تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة - الصلاة

- الشيخ محمد الفاضل اللنكراني المزيد...
679 /
3

[تمهيد]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الصلاة و هي التي تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ، و هي عمود الدين ان قبلت قبل ما سواها و ان ردت رد ما سواها. (1)

____________

(1) و هي أحب الأعمال الى اللّٰه تعالى و لا شي‌ء بعد المعرفة أفضل منه قال مولانا الصادق (عليه السلام) في الصحيح: ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة الا ترى الى العبد الصالح عيسى بن مريم(ع) قال: و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا. (1) و هي آخر وصايا الأنبياء و أول ما ينظر فيه من عمل ابن أدم و هي عمود الدين ان قبلت قبل ما سواها و ان ردت رد ما سواها و الظاهر ان المراد من القبول هي الصحة و التمامية لا القبول الذي هو أخص من الصحة و يؤيده التعبير بالصحة أو التمامية في بعض الروايات الأخر و الذي ينبغي التعرض له هنا أمران:

الأول في المراد من توصيفها بكونها ناهية عن الفحشاء و المنكر في الآية الشريفة قال اللّٰه تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ. (2)

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب العاشر ح- 1.

(2) سورة العنكبوت آية 45.

4

..........

____________

و هذا منتهى الثناء كما قال صاحب الدرة: تنهى عن المنكر و الفحشاء اقصر فهذا منتهى الثناء و قد وقع الاختلاف في المراد من الكريمة و منشأه ما يرى من عدم اجتناب بعض المصلين مع تمامية صلوته و صحتها عن ارتكاب بعض المنكرات و الإتيان ببعض الفواحش فكيف تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء و المنكر و لأجله اختلفت الآراء في المراد منها.

فمنهم من ذكر ان الصلاة في الآية بمعنى الدعاء و المراد الدعوة إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ و المعنى أقم الدعوة إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ فان ذلك يردع الناس عن الفحشاء و المنكر و يرد عليه- مضافا الى انه لا معنى لإقامة الدعوة إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ- ان تفسير الصلاة بذلك صرف الكلام عن الظاهر من دون مسوغ.

و منهم من قال: ان الصلاة في الآية في معنى النكرة و المراد ان بعض أنواع الصلاة أو افرادها يوجب الانتهاء عن الفحشاء و المنكر و هو كذلك و ليس المراد الاستغراق حتى يرد الاشكال.

و فيه انه لا يلائم سياق الحكم و التعليل في الآية فإنه كما ان الصلاة التي أمر بإقامتها لا يراد بها إلا الطبيعة التي هي مفاد لفظها كذلك المراد بالصلاة الواقعة في التعليل لا يكاد يكون الأنفس الطبيعة و الا يختل السياق و لا يصلح العلة للعلية كما لا يخفى.

و منهم من ذكر ان المراد نهيها عن الفحشاء و المنكر ما دامت قائمة و المصلى في صلوته كأنه قيل ان المصلى ما دام مصليا يكون بعيدا عن الاشتغال بالمعصية و الإتيان بالفحشاء و المنكر.

و يرد عليه- مضافا الى ان الاشتغال بالصلاة لا ينافي فعل بعض المعاصي كالنظر إلى الأجنبية- مثلا- ان الظاهر كون النهى مترتبا على فعل الصلاة بمعنى ان اثر الصلاة المترتب عليها بعد وقوعها بأجمعها في الخارج هو النهى عن الفحشاء و المنكر فلا معنى لدعوى تحقق الانتهاء في الأثناء كما لا يخفى.

5

..........

____________

و منهم من قال ان الآية على ظاهرها و الصلاة بمنزلة الشخص الذي ينهى في ان النهى لا يستلزم الانتهاء و ليس نهى الصلاة بأعظم من نهيه تعالى كما في قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ (1) و نهيه تعالى لا يستلزم الانتهاء فكذلك نهى الصلاة.

و يدفعه ان الظاهر من الآية تحريك المكلف إلى إقامة الصلاة لأنها عمل عبادي يورث حصول صفة روحية في المقيم لها بحيث يرتدع عن الفحشاء و المنكر بسبب ردع الصلاة و نهيها و ليس المراد الدعوة الى إتيانها لكونها ناهية في نفسها و ان لم يكن المصلى منتهيا و مرتدعا ففي الحقيقة اقامة الصلاة لا بدّ و ان يكون لها اثر و فائدة بالنسبة الى المصلى و هو لا يكون إلا انتهائه فعاد الاشكال.

و الحق في معنى الآية ما افاده بعض الأعاظم من المفسرين من ان الردع اثر طبيعة الصلاة التي هي توجه خاص عبادي الى اللّٰه سبحانه و يتضمن الاعتراف بالجهالة و الافتقار إلى الهداية و الإقرار بيوم الدين و وقوع الغضب على طائفة من المتمردين و تكون مشروطة بشرائط خاصة الموجبة للتوجه و الالتفات الى المحرم و تمييزه عن المحلل و غير ذلك من الجهات الموجودة فيها غاية الأمران هذا الأثر انما يكون بنحو الاقتضاء دون الاستيجاب و العلية التامة فربما تخلف عن أثرها لمقارنة بعض الموانع و لو قيس حال بعض من يسمى بالإسلام و هو تارك للصلاة مع من يأتي بأدنى مراتب الصلاة مما يسقط به التكليف لا يوجد الأول الا مضيعا بإضاعة الصلاة فريضة الصوم و الحج و الزكاة و الخمس و عامة الواجبات الدينية و لا يفرق بين طاهر و نجس و حلال و حرام و الثاني إلا مرتدعا عن كثير من الأمور التي يقترفها تارك الصلاة و إذا قيس اليه من هو فوقه في الاهتمام بأمر الصلاة لا يوجد الا كونه أكثر ارتداعا منه و على هذا القياس.

الأمر الثاني فيما يستفاد من الكتاب و السنة بالإضافة إلى تارك الصلاة اما‌

____________

(1) نحل- آية 93

6

..........

____________

الكتاب فقوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تٰابُوا وَ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1).

قال الفاضل الجواد الكاظمي في كتابه «مسالك الافهام الى آيات الاحكام»:

«استدل بهذه الآية على ان تارك الصلاة عمدا يجب قتله لانه تعالى أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرطين أحدهما ان يتوبوا من الشرك و الثاني ان يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و الحكم المعلق على مجموع لا يتحقق الا مع تحقق المجموع و يكفي في حصول نقيضه اعنى إباحة قتلهم فوت واحد من المجموع و يلزم ما ذكرناه، و الآية و ان كانت في المشركين لكن يلزم هاهنا ثبوت الحكم في المسلمين بطريق أولى لأنهم قد التزموا شرائع الإسلام فلو ترك الصلاة لا يخلى سبيلهم بل يجب قتلهم و في أخبارنا دلالة على ذلك أيضا و روى عن العامة عن النبي- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- انه قال في ترك الصلاة: فقد برئت منه الذمة، و قال أبو حنيفة لا يتعرض لتارك الصلاة فإنها أمانة منه و من اللّٰه تعالى و الأمر منها موكول اليه تعالى و لا يخفى ضعفه هذا لكن إطلاق الآية يقتضي عدم الفرق بين كون الترك استحلالا و عدمه و المشهور ان القتل انما يكون مع الاستحلال و من ثم حمل بعضهم الإقامة و الإيتاء على اعتقاد وجوبهما و الإقرار بذلك لكنه بعيد عن الظاهر و لعلهم فهموا ذلك من دليل خارج عن الآية كالاخبار».

أقول: الاستدلال بالاية لا يتوقف على ثبوت المفهوم للقضية الشرطية كما هو الظاهر من القول المذكور لان مقتضى إطلاق الصدر وجوب قتلهم في جميع الحالات و مع كل الخصوصيات و قد خرج منه في الذيل صورة واحدة فالصور الباقية داخلة تحت إطلاق الصدر فالاية تدل بإطلاقها على وجوب قتل المشركين في غير تلك الصورة و مقتضى الأولوية ثبوت الحكم في المسلم فيجب قتله و لا وجه لوجوبه الا خروجه عن زمرة المسلمين هذا و لكن يظهر من الروايات‌

____________

(1) سورة التوبة أية 5.

7

..........

____________

المختلفة الواردة في تارك الفريضة بعد الجمع بينها ان الحكم بكفره انما هو فيما إذا كان تركه ناشيا عن الاستخفاف فيقيد بها إطلاق الآية فان منها ما يدل على ثبوت الكفر مطلقا كصحيحة زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في حديث عدد النوافل قال: انما هذا كله تطوع و ليس بمفروض، ان تارك الفريضة كافر و ان تارك هذا ليس بكافر. (1) و صحيحة عبيد بن زرارة أو حسنته عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- في حديث الكبائر قال: ان تارك الصلاة كافر، يعنى من غير علة. (2) و رواية بريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال قال رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- ما بين المسلم و بين ان يكفر ان يترك الصلاة (إلا ترك الصلاة) الفريضة متعمدا أو يتهاون بها فلا يصليها (3).

و منها ما يدل على ثبوت الكفر في صورة الترك مع الاستخفاف و هي رواية مسعدة بن صدقة انه قال: سئل أبو عبد اللّٰه- (عليه السلام)- ما بال الزاني لا تسميه كافرا و تارك الصلاة تسميه كافرا و ما الحجة في ذلك؟ فقال: لأن الزاني و ما أشبهه إنما يفعل ذلك لمكان الشهوة لأنها تغلبه و تارك الصلاة لا يتركها الا استخفافا بها، و ذلك لأنك لا تجد الزاني يأتي المرأة الا و هو مستلذ لإتيانه إياها قاصدا إليها، و كل من ترك الصلاة قاصدا لتركها فليس يكون قصده لتركها اللذة، فإذا نفيت اللذة وقع الاستخفاف و إذا وقع الاستخفاف وقع الكفر. (4) و هذه الرواية و ان كانت ظاهرة في ملازمة مطلق الترك عن قصد مع الاستخفاف الا ان الظاهر عدم ثبوت هذه الملازمة و القدر المتيقن ثبوت الكفر في خصوص صورة الاستخفاف و لعل الوجه فيه ان أهمية الصلاة و عظم مرتبتها من ضروريات الإسلام كأصل وجوبها فالاستخفاف يرجع الى إنكار الضروري و هو موجب للكفر اما بنفسه أو لأجل استلزامه للموجب فتدبر‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض الباب الحادي عشر ح- 1.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض الباب الحادي عشر ح- 4.

(3) الوسائل أبواب أعداد الفرائض الباب الحادي عشر ح- 6.

(4) الوسائل أبواب أعداد الفرائض الباب الحادي عشر ح- 2.

8

[فصل في مقدمات الصلاة]

فصل في مقدمات الصلاة

[و هي ست]

و هي ست:

[المقدمة الاولى في أعداد الفرائض و مواقيت اليومية و نوافلها]

المقدمة الاولى في أعداد الفرائض و مواقيت اليومية و نوافلها

[مسألة 1- الصلاة واجبة و مندوبة]

مسألة 1- الصلاة واجبة و مندوبة، فالواجبة خمس: اليومية و منها الجمعة و كذا قضاء ولد الأكبر عن والده، و صلاة الآيات، و الطواف الواجب، و الأموات، و ما التزمه المكلف بنذر أو إجارة أو غيرهما، و في عد الأخيرة في الواجب مسامحة إذ الواجب هو الوفاء بالنذر و نحوه لا عنوان الصلاة. (1)

____________

(1) ربما يمكن ان يناقش في اختصاص الصلاة بالقسمين الواجبة و المندوبة بوجود قسم ثالث و هي الصلاة المكروهة كالصلاة في الحمام و قسم رابع و هي الصلاة المحرمة كصلاة الحائض لكنها مدفوعة بوضوح عدم كون الكراهة في العبادات المكروهة بالمعنى المصطلح فيها بل بمعنى اقلية الثواب و بان الظاهر عدم كون الحرمة في مثل صلاة الحائض ذاتية بل تشريعية مرجعها الى كون المتعلق هو التشريع الذي يتحقق في مثلها بقصد التقرب بما ليس بمقرب فلا يكون لها الا قسمان مذكوران في المتن.

و اما اعداد الصلاة الواجبة فقد ذكر المحقق في الشرائع انها تسع بجعل‌

9

..........

____________

الجمعة نوعا مستقلا و اضافة صلاة العيدين و جعل الكسوف و الزلزلة نوعين آخرين في مقابل صلاة الآيات.

و لكن الظاهر عدم كون الجمعة نوعا مستقلا بل هي من الفرائض اليومية غاية الأمر كونها مشروطة بشرائط خاصة و بقائها على الركعتين اللتين هما فرض اللّٰه في كل صلاة كما تدل عليه الروايات المستفيضة كما ان قضاء الولي انما هو كقضاء الميت بنفسه من شؤن اليومية.

و اما صلاة العيدين فيجوز عدها في الواجبة بلحاظ زمان الحضور و في المندوبة بالنظر الى زمان الغيبة. و اما صلاة الآيات فلا تكون الا نوعا واحدا غاية الأمر ان سبب وجوبها قد يكون هو الكسوف الشامل للخسوف و قد يكون هي الزلزلة و قد يكون آيات اخرى كالريح السوداء و نحوها.

نعم لا مانع من إسقاط صلاة الأموات نظرا الى عدم كونها صلاة حقيقة لعدم اشتراطها بشرائط الصلاة و عدم اشتمالها على أركانها.

