تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة - النجاسات و أحكامها

- الشيخ محمد الفاضل اللنكراني المزيد...
485 /
3

[فصل في النجاسات و في أحكامها و كيفية التنجيس بها و ما يعفىٰ عنه منها]

[القول في النجاسات]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

فصل في النجاسات و الكلام فيها و في أحكامها و كيفية التنجيس بها و ما يعفىٰ عنه منها

[مسألة 1 النجاسات إحدىٰ عشر]

مسألة 1 النجاسات إحدىٰ عشر:

[الأوّل و الثاني: البول و الخرء من الحيوان ذي النفس السائلة غير مأكول اللحم]

الأوّل و الثاني: البول و الخرء من الحيوان ذي النفس السائلة غير مأكول اللحم و لو بالعارض، كالجلال و موطوء الإنسان، امّا ما كان من المأكول فإنّهما طاهران، و كذا غير ذي النفس ممّا ليس له لحكم كالذباب و البق و أشباههما، و أمّا ما له لحم منه فمحلّ إشكال، و إن كانت الطهارة لا تخلو من وجه خصوصاً في الخرء كما انّ الأقوىٰ نجاسة الخرء و البول من الطير غير المأكول (1).

____________

(1) ينبغي قبل الورود في البحث عن الأعيان النجسة و تعدادها تقديم مقدّمة و هي:

انّ الظاهر كون النجاسة و القذارة في النجاسات العرفية و القذارات العقلائية أمر وجودي مرجعه إلى ثبوت خصوصية موجبة لاستكراه العقلاء و استقذارهم و تنفّرهم و انزجارهم كالبول و الغائط و النخامة، و أمّا الطهارة في غير القذارات العرفية‌

4

..........

____________

الحجر و المدر فلا تكون أمراً وجودياً مضادّاً للنجاسة و القذارة، بل مرجعها إلى خلوّ الشي‌ء عن تلك الخصوصية و نقاوته عن تلك الجهة الموجبة للاستكراه فليست الطهارة أمراً وجودياً قائماً بذات الأشياء الطاهرة وراء أوصافها و أعراضها الذاتية بحيث لو صار شي‌ء بسبب الملاقاة مع القذر قذراً ثمّ زالت القذارة بمثل الغسل لحدث فيه أمر وجودي مسمّى بالطهارة و يؤيّد ما ذكرنا تفسير النظافة بالنقاوة في أكثر الكتب اللغوية، و من الواضح انّ معنى النقاوة هو انتفاء تلك الخصوصية المذكورة.

كما انّ الظاهر على ما حقّقه سيّدنا العلّامة الأستاد الماتن دام ظلّه في «رسالة النجاسات» عدم كون النجاسة من الأحكام الوضعية الشرعية للأعيان النجسة حتّى فيما هو قذر عند العرف كالبول و الغائط، و عدم كونه أمراً انتزاعياً من الأحكام الشرعية المترتّبة عليها كوجوب الغسل و الاجتناب عنها في الصلاة، و عدم كونه أمراً واقعياً غير ما يعرفه الناس. غاية الأمر أنّه كشف الشارع عنها و رتّب عليها أحكاماً بل لها مصداقان: أحدهما حقيقي و هو الذي يستقذره العرف فإنّه لم يجعل الشارع له القذارة و لا يكون له اصطلاح خاص في القذر و النجس بل رتّب عليها أحكاماً، و ثانيهما اعتباري جعلي كالنجاسات الشرعية التي لا يستقذرها العرف فإنّه قد جعل الشارع لها النجاسة و اعتبرها لها و رتب عليها أحكاماً بعد جعل النجاسة و الإلحاق الموضوعي. غاية الأمر انّ الملاك في جعل القذارة لهذه الطائفة لا يكون واحداً فإنّ الظاهر انّ جعل القذارة لمثل الخمر انّما هو لأجل ثبوت المفسدة المهمة التي تكون في شربها فجعلها نجسة ليجتنب الناس عنها غاية الاجتناب، كما انّ الظاهر انّ جعل النجاسة للكفارة انّما هي لمصلحة سياسية هي تجنّب المسلمين عن معاشرتهم و مؤاكلتهم لا لقذارة فيهم و هكذا.

و يدلّ على ما استظهره دام ظلّه عدم التعبير عن القذارات العرفية‌

5

..........

____________

بالنجس و مثله في شي‌ء من الأدلّة الشرعية و التعبير عن النجاسات الشرعية غير العرفية به فيها كما في المشركين المعبّر عنهم في الكريمة ب‍ «نجس» أو لحم الخنزير المعبّر عنه فيها ب‍ «رجس» و كذا في الرواية، و كما في الخمر المعبّر عنها في الرواية بالرجس و هكذا الكلب فإنّ التأمّل فيها يرشدنا إلى عدم افتقار الطائفة الاولى إلىٰ جعل النجاسة بعد ثبوتها لها عند العقلاء و ثبوت هذا الجعل في الطائفة الثانية من دون أن يقتصر فيها على مجرّد ترتيب الأحكام من غير جعل النجاسة فتدبّر.

إذا عرفت ما ذكرنا يقع الكلام بعد ذلك في أنواع النجاسات و أجناسها فنقول:

الأوّل و الثاني: البول و الخرء في الجملة و نجاستهما من كل حيوان غير مأكول اللحم مع ثبوت النفس السائلة له ممّا لا خلاف فيه بل كادت أن تكون ضرورية عند المسلمين في الجملة بحيث إذا سُئل كل مسلم عن كل واحد من أبوال ما لا يؤكل لحمه يحكم بنجاسته و إن كان من الممكن أن يتردّد في الحكم الكلّي لو سُئل عنه و مع ذلك فلا بأس بنقل الروايات الواردة في المقام فنقول: امّا ما ورد منها في البول.

فمنها: رواية عبد اللّٰه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه. و في روايته الأُخرىٰ: اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه. و الظاهر انّهما رواية واحدة لاتحاد الراوي و المروي و المروي عنه و لذا لم ينقل الثانية في الحدائق بل اكتفى بذكر الاولىٰ، و تقريب الاستدلال انّ الأمر بغسل الثوب من تلك الأبوال يدلّ بالملازمة العرفية على نجاستها حيث إنّ إطلاق الأمر بغسل الثوب يدلّ علىٰ وجوبه و لو بعد زوال العين و جفافه، و لو‌

6

..........

____________

لم يكن الأمر لأجل النجاسة بل لأجل المانعية عن الصلاة مستقلّة كعرق الجنب عن الحرام على قول قوي لما كان إطلاق الأمر بالغسل وجيهاً.

