فلا ترى كيف أقيم كل شي‌ء من الخلقة على غاية الصواب و خلا من الخطإ دقيقه و جليله (1).

منفعة الأطفال في البكاء

اعرف يا مفضل ما للأطفال في البكاء من المنفعة، و اعلم أنّ في أدمغة الأطفال رطوبة إن بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثا جليلة و عللا عظيمة من ذهاب البصر و غيره، و البكاء يسيل تلك الرطوبة من رءوسهم فيعقّبهم ذلك الصحّة في أبدانهم و السلامة في أبصارهم.

أ فليس قد جاز أن يكون الطفل ينتفع بالبكاء، و والداه لا يعرفان ذلك فهما دائبان (2) ليسكتانه و يتوخّيان (3) في الأمور مرضاته لئلّا يبكي و هما لا يعلمان أن البكاء أصلح له و أجمل عاقبة‌

____________

(1) ان بعض هذا البيان البديع من الامام عن تدرج الانسان في نموه، و نموه في اوقاته، كاف في حكم العقل بأن له صانعا صنعه عن علم و حكمة و تقدير و تدبير (عن كتاب الإمام الصادق (سلام اللّه عليه)) للشيخ محمد حسين المظفر، ج 1، ص 171.

(2) الدؤب: الجد و التعب.

(3) التوخي: التحري و القصد.

24

فهكذا يجوز أن يكون في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون بالإهمال و لو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشي‌ء أنّه لا منفعة من أجل أنّهم لا يعرفونه و لا يعلمون السبب فيه فإنّ كلّ ما لا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون (1) و كثيرا ما يقصر عنه علم المخلوقين محيط به علم الخالق جلّ قدسه و علت كلمته.

فأما ما يسيل من أفواه الأطفال من الريق ففي ذلك خروج الرطوبة الّتي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة فأخرجته إلى حدّ البله و الجنون و التخليط إلى غير ذلك من الأمراض المختلفة كالفالج (2) و اللقوة (3) و ما أشبههما فجعل اللّه تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم لما لهم في ذلك من الصحة في كبرهم فتفضل على خلقه بما جهلوه و نظر لهم بما لم يعرفوه و لو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك من التمادي في معصيته.

____________

(1) أي أن ذلك مما لا يقصر عن ادراكه ذو العلم و الفهم.

(2) الفلج: داء يحدث في أحد شقي البدن، فيبطل احساسه و حركته.

(3) اللقوة: بفتح فسكون- داء يصيب الوجه يعوج منه الشدق إلى أحد جانبي العذق، جمعه لقاء و القاء.

25

فسبحانه ما أجلّ نعمته و أسبغها على المستحقين و غيرهم من خلقه تعالى عما يقول المبطلون (1) علوّا كبيرا.

الجهاز التناسلي و أسراره

انظر الآن يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر و الأنثى جميعا على ما يشاكل ذلك، فجعل للذكر آلة ناشرة تمتدّ حتّى تصل النطفة (2) إلى الرحم إذا كان محتاجا إلى أن يقذف ماءه في غيره، و خلق للأنثى وعاء قعر (3) ليشتمل على الماءين جميعا و يحتمل الولد و يتّسع له و يصونه حتّى يستحكم، أ ليس ذلك من تدبير حكيم لطيف سُبْحٰانَهُ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ*.

أعضاء البدن و فوائد كل منها

فكر يا مفضّل في أعضاء البدن أجمع و تدبير كلّ منها للإرب، فاليدان للعلاج، و الرجلان للسعي، و العينان للاهتداء، و الفم للاغتذاء، و المعدة للهضم، و الكبد للتخليص، و المنافذ (4)

____________

(1) يقال: إبطال أي جاء بالباطل.

(2) النطفة: ماء الرجل أو المرأة و الجمع نطاف و نطف.

(3) القعر من كل شي‌ء: عمقه و نهاية أسلفة.

(4) المنافذ هنا بمعنى النوافذ من الإنسان، أي كل سم أو خرق فيه كالفم

26

لتنفيذ الفضول، و الأوعية لحملها و الفرج لإقامة النسل، و كذلك جميع الأعضاء إذا ما تأملتها و أعملت فكرك فيها و نظرك وجدت كل شي‌ء منها قد قدّر لشي‌ء على صواب و حكمة.

الانسان و مزاعم الطبيعيين

قال المفضّل: فقلت: يا مولاي إنّ قوما يزعمون أنّ هذا من فعل الطبيعة، فقال (سلام اللّه عليه): سلهم عن هذه الطبيعة، أ هي شي‌ء له علم و قدرة على مثل هذه الأفعال أم ليست كذلك؟ فإن أوجبوا لها العلم و القدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق؟ فإن هذه صنعته (1) و إن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم و لا عمد و كان في أفعالها ما قد تراه من الصواب و الحكمة علم أنّ هذا الفعل للخالق الحكيم أنّ الذي سموه طبيعة هو سنّته في خلقه الجارية على ما أجراها عليه (2)

____________

و الأنف، و الظاهر أن المراد بها هنا محل خروج البول و الغائط.

(1) لعل المراد أنهم إذا قالوا بذلك فقد اثبتوا الصانع، فلم يسمونه بالطبيعة، و هي ليست بذات علم و لا إرادة و لا قدرة؟

(2) أي ظاهر بطلان هذا الزعم، و الذي صار سبب لذهولهم إلى: ان اللّه تعالى أجرى عادته بأن يخلق الأشياء، بأسبابها، فذهبوا إلى استقلال تلك الأسباب

27

الجهاز الهضمي و عملية الهضم

فكر يا مفضّل في وصول الغذاء إلى البدن و ما فيه من التدبير فإنّ الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه و تبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق واشجة (1) بينهما قد جعلت كالمصفى للغذاء، لكيلا يصل إلى الكبد منه شي‌ء فينكأها (2).