و اما ما التزمه المكلف بنذر أو إجارة أو نحوهما فعدها في الواجب فيه مسامحة واضحة أشار الى وجهها في المتن و هو ان تعلق النذر لا يوجب خروج المتعلق عن الحكم المتعلق به أولا وجوبا كان أو استحبابا و لا اجتماع الحكمين فيه اما الثاني فواضح و اما الأول فلان انعقاد النذر انما هو لأجل تعلق الحكم الوجوبي أو الاستحبابي به الكاشف عن رجحانه فكيف يسقط مع تعلق النذر و لا طريق لنا إلى إثبات الرجحان غير تعلق ذلك الحكم به مع انه ربما يكون الحكم الوجوبي المتعلق به أهم من وجوب الوفاء بالنذر فكيف يوجب سقوطه مع انه لا دليل عليه في مقام الإثبات فإن الحكم الجائي من قبل النذر أو الإجارة متعلقه الوفاء بهما و لا معنى لسراية الحكم من متعلقه الذي هو العنوان و المفهوم إلى شي‌ء آخر خارج عنه فالصلاة المنذورة أو المستأجر عليها لا تصير واجبة أصلا فلا يكون نوعا خاصا.

10

[في الرواتب اليومية مسائل]

[الأولى في تعدادها]

و المندوبة أكثر من ان تحصى، منها الرواتب اليومية، و هي ثمان ركعات للظهر قبله، و ثمان للعصر قبله، و اربع للمغرب بعده و ركعتان من جلوس للعشاء بعده تعدان بركعة، تسمى بالوتيرة، و يمتد وقتها بامتداد وقت صاحبها، و ركعتان للفجر قبل الفريضة، و وقتها الفجر الأول، و يمتد الى ان يبقى من طلوع الحمرة مقدار أداء الفريضة، و يجوز دسها في صلاة الليل قبل الفجر و لو عند نصف الليل، بل لا يبعد ان يكون وقتها بعد مقدار إتيان صلاة الليل من انتصافها و لكن الأحوط عدم الإتيان بها قبل الفجر الأول الا بالدس في صلاة الليل، و إحدى عشرة ركعة نافلة الليل، صلاة الليل ثمان ركعات ثم ركعتا الشفع ثم ركعة الوتر، و هي مع الشفع أفضل صلاة الليل، و ركعتا الفجر أفضل منهما، و يجوز الاقتصار على الشفع و الوتر بل على الوتر خاصة عند ضيق الوقت و في غيره يأتي به رجاء، و وقت صلاة الليل نصفها الى الفجر الصادق و السحر أفضل من غيره و الثلث الأخير من الليل كله سحر، و أفضله التقريب من الفجر، و أفضل منه التفريق كما كان يصنعه النبي(ص) فعدد النوافل بعد عد الوتيرة ركعة أربع و ثلاثون ركعة ضعف عدد الفرائض، و تسقط في السفر الموجب للقصر ثمانية الظهر و ثمانية العصر و تثبت البواقي و الأحوط الإتيان بالوتيرة رجاء (1).

____________

(1) في الرواتب اليومية مسائل:

الاولى في تعدادها و قد وقع فيه الاختلاف بين المسلمين بعد اتفاقهم جميعا- العامة و الخاصة- على ان عدد ركعات الفرائض اليومية سبع عشرة ركعة بلا زيادة و لا نقصان بل هو من ضروريات الإسلام بحيث يعتقد به كل من انتحل اليه و على ان نافلة الصبح ركعتان قبل الفريضة و على ان نافلة الليل التي يعبر عنها بصلاة الليل إحدى عشرة ركعة و ان وقع الاختلاف بيننا و بينهم في الوصل بين ركعتي الشفع و ركعة الوتر و عدمه حيث ذهب الجمهور إلى الأول و الإمامية الى الثاني.

11

..........

____________

و المشهور بين الإمامية في سائر النوافل اليومية أن مجموع النوافل اليومية و النهارية لا يزيد على اربع و ثلاثين ركعة و مع انضمام الفرائض تبلغ احدى و خمسين و الروايات الواردة في هذا الباب مختلفة و كثير منها يدل على مرام المشهور:

منها رواية فضيل بن يسار قال سمعت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- يقول في حديث:

ان اللّٰه عز و جل فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات فأضاف رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- الى الركعتين ركعتين و الى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر، و أفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر و الحضر فأجاز اللّٰه له ذلك كله فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة ثم سن رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- النوافل أربعا و ثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز اللّٰه عز و جل له ذلك، و الفريضة و النافلة احدى و خمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعد بركعة مكان الوتر الى ان قال: و لم يرخص رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما الى ما فرض اللّٰه عز و جل بل ألزمهم ذلك إلزاما واجبا، و لم يرخص لأحد في شي‌ء من ذلك الا للمسافر، و ليس لأحد ان يرخص ما لم يرخصه رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- فوافق أمر رسول اللّٰه أمر اللّٰه، و نهيه نهى اللّٰه و وجب على العباد التسليم له كالتسليم للّٰه. (1)

و منها رواية فضيل بن يسار أيضا عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- قال: الفريضة و النافلة احدى و خمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعد ان بركعة و هو قائم، الفريضة منها سبع عشرة و النافلة أربع و ثلاثون ركعة. (2) و الظاهر انها هي الرواية الاولى و عدم كونها رواية أخرى و ان جعلها في الوسائل روايتين.

و منها رواية فضيل بن يسار و الفضل بن عبد الملك و بكير قالوا: سمعنا أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- يقول كان رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- يصلى من التطوع مثلي الفريضة،

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 2.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 3.

12

..........

____________

و يصوم من التطوع مثلي الفريضة. (1)

و منها رواية إسماعيل بن سعد الأحوص قال قلت للرضا- (عليه السلام)- كم الصلاة من ركعة؟ قال: احدى و خمسون ركعة. (2)

و منها غير ذلك مما يدل على مرام المشهور.

و اما ما يدل على الخمسين فمنها رواية معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- يقول كان في وصية النبي- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)- ان قال يا على أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عنى ثم قال: اللهم أعنه الى ان قال: و السادسة الأخذ بسنتي في صلاتي و صومي و صدقتي، أما الصلاة فالخمسون ركعة الحديث (3) و منها رواية محمد بن أبي عمير قال: سألت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- عن أفضل ما جرت به السنة من الصلاة قال: تمام الخمسين. (4)

و منها رواية حنان قال: سئل عمرو بن حريث أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- و انا جالس فقال له: جعلت فداك أخبرني عن صلاة رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- فقال كان النبي- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- يصلى ثمان ركعات الزوال و أربعا الاولى و ثمانيا (ثماني) بعدها، و أربعا العصر و ثلاثا المغرب و أربعا بعد المغرب، و العشاء الآخرة أربعا، و ثمان (ثماني) صلاة الليل، و ثلاثا الوتر، و ركعتي الفجر و صلاة الغداة ركعتين، قلت جعلت فداك:

و ان كنت أقوى على أكثر من هذا يعذبني اللّٰه على كثرة الصلاة؟ فقال: لا و لكن يعذب على ترك السنة. (5) فان مجموعها باعتبار عدم التعرض لنافلة العشاء لا يتجاوز عن خمسين، و الظاهر ان المراد بالعذاب على ترك السنة هو العذاب‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 4.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 11.

(3) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 1.

(4) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 5.

(5) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 20.

13

..........

____________

على الأقل من المجموع بمعنى شدة استحبابه و يحتمل ان يكون المراد ان الكثرة موجبة لترك السنة التي هي العدد المخصوص من دون زيادة و نقصان.

و الجمع بين هذه الطائفة و الطائفة الاولى انه لا منافاة بينهما أصلا فإن الرواية الأخيرة من هذا الطائفة شاهدة على ان عد الخمسين انما هو لإخراج نافلة العشاء و لا مانع منه فإنه بدل عن الوتر و مكانه كما تدل عليه رواية الفضيل المتقدمة و لأجله يطلق عليه عنوان الوتيرة فالاختلاف بينهما انما هو في عد نافلة العشاء و عدمه و لا مانع من شي‌ء من الأمرين و يدل على البدلية دلالة واضحة رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- قال: من كان يؤمن باللّه و اليوم الأخر فلا يبيتن الا بوتر قال: قلت تعنى الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال نعم إنهما بركعة فمن صلاهما (ها) ثم حدث به حدث مات على وتر فان لم يحدث به حدث الموت يصلى الوتر في أخر الليل، فقلت هل صلى رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- هاتين الركعتين؟ قال لا قلت و لم؟ قال لان رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- كان يأتيه الوحي و كان يعلم انه هل يموت في تلك (هذه) الليلة أم لا و غيره لا يعلم فمن أجل ذلك لم يصلهما و أمر بهما. (1)

و اما ما يدل على انها ست و أربعون فهي رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- عن التطوع بالليل و النهار فقال: الذي يستحب ان لا يقصر عنه ثمان ركعات عند زوال الشمس، و بعد الظهر ركعتان و قبل العصر ركعتان، و بعد المغرب ركعتان و قبل العتمة ركعتان، و من (في) السحر ثمان ركعات ثم يوتر، و الوتر ثلاث ركعات مفصولة، ثم ركعتان قبل صلاة الفجر، و أحب صلاة الليل إليهم آخر الليل. (2)

و اما ما يدل على انها اربع و أربعون فهي صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- انى رجل تاجر اختلف و اتجر فكيف لي بالزوال و المحافظة على‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب التاسع و العشرون ح- 8.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الرابع عشر ح- 2.

14

..........

____________

صلاة الزوال و كم نصلي؟ قال: تصلى ثماني ركعات إذا زالت الشمس و ركعتين بعد الظهر و ركعتين قبل العصر فهذه اثنتا عشرة ركعة، و تصلى بعد المغرب ركعتين، و بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر و منها ركعتا الفجر و ذلك سبع و عشرون ركعة سوى الفريضة و انما هذا كله تطوع و ليس بمفروض، ان تارك الفريضة كافر، و ان تارك هذا ليس بكافر و لكنها معصية لأنه يستحب إذا عمل الرجل عملا من الخير ان يدوم عليه. (1)

و هنا رواية بها يرتفع الاختلاف لأجل تعيينها لما هو الحق لوقوعها جوابا عن السؤال عن وجود الاختلاف و هي رواية البزنطي قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)- ان أصحابنا يختلفون في صلاة التطوع بعضهم يصلى أربعا و أربعين و بعضهم يصلى خمسين فأخبرني بالذي تعمل به أنت كيف هو؟ حتى اعمل بمثله فقال: أصلي واحدة و خمسين ركعة، ثم قال: أمسك و عقد بيده الزوال ثمانية و أربعا بعد الظهر و أربعا قبل العصر و ركعتين بعد المغرب و ركعتين قبل العشاء الآخرة و ركعتين بعد العشاء من قعود تعد ان بركعة من قيام و ثمان صلاة الليل و الوتر ثلاثا و ركعتي الفجر و الفرائض سبع عشرة فذلك احدى و خمسون. (2)

و مراد السائل من قوله بعضهم يصلى خمسين يمكن ان يكون هو الواحدة و الخمسين على ما عرفت و عليه فالجواب ناظر الى تعيين قول هذا البعض كما انه على التقدير الأخر يكون الجواب نافيا لكلا القولين و على اىّ فالرواية بلحاظ السؤال فيها و كون المسئول هو أبا الحسن الرضا- (عليه السلام)- المتأخر زمانا عن الأئمة التي رويت عنهم الروايات المتقدمة ترفع الاختلاف و تعيّن الحق فلا يبقى اشكال- ح.

و يمكن الجمع بين الاخبار المختلفة في نافلتي العصر و المغرب بالحمل‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الرابع عشر ح- 1.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الرابع عشر ح- 7.

15

..........

____________

على مراتب الاستحباب و ان الإتيان بأربع ركعات في نافلة العصر يشترك مع الإتيان فيها بثمان ركعات في أصل فضيلة نافلة العصر و لكنه واقع في المرتبة الدانية و هي في المرتبة العالية و كذا في نافلة المغرب و لا ينافيه التعبير عنه بالاختلاف في رواية البزنطي المتقدمة فإن المراد- ح- هو الاختلاف في مقام العمل دون الفتوى و ان كان ظاهرها هو العمل المستمر الناشئ عن الفتوى بذلك دون العمل أحيانا.

و يؤيد هذا الجمع التعبير عن تمام الخمسين بأفضل ما جرت السنة به من الصلاة في رواية محمد بن أبي عمير المتقدمة و عن الست و الأربعين بأنه يستحب ان لا يقصر منه في رواية أبي بصير المتقدمة أيضا و ان كان المناسب- ح- وقوع هذا التعبير في رواية الأربع و الأربعين.

ثم انه على تقدير عدم إمكان الجمع بالنحو المذكور و عدم كون رواية البزنطي رافعة للاختلاف و وصول النوبة إلى قواعد باب التعارض فالترجيح مع الطائفة الأولى لموافقتها للشهرة من حيث الفتوى بل المجمع عليه بين الأصحاب و قد تقرر في محله ان أول المرجحات هي الشهرة الفتوائية.

ثم انه ورد في بعض الروايات ما يدل بظاهره على ان نافلة الظهر اربع ركعات و هو ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن على- (عليه السلام)- انه كان يقول: إذا زالت الشمس عن كبد السماء فمن صلى تلك الساعة أربع ركعات فقد و أفق صلاة الأوابين و ذلك نصف النهار. و لكنها- مضافا الى عدم صحة سندها لان حسين بن علوان من الزيدية محمولة على التقية من جهة موافقتها لمذهب الحنفية الا ان يقال بان الجمع بين الروايات بالحمل على مراتب الاستحباب يشمل نافلة الظهر أيضا بعد الإغماض عن سند الرواية أو الرجوع الى قاعدة التسامح في أدلة السنن فتدبر.

