تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة - القصاص

- الشيخ محمد الفاضل اللنكراني المزيد...
454 /
5

مقدمة الناشر

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

شكر و تقدير

قد تمّت مراجعة هذا الكتاب و تنسيقه و تخريج مصادره و طبعه بحلّة جديدة في مركز فقه الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) بجهود جماعة من الفضلاء الأماجد:

1 حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ حسين الواثقي: تنسيق الكتاب و الإشراف المباشر.

2 الأخ الفاضل محمّد مهدي مقدادي: تخريج المصادر.

3 حجّة الإسلام الشيخ عباد اللّٰه سرشار الميانجي الطهراني: المقابلة و التخريج.

و نحن إذ نقدّم شكرنا و تقديرنا، نسأل اللّٰه تعالىٰ أن يوفّقهم للمزيد من الأعمال العلميّة.

قم المقدّسة مركز فقه الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام)

6

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة على نبيّنا محمّد و آله الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

أمّا بعد: إنّ كتاب (وسيلة النجاة) رسالة علمية عملية ألّفها فقيه عصره و فريد أوانه آية اللّٰه العظمى السيّد أبو الحسن الأصفهاني (قدّس اللّٰه نفسه الزكية)، و قد علّق عليها الفقهاء عليها من بعده بآرائهم الخاصّة، و منهم السيّد الإمام آية اللّٰه العظمى الحاج آقا روح اللّٰه الموسوي الخميني أفاض اللّٰه تعالى عليه من شآبيب رحمته.

و بعد قيامه ضدّ الحكومة الپهلوية الطاغية نُفي إلى بورسا من بلاد تركيا و فيها أدرج الحواشي و نظراته في وسيلة النجاة. و بعد مهاجرته إلى النجف الأشرف أتمّها و حرّرها و سمّاها تحرير الوسيلة، يقول الإمام نفسه:

فقد علّقت في سالف الزمان تعليقة على كتاب وسيلة النجاة تصنيف السيّد الحجّة الفقيه الأصبهاني (قدّس سرّه) العزيز، فلمّا اقصيت في أواخر شهر جمادى الثانية عام 1384 ه‍ عن مدينة قم إلى بورسا من مدائن تركيا لأجل حوادث محزنة حدثت للإسلام و المسلمين لعلّ التاريخ يضبطها و كنت فارغ البال تحت النظر و المراقبة، أحببت أن أدرج التعليقة في المتن لتسهيل التناول، و لو وفّقني اللّٰه تعالى لأضيف إليه مسائل كثيرة الابتلاء (1). فصار التحرير رسالة علمية عملية له.

و ما مضى زمان طويل من طبع هذا الكتاب حتّى شمّر ذراع الجدّ و الجهد أحد تلامذته و خاصّته فقدم شرحاً استدلاليّاً لتحرير الوسيلة حاوياً لأكثر المباني الفقهيّة من القدماء و المعاصرين لا سيّما المباني المختصّة بالسيّد الإمام (رحمه اللّٰه) لتحرير الوسيلة، و هو فقيه العصر و المرجع الديني الكبير في هذا الزمان سماحة آية اللّٰه العظمى الشيخ محمد الفاضل اللنكراني مدّ ظلّه العالي. و سمّاه (تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة) فكتب الشرح على بعض أبوابه و طبع في حياة السيّد الإمام الخميني (قدّس سرّه)، و بعد رحلة الإمام أيضاً استمرّ بتأليف الكتاب.

فقد قال الشارح: قد شرعت فيه في بلدة يزد المعروفة بدار العبادة و الإيمان حينما كنت مقيماً فيها بالإقامة الإجبارية من ناحية الحكومة الجائرة الپهلوية لأجل المبارزة معه تبعاً و اقتداء بالإمام ..

شرعت في شرح الكتاب و اشتغلت به جميع مدّة إقامتي فيها الذي هو سنتان و أكثر من نصف، و وفّقت في تلك المدّة لتأليف مجلّدات متعدّدة منه (2).

و حتّىٰ الآن صدرت منه المجلّدات التالية:

1 الاجتهاد و التقليد، 2 المياه، 3 أحكام التخلّي، 4 غسل الجنابة، التيمّم، المطهّرات. 5 النجاسات و أحكامها، 6 الصلاة ج 1، 7 11 الحجّ في خمسة أجزاء، 12 الإجارة، 13 الحدود، 14 القصاص، 15 الديات.

و أمّا التي ما زالت تحت الطبع: المواريث، الطلاق، النكاح، المضاربة و الشركة و المزارعة، القضاء و الشهادات.

نسأل اللّٰه تبارك و تعالى أن يمدّ في عمره المبارك حتّى يتمّ العمل و يبلغ الأمل و هو إتمام الشرح لما يقرب من أربعين مجلّداً.

و هذا كتاب القصاص بين أيديك أيُّها القارئ العالم، و قد طبع أول مرّة في سنة 1407 ه‍.

و بعد تأسيس مركز فقه الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) عزمنا على تجديد طبعه بحلّة جديدة، تتضمّن تخريجاً للآيات و مصادر الروايات و مدارك ما حواه من أقوال لعلماء و آراء لفقهاء كان الكتاب بحاجة إليها. و قد تمّ هذا المشروع بجهود جماعة من الفضلاء في المركز:

1) حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ حسين الواثقي: المشرف المباشر.

2) الأخ الفاضل الشيخ محمد مهدي المقدادي: تخريج المصادر.

3) حجّة الإسلام الشيخ عباد اللّٰه السرشار الميانجي: المقابلة.

نسأل اللّٰه تعالى أن يوفّقنا لإخراج تمام أجزائه. إنّه سميع مجيب قم المقدّسة مركز فقه الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) غرّة شهر اللّٰه الأكبر، رمضان المبارك 1420 ه‍‌

____________

(1) مقدّمة تحرير الوسيلة.

(2) ص 7 من المقدّمة من كتاب الاجتهاد و التقليد من الطبعة الاولى.

7

كتاب القصاص و هو إمّا في النفس و إمّا فيما دونها

[القسم الأوّل: في قصاص النفس]

القسم الأوّل: في قصاص النفس و النظر فيه في الموجب و الشرائط المعتبرة فيه و ما يثبت به و كيفية الاستيفاء

9

[القول في الموجب]

القول في الموجب و هو إزهاق النفس المعصومة عمداً مع الشرائط الآتية (1).

____________

(1) القِصاص بالكسر-: فعال من قصّ أثره، إذا تتبعه، و من هذا الباب القصة، باعتبار كونها تذكرة للأمر الواقع فيما مضى، و المراد به في المقام تعقيب الجناية الواقعة من قتل أو جرح أو مثلهما بإيراد مثله على الجاني و الإتيان بمثل فعله.

و قد ورد في الكتاب العزيز بهذا العنوان أو بما لا ينطبق إلّا عليه في ضمن الآيات الكثيرة، فمن الأوّل قوله تعالىٰ وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ (1).

و المراد من الآية دفع ما ربّما يتوهّم في باب القصاص من أنّ مرجعه إلى ضمّ موت إلى موت آخر و مثله، و هذا ممّا لا يقبله العقل السليم، و ربما يضاف إلى ذلك أنّ من يتصدّى لقتل غيره عدواناً و ظلماً لا يكون إلّا مريضاً، و اللازم أن يعالج حتى لا يتحقّق منه مثله.

____________

(1) البقرة 2: 179.

10

..........

____________

و لكن هذا الكلام إنّما يتمّ لو كان النظر مقصوراً على القاتل فقط و لم يلاحظ الاجتماع و سائر الناس، و أمّا مع ملاحظة العموم فالقصاص ضامن لحفظ الحياة، فإنّه مع تحقّقه لا يتحقّق القتل من غيره إلّا نادراً، خصوصاً مع ملاحظة أنّ كلّ أحد في مقام السعي و المجاهدة لحفظ حياة نفسه و عدم تحقّق ما يوجب التهديد بالإضافة إليها. فإذا رأى أنّ القتل يؤثّر في زوال حياته بالقصاص لا يكاد ينقدح في نفسه إرادته خصوصاً مع كون التصديق بالفائدة من مبادي الإرادة، و لا يتصوّر الفائدة مع انتفاء الموضوع أصلًا، كما لا يخفى.

و من الثاني قوله تعالىٰ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنٰا عَلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ النّٰاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ جَمِيعاً (1).

فإن الظاهر أنّ المراد من قوله «بِغَيْرِ نَفْسٍ» هو عدم كونه بعنوان القصاص، و أمّا التشبيه الواقع في الآية فقد ورد في توجيهه من أصحاب التفسير أقوال (2):

منها: أنّ معناه هو أنّ الناس كلّهم خصماؤه في قتل ذلك الإنسان، و قد وترهم وتر من قصد لقتلهم جميعاً، فأوصل إليهم من المكر ما يشبه القتل الذي أوصله إلى المقتول، فكأنّه قتلهم كلّهم؛ و من استنقذها من غرق أو حرق أو هدم أو ما يميت لا محالة أو استنقذها من ضلال فكأنّما أحيا الناس جميعاً، أي أجره على اللّٰه أجر من أحياهم جميعاً.

و منها: أنّ من قتل نبيّاً أو إمام عدل فكأنّما قتل الناس جميعاً، أي يعذَّب عليه،

____________

(1) المائدة 5: 32.

(2) ذكرها الطبرسي في مجمع البيان: 3/ 309 310.

11

..........

____________

كما لو قتل الناس كلّهم، و من شدّ على عضد نبي أو إمام فكأنّما أحيا الناس جميعاً في استحقاق الثواب.

و منها: أنّ معناه من قتل نفساً بغير حق فعليه مثل مأثم كلّ قاتل من الناس، لأنّه سنّ القتل و سهّله لغيره، فكان بمنزلة المشارك فيه، و من زجر عن قتلها بما فيه حياتها على وجه يقتدي به فيه بأن يعظّم تحريم قتلها كما حرّمه اللّٰه، فلم يقدم على قتلها لذلك فقد أحيا الناس بسلامتهم منه.

و منها: غير ذلك من التأويلات.

و لكنّ الظاهر عدم تمامية شي‌ء منها و عدم انطباقه على ما هو ظاهر الآية، و لكنّه قد ورد في تفسيرها روايات و لا محيص عن حملها عليها، مثل رواية محمد ابن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ- مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ النّٰاسَ جَمِيعاً قال: له في النار مقعد، لو قتل الناس جميعاً لم يرد إلّا ذلك المقعد (1).

و رواية حمران قال: قلت لأبي جعفر (عليه السّلام) ما معنىٰ قول اللّٰه عزّ و جلّ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنٰا عَلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ النّٰاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ جَمِيعاً قال: قلت: كيف كأنّما قتل الناس جميعاً، فإنّما قتل واحداً؟ فقال: يوضع في موضع من جهنّم إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها لو قتل الناس جميعاً لكان إنّما يدخل ذلك المكان. قلت: فإنّه قتل آخر؟ قال: يضاعف عليه (2).

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 2، أبواب القصاص في النفس ب 1 ح 1.

(2) وسائل الشيعة: 19/ 2، أبواب القصاص في النفس ب 1 ح 2.

12

..........

____________

و رواية حنّان بن سدير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في قول اللّٰه عزّ و جلّ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ النّٰاسَ جَمِيعاً قال: هو وادٍ في جهنّم لو قتل الناس جميعاً كان فيه، و لو قتل نفساً واحدة كان فيه (1).

و مرجعها إلى اشتراك كليهما في الورود في واد خاصّ في جهنّم، الذي إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها، غاية الأمر وجود الاختلاف من جهة الشدّة و الضعف بينهما، كما صرّح بالتضاعف في رواية حمران.

بقي الكلام في بيان ما يوجب القصاص، و قد ذكر في المتن أنّه إزهاق النفس المعصومة عمداً مع الشرائط الآتية، و قد عرّفه المحقّق في الشرائع بأنّه: إزهاق النفس المعصومة المكافئة عمداً عدواناً (2). فأدخل جملة من الشرائط في قوله: المكافئة، و جملة في العمد، نظراً إلى أنّ عمد الصبي و المجنون خطأ.

و يرد على المتن مضافاً إلى أنّ الجمع بين توصيف النفس بالمعصومة مع جعل واحد من الشرائط الآتية «كونه محقون الدم» ممّا لا فائدة فيه أصلًا؛ لأنّ المراد منهما أمر واحد أنّه إن كان المراد بالمعصومة هو المعصومة مطلقا و بالإضافة إلى كلّ أحد كما هو ظاهر الإطلاق، فاللازم أن لا يكون قتل من استحق القتل قصاصاً أو دفاعاً موجباً للقصاص إذا تحقّق من الأجنبيّ؛ لعدم كونه معصوماً مطلقاً؛ لجواز قتله بالإضافة إلى ورثة المقتول أو الدافع، و إن كان المراد هو المعصومة بالإضافة إلى القاتل فاللازم التقييد به و عدم الاقتصار على الإطلاق.

ثمّ إنّ النفس غير المعصومة قد تكون مهدورة الدّم كما في سابّ النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أو‌

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 5، أبواب القصاص في النفس ب 1 ح 10.

