تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة - أحكام التخلي

- الشيخ محمد الفاضل اللنكراني المزيد...
425 /
3

فصل في أحكام التخلّي


بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

مسألة 1: يجب في حال التخلّي كسائر الأحوال ستر العورة عن الناظر المحترم

رجلًا كان أو امرأة حتى المجنون و الطفل المميّزين، كما يحرم النظر إلى عورة الغير و لو كان المنظور مجنوناً أو طفلًا مميّزاً، نعم لا يجب سترها عن غير المميز كما يجوز النظر إلى عورة الطفل غير المميز، و كذا الحال في الزوجين و المالك و مملوكته ناظراً و منظوراً، و أمّا المالكة و مملوكها فلا يجوز لكلّ منهما النظر إلى عورة الآخر بل إلى سائر بدنه أيضاً على الأظهر، و العورة في المرأة هنا القبل و الدبر و في الرجل هما مع البيضتين، و ليس منها الفخذان و الاليتان بل و لا العانة و العجان، نعم في الشعر النابت أطراف العورة الأحوط

4

الاجتناب ناظراً و منظوراً، و يستحب ستر السرّة و الركبة و ما بينهما (1).

..........

____________

(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: المقام الأوّل: في وجوب ستر عورة النفس و حرمة النظر إلى عورة الغير و ثبوت الحكمين في حال التخلّي كسائر الأحوال ممّا لا خلاف فيه و لا إشكال، بل ربّما يعدّ من المسائل الضروريّة، و يدلّ عليه- مضافاً إلى ذلك- من الكتاب قوله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ» (1) الآية بتقريب أنّ المراد من غضّ البصر ليس هو غضّه عن كلّ شي‌ء، كما أنّه ليس المراد غضّ البصر عن المحرّمات بمعنى غمض العين و الاجتناب عنها، بل المراد منه غضّ البصر عن فروج الغير كما يدلّ عليه ذكر الفروج بعده، و عليه فيكون المراد من قوله تعالى: «وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ» هو حفظ الفرج من أن ينظر إليه بملاحظة السياق، فالآية الشريفة بظاهرها تدلّ على كلا الحكمين من دون حاجة- في مقام الاستدلال بها- إلىٰ ما ورد في تفسيرها و هو ما رواه الصدوق من أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ، فقال: كلّ ما كان في كتاب اللّٰه- عزّ و جلّ- من حفظ الفرج فهو من الزنا إلّا في هذا الموضع فانّه للحفظ من أن ينظر إليه (2). و ما عن تفسير العمّاني عن علي (عليه السلام) في قوله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ»، معناه لا ينظر أحدكم إلى فرج أخيه المؤمن أو يمكّنه من النظر إلى فرجه، ثمّ قال: قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ؛ أي ممّن يلحقهن النظر كما جاء في حفظ الفروج،

____________

(1) سورة النور: آية 30.

(2) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة، الباب الأول، ح- 3.

5

..........

____________

فالنظر سبب إيقاع الفعل من الزنا و غيره (1). و لا يخفى أنّه لو لم نقل بظهور الآية بنفسها في ذلك فإثبات الحكم بها و لو بمعونة ما ورد في تفسيرها مشكل؛ لكون الروايتين مرسلتين لا يجوز الاعتماد عليهما، و إن كان يمكن الاعتماد على الاولى لكونها غير مسندة إلى الرواية بل إلى الإمام (عليه السلام) فتدبّر.

و دعوى أنّ المراد من حفظ الفرج في الآية هو حفظه عن كلّ ما يترقّب منه من الاستلذاذات. و الاستلذاذ به قد يكون بلمسه و قد يكون بالنظر إليه و قد يكون بغير ذلك من الوجوه؛ لأنّ حفظ الفرج فيها غير مقيّد بجهة دون جهة، مدفوعة- مضافاً إلى أنّ وجوب ستر العورة لا يختصّ بما إذا كان النظر مشتملًا على لذّة و ريبة، بل هو ثابت مطلقاً، و الآية على هذا التقدير لا تفي بإثباته- بأنّ الآية على ما ذكر لا تثبت كلا الحكمين لأنّه لا دلالة لها على حرمة نظر الغير فتدبّر. و يدلّ على الحكمين المذكورين من السنّة الأخبار الكثيرة المستفيضة التي جمعها في «الوسائل» في الباب الأوّل من أبواب أحكام الخلوة و منها ما رواه حسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) في حديث المناهي قال: إذا اغتسل أحدكم في فضاء من الأرض فليحاذر على عورته، و قال: لا يدخل أحدكم الحمّام إلّا بمئزر، و نهى أن ينظر الرجل إلى عورة أخيه المسلم، و قال: من تأمّل عورة أخيه المسلم لعنه سبعون ألف ملك، و نهى المرأة أن تنظر إلى عورة المرأة، و قال:

من نظر إلى عورة أخيه المسلم أو عورة غير أهله متعمّداً أدخله اللّٰه مع المنافقين الذين كانوا يبحثون عن عورات الناس، و لم يخرج من الدنيا حتّى يفضحه اللّٰه إلّا أن يتوب (2)

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة، الباب الأول، ح- 4.

(2) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة، الباب الأول، ح- 2.

6

..........

____________

و قد ورد في جملة من الأخبار: «عورة المؤمن على المؤمن حرام» و لو نوقش فيها بأنّ المراد بالعورة هي الغيبة كما يؤيّده جملة من النصوص الواردة في تفسيرها، و أُغمض عن إمكان الجواب بأنّ تفسيرها بذلك لا يدلّ على كون المراد منها في جميع الموارد ذلك، كيف و قد جمع في بعض الروايات بين هذا التعبير و بين التطبيق على مسألة النظر، و لكن مثل رواية حسين لا تجري فيه هذه المناقشة بوجه للمسبوقية بالنهي عن دخول الحمّام إلّا بمئزر و الاشتمال على كلمة النظر الظاهرة في الرؤية، كما أنّ التعبير ب‍ «النهي» أوّلًا و الاخبار بلعن سبعين ألف ملك ثانياً ظاهر، بل صريح في كون المراد هو النهي التحريمي، و عليه فلا يبقى مجال لاحتمال مجرّد الكراهة الذي احتمله بعض متأخّر المتأخّرين لو لم يكن مخافة خلاف الإجماع كما نقله صاحب المصباح (قدس سره)، و الظاهر أنّ منشأ احتماله رواية ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): أ يتجرّد الرجل عن صبّ الماء ترىٰ عورته أو يصبّ عليه الماء أو يرى هو عورة الناس؟ قال: كان أبي يكره ذلك من كلّ أحد (1). و فيه: وضوح أنّ المراد بالكراهة ليست هي الكراهة المصطلحة المقابلة للحرمة لأنّه اصطلاح فقهي حادث، و الظاهر منها هي المبغوضية و الحرمة عند عدم وجود القرينة على الخلاف، و لو سلم ظهورها في الكراهة المصطلحة فأظهرية روايات الحرمة فيها قرينة على عدم كون المراد بها ما هو معناها الظاهرة فيه كما هو ظاهر. ثمّ إنّ ظاهر الأدلّة الدالّة على الحكمين الإطلاق بالإضافة إلى الجميع و الشمول لهم فلا فرق بين الرجل و المرأة و البالغ و غيره، نعم في غير المميّز من‌

____________

(1) الوسائل: أبواب آداب الحمام، الباب الثالث، ح- 3.

7

..........

____________

الطفل و المجنون الظاهر عدم الشمول لأنّه لا يفهم عرفاً من وجوب التستّر إلّا وجوبه عمّن له إدراك و شعور، و لذا لا يفهم وجوبه عن البهائم و الحيوانات، كما أنّ الظاهر عدم حرمة النظر إلى عورة غير المميّز- مجنوناً كان أو طفلًا- لما ذكر من أنّه لا يفهم عرفاً منها إلّا ذلك. و أمّا المميّز فيجب التستّر منه و يحرم النظر إلى عورته و إن لم يكن مكلّفاً لصغر أو جنون لإطلاق الأدلّة و عدم الملازمة بين كونه غير مكلّف و بين عدم الوجوب و الحرمة كما هو واضح. و أمّا الزوجان فيجوز لكلّ منهما النظر إلى عورة الآخر مطلقاً؛ لأنّه يدلّ عليه- مضافاً إلى أنّ النظر من اللوازم العادية للوطء الجائز شرعاً- و إلى ما دلّ على جواز الاستمتاع له منها بكلّ شي‌ء، و كذا العكس؛ إلّا ما استثنى. و من الواضح أنّ النظر إلى العورة من مصاديق الاستمتاع، و إلى جريان اسيرة القطعية المتّصلة من المتشرّعة بذلك ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: للزوج ما تحت الدرع و للابن و الأخ ما فوق الدرع و لغير ذي محرم أربعة أثواب درع و خمار و جلباب و إزار (1) و غير ذلك ممّا يدلّ عليه. و أمّا الاستدلال للجواز في الزوجين باستثناء الأزواج و ما ملكت أيمانهم في الآية الآمرة بالتحفّظ على الفرج فيرد عليه انّ الآية الدالّة على حفظ الفرج من النظر الذي هو المقصود في المقام لا يكون مشتملًا على هذا الاستثناء، و الآية المشتملة على الاستثناء لا يكون المقصود من حفظ الفرج فيها ما هو المنظور في المقام، بل المراد حفظه من الزنا و نحوه، و يؤيّده- مضافاً إلى كون الظاهر منها ذلك عرفاً- الروايتان المتقدّمتان في تفسير الآية التي استدللنا بها في المقام.

____________

(1) رواه الطبرسي في «مجمع البيان» في ذيل قوله وَ الْقَوٰاعِدُ مِنَ النِّسٰاءِ الآية.

8

..........

____________

و أمّا المالك فيجوز له النظر إلى عورة مملوكته لأولويّة النظر من الوطء الجائز شرعاً و كون الأوّل من اللوازم العادية للثاني، نعم لا بدّ من التقييد بما إذا لم تكن مزوّجة و لا في العدّة و إلّا فمقتضى الروايات الواردة فيه عدم جواز النظر إلى عورتها من دون فرق في ذلك بين ما إذا كانت مدخولًا بها لزوجها و عدمه. كما أنّه إذا كان الأمَة محلّلة للغير لا بدّ من الاقتصار في جواز النظر إلى عورتها على مورد يجوز له وطئها و هو ما إذا لم تكن حاملًا من المحلّل له أو موطوءته و لم تستبرأ؛ لأنّه مع عدم جواز الوطء و المفروض عدم دليل على جواز النظر غير جواز الوطء يكون مقتضى الأدلّة المتقدّمة ثبوت الحكمين بالإضافة إليها أيضاً.

و منه يعلم انّ كلّ مورد لا يجوز للمالك وطء المملوكة لا يجوز النظر إلى عورتها و هذه الموارد كثيرة و قد تعرّض لها صاحب الوسائل في الباب الثامن عشر من أبواب نكاح العبيد و الإماء، و عليه فالحكم بالجواز مطلقاً- كما في المتن- غير تامّ. و أمّا المالكة فلا يجوز لها النظر إلى عورة مملوكها و لا مملوكتها؛ لعدم الدليل على الجواز بعد اقتضاء الأدلّة المتقدّمة الحرمة، كما انّه لا يجوز لهما النظر إلى عورتها لذلك، بل لا يجوز فيما إذا كان مملوكاً النظر إلى سائر بدن المالكة و بالعكس؛ لعدم استفادة الجواز من شي‌ء من الأدلّة و عدم اقتضاء الملكية، لذلك فإنّ مقتضى الأدلّة جواز الوطء بالإضافة إلى المالك و المملوكة فقط في غير ما استثنى و لازم جواز الوطء جواز النظر أيضاً للأولوية و للملازمة العادية من ناحية الوطء كما لا يخفىٰ. ثمّ إنّه يستفاد من إطلاق المتن أنّه لا فرق في حرمة النظر إلى عورة الغير و وجوب الستر عنه بين المسلم و الكافر و مقتضى إطلاق الأدلّة المتقدّمة أيضاً ذلك، إلّا أنّه ربّما يستشكل في خصوص حرمة النظر إلى عورة الكافر، بل ربّما يقال‌

9

..........

____________

بالجواز كما هو المحكي عن الصدوق و تبعه الوسائل و الحدائق (قدس سرهم). وجه الاستشكال المناقشة في إطلاق الأدلّة المتقدّمة نظراً إلى أنّ الأخبار الواردة في ذلك مقيّدة بالمؤمن أو المسلم أو الأخ، و الآية أيضاً لا دلالة لها على المدّعي، امّا أوّلًا؛ فلأنّ الظاهر منها أنّها ناظرة إلى الجامعة الإسلامية و متكفّلة لبيان وظيفة بعضهم بالإضافة إلى بعض آخر فلا إطلاق لها حتّى تشمل غير المسلمين، و أمّا ثانياً فلأنّها على تقدير إطلاقها لا بدّ من تقييدها بالروايات المشتملة على الأخ أو المؤمن أو المسلم، و السرّ فيه انّ تقييد موضوع الحكم بوصف أو بغيره من القيود يدلّ على أنّ الحكم في القضية لم يترتّب على الطبيعة بإطلاقها و إنّما ترتّب على الحصّة المتّصفة بذلك الوصف أو القيد لأنّه لو لا ذلك لكان التقييد لغواً و هذا أمر متوسّط بين القول بالمفهوم و بين إنكاره؛ لعدم اقتضائه نفي الحكم عن غير مورد القيد رأساً و لا مدخليته في ثبوت الحكم كذلك، و عليه فالتقييد في المقام يدلّ على أنّ الحرمة لم تترتّب على النظر إلى عورة طبيعي البشر و إنّما هي خاصّة بحصّة معيَّنة و هذا يكفينا في الحكم بجواز النظر إلى عورة الكافر. و أمّا وجه الفتوى بالجواز فهو روايتان: إحداهما: مرسلة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار (1). ثانيتهما: مرسلة الصدوق التي رواها في الفقيه قال: و روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: إنّما أكره النظر إلى عورة المسلم، فامّا النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار (2). و ربّما يناقش في الاستدلال بهما من جهتين:

____________

(1) الوسائل: أبواب آداب الحمام، الباب السادس، ح- 1.