و ينبغي التنبيه في هذه المسألة على أمرين:

16

..........

____________

أحدهما ان اختلاف تعبير النصوص في نافلة العصر بكونها ثمانيا قبل العصر أو ستا بعد الظهر و ركعتين قبل العصر أو أربعا قبل العصر و أربعا بعد الظهر و هكذا في نافلة المغرب بكونها أربعا بعد المغرب أو ركعتين بعدها و ركعتين قبل العشاء الآخرة لا يكون الأمن الاختلاف في التعبير و المقصود من الكل واحد و ان استفاد المحقق الهمداني(قده) من هذه الجهة مطلبا في الأمر الثاني الذي ننبه عليه الان.

ثانيهما انه لا ريب في ان نافلة كل فريضة عبادة مستقلة لا ارتباط لها بنافلة فريضة أخرى فيجوز الإتيان بها و ان ترك غيرها من النوافل و هذا مما لا اشكال فيه انما الإشكال في ان النوافل التي تكون أزيد من صلاة واحدة مثل نافلة المغرب المركبة من صلوتين و نافلة الظهر أو العصر المركبة من اربع صلوات كل واحدة منها ركعتان بناء على لزوم الإتيان بالنوافل ركعتين ركعتين كما هو المشهور و ادعى عليه الإجماع كما انها تكون متعددة بما انها مصداق لعنوان الصلاة بلا ريب هل تكون أيضا متعددة بعنوان أنفسها أم لا؟ و بعبارة أخرى هل تكون للظهر- مثلا- نافلة واحدة مركبة من اربع صلوات أو نوافل متعددة حسب تعدد الصلوات فعلى الأول تصير مثل صلاة جعفر- (عليه السلام)- التي لا يترتب عليها شي‌ء من الآثار المرتبة عليها المترقبة منها من غفران الذنوب و سعة الرزق و غيرهما من الآثار الا بعد الإتيان بأربع ركعات المركبة من صلوتين مفصولتين و على الثاني كالنوافل المطلقة؟ ظاهر الروايات الواردة في الباب هو كون المجموع نافلة واحدة متعلقة لأمر استحبابي واحد و ان كانت بما هي صلاة متعددة فإن مثل قوله- (عليه السلام)- ثمان ركعات للظهر ليس له ظهور الا في كون الثمان كالأربع التي هي فريضة الظهر متعلقة لأمر واحد غاية الأمر اختلاف الأمرين في الوجوب و الاستحباب و اختلاف العبادتين في كونها صلاة واحدة أو متعددة و اما من جهة عدم تعدد الأمر و العنوان الواحد المأمور به فلا اختلاف بينهما.

17

..........

____________

و يظهر من الجواهر خلاف ذلك و نسبه الى العلامة الطباطبائي(قده) و استدل عليه بالأصل و تحقق الفصل و هو يقتضي التعدد و عدم وجوب إكمالها بالشروع فيها و كونها مشروعة لتكميل الفرائض فيكون لكل بعض منها قسط منه.

و يرد على التمسك بالأصل- مضافا الى انه لا مجال له مع وجود الدليل الاجتهادي مطلقا- موافقا كان أم مخالفا- و قد عرفت ظهور الروايات في كون المجموع نافلة واحدة متعلقة لأمر استحبابي واحد- ان محل البحث في المقام هو ارتباط الاجزاء و الصلوات المتعددة بعضها مع بعض و الأصل الذي يتصور هو استصحاب عدم الارتباط بلحاظ انه قبل تشريع النافلة لم يكن ارتباط بنحو السالبة بانتفاء الموضوع فيستصحب العدم و ينتج عدم الارتباط بعد تشريعها أيضا و قد قررنا في محله انه لا أصل لمثل هذه الأصول التي كانت الحالة السابقة المتيقنة منتفية بانتفاء الموضوع و الحالة المشكوكة هي المنتفية بانتفاء المحمول بل الأصل الذي يمكن التمسك به في المقام هي أصالة عدم استحباب الأقل من المجموع بعد وضوح كون المجموع مستحبا قطعا بجميع اجزائه و أبعاضه و منه يعلم الفرق بين المقام و بين مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين المعروفة فإنه في تلك المسألة يكون تعلق الأمر بالأكثر كتعلقه بالأقل مشكوكا فهذا الدليل غير تام.

و اما تحقق الفصل و جواز الإتيان بالمنافي بين كل ركعتين فهو يقتضي التعدد بما انها صلاة و لا بحث فيها و لكنه لا يقتضي التعدد بما أنها نافلة الظهر- مثلا- و ذلك كصلاة جعفر- عليه- السّلام- فإنها مع تحقق الفصل بين كل ركعتين لا تكون الّا عملا واحدا مستحبا.

و اما عدم وجوب إكمالها بالشروع فيها فهو لا دلالة له على اتصاف البعض المأتي بكونه منطبقا عليه عنوان المأمور به لانه لا منافاة بين اعتبار الارتباط بين الأبعاض و الحكم بعدم وجوب الإكمال و جواز رفع اليد عنه في الأثناء كما ان النافلة المطلقة يجوز قطعها- بناء على الجواز- و لا يوجب اتصاف المأتي به‌

18

..........

____________

بكونه صلاة مترتبا عليها آثار الصلاة و مزاياها كما لا يخفى.

و اما كونها مشروعة لتكميل الفرائض فهو أيضا لا يقتضي جواز التقسيط بحيث كان كل قسط دخيلا في التكميل مستقلا و الّا لجاز الاقتصار على بعض صلاة واحدة كالركعة و ما دونها أيضا.

و اما ما افاده المحقق الهمداني(قده) في مطاوي كلماته من ان مغروسية كون الأبعاض في حد ذاتها بعنوان كونها صلاة عبادات مستقلة في النفس و كون كل منها في حد ذاتها مشتملة على مصلحة مقتضية للطلب و كون الأعداد الواقعة في حيّز الطلب غالبا عناوين إجمالية انتزاعية عن موضوعاتها توجب صرف الذهن إلى إرادة التكليف غير الارتباطي كما لو أمر المولى عبده بان يعطى زيدا عشرين درهما.

فيرد عليه ان الأبعاض و ان كانت بعنوان كونها صلاة عبادات مستقلة الا ان العنوان المأمور به أخص من ذلك العنوان و قد عرفت ظهور الروايات في وحدة متعلق الأمر فإن نافلة الظهر نافلة واحدة متعلقة للأمر الاستحبابي لا نوافل متعددة و وقوع الاعداد في حيّز الطلب لا دلالة فيه على التكليف غير الارتباطي فان الأقل و الأكثر تارة يكون استقلاليا و اخرى يكون ارتباطيا و لا دلالة فيه على الأول.

ثم انه أفاد المحقق المزبور انه لا ينبغي الاستشكال في جواز الاقتصار في نافلة المغرب على ركعتين و في نافلة العصر على اربع ركعات لدلالة بعض الاخبار عليه بل الظاهر جواز الإتيان بركعتين من نافلة العصر لما في غير واحد من الاخبار الآمرة بأربع ركعات بين الظهرين من التفصيل بالأمر بركعتين بعد الظهر و ركعتين قبل العصر فان ظاهرها بشهادة السياق ان كل واحد من العناوين المذكورة في تلك الروايات نافلة مستقلة فللمكلف الإتيان بكل منها بقصد امتثال الأمر المتعلق بذلك العنوان من غير التفات الى ما عداها من التكاليف قال:

و بهذا ظهر انه يجوز الإتيان بست ركعات أيضا من نافلة العصر لقوله- (عليه السلام)-

19

..........

____________

في موثقة سليمان بن خالد: صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس و ست ركعات بعد الظهر و ركعتان قبل العصر .. (1) فان ظاهرها كون الست ركعات في حد ذاتها نافلة مستقلة و في خبر عيسى بن عبد اللّٰه القمي عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)-: إذا كانت الشمس من هاهنا من العصر فصل ست ركعات .. (2) و استظهر بعد ذلك من رواية حسين بن علوان المتقدمة المروية في قرب الاسناد جواز الاقتصار في نافلة الزوال أيضا على اربع ركعات.

و يرد عليه ان الروايات الدالة على جواز التفريق في نافلة العصر و كذا المغرب لا دلالة لها على الاستقلال و لا منافاة بينها و بين الروايات الدالة على الثمان بنحو الاجتماع فان جواز التفريق الراجع إلى الإتيان بالمجموع في وقتين أمر و الاستقلال الراجع الى اتصاف كل صلاة بأنها نافلة مستقلة أمر أخر و عليه فلا معارض لظهور الروايات الدالة على الثمان بنحو الاجتماع في الارتباط و عدم الاستقلال من جهة الدليل على جواز التفريق.

و اما الروايات الدالة على ان نافلة العصر أقل من الثمان و المغرب أقل من الأربع فإن جمعنا بينها و بين الروايات الدالة على الأكثر بالحمل على اختلاف مراتب الفضل و الاستحباب فاللازم هو الالتزام بجواز الاقتصار على مفادها و انه لا يجوز الاكتفاء بما دونه و عليه فيجوز التعميم بالإضافة إلى نافلة الزوال أيضا و ان كانت الرواية الدالة عليه ضعيفة السند لقاعدة التسامح في أدلة السنن و مجرد موافقتها لفتوى أبي حنيفة لا يوجب الحمل على التقية بعد ثبوت الجمع الدلالي على ما هو المفروض و وجود التسامح في مثله.

و ان جعلنا رواية البزنطي المتقدمة رافعة للاختلاف و معينة لما هو الحق بناء على ان يكون المراد من الاختلاف الذي وقع فيها السؤال عنه هو الاختلاف‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 16.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 8.

20

..........

____________

في الفتوى و النظر فلا يجوز الاقتصار لمن يريد الإتيان بالنوافل على الأقل لأن مرجعها الى رفع اليد عن جميع الروايات الدالة على الخلاف و اما بناء على ان يكون المراد من الاختلاف فيها هو الاختلاف في مقام العمل و مرجعه- ح- الى استفسار حال الامام- (عليه السلام)- و انه في مقام العمل يأتي باية مرتبة من المراتب فلا دلالة لرواية البزنطي على عدم اختلاف المراتب بل يقرر ثبوته و لكن هذا الاحتمال بعيد و ان كانت الألفاظ الواقعة في السؤال تؤيده لوضوح انه بناء على اختلاف المراتب تكون المرتبة العالية هي المشتملة على الأكثر فلا يبقى مجال للسؤال حينئذ و ان كان يمكن ان يقال بأن السائل على هذا التقدير لا يكون عالما بالمرتبة العالية من حيث العدد و بالجملة فهذا الاحتمال بعيد و الظاهر هو الاحتمال الأول و ثمرته عدم جواز التبعيض و ثبوت الارتباط.

ثم ان مقتضى كلامه جواز الإتيان بنافلة الظهر ست و ركعات أيضا لخبر رجاء بن أبي الضحاك الدال على ان الرضا- (عليه السلام)- صلى ستا من نافلة الظهر ثم اذن ثم صلى ركعتين. (1) فان الفصل بالأذان دليل على جواز الاقتصار على الست بناء على مبناه فتدبر هذا كله في غير صلاة الليل.

و اما صلاة الليل فمقتضى بعض الروايات انها ثلث عشرة ركعة بإدراج نافلة الفجر فيها أيضا كرواية الحارث بن المغيرة النضري عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- المشتملة على قوله- (عليه السلام)- و كان رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- يصلى ثلاث عشرة ركعة من الليل. (2)

و رواية أخرى للحارث بن المغيرة في حديث قال قال أبو عبد اللّٰه- (عليه السلام)- كان ابى لا يدع ثلاث عشرة ركعة بالليل في سفر و لا حضر. (3) و رواية زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال كان رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة منها‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 2.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 9.

(3) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الخامس و العشرون ح- 1.

21

..........

____________

الوتر و ركعتا الفجر في السفر و الحضر. (1)

و مقتضى بعض الروايات ان صلاة الليل ثمان و الوتر ثلاث و نافلة الفجر ركعتان كرواية حنان عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- المشتملة على قوله- (عليه السلام)-:

و ثمان صلاة الليل و ثلاثا الوتر و ركعتي الفجر .. (2) و رواية ابن أبي نصر البزنطي المشتملة على قول الرضا- (عليه السلام)- و ثمان صلاة الليل و الوتر ثلاثا و ركعتي الفجر .. (3) و رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- المشتملة على قوله- (عليه السلام)-: و ثمان ركعات من آخر الليل .. ثم الوتر ثلاث ركعات ..

ثم الركعتان اللتان قبل الفجر (4) و كذا الروايات المتعددة الواردة في الوتر الدالة على انها ثلاث ركعات تفصل بينهن. (5)

و مقتضى بعض الروايات ان صلاة الوتر مركبة من صلوتين إحديهما معنونة بعنوان الشفع و الأخرى بعنوان الوتر كرواية الفضل بن شاذان عن الرضا(ع) في كتابه إلى المأمون، المشتملة على ان الشفع و الوتر ثلاث ركعات (6) و رواية رجاء بن أبي الضحاك الحاكية لفعل الرضا- (عليه السلام)- المشتملة على قوله:

ثم يقوم فيصلي ركعتي الشفع .. فإذا سلم قام و صلى ركعة الوتر. (7)

و رواية الأعمش عن جعفر بن محمد- (عليهما السلام)- في حديث شرائع الدين‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الخامس و العشرون ح- 6.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 6.

(3) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 7.

(4) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 16.

(5) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الخامس عشر ح- 7- 8- 9- 10

(6) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 23.