(2) شرائع الإسلام: 4/ 971.

13

[مسألة 1- يتحقّق العمد محضاً بقصد القتل بما يقتل و لو نادراً]

مسألة 1- يتحقّق العمد محضاً بقصد القتل بما يقتل و لو نادراً، و بقصد فعل يقتل به غالباً و إن لم يقصد القتل به. و قد ذكرنا تفصيل الأقسام في كتاب الدّيات (1).

____________

مدّعي النبوّة، حيث إنّه يجوز لكلّ من سمع ذلك منهما التصدي لقتله و إزهاق نفسه، ففيه لا يتحقّق الموجب للقصاص بلا إشكال، و قد يكون إزهاقها بعنوان الحدّ الذي يتوقف على إذن الحاكم، كما في الزاني المحصن و اللائط إيقاباً و المرتدّ الفطري، و تحقّق الموجب فيه محلّ إشكال بل منع، لأنّ مجرّد لزوم مباشرة الحاكم و إذنه لا يوجب كون النفس معصومة بعد وضوح أنّ الشارع أسقط احترامها لأجل الجناية التي ارتكبها، و سيأتي عند تعرّض المتن له تفصيل البحث في ذلك إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

(1) ظاهر العبارة أنّ العمد محضاً الذي هو معتبر في ما يوجب القصاص يتحقّق في موارد ثلاثة:

المورد الأوّل: ما إذا قصد القتل و كانت الآلة ممّا يتحقّق به القتل غالباً، و يستعمل في هذا الغرض نوعاً، و هذا هو القدر المتيقّن من موارد العمد، لأنّ المفروض صدور القتل عن قصد و إرادة، و كون الآلة مؤثِّرة في حصوله غالباً (1).

المورد الثاني: ما إذا قصد القتل و لكن لم تكن الآلة مؤثّرة في القتل إلّا نادراً، كالعصا و نحوه و اتّفق القتل به، و قد قيل: إنّ فيه قولين، و لكن في الجواهر بعد نسبة ثبوت القصاص إلى الأشهر و احتماله أنّ عليه عامّة المتأخّرين: لم أجد فيه خلافاً، و إن‌

____________

(1) الوسيلة: 429، شرائع الإسلام: 4/ 971، قواعد الأحكام: 2/ 277، تحرير الأحكام: 2/ 240، كنز العرفان: 2/ 366، مسالك الأفهام: 15/ 67، رياض المسائل: 10/ 234.

14

..........

____________

أرسل (1)، نعم يظهر من اللمعة نوع تردّد فيه (2).

و كيف كان فالظاهر أنّ مقتضى القاعدة هو ثبوت القصاص؛ لأنّ المفروض قصد القتل و تحقّقه في الخارج، و مجرّد عدم تأثير الآلة في القتل إلّا نادراً لا يقتضي الخروج عن صدق عنوان العمد، و لكنّه ورد في هذا الأمر روايات مختلفة:

فطائفة منها تدلّ على تحقّق العمد في هذا المورد:

مثل: صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السّلام): يخالف يحيى ابن سعيد قضاتكم؟ قلت: نعم، قال: هات شيئاً ممّا اختلفوا فيه، قلت: اقتتل غلامان في الرحبة، فعضّ أحدهما صاحبه، فعمد المعضوض إلى حجر فضرب به رأس صاحبه الذي عضّه، فشجّه فكزّ فمات، فرفع ذلك إلى يحيى بن سعيد فأقاده، فعظم ذلك على ابن أبي ليلى و ابن شبرمة، و كثر فيه الكلام و قالوا: إنّما هذا الخطأ، فودّاه عيسىٰ بن علي من ماله. قال: فقال: إنّ من عندنا ليقيدون بالوكزة، و إنّما الخطأ أن يريد الشي‌ء فيصيب غيره (3).

و الغلامان في الرّواية محمول على البالغين، و الظاهر إرادة القتل في مورد الرّواية، كما يدلّ عليه قوله: «اقتتل»، و عليه فحصر الخطأ فيما إذا أراد الشي‌ء فأصاب غيره ظاهر في ثبوت العمد في مورد الرواية مع كون الحجر لا يقتل غالباً.

و صحيحة الحلبي، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السّلام): العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كلّه عمد؛ و الخطأ من اعتمد شيئاً‌

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 13.

(2) اللمعة الدمشقية: 174.

(3) وسائل الشيعة: 19/ 23، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 1.

15

..........

____________

فأصاب غيره (1).

و مرسلة جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب فعليه القود، و إنّما الخطأ أن تريد الشي‌ء فتصيب غيره. و قال: إذا أقرّ على نفسه بالقتل قتل و إن لم يكن عليه بيّنة (2).

و رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال: لو أنّ رجلًا ضرب رجلًا بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً (3). و القدر المتيقّن منها صورة إرادة القتل و قصده لا مجرّد الضرب بإحداها، و إن لم يكن قاصداً للقتل أصلًا.

و رواية عبد الرحمن بن الحجاج المروية في تفسير العياشي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في حديث قال: إنّما الخطأ أن تريد شيئاً فتصيب غيره، فأمّا كلّ شي‌ء قصدت إليه فأصبته فهو العمد (4).

و مرسلة ابن أبي عمير المروية في التفسير المزبور عن أحدهما (عليهما السّلام)، قال: كلّما أُريد به ففيه القود، و إنّما الخطأ أن تريد الشي‌ء فتصيب غيره (5). و نقلها في الجواهر هكذا: مهما أُريد تعيّن القود (6) ..، و جعلها من الروايات المعارضة لهذه الروايات مع وضوح ظهورها في ثبوت القود في المقام، خصوصاً مع حصر الخطأ فيما ذكر.

و طائفة ظاهرها عدم تحقّق العمد و عدم ثبوت القود.

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 24، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 3.

(2) وسائل الشيعة: 19/ 25، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 6.

(3) وسائل الشيعة: 19/ 26، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 8.

(4) وسائل الشيعة: 19/ 28، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 18.

(5) وسائل الشيعة: 19/ 28، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 16.

(6) جواهر الكلام: 42/ 15.

16

..........

____________

مثل: رواية أبي العباس، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال: قلت له: أرمي الرّجل بالشي‌ء الذي لا يقتل مثله، قال: هذا خطأ، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها، قلت: أرمي الشاة فأُصيب رجلًا، قال: هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه؛ و العمد الذي يضرب بالشي‌ء الذي يقتل بمثله (1). و ظهورها في كون المفروض فيها صورة إرادة القتل لا شكّ فيه، كما أنّ دلالتها على عدم كون المقام من موارد العمد ظاهرة.

و مرسلة عبد اللّٰه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) يقول: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): في الخطأ شبه العمد أن تقتله بالسّوط أو بالعصا أو بالحجارة، إنّ دية ذلك تغلظ، و هي مائة من الإبل. الحديث (2).

و رواية أبان بن عثمان، عن أبي العباس و زرارة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام)، قال: إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله، و الخطأ أن يتعمّده و لا يريد قتله، يقتله بما لا يقتل مثله، و الخطأ الذي لا شكّ فيه أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه (3). و الظّاهر أنّ المراد من قوله (عليه السّلام): «لا يريد قتله» هو عدم إرادة القتل حينما يتعمّده و يقصده، و لذا لا يستصحب الآلة القتّالة، و لكنّه بعد الوصول إليه يحدث له إرادة القتل فيقتله بما لا يقتل مثله، لظهورها في أنّ الفرق بين هذا الفرض و الفرض الأوّل هو مجرّد كون الآلة فيه قتّالة بخلافه، و في أنّ الفرق بينه و بين الفرض الأخير هو عدم تعلّق قصد القتل بالمقتول بل بشي‌ء آخر، فالفروض الثلاثة كلّها مشتركة في أصل إرادة القتل.

و مثل هذه الرواية رواية زرارة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام)، قال: إنّ الخطأ أن تعمده‌

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 25، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 7.

(2) وسائل الشيعة: 19/ 27، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 11.

(3) وسائل الشيعة: 19/ 27، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 13.

17

..........

____________

و لا تريد قلته بما لا يقتل مثله، و الخطأ ليس فيه شكّ أن تعمد شيئاً آخر فتصيبه (1).

و رواية أُخرى لزرارة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام)، قال: العمد أن تعمده فتقتله بما مثله يقتل (2).

و مرسلة يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام)، قال: إن ضرب رجل رجلًا بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل؛ و إن علاه و ألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتى يقتله فهو عمد يقتل به، و إن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد (3). و الظاهر أنّ اختلاف الفروض إنّما هو في تحقّق قصد القتل في الصورة الثانية المستلزم للإلحاح، و مثله دون الصورتين الآخرتين، و عليه فتصير الرواية من روايات الطائفة الأُولىٰ.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ الجمع بين الطائفتين يمكن بوجهين:

أحدهما: حمل الطائفة الأُولىٰ الدالّة بظاهرها على ثبوت العمد في المقام على شبه العمد بقرينة الطائفة الثانية، فالنتيجة حينئذٍ عدم ثبوت القصاص لعدم تحقّق موجبه الذي هو العمد.

ثانيهما: حمل الطائفة الثانية على صورة عدم إرادة القتل و عدم تحقّق قصده بقرينة الطائفة الأُولىٰ، فينتج ثبوت القصاص في المقام.

و الظاهر أنّ الترجيح مع الوجه الثاني لأنّ مضافاً إلى عدم ظهور الطائفة الثانية في صورة إرادة القتل، بل حمل بعضها على هذه الصورة كان بعيداً حمل الطائفة الأولى على شبه العمد لا يكاد يجتمع مع ثبوت الحكم بالقصاص في‌

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 28، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 17.

(2) وسائل الشيعة: 19/ 28، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 20.

(3) وسائل الشيعة: 19/ 25، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 5.

18

..........

____________

بعضها، كما في مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدّمة، و ليس المذكور في جميعها كلمة «العمد» حتى تحمل على شبه العمد، بل الحكم بالقود الذي لا يتحقّق إلّا بعد ثبوت موجبه الذي هو العمد محضاً، فالترجيح مع هذا الوجه.

ثم إنّه لو فرض ثبوت التعارض و عدم إمكان الجمع لكان الترجيح مع الطائفة الأولى، الموافقة للشهرة الفتوائية المحققة، كما مرّت الإشارة إليه مراراً.

المورد الثالث: ما إذا قصد فعلًا يقتل به غالباً و إن لم يقصد القتل به، و قيل: يفهم من الغنية الإجماع عليه (1)، و هو الذي تقتضيه القاعدة، لأنّ القصد إلى الفعل الذي يتحقّق به القتل غالباً مع التوجه و الالتفات إلى ذلك لا يكاد ينفكّ من قصد القتل، غاية الأمر أنّه يصير القتل مقصوداً بالتبع، و الفعل يكون مقصوداً بالأصالة، و هو لا يوجب الخروج عن عنوان العمد، فإنّ من ضرب الغير بآلة قتّالة مع العلم بكونها كذلك يكون عند العرف قاتلًا بالقتل العمدي، و إن كان غرضه غير القتل كامتحان الآلة، أو امتحان رميه إيّاها، أو غير ذلك من الأغراض.

و يدلّ عليه مضافاً إلى ما ذكرنا صحيحة الحلبي و أبي الصباح الكناني جميعاً، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال (قالا ظ) سألناه عن رجل ضرب رجلًا بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتى مات، أ يدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال: نعم، و لكن لا يترك يعبث به، و لكن يجيز عليه بالسيف (2). و مثلها رواية موسى بن بكر (3). و رواية سليمان بن خالد (4).

____________

(1) غنية النزوع: 402.

(2) وسائل الشيعة: 19/ 24، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 2.

(3) وسائل الشيعة: 19/ 26، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 10.

(4) وسائل الشيعة: 19/ 27، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 12.

19

..........

____________

و العصا و إن لم يكن بمجرده من الآلات القتّالة، إلّا أنّ تكرار الضرب به و عدم قلع الضرب عنه يوجب صيرورته من هذه الآلات. و مقتضى إطلاق السؤال و ترك الاستفصال أنّه لا فرق بين ما إذا كان مراد الضارب القتل أو مجرّد الضرب فقط، و عليه فظاهر الجواب كون هذا المورد أيضاً من موارد العمد التي فيها القصاص، و الظاهر أنّ المراد من قوله (عليه السّلام): «و لكن لا يترك يعبث به» هو عدم المعاملة مع القاتل معاملة ما صنعه بالمقتول، بل يسرع عليه بالسيف الذي يوجب قتله من دون زجر و تمثيل. يقال: أجاز عليه، أي أجهزه و أسرع في قتله. و عليه فالروايات المذكورة مطابقة لما تقتضيه القاعدة.

ثمّ إنّ بعض الأعلام استدلّ لكون المورد الثالث من موارد العمد بصحيحة فضل ابن عبد الملك التي رواها الصدوق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام)، أنّه قال: إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد. قال: سألته عن الخطأ الذي فيه الدية و الكفارة أ هو أن يعتمد ضرب رجل و لا يعتمد قتله؟ فقال: نعم، قلت: رمى شاة فأصاب إنساناً، قال: ذاك الخطأ الذي لا شكّ فيه، عليه الدية و الكفّارة (1).