(2) الوسائل: أبواب آداب الحمام، الباب السادس، ح- 2.

10

..........

____________

احداهما: إنّهما ساقطتان عن الاعتبار لضعفهما من حيث السند بالإرسال. ثانيتهما: إعراض الأصحاب عنها لإطلاق كلماتهم في حرمة النظر إلى عورة الغير- من دون أن يقيّد بمثل المسلم. و أُجيب عن الاولى بأنّه و إن كان لا يتفاوت في المراسيل بين ابن أبي عمير و غيره من جهة عدم اعتبار شي‌ء منها إلّا أنّ روايته في المقام عن غير واحد معناه انّ الرواية وصلت إليه من جماعة من الرواة لعدم صحّة هذا التعبير فيما إذا رواها واحد أو اثنان، و تلك الجماعة نطمئن بوثاقة بعضهم على الأقلّ لأنّه من البعيد أن يكون كلّه من غير موثّقين. و عن الثانية- مضافاً إلى أنّ كبرى سقوط الرواية عن الحجّية بإعراض الأصحاب لا يمكن الالتزام بها- انّ إعراضهم عن الرواية لم يثبت بوجه لأنّه من المحتمل أن يستندوا في الحكم بحرمة النظر مطلقاً إلى ترجيح الأدلّة المعارضة و تقديمها على رواية الجواز كما ربّما يظهر من كلام شيخنا الأنصاري (قدس سره)، فتركهم العمل على طبقها من جهة مخالفة الرواية لإطلاق الآية و الروايات. و الجواب امّا عن الاستشكال امّا بالإضافة إلى الآية الكريمة فهو أنّه لا ريب في عدم اختصاص الحكم المذكور فيها بالمسلم و إن كان النبي (صلى الله عليه و آله) واسطة في تبليغ الحكم إليهم ضرورة أنّ التكاليف و الأحكام مشتركة بين المسلم و الكافر فهل يرتضي أحد بالقول بأنّه يجوز للكافر النظر إلى عورة الغير و لا يكون مكلّفاً بهذا الحكم أصلًا، فالتكليف الذي تتضمّنه الآية مشترك بين المسلم و الكافر و لا مجال لدعوى كونها ناظرة إلى الجامعة الإسلامية و متكفّلة لبيان تكليف بعضهم بالإضافة إلى بعض فقط.

11

..........

____________

و أمّا الروايات الواردة في هذا الباب فهي و إن كانت مشتملة على التقييد بالأخ أو المسلم أو المؤمن إلّا أنّ الظاهر انّ القيد المذكور فيها كالقيد المذكور في الآية الشريفة و لا دلالة لشي‌ء منها على تضيق دائرة التكليف، فكما أنّه يحرم للكافر النظر إلى عورة المسلم بمقتضى الأدلّة كذلك لا يجوز للمسلم النظر إلى عورة الكافر بمقتضى تلك الأدلّة و إلّا فاللّازم قصر الحكم على المسلم ناظراً و منظوراً و لا يرتضي به أحد. و أمّا عن الاستدلال: فرواية ابن أبي عمير و إن كانت معتبرة مع الإرسال أيضاً بخلاف مرسلة الصدوق- على تقدير كونها رواية اخرى مغايرة لرواية ابن أبي عمير- لأنّها منسوبة إلى الإمام (عليه السلام) بطريق الرواية و النقل و لا تكون حال الرواية معلومة فلا وجه لاعتبارها إلّا أنّ الظاهر إعراض الأصحاب عنها و احتمال كون إطلاق الفتاوى ناشئاً عن ترجيح الأخبار المعارضة من غرائب الامور فهل يحتمل في حقّهم ثبوت المعارضة عندهم بين المطلق و المقيّد المتنافيين خصوصاً مع ثبوت القيد في الأدلّة المطلقة أيضاً، فلو كانت مرسلة ابن أبي عمير معمولًا بها لديهم لم يكن محيص من تخصيص الحرمة بخصوص عورة المسلم و الحكم بالجواز بالإضافة إلى عورة الكافر فاحتمال ثبوت المعارضة و ترجيح أخبار الحرمة لا مجال له أصلًا فلا يبقى إلّا الإعراض و مهجورية الرواية و قد تقرّر في محلّه انّ الإعراض يكشف عن وجود الخلل في الرواية و فتوى الصدوق- فقط- بالخلاف المستفاد من مجرّد نقل الرواية لا يقدح في تحقّق الإعراض و ثبوته فالأحوط لو لم يكن أقوى لزوم الاجتناب عن النظر إلى عورة الكافر أيضاً. المقام الثاني: في المراد من العورة التي يجب سترها و يحرم النظر إليها‌

12

..........

____________

فنقول: لا إشكال في كون القبل و الدبر عورة في المرء و المرأة و هما مع البيضتين في المرء فقط لدلالة العرف عليه و كون المتفاهم لديه من الأدلّة الواردة في الباب من الآية و الرواية المعبّرة فيهما بالفرج أو العورة هو هذا المقدار دون الزائد عليه مع وجود روايات مشتملة على تفسير العورة: مثل مرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: العورة عورتان، القبل و الدبر، و الدبر مستور بالاليتين فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة (1). و يظهر منها انّ لفظ «القبل» شامل للبيضتين أيضاً. و رواية الميثمي عن محمد بن حكيم قال: لا أعلمه إلّا قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أو من رآها متجرّداً و على عورته ثوب فقال: إنّ الفخذ ليست من العورة (2).

و مرسلة الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام): الفخذ ليس من العورة (3). و إسناد الصدوق الحكم المذكور إلى الإمام (عليه السلام) من دون أن يروى عنه، يشعر بل يدلّ على اعتماده على الرواية و كونها معتبرة عنده، ففي الحقيقة يصير ذلك بمنزلة الشهادة على صدورها لكون رواتها موثقة بنظره فلا موقع للإشكال عليها بمثل الإرسال، لأنّ هذا النحو من الإرسال- في قبال ما إذا أسنده إلى الرواية كما في مرسلة الصدوق المتقدّمة آنفاً لا يضرّ بالاعتماد عليها كما لا يخفى. و يؤيّد ما ذكر ما رواه الصدوق باسناده عن عبيد اللّٰه المرافقي انّه دخل‌

____________

(1) الوسائل: أبواب آداب الحمام، الباب الرابع، ح- 2.

(2) الوسائل: أبواب آداب الحمام، الباب الرابع، ح- 1.

(3) الوسائل: أبواب آداب الحمام، الباب الرابع، ح- 4.

13

..........

____________

حمّاماً بالمدينة فأخبره صاحب الحمّام أنّ أبا جعفر (عليه السلام) كان يدخله فيبدأ فيطلي عانته و ما يليها ثمّ يلف إزاره على أطراف إحليله و يدعوني فأطلي سائر بدنه (1).

و قد يستدلّ على أنّ العورة ما بين السرّة و الركبة بما رواه بشير النبال قال:

سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحمّام فقال: تريد الحمّام؟ قلت: نعم، فأمر بإسخان الماء ثمّ دخل فاتّزر بإزار فغطّى ركبتيه و سرّته إلى أن قال: ثمّ قال: هكذا فافعل (2). و فيه- مضافاً إلى ضعف السند- ما لا يخفى من عدم الدلالة. و بما رواه الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه أنّه قال: إذا زوّج الرجل أمَته فلا ينظرن إلى عورتها، و العورة ما بين السرّة و الركبة (3). و فيه- مضافاً إلى ضعف السند- انّه لا دلالة لها على انّ العورة مطلقاً بهذا المعنى المذكور فيها بل ظاهرها انّ المراد بعورة الأمَة المزوّجة من الغير التي يحرم النظر إليها هو ما بين السرّة و الركبة غايتها أن يكون المراد بعورة النساء هو ما ذكر لا أن تكون العورة مطلقاً بهذا المعنى. و يؤيّد ما ذكر تطبيق العورة على جميع بدن المرأة في بعض الروايات، لكن من الواضح انّ العورة بالمعنى المقصود في المقام تغاير العورة بالمعاني المقصودة في غيره فلا ينبغي الاختلاط بين المقامات. ثمّ إنّه على تقدير دلالة الروايتين على كون المراد بالعورة مطلقاً هو ما بين السرّة و الركبة يكون مقتضى الجمع بينهما و بين الروايات المتقدّمة الدالّة كثير منها على نفي كون الفخذ من العورة هو حملهما على الاستحباب و الحكم باستحباب‌

____________

(1) الوسائل: أبواب آداب الحمام، الباب الثامن عشر، ح- 1.

(2) الوسائل: أبواب آداب الحمام، الباب الخامس، ح- 1.

(3) الوسائل: أبواب نكاح العبيد و الإماء الباب الرابع و الأربعون ح- 7.

14

..........

____________

ستر هذا المقدار، كما انّه يحمل عليه أيضاً حديث الأربعمائة، المروي في الخصال عن علي (عليه السلام) إذا تعرّى أحدكم (الرجل خ ل) نظر إليه الشيطان فطمع فيه فاستتروا، ليس للرجل أن يكشف ثيابه عن فخذيه و يجلس بين قوم (1). و عليه فيتّضح الوجه في استحباب ستر السرّة و الركبة و ما بينهما المذكور في المتن في آخر المسألة بعد البناء على التسامح في أدلّة السنن. بقي الكلام في الشعر النابت أطراف العورة التي احتاط فيه بالاجتناب في المتن ناظراً و منظوراً و لعل الوجه فيه احتمال كونه من العورة، و لكن يرد عليه انّ مجرّد الاحتمال مع عدم دلالة شي‌ء من الروايات الواردة في تفسير العورة على كونه منها لا يكفي في لزوم الاحتياط و ستر القضيب و البيضتين لا يلازم ستر الشعر النابت أطرافها كما لا يخفىٰ. ثمّ إنّه لا إشكال في وجوب التّستّر فيما لو علم وجود الناظر بالفعل، كما انّه لا إشكال أيضاً في الوجوب فيما لو علم بتجدّده على تقدير كشفها كما لو علم بوجود الناظر في الحمّام فدخله مكشوف العورة، و الظاهر أيضاً حرمة الدخول فيه إذا علم بأنّه يقع نظره إلى عورة الغير على تقدير الدخول فيه، و ذلك لأنّه يصدق عليه انّه فعل ذلك اختياراً و إن كان شي‌ء من النظر و عدم التستّر لا يكون في نفسه أمراً اختيارياً. و في مورد الشكّ في وجود الناظر أو في وقوع النظر على عورة الغير فقد قوى المحقّق الهمداني (قدس سره) الجواز بعد الاستشكال في الحكم من جهة انّ الأصل براءة الذمّة عن التكليف كغيره من الشبهات الموضوعية، و من جهة أنّه لو بنى على إعمال هذا الأصل لوقع المكلّف غالباً في مفسدة مخالفة الواقع. و قد أورد عليه بعض الأعلام بأنّ دقيق النظر يقتضي عدم جريان البراءة في المقام نظراً إلى أنّ الأمر في قوله تعالى: «و يحفظوا فروجهم» انّما تعلّق بالمحافظة و قد أخذ في مفهوم «المحافظة» احتمال ينافي صدقها بحيث لو لم يعتن بالاحتمال صدق ترك المحافظة لدى العرف، و إذا لم يستر عورته في موارد الشكّ في وجود الناظر صدق عدم التحفّظ على عورته. و فيه- مع أنّ مقتضى هذا الإيراد الفرق بين الحكمين بوجوب التستّر مع احتمال وجود الناظر و عدم حرمة النظر في مورد الشكّ لأنّ عنوان «المحافظة» إنّما يكون مأخوذاً في موضوع الحكم الأوّل دون الثاني- انّ كلمة «الحفظ» لا يراد بها إلّا التستّر و الإخفاء و يؤيّده استعمال هذه الكلمة في موارد اريد بها التحفّظ عن الزنا و نحوه كما عرفت في الرواية الواردة في تفسير الآية. و من المعلوم أنّه لا يمكن الالتزام بلزوم الاجتناب و رعاية الاحتياط في موارد إمكان الزنا و احتماله إذا كان مقتضى الأصل و شبهه عدم كونه كذلك كما لا يخفى، فالظاهر ما قوّاه المحقّق المذكور و إن كان الأحوط خلافه.

____________

(1) الوسائل: أبواب الملابس الباب العاشر، ح- 1.

15

مسألة 2- يكفي الستر بكل ما يستر

و لو بيده أو يد زوجته- مثلًا- (1).