(7) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 24.

22

[المسألة الثانية في نافلة العشاء المسماة بالوتيرة]

____________

المشتملة على قوله- (عليه السلام)-: و الشفع ركعتان و الوتر ركعة (1) فانقدح مما ذكرنا انه لا إشكال في جواز الاقتصار على نافلة الفجر لأنها نافلة مستقلة متعلقة لأمر كذلك كما انه لا إشكال في جواز الاقتصار على الثمان صلاة الليل لأنها معنونة بعنوان واحد متعلق لأمر كذلك و كذا العكس فإنه يجوز الاقتصار على صلوتى الشفع و الوتر و ترك صلاة الليل و اما الاقتصار على خصوص الوتر الذي هي ركعة واحدة فإن كان في ضيق الوقت فلا اشكال فيه و ان لم يكن فيه فيمكن استفادة الجواز من رواية معاوية بن وهب قال سمعت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- يقول:

اما يرضى أحدكم ان يقوم قبل الصبح و يوتر و يصلى ركعتي الفجر و يكتب له بصلاة الليل (ئل أبواب الوقت- باب 46 ح- 3).

و اما التبعيض في الثمان صلاة الليل فالظاهر عدم جوازه لان ظاهر الأدلة كون المجموع عملا واحدا و عبادة واحدة متعلقة لأمر واحدة فلا يجوز التبعيض فيه و ان كان يستفاد من الجواهر انه لا مانع منه فيه كسائر النوافل المركبة من صلوات متعددة هذا تمام الكلام في المسألة الاولى.

المسألة الثانية في نافلة العشاء المسماة بالوتيرة لكونها بدلا عن الوتر كما عرفت و الكلام فيها من جهات:

الجهة الاولى في انه هل يتعين الجلوس فيها أم يجوز القيام أيضا؟ فنقول اما بالنظر الى فتاوى الأصحاب فقد ذكر سيدنا العلامة الأستاذ البروجردي في بحثه الشريف- على ما قررته- ان الظاهر تسالم الفقهاء الى زمن الشهيد الأول على ثبوت الجلوس في نافلة العشاء و لم يفت أحد منهم بجواز القيام فيها و ان أول من افتى به هو الشهيد في الدروس و اللمعة و تبعه الشهيد و المحقق الثانيان و قد اشتهر الفتوى بذلك بعدهم.

و اما بالنظر الى الروايات الواردة في الباب فكثير منها ظاهر في تعيّن‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 25.

23

..........

____________

الجلوس و ان الركعتين تعدان بركعة كخبري فضيل بن يسار المتقدمين (1) و رواية البزنطي المتقدمة أيضا (2) و رواية الفضل بن شاذان كذلك (3) و رواية الأعمش أيضا كذلك (4) و رواية أبي عبد اللّٰه القزويني قال: قلت لأبي جعفر محمد بن على الباقر- (عليهما السلام)-: لأيّ علة تصلى الركعتان بعد العشاء الآخرة من قعود فقال: لان اللّٰه فرض سبع عشر ركعة فأضاف إليها رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- مثليها فصارت احدى و خمسين ركعة فتعدان هاتان الركعتان من جلوس بركعة. (5) و رواية هشام المشرقي عن الرضا- (عليه السلام)- في حديث قال: ان أهل البصرة سألوني فقالوا:

ان يونس يقول من السنة ان يصلى الإنسان ركعتين و هو جالس بعد العتمة فقلت صدق يونس. (6)

و اثنتان منها ظاهرتان في التخيير إحديهما رواية الحارث بن المغيرة النضري المشتملة على قول أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- في تعداد النوافل: و ركعتان بعد العشاء الآخرة كان أبي يصليهما و هو قاعد و انا أصليهما و انا قائم .. (7)

و ليس المراد هو اختلافه مع أبيه- (عليهما السلام)- في الفتوى كما هو واضح بل المراد هو الاختلاف في العمل لأجل التخيير بين القيام و القعود و سره ان أباه- (عليه السلام) كان بدينا ذات لحم يشق عليه الإتيان بالنوافل قائما كما تدل عليه رواية حنان بن سدير عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- أ تصلي النوافل و أنت قاعد؟ فقال:

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 2- 3.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 7.

(3) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 23.

(4) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 25.

(5) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب التاسع و العشرون ح- 6.

(6) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب التاسع و العشرون ح- 9.

(7) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 9.

24

..........

____________

ما أصليها الا و انا قاعد منذ حملت هذا اللحم و ما بلغت هذا السن. (1) و من ذلك ظهر ان الرواية ظاهرة في أفضلية القيام و ان اختيار القعود انما هو لأجل المشقة و الكلفة.

ثانيتهما رواية سليمان بن خالد المشتملة على قول أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- في تعداد النوافل: و ركعتان بعد العشاء الآخرة يقرأ فيهما مائة آية قائما أو قاعدا و القيام أفضل و لا تعدهما من الخمسين. (2)

و قد يجمع بين الطائفتين بالحمل على التخيير و لكن الفتوى بجواز القيام في غاية الإشكال لأنه- مضافا الى ان هاتين الروايتين كانتا بمرئي و مسمع من قد ماء الأصحاب و مع ذلك تسالموا على تعين الجلوس الى زمن الشهيد الأول كما عرفت و ذلك يكشف عن وجود خلل فيهما كصدورهما تقية لأن نافلة العشاء بنحو الجلوس مما لم يقل به أحد من العامة فإنهم بين من ينكر مشروعيتها رأسا و بين من يقول بأنها ثمان ركعات اربع قبل الفريضة و اربع بعدها كأبي حنيفة و بين من يقول بأنها ركعتان من قيام- لا يجوز رفع اليد بسببهما عن الروايات الكثيرة الظاهرة بل الصريحة في تعيّن الجلوس بلحاظ التقييد بالجلوس مع ان الأصل في الصلاة مطلقا هو القيام و كونه أفضل من الجلوس، مع ان تشريعها كما ظهر من بعض الروايات المتقدمة انما هو لكونها بدلا عن الوتر الذي هي ركعة واحدة و لا معنى لكون الركعتين من قيام بدلا من ركعة كذلك فتدبر أو لأجل كونها تعد بركعة فيتحقق عنوان ضعف الفريضة و مثليها و لا يتحقق ذلك الا مع تعين الجلوس فيها و بالجملة فالروايات الدالة على ان مجموع الفرائض و النوافل احدى و خمسون ركعة لا يلائم مع جواز القيام في نافلة العشاء كسائر النوافل التي يكون المكلف مخيرا فيها.

____________

(1) الوسائل أبواب القيام.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 16.

25

..........

____________

ثم انه ذكر بعض الاعلام في شرحه على العروة في مقام الجمع ان الذي يظهر من ملاحظة الأخبار الواردة في المقام ان بعد العشاء الآخرة يستحب اربع ركعات و صلاتان نافلتان و التي يكون القيام فيها أفضل من الجلوس ركعتان غير ركعتي الوتيرة و هما اللتان يقرأ فيهما مائة آية و هما غير الوتيرة المقيدة بكونها عن جلوس و الدليل على ذلك:

صحيحة عبد اللّٰه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- يقول: لا تصل أقل من اربع و أربعين ركعة قال: و رأيته يصلى بعد العتمة أربع ركعات. (1)

و موثقة سليمان بن خالد- المتقدمة- (2) فإنها مصرحة بأن الركعتين اللتين يكون القيام فيهما أفضل غير النوافل اليومية اعنى خمسين أو واحدة و خمسين ركعة و ان هاتين الركعتين لا تعدان منها.

و صحيحة الحجال قال: كان أبو عبد اللّٰه- (عليه السلام)- يصلى ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية و لا يحتسب بهما و ركعتين و هو جالس يقرأ فيهما بقل هو اللّٰه أحد و قل يا ايها الكافرون فان استيقظ من الليل صلى صلاة الليل و الوتر و ان لم يستيقظ حتى يطلع الفجر صلى ركعتين فصارت سبعا (شفعا) و احتسب الركعتين الليلتين (اللتين) صلاهما بعد العشاء وترا. (3)

أقول: اما صحيحة عبد اللّٰه بن سنان فلا دلالة فيها على عنوان الأربع التي يصليها بعد العتمة و لا على استمرار الإتيان بها فلعله كانت الأربع صلاة جعفر- (عليه السلام)- و نحوها.

و اما موثقة سليمان بن خالد فلا محيص عن حمل الركعتين فيها على نافلة العشاء لعدم التعرض لها فيها و عدم عدهما من الخمسين لا ينافيها لأنها- كما‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الرابع عشر ح- 4.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 16.

(3) الوسائل أبواب المواقيت الباب الرابع و الأربعون ح- 15.

26

..........

____________

في بعض الروايات الأخر- إنما شرعت لتكميل العدد و جعل النافلة ضعف الفريضة فلا وجه لحملها على غير نافلة العشاء.

و اما صحيحة الحجال فهي و ان كانت دلالتها واضحة الا انه يشكل الأخذ بها لأنها- مضافا الى دلالتها على وقوع ترك صلاة الليل من الامام- (عليه السلام)- أحيانا و لعله لا يكون ملائما لشأنه- تدل على ما لم يدل عليه شي‌ء من الروايات مع كثرتها و استفاضتها لعدم دلالته على ثبوت ركعتين بعد العشاء قبل نافلتها، مع انها لا تكون معنونة بعنوان أصلا مع انه لا وجه لعدم الاحتساب بالإضافة إليها خصوصا بعد ثبوت الكيفية المخصوصة لها و اشتمالها على مائة آية من القرآن و احتساب نافلة العشاء مع وقوعها في حال الجلوس فالإنصاف انه لا مجال لهذا الجمع.

الجهة الثانية في سقوط نافلة العشاء في السفر و عدمه و قد وقع فيه الاشكال و الخلاف بعد انه لا اشكال و لا خلاف في سقوط نافلة الظهرين في السفر و عدم سقوط نافلة الصبح و المغرب كعدم سقوط صلاة الليل، و المشهور بين الإمامية هو الأول بل ادعى الإجماع عليه في محكي السرائر و الغنية و قال الشيخ و جماعة بعدم السقوط و منشأ الخلاف اختلاف الأخبار الواردة في الباب:

اما ما يدل على السقوط فروايات كثيرة:

منها: رواية حذيفة بن منصور عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه- (عليهما السلام)- انهما قالا: الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء. (1)

و منها: رواية عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- قال: الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلا المغرب ثلاث. (2)

و منها: رواية أبي يحيى الحناط قال: سألت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- عن صلاة النافلة بالنهار في السفر فقال: يا بنى لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة. (3)

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الواحد و العشرون ح- 2.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الواحد و العشرون ح- 3.

(3) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الواحد و العشرون ح- 4.

27

..........

____________

و موردها و ان كان خصوص صلاة النافلة بالنهار الا ان الملازمة التي يدل عليها الجواب و هي الملازمة بين جواز النافلة و تمامية الفريضة تقتضي سقوط نافلة العشاء أيضا كما هو ظاهر.

و منها: رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- قال: الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلا المغرب فان بعدها اربع ركعات لا تدعهن في سفر و لا حضر، و ليس عليك قضاء صلاة النهار و صلّ صلاة الليل و اقضه. (1)

و اما ما يدل أو استدل به على عدم السقوط فروايات أيضا:

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن الصلاة تطوعا في السفر قال: لا تصل قبل الركعتين و لا بعدهما شيئا نهارا. (2) فان تخصيص النهي في الجواب بخصوص النوافل النهارية مع كون السؤال عن مطلق الصلاة تطوعا في السفر لا يلائم مع سقوط نافلة العشاء خصوصا مع انحصار القصر في الليل بها كما لا يخفى.

و منها: رواية رجاء بن أبي الضحاك عن الرضا- (عليه السلام)- انه كان في السفر يصلى فرائضه ركعتين ركعتين الا المغرب فإنه كان يصليها ثلاثا و لا يدع نافلتها، و لا يدع صلاة الليل و الشفع و الوتر و ركعتي الفجر في سفر و لا حضر و كان لا يصلى من نوافل النهار في السفر شيئا. (3)

و منها ما رواه الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا- (عليه السلام)- في حديث قال: و انما صارت العتمة مقصورة و ليس تترك ركعتاها (ركعتيها) لان الركعتين ليستا من الخمسين و انما هي زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بهما‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الواحد و العشرون ح- 7.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الواحد و العشرون ح- 1.

(3) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الواحد و العشرون ح- 8.

28

..........

____________

بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع. (1) و الرواية من حيث الدلالة تامة لأنها تدل على مفروغية عدم ترك النافلة كمفروغية قصر الفريضة في العتمة الا ان الاشكال انما هو في سندها لأن في طريق الصدوق الى فضل بن شاذان على بن محمد بن قتيبة النيشابوري المعروف بالقتيبى، و عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار النيشابوري و هما لم تثبت وثاقتهما فإن غاية ما ذكر في وثاقه الأول ما ذكره في الحدائق في مقام الجواب عن صاحب المدارك القائل بعدم إمكان الاعتماد على روايته لعدم توثيقه من انه لا حاجة الى التوثيق الصريح بعد كونه من المشايخ و موردا لاعتماد مثل الكشي لان اعتماد المشايخ المتقدمين على النقل و أخذ الروايات عنهم و التلمذ عندهم يزيد على قول النجاشي و أضرابه:

فلان ثقة. و قد نقل في الحدائق عن العلامة في المختلف انه عند ما ذكر حديث الإفطار على محرم و ان الواجب فيه كفارة واحدة أو ثلاث لم يذكر التوقف في صحة الحديث الا من حيث عبد الواحد بن عبدوس و قال: انه كان ثقة و الحديث صحيح. و هذا يدل على توثيقه لعليّ بن محمد بن قتيبة، و قد حكى عن العلامة أيضا انه صحح حديثه في ترجمة يونس بن عبد الرحمن.