قال في تقريب الاستدلال بها: إنّها تدلّ على أنّ الضرب بالحديدة الذي يترتّب عليه القتل عادة من القتل العمدي، و إن لم يقصد الضارب القتل ابتداء، و أمّا مع قصد القتل فلا خصوصية للحديدة (2).

و يرد عليه، انّ الحديدة لا تكون من الآلات القتّالة، لأنّ المراد بها هي الحديدة الصغيرة، و قد جعلها في بعض الروايات المتقدّمة في رديف الحجر و العصا و الوكزة،

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 26، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 9.

(2) مباني تكملة المنهاج: 2/ 4 مسألة 1.

20

..........

____________

و المراد من ضرب الرجل بها هو الضرب المقرون مع قصد القتل و إرادته، و يدلّ عليه سؤال الراوي بعده عن الخطأ، و أنّه هو أن يعتمد ضرب رجل و لا يعتمد قتله الظاهر في أنّ الفرق بينه و بين العمد هو إرادة القتل فيه دونه، و عليه فالرواية تنطبق على المورد الثاني دون الثالث.

كما أنّه استدلّ له أيضاً بصحيحة أبي العباس و زرارة المتقدّمة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام)، قال: إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله، و الخطأ أن يتعمّده و لا يريد قتله يقتله بما لا يقتل مثله، و الخطأ الذي لا شك فيه أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه (1). نظراً إلى أنّ التقييد بقوله (عليه السّلام) «بما لا يقتل مثله» يدلّ على أنّ الآلة إذا كانت قتّالة فليس هو من الخطأ، و إن لم يقصد القتل ابتداءً (2).

و يرد عليه أنّ هذا التقييد كما وقع في الخطأ وقع التقييد بما يقتل مثله في العمد، مع أنّ الظاهر عدم كونه مقيّداً به، لما عرفت في المورد الثاني من أنّ قصد القتل يوجب تحقّق العمد و إن لم تكن الآلة قتّالة، فالإنصاف أنّ الدليل في هذا المورد هي الروايات التي أوردناها، و قد استدلّ بها صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (3).

بقي الكلام في أنّه هل يتحقّق العمد فيما إذا لم يقصد القتل و لم يكن الفعل مؤثِّراً في القتل بحسب الغالب أو لا يتحقّق؟ فيه وجهان، بل قولان، حكى عن الغنية الإجماع على الثاني (4). و قال في الجواهر: لا أجد فيه خلافاً بين المتأخّرين (5).

____________

(1) تقدّمت في ص 16.

(2) مباني تكملة المنهاج: 2/ 4 مسألة 1.

(3) جواهر الكلام: 42/ 14.

(4) غنية النزوع: 402.

(5) جواهر الكلام: 42/ 16.

21

..........

____________

و لكن المحكي عن الشيخ في المبسوط: أنّه عمد (1)، كالمورد الثالث إمّا مطلقاً كما حكاه عنه بعض (2)، أو في خصوص الأشياء المحدّدة فقط، كما هو مقتضى العبارة المحكية عنه في كشف اللثام (3).

و أمّا بالنظر إلى الرواية، فقد ذكر المحقّق في الشرائع: أنّ فيه روايتين: أشهرهما أنّه ليس بعمد يوجب القود (4). و مراده هو الطائفتان من الروايات، لا خصوص روايتين، و لا بدّ قبل ملاحظتهما من النظر في أنّ مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن الرواية هل هو الوجه الأوّل أو الثاني.

فنقول: ظاهر الجواهر بل صريحه هو الأوّل، نظراً إلى أنّه لا مدخلية للقصد في صدق القتل عرفاً، بل و لا في صدق القتل عمداً؛ لأنّ معناه حصوله على جهة القصد إلى الفعل عدواناً الذي حصل به القتل، و إن كان ممّا يقتل نادراً. إذ ليس في شي‌ء من الأدلّة العمد إلى القتل، بل و لا العرف يساعد عليه، فإنّه لا ريب في صدق القتل عمداً على من ضرب رجلًا عاديا غير قاصد للقتل، أو قاصداً عدمه فاتّفق ترتّب القتل على ضربه العادي منه المتعمّد له (5).

و يدلّ عليه عدم ثبوت قصد القتل في المورد الثالث من موارد القتل عمداً، فيظهر منه عدم كون إرادة القتل دخيلة في تحقّق عنوان العمد أصلًا، و لكنّ الظّاهر خلاف ما أفاده، نظراً إلى عدم صدق تفسير الموجب للقصاص عليه و عدم‌

____________

(1) المبسوط: 7/ 16.

(2) كالشهيد الثاني في مسالك الأفهام: 15/ 68.

(3) كشف اللثام: 2/ 439.

(4) شرائع الإسلام: 4/ 971.

(5) جواهر الكلام: 42/ 17 18.

22

..........

____________

مساعدة العرف أيضاً، فإنّه لا يقال لمن ضرب الغير بالكفّ مثلًا ضربة واحدة غير مؤثّرة في القتل نوعاً، و لكن اتّفق موته بسببها علىٰ خلاف الغلبة: أنّه تحقّق منه قتل العمد و أزهق النفس المحترمة عمداً. و قد ذكرنا أنّ ثبوت هذا العنوان في المورد الثالث إنّما هو بلحاظ عدم انفكاك قصد القتل عن قصد الفعل مع الالتفات إلى كون الآلة قتّالة، و إن كان مقصوده الأصلي غير القتل، و عليه فالظّاهر أنّ مقتضى القاعدة عدم تحقّق العمد في المقام.

و أمّا الروايات، فطائفة منها ظاهرة في ذلك، مثل صحيحة فضل بن عبد الملك المتقدّمة في المورد الثالث، نظراً إلى قوله: «سألته عن الخطأ الذي فيه الدية و الكفّارة، أ هو أن يعتمد ضرب رجل و لا يعتمد قتله؟ قال: نعم». فإنّ مقتضاه تحقّق الخطأ الذي يكون المراد به شبه العمد مع عدم قصد القتل، و عدم كون الآلة قتّالة، كما هو المفروض في كلام الإمام (عليه السّلام) قبل هذا السؤال و هو الضرب بالحديدة، و كذا صحيحة أبي العبّاس و زرارة المتقدّمة في المورد الثالث أيضاً، فإنّ قوله (عليه السّلام): «و الخطأ أن يتعمّده و لا يريد قتله، يقتله بما لا يقتل مثله» ظاهر في تحقّق الخطأ بالمعنى المذكور مع اجتماع عدم إرادة القتل، و كون الفعل غير مؤثِّر في القتل نوعاً.

و كذا صحيحة أُخرى لأبي العباس، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال: قلت له: أرمي الرجل بالشي‌ء الذي لا يقتل مثله، قال: هذا خطأ، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها، قلت: أرمي الشاة فأُصيب رجلًا، قال: هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه، و العمد الذي يضرب بالشي‌ء الذي يقتل بمثله (1) فإنّ الظاهر أو القدر المتيقّن من قوله: «أرمي الرجل» هو الرمي الخالي عن إرادة القتل، فتدلّ الرواية على كونه خطأ.

____________

(1) تقدّمت في ص 16.

23

..........

____________

و جملة منها ظاهرة في تحقّق العمد في المقام، مثل رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال: لو أنّ رجلًا ضرب رجلًا بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً (1). فإنّ ظاهره إمّا خصوص صورة إرادة مجرّد الضرب دون القتل، أو أنّ مقتضى إطلاقه الشمول لهذه الصورة، و على أيّ حال فتدلّ الرواية على تحقّق العمد في المقام.

و مرسلة جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب فعليه القود، و إنّما الخطأ أن تريد الشي‌ء فتصيب غيره. الحديث (2) فإنّ مقتضى إطلاق إرادة الضرب الشمول لما إذا كان المراد الضرب فقط في مقابل القتل.

و صحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السّلام): العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كلّه عمد، و الخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره (3)، نظراً إلى أنّ الآلات المذكورة فيها التي لا تكون قتّالة نوعاً شاهد على عدم كون المراد من قوله: «اعتمد شيئاً» هو قصد قتله و إرادة إزهاق نفسه فقط، لعدم اجتماعه مع شي‌ء من هذه الآلات، بل أعمّ منه و ممّا إذا كان المراد مجرّد الضرب فقط. و غير ذلك من الروايات.

و اللّازم أن يقال: إمّا بلزوم تقييد إطلاقات الطائفة الثانية على تقدير ثبوت الإطلاق لها، كما عرفت في بعضها بمقتضى الطائفة الأُولى الظاهرة بل الصريحة في عدم تحقّق العمد في المقام، و إمّا بلزوم ترجيح الطائفة الأُولىٰ على الثانية علىٰ فرض‌

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 26، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 8.

(2) وسائل الشيعة: 19/ 25، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 6.

(3) وسائل الشيعة: 19/ 24، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 3.

24

[مسألة 2 العمد قد يكون مباشرة]

مسألة 2 العمد قد يكون مباشرة: كالذبح و الخنق باليد و الضرب بالسيف و السكين، و الحجر الغامز، و الجرح في المقتل، و نحوها ممّا يصدر بفعله المباشري عرفاً ففيه القود، و قد يكون بالتسبيب بنحو، و فيه صور نذكرها في ضمن المسائل الآتية (1).

____________

ثبوت التعارض للشهرة الفتوائية المحقّقة كما مرّ، فتصير النتيجة موافقة للطائفة الأُولىٰ.

(1) قد مرّ في تعريف موجب القصاص أنّ المدار فيه إنّما هو على قتل النفس المحترمة عمداً، كما أنّ المستفاد من الروايات المتقدّمة أيضاً ذلك، و عليه فلا بدّ في تحقّق ذلك من إضافة القتل إلى الفاعل و اتّصافه بوقوعه عن عمد، و قد مرّ أيضاً أنّ موارد العمد لا يتجاوز عن ثلاثة، فاللّازم في جميع موارد ثبوت القصاص من تحقّق هذا العنوان إلّا فيما إذا ثبت بدليل خاصّ علىٰ خلاف القاعدة، و عليه فليس في شي‌ء من الأدلّة عنوان الحكم بلفظ المباشرة و السبب، بل الموجود فيها هو عنوان قتل العمد.

و لكنّ العمد قد يتحقّق بالمباشرة، كالأمثلة المذكورة في المتن، و كسقي السمّ القاتل بإيجاره في حلقه، و بعض التزريقات المهلكة، و غير ذلك من موارد صدور القتل المباشر، و لا إشكال في ثبوت القصاص في جميع هذه الموارد.

و قد يتحقّق بالتسبيب لا مطلقاً، بل ببعض مراتبه و هو ما إذا انفرد الجاني بالتسبيب المتلف، و فيه صور مذكورة في ضمن المسائل الآتية.

و أمّا الشرط فلا يجب به قصاص أصلًا، لعدم تحقّق عنوان قتل العمد بسببه، لأنّ المراد به ما يقف عليه تأثير المؤثِّر من دون أن يكون دخيلًا في العلّة للزهوق، مثل حفر البئر بالنسبة إلى الوقوع فيها، فإنّ الوقوع مستند إلى علّته و هي‌

25

[مسألة 3 لو رماه بسهم أو بندقة فمات فهو عمد]

مسألة 3 لو رماه بسهم أو بندقة فمات فهو عمد، عليه القود و لو لم يقصد القتل به، و كذا لو خنقه بحبل و لم يزح عنه حتّى مات، أو غمسه في ماء و نحوه و منعه عن الخروج حتى مات، أو جعل رأسه في جراب النورة حتى مات، إلى غير ذلك من الأسباب التي انفرد الجاني في التسبيب المتلف فهي من العمد (1).

____________

التخطّي، و البئر شرط للتأثير بمعنى أنّه لو لم يحفرها لم يتحقّق القتل أصلًا، لكنّه لم يكن دخيلًا في الوقوع، بل الوقوع مستند إلى ما ذكر من التخطّي، و هو موجب لتحقّق القتل.

و بالجملة: فالضابط ما ذكرنا من صدق عنوان قتل العمد من دون أن يكون عنوان آخر دخيلًا في الحكم، فلا بدّ في الحكم بثبوت القصاص من ملاحظة تحققه، و عليه ففي جميع المسائل الآتية ليس المدار غير ما ذكر.

(1) هذه هي الصورة الأُولى من صور انفراد الجاني بالتسبيب المتلف، و الحكم بثبوت القود في الفرض الأوّل إنّما هو لأجل كون مثل السهم و البندقة من الآلات المؤثِّرة في القتل غالباً، و عليه فلا فرق بين ما إذا قصد القتل به و بين ما إذا لم يقصد، لما عرفت من اشتراك كلّ من الفرضين في تحقّق عنوان العمد مع كون الآلة كذلك، أي مؤثِّرة في القتل غالباً، لكن لا بدّ من تقييد ذلك بما إذا وقع في المقتل، فإنّه لو أراد برميه غير المقتل فأصاب المقتل، كما إذا كان المراد من رميه هو الوقوع في الرِّجل الذي لا يؤثِّر في القتل نوعاً، و لكنّه أصاب المقتل علىٰ خلاف ما أراد، فالظاهر عدم تحقّق قتل العمد، بل لا يبعد أن يقال بكونه من مصاديق قتل الخطأ المحض، فإنّ قوله (عليه السّلام) في بعض الروايات المتقدّمة: «إنّما الخطأ أن تريد شيئاً فتصيب غيره» يشمل بإطلاقه مثل المقام الذي أراد ضرب الرجل فأصاب المقتل، فإنّه لا فرق بينه‌

26

[مسألة 4 في مثل الخنق و ما بعده، لو أخرجه منقطع النفس]

مسألة 4 في مثل الخنق و ما بعده، لو أخرجه منقطع النفس أو غير منقطع لكن متردّد النفس فمات من أثر ما فعل به فهو عمد عليه القود (1).