____________

(1) لأنّ الواجب في باب ستر العورة بمقتضى الآية و الروايات المتقدّمة إنّما هو إخفائها عن الغير بثوب أو يد- أعمّ من يده و يد زوجته- مثلًا- أو غيرهما من الأشياء الحائلة بينها و بين النظر لأنّ الغرض إنّما هو حفظها عن الناظرين و هو يحصل بكل ما يوجب اختفائها عن نظر الغير و لو كان لأجل الظلمة أو البُعد المفرط أو شبههما و لا يكون بين تلك الأشياء الحائلة اختلاف من حيث المرتبة في السّتر في هذا المقام الذي يكون متعلّقاً للتكليف النفسي و إن كان بينها فرق- احتمالًا في الستر الصلاتي الذي هو من شرائط الصلاة و اللّازم تحصيله و لو فيما لا يكون هناك ناظر أصلًا كما إذا كان الرجل في البيت وحده و صلّى فيه حيث إنّه ذهب المشهور إلى جواز التستّر بكل شي‌ء يتحقّق به السّتر حتّى الطلي بالطين و نحوه اختياراً من غير فرق بين الثوب و الحشيش و الورق و الطين و غيره، و التزم بعض بالترتيب بين الثوب و غيره فلم يجوز السّتر بما عدا الثوب لدى التمكّن منه و عند تعذّره أجاز الستر بكلّ شي‌ء حتّى الطين، و عن بعضهم انّه جعل الطين متأخّراً عن غيره في الرتبة مع التزامه بتقدّم الثوب على ما عداه من الحشيش و نحوه، و صاحب الجواهر (قدس سره) لم ير الطلي بالطين من مصاديق الستر المعتبر في الصلاة أصلًا، إلّا أنّ ذلك كلّه إنّما يكون مرتبطاً بالستر الصلاتي، و أمّا السّتر في المقام فلا خفاء و لا خلاف في تحقّقه بكلّ ما يتحقّق الستر به من دون مزية لبعض المصاديق على الآخر من هذه الجهة. ثمّ إنّ ظاهر الأدلّة إنّما هو أنّ المحرم وجوب ستر العورة و حرمة النظر إليها، و من المعلوم انّ المراد منها هو نفسها و عينها، و عليه فلا يلزم ستر الحجم و لا مانع من النظر إليه لعدم صدق النظر إلى العورة حينئذٍ نعم لو كان الحاجب رقيقاً في الغاية بحيث لا يصدق عليه السّتر بنظر العرف أصلًا يكفي ذلك في السّتر الواجب.

16

مسألة 3- لا يجوز النظر إلى عورة الغير من وراء الزجاج،

بل و لا في المرآة و الماء الصافي (1).

____________

(1) امّا عدم جواز النظر إلى عورة الغير من وراء الزجاج فلأنّ الزجاج لا يكون مانعاً عن رؤية الشي‌ء أصلًا بحجمه و لونه، و بعبارة اخرىٰ بتمام خصوصيّاته التي تظهر بالنظر و الرؤية، و إنّما يكون مانعاً عن اللمس، فإذا كان الحكم مترتّباً على الرؤية و النظر كما في المقام فالزجاج لا يقدح في ترتّبه و الأدلّة غير قاصرة عن إفادة ثبوته، نعم لو كان الحكم مترتّباً على اللمس و نحوه فمجرّد لمس الزجاج لا يوجب ثبوته و تحقّقه لعدم كون لمس الزجاج لمساً لما ورائه و هذا واضح جدّاً، و أمّا عدم الجواز في المرآة و الماء الصافي مع أنّ ما في المرآة و الماء الصافي ليس هو نفسها بل صورتها و لأجله يتحقّق الفرق بينه و بين ما وراء الزجاج فإنّه هو بعينه بخلاف ما في المرآة مثلًا فإنّه صورته فللصدق العرفي و إن كان هناك فرق بنظر العرف من حيث المرتبة بين النظر إلى العين و النظر إلى الصورة في المرآة إلّا انّه لا يكون خارجاً عن النظر إلى العين أيضاً، بل يعدّ مرتبة من النظر إليها و هذا بخلاف النظر إلى الصورة المنقوشة منها في الجدار أو القرطاس فإنّ الظاهر انّه لا يكون عند العرف من النظر إلى العورة، فالفارق هو العرف و الحاكم بالاشتراك أيضاً هو العرف و لا يبتني ذلك على مسألة انّ الرؤية هل تكون بخروج الشعاع أو بالانطباع فإنّ الاختلاف على تقديره لا بدّ و أن يكون ملحوظاً بالإضافة إلى المرئي لا بلحاظ الرؤية فتدبّر. نعم يمكن المناقشة من جهة أنّ النظر إلى ما في المرآة و الماء الصافي لا يكون من مصاديق النظر إلى العورة بوجه و لا يعدّ عند العرف منها، و لكن هي مندفعة بالمراجعة إليهم.

17

مسألة 4- لو اضطرّ إلى النظر إلى عورة الغير كما في مقام العلاج- فالأحوط أن ينظر إليها في المرآة

المقابلة لها إن اندفع الاضطرار بذلك، و إلّا فلا بأس (1).

____________

(1) إن قلنا بجواز النظر إلى ما في المرآة و شبهه اختياراً فلا شكّ في تعيّنه في حال الاضطرار إلى النظر إلى العورة مع اندفاع الاضطرار بذلك، كما إذا أمكنت المعالجة معه، و ذلك لعدم تحقّق الاضطرار إلى المحرّم، المسوغ له على ما هو المفروض. و أمّا إن لم نقل بذلك بل قلنا بالحرمة اختياراً كما هو المختار، فمع اندفاع الاضطرار بالنظر إلى ما في المرآة يكون الوجه في تعيّنه و لو احتياطاً ما عرفت من حكم العرف بضعف مرتبة النظر إلى ما في المرآة بالإضافة إلى النظر إلى العين و إن كان كلّ منهما من مصاديقه لكن اختلافهما في المرتبة لا يكاد ينكر، و عليه فالأمر يدور بين التساوي بينهما من حيث الحكم و بين كون الحكم في العين آكد و أقوى لأقوائية مرتبته إذ لا مجال لاحتمال إقوائية النظر إلى ما في المرأة أصلًا، و مع ثبوت الاحتمالين لا يتحقّق الاضطرار إلى ارتكاب ما هو آكد و أقوى احتمالًا فلا وجه لتسويغه ارتكابه، و أمّا النظر إلى ما في المرآة فهو جائز بمقتضى الاضطرار على كلا التقديرين سواء كان هناك التساوي من حيث الحكم أم لم يكن، فجوازه مسلّم و جواز الآخر مشكوك، و مقتضى الاحتياط اللّازم في مثل المقام عدم التعدّي في حال الاضطرار عن المرتبة الضعيفة إلى المرتبة الشديدة فتدبّر. مضافاً إلى بعض الروايات الواردة في أخبار الخُنثى المروية في أبواب ميراث الخُنثى الدالّة على تعيّن الكشف في المرأة لينظر العدول أو العدلان أنّها هل تبول من فرج الذكر أو الانثى لكنّها ضعيفة من حيث السَّند و لأجله لا تصلح للدلالة بل للتأييد فقط.

18

مسألة 5- يحرم في حال التخلّي استدبار القبلة و استقبالها بمقاديم بدنه

و هي الصدر و البطن و إن أمال العورة عنها، و الميزان هو الاستدبار و الاستقبال العرفيان، و الظاهر عدم دخل الركبتين فيهما، و الأحوط ترك الاستقبال بعورته فقط و إن لم تكن مقاديم بدنه إليها، و الأحوط حرمتهما حال الاستبراء بل الأقوى لو خرج معه القطرات، و لا ينبغي ترك الاحتياط في حال الاستنجاء

19

و إن كان الأقوى عدم حرمتهما فيه، و لو اضطرّ إلى أحدهما تخيّر و الأحوط اختيار الاستدبار، و لو داره أمره بين أحدهما و ترك الستر عن الناظر اختار الستر، و لو اشتبهت القبلة بين الجهات و لم يمكن له الفحص و يتعسّر عليه التأخير إلى أن تتّضح القبلة يتخيّر بينها، و لا يبعد لزوم العمل بالظنّ لو حصل له (1).

..........

____________

(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامات: المقام الأوّل: في أنّه يحرم في حال التخلّي الاستدبار و الاستقبال في الجملة كما هو المشهور بين أصحابنا الإمامية بل المتسالم عليه عندهم، و لم ينقل الخلاف فيه إلّا عن جماعة من متأخّري المتأخّرين كصاحب المدارك (قدس سره) حيث ذهب إلى كراهتهما، و لا فرق عند المشهور بين الصحاري و الأبنية، و حكى عن ظاهر السلّار، التفصيل بينهما بالحرمة في الاولى و الكراهة في الثانية، و عن المفيد (قدس سره) إباحتها أي الثانية- مثل ما يقوله الشافعي، و عن ابن الجنيد استحباب ترك الاستقبال في الصحراء، و لم يتعرّض لحكم الاستدبار فيها و لا لحكم البنيان أصلًا، و عن بعض العامّة التفصيل بين الاستقبال و الاستدبار، و عن بعضهم الجواز فيهما أي في الصحاري و الأبنية جميعاً. و كيف كان العمدة في إثبات أصل الحكم في المقام هي الشهرة العظيمة المحقّقة بل التسالم بينهم على ما عرفت لأنّ الأخبار الواردة في الباب غير قابلة للاستناد إليها لضعف سندها و لاشتمالها على ما لا يلتزم به أحد مثل حرمة استقبال الريح و استدبارها و إن كان يمكن توجيه الاشتمال بأنّه بمجرّده لا يصلح للتصرّف فيما ظاهره الحرمة فإنّ قيام القرينة على إرادة الكراهة من النهي في حكم لا يوجب‌

20

..........

____________

خروج النهي الآخر المقرون الظاهر في الحرمة عن ظهوره ضرورة ثبوت ظهورين كلّ واحد منهما يتّصف بالحجّية و الاقتران و وحدة السياق لا يوجب عدم الحجّية و لكن المناقشة في الأخبار من جهة السند غير قابلة الاندفاع. و يقع الكلام بعد ذلك في أنّ الشهرة هل تكون مستندة إلى تلك الأخبار بمعنى أنّ الأصحاب اعتمدوا عليها في مقام الافتاء بهذا الحكم فتكون الشهرة جابرة لضعفها فتصير هذه الروايات كالأخبار الصحيحة فيجب النظر في مدلولها و الحكم على طبق مضمونها و لو لم يقل به المشهور، أو انّ المدار على الشهرة، فكلّ مورد تحقّقت فيه الشهرة تجب متابعة المشهور دون ما لم تتحقّق فيه؟ و الثمرة بينهما تظهر فيما بعد، و الظاهر هو الأوّل و عليه فاللّازم ذكر الروايات الواردة في الباب فنقول: منها: مرفوعة علي بن إبراهيم التي رواها الكليني عنه قال: خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أبو الحسن موسى (عليه السلام) قائم و هو غلام فقال له أبو حنيفة: أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال: اجتنب أفنية المساجد، و شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و منازل النزال، و لا تستقبل القبلة بغائط و لا بول، و ارفع ثوبك، وضع حيث شئت (1). و منها: ما رواه أيضاً عن محمد بن يحيى باسناده رفعه قال: سُئل أبو الحسن (عليه السلام): ما حدّ الغائط؟ قال: لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها (2). و منها: رواية حسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) انّ النبي (صلى الله عليه و آله) قال في حديث المناهي: إذا دخلتم الغائط فتجنّبوا القبلة (3).

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثاني، ح- 1.

(2) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثاني، ح- 2.

(3) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثاني، ح- 3.

21

..........

____________

و منها: مرسلة الصدوق قال: و نهى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) عن استقبال القبلة ببول أو غائط (1). و منها: رواية عيسى بن عبد اللّه الهاشمي، عن أبيه عن جدّه عن علي (عليهم السلام) قال:

قال النبي (صلى الله عليه و آله): إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لكن شرّقوا أو غرّبوا (2). و منها: مرفوعة عبد الحميد بن أبي العلاء و غيره قال: سُئل الحسن بن علي (عليهما السلام): ما حدّ الغائط؟ قال: لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها (3). و كيف كان فلا إشكال في هذا المقام في ثبوت الحكم بنحو الإجمال، و إنّ الحرمة في مقابل الكراهة محقّقة سواء كان مدركها الشهرة و التسالم أو الأخبار المعتضدة المنجبرة بها كما لا يخفى. ثمّ إنّ ظاهر هذه الروايات إطلاق الحكم و شموله للصحاري و الأبنية و ربّما يستدلّ على التفصيل بينهما بحسنة ابن بزيع قال: دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) و في منزله كنيف مستقبل القبلة و سمعته يقول: من بال حذاء القبلة ثمّ ذكر فانحرف عنها إجلالًا للقبلة و تعظيماً لها لم يقم من مقعده ذلك حتّى يغفر له (4). و فيه: انّه لا دلالة لها على جواز الاستقبال في الأبنية لأنّ مجرّد كون الكنيف مستقبل القبلة لا يدلّ على جواز الاستقبال في حال البول و الغائط إلّا أن يكون بنائه بأمر الإمام (عليه السلام) و لم يعلم ذلك من الرواية، بل الظاهر عدمه؛ لأنّ كراهته‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثاني، ح- 4.

(2) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثاني، ح- 5.

(3) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثاني، ح- 6.

(4) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثاني، ح- 7.

22

..........