و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن البول يصيب الثوب قال: اغسله مرّتين. و المراد من البول فيها امّا بول الإنسان فلا دلالة لها حينئذٍ على نجاسة مطلق البول التي نحن بصدد إثباتها و أمّا طبيعة البول فتدلّ على المدّعى. غاية الأمر أنّه خرجت منها الأبوال الطاهرة و قد ورد بهذا المضمون روايات متعدّدة مذكورة في الوسائل في الباب الأوّل من أبواب النجاسات.

و أمّا ما وردت في الغائط:

فمنها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه أو موثقته قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أ يعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد. و دلالتها على نجاسة العذرة في الموارد المذكورة فيها بل و كونها مفروغاً عنها و مورد الشكّ هو الإعادة و عدمها واضحة لكن لا يثبت بها العموم المدعى كما لا يخفىٰ.

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم قال: كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) إذ مرّ على عذرة يابسة فوطئ عليها فأصابت ثوبه، فقلت: جعلت فداك قد وطئت على عذرة فأصابت ثوبك فقال: أ ليس هي يابسة؟ فقلت: بلى، قال: لا بأس انّ الأرض يطهِّر بعضهاً بعضاً. و الاستدلال بها على عموم الحكم يتوقّف على أن يكون العذرة مدفوع مطلق الحيوان إنساناً أو غيره، طائراً أو غيره كما هو الظاهر من كلمات كثير من اللغويين حيث يستفاد منها عدم الفرق بين العذرة و الغائط و الخرء،

7

..........

____________

و يؤيّده ما يظهر من جمع من الفقهاء في المكاسب المحرّمة من الجمع بين الروايات المختلفة الواردة في بيع العذرة بحمل الناهية منها علىٰ عذرة غير مأكول اللحم أو خصوص الإنسان و حمل المجوزة على غيرها فانّ ظاهرهم صحّة إطلاق العذرة على مطلق خرء الحيوان.

و لكن يمكن الإيراد على ذلك أوّلًا بعدم ثبوت كون العذرة لغة بمعنى مطلق الخرء فإنّه يظهر من جماعة منهم الاختصاص بفضلة الآدمي مضافاً إلى قرب احتمال انصرافها إليها لو فرض كونها أعمّ لغة، و ثانياً انّه لا دلالة في الرواية على نجاسة مطلق العذرة فإنّ السؤال فيها دليل على كون مورده هي العذرة النجسة ضرورة انّه لا معنى للسؤال عن وطي العذرة الطاهرة و إصابتها الثوب كما هو ظاهر.

و منها: رواية الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل يطأ في العذرة أو البول أ يعيد الوضوء؟ قال: لا، و لكن يغسل ما أصابه. و الكلام فيها هو الكلام في الصحيحة المتقدّمة.

و منها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الفأرة و الدجاجة و الحمام و أشباهها تطأ العذرة ثمّ تطأ الثوب أ يغسل؟ قال: إن كان استبان من أثره شي‌ء فاغسله و إلّا فلا بأس. و نظيرها ما رواه أيضاً عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباهها تطأ العذرة ثمّ تدخل في الماء يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا إلّا أن يكون الماء كثيراً قدر كرّ من ماء.

و قد انقدح من ذلك عدم تمامية الاستدلال بالروايات لعموم المدعى لكن‌

8

..........

____________

الإجماع المحكي على ذلك بضميمة ارتكاز المتشرّعة على عدم الفرق بين البول و الغائط يكفي في ذلك و يؤيّده تعليق الحكم بعدم البأس بما يخرج من الحيوان في بعض الروايات على مأكولية اللحم و بعض المؤيّدات الأُخر. هذا في غير الطير.

و أمّا الطيور المحرّمة الأكل ففيها أقوال مختلفة:

أحدها: ما ذهب إليه المشهور من نجاسة بولها و خرئها.

ثانيها: ما ذهب إليه العماني و الجعفي و الصدوق و جملة من المتوسطين و المتأخّرين كالعلّامة و صاحب الحدائق من طهارة مدفوعها مطلقاً.

ثالثها: ما ذهب إليه المجلسي و صاحب المدارك على ما حكى من التفصيل و الحكم بطهارة خرئها و التردّد في نجاسة بولها. و لا بدّ من ملاحظة الروايات الواردة في المقام فنقول:

منها: رواية عبد اللّٰه بن سنان المتقدّمة الدالّة على وجوب غسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه فإنّها بعمومها تدلّ علىٰ نجاسة أبوال الطيور المحرّمة أيضاً و بضميمة عدم القول بالفصل تثبت نجاسة خرئها أيضاً.

و منها: موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: كلّ شي‌ء يطير فلا بأس ببوله و خرئه. و النسبة بين هذه الرواية و الرواية المتقدّمة عموم من وجه لأنّها أخصّ منها من جهة اختصاصها بالطير و عمومها لكل ما لا يؤكل طيراً كان أم غيره، و أعمّ منها من جهة عمومها لكل طير محللًا كان لحمه أم محرّماً فيقع بينهما التعارض في مادّة الاجتماع التي هي محل البحث في المقام و هو الطير الذي يكون أكل لحمه حراماً. نعم قد أفاد الماتن دام ظلّه في رسالة النجاسات انّه لا تعارض بينهما لثبوت الجمع العقلائي لأنّ الأمر بالغسل من بول‌

9

..........

____________

ما لا يؤكل من الطير الذي هو مقتضى الإطلاق الثابت في رواية عبد اللّٰه بن سنان أو العموم الثابت في روايته الأُخرى المشتملة على لفظة «كل» و إن كان فيها إرسال لعدم كون الراوي عن ابن سنان ممّن يمكن له النقل عنه حجّة على الإلزام و الوجوب ما لم يرد الترخيص و نفي البأس ترخيص، و لو سلم ظهوره في الوجوب لغة يجمع بينهما بحمل الظاهر على النص، و التفكيك في مفاد الهيئة ممّا لا مانع منه سواء قلنا بأنّ مفادها هو البعث و الإغراء كما هو الحق أو قلنا بأنّ مدلولها هو الوجوب لأنّه بناءً على الأوّل قد استعملت في مفادها و على الثاني في مطلق الرجحان مع انّه يحتمل أن يكون المراد ممّا لا يؤكل لحمه في رواية ابن سنان ما لا يعد للأكل و لا يكون أكله متعارفاً لا ما يحرم أكله شرعاً بل لا يبعد دعوى ظهورها في ذلك فيضعف ظهورها في الوجوب حتّى يستفاد منها النجاسة و يؤيّد هذا الاحتمال بل يشهد له بعض الروايات كالروايات الآمرة بالغسل عن أبوال البهائم الثلاث مع معلومية عدم نجاستها من الصدر الأوّل خصوصاً في زمان الصادقين (عليهما السلام) مع انّه لو أغمض عن ذلك و قيل بتعارض الروايتين و عدم شمول أدلّة العلاج للعامين من وجه كما هو الأقرب فالقاعدة تقتضي سقوطهما و الرجوع إلى أصالة الطهارة إلّا أن يقال بإطلاق الروايات الواردة في البول كصحيحة ابن مسلم المتقدّمة الدالّة على وجوب الغسل في مطلق البول و كذا إطلاق ما وردت في العذرة.