[مسألة 5 لو فعل به أحد المذكورات بمقدار لا يقتل مثله غالباً لمثله]

مسألة 5 لو فعل به أحد المذكورات بمقدار لا يقتل مثله غالباً لمثله، ثم أرسله فمات بسببه، فإن قصد و لو رجاء القتل به ففيه القصاص، و إلّا فالدية، و كذا لو داس بطنه بما لا يقتل به غالباً، أو عصر خصيته فمات، أو أرسله منقطع القوة فمات (2).

____________

و بين ما إذا أراد قتل حيوان فأصاب إنساناً فقتله.

و هذا التقييد لا يجري في سائر الأمثلة و الفروض المذكورة في المتن، فإنّه بالخنق بالحبل و عدم الإرخاء حتى الموت، أو الغمس في مثل الماء و منعه عن الخروج كذلك، أو جعل رأسه في جراب النورة كذلك أيضاً يتحقّق العنوان الموجب للقصاص من دون تقييد، و لو لم يقصد القتل به أصلًا.

(1) الوجه في ذلك وضوح استناد الموت إلى الخنق و الغمس و جعل الرأس في جراب النورة، و لو كان في حال الإخراج منقطع النفس أو متردّدة و بقي مريضاً زمناً حتّى مات، بل في كشف اللثام: طالت المدّة قدراً يقتل الخنق في مثله غالباً أو لا (1). و قد عرفت أنّه لا فرق بين صورة قصد القتل و عدمه بعد كون مثل الخنق مؤثّراً في حصول القتل غالباً.

(2) الوجه في التفصيل بين صورة قصد القتل و بين غيرها ظاهر بملاحظة ما ذكرنا، فإنّه مع كون المفروض عدم تأثير العمل في قتله بحسب الغالب، كما في‌

____________

(1) كشف اللّثام: 2/ 440.

27

[مسألة 6 لو كان الطرف ضعيفاً]

مسألة 6 لو كان الطرف ضعيفاً لمرض أو صغر أو كبر و نحوها، ففعل به ما ذكر في المسألة السابقة فالظاهر أنّ فيه القصاص و لو لم يقصد القتل مع علمه بضعفه، و إلّا ففيه التفصيل المتقدّم (1).

____________

الأمثلة المذكورة في المسألة الثالثة مع التقييد بالمقدار الذي لا يكون موجباً لقتله كذلك، و كما فيما لو داس بطنه أي وطئه برجله أو عصر خصيته مع التقييد بالمقدار المذكور، و لكنّه أثّر في القتل علىٰ خلاف الغلبة لا يبقىٰ مجال لتحقّق عنوان قتل العمد إلّا من ناحية قصد القتل، لاعتبار أحد الأمرين علىٰ سبيل منع الخلوّ في تحقّقه كما عرفت، و تحقّق القصد مع كون المفروض عدم التأثير في القتل غالباً إنّما هو بنحو الرجاء و الاحتمال الناشئ عن التأثير مع وصف الندرة، كما لا يخفى.

ثمَّ إنّه لا فرق في هذه الجهة بين ما إذا تحقّق الموت حينما داس بطنه أو عصر خصيته، و بين ما إذا أرسله منقطع القوّة فمات، كما عرفت في المسألة الرابعة.

(1) المقصود من هذه المسألة أمران:

أحدهما: أنّه لا بدّ في ملاحظة مقدار التأثير، و أنّه هل يؤثّر في القتل غالباً أم لا، و من ملاحظة حال الطرف من جهة القوّة أو الضعف الناشئ عن المرض أو الصغر أو الكبر أو نحوهما، فربّما يكون الخنق بالحبل مثلًا في زمان قليل مؤثِّراً في قتل الضعيف نوعاً، و لا يؤثّر في هذا المقدار من الزمان في قتل القويّ كذلك، فاللّازم ملاحظة حال الطرف من هذه الجهة.

ثانيهما: إنّ الملاك ليس هو الضعف الواقعي بمجرّده، بل العلم بثبوت هذا الضعف فيه، فلو كان بحسب الواقع ضعيفاً و لكنّه كان الجاني جاهلًا بذلك لا يكاد‌

28

[مسألة 7 لو ضربه بعصا مثلًا فلم يقلع عنه حتّى مات]

مسألة 7 لو ضربه بعصا مثلًا فلم يقلع عنه حتّى مات، أو ضربه مكرّراً ما لا يتحمّله مثله بالنسبة إلى بدنه، ككونه ضعيفاً أو صغيراً، أو بالنسبة إلى الضرب الوارد، ككون الضارب قويّاً، أو بالنسبة إلى الزمان، كفصل البرودة الشديدة مثلًا فمات فهو عمد (1).

____________

يتحقّق قتل العمد إذا لم يكن قاصداً للقتل. و الوجه فيه عدم صدق العنوان الموجب للقود مع الجهل بالحال. و إن كان يظهر الاستشكال فيه من بعض أو الميل إلى العدم، كما من صاحب الجواهر (1) بناء على ما رجّحه من التوسعة في قتل العمد، كما عرفت.

(1) المقصود من هذه المسألة التنبيه على أنّه لا بدّ في مثل ضرب العصا من جهة اتّصافه بأنّه يتحمّل أوّلًا من ملاحظة المضروب من جهة الضعف و القوّة، كما مرّ في المسألة السابقة، و من ملاحظة الضارب و الضرب الصادر منه، و أنّه هل يكون قويّاً أو لا، و من ملاحظة زمان الضرب و أنّه هل يكون فصل البرودة الشديدة التي يكون تأثير الضرب فيها أكثر من غيره من الفصول.

و هذا الفرض من الضرب بالعصا مضافاً إلى أنّ مقتضى القاعدة أنّ حكمه هو القصاص لتحقّق موجبه الذي هو قتل العمد قد ورد فيه بعض الروايات.

مثل: رواية الحلبي و أبي الصباح الكناني جميعاً قال: سألناه عن رجل ضرب رجلًا بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات، أ يدفع إلىٰ وليّ المقتول فيقتله؟ قال: نعم، و لكن لا يترك يعبث به، و لكن يجيز عليه بالسيف (2). فإنّ الظاهر أنّ‌

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 17 18.

(2) وسائل الشيعة: 19/ 24، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 2.

29

..........

____________

مورد السؤال هي صورة عدم قصد القتل بقرينة السؤال الحاكي عن وجود شبهة موجبة له، و من الواضح أنّه لو فرض ثبوت القصد مع كون العمل مؤثِّراً في القتل لا مجال للشبهة أصلًا؛ لأنّه المورد الظاهر من قتل العمد. فنفس السؤال قرينة علىٰ عدم ثبوت قصد القتل بوجه، و علىٰ تقدير التنزّل فمقتضى إطلاق السؤال و ترك الاستفصال في الجواب عدم الفرق بين صورتي القصد و عدمه، و على أيّ تقدير فالرواية تدلّ علىٰ حكم المقام، و أنّه هو ثبوت العمد و لو مع عدم القصد.

و مرسلة يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام)، قال: إن ضرب رجل رجلًا بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد فالدية على القاتل، و إن علاه و ألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله فهو عمد يقتل به، و إن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد (1). بناء على أنّ المراد من قوله (عليه السّلام): «و إن علاه» ليس إذا كان قاصداً للقتل، و إن كان قوله (عليه السّلام): «حتّى يقتله» مشعراً بذلك، لأنّه ظاهر في أنّ الفرق بين هذا الفرض و بين الفرض الأوّل المذكور في الرواية ليس إلّا في مجرّد كون مورد الفرض الأوّل هو الضرب بمثل العصا ضربة واحدة من دون أن يكون مقروناً بقصد القتل، و مورد الفرض الثاني هو الضرب مع الإلحاح و التكرّر المنجرّ إلى الموت.

فلو كان المفروض في هذه الصورة تحقّق قصد القتل أيضاً يلزم ثبوت الاختلاف بين الفرضين من وجهين، و هو خلاف ظاهر الرواية، و عليه فيكون قوله (عليه السّلام): «حتّى يقتله» في هذه الرواية بمعنى قوله (عليه السّلام): «حتّى مات» في الرواية الأُولىٰ،

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 25، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 5.

30

[مسألة 8 لو ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً بسببه]

مسألة 8 لو ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً بسببه و مات به فالظاهر أنّه مع عدم قصد القتل لا يكون عمداً و لا قود، و مع قصده عليه القود (1).

____________

فالإنصاف ظهور الروايتين في أنّ الضرب المؤثِّر في القتل نوعاً موجب لتحقق موجب القصاص، و إن لم يكن مقروناً بقصد القتل.

(1) و ربما يقال بثبوت عنوان قتل العمد الموجب للقصاص في المقام و إن لم يكن مقروناً بقصد القتل، قال في المسالك في وجهه: لأنّ ضربه و إن لم يكن قاتلًا غالباً و لا قصده، إلّا أنّ أعقابه للمرض الذي حصل به التلف صيّر الأمرين بمنزلة سبب واحد، و هو ممّا يقتل غالباً؛ و إن كان الضرب علىٰ حدته مما لا يقتل. و يؤيّده ما سيأتي من أنّ سراية الجرح عمداً يوجب القود و إن كان الجرح قاتلًا، و هذا من أفراده؛ لأنّ المرض مسبَّب من الجرح، و منه نشأ الهلاك، فكان في معنى السراية. و بهذا الحكم صرّح في القواعد (1) و التحرير (2).

و لكنّه استشكل فيه بقوله: و لا يخلو من إشكال، لأنّ المعتبر كما تقدّم إمّا القصد إلى القتل أو فعل ما يقتل غالباً، و المفروض هنا خلاف ذلك، و إنّما حدث القتل من الضرب و المرض المتعقب له، و المرض ليس من فعل الضارب، و إن كان سبباً فيه (3).

و أمّا صاحب الجواهر فقد اختار فيها (4) أنّه عمد مطلقاً، نظراً إلى مسلكه من‌

____________

(1) قواعد الأحكام: 2/ 278.

(2) تحرير الأحكام: 2/ 241.

(3) مسالك الأفهام: 15/ 70.

(4) جواهر الكلام: 42/ 24.

31

..........

____________

عدم اعتبار قصد القتل و لا كون الشي‌ء ممّا يقتل مثله غالباً، إذ هو عمد إلى القتل، لا قتله عامداً، و العنوان في الأدلّة الثاني لا الأوّل. و ذكر أنّ ما في بعض النصوص من عدم تحقّق العمد فيما إذا ضرب ضربة بالعصا فمات المضروب إنّما هو علىٰ خلاف القاعدة فيقتصر فيه علىٰ مورده، و أمّا المقام فلم يدلّ دليل علىٰ خروجه، فيبقى تحت القاعدة و يحكم بكونه عمداً، و الحكم بثبوت القود في مورد سراية الجرح غير القاتل إنّما هو لهذه الجهة، لا لأجل كونه بسبب السراية يصير ممّا يقتل مثله.

و الحقّ أن يقال بناءً على ما اخترناه من اعتبار أحد الأمرين في تحقّق عنوان العمد علىٰ سبيل منع الخلوّ، و لازمه كون ما ورد في الضربة بالعصا من النصوص الدالّة على أنّه يشبه العمد إنّما هو علىٰ وفق القاعدة لا علىٰ خلافها-: إنّ اللّازم في المقام التفصيل في صورة عدم قصد القتل ابتداءً و أصالة، بين ما إذا علم الضارب بأنّ ضربه يعقب المرض و أنّه يؤثّر في القتل غالباً، و بين صورة الجهل بذلك، ففي الصورة الأولىٰ لا ينفكّ علمه بذلك عن قصد القتل تبعاً؛ لوضوح أنّه مع العلم بأنّ ضربه معقِّب للمرض الذي يترتّب عليه الموت كيف لا يكون قاصداً للقتل تبعاً، و لو لم يقصده بالأصالة.