____________

ممّا لا إشكال فيه، و مجرّد ذكر الثواب على الفعل دون العقاب على الترك لا يدلّ على عدم وجوب الانحراف و استحبابه لما نرى من ذكر الثواب في الأخبار الكثيرة على فعل بعض الواجبات. المقام الثاني: في أنّ المحرّم هل هو الاستقبال و الاستدبار بالبدن أي بمقاديمه- في حال البول أو الغائط أو الاستقبال و الاستدبار بنفس البول أو الغائط؟

و تظهر الثمرة فيما لو استقبل القبلة مثلًا بمقاديم بدنه و أمال بوله عنها إلى المشرق أو المغرب فيحرم على الأوّل دون الثاني، و كذا فيما لو استقبل المشرق أو المغرب بالمقاديم و حرّف بوله نحو القبلة فيحرم على الثاني دون الأوّل. و لسان الأخبار من هذه الجهة مختلف فظاهر مرفوعة علي بن إبراهيم الثاني كذيل رواية حسين بن زيد و ظاهر صدرها الأوّل كسائر الروايات. و دعوى انّ المحرّم إنّما هو الاستقبال بمقاديم البدن و التعبير بالاستقبال بالغائط أو البول إنّما هو للملازمة العادية بينهما لأنّ الغالب عدم انفكاك الثاني عن الأوّل. مدفوعة باحتمال العكس و كون المحرّم هو الاستقبال بالبول أو الغائط و التعبير بالاستقبال بمقاديم البدن إنّما هو لعدم انفكاكه عادةً عن الأوّل. كما انّ دعوى ثبوت الحكمين و تحقّق التحريمين لأنّ النسبة بين الأدلّة عموم من وجه و لا منافاة بينها حتّى ترجّح إحداهما في مورد الاجتماع على الاخرىٰ، و يؤيّدها الجمع بينهما في رواية حسين بن زيد المتقدّمة فإنّه لو كان هناك حكم واحد لكان المناسب بيانه فقط مع انّه (عليه السلام) ذيّل كلامه بنهي رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) عن استقبال القبلة ببول أو غائط و ليس ذلك إلّا لكون المقصود ببيان الحكمين. مدفوعة بأنّ الظاهر بل المقطوع عدم ثبوت الحكمين و عدم تحقّق التحريمين و نهي الرسول (صلى الله عليه و آله) قد عرفت أنّه لا يكون ذيلًا لرواية حسين بن زيد بل رواية‌

23

..........

____________

مستقلّة رواها الصدوق في محكي الفقيه مرسلة و لا تكون جزءاً للرواية السابقة و لا رواية مستقلّة من راوي تلك الرواية، نعم يمكن الإيراد بها على ما ذكرنا من وجوه المناقشة في جميع الروايات الواردة في الباب من حيث السند بناء على ما مرّ مراراً من اعتبار هذا النوع من المرسلات فتدبّر. و حينئذٍ فمع كلا الاحتمالين لا دليل على حرمة الاستقبال بالمقاديم فقط و لا على حرمة الاستقبال بالبول أو الغائط فقط، فإنّ القدر المتيقّن هي حرمة الاستقبال بهما دون أحدهما لأنّ ثبوتها فيه مشكوك يجري فيه أصالة الاباحة. و ممّا ذكرنا يظهر النظر فيما أفاده بعض الأعلام من انّه لو كان المدرك في أصل الحكم هي الروايات و لو بناء على انجبار ضعفها بعملهم كان المتعيّن هو الحكم بحرمة كلّ من الأمرين لاشتمال جملة من الأخبار على الأوّل و دلالة جملة اخرى على الثاني، و حيث لا تنافي بين الحكمين فلا مانع من الالتزام بحرمة كلا الأمرين، غاية الأمر تعارف الاجتماع في البين، نعم لو قلنا بأنّ المدرك هو التسالم و الإجماع فلا مناص من القول بحرمة المجمع لأنّه المتيقّن منه. وجه النظر ما عرفت من وضوح عدم ثبوت الحكمين في المقام بحيث لو كان مستقبل القبلة بالمقاديم و بالبول كان هناك مخالفتان و استحقاق لعقوبتين، مع انّه لو قيل بثبوت الحكمين فهو إنّما يكون بالنسبة إلى الاستقبال فقط لأنّ اختلاف لسان الأخبار إنّما هو بالإضافة إليه، و أمّا الاستدبار فليس في الأدلّة ما يدلّ على تحريمه ببول أو غائط بل ظاهرها تحريمه بمقاديم البدن فتعميم الحكم بالنسبة إليه أيضاً في غير محلّه، نعم روى الشيخ (قدس سره) في الخلاف بطريق عامي عن النبي (صلى الله عليه و آله) ما يدلّ على تحريم الاستقبال أو الاستدبار ببول أو غائط و لكنّها رواية عامّية لا يجوز الاعتماد عليها أصلًا، مع انّ تفكيك الاستدبار أو الاستقبال بالغائط عنهما بالمتخلّي‌

24

..........

____________

ممّا لا يمكن عادة بخلاف البول. ثمّ إنّ عبارات الأصحاب كمدلول الروايات مختلفة فتظهر من بعضهم حرمة الاستقبال و الاستدبار الظاهرة في الاستقبال و الاستدبار بالمقاديم، و عن بعض آخر التصريح بذلك، و عن ثالث حرمة الاستقبال و الاستدبار بالبول أو الغائط، و بالجملة فالشهرة لا تكون قائمة على خصوص أحد الاحتمالين حتى يعتمد عليها في الحكم بالتحريم من دون الاحتياج إلى الأخبار الواردة في الباب. و الحقّ انّه بعد ما عرفت من كون الشهرة جابرة لضعف اسناد أخبار المقام و انّ اللّازم هو النظر في مدلولها و قد عرفت ظهور أكثرها في حرمة استقبال المتخلّي و استدباره و انّه لا يكون هناك إلّا حكم واحد و تحريم فارد، فالظاهر حينئذٍ هو الفتوى بذلك كما في المتن، نعم مقتضى الاحتياط ترك الاستقبال و الاستدبار بالبول و الغائط أيضاً. ثمّ إنّ الظاهر بمقتضى الفهم العرفي انّ المراد بالمقاديم التي يوجب اتّصاف الشخص بكونه مستقبلًا أو مستدبراً هي الصدر و البطن و انّ الركبتين لا مدخلية لهما في هذه الجهة، كما انّ الاستقبال بهما لا يكون معتبراً في حال الصلاة أيضاً؛ لأنّه تجوز الصلاة متربّعاً للقاعد أو مطلقاً في بعض الحالات كالتشهّد و نحوه مع انّ الركبتين لا تكونان حينئذٍ إلى القبلة و الفرق بين المقام و بين باب الصلاة إنّما هو في الوجه حيث إنّه يعتبر الاستقبال بالوجه في باب الصلاة أيضاً، و أمّا هنا فالوجه خارج عن الحكم و لا مدخليّة له فيه نفياً و إثباتاً و السرّ فيه انّ الاستقبال أو الاستدبار إنّما يكون متقوّماً بما ذكر من الصدر و البطن كما يظهر بمراجعة العرف و الوجه لا يكون له دخل فيه عندهم و اعتباره في باب الصلاة إنّما هو لقيام الدليل على اعتبار الاستقبال به‌

25

..........

____________

زائداً على الصدر و البطن و هو الأمر المستفاد من قوله تعالى: «وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»* (1) و النهي عن الالتفات يميناً أو شمالًا الوارد في بعض الروايات، و أمّا المقام فحيث لم يرد فيه دليل على مدخلية الوجه زائداً على الصدر و البطن أيضاً. ثمّ إنّه لا إشكال في الحرمة فيما لو استقبل القبلة أو استدبرها قائماً أو جالساً و أمّا النائم المضطجع أو المستلقي فالظاهر عدم إمكان تحقّق العنوانين في حقّهما لأنّه لا يعقل أن يكون الإنسان في آن واحد مستقبلًا لجهتين متخالفتين أو مستدبراً لهما فمع كونه مستقبلًا لما فوقه أو ما تحته أو مستدبراً لواحد منهما كيف يمكن أن يكون مستقبلًا للقبلة أو مستدبراً لها أيضاً، و الأخبار الواردة في المحتضر الدالّة على وجوب جعله نحو القبلة لا دلالة لها على كون الاستقبال في نظر الشارع أعمّ ممّا هو بنظر العرف و انّه يصدق على مثل المضطجع الذي يكون رجلاه إلى القبلة انّه مواجه لها حقيقة و على المستلقي الذي يكون كذلك انّه مستدبر لها كذلك فلا يتعدّىٰ عن موردها إلى مثل المقام و عليه فينتفي الحكم بالإضافة إلى غير القائم و الجالس. المقام الثالث: في أنّه هل الحكم بالحرمة يختصّ بحال البول أو التغوّط أو يشمل حال الاستبراء بل حال الاستنجاء أيضاً؟ أقول: امّا حال الاستبراء فربّما يقال فيه بالحرمة سيما إذا كان مستلزماً لخروج قطرة من البول أو أزيد نظراً في صورة الاستلزام إلى صدق الاستقبال بالبول أو حاله لأنّه لا مدخلية للكثرة في ترتّب الحكم أصلًا، و لذا ينتقض الوضوء بمجرّد خروج قطرة من البول و لو كان ذلك لأجل عدم الاستبراء، و في صورة عدم‌

____________

(1) سورة البقرة: 144.

26

..........

____________

الاستلزام إلى ما ربّما يستفاد من بعض الروايات المتقدّمة من النهي عنهما إذا دخل المخرج أو الأمر بالتجنّب عن القبلة إذا دخلتم الغائط، و من المعلوم انّ مجرّد الدخول و إن ان لا يوجب توجّه هذا الحكم إلّا أنّ الحكم باختصاصه بخصوص الحالين بحيث لا يشمل حال الاستبراء أيضاً يحتاج إلى دليل، و عليه فالأحوط لو لم يكن أقوى رعاية الحكم في هذه الحالة أيضاً. و ربّما اجيب عن صورة الاستلزام بأنّ الحكم في لسان الدليل قد يتعلّق لخروج البول من مخرجه و لا إشكال حينئذٍ في انّ خروج القطرة يكفي في ترتّب الحكم كما في مثال الوضوء المذكور و قد يتعلّق بالبول أو البول إلى القبلة و لا تأمّل- حينئذٍ- في عدم ترتّب الحكم على مجرّد خروج قطرة أو قطرتين لأنّه لا يصدق بذلك أنّه قد بال و مع عدم صدقه لا مانع من استقبال القبلة أو استدبارها. و الجواب عن صورة عدم الاستلزام انّ التعبير بدخول المخرج أو الغائط في الروايتين كناية عرفاً عن نفس الحالتين حالة البول أو التغوّط و لا يستفاد منه الزائد عليهما فلا مجال لتوسعة الحكم خصوصاً لو قلنا بأنّ المدرك هي نفس الشهرة و التسالم لا الأخبار المنجبرة بها كما لا يخفى. و أمّا الاستنجاء فقد يتشبّث لشمول الحكم له برواية عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يريد أن يستنجي كيف يقعد؟ قال: كما يقعد للغائط، قال: و إنّما عليه أن يغسل ما ظهر منه، و ليس عليه أن يغسل باطنه (1).

بتقريب انّه كما انّ القعود للغائط مستقبل القبلة أو مستدبرها حرام كذلك القعود للاستنجاء بمقتضى الرواية. و لكن يرد على الاستدلال بها انّ الظاهر انّ المراد من السؤال هو كيفية‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب السابع و الثلاثون، ح- 2.

27

..........

____________

القعود حال الاستنجاء و مسألة الاستقبال و الاستدبار سواء كان وصفاً للمتخلّي أو خصوصية للبول أو التغوّط لا ترتبط بكيفية القعود حاله أو القعود للغائط، و بعبارة اخرى ظاهر الرواية هو السؤال عن كيفية الجلوس من حيث هو لا بالإضافة إلى الامور الخارجة عن حقيقته، و يؤيّده ذيل الرواية الدالّ على أنّ المراد من الصدر هو الرد على العامّة حيث إنّهم يقعدون للاستنجاء نحواً آخر من زيادة التفريج و إدخال الأنملة، و يؤيّده أيضاً صحيحة إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (عليه السلام) قال: في الاستنجاء يغسل ما ظهر منه على الشرج و لا يدخل فيه الأنملة (1).

هذا و يمكن الاستدلال للشمول ببعض الروايات المتقدّمة بالتقريب المتقدّم في الاستبراء و لكن الجواب المذكور يجري هنا بنحو أوضح كما لا يخفى و مع ذلك فلا ينبغي ترك الاحتياط بالرعاية في هذه الحالة أيضاً.

المقام الرابع: فيما لو اضطرّ إلى واحد من الاستقبال و الاستدبار في حال التخلّي فهل لا يكون ترجيح في البين فيتخيّر بين الأمرين أو أن الترجيح مع الاستدبار فيراعى جانبه و يترك الاستقبال؟ ربّما يقال بالثاني نظراً إلى انّ المناط توهين القبلة و عدم رعاية حرمتها، و عليه فلا بدّ من الاستدبار لئلّا يلزم ذلك. و فيه انّه لم يعلم انّ المناط ذلك لو لم نقل بالعلم بالعدم؛ لأنّه لو كان كذلك لكان اللّازم عدم حرمة الاستدبار من رأس لأنّه أقلّ توهيناً من الجهتين غير المحرّمتين فالمناط غير معلوم. نعم يمكن أن يقال بعد دلالة الروايات على ثبوت كلا الحكمين و المفروض وجود التزاحم بين البين لعدم القدرة على امتثال التكليفين انّ مقتضى قاعدة باب التزاحم الجارية في جميع موارده الحاكمة بالتخيير مع عدم ثبوت الأهمّية لأحدهما أو احتمالها له ترجيح جانب الاستدبار لأنّ الاستقبال محتمل الأهمية و لو بلحاظ فتوى غير واحد بتعين الاستدبار في المقام، و عليه فالاحتياط الوجوبي‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب التاسع و العشرون، ح- 1.