و ذلك أنّ الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثمّ إنّ الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما، و ينفذه إلى البدن كله في مجاري مهيئة لذلك، بمنزلة المجاري الّتي تهيأ للماء حتّى يطرد في الأرض كلّها، و ينفذ ما يخرج منه من الخبث و الفضول إلى مفايض (3) قد أعدّت لذلك.

____________

في ذلك. و بعبارة أخرى إن سنة اللّه و عادته قد جرت لحكم كثيرة فتكون الأشياء بحسب بادي النظر مستندة إلى غيره تعالى، ثم- يعلم- بعد الاعتبار و التفكر- أن الكل مستند إلى قدرته أو تأثيره تعالى، و إنما هذه الأشياء وسائل و شرائط لذلك و من هنا تحيروا في الصانع تعالى. (من تعليقات البحار)

(1) الواشجة: مؤنث الواشج اسم فاعل بمعنى المشتبك، يقال: و شجت العروق و الأغصان إذا اشتبكت. و المراد بالوشجة هنا الموصلة أو الواصلة.

(2) نكأ القرحة قشرها قبل أن تبدأ فنديت.

(3) المفايض: المجاري، مأخوذة من فاض الماء، و في بعض النسخ بالغين من

28

فما كان منه من جنس المرّة (1) الصفراء جرى إلى المرارة (2)، و ما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال، و ما كان من البلّة و الرطوبة جرى إلى المثانة (3)، فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن، و وضع هذه الأعضاء منه مواضعها، و أعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلا تنتشر في البدن فتسقمه و تنهكه، فتبارك من أحسن التقدير و أحكم التدبير، و له الحمد كما هو أهله و مستحقّه.

ادوار نشوء الأبدان

قال المفضل: فقلت: صف نشوء الأبدان و نموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام و الكمال قال (سلام اللّه عليه): أوّل ذلك تصوير‌

____________

غاض الماء غيضا، أي نضب و ذهب في الأرض.

(1) المرة: بكسر ففتح- خلط البدن و هو الصفراء أو السوداء، جمعه مرار.

(2) المرارة: هنة شبه كيس لاصقة بالكبد تكون فيها مادة صفراء هي المرارة اشار إليها الامام، جمعها مرائر و مرارات.

(3) في كلام الامام (سلام اللّه عليه) هنا معان صريحة عن الدورة الدموية- التي اكتشفها العالم الإنكليزي وليم هار في (1578- 1756) بل ان الامام قد فصل القول- كما نرى هنا- عن جريان الدم في الأوردة و الشريان، و إن مركزه هو القلب، فنستطيع إذن أن نقول بأن الامام هو المكتشف الأول للدورة الدموية.

29

الجنين في الرحم حيث لا تراه عين و لا تناله يد، و يدبّره حتى يخرج سوّيا مستوفيا جميع ما فيه قوامه و صلاحه من الأحشاء و الجوارح و العوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام و اللّحم و الشحم و المخ و العصب و العروق و الغضاريف (1) فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمو بجميع أعضائه و هو ثابت على شكل و هيئة لا تتزايد و لا تنقص إلى أن يبلغ أشدّه إن مدّ في عمره أو يستوفي مدّته قبل ذلك، هل هذا إلا من لطيف التدبير و الحكمة.

من خصائص الإنسان

انظر يا مفضل ما خصّ به الإنسان في خلقه تشرفا و تفضلا على البهائم فإنه خلق ينتصب قائما و يستوي جالسا ليستقبل الأشياء بيديه و جوارحه، و يمكنه العلاج و العمل بهما، فلو كان مكبوبا على وجهه كذوات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الأعمال.

____________

(1) الغضاريف: جمع غضروف و هو كل عظم رخو يؤكل مثل أطراف الانف و بعض الكتف، و رءوس الأضلاع، و رهاب الصدر و داخل فوق الاذن (من تعليقات البحار).

30

جمال الهندام و كماله

انظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس (1) الّتي خصّ بها الإنسان في خلقه و شرّف بها على غيره، كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الأشياء، و لم تجعل في الأعضاء التي تحتهنّ كاليدين و الرجلين فتعترضها الآفات و يصيبها من مباشرة العمل و الحركة ما يعلّلها و يؤثّر فيها و ينقص منها، و لا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن و الظهر فيعسر تقلّبها و اطّلاعها نحو الأشياء.

الحواس الخمس و أسرارها

فلما لم يكن لها في شي‌ء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواسّ، و هو بمنزلة الصومعة لها؛ فجعل الحواسّ خمسا تلقى خمسا لكي لا يفوتها شي‌ء من المحسوسات، فخلق البصر ليدرك الألوان فلو كانت الألوان و لم يكن بصر يدركها لم تكن فيها منفعة، و خلق السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات و لم يكن سمع يدركها لم يكن‌

____________

(1) هي الأعضاء تؤمّن احتياجاتنا مع المحيط الخارجي، و هي خمسة أعضاء اللمس و الذوق و الشم و البصر و السمع.

31

فيها أرب (1) و كذلك سائر الحواسّ ثمّ هذا يرجع متكافئا، فلو كان بصر و لم تكن الألوان لما كان للبصر معنى و لو كان سمع و لم تكن أصوات لم يكن للسمع موضع.