و أمّا في صورة الجهل فلا وجه لتحقّق عنوان العمد، بعد ما كان الصادر منه هو الضربة الواحدة غير المؤثِّرة في القتل غالباً، و إعقابها للمرض المؤثّر فيه لم يكن معلوماً له بوجه. و قد مرّ في المسألة السادسة أنّ ثبوت القصاص في ضرب الضعيف المؤثّر في قتله إنّما هو فيما إذا كان الضارب عالماً بضعفه، و لا يشمل صورة الجهل، فالمقام أيضاً من هذا القبيل. و لعلّ الحكم بثبوت العمد في مورد سراية الجرح غير القاتل إنّما هو في خصوص صورة العلم بالسراية المؤثرة في القتل دون الأعمّ منها و من صورة الجهل. و سيأتي البحث فيه إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

32

[مسألة 9 لو منعه عن الطعام أو الشراب مدّة لا يحتمل لمثله البقاء]

مسألة 9 لو منعه عن الطعام أو الشراب مدّة لا يحتمل لمثله البقاء فهو عمد و إن لم يقصد القتل، و إن كان مدّة يتحمّل مثله عادة و لا يموت به لكن اتفق الموت، أو أعقبه بسببه مرض فمات ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً و لو رجاءً أو لا (1).

[مسألة 10 لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتّى مات]

مسألة 10 لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتّى مات، أو منعه عنه حتّى مات قتل به، و لو لم يخرج منها عمداً و تخاذلًا فلا قود و لا دية قتل، و عليه دية جناية الإلقاء في النار، و لو لم يظهر الحال و احتمل الأمران لا يثبت قود و لا دية (2).

____________

(1) لا إشكال في ثبوت العمد الموجب للقصاص في الفرض الأوّل و إن لم يقصد القتل، لأنّ المفروض عدم تحمّل مثله من جهة السنّ و الحال و غيرهما؛ للممنوعية عن الطعام أو الشراب في تلك المدة.

كما أنّه لا إشكال في عدم تحقّق العمد مع عدم قصد القتل فيما إذا كان المنع مدّة يتحمّل مثله عادة و لا يموت به غالباً، و لكن تحقّق الموت علىٰ سبيل المصادفة و الاتفاق، كضربة واحدة بمثل العصا، و أمّا فيما إذا أعقب مرضاً و صار المرض سبباً للموت فاللّازم بمقتضىٰ ما مرّ في المسألة المتقدّمة التفصيل مع عدم قصد القتل، بين صورة علمه بذلك و أنّ المنع يعقب مرضاً كذلك، فيتحقّق العمد لثبوت قصد القتل لا محالة و لو تبعاً؛ و بين صورة الجهل بذلك، فلا وجه للقصاص لعدم تحقّق العمد بوجه.

(2) في هذه المسألة فروع:

الأوّل: ما لو طرحه في النار، و لكنّه كان عاجزاً عن الخروج مع العلم بذلك أو‌

33

..........

____________

منعه عنه حتّى مات، و لا إشكال فيه في ثبوت القود، لتحقّق موجبه الذي هو قتل العمد، لكون العمل مؤثِّراً في القتل و الموت من دون فرق بين صورة العجز و صورة المنع، و هذا واضح.

الثاني: ما لو طرحه في النار و لكنّه كان قادراً على الخروج، و مع ذلك لم يخرج منها عمداً و تخاذلًا، و لا ينبغي الإشكال في عدم استناد القتل في هذا الفرض إلى الملقي، بل هو مستند إلى البقاء الذي هو فعل اختياريّ للمطروح، ضرورة أنّه لو لم يختر المكث و البقاء لما تحقّق الموت أصلًا، فالموت مستند إلى نفسه لا محالة، و لا يستند إلى عمل الملقي الذي هو مجرّد الإلقاء الذي لا يترتّب عليه الموت. و منه يظهر أنّه كما لا مجال للقصاص في هذا الفرض، لا يثبت دية أيضاً؛ لأنّ ثبوت الدية فرع الاستناد، و لو كان بنحو الخطأ أو شبه العمد، و المفروض انتفاء الاستناد رأساً. نعم لو ترتّب على مجرّد الإلقاء جناية تجب ديتها على الملقي، و لكنّها لا ترتبط بالقتل الموجب للقصاص أو الدية.

ثمّ إنّ الفرق بين هذه الصورة، و بين ما إذا كان قادراً على المعالجة و المداواة، و لكنّه تركها اختياراً حتّى مات الذي ادّعىٰ صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (1) فيه الاتفاق على الضمان هو أنّه مع ترك المعالجة و إن كان يتحقّق التقصير بملاحظة عدم رعاية حفظ النفس الواجب عليه لأنّ المفروض القدرة عليه، إلّا أنّه لا يوجب استناد الموت إلى التارك لها، بل الموت مستند إلى مثل الجارح، فإنّ الجرح صار سبباً لتحقق الموت، و إن كان المجروح قادراً على إيجاد المانع بسبب المعالجة، إلّا أنّ استناد الموت إنّما هو إلى المقتضي و السبب دون عدم المانع. و هذا كما لو كان من يراد‌

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 27.

34

..........

____________

قتله قادراً على الفرار و لكنّه لم يفرّ، فقتل، فإنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ القتل إنّما يكون مستنداً إلى القاتل لا إلى المقتول، باعتبار القدرة على الفرار المانع عن تحقّق القتل. و هذا بخلاف المقام فإنّ الموت مستند إلى البقاء في النّار اختياراً، و لا مجال لاستناده إلى الإلقاء.

و بعبارة أُخرى: السبب في المقام هو البقاء، و إن كان اختياره متفرّعاً على الإلقاء، بمعنى أنّه لولا الإلقاء لما اختار البقاء، إلّا أنّ ذلك لا يوجب الاستناد إلى الإلقاء بوجه.

الثالث: صورة الشك في أنّ عدم الخروج هل كان مستنداً إلى العجز أو ناشئاً عن التعمّد و التخاذل، و فيه وجهان، بل قولان. يظهر القول بثبوت القصاص من المحقّق في الشرائع، حيث قال: «لو طرحه في النار فمات قتل به، و لو كان قادراً على الخروج لأنّه قد يشدّه، و لأنّ النار قد تشنج الأعصاب بالملاقاة، فلا يتيسر الفرار» (1).

و ليس مراده من القدرة على الخروج هي القدرة عليه المساوقة للتعمّد و التخاذل، لأنّه مضافاً إلى وضوح عدم ثبوت القصاص في مورد التعمّد لا يلائمه التعليل، لأنّ ظاهره أنّ الدهشة الحاصلة و كذا تشنّج الأعصاب بالملاقاة ربّما يمنع عن الفرار، فالمفروض صورة الشك، و التعميم إنّما هو بلحاظ هذه الصورة.

و يظهر من العلّامة في القواعد عدم ثبوت القصاص، قال: «و إن تركه في نار فتمكّن من التخلّص منها لقلّتها أو لكونه في طرفها يمكنه الخروج بأدنى حركة فلم يخرج فلا قصاص، و في الضمان للدية إشكال، أقربه السقوط، إن علم أنّه ترك‌

____________

(1) شرائع الإسلام: 4/ 972.

35

..........

____________

الخروج تخاذلًا؛ و لو لم يعلم ذلك ضمنه، و إن قدر على الخروج، لأنّ النار قد ترغبه و تدهشه و تشنج أعضائه بالملاقاة فلا يظفر بوجه المخلّص» (1).

فإنّ التفصيل في الدية بين صورة العلم بالتخاذل و صورة الشكّ فيه مع إطلاق الحكم بعدم ثبوت القصاص يعطي عموم الحكم بالعدم فيه، و إن كان ظاهر صدر العبارة يشعر بالاختصاص بصورة العلم بالتخاذل، كما لا يخفىٰ.

و قد ذكر الشهيد في المسالك في وجه ثبوت القصاص في المقام: أن السبب المقتضي للضمان و هو الإلقاء متحقّق، مع الشك في المسقط، و هو القدرة على الخروج مع التهاون فيه، و لا يسقط الحكم بثبوت أصل القدرة ما لم يعلم التخاذل عن الخروج، لاحتمال أن يعرض له ما يوجب العجز من دهشة و تحيّر، أو تشنّج أعضائه و نحو ذلك (2).

و يرد عليه أنّه لم يدلّ دليل علىٰ سببيّة الإلقاء للضمان، و من الواضح افتقار السببية إلى جعل الشارع و قيام الدليل. و قد حقّقنا في الأصول أنّ الأحكام الوضعيّة بأجمعها مجعولة للشارع، غاية الأمر أنّ تعلّق الجعل ببعضها ربّما يكون بجعل منشأ انتزاعه، و إن كان يمكن فيه الجعل مستقلا أيضاً.

و بالجملة: اقتضاء الإلقاء بمجرّده للضمان و سببيّته له لم يدلّ عليه دليل بوجه، فلا مجال لما في المسالك.

مضافاً إلى أنّ الظاهر أنّ مراده من المسقط هو المانع، و عليه لا يحكم بترتّب المقتضى بالفتح مع إحراز المقتضي بالكسر و الشكّ في وجود المانع.

____________

(1) قواعد الأحكام: 2/ 279.

(2) مسالك الأفهام: 15/ 73.

36

..........

____________

و يظهر من كاشف اللّثام في وجه ترديد القواعد في الحكم بالدية ما يجري في القصاص أيضاً. قال: «و مبنى الوجهين على تعارض ظاهرين و أصلين، فإنّ الظاهر من حال الإنسان أنّه لا يتخاذل عن الخروج حتى يحترق، و ظاهر النار المفروضة سهولة الخروج عنها، و أنّه لا يحترق بها إلّا من تعمّد اللّبث فيها، و الأصل براءة الذمّة، و الأصل عدم الشركة في الجناية (1).

و يرد عليه مضافاً إلى المناقشة في مثل أصالة عدم الشّركة في الجناية، فإنّ الشركة فيها ليست لها حالة سابقة وجودية أو عدميّة، مع أنّ هذا الأصل لا يثبت استقلال المُلقى، إلّا على القول بالأصل المثبت الذي هو على خلاف التحقيق، و أنّ الشك ليس في الشركة و عدمها، بل في استقلال المُلقى في الجناية و استقلال المطروح في النار فيها، فالترديد إنّما هو في استقلال المُلقى أو المطروح أنّ ما هو العمدة في الحكم بعدم القصاص هو عدم إحراز موضوع الحكم بالقصاص، و هو قتل العمد، فإنّه مع احتمال كون الموت ناشئاً عن البقاء الاختياري في النار و معه لا يستند الموت إلى المُلقى بوجه يشك في استناد القتل إليه و صدوره منه، و مع الشك في صدور القتل منه و عدمه لم يحرز عنوان قتل العمد الّذي يعتبر فيه أوّلًا إضافة القتل إلى من يراد قصاصه، و مع الشكّ في ذلك و عدم إحرازه لا يبقى مجال لترتيب الحكم بالقصاص.

فالعمدة في مبنى المسألة ما ذكرنا من عدم إحراز الموضوع و الشك في تحقّقه، و منه يظهر أنّه كما لا وجه للقصاص في هذه الصورة التي هي فرض الشك، لا وجه لثبوت الدية أيضاً، لأنّ موضوعها هو القتل المضاف إلى من يراد أخذ الدية منه أو‌

____________

(1) كشف اللثام: 2/ 441.

37

[مسألة 11 لو ألقاه في البحر و نحوه فعجز عن الخروج حتّى مات]

مسألة 11 لو ألقاه في البحر و نحوه فعجز عن الخروج حتّى مات، أو منعه عنه حتى مات قتل به، و مع عدم خروجه عمداً و تخاذلًا أو الشكّ في ذلك فحكمه كالمسألة السابقة، و لو اعتقد أنّه قادر على الخروج لكونه من أهل فنّ السباحة فألقاه ثمّ تبيّن الخلاف و لم يقدر الملقي على نجاته لم يكن عمداً (1).

[مسألة 12 لو فصده و منعه عن شدّه فنزف الدّم و مات فعليه القود]

مسألة 12 لو فصده و منعه عن شدّه فنزف الدّم و مات فعليه القود، و لو فصده و تركه فإن كان قادراً على الشدّ فتركه تعمّداً و تخاذلًا حتى مات فلا قود و لا دية النفس، و عليه دية الفصد، و لو لم يكن قادراً فإن علم الجاني ذلك فعليه القود، و لو لم يعلم فإن فصده بقصد القتل و لو رجاءً فمات فعليه القود ظاهراً، و إن لم يقصده بل فصده برجاء شدّه فليس عليه القود، و عليه دية شبه العمد (2).

____________

من عاقلته، مع أنّ إضافته إليه مشكوكة كما هو المفروض. فالتحقيق يقتضي الحكم بعدم ثبوت الدية أيضاً، كما في المتن.

(1) هذه المسألة مشتركة مع المسألة السابقة في الفروض الثّلاثة، التي عرفت ثبوت القصاص في الفرض الأوّل و عدم ثبوت القصاص و لا الدية في الفرضين الآخرين، و تشتمل على فرض رابع و هو: صورة اعتقاد المُلقي قدرة المُلقى على الخروج، لكونه من أهل فنّ السباحة، ثم تبيّن الخلاف بعد الإلقاء، و لم يقدر المُلقي حينئذٍ على نجاته. و الظاهر عدم كونه عمداً، لأنّ المفروض عدم قصد القتل و عدم كون العمل مؤثراً في القتل بحسب اعتقاد المُلقي. و قد مرّ اعتبار العلم بذلك في تحقّق عنوان العمد، فلا مجال للقصاص، بل عليه الدية لكونه شبه العمد.