28

..........

____________

يقتضي تعين الاستدبار كما أفاده الماتن دام ظلّه (1). المقام الخامس: فيما لو اشتبهت القبلة؛ فامّا أن تتردّد بين الجهتين المتخالفتين المتقابلتين فيجب له أن لا يستقبلهما و لا يستدبرهما بالاستقبال إلى واحدة من الجهتين الاخريين، و لو تردّدت بين الجهتين غير المتقابلتين فإن قلنا بأنّ الجهات لا تزيد على أربع فالحكم كما لو اشتبهت و تردّدت بين الجهات الأربع، و إن قلنا: إنّ الجهات ثمانية فالواجب عليه استقبال غير الجهتين المحتملتين لإمكانه على الفرض، و إن تردّدت بين الجهات الأربع فلا مناص من التخيير بينها مع عدم إمكان التأخير إلى أن تتّضح القبلة و إن تردّدت بين أزيد منها بناء على عدم اختصاص الجهات بالأربع فالذي يظهر من المصباح انّ الحكم كما في الشبهة غير المحصورة التي قام النصّ و الإجماع على عدم وجوب الاحتياط فيها و فرّع عليه عدم وجوب الفحص عن القبلة عند إرادة التخلّي في الفرض المذكور. و لكن لا يخفى انّ المقام لا يكون من مصاديق الشبهة غير المحصورة لعدم إضافة الجهات على الثمانية و حينئذٍ فيصير كالخمر المردّد بين ثمانية إناءات و لا سبيل لأحد إلى الالتزام بعدم وجوب الاحتياط فيها من باب كون الشبهة غير محصورة، و على هذا فاللّازم الفحص عن القبلة عند إرادة التخلّي لئلّا يستقبلها أو يستدبرها، و ما أفاده (قدس سره) من كون طريقة المتشرّعة على عدم الفحص عنها عند‌

____________

(1) و لو دار الأمر بين أحدهما و بين ترك الستر عن الناظر المحترم قال في المتن:

اختار الستر: و الوجه فيه القطع بأهمية الثاني في الشريعة على ما هو المرتكز في أذهان المتشرعة و الشاهد له الأخبار الواردة في المسألتين فإن الناظر فيها يقطع بأهمية الستر عن الناظر المحترم بالإضافة إلى ترك الاستقبال و الاستدبار بل يمكن أن يقال بأنه لو كان الدليل في المقام هي الشهرة و التسالم لا يكون هناك دليل على حرمة الأمرين مع الدوران بينهما و بين ترك الستر لأن القدر المتيقن أنما هو ثبوت الحرمة في غير مثل هذه الصورة فتدبر (صح).

29

..........

____________

إرادة التخلّي ممنوع جدّاً، نعم مع عدم إمكان الفحص لا مناص من التخيير. و هل يلزم عليه العمل بالظنّ غير المعتبر لو حصل له أم لا؟ نفى البعد عن اللزوم في المتن؛ لأنّه بعد ما كان مقتضى حكم العقل الاحتياط في الشبهات المحصورة و انّه لا يجوز الإقدام على شي‌ء من محتملاته إلّا إذا استلزم الجرح فيرفع اليد عن وجوب الاحتياط معه بمقدار يندفع به الضرورة و لا بدّ حينئذٍ من الاقتصار على المحتمل الذي كان احتمال كونه قبلة أبعد من سائر المحتملات لحكم العقل بترجيح جانب هذا الاحتمال على غيره، بل ربّما يقال بأنّ المستفاد من صحيحة زرارة قال:

قال أبو جعفر (عليه السلام): يجزي التحرّي أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة (1). حجّية الظنّ شرعاً في باب القبلة مطلقاً من دون إشعار بالاختصاص بباب الصلاة و التحقيق في محلّه.

____________

(1) الوسائل: أبواب القبلة الباب السادس، ح 1.

31

فصل في الاستنجاء


مسألة 1- يجب غسل مخرج البول بالماء مرّتين على الأحوط،

و إن كان الأقوى كفاية المرّة في الرجل مع الخروج عن مخرجه الطبيعي، و الأفضل ثلاث، و لا يجزي غير الماء، و يتخيّر في مخرج الغائط بين الغسل بالماء و المسح بشي‌ء قالع للنجاسة كالحجر و المدر و الخرق و نحوها، و الغسل أفضل، و الجمع بينهما أكمل، و لا يعتبر في الغسل التعدّد بل الحدّ النقاء، بل الظاهر في المسح أيضاً كذلك، و إن كان الأحوط الثلاث و إن حصل النقاء بالأقلّ، و إن لم يحصل بالثلاث فإلى النقاء، و يعتبر فيما يمسح به الطهارة فلا يجزي النجس و لا المتنجّس قبل تطهيره، و يعتبر أن لا يكون فيه رطوبة سارية فلا يجزي الطين

32

الخرقة المبلولة، نعم لا تضرّ النداوة التي لا تسري (1).

..........

____________

(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: المقام الأوّل: في تطهير مخرج البول؛ و الكلام فيه إنّما هو من جهتين: الجهة الاولىٰ: في أنّه هل يتعيّن فيه الغسل بالماء أم يجزي غيره و الظاهر هو الأوّل لأنّه يدلّ عليه مضافاً إلى ما عرفت و ستعرف من أنّ زوال التنجّس عن المتنجّس إنّما يتحقّق بالغسل بالماء بمقتضى الأخبار الكثيرة التي يستفاد منها ذلك- في خصوص المقام روايات بعضها صريح في تعين الغسل بالماء و معناه عدم كفاية غير الغسل من المسح و الدلك و عدم كفاية غير الماء من المائعات و لو كان ماءً مضافاً و هذه الروايات كثيرة أيضاً: منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا صلاة إلّا بطهور و يجزيك عن الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنّة من رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و أمّا البول فإنّه لا بدّ من غسله (1). و صراحتها في تعين الغسل و كذا ظهورها في كون المراد من الغسل هو الغسل بالماء ممّا لا مجال للمناقشة فيه. و منها: رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال: يجزي من الغائط المسح بالأحجار، و لا يجزي من البول إلّا الماء (2).

و منها: رواية يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الوضوء الذي افترضه اللّٰه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال: يغسل ذكره و يذهب الغائط ثمّ يتوضّأ مرّتين مرّتين (3). و منها: صحيحة عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بال‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب التاسع، ح- 1.

(2) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب التاسع، ح- 6.

(3) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب التاسع، ح- 5.

33

..........

____________

في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر و قد عرق ذكره و فخذاه؟ قال: قال: يغسل ذكره و فخذيه (1).

و منها: غير ذلك من الروايات الدالّة على تعين الغسل بالماء. و يظهر من جملة من الروايات عدم التعين: كرواية عبد اللّه بن بكير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يبول و لا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط؟ قال: كل شي‌ء يابس زكى (2).

و رواية سماعة قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّي أبول ثمّ أتمسّح بالأحجار فيجي‌ء منّي البلل ما يفسد سراويلي؟ قال: ليس به بأس (3).

و رواية حنان بن سدير قال: سمعت رجلًا سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال: إنّي ربّما بلت فلا أقدر على الماء، و يشتدّ ذلك عليّ؟ فقال: إذا بلت و تمسحت فامسح ذكرك بريقك فإن وجدت شيئاً فقل: هذا من ذاك (4).

و أنت خبير بأنّ الرواية الاولى مضافاً إلى المناقشة في سندها، و إلى أنّ نفس السؤال فيها يدلّ على أنّ اعتبار التطهير بالماء كان أمراً واضحاً مفروغاً عنه غاية الأمر حصول الشبهة في بعض الفروع لا دلالة لها على حصول التطهير و تحقّقه بغير الغسل بالماء أيضاً فإنّ الظاهر أنّ المراد بالزكي هو الطاهر من حيث عدم تأثيره في تنجّس ملاقيه لا مع الرطوبة لا الزكيّ بمعنى الطاهر في مقابل النجس و المتنجس، و القرينة على ذلك العموم المدلول عليه بلفظة «كلّ» الشامل للأعيان‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الواحد و الثلاثون، ح- 2.

(2) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الواحد و الثلاثون، ح- 5.

(3) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثالث عشر، ح- 4.

(4) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثالث عشر، ح- 7.

34

..........

____________

النجسة اليابسة كالعذرة اليابسة النجسة و غيرها، و عليه فالمراد انّ مسح الذكر بالحائط لا يوجب تنجّس الحائط لا انّه يحصل الطهارة له بالمسح بالحائط و إلّا يلزم أن يكون مجرّد اليبوسة كافية في عروض الطهارة للمتنجّس مطلقاً من غير حاجة إلى الغسل بالماء، بل و إلى المسح و الدلك أيضاً فتدبّر. و الرواية الثانية و إن كانت ظاهرة الدلالة إلّا انّه يرد على الاستناد إليها مضافاً إلى معارضتها في خصوص موردها بصحيحة العيص المتقدّمة لوضوح عدم الفرق بين الفخذ و السراويل من هذه الجهة أنّها ضعيفة من حيث السند جدّاً مع انّها موافقة للعامّة و المظنون صدورها على تقديره للتقية و نحوها. و الرواية الثالثة لا دلالة لها على الاجتزاء بغير الغسل بالماء أصلًا، بل الظاهر كونها كالروايات السابقة الدالّة على انحصار تطهير مخرج البول في الغسل بالماء و ذلك لأنّ المراد بمسح الذكر بالريق هو مسح المواضع الطاهرة منها و الأمر به إنّما هو لتلبيس الأمر عليه عند وجدان البلل فهي ظاهرة في نجاستها عند عدم المسح بالريق أو العلم بكونها منه، و ممّا ذكرنا يظهر انّ حمل الرواية على التقية كما فعله بعضهم بعيد بعد كون الرواية ظاهرة في انحصار المطهر بالغسل بالماء إذ لا وجه لهذا الحمل بعد هذا الظهور كما هو ظاهر. مضافاً إلى انّه مع قطع النظر عمّا ذكرنا نقول: إنّ غاية ما يستفاد منها و كذا من الرواية السابقة عدم كون الذكر المتنجّس بالبول منجساً للريق أو البلل الخارج منه و لا يوجب فساد السراويل و شبهه و أين هذا من الدلالة على حصول الطهارة للمخرج بالتمسّح كما لا يخفىٰ. فانقدح ممّا ذكرنا انّه لا محيص في هذه الجهة من القول بتعيّن الغسل بالماء.

35

..........

____________

الجهة الثانية: في أقلّ ما يجزي في غسل البول، قال المحقّق (قدس سره) في الشرائع:

«و أقلّ ما يجزي مثلًا ما على المخرج». أقول: هذا هو المشهور و العمدة في مستندهم رواية نشيط بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال: قال: سألته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال:

مثلا ما على الحشفة من البلل (1).

و نوقش في الاستدلال بها بضعف السند لاشتماله على مروك بن عبيد و هو مجهول. و لكن نقل في محكي الخلاصة عن الكشي أنّه حكى عن محمد بن مسعود انّه قال: سألت علي بن الحسن الفضّال عن مروك بن عبيد بن سالم بن أبي حفصة فقال: ثقة، شيخ، صدوق. و لكن في السّند أيضاً هيثم بن أبي مسروق النهدي و هو أولى بالمناقشة من مروك إذ لم يرد قول بوثاقته، نعم ذكر النجاشي في ترجمته انّه قريب الأمر، و مراده منه كما يستفاد من المواضع الاخر هو كونه قريباً إلى الإمامية من حيث المذهب بمعنى عدم التباعد بين مذهبه و مذهب الإمامية كثيراً، و هذا التعبير لو لم يدلّ على قدحه لا يدلّ على وثاقته بوجه، نعم حكى عن العلّامة (قدس سره) انّه صحّح في بعض الموارد السند المشتمل على الهيثم المذكور. و لكن الذي يسهّل الخطب في المقام انجبار السند على تقدير الضعف بفتوى المشهور قديماً و حديثاً على طبق مضمون الرواية، بل عبّروا في فتاويهم بعين متنها و ليس ذلك إلّا لكون الرواية معتبرة عندهم خصوصاً مع ملاحظة كون العبارة خارجة عن العبارات المتداولة المعروفة في المحاورات العرفية. و بالجملة المناقشة في الاستدلال بالرواية من جهة السند ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه.

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب السادس و العشرون، ح- 5.

36

..........

____________

و أمّا الدلالة فغير خفيّ انّ ظاهرها هو وجوب غسل المخرج بضعف ما عليه من القطرة أو أزيد، و توهّم انّ البلل بمعنى الرطوبة و هي من الأعراض، و الماء لا يكون مثلًا له لأنه من الجواهر فيجب رفع اليد عن ظاهر الرواية، مدفوع بوضوح كون المراد منه في المقام هي ما يشمل القطرة مثلًا الموجودة في المحلّ و قد ورد نظيره في الأخبار أيضاً حيث عبَّر فيها عمّا يخرج من الذكر بعد الاستبراء، بالبلل المشتبه فراجع. نعم ربّما يحتمل في الرواية أن يكون المراد بالمثلين الغسلتين و لكنّه من الضعف بمكان. و مثله في الضعف احتمال أن يكون المراد من السؤال أقلّ مقدار يحتاج إليه في الاستنجاء من البول فتكون الرواية متعرّضة لهذا المعنى لا لكيفية التّطهير فلا ينافي اعتبار تعدّد الغسل نظير ما ورد في الوضوء و الغسل من استحباب التوضّي بمدّ من الماء و الغسل بصاع منه. و لكن هذا الاحتمال مضافاً إلى كونه بعيداً عن ظاهر اللفظ مناف لاعتبار تعدّد الغسل إذ لا يمكن اجتماع التعدّد مع المثلين لأنّ الغسل الواحد لا يكاد يتحقّق بدون ذلك؛ لأنّه يعتبر في صدقه جري الماء و قاهريّته. و من الواضح انّه يلزم أن يكون الماء أكثر من المغسول في تحقّق الغسل، و من هنا ربّما يحتمل في رواية اخرى لنشيط بن صالح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: يجزي من البول أن تغسله بمثله (1). أن يكون قد وقع الاشتباه في الكتابة و كان الأصل «بمثليه» لأنّ الجمع بين الغسل و المثل ممّا لا يمكن كما عرفت و مع جريان هذا الاحتمال في هذه الرواية لا مجال لتوهّم صلاحيتها للمعارضة مع الرواية الاولى مضافاً إلى كونها مرسلة و إلى عدم خلوّ‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب السادس و العشرون، ح- 7.