أقول: منشأ اختلاف الأقوال هو الاختلاف في المتقدّم من هاتين الروايتين فذهب القائلون بعدم الفرق بين الطيور و غيرها و هو القول المشهور على ما عرفت إلى ترجيح الاولى على الثانية بدعوى أنّها أشهر و أصحّ سنداً بل حكى عن العلّامة في التذكرة انّ أحداً لم يعمل برواية أبي بصير و عليه فلا محيص عن الأخذ بعموم الرواية الأُولى أو إطلاقها.

و أمّا القائلون بالطهارة فقد ذكروا انّه لا وجه لتقديم الاولى على الثانية‌

10

..........

____________

أمّا أوّلًا فلأنّ الشهرة الفتوائية لا تصلح للمرجحيّة إذ لم يعلم بل و لم يظنّ باستنادهم إليها في فتواهم حتّى يرجح بذلك سندها، و أمّا ثانياً فلأنّ الثانية صريحة في نفي البأس و كالصريحة في العموم أي عموم كل شي‌ء يطير بل يتعذّر ارتكاب التخصيص فيها بحملها على خصوص مأكول اللحم من الطير لأنّ تقييد الموضوع بوصف الطيران من غير أن يكون له مدخلية في الحكم و لا في إحراز موضوعه لكون المناط حلّية الأكل من غير فرق في ذلك بين الطير و غيره مستهجن عند العقلاء لأنّ الطير إن أُخذ مستقلا عنواناً للموضوع في مقام إعطاء القاعدة، و أمّا تخصيص الاولى فلا استهجان فيه عند العرف لأنّ مرجعه إلى وجوب غسل الثوب من جميع أبوال ما لا يؤكل لحمه إلّا الطيور، و التخصيص غير الموجب للاستهجان العرفي شائع حتّى قيل ما من عامّ إلّا و قد خصّ.

و استدلّ القائل بالتفصيل بين الخرء و البول في الطيور المحرّمة بالحكم بالطهارة في الأوّل و التردّد في الثاني بأنّ نجاسة الخرء في مطلق الحيوان غير المأكول إنّما ثبتت بعدم القول بالفصل و هو غير متحقّق في الطيور لوجود القول بالفصل فيها و عليه فلا مدرك لنجاسة خرء الطيور، مع انّ تعارض الروايتين انّما هو في البول لعدم اشتمال الاولى على حكم الخرء و المفروض صراحة الثانية في نفي البأس به فلا تعارض بينهما في الخرء أصلًا فلا موجب لرفع اليد عن الثانية الدالّة على طهارته، و أمّا التردّد في البول فللتردّد في تقديم إحدى الروايتين على الأُخرىٰ.

و الحقّ تقديم الثانية على الاولى امّا لما أفاده دام ظلّه من صراحتها في عدم البأس و ظهور الاولى في الوجوب مطلقاً أو عند عدم الدليل على الترخيص كما عرفت من الرسالة، و أمّا لما ذكرنا من انّ تقديم الثانية على الاولى لا يوجب التخصيص المستهجن، و أمّا العكس فهو يوجب الاستهجان و لغويّة أخذ قيد الطيران‌

11

..........

____________

في موضوع الحكم. نعم رواية عمّار الآتية بظاهرها تعارض الرواية الثانية إلّا انّه حيث تدلّ هذه الرواية على عدم البأس بخرء مطلق الطير صريحاً و تلك الرواية تدلّ على ثبوت البأس في خرء ما لا يؤكل لحمه لا يبقى مجال لتقديمها عليها أيضاً لأنّ نفي البأس صريح في الطهارة و ثبوته ليس بصريح في النجاسة لملائمته مع استحباب الاجتناب أيضاً فلا إشكال في ترجيح الرواية الثانية إلّا انّ الكلام في إعراض الأصحاب عنها و عدمه و منشأ توهّم الإعراض عدم تحقّق الفتوى على طبقها من قدماء أصحابنا الإمامية رض و ما أفاده مثل العلّامة ممّا تقدّم و لكن الظاهر انّ عدم تحقّق الفتوى على طبقها لم يعلم كون الوجه فيه اطلاعهم على ثبوت خلل في الرواية فمن الممكن أن يكون الوجه ترجيحهم للرواية الأُولى عليها للأشهرية أو شبهها و لا شهادة في كلام العلّامة (قدّس سرّه) أيضاً على الإعراض و طرحهم للرواية فتدبّر فالإنصاف بعد ذلك كلّه انّ القول بالطهارة قوي.

نعم هنا رواية أشرنا إليها و هي ما نقله العلّامة في «المختلف» من كتاب عمّار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) قال: خرء الخطاف لا بأس به هو ممّا يؤكل لحمه و لكن كره أكله لأنّه استجار بك و آوى إلى منزلك و كل طير يستجير بك فأجره. و قد استدلّ بها الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بتقريب انّه (عليه السلام) علّل عدم البأس بخرء الخطاف بأنّه ممّا يؤكل لحمه، و ظاهره انّ الخطاف لو لم يكن محلّل الأكل كان في خرئه بأس فالمناط في الحكم بطهارة الخرء هو حلية الأكل من دون فرق في ذلك بين الطيور و الحيوانات.

و أورد على الاستدلال بالرواية بعض الأعلام بأنّها ممّا لا يمكن الاعتماد عليه، امّا أوّلًا فلأنّ الشيخ نقلها بإسقاط كلمة «خرء» فمدلولها حينئذٍ انّ الخطاف لا بأس به و لا دلالة لها على حكم بوله و خرئه، و أمّا ثانياً فلأنّها على‌

12

..........

____________

تقدير الاشتمال على كلمة الخرء لا تقتضي ما ذهب إليه لأنّه لم يثبت انّ قوله: «هو ممّا يؤكل لحمه» علّة للحكم المتقدّم عليه أعني عدم البأس بخرء الخطاف و من المحتمل أن يكون قوله هذا و ما تقدّمه حكمين بيّنهما الإمام (عليه السلام) من غير صلة بينهما، ثمّ قال: «بل الظاهر انّه علّة للحكم المتأخّر عنه أعني كراهة أكله أي الخطاف يكره أكله لأنّه و إن كان ممّا يؤكل لحمه إلّا انّه يكره أكله لأنّه استجار بك و في جملة: «و لكن كره أكله ..» شهادة على انّ قوله: «هو ممّا يؤكل لحمه» مقدّمة لبيان الحكم الثاني».