تقدير الحواس و عجائبها

فانظر كيف قدّر بعضها يلقي بعضا فجعل لكل حاسّة محسوسا (2) يعمل فيه، و لكل محسوس (3) حاسة تدركه، و مع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواسّ و المحسوسات لا تتمّ الحواسّ إلّا بها، كمثل الضياء و الهواء فإنّه لو لم يكن ضياء يظهر اللّون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون و لو لم يكن هواء يؤدّي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت.

فهل يخفي على من صح نظره و أعمل فكره إنّ مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس و المحسوسات بعضها يلقى‌

____________

(1) الأرب: الحاجة.

(2) لعل الأصل في كلمة محسوس هنا (حس) و لا نأتي كلمة محسوس هنا، لأن حس بمعنى شعر و علم فعل لازم، و من البديهي عدم جواز صياغة اسم المفعول من الفعل اللازم، الا إذا عدي بحرف الجر أو جاء مع المصدر أو الظرف، و يأتي فعل حسّ متعديا بغير هذا المعنى، فيقال: حسه إذا قتله و استأصله.

(3) لعل الأصل في كلمة محسوس هنا (حس) و لا نأتي كلمة محسوس هنا، لأن حس بمعنى شعر و علم فعل لازم، و من البديهي عدم جواز صياغة اسم المفعول من الفعل اللازم، الا إذا عدي بحرف الجر أو جاء مع المصدر أو الظرف، و يأتي فعل حسّ متعديا بغير هذا المعنى، فيقال: حسه إذا قتله و استأصله.

32

بعضا و تهيئة أشياء آخر بها تتمّ الحواسّ لا يكون إلا بعمل و تقدير من لطيف خبير.

الاتعاض بمن فقد السمع و البصر

فكر يا مفضّل فيمن عدم البصر من الناس و ما يناله من الخلل في أموره، فإنه لا يعرف موضع قدميه، و لا يبصر ما بين يديه، فلا يفرق بين الألوان و بين المنظر الحسن و القبيح و لا يرى حفرة إن هجم عليها و لا عدوّا إن أهوى إليه بسيف و لا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه الصناعات مثل الكتابة و التجارة و الصياغة حتّى أنّه لو لا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى، و كذلك من عدم السمع يختلّ في أمور كثيرة فإنّه يفقد روح المخاطبة و المحاورة، و يعدم لذّة الأصوات و اللّحون المشجية و المطربة و تعظم المئونة على الناس في محاورته حتّى يتبرّموا به و لا يسمع شيئا من أخبار الناس و أحاديثهم حتى يكون كالغائب و هو شاهد، أو كالميّت و هو حي، فأمّا من عدم العقل فإنه يلحق بمنزلة البهائم بل يجهل كثيرا ممّا تهتدي إليه البهائم أ فلا ترى‌

33

كيف صارت الجوارح و العقل و سائر الخلال (1) التي بها صلاح الإنسان و التي لو فقد منها شيئا لعظم ما يناله في ذلك من الخلل يوافي (2) خلقه على التمام حتى لا يفقد شيئا منها فلم كان كذلك إلّا أنّه خلق بعلم و تقدير.

قال المفضل: فقلت: فلم صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله من ذلك مثل ما وصفته يا مولاي قال (سلام اللّه عليه): ذلك للتأديب و الموعظة لمن يحلّ ذلك به و لغيره بسببه كما يؤدب الملوك الناس للتنكيل و الموعظة فلا ينكر ذلك عليهم بل يحمد من رأيهم و يتصوب من تدبيرهم ثمّ إن للذين تنزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت إن شكروا و أنابوا ما يستصغرون معه ما ينالهم منها، حتّى أنّهم لو خيروا بعد الموت لاختاروا أن يردّوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب.

أعضاء الانسان الفردية و الزوجية

فكر يا مفضل في الأعضاء التي خلقت أفرادا و أزواجا، و ما في ذلك من الحكمة و التقدير، و الصواب في التدبير، فالرأس ممّا‌

____________

(1) الخلال: جمع خله و هي الخصلة.

(2) يوافي خبر ل «صارت» المتقدمة قبل سطرين.

34

خلق فردا و لم يكن للإنسان صلاح في أن يكون له أكثر من واحد، ألا ترى أنه لو أضيف إلى رأس الإنسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة إليه، لأن الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد، ثمّ كان الإنسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان فإن تكلّم من أحدهما كان الآخر معطّلا لا أرب فيه و لا حاجة إليه و إن تكلّم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج إليه، و إن تكلّم بأحدهما بغير الّذي تكلّم به من الآخر لم يدر السامع بأيّ ذلك يأخذ، و أشباه هذا من الأخلاط، و اليدان ممّا خلق أزواجا و لم يكن للإنسان خير في أن يكون له يد واحدة لأنّ ذلك كان يخلّ (1) به فيما يحتاج إلى معالجته من الأشياء ألا ترى أنّ النجّار و البنّاء لو شلّت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته، و إن تكلف ذلك لم يحكمه و لم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت يداه تتعاونان على العمل.

قدرة الانسان على الكلام

أطل الفكر يا مفضّل في الصوت و الكلام و تهيئة آلاته في‌

____________

(1) يقال: أخل بالشي‌ء إذا قصر فيه.