37

..........

____________

متنها عن الاضطراب كما هو غير خفيّ و إلى انّه قد احتمل الشيخ (قدس سره) أن يكون قوله «بمثله» راجعاً إلى البول لا إلى ما بقي منه على الحشفة. و ممّا ذكرنا ظهر الخلل فيما أفاده بعض الأعلام من انّ أقصى ما هناك انّ الرواية بإطلاقها تقتضي كفاية الغسل مرّة و لا تكون صريحة في ذلك لأنّ مثلَي ما على الحشفة قد يصبا مرّة واحدة و قد يصبا مرّتين و لا تقييد في الرواية بأحدهما، و دعوى انّ القطرة الاولى بملاقاتها مع البلل الكائن على الحشفة يخرج عن كونها ماء مطلقاً ممّا لا يصغى إليه؛ لأنّ القطرة إذا وصلت إلى الحشفة سقطت عنها القطرة العالقة على المحلّ، كما انّ القطرة الثانية إذا وصلت إليها سقطت عنها القطرة الاولى لا محالة و معه لا تجتمع القطرتان في رأس الحشفة ليخرج الماء عن إطلاقه بالامتزاج. وجه الخلل ما عرفت من انّه يعتبر في صدق الغسل جري الماء و قاهريّته و هي لا تتحقّق إلّا بكثرته بالإضافة إلى المغسول، و عليه فكيف يمكن أن يكون المراد من الرواية تعدّد الغسل و حصول كلّ واحد من الغسلتين بالمثل، و عليه فدلالة الرواية على كفاية الغسل مرّة لا تكون بالإطلاق حتّى يمكن تقييده. و هنا روايات اخر تدلّ على الاجتزاء بالمرّة: منها: صحيحة يونس بن يعقوب المتقدّمة في الجهة الاولى الواردة في الوضوء الذي افترضه اللّٰه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال، بتقريب انّ ظاهرها بقرينة السؤال كونها مسوقة لبيان تمام ما هو الواجب عليه، فترك التعرّض دليل على عدم اعتبار التعدّد في الغسل خصوصاً مع تصريحه (عليه السلام) بالتكرار في الوضوء مع كونه مستحبّاً. و أنت خبير بأنّ الظاهر كون المراد بالوضوء هو الوضوء الشرعي المقابل للغسل و عليه فيكون ذكر غسل الذكر و إذهاب الغائط من باب المقدّمة، و عليه‌

38

..........

____________

فلا مجال للاستدلال بهما، و الدليل على ذلك انّه لو كان المراد به هو الوضوء اللغوي بمعنى الغسل بالفتح لكان قوله (عليه السلام): يتوضّأ مرّتين مرّتين غير مناسب مع السؤال. إن قلت: لو كان المراد بالوضوء هو المعنى المعروف عند المتشرّعة يلزم أيضاً ما ذكر من عدم المناسبة بين السؤال و الجواب، إذ مورد السؤال بناءً عليه إنّما هو كيفية الوضوء، و لا يستفاد ذلك من الجواب أصلًا، فلا بدّ من أن يكون المراد به هو معناه اللغوي، و عليه فيكون قوله (عليه السلام): و يتوضّأ مرّتين مرّتين غير مرتبط بالسؤال و لا بأس به لأنّه مذكور تبعاً. قلت: ظاهر الجواب انّ السؤال إنّما هو من الوضوء بالمعنى الشرعي و المناسبة بينه و بين السؤال إنّما هو اشتهار جواز التوضّي أزيد من مرّتين مرّتين، بين العامّة، فمقصود السائل إنّما هو السؤال عن خصوص هذه الجهة من الوضوء بلحاظ الاشتهار المذكور لا السؤال عن أصل كيفية الوضوء. و يؤيّد ما ذكرنا انّ الوضوء بالمعنى اللغوي الشامل للاستنجاء بالماء ممّا لم يفرضه اللّٰه على العباد بخلاف الوضوء بالمعنى المعهود فإنّ الظاهر انّ التعبير بمثل ذلك إنّما هو فيما ورد حكمه في القرآن المجيد، و فيما ثبت حكمه من طريق السنّة لا يكون هذا التعبير بمعهود كما هو غير خفي على المتتبّع. و منها: صحيحة ابن المغيرة قال: قلت له: هل للاستنجاء حدّ؟ قال: لا، حتّى ينقى ما ثمّة، قال: قلت له: فإنّه ينقى ما ثمة و يبقى الريح قال: الريح لا ينظر إليها (1).

بتقريب انّ الاستنجاء عامّ يشمل الاستنجاء من البول أيضاً. و لكن ربّما يناقش في دلالتها بالانصراف إلى الاستنجاء من الغائط، خصوصاً‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثالث عشر، ح- 1.

39

..........

____________

مع التعبير بالنقاء الذي لا يناسب الاستنجاء من البول، فإنّ المناسب له، التنشيف و نظائره بل ربّما يقال: إنّ الاستنجاء لغة بمعنى إنقاء موضع الغائط؛ لأنّه من النجو فلا يشمل موضع البول بوجه و إن كان في كلمات الفقهاء (قدس سرهم) قد يستعمل بالمعنى الأعمّ بل و في الروايات أيضاً كما في رواية نشيط بن صالح المتقدّمة. هذا، و لكن لو منعنا الاختصاص اللغوي أو الانصراف العرفي و قلنا بأنّ الاستنجاء في السؤال عام يشمل الاستنجاء من البول أيضاً فلا مجال لجعل الذيل قرينة على إرادة خصوص الاستنجاء من الغائط كما أفاده بعض الأعلام و غيره، لأنّه لا منافاة بين أن يكون السؤال الأوّل عامّاً و الثاني خاصّاً إذ حكم السؤال الأوّل إنّما هو مع قطع النظر عن الثاني بحيث لا بدّ من فرضه كالعدم إذ لا يجوز للإمام (عليه السلام) بيان الحكم بنحو الإطلاق مع كونه غير مراد اتّكالًا على انّ السائل إنّما يسأل بعده عن بعض الخصوصيات الذي ينطبق على المقيّد المراد. فجعل الذيل قرينة على كون المراد من الصدر خصوص الاستنجاء من الغائط على تقدير العموم مع قطع النظر عن الذيل ممّا لا مجال له أصلًا، فالرواية حينئذٍ تدلّ على كفاية مجرّد الغسل في الاستنجاء من البول و لا دليل على تقييد النقاء فيها إلّا ما يدلّ على عدم كفاية حصول النقاء بغير الماء في مقام تطهير مخرج البول فيقتصر عليه، و أمّا اعتبار تعدّد الغسل فلا دليل عليه حتّى يقيّد به إطلاق النقاء. و منها: صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا انقطعت درة البول فصبّ الماء (1). فإنّ إطلاقها يقتضي جواز الاجتزاء بصبّ الماء مرّة واحدة. و فيه: أنّ الصحيحة إنّما هي بصدد بيان انّ الاستبراء من البول لا يكون معتبراً في طهارة مخرجه، بل يكفي مجرّد صبّ الماء بعد انقطاع الدرة بلا فصل و لا تكون بصدد‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الواحد و الثلاثون، ح- 1.

40

..........

____________

بيان كيفية التطهير من جهة اعتبار التعدّد، كما انّه لا يستفاد منها اعتبار خصوص الغسل بالماء أيضاً. ثمّ إنّه يمكن الاستدلال للاكتفاء بالغسل الواحد ببعض الأخبار الاخر أيضاً و إن لم يظهر منهم الاستدلال به، أظهرها في الدلالة رواية هارون بن حمزة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: يجزيك من الغسل و الاستنجاء ما ملئت (بلت خ ل) يمينك (1).

بتقريب أنّ المراد ليس كفاية هذا المقدار الذي يكفي في بلّة اليمين في الغسل و الاستنجاء إذ لا معنى للاكتفاء بهذا المقدار في الغسل الذي أقلّ ما يكفي فيه من الماء ما يبلّ جميع البدن، فاللّازم أن يكون المراد بيان الكيفية التي يحصل بها التطهير و انّه يكفي في الغسل و الاستنجاء مجرّد حصول البلّة التي هي أقلّ مراتب الغسل، و حيث إنّه يكفي في الاستنجاء من الغائط المسح بالأحجار أو بغيرها و لا يعتبر فيه الغسل بالماء فلا بدّ من أن يكون المراد منه الاستنجاء من البول فقط و حينئذٍ- فتدلّ الرواية على انّه لا يعتبر في تطهير مخرج البول إلّا أقل ما به يتحقّق مسمّى الغسل. و ممّا ذكرنا ظهر انّه لا وجه لتفسير الاستنجاء بالتطهير من المني بقرينة ذكر الغسل كما عن الوافي أو بالوضوء بقرينة ذكر اليمين كما عن مجمع البحرين فإنّ ذكر الغسل أو اليمين لا دلالة له على كون المراد بالاستنجاء غير ما هو معناه بحذف اللغة و ما هو المتفاهم منه عند العرف و انّ التحقيق في معنى الرواية ما ذكرنا. و قد استدلّ لعدم الاجتزاء بالمرّة بالأخبار الكثيرة الواردة في حكم البول إذا أصاب الجسد أو الثوب و انّه يجب صبّ الماء عليه مرّتين أو غسله كذلك التي منها:

صحيحة البزنطي قال: سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين (2)

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثالث عشر، ح- 2.

(2) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب السادس و العشرون، ح- 9.

41

..........

____________

فإنّما هو ماء. و منها: صحيحة محمد عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن البول يصيب الثوب؟

قال: اغسله مرّتين (1). بتقريب انّه لا خصوصية بنظر العرف للجسد أو الثوب، بل ذلك إنّما هو حكم البول في أي محلّ كان. بل يمكن أن يقال بدلالة مثل صحيحة البزنطي الواردة في صابة البول الجسد للبول الخارج من المخرج فإنّه بول أصاب الجسد و عليه فلا حاجة إلى دعوى إلغاء الخصوصية بل الرواية بإطلاقها تشمل المقام، و يؤيّد الشمول التعليل الواقع فيها بأنّه ماء لعدم اختصاصه بالبول الذي أصاب غير المخرج كما لا يخفى. و لكن لا يخفى انّ دعوى إلغاء الخصوصية مدفوعة بعدم الجواز بعد انّه يحتمل قويّاً ثبوت الفرق بين الاستنجاء و غيره بوجود بعض التسهيلات في خصوصه كما في الاستنجاء من الغائط فإنّه يكفي فيه المسح بالأحجار أو بغيرها على ما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى مع انّه لا إشكال في عدم الاكتفاء بغير الماء لو أصاب الغائط الجسد أو الثوب. و بالجملة: مع احتمال التفاوت و ثبوت الفرق بين الموردين بالتسهيل في التطهير في المقام لأجل كثرة الابتلاء أو غيرها خصوصاً مع ثبوته في الاستنجاء من الغائط لا مجال لإلغاء الخصوصية و تعميم الحكم بالإضافة إلى مخرج البول المتنجّس به أيضاً. و أمّا دعوى شمول مثل رواية البزنطي فهي أيضاً مندفعة بأنّ الظاهر من الإصابة للجسد و إن كان معناها الملاقاة هي الإصابة إلى سائر مواضع الجسد كما هو المنسبق إلى أذهان أهل العرف و لا يشمل نفس المخرج خصوصاً مع ملاحظة انّ الظاهر كون المراد بالبول هو البول النجس قبل الإصابة و البول الذي أصاب‌

____________

(1) الوسائل: أبواب النجاسات الباب الأول، ح- 1.

42

..........