أقول: أمّا الإشكال الأوّل فقد أوضحه سيّدنا الأستاذ دام ظلّه بعد حكايته عن الشيخ في باب المطاعم نقل الرواية من غير كلمة «خرء» بانّ احتمال كونها رواية أُخرى نقلها العلّامة و أهملها الشيخ في غاية البعد بل مقطوع الفساد. نعم يحتمل اختلاف النسخ فدار الأمر بين الزيادة و النقيصة فإن قلنا بتقدّم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة لدى العقلاء خصوصاً في المقام ممّا يظنّ لأجل بعض المناسبات وجود لفظ الخرء صحّ الاستدلال بها لكن إثبات بنائهم علىٰ ذلك مشكل بل إثبات بنائهم على العمل بمثل الرواية أيضاً مشكل و قد حرّر في محلّه انّه لا دليل على حجّية خبر الثقة إلّا بنائهم المشفوع بإمضاء الشارع.

و مع الغضّ عن الإشكال الأوّل لا مجال للإشكال الثاني بوجه لأنّ المتفاهم عند العرف من الرواية انّ جملة: «هو ممّا يؤكل لحمه» علّة لنفي البأس عن خرء الخطاف و لو كانت جملة مستقلّة لكان الأنسب أن يقال: «و هو ممّا يؤكل لحمه» مع الواو كما انّ جملة «لأنّه استجار بك» علّة لكراهة أكله، و ما أفاده من كون العلّة لكراهة الأكل هي جملة «ممّا يؤكل لحمه» غير صحيح لأنّ ما يلائم أن يكون علّة للكراهة في المقام هو استجارته به لا مأكولية لحمه ضرورة أنّ مأكولية اللحم يمكن أن يتوهّم كونها مانعة عن كراهة أكله و لذا قد دفعه الإمام (عليه السلام) بذكر علّة‌

13

..........

____________

الكراهة بأنّه استجار بك و آوى إلى منزلك فتدبّر.

و قد تحصّل ممّا ذكرنا انّ الأقوى بحسب الأدلّة هو القول بالطهارة و إن كان الاجتناب هو مقتضى الاحتياط و لا بأس بذكر كلام المحقّق الهمداني (قدّس سرّه) في المقام فإنّه بعد تقوية القول بالطهارة قال: لكن الذي أوقعنا في الريبة من هذا القول وضوح ضعف مستند المشهور و عدم صلاحيته للمعارضة مع الأصل فضلًا عن النص الخاصّ فيظنّ بذلك انّ استدلالهم بمثل هذه الأدلّة لم يكن إلّا من باب تطبيق الدليل على المدعى لا استفادة المدعى من الدليل فالذي يغلب على الظنّ معهودية الكلّية أعني نجاسة البول و الخرء من كل ما لا يؤكل لحمه، لديهم و وصولها إليهم يداً بيد على سبيل الإجمال كجملة من أحكام النجاسات فلمّا أرادوا إثباتها بالبرهان تشبّثوا بمثل هذه الأدلّة القاصرة، و من خالفهم نظر إلى قصور الأدلّة لا إلى معهودية المدّعى التي ألجأهم إلى الاستدلال بها. انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علوّ مقامه.

و أنت خبير بأنّ ما أفاده من وصول الحكم بالنجاسة إليهم يداً بيد و عدم استنادهم فيه إلى الأدلّة الواردة إلّا من باب تطبيق الدليل على المدعى لا استفادة المدعى من الدليل لا يكاد يتجاوز عن مجرّد الاحتمال و على تقدير بلوغه إلى مرتبة الظنّ بل الغالب عليه لا دليل على اعتباره بعد وجود النصّ الخاصّ الدالّ على الطهارة و ثبوت الأُصول المعتبرة إلّا أن يثبت الإعراض أوّلًا و كون الإعراض موهناً ثانياً و الأوّل غير ثابت و لو سلمنا الثاني.

بقي في هذه المسألة أُمور:

الأمر الأوّل: قد صرّح في المتن بشمول الحكم بنجاسة البول و الخرء لغير المأكول بالعارض أيضاً كالجلال و موطوء الإنسان و المرتضع من لبن الخنزيرة إلى أن يشتدّ عظمه و منشأ التعميم أحد أُمور:

الأوّل: دعوى الإجماع على النجاسة من جماعة الفقهاء (رضوان اللّٰه‌ تعالى عليهم أجمعين)

14

..........

____________

كصاحب الغنية حيث ادّعى الإجماع على ما حكي عنه على نجاسة خرء مطلق الجلال و بوله، و عن المختلف و التنقيح و المدارك و الذخيرة الإجماع على نجاسة ذرق الدجاج الجلال، و عن التذكرة و المفاتيح نفي الخلاف عن إلحاق الجلال من كل حيوان و الموطوء بغير المأكول في نجاسة البول و العذرة.

و أنت خبير بعدم تمامية هذا الوجه لعدم اتصاف الإجماع على تقدير ثبوته بالأصالة بل من المحتمل لولا الظاهر كون مستندهم هو الأدلّة اللفظية الآتية لأنّه من البعيد وصول شي‌ء آخر إليهم غير ما وصل إلينا.

الثاني: دعوى كون المراد من عنوان «ما لا يؤكل لحمه» في مثل رواية عبد اللّٰه بن سنان المتقدّمة هو كون الموضوع نفس هذا العنوان فهو علّة للحكم بوجوب الغسل و من الواضح شموله لما لا يؤكل بالعارض أيضاً.

و فيه انّ الظاهر كون هذا العنوان مشيراً إلى الذوات الخارجية و الأنواع المحرّمة بالأصل فهو عنوان انتزاعي جامع بينها و ليس له مدخلية في الحكم بل الموضوع هو ذوات تلك الأنواع و عناوينها و يشهد لذلك مضافاً إلى الظهور العرفي أولًا و إلى انّ عدم الظهور في الخلاف يكفي لسقوط الاستدلال ثانياً رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل يمسّه بعض أبوال البهائم أ يغسله أم لا؟ قال: يغسل بول الحمار و الفرس و البغل فأمّا الشاة و كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله. فإنّه يظهر منها انّ الموضوع في الطرفين هي العناوين الأوّلية الثابتة للأنواع لا العنوان العام الانتزاعي كما هو غير خفي. و قد وقع نظير هذا الكلام في موثقة ابن بكير المعروفة الواردة في الصلاة الدالّة على النهي عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه.