(2) أمّا ثبوت القود في الفرض الأوّل، فلثبوت قتل العمد المتحقّق بمجموع‌

38

[مسألة 13 لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمداً]

مسألة 13 لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمداً، فإن كان ذلك ممّا يقتل به

____________

الفصد و المنع عن الشدّ اللّذين هما فعلان اختياريان للفاصد، و أمّا عدم ثبوت القود و لا دية النفس في الفرض الثاني فلاستناد الموت إلى النزف الناشئ عن عدم الشدّ مع القدرة عليه و تركه تعمّداً و تخاذلًا، و ليس عدم الشدّ مماثلًا لترك المعالجة الذي قد عرفت الاتفاق على الضمان فيه، و ذلك لأنّ شدّة النزف و دوامه سبب للموت و مقتض له، لا أصل الفصد بمجرده، بخلاف ترك المعالجة الذي هو بمنزلة عدم المانع، فالمقام إنّما هو كالبقاء في النار في المسألة المتقدّمة عمداً مع كون البقاء متفرّعاً على الإلقاء، و لو لم يكن إلقاء لما اختار البقاء، و هذا بخلاف ترك المعالجة كما لا يخفىٰ. فلا قصاص و لا دية للقتل.

نعم لا إشكال في ثبوت دية الفصد، لأنّ المفروض في أصل المسألة تحقّقه ظلماً و عدواناً، كما في الإلقاء في البحر أو النّار، أو منع الطعام أو الشراب، أو مثلها في المسائل المتقدمة، فإنّ المفروض في الجميع صورة تحقّق العمل بنحو العدوان و الظلم المحرّم.

و أمّا ثبوت القود في الفرض الثالث، فلأنّ عدم القدرة على الشدّ يوجب اتّصاف الفصد بكونه مؤثِّراً في القتل غالباً، و المفروض العلم بذلك، فلا إشكال في القصاص.

و أمّا التفصيل في الفرض الرابع، و هو صورة عدم العلم بعدم القدرة الشامل لصورة الاعتقاد بالقدرة و صورة الشك فيها، فلأنّ العمل حينئذٍ لا يكون مؤثِّراً في القتل على اعتقاده أو لم يحرز تأثيره فيه، فاللّازم أن يقال بأنّه إن كان العمل ناشئاً عن قصد القتل و لو رجاءً فهو عمد يوجب القصاص، و إن لم يكن كذلك فلا قود، بل الثابت هي دية شبه العمد، كما هو ظاهر.

39

غالباً و لو لضعف المُلقى عليه لكبر أو صغر أو مرض فعليه القود، و إلّا فإن قصد القتل به و لو رجاءً فكذلك هو عمد عليه القود، و إن لم يقصد فهو شبه عمد، و في جميع التقادير دم الجاني هدر، و لو عثر فوقع على غيره فمات فلا شي‌ء عليه لا دية و لا قوداً، و كذا لا شي‌ء على الّذي وقع عليه (1).

____________

(1) هنا فروع تعرّض المتن لاثنين منها:

الأوّل: ما لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمداً، و لا بدّ في ثبوت القصاص فيه من ملاحظة الأمرين المعتبرين في قتل العمد على سبيل منع الخلوّ، و هما: قصد القتل بسببه و لو رجاءً؛ و كون العمل ممّا يقتل به غالباً و لو مع ملاحظة وصف المُلقى عليه من جهة الكبر أو الصغر أو المرض، و ملاحظة حال الملقي من جهة القوّة و مثلها، و كيفية الإلقاء و الوقوع عليه، و مقدار العلوّ و الارتفاع و غيرها من الأُمور التي لها مدخليّة. فإن تحقّق واحد من الأمرين يثبت القصاص، و إلّا فهو شبه عمد، لكون نفس العمل مقصوداً يثبت فيه الدية على نفسه، و في جميع هذه الفروض الثلاثة يكون دم المُلقي الذي هو الجاني هدراً. و الظاهر أنّه علىٰ تقدير موته و موت المُلقى عليه ينتفى موضوع القصاص و يثبت الدية في ماله، كما سيأتي البحث فيه إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

الثاني: ما لو عثر فوقع علىٰ غيره من دون اختيار فمات الغير أو مات هو نفسه أو ماتا معاً، و الظاهر عدم ثبوت شي‌ء فيه، لا دية و لا قوداً أصلًا. و الوجه فيه عدم صدور فعل من الواقع و لا من الذي وقع عليه بوجه أصلًا، لأنّ المفروض أنّه عثر قهراً و وقع كذلك، فالموت مطلقا لا يكون مستنداً إلى واحد منهما حتى يتّصف بكونه عمداً أو شبه عمد أو خطأ. و يدلّ على ذلك مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة روايات متعدّدة:

40

..........

____________

مثل: رواية عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجل وقع على رجل فقتله؟ فقال: ليس عليه شي‌ء (1). و الظاهر أنّ المراد هو الوقوع من غير اختيار.

و رواية محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السّلام)، قال في الرجل يسقط على الرجل فيقتله، فقال: لا شي‌ء عليه. و قال: من قتله القصاص فلا دية له (2).

و رواية أُخرى لعبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما؟ قال: ليس على الأعلى شي‌ء و لا على الأسفل شي‌ء (3). و الظاهر اتّحادها مع الرواية الأُولىٰ، و إن كان بينهما اختلاف.

و رواية ابن بكير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام)، في الرجل يقع علىٰ رجل فيقتله فمات الأعلى، قال: لا شي‌ء على الأسفل (1). و الظاهر أنّ المراد من قوله (عليه السّلام): «فيقتله» هو إرادة قتله، و إن كان يبعّده أنّ مجرّد إرادة القتل مع عدم تحقّقه لا يترتّب عليه أثر من هذه الجهة.

الثالث: الذي لم يقع التعرّض له في المتن، ما لو دفعه الغير و وقع على آخر و تحقّق موته أو موت الآخر أو كليهما، و الظاهر عدم ثبوت شي‌ء من القصاص أو الدية على الواقع المدفوع، و كذا على الآخر الذي وقع عليه، لعدم تحقّق فعل منهما بوجه أصلًا، لأنّ الدفع الموجب للوقوع إنّما هو عمل الدافع، و لا ارتباط له بالآخرين أصلًا، فلا مجال لثبوت شي‌ء عليهما.

و أمّا الدافع، فلا بدّ في ثبوت القصاص عليه من ملاحظة تحقّق واحد من‌

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 40، أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 1.

(2) وسائل الشيعة: 19/ 41، أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 2.

(3) وسائل الشيعة: 19/ 41، أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 3.

(1) وسائل الشيعة: 19/ 41، أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 4.

41

..........

____________

الأمرين المتقدّمين في ضابط الموجب للقصاص، و أنّه هل يكون قاصداً لقتل المدفوع أو الآخر أو كليهما أو غير قاصد للقتل أصلًا، و أنّ عمله هل يكون مؤثِّراً غالباً في قتل المدفوع أو الآخر أو كلاهما أو لا يكون، فإذا كان في مورد تحقّق واحد من الأمرين يتحقّق الضمان، أي القصاص. و ربّما يتحقّق في أحدهما أحد الأمرين، و في الآخر الأمر الآخر، و مع انتفاء كلا الأمرين في كلا الرجلين تثبت الدية.

غاية الأمر أنّ ثبوتها بالإضافة إلى الرجل الذي وقع عليه المدفوع إنّما هو من قبيل دية شبه العمد مع الالتفات إلى الوقوع عليه، و من قبيل دية الخطأ مع عدم الالتفات، كما لا يخفىٰ. هذا ما تقتضيه القاعدة، و هنا روايات ربما يظهر من بعضها خلاف ذلك.

مثل: ما رواه المشايخ الثلاثة عن عبد اللّٰه بن سنان أو عنه و ابن رئاب جميعاً، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في رجل دفع رجلًا على رجل فقتله، قال: الدية على الذي دفع على الرجل فقتله لأولياء المقتول. قال: و يرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه. قال: و إن أصاب المدفوع شي‌ء فهو على الدافع أيضاً (1).

و مورد الحكم هو ما إذا علم أنّ الرجل دفع رجلًا على رجل آخر فقتله، غاية الأمر أنّ الجواب الدالّ علىٰ ضمان الدية قرينة على عدم كون المراد من «قتله» هو إرادة قتله لثبوت القصاص في هذه الصورة، كما أنّه يحمل على عدم كون الدفع مؤثِّراً في القتل غالباً لما ذكرنا، فالمراد صورة تحقّق القتل من دون إرادة و من دون كون الدفع مؤثِّراً فيه كذلك.

____________

(1) وسائل الشيعة: 19/ 41، أبواب القصاص في النفس ب 21 ح 1.

42

..........

____________

و عليه فلا مجال لما عن كشف اللّثام (1) من الحمل على أنّه لم يعلم إلّا وقوعه و لم يعلم تعمّده و لا دفع غيره له، و ذلك لمخالفته لما هو صريح الرواية لدلالتها كذلك على عدم كون المفروض صورة الشك بوجه، مع انّه على هذا التقدير لا وجه لثبوت الدية أيضاً، لأنّه بعد احتمال كون الوقوع غير مستند إلى التعمّد و لا إلىٰ دفع الغير لم يحرز موجب ضمان الدية، فلا محيص عن حمل الرواية علىٰ ما هو ظاهرها ممّا ذكرنا.

نعم يبقىٰ على الرواية حينئذ أنّه لا وجه لثبوت الدية على المدفوع أوّلًا، لعدم استناد الدفع إليه بوجه، خصوصاً مع ملاحظة ما ذكروه في كتاب الغصب: من أنّ الضمان من أوّل وهلة على المُكْرِه دون المُكْرَه بالفتح، و إن كان قد أتلف هو المال و لكن بالإكراه، فإذا لم يكن المُكْرَه بالفتح ضامناً مع استناد العمل إليه ففي المقام لا يكون المدفوع ضامناً بطريق أولىٰ، لعدم وقوع عمل منه في الخارج، و عليه فلا بدّ من حمل الرواية على التعبّد المخالف للقواعد.

و رواية الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال: سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره و تعقر دابته رجلًا آخر؟ قال: هو ضامن لما كان من شي‌ء (2).

و رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجل كان راكباً على دابّة فغشي رجلًا ماشياً حتّى كاد أن يوطئه، فزجر الماشي الدابّة عنه فخرّ عنها، فأصابه موت أو جرح؟ قال: ليس الذي زجر بضامن، إنّما زجر عن نفسه (3). و في التعليل كلام يأتي.

____________

(1) كشف اللثام: 2/ 441.

(2) وسائل الشيعة: 19/ 42، أبواب القصاص في النفس ب 21 ح 2.

(3) وسائل الشيعة: 19/ 42، أبواب القصاص في النفس ب 21، ح 3.

43

[مسألة 14 لو سحره فقتل و علم سببية سحره له فهو عمد]

مسألة 14 لو سحره فقتل و علم سببية سحره له فهو عمد إن أراد بذلك قتله، و إلّا فليس بعمد بل شبهه، من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعيّة أو لا، و لو كان مثل هذا السحر قاتلًا نوعاً يكون عمداً و لو لم يقصد القتل به 1.

____________

(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في أنّه هل يكون للسحر واقعيّة و حقيقة موضوعية أم لا؟ فيه خلاف، فالمحكيّ عن الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) (1) أنّه لا حقيقة للسحر لقوله تعالىٰ وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ (2). و قوله تعالىٰ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ (3). و قوله تعالىٰ سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ (4). بل عن تبيانه: «كلّ شي‌ء خرج عن العادة الجارية لا يجوز أن يتأتّىٰ من الساحر، و من جوّز للساحر شيئاً من هذا فقد كفر، لأنّه لا يمكنه مع ذلك العلم بصحّة المعجزات الدالّة على النبوّة، لأنّه أجاز مثله من جهة الحيلة و السحر» (5).

و لكنّه ذكر المحقّق في الشرائع (6): إنّ في الأخبار ما يدلّ على أنّ له حقيقة.

و ذكر في الجواهر: بل فيها ما يدلّ على وقوعه في زمن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) حتّى قيل: إنّه سحر بحيث يخيّل إليه كأنّه فعل الشي‌ء و لم يفعله، و فيه نزلت المعوّذتان (7).

و الحقّ أنّه لا مجال لإنكار ثبوت الحقيقة للسحر في الجملة، بمعنى تأثير بعض‌

____________

(1) المبسوط: 7/ 260، الخلاف: 5/ 327 328 مسألة 14.

(2) البقرة 2: 102.

(3) طه 20: 66.

(4) الأعراف 7: 116.

(5) التبيان: 1/ 374، بحار الأنوار: 63/ 3.

(6) شرائع الإسلام: 4/ 973.

(7) جواهر الكلام: 42/ 32 33.

44

..........