____________

المخرج لا يتّصف بالنجاسة قبل الإصابة إليه لعدم كونه في الباطن نجساً كما سيأتي البحث عنه في النجاسات و أمّا التعليل بقوله (عليه السلام): فإنّما هو ماء، فانّما هو ناظر إلى كفاية مجرّد الصبّ و انّه لا حاجة إلى الدلك و شبهه. و بعبارة اخرى لا دلالة له على اعتبار مرّتين في جميع الموارد بل مفاده نفي إيجاب شي‌ء زائد على مجرّد الصبّ كما لا يخفىٰ، فهذه الأخبار لا يمكن استفادة حكم المقام منها و إن أصرّ عليه بعض الأعلام. و قد تحصّل من جميع ما ذكرنا انّ الأقوى عدم اعتبار تعدّد الغسل و إن كان هو الأحوط، و الظاهر عدم اختصاص الحكم بالذكر بل يعمّ الانثى و الخُنثى و من ليس له ذكر أو ليس له حشفة و غيرها من الفروض لعدم مدخلية خصوصية الحشفة، و ذكرها في بعض الأخبار إنّما هو لكون السائل مذكّراً و الغالب فيه أن يكون ذا حشفة، كما انّ ذكر الرجل أو الذكر كذلك، هذا مضافاً إلى خلوّ بعض الأخبار المتقدّمة بل أكثرها عن ذكرها أو ذكر ما يساويها. و عليه فالظاهر شمول الحكم لجميع الفروض، نعم لا مجال لاختصاص مورد الاخبار بالبول الخارج من المخرج المعتاد فلو خرج من غيره كما إذا خرج من البطن الذي حدثت فيه ثقبة فالظاهر أن حكمه حكم من أصاب البول إلى جسده أو ثوبه فيعتبر فيه التعدّد. و أمّا التفصيل بين الرجل و المرأة و شبهها في المتن بالحكم بكفاية المرّة فيه و عدم كفايتها فيها بنحو الاحتياط الوجوبي فمنشؤه النظر إلى أنّ عمدة الدليل على الكفاية ما ورد في البول الخارج من الحشفة، و عليه فيحتمل الاختصاص بالرجل و تجري في المرأة الروايات الدالّة على اعتبار التعدّد الواردة في الثوب أو الجسد أو استصحاب عدم حصول الطهارة بالغسل مرّة. و لكن ممّا عرفت ظهر أنّه لا وجه لهذا الاحتياط الوجوبي بعد اقتضاء الأدلّة الاكتفاء بالمرّة في‌

43

..........

____________

جميع الموارد كما عرفت، إذن فالاحتياط لا يتجاوز عن الاستحباب في جميع الموارد أيضاً. المقام الثاني: في تطهير مخرج الغائط و الكلام فيه أيضاً يقع من جهتين: الجهة الاولى: في تعيّن الغسل فيه أيضاً كالبول و عدمه و الظاهر فيه عدم التعين للأخبار الدالّة عليه التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدّمة في المقام الأوّل، قال: لا صلاة إلّا بطهور و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنّة من رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)، و أمّا البول فإنّه لا بدّ من غسله. فإنّ قوله (عليه السلام): و يجزيك، يدلّ على عدم تعين الماء و كفاية الاستنجاء بالأحجار سيّما مع المقابلة بقوله (عليه السلام): و أمّا البول... ثمّ إنّ الاستنجاء بالماء أو بالتمسّح بالأحجار أو بغيرها إنّما يختصّ بما إذا تنجّس شي‌ء من ظاهر البدن و أطراف المقعدة بخروج الغائط فلو فرض خروجه من غير أن يتنجّس به شي‌ء منه فالظاهر عدم وجوب الاستنجاء أصلًا لعدم لزوم غسل الباطن كما يدلّ عليه بعض الروايات، فالحكم بلزوم الاستنجاء إنّما يختصّ بغير هذه الصورة. ثمّ إنّه ذكر في المتن انّ الغسل أفضل و الجمع بينهما أكمل. و أقول: امّا أفضلية الغسل فلما يأتي في المسألة الآتية في تفسير كلمات القوم و تصريحاتهم بأنّه يجب في الاستنجاء بالماء إزالة العين و الأثر و لا يجب في الاستنجاء بغير الماء إلّا إزالة العين فقط من انّ الاستنجاء بالأحجار و شبهها لا يكون مؤثّراً في حصول الطهارة، بل هو محكوم بالعفو كما يستفاد من الروايات الواردة فيه، و عليه فالغسل الذي يؤثّر في حصول الطهارة بلا خلاف و لا إشكال يكون أفضل، مضافاً إلى دلالة بعض تلك الروايات بنفسه على الأفضلية فانتظر.

44

..........

____________

و أمّا أكملية الجمع فيمكن الاستناد لها بما ورد عن علي (عليه السلام) من قوله: كنتم تبعرون بعراً و أنتم اليوم تثلطون ثلطاً فاتبعوا الماء الأحجار (1). بعد حمله على الاستحباب و البناء على التسامح في أدلّة السنن لأنّه حديث عامّي و استفادة الاستحباب من أخبار من بلغ بناء على كون المراد من الأكملية ما ينطبق على مزية الاستحباب شرعاً. الجهة الثانية: في اعتبار التعدّد في الغسل و فيما يتمسّح به من الأحجار و شبهها و عدم اعتباره و نقول: امّا الغسل فلا دليل على اعتبار التعدّد فيه في هذا المقام بل حدّه النّقاء. و أمّا ما يتمسّح به فاستظهر في المتن عدم الاعتبار فيه أيضاً و إن احتاط بالثلاث مع حصول النقاء به أو بالأقلّ و في المسألة وجوه بل أقوال: من القول بأنّ حدّه النقاء و لا يجب أزيد ممّا يحصل به النقاء بل يستحبّ التمسّح بالثلاثة و القول بأنّ الواجب المسح بالثلاثة بحيث لا يجتزئ بأقلّ من ذلك و إن حصل النقاء بالأقل و من وجوب ذلك تعبّداً و إن كان حدّه النقاء. و قد استدلّ للثاني بالأخبار الكثيرة الواردة في الاستنجاء بالأحجار: منها: صحيحة زرارة المتقدّمة الدالّة على انّه يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنّة من رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) تقريب الاستدلال انّ الظاهر كون الإمام (عليه السلام) في مقام بيان أقل ما يكفي في الاستنجاء بالأحجار، يؤيّده بل يدلّ عليه التعبير بالاجزاء الظاهر في انّه أقلّ المجزئ كما هو الشائع في استعمال هذا اللفظ، و عليه فيكون المراد من «السنّة» السنة بمعنى الفرض و الوجوب. هذا، و لكن التأمّل في الرواية يقضي بأنّ الإمام (عليه السلام) إنّما كان في مقام‌

____________

(1) لسان العرب مادة «ثلط».

45

..........

____________

بيان الفرق بين البول و الغائط و انّه لا بدّ في الأوّل من الغسل بالماء بخلاف الثاني فإنّه يكفي فيه الاستحجار و غيره. و يمكن الجواب عنه بأنّه لو كان الإمام (عليه السلام) في مقام بيان الفرق من جهة تعيّن الغسل بالماء في البول و عدم تعيّنه في الغائط فقط دون بيان الكمّية أيضاً لما كان هناك حاجة إلى ذكر العدد أصلًا، بل يمكن له التعبير بقوله يجزيك من الاستنجاء الحجر من دون ذكر العدد و لا الإتيان بصيغة الجمع الذي يحتاج إلى مئونة زائدة لا محالة، و عليه فلا ينبغي المناقشة في انّ الإتيان بالعدد المستلزم للإتيان بصيغة الجمع في مقام بيان أقلّ ما يجتزئ به إنّما هو لإفادة عدم الاكتفاء بما دون ذلك المقدار و الشاهد له هو الفهم العرفي فانّه لا يكون مثل هذا التعبير مع جواز ما دونه من العدد بمتناسب عند العرف أصلًا. و إن شئت قلت: إنّ الإتيان بالقيد في الكلام الصادر من المتكلّم العاقل الملتفت لا بدّ و أن يكون لإفادة شي‌ء لا يمكن إفادته بدونه. و دعوى انّ القيد الوارد مورد الغالب لا دلالة له على شي‌ء زائد على الحكم المطلق كما في قوله تعالى: «وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ» (1). مدفوعة مضافاً إلى منع الكبرىٰ كما قد حقّق في محلّه بالمنع من كون القيد في المقام وارداً مورد الغالب لعدم كون حصول النقاء بالتمسّح بثلاثة أحجار بغالبي، و بالجملة لا يمكن رفع اليد عمّا هو مقتضى ظاهر الرواية المتفاهم منه عرفاً من اعتبار الثلاثة بمعنى عدم الاجتزاء بأقلّ منها كما لا يخفى. و منها: رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يجزئ من الغائط المسح بالأحجار، و لا يجزئ من البول إلّا الماء (2). و الظاهر أيضاً دلالتها على‌

____________

(1) سورة النساء: الآية 23.

(2) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثلاثون، ح- 2.

46

..........

____________

اعتبار الأحجار «بصيغة الجمع» التي يكون أقلّها الثلاثة و إلّا لا وجه للإتيان بهذه الصيغة مع افتقارها إلى مئونة زائدة كما هو ظاهر. و منها: موثّقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن التمسّح بالأحجار، فقال: كان الحسين بن علي (عليهما السلام) يمسح بثلاثة أحجار (1). و نوقش فيها بأنّها لا تدلّ على عدم الوجوب لو لم نقل بدلالتها على عدمه من حيث إنّ ظاهرها اختصاص التمسّح بالثلاثة بالحسين (عليه السلام) مع انّه لو كان واجباً لما كان مختصّاً به (عليه السلام). و الجواب عنها: انّه لا بدّ من ملاحظة ما هو محطّ نظر السائل و مورد سؤاله و إنّ سؤاله هل يكون عن العدد اللّازم في الأحجار التي يتمسّح بها بحيث كان غرض السائل انّ الأحجار التي تستعمل في الاستنجاء من الغائط ما ذا كمّها و مقدارها، أو انّ سؤاله إنّما هو عن أصل التمسّح بالأحجار و انّه هل يكفي مكان الغسل بالماء أم لا؟ و بعبارة اخرى: كان سؤاله عن جواز الاكتفاء به في الاستنجاء من الغائط، و المناقشة إنّما تتمّ على التقدير الأوّل، مع انّ الظاهر هو الاحتمال الثاني و لا دلالة للرواية بوجه على اختصاص ذلك بالحسين (عليه السلام)، بل غاية مفادها جواز التمسّح بالأحجار لاستمراره عمله (عليه السلام) على ذلك، بل يستفاد من حكاية العمل في مقام بيان الحكم و الإتيان بذكر العدد مدخليّته في الحكم، فالرواية دليل على عدم جواز الاقتصار على ما دونه فتدبّر. و منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جرت السنّة في اثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان و لا يغسله، و يجوز أن يمسح رجليه و لا يغسلهما (2).

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثلاثون، ح- 1.

(2) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثلاثون، ح- 3.

47

..........

____________

و عدم وجوب مسح العجان بناءً على ما في فسّره في مجمع البحرين من انّه ما بين الخصية و حلقة الدبر لا يدلّ على عدم اعتبار الثلاثة في الاستنجاء بغير الماء، و يؤيّد هذه الروايات خبر عامّي روي عن سلمان رضى الله عنه قال: نهانا رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار و روايات اخرى نبوية عامّية. و في مقابلها روايات اخرى تدلّ على عدم اعتبار الثلاثة أصرحها صحيحة ابن المغيرة المتقدّمة (1) النافية لنفي الحدّ للاستنجاء و انّه لا بدّ أن ينقى ما ثمة. و نوقش فيها بوجهين: أحدهما: ما عن شيخنا الأنصاري (قدس سره) من انّ ذيل الرواية و هو قوله: قلت: ينقى ما ثمة و يبقى الريح؟ قال: الريح لا ينظر إليها، ظاهرة في إرادة النقاء بالماء؛ لأنّ الريح الباقية في المحلّ إنّما يستكشف باستشمام اليد، و مزاولة اليد المحلّ إنّما هي في الاستنجاء بالماء. و الجواب عنها مضافاً إلى منع كون استكشاف بقاء الريح في المحل متوقّفاً على مزاولة اليد المحلّ إذ كما يمكن الاستشمام باليد يمكن الاستكشاف بغير اليد من الأشياء الملاقية له أو باليد بعد التمسّح بالأحجار ما عرفت سابقاً من عدم كون الذيل في مثل هذه الرواية ممّا يكون مشتملًا على سؤال آخر و جواب كذلك قرينة على تخصيص الصدر الذي هو سؤال و جواب مستقلّ و مورد السؤال هو الاستنجاء و ثبوت الحدّ له و الجواب ينفي ثبوت الحدّ مع انّ السؤال عن الحدّ ربّما يلائم الاستنجاء بغير الماء كما لا يخفى وجهه، فالإنصاف عدم تمامية هذه المناقشة بوجه. و من هذا يظهر الجواب عن المناقشة الاخرى التي أفادها بعض الأعلام و هو‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الثالث عشر، ح- 1.

48

..........

____________

انّ المراد بالنقاء لو كان يعمّ التمسّح لكان الأولى بل المتعيّن أن يسأل عن الأجزاء أيضاً لتخلّفها في المحلّ و عدم زوالها بالتمسّح، بل لو كانت الرواية ناظرة إلى الأعمّ منه لم يبق موجب للسؤال عن بقاء الريح بوجه و ذلك لأنّ التمسّح غير قالع للأجزاء الصغار و هي مستتبعة لبقاء الريح بلا كلام، و مع العفو عن الاجزاء المذكورة كيف يكون بقاء الريح مخلّاً بالطهارة و هذا بخلاف ما إذا اختصّت الرواية بالغسل فإنّ بقاء الريح أمر لا يلازمه بل قد تزول به و قد لا تزول كما إذا كان الغائط عفناً جدّاً، و عليه فللسؤال عن بقاء الريح مجال. وجه الظهور ما عرفت من انّ اختصاص السؤال في الذيل بالاستنجاء بالماء لا يلازم اختصاص السؤال الأوّل و الجواب عنه أيضاً به بعد كون اللفظ عامّاً خالياً عن الدلالة و الإشعار بالاختصاص بالكلّيّة. و كيف يمكن بيان الحكم بالنحو الكلّي اعتماداً على مجي‌ء سؤال آخر بعد ذلك و صلاحيته للتخصيص و صيرورته قرينة عليه، مع انّ السؤال عن الريح بلحاظ كونه هو الذي يدركه الإنسان بالاستشمام و الاجزاء الصغار على تقدير وجودها لا يمكن إدراكها لعدم كونه في محلّ يمكن أن ينظر و يدرك و ملازمة بقاء الريح مع الاستنجاء بالأحجار ممنوعة كما انّ بقاء الريح مع الغسل لا يتّفق إلّا نادراً يفرض كالمعدوم.