15

..........

____________

الثالث: ما ورد ممّا يدلّ على غسل عرق الجلال بضميمة أولوية البول و الخرء من العرق فإذا كان عرقه نجساً فنجاستهما بطريق أولىٰ.

و فيه مضافاً إلى انّ نجاسة عرق الجلال بنحو العموم محلّ إشكال و سيأتي الكلام فيه انّ الأولوية ممنوعة و القياس محرم.

الرابع: إطلاق صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة الظاهرة في نجاسة مطلق البول و القدر المتيقّن من الخروج هو بول المأكول بالفعل، و أمّا المأكول الذي عرض له وصف التحريم فلا دليل علىٰ خروجه من إطلاق الصحيحة أصلًا.

و فيه انّ الدليل على الخروج هي إطلاق الأدلّة الآتية الظاهرة في طهارة بول العناوين المحلّلة و الأنواع التي تكون بالذات كذلك فلا وجه للاقتصار على القدر المتيقّن، مع انّك عرفت قوّة احتمال كون المراد من البول في مثلها هو بول الإنسان للانصراف إليه فتدبّر.

نعم لا وجه للاستشهاد على الطهارة بتعارض دليل النجاسة الظاهر في ثبوتها لعنوان غير المأكول أصلياً كان أم عارضيا مع دليل طهارة البول و الخرء في مثل الغنم و البقر تعارض العموم من وجه فيرجع بعد التساقط إلى استصحاب الطهارة أو قاعدتها.

فإنّه يرد عليه وضوح عدم التعارض و تقدّم الأوّل على الثاني بنحو الحكومة لتقدّم الدليل الوارد في العنوان الانتزاعي الزائد على الذات على الدليل الوارد في العنوان الأوّلي كما هو ظاهر.

و يؤيّد ما ذكر من عدم الوجه لتعميم النجاسة انّ اللازم بناءً عليه خصوصاً على الوجه الثاني من الوجه الأربعة الالتزام بطهارة البول و الخرء من الحيوان المحرم بالذات المحلّل بالعرض كما إذا صار حلالًا بسبب الاضطرار و نحوه مع انّه مشكل جدّاً.

16

..........

____________

و يمكن دفع هذا الإشكال بما دفع به عكس مورد الفرض و هو ما إذا كان الحيوان حراماً للضرر أو الغصب أو النذر أو نحو ذلك فإنّه لا مجال لتوهّم النجاسة في أمثال ذلك مع أنّها محرّمة الأكل بالعنوان الثانوي نظير عنوان الجلل و الموطوئية للإنسان، و دفع الإشكال هو ثبوت الفرق فإنّ هذه العناوين لا توجب صيرورة الحيوان محرماً بنحو تكون الحيوانية دخيلة في الموضوع ضرورة انّ التصرّف في المغصوب بما هو مغصوب حرام لا بما انّه حيوان و هذا بخلاف مثل الجلل فانّ الموضوع للحكم بالحرمة هو الحيوان الجلال و الحيوان الذي صار موطوء الإنسان، و في المقام يقال إنّ الاضطرار لا يوجب حلّية الحيوان بل موضوعها هو عنوان ما اضطرّوا إليه بلا دخل للحيوانية فيه أصلًا فلا مجال للإشكال أصلًا لكن الكلام في أصل الدليل على النجاسة و إن شيئاً من الوجوه المذكورة غير تامّ يبقى على حاله.

الأمر الثاني: لا ينبغي الإشكال في طهارة البول و الغائط من حلال اللحم للإجماع بل الضرورة في الجملة و يدلّ عليه أيضاً روايات كثيرة.

منها: موثّقة عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: كلّما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه.

و منها: صحيحة زرارة أو حسنته انّهما قالا: لا تغسل ثوبك من بول شي‌ء يؤكل لحمه. و النهي عن الغسل إرشاد إلى عدم النجاسة.

و منها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه المتقدّمة. الدالّة على انّ الشاة و كل ما يؤكل لحمه لا بأس ببوله.

17

..........

____________

و منها: رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه انّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) قال: لا بأس ببول ما أُكل لحمه.

و بالجملة: الطهارة في مثل الشاة و نحوها ممّا يكون معدّاً للأكل و يتعارف أكله ممّا لا ينبغي الإشكال فيه. نعم في خصوص خرء الدجاجة حكى عن المفيد و الشيخ القول بنجاسته و لعلّه للاستناد إلى رواية فارس قال: كتبت إليه: رجل يسأله عن ذرق الدجاج تجوز الصلاة فيه؟ فكتب: لا. مع وضوح انّه لو كان خرء الدجاجة نجساً لصار من الضروري بعد شدّة الابتلاء به في جميع الأزمنة و الأمكنة، و أمّا الرواية فمردودة إلى راويها فارس الذي وصِف بأنّه الكذّاب اللعين المختلط الحديث و شاذه و قد قتل بأمر أبي الحسن (عليه السلام) كما هو المروي.

و أمّا الحيوانات المحلّلة التي لا يتعارف أكل لحومها كالخيل و البغال و الحمير فقد ذهب المشهور إلى طهارة أبوالها و أرواثها و خالفهم في ذلك من المتقدّمين ابن الجنيد و الشيخ في بعض كتبه و من المتأخّرين الأردبيلي فذهبوا إلى نجاستهما منه» و اختار صاحب الحدائق نجاسة أبوالها دون أرواثها.

و منشأ الاختلاف هو اختلاف الأخبار الواردة فيها؛ ففي صحيحة عبد الرحمن المتقدّمة قد أمر بالغسل من بول الحمار و الفرس و البغل، و مقتضى الفهم العرفي انّ الأمر بالغسل إرشاد إلى النجاسة.

و في موثقة سماعة قال: سألته عن أبوال السنور و الكلب و الحمار و الفرس قال: كأبوال الإنسان.

و في رواية الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا بأس بروث الحمير و اغسل‌

18

..........

____________

أبوالها. و هذه الرواية صريحة في التفصيل بين الروث و البول، و أمّا السابقتان فلا تعرض فيهما لحكم الروث أصلًا لو لم نقل باحتمال كون ذكر البول من باب المثال و المقصود مطلق ما يخرج منها و في مقابل هذه الأخبار وردت روايتان تدلّان على طهارتهما:

إحداهما: رواية أبي الأغر النخاس قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّي أعالج الدواب فربّما خرجت بالليل و قد بالت و راثت فيضرب أحدها برجله، أو يده فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه؟ فقال: ليس عليك شي‌ء. و الظاهر انّ المراد بالدابة عند الإطلاق الخيل و أخواتها.