____________

أقسامه واقعاً، و قوله تعالىٰ وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ لا ينافيه، لأنّه يجوز نفي الإضرار من كلّ مضرّ مع استثناء إذن اللّٰه، فيقال: السمّ ليس بضارّ إلّا بإذن اللّٰه، فلا دلالة له على عدم تأثيره حقيقة، خصوصاً مع وقوعه عقيب قوله تعالىٰ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمٰا مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ (1) الظاهر في تأثيره في التفرقة بين الزوجين حقيقة، و أمّا اشتباهه مع المعجزة كما استدلّ به الشيخ في عبارته فيدفعه مضافاً إلى أنّ السحر ليس أمراً خارقاً للعادة، لأنّه علم خاص يوجب العمل به، و الاستفادة منه تحقّق بعض الآثار التكوينية، و يحصل العلم بذلك لكلّ من تعلّمه، كعلم الطّب الّذي يختصّ بخصوص من تعلّمه و صار عارفاً به، و ربّما يترتّب عليه بعض الآثار العجيبة سيّما في هذه الأزمنة التي بلغ مثله المرتبة العالية الكمالية أنّ قاعدة اللطف التي اقتضت إرسال الرسل و إنزال الكتب تقتضي بيان حال ما ظاهره الإعجاز من حيث الصدق و الكذب، و قد أوجب الفقهاء (رضوان اللّٰه عليهم) تعلّم السحر على نحو الكفاية لغرض إبطال سحر مدّعي النبوّة الكاذبة.

و يؤيّد بل يدلّ على أنّ للسّحر واقعيّة مضافاً إلى أنّه من السبع الموبقات في عداد الشّرك باللّٰه كما في بعض الروايات (2) ما يدلّ على ترتّب حدّ القتل عليه، فإنّ ترتّب حدّ القتل لا يناسب مع الأمر الذي لا يكون له واقعية أصلًا، بل يكون تخييلياً محضاً، بل في بعض الروايات ترتّب حدّ القتل على مجرّد تعلّمه و إن لم يعمل شيئاً، كما تقدّم في كتاب الحدود (3).

نعم لا مجال لإنكار كون بعض أقسامه تخييلياً غير واقعي، و عليه فيصير‌

____________

(1) البقرة 2: 102.

(2) وسائل الشيعة: 11/ 261، أبواب جهاد النفس، ب 46 ح 34.

(3) تفصيل الشريعة، كتاب الحدود: 328.

45

..........

____________

السّحر كما في الجواهر ذات قسمين (1).

المقام الثاني: في أنّه لو قلنا بأنّ للسّحر واقعيّة لو تحقّق السّحر و صار سبباً لقتل المسحور، فإن كان مقروناً بقصد القتل من الساحر أو كان سحره ممّا يؤثِّر في القتل غالباً يتحقّق قتل العمد الموجب للقصاص، و يعرف تأثيره فيه كذلك، إمّا من ناحية إقرار السّاحر، و إمّا من طريق البيّنة العارفة بذلك، و لا يختصّ بالإقرار كما يظهر من صاحب المسالك (2)، و مع عدم الأمرين يتحقّق شبه العمد مع عدم الاشتباه في المسحور و الخطأ مع الاشتباه، غاية الأمر أنّ إقراره بالخطإ لا يؤثِّر في ثبوت الدية على العاقلة لأنّه إقرار على الغير.

و أمّا لو لم نقل بأنّ للسّحر واقعيّة فقد ذكر في الشرائع: أنّه لو سحره فمات لم يوجب قصاصاً و لا دية (3). و لكن الظاهر أنّه على تقدير هذا القول لا مجال لإنكار تأثير السحر في الموت، و لو من جهة التخييل و إراءة غير الواقع بصورة الواقع الموجب لتحقّق الخوف المستلزم للموت، و لا ينحصر سبب الخوف بالأمر الواقعي الحقيقي.

و العجب من صاحب الجواهر حيث اعترض على مجمع البرهان (4) الظاهر فيما ذكرنا، بأنّه بناء على أنّه لا حقيقة له لا يؤثّر شيئاً حتّى الخوف (5)، فإنّه يقال عليه: إنّه على تقدير عدم تأثيره في الخوف و لو من ناحية التخييل فأيّ فائدة يترتّب على‌

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 33.

(2) مسالك الأفهام: 15/ 77.

(3) شرائع الإسلام: 4/ 973.

(4) مجمع الفائدة و البرهان: 14/ 167 168.

(5) جواهر الكلام: 42/ 34.

46

[مسألة 15 لو جنى عليه عمداً فسرت فمات]

مسألة 15 لو جنى عليه عمداً فسرت فمات فإن كانت الجناية ممّا تسري غالباً فهو عمد، أو قصد بها الموت فسرت فمات فكذلك، و أمّا لو كانت ممّا لا تسري و لا تقتل غالباً و لم يقصد الجاني القتل ففيه إشكال، بل الأقرب عدم القتل بها و ثبوت دية شبه العمد (1).

____________

هذا العمل، الذي له سابقة تاريخية و متداول بين العقلاء، سيما غير الملتزمين منهم بالأديان و المذاهب، فإنّ الأمر الذي لا يترتّب عليه فائدة لا معنى لأن يكون رائجاً شائعاً بين العقلاء، فلا محالة يكون له تأثير في الخوف و مثله، و لو لأجل التخييل و إراءة غير الواقع بصورة الواقع.

فالإنصاف أنّه على هذا التقدير أيضاً يثبت القصاص مع تحقّق أحد الأمرين المعتبرين في موجبه على سبيل منع الخلوّ، كما أُفيد في المتن.

ثم إنّ ما ذكر في السحر يجري في مثله من الأسباب غير المتعارفة كالعين و الدّعاء و الحسد و نحو ذلك، فإنّه لو علم سببية مثله للموت و تحقّق فيه أحد الأمرين المعتبرين في موجب القصاص يتحقّق القصاص على وفق القاعدة، و إن لم يتعارف التضمين في هذه الأسباب.

ثم إنّه قد يجتمع على الساحر حدّ القتل الذي هو من حقوق اللّٰه و القصاص الذي هو من حقوق الناس، و الظاهر تقدّم الثاني على الأوّل، نعم لو عفى عنه أولياء المقتول أو أخذوا الدّية منه يقتل حدّا، كما في سائر الموارد.

(1) لا إشكال بملاحظة ما تقدّم من الضّابط في موجب القصاص في ثبوته في الفرضين الأوّلين؛ لتحقّق القصد في أحدهما، و التأثير في القتل غالباً في الآخر. إنّما الإشكال في الفرض الثالث، و منشأه ما ذكره في محكيّ كشف اللّثام بعد استظهار‌

47

[مسألة 16 لو قدّم له طعاماً مسموماً ممّا يقتل مثله غالباً أو قصد قتله به]

مسألة 16 لو قدّم له طعاماً مسموماً ممّا يقتل مثله غالباً أو قصد قتله به، فلو لم يعلم الحال فأكل و مات فعليه القود، و لا أثر لمباشرة المجنيّ عليه، و كذا الحال لو كان المجنيّ عليه غير مميّز، سواء خلطه بطعام نفسه و قدّم إليه، أو أهداه، أو خلطه بطعام الآكل (1).

____________

الاتّفاق عليه، من أنّ إطلاقهم يشمل كلّ جراحة قصد بها القتل أم لا، كانت ممّا تسري غالباً أم لا (1).

و عليه فيحتمل ثبوت الاتفاق في هذا الفرض أيضاً، و لكنّه حيث لم يثبت الإطلاق خصوصاً مع كون الإجماع من الأدلّة اللّبيّة التي يقتصر فيها على القدر المتيقّن فالأقرب عدم ثبوت القصاص فيه، بل فيه دية شبه العمد.

(1) إلى هنا كان العنوان المشترك بين المسائل المتقدّمة هو انفراد الجاني بالتسبيب، و من هنا يتبدّل العنوان و يصير هو التسبيب المنضمّ إليه مباشرة المجني عليه، بحيث لو لم تتحقّق المباشرة من ناحيته لما كان يمكن تحقّق الجناية المؤثرة في القتل.

و كيف كان ففي مفروض المسألة التي يكون المقدِّم للطّعام إمّا قاصداً للقتل بتقديم الطّعام، و إمّا عالماً بكون الطعام المقدَّم إليه مؤثِّراً في القتل غالباً إذا كان الآكل جاهلًا بالحال فأكل و مات يتحقّق قتل العمد من ناحية المقدِّم، فعليه القصاص و لا أثر للأكل الاختياري الصادر من المجنيّ عليه؛ لأنّ استناد القتل في هذا الفرض إنّما هو إلى المقدِّم، و حكم المباشرة يسقط بالغرور، كما صرّح به المحقّق في الشرائع (2)

____________

(1) كشف اللثام: 2/ 441.

(2) شرائع الإسلام: 4/ 973.

48

[مسألة 17 لو قدم إليه طعاماً مسموماً مع علم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلًا]

مسألة 17 لو قدم إليه طعاماً مسموماً مع علم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلًا، فأكل متعمّداً و عن اختيار فلا قود و لا دية، و لو قال كذباً: إنّ فيه سمّاً غير قاتل و فيه علاج لكذا، فأكله فمات فعليه القود، و لو قال: فيه سمّ و أطلق فأكله فلا قود و لا دية (1).

____________

خلافاً للشافعي (1) حيث حكي عنه أنّه اختار نفي القود ترجيحاً للمباشرة.

و بالجملة: لا خفاء في أنّ العرف و العقلاء يرون المقدِّم قاتلًا و أنّ القتل مستند إليه، و حيث أنّه كان المفروض تحقّق أحد الأمرين في ضابطة العمد فلا محالة يثبت القصاص، و منه يظهر ثبوت القصاص فيما لو كان المجنيّ عليه غير مميّز بطريق أولىٰ، كما لا يخفى.

(1) في هذه المسألة فروع:

الفرع الأوّل: ما لو قدّم إليه طعاماً مسموماً و علم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلًا فأكل متعمّداً و عن اختيار فلا ضمان فيه على المقدِّم، لا بعنوان القصاص و لا بعنوان الدية، لاستناد القتل في هذه الصورة إلى نفس الآكل، و لا أثر للتقديم في هذه الجهة و إن كان لا يختار الآكل مع عدمه، إلّا أنّ اختياره مع وجوده يمنع عن الاستناد إلى غيره، فهو كتقديم السكّين إلى من يريد قتل نفسه اختياراً، فإنّ هذا العمل و إن كان يمكن أن يقال بحرمته و عدم المشروعية مع العلم بترتّب القتل عليه، إلّا أنّ الحرمة أمر و كونه القاتل أمراً آخر؛ لأنّه من الواضح عدم كون المقدِّم قاتلًا في المثال، فكذا المقام.

ثمّ إنّه حكي عن مجمع البرهان للمقدس الأردبيلي أنّه قال: لو قدّم شخص إلى‌

____________

(1) الأم: 6/ 43، المجموع: 20/ 49 50.

49

..........

____________

غيره طعاماً مسموماً فأكله ذلك الغير عالماً بالسمّ و كونه قاتلًا، لا شي‌ء على المقدِّم من القصاص و الدية، لأنّه السبب القوي بل المباشر، فهو القاتل نفسه لا غير، و إن جهل أحدهما يكون المقدِّم قاتل عمد، فعليه القصاص مع علمه بهما و الدية عليه مع جهله بأحدهما (1).

و يرد عليه مضافاً إلى اضطراب عبارة الذيل الظّاهرة في ثبوت قتل العمد مع الدية أيضاً، إلّا أن يقال: بأنّ مراده الأعمّ من العمد و من شبه العمد أنّ الظاهر إنّ قوله: «و إن جهل أحدهما» له مصداقان: أحدهما العلم بكونه سمّاً و الجهل بكونه قاتلًا نوعاً، و ثانيهما العلم بكونه قاتلًا مع الجهل بكون سببه السمّ الموجود فيه.

و من الواضح إسناد القتل في المصداق الثاني إلى الآكل دون المقدِّم؛ لأنّ مجرّد العلم بكونه قاتلًا و إن لم يعلم سببه يكفي في عدم صحّة الإضافة إلى المقدِّم. إلّا أن يقال بخروج هذا المورد عن كلامه كما لا تبعد دعواه. و أمّا المصداق الأوّل فيمكن المناقشة فيه أيضاً بأنّه مع احتمال كون السمّ الموجود فيه المعلوم عنده قاتلًا، يمكن أن يقال: بأنّ إقدامه حينئذٍ على الأكل يوجب انتساب القتل إليه لا إلى المقدِّم.

و أمّا قوله في الذيل: «و الدية عليه مع جهله بأحدهما» فالظاهر عدم تمامية الإطلاق فيه، فإنّه يكون الثابت في بعض فروض الجهل هو القصاص لا الدية، و في بعض الفروض لا مجال لثبوت الدية أيضاً فضلًا عن القصاص، نعم تثبت الدية فقط في بعض الفروض الأُخر.

أمّا ما كان الثابت فيه هو القصاص، فإنّه لو كان المقدِّم جاهلًا بوجود السمّ في الطعام، و لكنّه كان عالماً بكون الطعام مؤثِّراً في القتل غالباً، و مع ذلك قدّم الطّعام‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: 13/ 385.

50

..........

____________

إليه و فرض جهل الآكل بكلا الأمرين، فالظّاهر فيه ثبوت القصاص، لتحقّق الضابطة في قتل العمد فيه بعد ضعف المباشرة بالغرور و جهل الآكل، و الجهل بالسمّ لا تأثير له في ارتفاع هذا العنوان بوجه، لأنّ الملاك هو العلم بتأثيره في القتل لا العلم بعنوانه.