فالإنصاف انّ هذه المناقشة أيضاً غير متّجهة، و إنّ دلالة الصحيحة على أنّ الحدّ في الاستنجاء بغير الماء إنّما هو النقاء ظاهرة واضحة و هناك بعض الروايات الدالّة على الاجتزاء بما دون الثلاثة لكنّها لا تخلو عن المناقشة و اللّازم ملاحظة طريق الجمع بين الأخبار أيضاً الواردة في المقام المتعارضة من جهة دلالة طائفة منها على عدم الاجتزاء بما دون الثلاثة و بعضها على انّ الحدّ هو النقاد. فنقول: قال في المصباح ما ملخّصه: «إنّ إطلاق نفي الحدّ في هذه الرواية‌

49

..........

____________

قابل للتقييد مضافاً إلى دعوى وروده مورد الغالب من عدم حصول العلم بالنقاء قبل استعمال الثلاثة غالباً فتنزل الرواية على ما لا ينافي اعتبار الثلاثة التي لا تنفك عنها الأفراد الغالبة، و دعوى خروج المقيّدات مخرج الغالب كما يؤيّدها استبعاد التعبّد بالمسح بعد النقاء مدفوعة أوّلًا: بأنّ هذه الدعوى في المقيّدات لها وجه لو كانت الثلاثة كافية في النقاء و الغلبة في حصوله بها ممنوعة فإنّما المسلم عدم حصول النقاء غالباً بما دونها لا حصوله بخصوص الثلاثة، و ثانياً: بأنّه لا يجوز رفع اليد عن ظاهر المقيّد بمجرّد احتمال ورود القيد مورد الغالب، و إنّما يخلّ ذلك في التمسّك بالإطلاق لأنّه لا يجوز إهمال الخصوصية المستفادة من ظاهر الكلام بمجرّد احتمال عدم كونها قيداً في الواقع، بل لا بدّ من الجزم بذلك». و لكن الذي أفاده سيّدنا العلّامة الاستاذ الماتن دام ظلّه في مباحثه الفقهية من درسه على ما قرّرته انّ مقتضى الجمع العرفي كون ذكر الثلاثة في تلك الأخبار إنّما هو لحصول النقاء بها غالباً و توقّفه عليها كذلك لا لبيان نفي كون النقاء حداً فإنّ مناسبة الحكم و الموضوع المرتكزة في أذهان العرف ربّما تقضي بأنّ اعتبار الثلاثة إنّما هو لتوقّف تحقّق النقاء عليها إذ من البعيد عندهم أن يكون الشارع قد تعبّدهم بلزوم استعمال الثلاثة و إن حصل النقاء بما دونها خصوصاً مع ملاحظة انّ حدّ الاستنجاء بالماء ليس إلّا النقاء بلا إشكال و ليس كالبول حتّى يجب فيه التعدّد. و بالجملة: صحيحة ابن المغيرة صريحة في نفي الحدّ فكيف يمكن أن تقيّد بما يدلّ بظاهره على انّ حدّ الاستنجاء ثلاثة أحجار فلا بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور خصوصاً مع ما عرفت من مناسبة الحكم و الموضوع المرتكزة عندهم. أقول: صحيحة ابن المغيرة و إن كانت صريحة في نفي الحدّ إلّا أنّ شمولها للاستنجاء بغير الماء إنّما هو بالظهور، كيف و قد عرفت المناقشتين في شمولها لغير‌

50

..........

____________

الماء و عليه فدلالتها على نفي الحدّ في الاستنجاء بالأحجار إنّما هي بالإطلاق و الظهور و مقتضى الجمع العرفي بين المطلق و المقيّد حمل الأوّل على الثاني و المناسبة المذكورة لا تقتضي رفع اليد عمّا هو ظاهر الأدلّة و اقتضاء الجمع بينهما كما لا يخفى. و قد انقدح ممّا ذكرنا انّ ما ذهب إليه المشهور من اعتبار الثلاثة في التمسّح بالأحجار هو الذي يقتضيه التدبّر في مفاد الروايات و وجه الجمع بينها، نعم يمكن أن يقال باختصاص ذلك بخصوص الأحجار لأنّ الأدلّة الظاهرة في ذلك إنّما وردت في خصوص الأحجار فلا مجال حينئذٍ لرفع اليد عن إطلاق الصحيحة بالإضافة إلى غير الأحجار، نعم لو قيل باختصاصها بالاستنجاء كما أفاده الشيخ الأعظم و البعض المتقدّم فيمكن الحكم بلزوم الثلاثة مطلقاً نظراً إلى أنّ الخصوصية ملغاة بنظر العرف كما انّه يمكن دعوى انّ الدليل المقيّد بعد كون خصوصية الحجرية ملغاة منه بنظرهم يوجب التصرّف في الإطلاق و حمله على اعتبار الثلاثة مطلقاً في الاستنجاء بغير الماء، فالأحوط لو لم يكن أقوى اعتبارها في غير الأحجار أيضاً. ثمّ إنّه لا إشكال و لا خلاف في أنّه إذا لم يتحقّق النقاء بالثلاثة فلا بدّ من الزيادة عليها إلى أن يتحقّق و الدليل عليه مضافاً إلى إمكان دعوى وضوح كون مجرّد المسح ثلاث مرّات لا يكون مؤثّراً في الطهارة أو العفو مع بقاء العين و عدم زوالها ضرورة انّ التقليل لا أثر له في المقام، فزوال العين ممّا لا بدّ منه في كلّ من الغسل و المسح انّه لو قلنا: بأنّ حدّ الاستنجاء النقاء فقط من دون فرق بين ما إذا كان بالماء أو بغيره من الأحجار و شبهها بحيث لو حصل بما دونها لا تجب الزيادة عليه فمستند لزوم الزيادة حينئذٍ واضح، و أمّا لو لم نقل بذلك بل بثبوت الحدّ في الاستنجاء بغير الماء و انّه هو الثلاثة التي تدلّ عليها الروايات المتقدّمة فيشكل الحكم في المقام لأنّ عمدة تلك الروايات هي صحيحة زرارة المتقدّمة الدالّة على أنّه يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، و الاستدلال بها إنّما كان مبتنياً على أن يكون‌

51

..........

____________

معنى الرواية أن الثلاثة أقلّ المجزئ، و عليه فالرواية متعرّضة لجانب النقيصة و انّه لا يكتفى بأقلّ من الثلاثة و لا تعرض لها لجانب الزيادة، فالمرجع حينئذٍ امّا صحيحة ابن المغيرة بناءً على شمولها للاستنجاء بغير الماء، أو الأصل بناءً على اختصاص الصحيحة به. و أمّا لو كان معنى الرواية هو عدم لزوم الزيادة كما ربّما يمكن أن يدّعى انّه الشائع في استعمال لفظ الاجزاء أو كان معناها انّ الثلاثة تمام الموضوع بحيث لا يكفي أقلّ منها و لا تلزم الزيادة عليها فالرواية تدلّ على خلاف مطلوبهم كما هو ظاهر، كما انّه لو كانت الرواية ناظرة إلى نفي لزوم الغسل بالماء في الاستنجاء من الغائط فهي أجنبيّة عن الدلالة على المقام بمراحل. و لكن قد عرفت انّ الأظهر في معنى الرواية بحسب ما هو المتفاهم عند العرف هو الاحتمال الأوّل الذي مرجعه إلى أنّ الثلاثة أقلّ المجزئ من دون تعرّض لجانب الزيادة و انّه لا بدّ من استفادة حكم الزيادة من رواية اخرى و بدونها لا بدّ من الرجوع إلى الأصل. و يمكن أن يستأنس لحكم المقام بموثّقة أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان الناس يستنجون بثلاثة أحجار لأنّهم كانوا يأكلون البسر و كانوا يبعرون بعراً فأكل رجل من الأنصار الدبا فلانَ بطنه فاستنجى بالماء فبعث إليه النبي (صلى الله عليه و آله) قال:

فجاء الرجل و هو خائف يظنّ أن يكون قد نزل فيه شي‌ء يسوؤه في استنجائه بالماء فقال له: هل عملت في يومك هذا شيئاً؟ فقال: نعم يا رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) انّي و اللّٰه ما حملني على الاستنجاء بالماء إلّا انّي أكلت طعاماً فلانَ بطني فلم تغن عنّي الحجارة شيئاً فاستنجيت بالماء، فقال له رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): هنيئاً لك فإنّ اللّٰه عزّ و جلّ قد أنزل فيك آية فكنت أوّل التوّابين و أوّل المتطهّرين (1). و طريق‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة الباب الرابع و الثلاثون، ح- 5.

52

..........

____________

الاستيناس من وجهين: أحدهما: قوله (عليه السلام): كان الناس يستنجون بثلاثة أحجار لأنّهم كانوا يأكلون البسر، حيث إنّ ظاهره انّ الاكتفاء بالثلاثة إنّما هو لكونهم يأكلون البسر و لازمه حصول النقاء بها لعدم توقّفه على أزيد منها. ثانيهما: قوله أي الرجل الأنصاري: فلم تغن عنّي الحجارة شيئاً، من حيث إنّه لو كان الواجب في الاستنجاء هو استعمال الثلاثة و لو لم يحصل النقاء بها لم يكن وجه لعدم إغناء الحجارة، و ليس ذلك إلّا لكون المرتكز في أذهانهم إنّما هو لزوم الاستعمال إلى حدّ حصول النقاء، و هذا لا ينافي ما ذكرناه من عدم الاكتفاء بما دون الثلاثة لو حصل النقاء به كما لا يخفىٰ. ثمّ إنّ ظاهر المتن بل صريحه انّه لا خصوصية للحجر في الاستنجاء بغير الماء بل يجوز التمسّح بكلّ جسم قالع صالح لإزالة النجاسة، و الظاهر انّه لا خلاف فيه، بل ادّعى الإجماع على جواز الاستنجاء بكلّ شي‌ء طاهر مزيل للنجاسة إلّا ما استثنى و هذا هو العمدة في مستند الجواز بعد عدم كون خصوصية الحجرية المستفادة من صحيحة زرارة المتقدّمة ملغاة بنظر العرف لاحتمال كونها دخيلة في حصول الطهارة أو ثبوت العفو. نعم قد يتمسّك للجواز بإطلاق «النقاء» الوارد في صحيحة ابن المغيرة المتقدّمة، و لكن الإنصاف كما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره)- انّ الرواية متعرّضة لبيان حدّ الاستنجاء فقط و المقدار الذي يجب أن يستنجى إلى ذلك المقدار لا لبيان ما يستنجى به كما يشعر بذلك التعبير ب‍ «الحدّ» و بكلمة «حتّى» كما في بعض نسخ الرواية، نعم لو ثبت الجواز بدليل آخر فالرواية تدلّ على وجوب التمسّح به إلى حدّ النقاء، و أمّا أصل الجواز فلا يكاد يثبت بها.

53

..........

____________

كما انّه ربّما يتمسّك للجواز بصحيحة يونس بن يعقوب المتقدّمة و لكن قد عرفت أنّ الظاهر كونها مسوقة لبيان كيفية الوضوء في قبال العامّة، و التعرّض لغسل الذكر و إذهاب الغائط إنّما هو من باب المقدّمة، و عليه لا يمكن التمسّك بإطلاقها و الحكم بأنّ الواجب في باب الاستنجاء إنّما هو إذهاب الغائط بأيّ شي‌ء أمكن، فالعمدة في المستند ما عرفت من عدم الخلاف، بل الإجماع على عدم الفرق بين الحجر و غيره. بقي الكلام في هذه المسألة في الأمرين اللذين اعتبرهما الماتن دام ظلّه في ما يمسح به فنقول: الأوّل: الطهارة، فلا يجزي التمسّح بالنجس و لا بالمتنجّس قبل تطهيره، و لا بدّ من فرض الكلام فيما إذا لم يكن المحلّ رطباً تسري النجاسة ممّا يتمسّح به إليه أو انّ العين لم تصبه أصلًا كما إذا أصابت الغائط فقط و إلّا فاعتبار الطهارة واضح لا يحتاج إلى إقامة الدليل عليه، فالكلام إنّما هو في هذا الفرض و الدليل على اعتبار الطهارة فيه أيضاً مضافاً إلى الإجماع المدّعى و الارتكاز الثابت عند المتشرّعة على أن النجس و المتنجّس لا يكونان مطهّرين في الشريعة المطهّرة، بل و لا يوجبان العفو- صحيحة زرارة المتقدّمة بناءً على أن يكون قوله (عليه السلام): و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، ناظراً إلى الصدر الذي يفيد اشتراط الصلاة بالطهارة، و متفرّعاً عليه، فإنّه حينئذٍ يكون بصدد بيان حصول الطهارة التي هي شرط للصلاة أو العفو المجوز للدخول فيها، و حينئذٍ فاللّازم بمقتضى التفريع صدق عنوان الطهور الذي هو بمعنى الطاهر في نفسه المطهّر لغيره على الأحجار المستعملة في الاستنجاء أيضاً كما يصدق على الماء المستعمل في غسل البول، و من الظاهر انّه متوقّف على كونه طاهراً.