ثانيتهما: رواية معلى بن خنيس و عبد اللّٰه بن أبي يعفور قالا: كنّا في جنازة و قدامنا حمار فقال فجاءت الريح ببوله حتّى صكّت وجوهنا و ثيابنا و دخلنا على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فأخبرناه؟ فقال: ليس عليكم بأس.

و هاتان الروايتان و إن قيل بضعفهما إلّا انّه ينجبر بعمل الأصحاب و اعتماد المشهور عليهما فتعارضان مع الأخبار الدالّة على النجاسة بالنسبة إلى الأبوال، و أمّا الأرواث فلا دلالة لشي‌ء من الأخبار على نجاستها بل قد صرّح في رواية الحلبي المتقدّمة بنفي البأس عن روث الحمير فمورد المعارضة هي الأبوال فقط. فحينئذٍ نقول: يمكن الجمع بين الطائفتين بحمل الأخبار الآمرة بالغسل عن أبوالها على حكم استحبابي لكونها ظاهرة في الحكم الوجوبي و صراحة أخبار الطهارة فيها فهي قرينة على التصرّف في تلك الأخبار و حملها على خلاف ظاهرها سيّما على مبنى الماتن دام ظلّه من كون ظهور الأمر في الإلزام و الوجوب معلّقاً على‌

19

..........

____________

عدم الترخيص في الترك، و نتيجة هذا الحمل هو التفصيل بين البول و الروث بالحكم باستحباب الغسل في الأوّل دون الثاني، هذا بالنسبة إلى غير الموثقة من أخبار النجاسة، و أمّا هي فتكون صريحة في النجاسة للتشبيه بأبوال الإنسان فيها أولًا و جعلها في رديف بول الكلب و السنّور ثانياً فيشكل الأمر في الموثّقة لمعارضتها مع أخبار الطهارة و الحق تقديم أخبار الطهارة عليها للشهرة الفتوائية على طبقها التي تكون أوّل المرجحات في باب التعارض و تأيّدها بذيل موثقة ابن بكير حيث قال (عليه السلام): يا زرارة هذا عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فاحفظ ذلك يا زرارة فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و شعره و روثه و ألبانه و كلّ شي‌ء منه جائز إلى أن قال: و إن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله فالصلاة في كلّ شي‌ء منه فاسد ذكاه الذبح أو لم يذكه.

و الذي يسهل الخطب و يوجب الاطمئنان بالطهارة أنّها مع هذا الابتلاء الكثير المشاهد بها خصوصاً في بلاد الأعراب و لا سيما في تلك الأعصار لو كانت نجسة لصارت من الضروريات و الواضحات لدى المسلمين بحيث لم يشكّ أحد فيها و لم ينحصر المخالف في طهارتها بابن الجنيد و الشيخ كما هو ظاهر.

الأمر الثالث: قد وقع الخلاف بين الأصحاب في نجاسة الأبوال و الأرواث ممّا لا يؤكل لحمه إذا لم تكن له نفس سائلة كالأسماك المحرّمة و نحوها فذهب المشهور إلى طهارة بوله و خرئه، و نقل عن العلّامة انّه تردّد في بعض كتبه و قد أفتىٰ في المتن بالطهارة إذا لم يكن له لحم كالبق و الذباب و استشكل فيما إذا كان له لحم و إن مال إلى الطهارة خصوصاً في خرئه.

و الكلام في مستند المشهور لأنّ مقتضى عموم ما دلّ على نجاسة بول غير المأكول أو إطلاقه انّه لا فرق فيما لا يؤكل لحمه بين ما له نفس سائلة و بين ما‌

20

..........

____________

ليس له نفس كذلك فلا بدّ في إخراج ما لا نفس له من ذلك العموم أو الإطلاق من إقامة الدليل عليه، نعم طهارة خرء ما لا نفس له ممّا لا يحتاج إلى الدليل لعدم عموم أو إطلاق يدلّ على نجاسة خرء ما لا يؤكل لحمه بخلاف البول لقيام الدليل على نجاسته كذلك و هو روايات أظهرها رواية عبد اللّٰه بن سنان المتقدّمة، و حينئذٍ لا بدّ لنا من إقامة الدليل على خروج البول فيما لا نفس له فنقول:

قد يتمسّك في ذلك بالانصراف بدعوى انّ لفظة «البول» منصرفة عمّا يخرج من الحيوان الذي لا نفس له فإنّ ما يخرج من مثله مجرّد مائع يترشّح منه و لا يطلق عليه عنوان البول.

و فيه انّ سيلان الدم و عدمه لا مدخلية له في إطلاق اسم البول على ما يخرج منه و عدمه كما هو غير خفي.

و قد يتمسّك في ذلك بموثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال: لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة. بتقريب انّ الرواية تدلّ بإطلاقها على عدم تنجّس الماء ببول ما لا نفس له كذلك و لا بدمه و لا بميتته و لا بغيرها ممّا يوجب نجاسة الماء إذا كانت له نفس سائلة.

و فيه أنّها منصرفة إلى الميتة ممّا لا نفس له و لذا ذكرها الأصحاب في باب عدم نجاسة الميتة ممّا لا نفس له، و يرشدك إلى اختصاصها بالميتة مضافاً إلى الانصراف إضافة الإفساد و عدمه إلى ذات ما كانت له نفس سائلة لا إلى مثل ما يخرج منه فتأمّل.

و التحقيق انّ ما لا نفس له من الحيوانات المحرّمة على قسمين: الأوّل ما لا لحم له أصلًا كالذباب و النملة و البق، الثاني ما كان له لحم معتدّ به. غاية الأمر انّه يحرم أكله، و ما يدلّ على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه منصرف عن القسم‌

21

..........

____________

الأوّل لأنّ المفروض عدم وجود لحم له حتّى يحرم و قد فرض في موضوع تلك الأدلّة وجود حيوان له لحم غاية الأمر اتصافه بالحرمة، فما ليس له لحم أصلًا لا يكون مشمولًا لتلك الأدلّة بوجه، و أمّا القسم الثاني فقد عرفت انّ طهارة الخرء فيه لا تحتاج إلى الدليل لعدم عموم أو إطلاق يدلّ على نجاسة خرء ما لا يؤكل لحمه و أمّا البول فمقتضى عموم الدليل الشمول و إن كانت دعوى الانصراف غير بعيدة فتدبّر جيّداً.