35

الإنسان، فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت و اللّسان و الشفتان و الأسنان لصياغة الحروف و النغم، ألا ترى أنّ من سقطت أسنانه لم يقم السين، و من سقطت شفته لم يصحّح الفاء، و من ثقل لسانه لم يفصح الراء، و أشبه (1) شي‌ء بذلك المزمار (2) الأعظم، فالحنجرة تشبه قصبة المزمار و الرئة تشبه الزقّ (3) الذي ينفخ فيه لتدخل الريح، و العضلات الّتي تقبض على الرئة ليخرج الصوت كالأصابع الّتي تقبض على الزقّ حتّى تجري الريح في المزامير و الشفتان و الأسنان الّتي تصوغ الصوت حروفا و نغما كالأصابع الّتي تختلف في فم المزمار فتصوغ صفيره ألحانا غير أنّه و إن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة و التعريف فإنّ المزمار في الحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت‌

ما في الأعضاء من المآرب الأخرى

قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في صنعة الكلام و إقامة الحروف، و فيها مع الّذي ذكرت لك مآرب أخرى، فالحنجرة‌

____________

(1) يظهر أن الجملة ناقصة و تكملها: (مخرج الصوت أشبه شي‌ء).

(2) المزمار: الآلة التي يزمر فيها- جمعها مزامير.

(3) المراد بالزق هنا الجلد الذي يستعمل في المزمار.

36

ليسلك فيها هذا النسيم إلى الرئة فتروح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الّذي لو احتبس شيئا يسيرا لهلك الإنسان، و باللّسان تذاق الطعوم فيميّز بينها و يعرف كلّ واحد منها حلوها من مرّها و حامضها من مرّها، و مالحها من عذبها و طيبها من خبيثها، و فيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام و الشراب و الأسنان لمضغ الطعام حتى يلين و تسهل إساغته.

و هي مع ذلك كالسند للشفتين تمسكهما و تدعمهما من داخل الفم و اعتبر ذلك فإنك ترى من سقطت أسنانه مسترخي الشفة و مضطربها، و بالشفتين يترشّف (1) الشراب حتى يكون الذي يصل إلى الجوف منه بقصد و قدر لا يثجّ (2) ثجا فيغص به الشارب أو ينكأ (3) في الجوف، ثمّ همى (4) بعد ذلك كالباب المطبق على الفم يفتحها الإنسان إذا شاء و يطبقهما إذا شاء و فيما وصفنا من هذا بيان كل واحد من هذه الأعضاء يتصرّف.

و ينقسم إلى وجوه من المنافع كما تتصرّف الأداة الواحدة في أعمال شتّى، و كالفأس تستعمل في النجارة و الحفر و غيرهما من الأعمال.

____________

(1) ترشف الشراب أي بالغ في مصه.

(2) ثج يثج ثجا: أسأله.

(3) لعله أراد أنه يقع في غير ما حاجة.

(4) همى الماء سال لا يثنيه شي‌ء.

37

الدماغ و الجمجمة و فائدتها

و لو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لفّ بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الأعراض و تمسكه فلا يضطرب، و لرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما تقيه (1) هدّ الصدمة و الصكّة التي ربّما وقعت في الرأس، ثمّ قد جلّلت الجمجمة بالشعر حتّى صارت بمنزلة الفرو للرأس يستره من شدّة الحرّ و البرد فمن حصّن الدماغ هذا التحصين إلّا الّذي خلقه و جعله ينبوع الحسّ و المستحقّ للحيطة و الصيانة بعلوّ منزلته من البدن و ارتفاع درجته و خطير مرتبته‌

الجفن و أشفاره

تأمل يا مفضل الجفن على العين، كيف جعل كالغشاء، و الأشفار (2) كالأشراح (3)، و أولجها (4) في هذا الغار، و أظلّها بالحجاب و ما عليه من الشعر.

____________

(1) في نسخة يفتّه بد لا عن تقيه، و يفتّه من الفتّ و هو الكسر.

(2) الأشفار جمع شفر و هو أصل منبت الشعر في الجفن.

(3) الاشراح: العرى.

(4) أولجها: أدخلها.

38

الفؤاد و مدرعته

يا مفضل من غيّب الفؤاد جوف الصدر، و كساه المدرعة (1) الّتي غشاؤه، و حصّنه بالجوانح و عليها من اللّحم و العصب لئلّا يصل إليه ما ينكيه. (2)

الحلق و المري‌ء

من جعل في الحلق منفذين أحدهما لمخرج الصوت و هو الحلقوم المتّصل بالرئة، و الآخر منفذا الغذاء و هو المري‌ء (3) المتّصل بالمعدة الموصل الغذاء إليها، و جعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن يصل إلى الرئة فيقتل.

____________

(1) كأن المراد بالمدرعة هنا ثوب الحديد، فالمدرعة في الأصل جبة مشقوقة المقدم، أو كما عند اليهود ثوب من كنان كان يلبسه عظيم أحبارهم، و لكن الذي يريده الامام من حد قولهم درع، إذا لبس درع الحديد.

(2) نكأه: جرحه و آذاه.

(3) المري: هو العرق الذي يمتلئ و يدر باللبن جمعه مرايا، و قد أبان الإمام وظيفة المري و عمله بتعبير لطيف.

39

الرئة مروحة القلب

من جعل الرئة مروّحة الفؤاد لا تفتر و لا تختلّ لكيلا تتحير (1) الحرارة في الفؤاد فتؤدي إلى التلف من جعل لمنافذ البول و الغائط أشراجا (2) تضبطهما لئلّا يجريا جريانا دائما فيفسد على الإنسان عيشه فكم عسى أن يحصي المحصي من هذا بل الّذي لا يحصى منه و لا يعلمه الناس أكثر.