و لكن شي‌ء من ذلك لا يثبت وثاقته فان اعتماد الكشي لا دليل على وثاقته فقد اعتمد على نصر الغالي أيضا لكن قد يقال بأنه يمكن استفادة وثاقته من قول الكشي في (إبراهيم بن عبدة): حكى بعض الثقات بنيسابور انه خرج لإسحاق بن إسماعيل من أبي محمد- (عليه السلام)-، بان يكون هو مراده من بعض الثقات. و يدفعه مضافا الى انه ليس في نسخة الكشي المطبوعة عندي كلمة بنيسابور انه على تقديره لا دليل على كونه هو المراد من بعض الثقات.

و اما كونه من المشايخ و أخذ المتقدمين الروايات عنه فهو لا دلالة له أيضا على التوثيق فقد حكى ان من مشايخ الصدوق من هو ناصب زنديق بحيث لم ير‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب التاسع و العشرون ح- 3.

29

..........

____________

انصب منه و أبلغ من نصبه لانه كان يقول اللهم صل على محمد فردا و يمتنع من الصلاة على آله.

و اما تصحيح العلامة فقد نوقش فيه من وجهين: الأول انه يظهر من التتبع في كلماته انه ((قدس سره)) يصحح رواية كل شيعي لم يرد فيه قدح و لا يعتمد على رواية غير الشيعي و ان كان موثقا فتصحيحه أعم من التوثيق بل غايته تصديق تشيعه و انه لم يرد فيه قدح. الثاني ان توثيقه و توثيقات مثله من معاصريه أو المتأخرين عنه حيث لا يكون إلا شهادة حدسية منشأها ملاحظة القرائن و الأمارات من دون ان يكون متصلا سندا الى من يشهد بوثاقته بشهادة حسية لا ينبغي الاعتماد عليه لطول الفصل و مضى الأزمنة و القرون و وضح عدم اعتبار الشهادة عن غير حس.

و اما عبد الواحد بن محمد بن عبدوس فقد ذكر المامقاني في رجاله ان في الرجل أقوالا: أحدها انه ثقة و هو خيرة التحرير و المسالك و بعض آخر ثانيها انه حسن و هو المحكي عن المجلسي الثاني في غير الوجيزة ثالثها انه مجهول و هو الذي بنى عليه المحقق حيث ترك العمل بروايته لانه مجهول الحال و مثله العلامة في المختلف.

و مع هذا الوصف كيف يمكن الاعتماد على روايته و الأخذ بحديثه.

و منها رواية الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- هل قبل العشاء الآخرة و بعدها شي‌ء قال: لا غير انى أصلي بعدها ركعتين و لست أحسبهما من صلاة الليل. (1) نظرا الى ان المستفاد منها انها نافلة مستقلة و لها نحو ارتباط بنافلة الليل و لذا أجاب الإمام- (عليه السلام)- بلا و مع استقلالها لا يشملها الأخبار الدالة على سقوط نافلة الصلاة المقصورة.

و أورد على هذا الاستدلال بعض الأعلام بأن الظاهر ان المراد من الركعتين‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب السابع و العشرون ح- 1.

30

..........

____________

فيها هما الركعتان اللتان تؤتى بها عن قيام و هما مستحبان مستقلتان زائدة على النوافل المرتّبة و ذلك بقرينة قوله: و لست أحسبهما من صلاة الليل فان ما يمكن ان يتوهم كونه من صلاة الليل انما هو تلك الصلاة التي يؤتى بها قائما دون الوتيرة التي تصلى جالسا فإنها لم يتوهم أحد كونها من صلاة الليل بوجه خصوصا مع كون الراوي هو الحلبي الذي لا يخفى عليه مثل ذلك.

و يدفعه- مضافا الى ما عرفت من عدم معهودية صلاة فيما بين العشاء و نافلتها- انه بناء على ما افاده تكون نافلة العشاء أقرب الى صلاة الليل من تلك الصلاة التي يؤتى بها قبلها و مجرد الاختلاف في القيام و الجلوس لا يوجب أقربية ما يؤتى به أولا كما هو ظاهر.

و الجواب عن أصل الاستدلال بعد ملاحظة إطلاق محط السؤال و عدم كون النظر الى حال السفر ان قوله: و لست أحسبهما من صلاة الليل لا دلالة له على استقلال الركعتين كما ان قوله- (عليه السلام)-: «لا» لا ينفى طرفي السؤال بحيث يصير قرينة على نفى ارتباط الركعتين بالعشاء بل الظاهر ان المراد من النفي هو النفي بلحاظ كون نافلة العشاء مزيدة في النوافل لتتم بهما الواحدة و الخمسون كما ان عدم الاحتساب من صلاة الليل انما هو لدفع توهم كون وقوعها بعد العشاء قرينة لكونها من صلاة الليل كنافلة الصبح التي عدت منها في بعض الروايات المتقدمة و على اى حال فلا دلالة للرواية على عدم السقوط بل لا ارتباط لها بالمقام لو لم نقل بكون مقتضى إطلاقها بعد التقييد بالروايات الدالة على السقوط هو السقوط فتدبر.

و منها الروايات الكثيرة الدالة على ان من كان يؤمن باللّه و اليوم الأخر فلا يبيتن الا بوتر. (1) و تقريب الاستدلال بها من وجهين بعد ظهور كون المراد‌

____________

(1) و قد جمعها في الوسائل في أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب التاسع و العشرون.

31

..........

____________

بالوتر فيها هي الوتيرة و نافلة العشاء لتفسيرها بذلك في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- قال: من كان يؤمن باللّه و اليوم الأخر فلا يبيتن الا بوتر قال:

قلت تعنى الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال: نعم إنهما بركعة فمن صلاهما (ها) ثم حدث به حدث مات على وتر .. (1)

الأول: ان التعبير بكون الإتيان بها و عدم تركها من شئون الايمان باللّه و اليوم الأخر لا يلائم مع الاختصاص بوقت دون وقت و لا يجتمع مع السقوط في السفر كما لا يخفى.

الثاني: ان النسبة بين هذه الروايات الدالة بإطلاقها على ثبوت الوتيرة في السفر أيضا و بين الروايات الواردة في سقوط نافلة الصلاة المقصورة الشاملة بإطلاقها لصلاة العشاء هي العموم من وجه و المرجع في مادة الاجتماع و هي الوتيرة في السفر هي الروايات الواردة في أصل مشروعية الوتيرة و في تعداد النوافل و انها اربع و ثلاثون.

و أورد على الاستدلال بها بعد تضعيف رواية أبي بصير الشارحة لها لوقوع عدة مجاهيل في سندها بالمعنى الأعم من المهمل بأن الأخبار المذكورة انما وردت في الوتر لا في الوتيرة فإن معنى البيتوتة إنهاء الليل الى طلوع الفجر و معنى الروايات ان من كان يؤمن باللّه و اليوم الأخر لا يطلع عليه الفجر الا بوتر، مع ان نافلة العشاء لم تسم بالوتيرة في شي‌ء من الروايات و انما الفقهاء سموها بالوتيرة فلا يمكن الاستدلال بها على أصل استحبابها فضلا عن عدم سقوطها في السفر.

و الجواب عن هذا الإيراد ما افاده المورد نفسه في مسألة وقت نافلة العشاء مما حاصله ان المستفاد من هذه الروايات ان أخر وقت الوتيرة صدق البيتوتة و الغالب فيها وقوعها قبل الانتصاف لأن أغلب الناس انما يبدءون بالمنام قبل الانتصاف و هذه الروايات و ان كانت مطلقة غير مقيدة بكونها بعده أو قبله الا انها‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب التاسع و العشرون ح- 8.

32

..........

____________

لا تقبل الحمل على البيتوتة بعد الانتصاف لأنها قليلة نادرة فتدل الروايات المذكورة على ان آخر وقت الوتيرة هو انتصاف الليل و غسقه.

و أقول ظاهر الروايات هو وقوع البيتوتة متأخرة عن الوتر بحيث كان شروعها بعد الإتيان بها و هذا لا يلائم مع كون المراد بها غير نافلة العشاء لان صلاة الوتر التي هي جزء صلاة الليل يكون أفضل أوقاتها السحر و أفضل منه القريب الى الفجر و عليه فمن راعى هذه الجهة و اتى بصلاة الوتر في آخر أجزاء الليل هل يصدق عليه انه بات بوتر أو على وتر؟ الظاهر العدم و هذه قرينة على ان المراد بالوتر في هذه الروايات هي الوتيرة و ان قلنا بضعف رواية أبي بصير الشارحة لها و المفسرة إياها فهذه الروايات بنفسها ظاهرة في نافلة العشاء.

و اما ما أورد على الاستدلال بها ثانيا من منع المعارضة و كون الروايات الدالة على انه لا شي‌ء قبل الركعتين و لا بعدهما مؤيدة بما دل على ان النافلة لو صلحت في السفر تمت الفريضة حاكمة على هذه الروايات لكونها ناظرة إليها فتتقدم عليها.

فالجواب عنه منع ذلك لعدم تمامية الحكومة بل يمكن ان يقال بالعكس و ان هذه الروايات تكون حاكمة عليها ناظرة إليها لدلالتها على اختصاص تلك الروايات بغير نافلة العشاء التي لا يبيت بدونها من كان يؤمن باللّه و اليوم الأخر فتدبر و منها ما استدل به بعض الاعلام من صحيحة فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- يقول في حديث .. منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعد بركعة مكان الوتر .. (1) بتقريب أن الوتيرة لم تثبت كونها نافلة للعشاء ليقال ان نافلة الصلوات المقصورة ساقطة في السفر بل هي صلاة مستحبة و انما شرعت للبدلية عن الوتر على تقدير عدم التوفق لإتيانها في وقتها فلا تشملها الأخبار المتقدمة الدالة على انه لا شي‌ء قبل الركعتين و لا بعدهما.

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب 13 ح- 2.

33

..........

____________

و يرد عليه ان التعبير الوارد في نافلة العشاء هو بعينه التعبير الوارد في سائر النوافل فكما أن نافلة المغرب قد عبر عنها في الروايات بأنها ما يؤتى بها بعدها كذلك نافلة العشاء مع ان ثبوت الركعتين بعد العشاء من دون ان يكون لهما عنوان أصلا بعيد جدا خصوصا مع ثبوت العنوان لغيرها من جميع النوافل و الفرائض اليومية، مع ان الروايات الدالة على السقوط لم يعلق الحكم فيها على عنوان النافلة المضافة الى الفريضة بل الحكم فيها يرجع الى عدم ثبوت شي‌ء قبل الركعتين و لا بعدهما فلا يتوقف دلالتها على السقوط على ثبوت عنوان نافلة العشاء لهما كما لا يخفى.

و قد انقدح من جميع ما ذكرنا ان الأظهر هو ثبوت نافلة العشاء في السفر و لكن الاحتياط بالإتيان بها رجاء لا ينبغي تركه.

الجهة الثالثة في وقت نافلة العشاء فنقول: اما من حيث المبدء فلا شبهة في ان مبدئها انما هو الفراغ عن فريضة العشاء على ما تدل عليه الروايات المستفيضة المصرحة بكونها بعد العشاء الظاهرة في ان مبدئها هو الفراغ منها، و اما من حيث المنتهى فلا إشكال أيضا من جهة الفتوى في امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة و قد تحققت عليه الشهرة العظيمة بل ادعى المحقق في المعتبر الإجماع عليه و يكفى دليلا على ذلك ذكر المسألة في الكتب الموضوعة لنقل الفتاوى المأثورة عن الأئمة الطاهرة- (عليهم السلام)- بعين الألفاظ الصادرة فإنه يكشف عن وجود نص معتبر مذكور في الجوامع الأولية غاية الأمر انه لم يصل إلينا.

نعم يمكن الاستدلال بالروايات المتقدمة الدالة على ان المؤمن لا يبيت الا بوتر نظرا الى ان المراد بالوتر هي الوتيرة لظهور الروايات في نفسها في ذلك كما مر و دلالة رواية أبي بصير المتقدمة عليها أيضا و ان المراد ان آخر وقت الوتيرة صدق البيتوتة و الغالب فيها وقوعها قبل الانتصاف لأن أغلب الناس كانوا يبدءون بالمنام قبله.

34

..........

____________

و يدل على ذلك أيضا ما دل من الروايات على ان الوتيرة بدل الوتر بضميمة ان وقت صلاة الليل بعد الانتصاف و عدم مشروعيتها قبله الا لعذر فان ملاحظتهما تقضى بأنه قبل الانتصاف يكون وقت البدل و بعده الذي يشرع الإتيان بالمبدل لا يكون الا ظرف المبدل و لا مجال مع التمكن من الإتيان بالمبدل له كما لا يخفى.

و الذي يسهل الخطب ما عرفت من وضوح المسألة بلحاظ فتاوى الأصحاب و لا حاجة الى إقامة الدليل.

الجهة الرابعة في انه هل يعتبر في نافلة العشاء التي يؤتى بها بعدها البعدية العرفية المتصلة كما يظهر من بعض المتأخرين حيث اعتبر عدم الفصل المفرط بين فريضة العشاء و نافلتها فلا يشرع الإتيان بها قريبا من نصف الليل مع الإتيان بالفريضة في أوله أولا يعتبر ذلك؟

ربما يستدل للأول بأن المنساق من الأدلة الدالة على البعدية هي البعدية المتصلة العرفية.