الأمر الرابع: قد حكى الخلاف في نجاسة بول الرضيع عن ابن الجنيد فإنّه قال: «بول البالغ و غير البالغ من الناس نجس إلّا أن يكون غير البالغ صبياً ذكراً فإنّ بوله و لبنه ما لم يأكل اللحم ليس بنجس» و الظاهر منه نجاسة لبنه إذا أكل اللحم مع انّه غريب جدّاً كما انّ التقييد بأكل اللحم أيضاً كذلك لكن عن المدارك حكاية «الطعام» بدل «اللحم» عنه.

و كيف كان إن كان مراد القائل بعدم النجاسة عدم كونه نجساً بوجه بحيث لا يحتاج إلى الغسل و إلى الصبّ أصلًا فيرده مضافاً إلى الروايات الكثيرة المتقدّمة الواردة في البول الدالّة على وجوب الغسل فإنّها و إن كانت منصرفة احتمالًا عن بول غير الإنسان إلّا انّ دعوى الانصراف عن بول الطفل سيّما الذكر منه كما هو المدعى ممنوعة جدّاً. نعم لا بأس بدعوى الانصراف عن مطلق الإنسان في الروايات الآمرة بغسل بول ما لا يؤكل لحمه كما هو غير خفي الروايات الخاصة الآمرة بالغسل تارة كموثقة سماعة قال: سألته عن بول الصبي يصيب الثوب؟ فقال: اغسله، قلت: فإن لم أجد مكانه؟ قال: اغسل الثوب كلّه. و بالصبّ و العصر أُخرى كصحيحة الحسين بن أبي العلاء في حديث قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصبي يبول على الثوب؟ قال: تصبّ عليه الماء قليلًا ثمّ‌

22

..........

____________

تعصره. و المفصلة ثالثة كصحيحة الحلبي أو حسنته قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن بول الصبي؟ قال: تصبّ عليه الماء فإن كان قد أكل فاغسله بالماء غسلًا و الغلام و الجارية في ذلك شرع سواء.

و إن كان مراد القائل بعدم النجاسة عدم كونه كسائر النجاسات بحيث يحتاج إلى الغسل بل يكفي فيه الصبّ فقط فإن كان المراد انّ الصبّ كاشف عن عدم النجاسة رأساً خصوصاً بعد عدم وجوب العصر مطلقاً أو في خصوص المقام كما يأتي في محلّه فالجواب منع الكشف و الصبّ دليل على النجاسة و لا يكون حكماً تعبّدياً غير مرتبط بباب التطهير و التغسيل.

و إن كان المراد ثبوت النجاسة غاية الأمر كفاية الصبّ و عدم لزوم الغسل فنقول لا مانع منه بعد حمل الرواية الدالّة على لزوم الغسل على الصبّ بقرينة الرواية الدالّة على كفاية الصبّ فإنّ الصبّ أيضاً نوع من الغسل و إن أبيت إلّا عن المباينة بينهما فاللازم التفصيل على طبق الرواية المفصّلة و لا يبقى فرق حينئذٍ بين الغلام و الجارية.

و أمّا ما ورد في قضية الحسنين (عليهما السلام) في رواية الراوندي و الجعفريات عن علي (عليه السلام) من عدم غسل رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) ثوبه من بولهما قبل أن يطعما فلا تنافي ما دلّ على وجوب الصبّ لانصراف الغسل إلى ما يتعارف من انفصال الغسالة و الشاهد عليه ما رواه الصدوق في معاني الأخبار من انّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أتى بالحسن بن علي فوضع في حجره فبال، فقال: لا تزرموا ابني ثمّ دعا بماء فصبّ عليه. و لا يبعد أن تكون القضية واحدة بل ورد في مولانا الحسين (عليه السلام) شبه‌

23

[مسألة 2 لو شكّ في خرء حيوان انّه من مأكول اللحم أو محرمة]

مسألة 2 لو شكّ في خرء حيوان انّه من مأكول اللحم أو محرمة امّا من جهة الشكّ في ذلك الحيوان الذي هو خرئه، و أمّا من جهة الشكّ في انّ هذا الخرء من الحيوان الفلاني الذي يكون خرئه نجساً أو من الذي يكون طاهراً كما إذا رأى شيئاً لا يدري انّه بعرة فأرة أو خنفساء فيحكم بالطهارة، و كذا لو شكّ في خرء حيوان انّه ممّا له نفس سائلة أو من غيره ممّا ليس له لحم كالمثال المتقدّم، و أمّا لو شكّ في انّه ممّا له نفس أو من غيره ممّا له لحم بعد إحراز عدم المأكولية ففيه إشكال كما تقدّم و إن كانت الطهارة لا تخلو من وجه (1).

____________

القضية فقال: مهلًا يا أُمّ الفضل فهذا ثوبي يغسل و قد أوجعت ابني. و في رواية: «فقال (صلّى اللّٰه عليه و آله): مهلًا يا أُمّ الفضل انّ هذه الإراقة، الماء يطهّرها فأيّ شي‌ء يزيل هذا الغبار عن قلب الحسين» مع ظهور كون هذه الروايات غير قابلة للركون عليها في إثبات الحكم.

و أمّا رواية السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) انّ عليّاً (عليه السلام) قال: لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم لأنّ لبنها يخرج من مثانة أُمّها و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا من بوله قبل أن يطعم لأنّ لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين. فمضافاً إلى مخالفتها للإجماع من جهة الحكم بنجاسة لبن الجارية و للاعتبار معارضة لصحيحة الحلبي المتقدّمة الدالّة بالصراحة على التسوية بين الغلام و الجارية، مع انّ عدم وجوب الغسل في الغلام لا ينافي وجوب الصبّ لدلالة الدليل عليه كما هو غير خفي.

فانقدح من جميع ذلك عدم إمكان إقامة الدليل على مدعى ابن الجنيد بوجه.

(1) في هذه المسألة فروع:

24

..........

____________

الأوّل: لو شكّ في خرء حيوان انّه من مأكول اللحم أو محرمة من جهة الشكّ في ذلك الحيوان الذي هو خرؤه و له صورتان:

الاولى: كون الشكّ في ذلك الحيوان من قبيل الشبهة الحكمية كالمتولِّد من المأكول و غيره مع عدم شباهته بواحد منهما و عدم صدق شي‌ء من الاسمين عليه.

الثانية: كون ذلك الشكّ من قبيل الشبهة الموضوعية كما إذا شككنا في انّ الحيوان الموجود الذي نشكّ في خرئه غنم أو كلب و لم يعلم عنوانه لظلمة و نحوها و الحكم في الصورتين هي طهارة الخرء لجريان قاعدة الطهارة بعد عدم شمول دليل النجاسة لكونها ثابتة على عنوان «ما لا يؤكل لحمه شرعاً» و هو غير محرز في المقام على ما هو المفروض، نعم لو كان الشكّ من قبيل الشبهة الحكمية يكون الحكم بالطهارة متوقّفاً على الفحص عن حال الحيوان و حكمه كما هو الشأن في جميع الأُصول الجارية في الشبهات الحكمية. و أمّا الصورة الثانية فلا يحتاج إلى البحث و الفحص أصلًا بل تجري القاعدة من دون توقّف على شي‌ء.