المعدة و الكبد و وظائفهما

من جعل المعدة عصبانيّة شديدة و قدّرها لهضم الطعام الغليظ، و من جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفو (3) اللّطيف من الغذاء و لتهضم و تعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلّا اللّه القادر، أ ترى الإهمال يأتي بشي‌ء من ذلك، كلّا بل هو تدبير مدبّر حكيم، قادر عليم بالأشياء قبل خلقه إيّاها، لا يعجزه شي‌ء و هو اللطيف الخبير.

____________

(1) تحيرت الحرارة: ترددت كأنها لا تدري كيف تجري فتجمعت، و في نسخة تتحيز و ليس لها معنى مستقيم.

(2) الاشراج جمع شرج و هو في الأصل الشقاق في القوس، و قد استعار الإمام منها معنى لمنافذ البول و الغائط.

(3) الصفو من كل شي‌ء: خالصه و خياره.

40

المخ و الدم و كيفيتهما

فكر يا مفضّل لم صار المخّ الرقيق محصّنا في أنابيب العظام، هل ذلك إلا ليحفظه و يصونه، لم صار الدم السائل محصورا في العروق بمنزلة الماء في الظروف (1) إلّا لتضبطه فلا يفيض، لم صارت الأظفار على أطراف الأصابع إلّا وقاية لها و معونة على العمل، لم صار داخل الأذن ملتويا كهيئة اللولب (2) إلّا ليطّرد فيه الصوت حتّى ينتهي إلى السمع و ليكسر حمّة الريح ينكأ في السمع، لم حمل الإنسان على فخذيه و أليتيه هذا اللّحم إلا ليقيه من الأرض فلا يتألم من الجلوس عليها، كما يألم من نحل جسمه و قلّ لحمه إذا لم يكن بينه و بين الأرض حائل يقيه صلابتها.

الإنسان آية من آيات الله

من جعل الإنسان ذكرا و أنثى إلّا من خلقه متناسلا، و من‌

____________

(1) الظروف جمع ظرف و هو كل ما يستقر فيه غيره و يغلب استعماله للقربة و السقاء.

(2) اللولب: آلة من خشب أو حديد ذات محور ذي زوائد ناتئة و هو الذكر أو داخلة و هو الأنثى، جمعه لوالب.- و في نسخة أخرى الكواكب.

41

خلقه متناسلا إلا من خلقه مؤمّلا، و من خلقة مؤمّلا و من أعطاه آلات العمل إلّا من خلقه عاملا، من خلقه عاملا إلّا من جعله محتاجا، و من جعله محتاجا إلّا من ضربه بالحاجة (1)، و من ضربه بالحاجة إلّا من توكّل بتقويمه (2)، و من خصه بالفهم إلا من أوجب له الجزاء، و من وهب له الحيلة إلّا من ملكه الحول (3) و من ملكه الحول إلا من ألزمه الحجة، من يكفيه ما لا تبلغه حيلته إلا من لم يبلغ مدى شكره. فكّر و تدبّر ما وصفته هل تجد الإهمال يأتي على مثل هذا النظام و الترتيب تبارك اللّه تعالى عمّا يصفون.

الفؤاد و اتصاله بالرئة

أصف لك الآن يا مفضّل الفؤاد اعلم أنّ فيه ثقبا موجّهة نحو الثقب الّتي في الرئة تروح عن الفؤاد، حتى لو اختلفت تلك الثقب و تزايل بعضها عن بعض لما وصل الروح إلى الفؤاد و لهلك الإنسان أ فيستجيز ذو فكرة و رويّة أنّ يزعم أن مثل هذا‌

____________

(1) أي سبب له أسباب الاحتياج أو خلقه بحيث يحتاج.

(2) أي تكفل يدفع حاجته و تقويم أوده.

(3) الحول مصدر بمعنى القدرة و القوة على التصرف و جودة النظر و العذق.

42

يكون بالإهمال و لا يجد شاهدا من نفسه ينزعه (1) عن هذا القول لو رأيت فردا من مصراعين فيه كلّوب (2).

أكنت تتوهم أنّه جعل كذلك بلا معنى، بل كنت تعلم ضرورة أنّه مصنوع يلقى فردا آخر، فيبرزه ليكون في اجتماعهما ضرب من المصلحة، و هكذا تجد الذكر من الحيوان كأنّه فرد من زوج مهيّأ من فرد أنثى فيلتقيان لما فيه من دوام النسل و بقائه، فتبّا (3) و خيبة و تعسا لمنتحلي الفلسفة، كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتّى أنكروا التدبير و العمد فيها.

الرجل و جهازه التناسلي

لو كان فرج الرجل مسترخيا كيف كان يصل إلى قعر الرحم حتّى يفرغ النطفة فيه، و لو كان منعضا (4) أبدا كيف كان الرجل يتقلب في الفراش أو يمشي بين الناس و شي‌ء شاخص أمامه ثمّ‌

____________

(1) يزعه: يكفه و يمنعه.

(2) الكلوب- بفتح الأول- و تشديد الثاني- المهماز أو حديدة معطوفة الرأس يجرّبها الجمر أو خشبة في رأسها عقافة منها أو من حديد، و الجمع كلاليب.

(3) تبا لفلان تنصبه على المصدر باضمار فعل أي الزمه اللّه هلاكا و خسرانا.

(4) المنعض كأنه من العض و هو القرن يريد أنه صلب شديد.