و قد أورد عليه بان الظاهر كون البعدية في نافلة العشاء في مقابل القبلية في نافلة الظهرين فالمراد ان نافلة العشاء لا بدّ ان يؤتى بها بعد العشاء لا قبل الفريضة كما في نافلة الظهرين.

و الجواب عنه- مضافا الى منع الاستظهار- الروايات الواردة في نافلة العصر الدالة على تفريقها و الإتيان ببعضها بعد الظهر و بالبعض الأخر قبل العصر و كذا الروايات الدالة على تفريق نافلة المغرب و الإتيان بالركعتين بعد المغرب و بالركعتين قبل العشاء فإنها ظاهرة في اتصال القبلية و البعدية و الا لكان المجموع متصفا بوقوعها بعد الظهر أو قبل العصر و كذا بعد المغرب أو قبل العشاء كما لا يخفى.

نعم في مقابل هذا الظهور أمران: أحدهما استحباب جعل نافلة العشاء خاتمة‌

35

[المسألة الثالثة في وقت نافلة الصبح]

____________

للنوافل كما عليه الشهرة المحققة و يمكن الاستدلال بالنص أيضا و من المعلوم انه ربما تكون النوافل كثيرة كما في ليالي شهر رمضان و كما في ليلة الفطر إذا اتى بالصلاة المعروفة المشتملة على الف سورة التوحيد بعد فريضة العشاء و عليه فلا تصدق البعدية العرفية لثبوت الفصل الطويل.

و يدفعه انه لا مانع من الالتزام بجواز التأخير لمن يأتي بالنوافل كجواز تقديم نافلة الصبح من انتصاف الليل لمن يأتي بصلاة الليل على ما يأتي.

ثانيهما ما ذكره بعض الاعلام من ان المستفاد مما دل على ان المؤمن لا يبيت الا بوتر عدم اعتبار الوصل و انما الغرض ان لا يبيت المكلف الا بوتر بان يصلى الوتيرة فينام و يصدق انه نام عن وتر.

و الجواب ان هذه الروايات لا دلالة لها على أزيد من ان بيتوتة المؤمن تكون متأخرة عن الوتر و اما ان شرائط الوتر ما ذا فهي لا دلالة لها عليها و لا بدّ من استفادتها من دليل خارج و من الشرائط البعدية المتصلة بالعشاء على ما تدل عليه الروايات المتقدمة فهي متقدمة على هذه الروايات فتدبر.

المسألة الثالثة في وقت نافلة الصبح و الكلام فيه في مقامين:

الأول وقتها من حيث الابتداء و قد تحققت الشهرة على ان أول وقتها هو طلوع الفجر الكاذب و حكى عن بعض جواز إتيانها بعد الفراغ من صلاة الوتر و نسبه في الحدائق إلى المشهور. و قد ورد في هذا الباب روايات كثيرة مختلفة و هي على طوائف:

الأولى ما تدل على الأحشاء بها في صلاة الليل و دسها فيها كرواية البزنطي قال: سألت الرضا- (عليه السلام)- عن ركعتي الفجر فقال: احشوا بهما صلاة الليل (1) و هذه الرواية شاهدة على ان المراد بركعتي الفجر متى أطلقت هي النافلة و لا يحتمل الفريضة.

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الخمسون ح- 1

36

..........

____________

و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- قال: قلت ركعتا الفجر من صلاة الليل هي؟ قال: نعم. (1)

و رواية البزنطي أيضا قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)- و ركعتي الفجر أصليهما قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: احش بهما صلاة الليل و صلهما قبل الفجر. (2)

و رواية على بن مهزيار قال: قرأت في كتاب رجل الى أبي جعفر- (عليه السلام)- الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر من صلاة الليل هي أم من صلاة النهار و في أي وقت أصليهما؟ فكتب- (عليه السلام)- بخطه: احشهما في صلاة الليل حشوا. (3)

و مقتضى هذه الطائفة جواز الإتيان بهما قبل الفجر الكاذب لشمول إطلاقها لما إذا اشتغل بصلاة الليل بعد الانتصاف بلا فصل ثم اتى بالركعتين كذلك بل يشمل إطلاقها ما إذا قدم صلاة الليل لمرض أو سفر أو نحوهما فيجوز عليه الإتيان بركعتي الفجر بعدها بلا فصل كما يدل عليه أيضا رواية أبي جرير ابن إدريس عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: صلّ صلاة الليل في السّفر من أول الليل في المحمل و الوتر و ركعتي الفجر. (4)

و بالجملة لا إشكال في جواز تقديم ركعتي الفجر على الفجر الأول و الأحشاء بهما في صلاة الليل و ان وقعت قبله و قد افتى بذلك حتى من ذهب الى ان أول وقتهما هو الفجر الأول كالمحقق.

إنما الإشكال في جواز الإتيان بهما في وقت صلاة الليل قبل طلوع الفجر مع الانفراد و عدم الدس بان يقتصر على فعلهما منفردتين قبله و لم يأت بصلاة الليل أصلا‌

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الخمسون ح- 4

(2) الوسائل أبواب المواقيت الباب الخمسون ح- 6

(3) الوسائل أبواب المواقيت الباب الخمسون ح- 8

(4) الوسائل أبواب المواقيت الباب الرابع و الأربعون ح- 6

37

..........

____________

أو اتى بها مع الفصل بينهما بكثير و قد صرح بعض بالجواز و يظهر من صاحب الوسائل حيث ذكر في عنوان الباب: «باب استحباب تقديم ركعتي الفجر على طلوعه بعد صلاة الليل بل مطلقا».

و لكن الظاهر عدم الجواز و ان كان يمكن توجيهه بان مقتضى كون ركعتي الفجر مستحبا مستقلا و عنوانا في مقابل صلاة الليل بضميمة ما يدل على جواز الأحشاء بهما في صلاة الليل جواز تقديمهما على الفجر الأول مطلقا كالاقتصار على صلوتى الشفع و الوتر أو على ثمان ركعات صلاة الليل الا انه مع ذلك يكون القدر المتيقن هي صورة ضمهما الى صلاة الليل و دسهما فيها خصوصا مع ان التسمية بنافلة الفجر لا تناسب الإتيان بها قبل الفجر فلا يستفاد من روايات الأحشاء جواز التقديم في غير صورته.

الثانية ما تدل على ان وقتها قبل الفجر:

كرواية زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: الركعتان اللتان قبل الغداة أين موضعهما؟ فقال قبل طلوع الفجر فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة. (1).

و روايته الأخرى عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أيضا قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر فقال: قبل الفجر انهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل، أ تريد ان تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تطوع إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة. (2)

و رواية محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن أول وقت ركعتي الفجر فقال: سدس الليل الباقي. (3)

و رواية أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- متى أصلي ركعتي الفجر؟

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الخمسون ح- 7

(2) الوسائل أبواب المواقيت الباب الخمسون ح- 3

(3) الوسائل أبواب المواقيت الباب الخمسون ح- 5

38

..........

____________

قال: فقال لي: بعد طلوع الفجر قلت له: ان أبا جعفر- (عليه السلام)- أمرني أن أصليهما قبل طلوع الفجر فقال يا با محمد ان الشيعة أتوا أبي مسترشدين فأفتاهم بمرّ الحق، و أتوني شكاكا فافتيهم بالتقية. (1)

الثالثة ما تدل على ان وقتها بعد طلوع الفجر:

كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال أبو عبد اللّٰه- (عليه السلام)- صلّهما بعد ما يطلع الفجر. (2)

و صحيحة يعقوب بن سالم البزاز قال قال أبو عبد اللّٰه- (عليه السلام)- صلهما بعد الفجر، و اقرأ فيهما في الأولى قل يا ايها الكافرون و في الثانية قل هو اللّٰه أحد. (3)

و مرسلة إسحاق بن عمار عمن أخبره عنه- (عليه السلام)- قال صل الركعتين ما بينك و بين ان يكون الضوء حذاء رأسك فإن كان بعد ذلك فابدأ بالفجر. (4) بناء على ان يكون المراد بكون الضوء حذاء الرأس هو الاسفار و لكنه ممنوع فان المراد من ذلك هو الفجر الكاذب لانه يطلع على شكل عمودي لا أفقي كما في الفجر الصادق.

الرابعة ما تدل على التخيير في ركعتي الفجر بين الإتيان بهما قبل الفجر أو عنده أو بعده و هي روايات كثيرة جمعها في الوسائل في الباب الثاني و الخمسين من أبواب المواقيت.

منها: صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- عن ركعتي الفجر قال: صلهما قبل الفجر و مع الفجر و بعد الفجر.

و هذه الطائفة الأخيرة شاهدة للجمع بين الطائفتين اللتين قبلها بالحمل على التخيير لكونها نصا في ثبوت التخيير و هما ظاهرتان في تعين مفادهما من وجوب‌

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الخمسون ح- 2

(2) الوسائل أبواب المواقيت الباب الواحد و الخمسون ح- 5

(3) الوسائل أبواب المواقيت الباب الواحد و الخمسون ح- 6

(4) الوسائل أبواب المواقيت الباب الواحد و الخمسون ح- 7

39

..........

____________

التقديم أو التأخير هذا مضافا الى ان الأمر في الطائفة الدالة على التقديم غير ظاهر في الوجوب لوروده في مقام توهم الحظر لان بناء العامة كان على الإتيان بهما بعد الفجر و- ح- ربما يتوهم من هذا البناء لزوم التأخير عنه فصارت هذه الطائفة بصدد دفع هذا التوهم فلا دلالة لها على هذا التقدير على أزيد من مجرد الجواز مع ان رواية أبي بصير تدل على ان الإفتاء بالإتيان بهما بعد الفجر الظاهر في تعينه انما كان للتقية فالحكم الواقعي- ح- عدم التعين و جواز الإتيان قبله أيضا و ربما يقال في وجه الجمع بان المراد من الفجر في الطائفة الدالة على وجوب التقديم هو الفجر الصادق و في الطائفة الدالة على وجوب التأخير هو الفجر الكاذب.

و لكن يدفعه- مضافا الى انه لا شاهد على هذا الجمع- ان المتبادر من الفجر في كلتا الطائفتين هو الفجر الصادق لان الفجر الكاذب كما سيأتي لا عبرة به حتى عند علماء العامة فهذا الوجه غير تام.

و ذكر بعض الاعلام ان الصحيحتين الدالتين على التأخير لا تعارضان الطائفة الدالة على التقديم أما أولا فلان مرجع الضمير في قوله- (عليه السلام)-: «صلهما» غير مذكور فيهما و لا هو معلوم بالقرينة فلا دلالة فيهما و لا في غيرهما على ان المراد بهما نافلة الفجر و من المحتمل ان يكون المراد نفس الفريضة و إيرادهما في باب النافلة لا دلالة له الّا على فهم من أوردهما فيه كالشيخ و غيره من أرباب الكتب.

و اما ثانيا فلانه على تقدير الرجوع الى النافلة لا تنافي بينهما و بين الطائفة الأخرى أيضا لصراحة صحيحة زرارة المشتملة على قوله- (عليه السلام)-: «إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة» في أن الإتيان بركعتي الفجر قبل الفجر أفضل كما ان الأفضل بعد الفجر هو الإتيان بالفريضة و عليه فتحمل الطائفة الأخرى على الرخصة و جواز الإتيان بها بعد الفجر لعدم صراحتها في وجوب ذلك و تعينه غاية الأمر ظهورهما في ان الإتيان بالركعتين بعد الفجر هو المحبوب للشارع و لا مناص من‌

40

..........

____________

رفع اليد عن هذا الظهور بصراحة الصحيحة المتقدمة.

و يرد عليه أولا وضوح رجوع الضمير إلى ركعتي النافلة كوضوح كون المراد من ركعتي الفجر الذي وقع السؤال عنه في كثير من الروايات من دون التقييد بالنافلة هو ركعتي النافلة و يؤيده تعيين قراءة سورة قل يا ايها الكافرون في الركعة الاولى و سورة التوحيد في الثانية مع دلالة روايات متعددة على تعيين مثل ذلك في خصوص النافلة كقول الصادق- (عليه السلام)- في مرسلة الصدوق: صل ركعتي الفجر قبل الفجر و عنده و بعده تقرأ في الأولى الحمد و قل يا ايها الكافرون و في الثانية الحمد و قل هو اللّٰه أحد. (1) مع وضوح كون وقت الفريضة بعد الفجر و عدم الحاجة الى بيانه بخلاف وقت النافلة.

و ثانيا عدم ظهور دعوى الصراحة في إحدى الطائفتين و الظهور في الأخرى فكما ان الروايات الدالة على التأخير ليس لهما الّا ظهور في التعين و وجوب التأخير كذلك الطائفة الدالة على التقديم لا صراحة فيها على ذلك بل لها ظهور في التعيين و وجوب التقديم من دون ان يكون لإحداهما مزية على الأخرى أصلا.

فانقدح انه لا مناص عن الجمع بين الطائفتين بالحمل على التخيير لصراحة ما يدل عليه في ذلك و كونه شاهدا للجمع بلا اشكال.

نعم يقع الإشكال في تحديد القبلية و قد عرفت ان الشهرة المحققة انما هي ان أول وقتها طلوع الفجر الأول و قد ذكره الأصحاب في كتبهم المعدة لنقل الفتاوى المأثورة عن العترة الطاهرة- (صلوات اللّٰه عليهم)- و صرح سيدنا العلامة الأستاذ البروجردي(قده) بان الذكر في تلك الكتب يكشف عن وجود نص معتبر غاية الأمر انه لم يصل إلينا.