كما أنّه لو كان جاهلًا بكون السمّ المعلوم له مؤثراً في القتل غالباً و لكنه كان التقديم مقروناً بقصد القتل، فالظاهر بمقتضىٰ ما ذكرنا ثبوت القصاص فيه أيضاً.

و أمّا ما لا مجال للحكم بثبوت الدية فيه أيضاً فهو ما إذا كان المقدِّم جاهلًا بكلا الأمرين و كان وضع السمّ في الطعام فعلًا لغيره، أو كان الطعام صار مسموماً بسبب الفساد الناشئ من حرارة الهواء أو غيرها، فإنّه مع جهل المقدِّم بهما و جهل الآكل أيضاً كما هو المفروض لا ترجيح للحكم باستناد القتل إلى المقدِّم بعد كونه مسبَّباً عن التقديم المقرون بالجهل و الأكل كذلك، لو لم نقل بأولويّة المباشر مع التساوي لكونه الجزء الأخير لتحقّق القتل.

فالمقام كما في الجواهر (1) نظير ما ذكروه من الحكم بعدم ضمان الدافع الجاهل لشخص إذا وقع في البئر المحفورة في الطريق عدواناً، بل المقام أولى من ذلك، لأنّ الدفع في المثال مؤثِّر في القتل من دون واسطة فعل اختياري من المقتول، و في المقام تكون الواسطة متحقّقة، فإذا لم يضمن فيه فهنا لا يكون ضمان بطريق أولىٰ.

و لا وجه لتنظير المقام بما ذكره جماعة من الأصحاب كالمحقّق (2) و العلّامة (3) و جمع آخر من ثبوت الدية على من حفر بئراً في داره فدعا غيره فوقع في البئر،

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 37.

(2) شرائع الإسلام: 4/ 1028.

(3) قواعد الأحكام: 2/ 317، تحرير الأحكام: 2/ 266.

51

..........

____________

و إن كان ناسياً، للفرق بأنّ الحافر في المثال إنّما هو الفاعل للسبب و إن كان قد نسيه، و في المقام لم يتحقّق من المقدِّم مثله، بل وقع عمل مقرون بالجهل ليس استناد القتل إليه بأولى من الاستناد إلى التناول الذي هو عمل الآكل كما عرفت.

و دعوى أنّ هذه الصورة خارجة عن مفروض كلام المحقّق الأردبيلي؛ لأنّ المفروض في كلامه صورة الجهل بأحد الأمرين و هذه صورة الجهل بكليهما، مدفوعة بأنّ الظاهر أنّ مراده الجهل بأحد الأمرين أو كليهما، و إلّا يلزم عدم اشتمال كلامه على التعرّض لهذه الصورة بعد التعرّض لصورة العلم بهما و صورة الجهل بأحدهما. و بعبارة أُخرى ظاهر كلامه أنّ المراد بالجهل هو ما يقابل صورة العلم بكلا الأمرين، فيشمل كلتا الصورتين، فتدبّر.

و أمّا ما تثبت فيه الدية فهو غير الفرضين اللّذين ذكرنا، كما إذا جهل بكون السمّ في الطعام مؤثِّراً في القتل، و لم يكن قاصداً للقتل أيضاً، فإنّ الظاهر فيه ثبوت الدية، كما لا يخفى.

الفرع الثاني: ما لو قال المقدِّم كذباً أي مع علمه بخلافه أنّ فيه سمّاً غير قاتل و فيه علاج لكذا، فأكله فمات. و قد حكم في المتن بثبوت القصاص عليه، و الوجه فيه هو الوجه في ثبوته في المسألة السادسة عشر، و هو ضعف المباشرة بسبب الغرور الناشئ عن التقديم المقرون بإظهار الكذب، و إعلام أنّ فيه سمّاً غير قاتل، مع علمه بكونه قاتلًا غالباً، و ليس مجرّد الإعلام بثبوت السمّ فيه رافعاً لاستناد القتل إليه عمداً، بعد توصيفه بأنّه مداو و معالج، و لا يتحقّق فيه وصف القاتلية بوجه.

و بالجملة: اسناد القتل إليه عند العقلاء و كذا كونه من مصاديق قتل العمد ممّا لا خفاء فيه أصلًا.

52

[مسألة 18 لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً، فإن قصد قتله و لو رجاء]

مسألة 18 لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً، فإن قصد قتله و لو رجاء فهو عمد لو جهل الآكل، و لو لم يقصد القتل فلا قود (1).

[مسألة 19 لو قدّم إليه المسموم بتخيّل أنّه مهدور الدم فبان الخلاف]

مسألة 19 لو قدّم إليه المسموم بتخيّل أنّه مهدور الدم فبان الخلاف لم يكن قتل عمد و لا قود فيه (2).

____________

الفرع الثالث: ما لو قال المقدِّم أنّ فيه سمّاً و أطلق، فأكله فمات، و الحكم فيه كما في المتن أنّه لا قود فيه و لا دية. و الوجه فيه عدم تحقّق الغرور الموجب لضعف المباشرة، فإنّه مع الإعلام باشتمال الطّعام على السمّ و احتمال الآكل كون السمّ قاتلًا لا يستند القتل إلّا إلى المباشر، و لا يكون من ناحية المقدِّم ما يوجب الضعف، و لا يجب عليه شرعاً توصيف السمّ بكونه قاتلًا و إن كان ذلك معلوماً له، فليس المقدِّم قاتلًا أصلًا حتى يتّصف قتله بالعمد أو بغيره، فلا يكون في البين ضمان مطلقاً.

(1) الوجه في هذه المسألة في كلا فرضيها واضح، لثبوت ضابطة قتل العمد مع قصد القتل و لو رجاءً، و عدم ثبوتها مع عدمه بعد كون المفروض أنّ السمّ لا يقتل بحسب الغالب.

(2) الوجه في عدم ثبوت قتل العمد الموجب للقصاص في هذا الفرض ما مرّ في تعريف الموجب من لزوم وقوع القتل بنحو العدوان، و بعبارة أُخرى تجب أن تكون النفس معصومة، فإذا اعتقد عدم كونها كذلك و أنّها مهدورة الدم لا مجال لثبوت القصاص، و قد مر نظيره في بعض مسائل المرتدّ (1)، و ذكرنا هناك أنّ مقتضى‌

____________

(1) تفصيل الشريعة، كتاب الحدود: 560 561.

53

[مسألة 20 لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل فأكله صاحب المنزل من غير علم به]

مسألة 20 لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل فأكله صاحب المنزل من غير علم به، فمات فعليه القود لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل، و أمّا لو جعله بقصد قتل كلب مثلًا فأكله صاحب المنزل فلا قود، بل الظاهر أنّه لا دية أيضاً، و لو علم أنّ صاحب المنزل يأكل منه فالظاهر أنّ عليه القود (1).

____________

القاعدة عدم ثبوت القصاص. نعم الظاهر كما يشعر به عبارة المتن هنا و وقع التصريح به في تلك المسألة ثبوت الدية عليه، لعدم بطلان دم محقون الدّم، غاية الأمر أنّ اعتقاد خلافه يرفع القصاص.

(1) في هذه المسألة فروع:

الأوّل: ما لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل فأكله من غير علم فمات، و كان المقصود من الجعل قتل صاحب المنزل. هكذا عنون في المتن. و الظاهر أنّه ليس المراد من السمّ المفروض إلّا ما كان قاتلًا غالباً، و عليه فيظهر من المتن ثبوت كلتا الضابطتين لقتل العمد، و هما: قصد القتل و كون السمّ قاتلًا غالباً في هذا الفرع. مع أنّ الظاهر أنّ المفروض في كلمات الأصحاب وجود إحداهما. و يمكن أن يكون قوله في الذيل: «و لو علم» قرينة علىٰ خلاف ما هو ظاهر الصدر من اعتبار كلتيهما.

و كيف كان فقد حكى المحقّق في الشرائع عن الشيخ في الخلاف (1) و المبسوط (2) ثبوت القود في هذا الفرع، و قال بعده: «و فيه إشكال» (3)، و الوجه في ثبوت القود ما مرّ في مثله من ضعف المباشرة بالغرور، و استناد قتل العمد إلى الجاعل، و عدم‌

____________

(1) الخلاف: 5/ 171 مسألة 32.

(2) المبسوط: 7/ 46.

(3) شرائع الإسلام: 4/ 973.

54

..........

____________

كون التقديم الموجب للقصاص في بعض المسائل المتقدّمة له موضوعية و خصوصية، فأيّ فرق بين المقام و بين صورة التقديم؟

هذا، مضافاً إلى ما في محكيّ مجمع البرهان: من أنّه لو لم يكن مثل هذا موجباً [للقود] للزم منه وجود قتل كثير من عدم القصاص (4).

و الوجه في استشكال المحقّق هو قوّة المباشرة و عدم كون الأكل إلّا صادراً عن الاختيار، و المفروض أنّه لا يكون في البين تقديم للطعام. و لكنّ الظّاهر ما ذكرنا من أنّه لا موضوعية للتقديم، و الملاك هو استناد القتل العمدي إلى الجاعل المتحقّق في المقام، نعم بناء على عدم ثبوت القصاص لا مجال للإشكال في ثبوت الدية على الجاعل بوجه، لما مرّ من أنّه «لا يبطل دم امرئ مسلم» (5).

الثاني: ما لو جعله بقصد قتل كلب مثلًا، مع عدم العلم بأنّ صاحب المنزل يأكل منه، و لكنّه أكله صاحب المنزل فمات، و قد حكم فيه في المتن بأنّه لا قود فيه، و استظهر عدم ثبوت الدية أيضاً. و الوجه فيه عدم استناد القتل إلى الجاعل بوجه، و لكنه يتمّ في صورة العلم بعدم أكل صاحب المنزل منه، و أمّا في صورة الاحتمال كما إذا كان الطعام بكيفية و في محلّ يمكن أن يأكل منه صاحب المنزل لعدم عروض الفساد عليه و كونه بمرأى و منظر منه، فالحكم فيه محل اشكال. و مجرّد عدم كون المقصود إلّا قتل الكلب مثلًا لا يوجب عدم استناد القتل إليه، فلا أقلّ من ثبوت الدية لو لم نحكم فيه ثبوت القود، فتدبّر.

الثالث: الفرض الثاني مع العلم بأنّ صاحب المنزل يأكل منه، فالظاهر فيه ثبوت‌

____________

(4) مجمع الفائدة و البرهان: 13/ 386.

(5) وسائل الشيعة: 18/ 258، كتاب الشهادات، ب 24، ح 1. و ج 19/ 109، و كتاب القصاص، أبواب دعوى القتل ب 6، ح 1.

55

[مسألة 21 لو كان في بيته طعام مسموم فدخل شخص بلا إذنه]

مسألة 21 لو كان في بيته طعام مسموم فدخل شخص بلا إذنه فأكل و مات فلا قود و لا دية، و لو دعاه إلى داره لا لأكل الطعام فأكله بلا إذن منه و عدواناً فلا قود (1).

____________

القود كما في المتن لاستناد القتل إليه، و كون السم مؤثّراً في القتل غالباً كما هو المفروض. فيتحقّق قتل العمد، و قد مرّ أنّ الحكم بثبوت القود في هذه الصورة قرينة على عدم اعتبار كلا الأمرين في الفرض الأوّل، و إلّا يلزم التهافت، كما لا يخفى.

(1) الوجه في عدم ثبوت الضمان قوداً و دية في الفرض الأوّل أنّ الآكل متعدّ بالدخول بلا اذن و الأكل من الطعام، و الظاهر ثبوت الحكم حتى مع العلم بدخول الشخص كذلك و أكله من الطعام، فإنّ مجرّد العلم بذلك لا يوجب أن يستند القتل إليه، بداهة أنّ العرف لا يرون استناد القتل إلّا إلى الداخل الآكل. و الفرق بين هذا الفرض و بين الفرع الثالث في المسألة المتقدّمة واضح، لأنّ المفروض فيه جعل السمّ في الطعام الذي هو لصاحب المنزل، فإذا علم بأنّه يأكل منه يتحقّق قتل العمد و لو لم يقصد قتله أصلًا. و أمّا المفروض هنا دخول الآكل بلا إذن و أكله كذلك، فالعلم بذلك لا يوجب الاستناد إليه أصلًا.

بل في الجواهر: لو قصد قتله بذلك لم يكن عليه شي‌ء، مثل أن يعلم أنّ ظالماً يريد هجوم دار، فيترك السم في الطعام ليقتله، مع فرض توقف دفعه على ذلك (1).

و يرد عليه إنّ عدم ثبوت شي‌ء عليه في المثال إنّما هو لتوقّف دفعه على ذلك، و المفروض كونه ظالماً يريد الهجوم، و هذا لا يلازم نفي الضمان مطلقاً فيما إذا كان الغرض من دخوله غير المشروع مجرّد الأكل من طعامه، كما لو فرض اطّلاعه على أنّ لصاحب البيت ضيوفاً فدخل هو معهم و فرض أنّ الطعام الذي صار باختياره مسموماً،

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 39.