43

يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في كلّ وقت من الرجال و النساء جميعا، فقدّر اللّه جلّ اسمه أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كلّ وقت و لا يكون على الرجال مئونة بل جعل فيه القوّة على الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك، لما قدّر أن يكون فيه من دوام النسل و بقائه.

منفذ الخروج و حكمة وضعه

اعتبر الآن يا مفضّل بعظيم النعمة الإنسان في مطعمه و مشربه و تسهيل خروج الأذى، أ ليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع منها فكذا جعل اللّه سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من الإنسان في أستر موضع منه فلم يجعله بارزا من خلفه، و لا ناشرا من بين يديه بل هو مغيب في موضع غامض من البدن، مستور محجوب يلتقي عليه الفخذان و تحجبه الأليتان بما عليهما من اللّحم فتواريانه فإذا احتاج الإنسان إلى الخلاء و جلس تلك الجلسة ألفى ذلك المنفذ منه‌

44

منصّبا مهيّأ لانحدار الثفل (1)، فتبارك من تظاهرت آلاؤه و لا تحصى نعماؤه.

الطواحن من أسنان الإنسان

فكر يا مفضل في هذه الطواحن (2) التي جعلت للإنسان فبعضها حداد (3) لقطع الطعام و قرضه، و بعضها عراض (4) لمضغه و رضه فلم ينقص واحد الصفتين إذ كان محتاجا إليهما جميعا.

حكمة نمو الشعر و الأظفار

تأمّل و اعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر و الأظفار فإنّهما لمّا كانا ممّا يطول و يكثر حتّى يحتاج إلى تخفيفه أوّلا فأوّلا جعلا عديما الحسّ لئلّا يؤلم الإنسان الأخذ منهما، و كان قصّ الشعر و تقليم الأظفار ممّا يوجد له مسّ من ذلك لكان الإنسان من ذلك بين مكروهين: إما أن يدع كلّ واحد منهما حتّى يطول‌

____________

(1) الثفل- بالضم- ما يستقر في اسفل الشي‌ء من كدرة.

(2) الطواحن جمع طاحن و هو الضرس.

(3) حداد أي قاطعة.

(4) عراض جمع ضد طويل، و ربما اريد بها المعارضة و هي السن في عرض الفم.

45

فيثقل عليه، و إمّا أن يخفّفه بوجع و ألم يتألّم منه.

قال المفضل: فقلت فلم لم يجعل ذلك خلقة لا تزيد فيحتاج الإنسان إلى النقصان منه؟ فقال (سلام اللّه عليه): إنّ للّه تبارك اسمه في ذلك على العبد نعما لا يعرفها فيحمده عليها.

اعلم أنّ آلام البدن و أدواءه (1) تخرج بخروج الشعر في مسامّه (2) و بخروج الأظفار من أناملها، و لذلك أمر الإنسان بالنورة و حلق الرأس و قصّ الأظفار في كلّ أسبوع ليسرع الشعر و الأظفار في النبات، فتخرج الآلام و الأدواء بخروجهما (3) و إذا طالا تحيّرا و قلّ خروجهما فاحتبست الآلام و الأدواء في البدن فأحدثت عللا و أوجاعا، و منع مع ذلك الشعر من المواضع الّتي تضرّ بالإنسان و تحدث عليه الفساد و الضرر.

لو نبت الشعر في العين أ لم يكن سيعمى البصر، و لو نبت في الفم أ لم يكن سينغصّ على الإنسان طعامه و شرابه، و لو نبت في باطن الكفّ أ لم يكن سيعوقه عن صحّة اللّمس و بعض الأعمال،

____________

(1) الأدواء جمع داء و هو المرض و العلة.

(2) المسام من الجلد ثقبه و منافذه كمنابت الشعر.

(3) يؤيّد هذا الرأي علم الطب الحديث، هو يردّ على نظرية دارون القائلة بأن الشعر و الأظافر من الزوائد الحيوانية الأولى التي لم يعد لها نفع و لا فائدة.

46

و لو نبت في فرج المرأة و على ذكر الرجل أ لم يكن سيفسد عليهما لذّة الجماع.

فانظر كيف تنكب (1) الشعر عن هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة ثمّ ليس هذا في الإنسان فقط بل تجده في البهائم و السباع و سائر المتناسلات فإنّك ترى أجسامهنّ مجللة بالشعر و ترى هذه المواضع خالية منه لهذا السبب بعينه؛ فتأمل الخلقة كيف تتحرّز (2) وجوه الخطإ و المضرة و تأتي بالصواب و المنفعة.

شعر الركب و الإبطين

إنّ المنانية (3) و أشباههم حين اجتهدوا في عيب الخلقة و العمد (4) عابوا الشعر النابت على الركب و الإبطين و لم يعلموا أن ذلك من رطوبة تنصبّ إلى هذه المواضع فينبت الشعر، كما ينبت العشب في مستنفع المياه.

____________

(1) تنكب عنه: عدل عنه و تجنبه.

(2) احترز منه و تحرز أي تحفظه و توقاه كأنه جعل نفسه في حرز منه.

(3) و في نسخة المانوية.

(4) يقال فعله عمدا و عن عمد أي قصدا، لا عن طريق الصدفة.

47

أ فلا ترى إلى هذه المواضع أستر و أهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها، ثمّ إنّ هذه تعدّ مما يحمل الإنسان من مئونة هذا البدن و تكاليفه لما له في ذلك من المصلحة، فإنّ اهتمامه بتنظيف بدنه و أخذ ما يعلوه من الشعر ممّا يكسر به شرته (1)، و يكف عاديته (2)، و يشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الأشر (3) و البطالة.