و كيف كان فالروايات التي بأيدينا التي تمكن استفادة التحديد منها ثلاثة:

الأولى: رواية محمد بن مسلم المتقدمة الواردة في الجواب عن السؤال عن‌

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الثاني و الخمسون ح- 6

41

..........

____________

أول وقت ركعتي الفجر الدالة على التعيين بسدس الليل الباقي و دلالتها على مذهب المشهور تبتنى على ان يكون المراد من الليل فيها هو مجموع ما بين غروب الشمس و طلوعها و عليه فيكون شروع سدسه قريبا من طلوع الفجر و منطبقا على الفجر الأول و لا يبعد دعوى كون المراد ذلك و لها شواهد كثيرة ليس هنا مجال ذكرها و لعله يأتي التنبيه عليها في الموضع المناسب.

ثانيتها رواية أبي بكر الحضرمي قال: سألت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- فقلت: متى أصلي ركعتي الفجر؟ فقال: حين يعترض الفجر و هو الذي تسميه العرب الصديع. (1)

فان تعرضه(ع) لتفسير الفجر مع ان الفجر الصادق لا يفتقر الى التفسير لأجل وضوح المراد منه دليل على ان مراده هو الفجر الأول خصوصا مع ان الصديع بحسب أصل اللّغة بمعنى الانشقاق و هو ينطبق على الفجر الكاذب لانه على شكل عمودي و خط واقع بين الظلمة يوجب انشقاقها.

ثالثتها رواية إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- عن الركعتين اللتين قبل الفجر قال: قبل الفجر و معه و بعده قلت: فمتى ادعهما حتى اقضيهما؟

قال: قال: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة. (2) بناء على ان يكون الصادر هي كلمة «قبيل» كما في نقل الرواية في الكتب الفقهية و اما بناء على كون الصادر هي كلمة «قبل» كما في الطبع الجديد من الوسائل فلا دلالة لها على التحديد و لعل الترجيح مع النقل الأول لاشتمال السؤال على قبل الفجر و لو كان الصادر في مقام الجواب أيضا كذلك لم يكن هناك حاجة الى التكرار فتدبر.

هذا كله مع ما عرفت من ظهور كلمة «القبل» في روايات التخيير مطلقا الشاهدة للجمع في القبل القريب فينطبق على الفجر الأول و ان كان كلمة «البعد» الواقعة فيها أيضا ليس لها ظهور في البعد القريب بهذا المقدار لأن البعدية في‌

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الواحد و الخمسون ح- 10

(2) الوسائل أبواب المواقيت الباب الثاني و الخمسون ح- 5

42

..........

____________

النافلة أوسع من القبلية كما لا يخفى.

المقام الثاني في وقت نافلة الصبح من حيث الامتداد و المشهور هو الامتداد وقتها الى ان تطلع الحمرة المشرقية و عن الشهيد(قده) الميل الى الامتداد الى آخر وقت الفريضة و الروايات في هذا المقام أربعة:

الأولى: صحيحة على بن يقطين قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن الرجل لا يصلى الغداة حتى يسفر و تظهر الحمرة، و لم يركع ركعتي الفجر أ يركعهما أو يؤخرهما قال: يؤخرهما، (1) بناء على ظهورها في ان الأمر المتعلق بركعتي الفجر قد انقطع بظهور الحمرة و ان استمراره انما كان الى هذا الحد فحسب فلا يؤتى بهما بعده.

و يرد عليه انه ان كان مراد المشهور من الامتداد الى ذلك الوقت هي صيرورتهما قضاء بعد طلوع الحمرة كصيرورة الفريضة كذلك بعد طلوع الشمس فالصحيحة لا دلالة لها على ذلك لان عدم جواز مزاحمتهما مع الفريضة بعد طلوع الحمرة و لزوم تأخيرهما عنها لا دلالة له على صيرورتهما قضاء و خروج وقتهما بطلوع الحمرة نعم لو كان المراد من الامتداد اليه هو مزاحمتهما للفريضة قبله و عدمها بعده من دون ان تصيرا قضاء فالصحيحة دالة عليه.

الثانية رواية حسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الرجل يقوم و قد نور بالغداة قال: فليصل السجدتين اللتين قبل الغداة ثم ليصل الغداة (2) و الظاهر ان التنور بالغداة أعم من ظهور الحمرة و الرواية تدل على مذهب الشهيد و لا تنطبق على مرام المشهور الا على تقدير كون المراد بالامتداد هي المزاحمة بضميمة تقييد إطلاقها بصحيحة على بن يقطين المتقدمة الدالة على عدم جواز المزاحمة بعد طلوع الحمرة المشرقية.

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الثاني و الخمسون ح- 1

(2) الوسائل أبواب المواقيت الباب الثاني و الخمسون ح- 4

43

..........

____________

الثالثة مرسلة إسحاق بن عمار المتقدمة الحاكية لقوله- (عليه السلام)-: صل الركعتين ما بينك و بين ان يكون الضوء حذاء رأس فإن كان بعد ذلك فابدأ بالفجر. (1) بناء على ان يكون المراد بكون الضوء حذاء الرأس هو الفجر الكاذب كما عرفت و لكن الظاهر عدم جواز الالتزام بالرواية لأنه مضافا الى ظهورها- ح- في جواز الابتداء بالفريضة بعد طلوع الفجر الكاذب يكون مقتضاها ان طلوع الفجر الكاذب آخر وقت الركعتين فتدبر. و عليه فلا بد من الحمل على ان المراد بذلك هو تنور السماء وضوء العالم كله و ان كان يبعده تقييده بكونه حذاء رأسك.

الرابعة: رواية سليمان بن خالد قال سألت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- عن الركعتين قبل الفجر قال: تركعهما حين تنزل (تترك) الغداة، انهما قبل الغداة. (2) قال في الوسائل بعد نقل الرواية بمثل ما ذكر: و في رواية أخرى: حين تنور الغداة.

فإن كانت الرواية «حين تنور» تصير من حيث المفاد موافقة لرواية حسين بن أبي العلاء المتقدمة و مقتضى إطلاقها الامتداد الى بعد طلوع الحمرة أيضا، و اما إذا كانت «حين تترك» يكون مفادها انه مع عدم ارادة خصوص الفريضة و الإتيان به تأتى بالركعتين و مقتضى إطلاقها أيضا ما ذكر، و اما إذا كانت «حين تنزل» فان كان المراد بالغداة النازلة هي نفس الغداة التي بمعنى الصبح فنزول الغداة مرجعه الى تنورها و تجللها، و ان كان المراد بها هي فريضة الغداة كما ربما يؤيده قوله- (عليه السلام)- في ذيل الرواية الذي هو بمنزلة التعليل: انهما قبل الغداة لا يعلم المراد من نزول الفريضة و لعل المراد منه الإتيان بها و مرجعه- ح- إلى الإتيان بالنافلة حين إرادة الإتيان بالفريضة و مقتضى إطلاقها أيضا ما ذكرنا.

و قد انقدح من جميع ما ذكرنا انه لو كان مراد المشهور من الامتداد الى‌

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الثاني و الخمسون ح- 7

(2) الوسائل أبواب المواقيت الباب الواحد و الخمسون ح- 2

44

[المسألة الرابعة في وقت صلاة الليل]

____________

طلوع الحمرة هو صيرورتها قضاء بعده لا يمكن المساعدة عليه من جهة الروايات الواردة في الباب و اما لو كان مرادهم هي المزاحمة مع الفريضة الى ذلك الوقت فلا مانع من الأخذ به لصحيحة على بن يقطين الصريحة في ذلك بل لا مانع من دعوى امتداد الوقت الى مقدار ما بقي إلى الطلوع من أداء الفريضة كما افاده الماتن- دام ظله- لان الغرض هو ان لا يفوت وقت فضيلة الفريضة و هو يتوقف على بقاء المقدار المذكور فتدبر.

المسألة الرابعة في وقت صلاة الليل و الكلام فيه أيضا يقع في مقامين:

المقام الأول في وقتها من حيث المبدء و نقول قد استقرت الفتاوى على ان أول وقتها هو انتصاف الليل و حكى عن بعض ان مبدأ وقتها أول الليل و ما يمكن ان يستدل أو استدل به على مرام المشهور وجوه:

الأول: الإجماع على ان أول وقتها هو الانتصاف و انه لا يجوز تقديمها عليه الا فيما ورد النص على الجواز فيه.

و فيه: ان الإجماع في المسائل التي تشتمل على الأدلة اللفظية لا أصالة له أصلا لقوة احتمال ان تكون تلك الأدلة مستند المجمعين فلا اعتبار بالإجماع- ح- الثاني: مرسلة الصدوق قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: وقت صلاة الليل ما بين نصف الليل الى آخره. (1)

و قد أورد على الاستدلال بها بالإرسال و لكنه مندفع بان الإرسال ان كان بنحو الإسناد إلى الرواية بمثل «روى» فلا يصلح للاستدلال و ان كان بنحو الإسناد إلى المعصوم- (عليه السلام)- الذي لا يكاد يجتمع الا مع توثيق الوسائط و الاعتماد عليهم و الاطمئنان بهم فيجوز الاستناد إليه إذا كان مرسله مثل الصدوق الذي لا يقصر توثيقه عن توثيق أرباب الرجال لانه لا يعتبر في التوثيق التصريح به بل يكفى الاعتماد الكاشف عن الوثاقة عنده فتدبر.

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الثالث و الأربعون ح- 2

45

..........

____________

الثالث: الاخبار الواردة في ان النبي- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- و الوصي- (عليه السلام)- لم يكونا يصليان صلاة الليل قبل الانتصاف و هي كثيرة مثل ما رواه فضيل عن أحدهما- (عليهما السلام)- ان رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- كان يصلى بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة. (1) و رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- انه قال كان رسول اللّٰه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- إذا صلى العشاء أوى إلى فراشه و لم يصل شيئا حتى ينتصف الليل. (2)

و رواية زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال كان على- (عليه السلام)- لا يصلى من الليل شيئا إذا صلى العتمة حتى ينتصف الليل و لا يصلى من النهار شيئا حتى تزول الشمس. (3)

و أورد على الاستدلال بها بان هذه الروايات ليس فيها غير حكاية فعل المعصوم- (عليه السلام)- و لا دلالة لها على التوقيت لانه من المحتمل ان يكون التزامه بصلاة الليل بعد الانتصاف مستندا الى أفضليتها بعده لا الى عدم مشروعيتها و حرمتها قبله.

و يدفعه تمامية الإيراد إذا كان الحاكي غير الامام- (عليه السلام)- و اما إذا كان الحاكي هو الامام و كان غرضه من الحكاية بيان الاحكام كما هو شأنه لأنه في مثل هذه الموارد لا يكون الا بصدد بيان الحكم لا مجرد الحكاية و نقل الواقعة فيجوز الاستدلال بكلامه الصادر في هذا المقام و من الظاهر ظهور كلامه في عدم المشروعية قبل الانتصاف كما إذا كان بيان الحكم بصورة الأمر بإيقاع صلاة الليل بعده أو النهي عن الإتيان بها قبله و يؤيده ذيل رواية زرارة المشتملة على حكاية أبي جعفر عمل على- (عليهما السلام)- فإن تأخير النافلة إلى وقت الزوالى كان بنحو العزيمة لعدم جواز الإتيان بها قبله و الانصاف تمامية دلالة هذه الروايات على مرام المشهور.

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الثالث و الأربعون ح- 3

(2) الوسائل أبواب المواقيت الباب الثالث و الأربعون ح- 4

(3) الوسائل أبواب المواقيت الباب السادس و الثلاثون ح- 6

46

..........

____________

الرابع الروايات الكثيرة الدالة على جواز تقديم صلاة الليل على الانتصاف لمثل المسافر أو الشاب أو خائف الجنابة أو البرد أو نحوها من الأعذار التي جمعها في الوسائل في الباب الرابع و الأربعين من أبواب المواقيت و منها رواية الحلبي عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- قال: ان خشيت ان لا تقوم في آخر الليل أو كانت بك علة أو أصابك برد فصل و أوتر في أول الليل في السفر.

و منها رواية سماعة بن مهران انه سئل أبا الحسن الأول- (عليه السلام)- عن وقت صلاة الليل في السفر فقال: من حين تصلي العتمة الى ان ينفجر الصبح.

فإن صلاة الليل إذا لم تكن موقتة بما بعد الانتصاف و كانت جائزة قبله أيضا لما كان وجه لتخصيص الجواز بخصوص المعذورين المذكورين بل كان اللازم هو التجويز بالإضافة الى غير المعذور أيضا لمشروعيتها في وقتها مطلقا.

و أورد على الاستدلال بها انه من الجائز ان يكون الإتيان بصلاة الليل جائزا في نفسه و مرجوحا عند الاختيار قبل الانتصاف و لا تكون مرجوحة لدى العذر فعدم الترخيص مع الاختيار مستند الى المانع و هي الحزازة الموجودة فيه.

و جوابه واضح فإنه- مضافا الى ان هذا الاحتمال لا يعتنى به عند العقلاء في مقابل الظهور- نقول ان رواية سماعة تدل على مفروغية اختلاف وقت صلاة الليل في السفر معه في الحضر و لذا يكون السؤال فيها مقيدا بقيد السفر و عليه فكيف يجرى فيه احتمال عدم اختلاف الوقتين و ثبوت الاختلاف في الحزازة و عدمها كما لا يخفى.