الريق (ماء الفم) و منافعه

تأمّل الريق و ما فيه من المنفعة فإنّه جعل يجري جريانا دائما إلى الفم ليبلّ الحلق و اللّهوات (4) فلا يجفّ فإنّ هذه المواضع لو جعلت كذلك كان فيه هلاك الأسنان (5) ثمّ كان لا يستطيع أن يسيغ (6) طعاما إذا لم يكن في الفم بلّة تنفذه، تشهد بذلك المشاهدة.

____________

(1) الشرّة: بكسر فتشيد- الحدة و النشاط أو الشر.

(2) العادية: الحدة و الغضب أو الظلم و الشر.

(3) الأشر- بفتحتين- البطر و شدة الفرح، و الجمع شرون و أشاري.

(4) اللهوات جمع لهاة و هي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.

(5) و في نسخة أخرى الانسان.

(6) أساغ الطعام يسيغه سيغا: سهل مطعمه.

48

و اعلم أنّ الرطوبة مطيّة الغذاء، و قد تجري من هذه البلّه إلى موضع أخر من المرّة (1) فيكون في ذلك صلاح تامّ للإنسان و لو يبست المرّة لهلك الإنسان.

محاذير كون بطن الإنسان مفتوحة

و لقد قال قوم من جهلة المتكلّمين و ضعفة المتفلسفين بقلّة التمييز و قصور العلم: لو كان بطن الإنسان كهيئة القباء (2) يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه و يدخل يده فيعالج ما أراد علاجه أ لم يكن أصلح من أن يكون مصمّتا (3) محجوبا عن البصر و اليد، لا يعرف ما فيه إلّا بدلالات غامضة كمثل النظر إلى البول و حسّ العرق و ما أشبه ذلك ممّا يكثر فيه الغلط و الشبهة حتّى ربّما كان ذلك سببا للموت فلو علم هؤلاء الجهلة أنّ هذا لو كان هكذا كان أوّل ما فيه أنّه كان يسقط عن الإنسان الوجل من الأمراض و الموت، و كان يستشعر البقاء و يغترّ بالسلامة فيخرجه ذلك إلى‌

____________

(1) المرة- بالكسر- خلط من أخلاط البدن و هو الصفراء أو السوداء و الجمع المرار.

(2) القباء- بالفتح- ثوب يلبس فوق الثياب، جمعه اقبية.

(3) مصمت اسم مفعول أي الذي لا جوف له.

49

العتوّ (1) و الأشر (2)، ثمّ كانت الرطوبات الّتي في البطن تترشّح و تتحلّب (3) فيفسد على الإنسان مقعده و مرقده و ثياب بدلته و زينته، بل كان يفسد عليه عيشه، ثمّ إنّ المعدة و الكبد و الفؤاد إنّما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزيّة الّتي جعلها اللّه محتبسة في الجوف، فلو كان في البطن فرج ينفتح حتّى يصل البصر إلى رؤيته و اليد إلى علاجه لوصل برد الهواء إلى الجوف فمازج الحرارة الغريزيّة و بطل عمل الأحشاء فكان في ذلك هلاك الإنسان، أ فلا ترى أنّ كلما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ و خطل (4).

الرغبة في المطعم و المشرب

فكّر يا مفضّل في الأفعال الّتي جعلت في الإنسان من الطعم و النوم و الجماع و ما دبّر فيها فإنّه جعل لكلّ واحد منها في الطباع نفسه محرّك يقتضيه و يستحثّ به فالجوع يقتضي الطعم الّذي فيه راحة البدن و قوامه، و الكرى (5) يقتضي النوم الّذي فيه‌

____________

(1) العتو: الاستكبار و تجاوز الحد.

(2) الأشر- بفتحين من أشر أي بطر.

(3) ترشح و تحلب بمعنى واحد و هو السيلان.

(4) الخطل المنطق الفاسد المضطرب.

(5) الكرى: النعاس.

50

راحة البدن و إجمام (1) قواه، و الشبق (2) يقتضي الجماع الّذي فيه دوام النسل و بقاؤه، و لو كان الإنسان إنّما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة بدنه إليه و لم يجد من طباعه شيئا يضطرّه إلى ذلك كان خليقا أن يتوانى (3) عنه أحيانا بالثّقل و الكسل حتّى ينحلّ بدنه فيهلك، كما يحتاج الواحد إلى الدواء لشي‌ء مما يصلح به بدنه فيدافع به حتّى يؤدّيه ذلك إلى المرض و الموت، و كذلك لو كان إنّما يصير إلى النوم بالفكر في حاجته إلى راحة البدن و إجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدفعه (4) حتّى ينهك بدنه، و لو كان إنّما يتحرّك للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه حتّى يقلّ النسل أو ينقطع فإنّ من الناس من لا يرغب في الولد و لا يحفل به، فانظر كيف جعل لكل واحد من هذه الأفعال التي بها قوام الإنسان و صلاحه محرّكا من نفس الطبع يحركه لذلك و يحدوه عليه.

____________

(1) الاجمام من الجمام و الراحة.

(2) الشبق بفتحتين شدة الشهوة.

(3) يتوانى: يقصر.

(4) و في نسخة أخرى فيدمغه.

51

الانسان و قوام الاربع

اعلم أنّ في الإنسان قوى أربعا: قوّة جاذبة تقبل الغذاء و تورده على المعدة و قوّة ماسكة تحبس الطعام حتّى تفعل فيه الطبيعة فعلها، و قوّة هاضمة و هي الّتي تطبخه و تستخرج صفوه و تبثّه في البدن، و قوة دافعة تدفعه و تحدر الثفل (1) الفاضل بعد أخذ الهاضمة حاجتها.

ففكر في تقدير هذه القوى الأربع الّتي في البدن و أفعالها و تقديرها للحاجة إليها و الأرب فيها، و ما في ذلك من التدبير و الحكمة، فلو لا الجاذبة كيف كان يتحرّك الإنسان لطلب الغذاء الذي به قوام البدن، و لو لا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في الجوف حتّى تهضمه المعدة.

و لو لا الهاضمة كيف كان ينطبخ (2) حتى يخلص منه الصفو الّذي يغذوا البدن و يسدّ خلله (3)، و لو لا الدافعة كيف كان الثفل الّذي تخلّفه الهاضمة يندفع و يخرج أوّلا فأوّلا، أ فلا ترى كيف‌

____________

(1) الثفل هو ما يستقر في اسفل الشي‌ء من كدرة.

(2) انطبخ مطاوع طبخ تقول: طبخ اللحم أي انضجه.

(3) الخلل جمع خلة- بالفتح- و هي الثقبة.

52

وكّل اللّه سبحانه بلطف صنعه و حسن تقديره هذه القوى بالبدن و القيام بما فيه صلاحه.

و سأمثّل لك في ذلك مثالا: إنّ البدن بمنزلة دار الملك، له فيها حشم (1) و صبيّة و قوّام (2) موكّلون بالدار، فواحد لقضاء حوائج الحشم و إيرادها (3) عليهم، و آخر لقبض ما يرد و خزنة إلى أن يعالج و يهيّأ، و آخر لعلاج ذلك و تهيئته و تفريقه، و آخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار و إخراجه منها.

فالملك في هذا هو الخلاق الحكيم ملك العالمين، و الدار هي البدن، و الحشم هم الأعضاء، و القوام هم هذه القوى الأربع و لعلّك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع و أفعالها بعد الذي وصفت فضلا و تزدادا (4)، و ليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة الّتي ذكرت في كتب الأطبّاء، و لا قولنا فيه كقولهم لأنهم ذكروها على‌

____________

(1) الحشم: الخدم و العيال أو من يغضبون له أو يغضب لهم من أهل و عبيد و جيرة.

(2) لعل القوام جمع قيم إذ القيّم على الأمر هو المتولي عليه.

(3) أورده ايرادا أي احضره المورد ثم استعمل مطلق الأحضار.

(4) لعل الأصل في الكلمة مزايدا من الزيادة أو تزيد الرجل في حديثه أي زخرفه و زاد فيه على الحقيقة، و تزيد في الشي‌ء أي تكلف الزيادة فيه.

53

ما يحتاج إليه في صناعة الطبّ و تصحيح الأبدان، و ذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين و شفاء النفوس من الغيّ (1) كالذي أوضحته بالوصف الشافي و المثل المضروب من التدبير و الحكمة فيها.

قوى النفس في الإنسان

تأمّل يا مفضّل هذه القوى في النفس و موقعها من الإنسان، أعني الفكر و الوهم و العقل و الحفظ و غير ذلك، أ فرأيت لو نقص الإنسان من هذه الخلال (2) الحفظ وحده كيف كانت تكون حاله، و كم من خلل كان يدخل عليه في أموره و معاشه و تجاربه إذا لم يحفظ ما له و ما عليه و ما أخذه و ما أعطى و ما رأى و ما سمع و ما قال و ما قيل له، و لم يذكر من أحسن إليه ممّن أساء به، و ما نفعه ممّا ضرّه، ثمّ كان لا يهتدي لطريق لو سلكه ما لا يحصى، و لا يحفظ علما و لو درسه عمره، و لا يعتقد دينا و لا ينتفع بتجربة، و لا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى، بل كان حقيقا أن ينسلخ من الإنسانيّة.

____________

(1) الغي: الضلال و الهلاك و الخيبة.

(2) الخلال: جمع خلة بالفتح- و هي الخصلة و الصفة.

54

نعمة الحفظ و النسيان

فانظر إلى النعمة على الإنسان في هذه الخلال، و كيف موقع الواحدة منها دون الجميع، و أعظم من النعمة على الإنسان في الحفظ النعمة في النسيان، فإنّه لو لا النسيان لما سلا (1) أحد عن مصيبة و لا انقضت له حسرة، و لا مات له حقد، و لا استمتع بشي‌ء من متاع الدنيا مع تذكّر الآفات، و لا رجاء غفلة من سلطان و لا فترة من حاسد، أ فلا ترى كيف جعل في الإنسان الحفظ و النسيان، و هما مختلفان متضادّان، و جعل له في كلّ منهما ضربا من المصلحة و ما عسى أن يقول الّذين قسّموا الأشياء بين خالقين متضادّين في هذه الأشياء المتضادّة المتباينة و قد تراها تجتمع على ما فيه الصلاح و المنفعة (2).

____________

(1) سلا الشي‌ء و سلا عنه: نسيه و هجره.

(2) يقول علم النفس الحديث ان النسيان عمل من أعمال الذهن كالتذكر تماما، و ليس في مقدورنا ان نتذكر شيئا الا اذا نسينا اشياء حتى ليمكن القول بأن الذاكرة هي اداة النسيان، و نحن نفكر بفضل ما نسينا، كما نفكر بفضل ما تذكرنا.