الخامس: رواية محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل لا يستيقظ من آخر الليل حتى يمضى لذلك العشر و الخمس عشرة فيصلي أول الليل أحب إليك أم يقضي؟

قال: لا بل يقضى أحب إلي إني اكره أن يتخذ ذلك خلقا، و كان زرارة يقول كيف تقضى صلاة لم يدخل وقتها انما وقتها بعد نصف الليل. (1).

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الخامس و الأربعون ح- 7

47

..........

____________

و أورد عليه بان محل الاستشهاد في الرواية انما هو قول زرارة دون الامام- (عليه السلام)- و لم يعلم انه ينقله عنه و لعله قد اجتهد في ذلك و لا اعتداد باجتهاده.

و يدفعه- مضافا الى انه يحتمل قويا ان يكون الناقل لقول زرارة هو الامام- (عليه السلام)- لا محمد بن مسلم راوي الرواية و يؤيده سياقها فتدبر- ان نقل محمد بن مسلم عنه شاهد على عدم كون ذلك اجتهادا من زرارة لوضوح عدم حجية اجتهاده لغيره خصوصا إذا كان مثل محمد بن مسلم فنقله عنه دليل على كونه رواية لا فتوى.

السادس: موثقة زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: انما على أحدكم إذا انتصف الليل ان يقوم فيصلى صلاته جملة واحدة ثلاث عشر ركعة ثم ان شاء جلس فدعا و ان شاء نام و ان شاء ذهب حيث شاء. (1)

و قد استدل بها بعض الاعلام مدعيا لظهور دلالتها و خلوها عن الإيرادات المتقدمة مع انه يمكن الإيراد عليها بان تقييد الصلاة المأمور بها بانتصاف الليل يجوز ان يكون من جهة تقيد الفضيلة بها و الا فاصل الوقت لا يتوقف على الانتصاف كما لا يخفى.

السابع: الروايات الكثيرة الدالة على ان قضاء صلاة الليل بعد الفجر أفضل من تقديمها على نصف الليل و الإتيان بها قبله و قد جمعها في الوسائل في الباب الخامس و الأربعين من أبواب المواقيت و دلالتها على مذهب المشهور ظاهرة فإنه إذا لم تكن صلاة الليل موقتة بما بعد النصف و كان قبله أيضا وقتا لها لم يكن وجه لا فضلية القضاء عن الإتيان قبل الانتصاف فإنه لا وجه لا فضيلة القضاء عن الأداء و لو لم يكن وقت الفضيلة فإنها تنافي التوقيت و تشريع الوقت كما هو واضح.

و قد استدل على القول بجواز الإتيان بها اختيارا من أول الليل بوجوه أيضا:

الأول: المطلقات الواردة في صلاة الليل الدالة على استحبابها و انها ثمان‌

____________

(1) الوسائل أبواب التعقيب الباب الخامس و الثلاثون ح- 2

48

..........

____________

ركعات أو أحد عشرة أو ثلاث عشرة ركعة في الليل بتقريب ان كلمة «الليل» الواقعة فيها مطلقة تشمل جميع أجزاء الليل من اوله و وسطه و آخره.

و الجواب انها لا تكون بصدد بيان وقت صلاة الليل حتى يجوز التمسك بإطلاقها بل هي في مقام بيان تعدادها في رديف سائر النوافل اليومية أو مجموعها و الفريضة فراجع.

الثاني: رواية حسين بن على بن بلال قال: كتبت إليه في وقت صلاة الليل فكتب: عند زوال الليل و هو نصفه أفضل، فإن فات فأوله و آخره جائز. (1)

و الجواب ان الرواية ضعيفة السند بالحسين بن على بن بلال لعدم توثيقه بوجه و يمكن المناقشة في دلالتها أيضا بعد ظهور كون السؤال عن أصل الوقت لا وقت الفريضة و بعد تعليق الجواز على الفوت عند نصف الليل الظاهر في عدمه عند غيره و عليه فلا يبعد ان يكون المراد بالأفضل هو أصل الوقت و المراد من الأول و الأخر هو التقديم و التأخير الراجع الى القضاء.

الثالث: الاخبار الدالة على جواز تقديم صلاة الليل على نصفه عند العذر كخوف الجنابة و السفر و خوف عدم القيام و نحوها بتقريب ان التجويز مع تلك الاعذار يلائم مع عدم التوقيت بما بعد الانتصاف فإنها لا تنافي الإتيان بها في وقتها غاية الأمر الانتقال إلى الطهارة الترابية كما في الفريضة و سقوط شرط الاستقرار الذي هو شرط الكمال في النافلة لا الصحة و يظهر ذلك من المحقق الهمداني في المصباح.

و الجواب ظهور هذه الروايات في تعدد الوقت و اختلافه و لا منافاة فإنه حيث يكون صلاة الليل نافلة مخصوصة لها مزايا كثيرة أريد بذلك التوسعة بالإضافة إلى الوقت لخصوص المعذور غاية الأمر التوسع في العذر و تعميم موارده فلا يستفاد منها وحدة الوقت أصلا.

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الرابع و الأربعون ح- 13

49

..........

____________

الرابع: موثقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: لا بأس بصلاة الليل فيما بين أوله الى آخره الا ان أفضل ذلك بعد انتصاف الليل. (1)

الخامس: صحيحة محمد بن عيسى قال: كتبت اليه اسئله يا سيدي روى عن جدك انه قال: لا بأس بان يصلى الرجل صلاة الليل في أوّل اللّيل فكتب:

في أي وقت صلى فهو جائز إن شاء اللّٰه. (2)

و هاتان الروايتان تامتان من حيث السند و الدلالة و الجمع بينهما و بين الروايات المتقدمة الدالة على ان أول وقتها هو انتصاف الليل بعد ثبوت الإطلاق لكلتيهما من جهة ثبوت العذر و عدمه هو حملهما على صورة العذر و حملها على حال الاختيار و الشاهد للجمع هو الاخبار الدالة على جواز التقديم على الانتصاف في موارد العذر الظاهرة في اختصاص المعذورين بوقت خاص و ثبوت تعدد الوقت و اختلافه فلا تعارض في البين كما لا يخفى.

المقام الثاني في منتهى وقت صلاة الليل و المعروف بل المتسالم عليه بينهم هو امتداد وقت صلاة الليل الى طلوع الفجر الصادق، و في مقابله احتمالان:

أحدهما الامتداد الى طلوع الشمس و منشأه استدامة الليل اليه و إطلاق صلاة الليل عليها، و الأخر الامتداد الى طلوع الفجر الكاذب و نسب ذلك الى السيد المرتضى- قده.

اما الاحتمال الثاني فيرده رواية إسماعيل بن جابر أو عبد اللّٰه بن سنان قال:

قلت لأبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)-: انى أقوم آخر الليل و أخاف الصبح، قال: اقرأ الحمد و اعجل و اعجل. (3).

و رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن الرجل‌

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب الرابع و الأربعون ح- 9

(2) الوسائل أبواب المواقيت الباب الرابع و الأربعون ح- 14.

(3) الوسائل أبواب المواقيت الباب السادس و الأربعون ح- 1-

50

..........

____________

يقوم من آخر الليل و هو يخشى ان يفجأه الصبح يبدأ بالوتر، أو يصلى الصلاة على وجهها حتى يكون الوتر آخر ذلك؟ قال: بل يبدأ بالوتر و قال: انا كنت فاعلا ذلك. (1).

و رواية معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد اللّٰه- (عليه السلام)- يقول اما يرضى أحدكم ان يقوم قبل الصبح و يوتر و يصلى ركعتي الفجر و يكتب له بصلاة الليل. (2) و لكن دلالة هذه الروايات الثلاثة على خلاف ما نسب الى السيد انما تتم على تقدير ان يكون مراده هو امتداد مجموع إحدى عشرة ركعة اليه فينقضي وقتها بطلوعه و ان لم يطلع الفجر الصادق بعد لصراحتها في جواز الوتر و عدم انقضاء وقته قبل الصبح نعم يمكن ان يكون مراده هو امتداد خصوص ثمان ركعات التي عبر عنها بصلاة الليل في روايات متعددة فيجوز الإتيان بالشفع و الوتر بعد الفجر الأول و على هذا التقدير يدفعه روايات الامتداد الى الفجر الثاني الظاهرة في امتدادها بتمامها اليه و يمكن ان يستفاد من رواية إسماعيل أو عبد اللّٰه المتقدمة خلافه نظرا إلى إطلاق: اقرأ الحمد الشامل لجميع الركعات و عدم الاختصاص بالوتر فتدبر.

و اما الاحتمال الأول فيدفعه صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا الحسن الأول- (عليه السلام)- عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر الى طلوع الشمس فقال: نعم، و بعد العصر الى الليل فهو من سرّ آل محمد المخزون. (3) و مرسلة الصدوق قال: قال الصادق- (عليه السلام)-: قضاء صلاة الليل بعد الغداة و بعد العصر من سرّ آل محمد المخزون. (4) و غيرهما من الروايات الدالة على تحقق عنوان القضاء بطلوع الفجر.

____________

(1) الوسائل أبواب المواقيت الباب السادس و الأربعون ح- 2

(2) الوسائل أبواب المواقيت الباب السادس و الأربعون ح- 3

(3) الوسائل أبواب المواقيت الباب السادس و الخمسون ح- 1

(4) الوسائل أبواب المواقيت الباب السادس و الخمسون ح- 3

51

..........

____________

بقي الكلام في هذه المسألة في أمرين:

الأول: ذكروا ان الإتيان بصلاة الليل في السحر أفضل و أفضل منه آخر الليل الذي هو القريب من الفجر و يستفاد من قوله تعالى وَ بِالْأَسْحٰارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (1) ثبوت مزية لهذه القطعة المسماة بالسحر و قد اختلف في تفسيره فالمشهور بين الناس تفسيره بالثلث الباقي من الليل و ربما يفسر باضيق من ذلك و قد فسر في اللغة بقبل الفجر أو قبيله أو سدس الليل و نحوها و لا بدّ من ملاحظة الروايات الواردة ليظهر أصل الحكم و لعله يظهر المراد من السحر أيضا فنقول: الروايات الواردة في هذا الباب مختلفة من حيث العنوان المأخوذ فيها فبعضها يشتمل على عنوان السحر كرواية أبي بصير الواردة فيما يستحب ان لا يقصر عنه من التطوع المشتملة على قول أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)-: و من (في) السحر ثمان ركعات، ثم يوتر و الوتر ثلاث ركعات مفصولة، ثم ركعتان قبل صلاة الفجر، و أحبّ صلاة الليل إليهم آخر الليل. (2)

و يستفاد من هذه الرواية بعد حمل السحر على وقت الفضيلة لا أصل الوقت بقرينة الروايات المتقدمة الدالة على ان أول وقتها بعد انتصاف الليل و وضوح عدم كون السحر تمام النصف الباقي من الليل مغايرة عنوان السحر لعنوان آخر الليل و انه أفضل من السحر كما لا يخفى.

و رواية فضل بن شاذان عن الرضا- (عليه السلام)- في كتابه إلى المأمون المشتملة على قوله- (عليه السلام)-: و ثمان ركعات في السحر .. (3)

و رواية الأعمش عن جعفر بن محمد- (عليهما السلام)- المشتملة على قوله- (عليه السلام)-:

و ثمان ركعات في السحر و هي صلاة الليل .. (4)

____________

(1) سورة الذاريات آية 18.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الرابع عشر ح- 2.

(3) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 23.

(4) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 25.

52

..........

____________

و بعضها يشتمل على عنوان الثلث كرواية رجاء بن الضحاك الحاكية لفعل الرضا- (عليه السلام)- المشتملة على قوله: فإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح و التحميد و التهليل و التكبير و الاستغفار فاستاك ثم (و) توضأ ثم قام إلى صلاة الليل فيصلي ثماني ركعات و يسلم .. (1)

و رواية إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألت أبا الحسن الرضا- (عليه السلام)- عن ساعات الوتر، قال: أحبها الىّ الفجر الأول و سألته عن أفضل ساعات الليل قال:

الثلث الباقي. (2) فإن المراد من أفضل ساعات الليل إما الأفضلية بلحاظ خصوص صلاة الليل و اما الأفضلية بلحاظ جميع العبادات التي منها صلاة الليل قطعا بقرينة عدم ثبوت خصوصية مخرجة و مسبوقية السؤال من ساعة الوتر فتدبر.

و بعضها يدل على عنوان آخر الليل كرواية مرازم عن أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)- قال: قلت له: متى أصلي صلاة الليل قال: صلها في آخر الليل. (3) و رواية سليمان بن خالد المشتملة على قول أبي عبد اللّٰه- (عليه السلام)-: و ثمان ركعات من آخر الليل تقرأ في صلاة الليل بقل هو اللّٰه أحد و قل يا ايها الكافرون في الركعتين الأوليين .. (4)

و الجمع بين هذه الروايات انما هو بحمل ما ورد فيه عنوان السحر على ان المراد به هو الثلث الباقي بقرينة ما تدل عليه فيكون وقت الفضيلة هو الثلث و حمل ما دل على آخر الليل على انه أفضل أجزاء السحر بالإضافة إليها و الشاهد هي رواية أبي بصير الظاهرة في مغايرة عنوان السحر و آخر الليل بمعنى كون الثاني أضيق من الأول و يؤيده ان السؤال في رواية مرازم ليس عن وقت صلاة الليل مطلقا بل عن الوقت الذي يصلى الراوي في ذلك الوقت و الجواب أيضا قد ورد بنحو‌

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 24.

(2) الوسائل أبواب المواقيت الباب الرابع و الخمسون ح- 3

(3) الوسائل أبواب المواقيت الباب الرابع و الخمسون ح- 3

(4) الوسائل أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الباب الثالث عشر ح- 16.