نعم هنا إشكال قد أورد على من جمع بين الحكم بالطهارة في هذا الفرع و بين عدم جواز أكل اللحم فيه كالسيّد (قدّس سرّه) في «العروة» بتقريب انّه كيف يمكن الجمع بين الأمرين مع انّ النجاسة قد رتّبت على حرمة الأكل فمع ثبوتها لا مجال للحكم بالطهارة.

و الجواب ظاهر فانّ المراد من الحرمة المعلّقة عليها النجاسة هي خصوص الحرمة الواقعية الثابتة على بعض الحيوانات بعناوينها و في نفسه لا الأعمّ منها و من الحرمة الظاهرية الثابتة بالاستصحاب و نحوه كما في المقام ضرورة انّ الحرمة على تقدير ثبوتها انّما يكون منشأها استصحاب الحرمة الثابتة في حال حياة الحيوان و أين هي من الحرمة الواقعية الثابتة بعد الموت المتفرّعة عليها نجاسة‌

25

..........

____________

البول و الخرء كما هو واضح.

إن قلت: الروايات الدالّة بعمومها على نجاسة مطلق البول و إن خصّصت ببول ما يؤكل لحمه إلّا انّ استصحاب عدم جعل الحلّية للحيوان المذكور يقتضي كونه من الافراد الباقية تحت العام لأنّ الخارج و هو الحيوان المحلّل يحرز عدمه بالاستصحاب فهذا الحيوان ممّا لا يؤكل لحمه بمقتضى الاستصحاب المذكور فيحكم بدخوله تحت العمومات الواردة و مقتضاها نجاسة بوله و خرئه.

قلت: ليس لنا عموم يدلّ على نجاسة جميع الأبوال و قد خصّصت ببول ما لا يؤكل لحمه. نعم هناك مطلقات واردة في ذلك و التمسّك بها لإثبات نجاسة مطلق البول مخدوش: من جهة قوّة احتمال انصرافها إلى بول الإنسان أوّلًا، و من جهة كونها في مقام بيان شي‌ء آخر دون أصل النجاسة كوقوعها في مقام الجواب عن السؤال عن كيفية تطهير الثوب الذي أصابه البول بعد الفراغ عن أصل نجاسته ثانياً فلا مجال لدعوى وجود الإطلاق أيضاً، و على ما ذكرنا لا حاجة إلى ما ذكره بعض الأعلام في مقام الجواب عن الإشكال من انّ الحلية لا تكون من المجعولات الشرعية حتّى يجري فيها الاستصحاب مع إمكان المناقشة فيه بعدم الفرق بين الحلّية الظاهرية و الواقعية فكما انّ الاولى مجعولة بمقتضى قاعدة الحلّية كذلك الثانية مع ظهور الأدلّة في جعلها أيضاً كقوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ (1)، و قوله تعالى الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ (2)، و قوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ (3)، و دعوى اختصاص جريان مثل الاستصحاب بالمجعولات‌

____________

(1) المائدة: 96.

(2) المائدة: 5.

(3) المائدة: 1.

26

..........

____________

الإلزامية و عدم جريانها في المجعولات الترخيصية قد حقّق في محلّه بطلانها، هذا مضافاً إلى انّ ذلك على فرض التمامية يجري في البول دون الخرء لعدم وجود عموم أو إطلاق فيه أصلًا كما عرفت.

نعم يبقى الكلام في وجه الحكم بعدم جواز أكل اللحم مع طهارة الخرء و كذا البول و قد عرفت انّ الشكّ تارة من جهة الشبهة الحكمية و أُخرى من جهة الشبهة الموضوعية و على التقديرين قد يعلم كون الحيوان قابلًا للتذكية و قد يشكّ في ذلك فالصور أربعة:

الأُولى: ما إذا كانت الشبهة حكمية مع العلم بكون الحيوان قابلًا للتذكية كالشكّ في حرمة لحم الأرنب مثلًا.

الثانية: ما إذا كانت الشبهة موضوعية مع العلم باتّصاف الحيوان بالقابلية لها كالشكّ في كون الحيوان شاةً أو ذئباً مثلًا لاشتباه حاله، و في هاتين الصورتين قد ذهب جماعة من المحقّقين إلى حرمة أكل اللحم و الظاهر انّ مستندها استصحاب الحرمة الثابتة على الحيوان حال الحياة و قبل ذبحه.

و الحقّ عدم جريان هذا الاستصحاب.

امّا أوّلًا: فلأنّه يتوقّف على ثبوت حرمة لحمه في حال الحياة مع انّه لا دليل عليها، و حرمة القطعة المبانة من الحيّ انّما هي لأجل كونها ميتة و الكلام في أكل الحيوان حيّاً كابتلاع السمكة الصغيرة الحيّة.

و أمّا ثانياً: فلأنّ الحرمة على تقدير ثبوتها حال الحياة يكون منشأها انّ الحيوان غير مذكّى، و بعد وقوع التذكية عليه كما هو المفروض يتبدّل عنوان غير المذكّى إلى المذكّى فلا وجه لبقاء ذلك الحكم، و بعبارة اخرىٰ: القضية المتيقّنة يكون موضوعها الحيوان الحيّ بحيث يكون قيد الحياة داخلًا في الموضوع، و أمّا القضيّة المشكوكة فموضوعها الحيوان المذكّى و عليه فشرط‌

27

..........

____________

جريان الاستصحاب و هو اتحاد القضيتين غير متحقّق فلا مجال له أصلًا.

الثالثة: ما إذا كانت الشبهة حكمية مع الشكّ في كون الحيوان قابلًا للتذكية، و الحق فيها أيضاً عدم جريان الاستصحاب أي استصحاب عدم التذكية، لأنّ التذكية كما قال به المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) عبارة عن فري الأوداج مع سائر الشرائط عن خصوصية في الحيوان، غاية الأمر انّه لا يجوز استصحاب عدم تلك الخصوصية لعدم جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية خلافاً للمحقّق المذكور لعدم اتّحاد القضيتين و اختلافهما بالسلب بانتفاء الموضوع و السلب بانتفاء المحمول و وضوح المغايرة بين السالبتين، و تفصيل الكلام موكول إلى محلّه و عليه فالمرجع أيضاً قاعدة الحلّية.

الرابعة: ما إذا كانت الشبهة موضوعية مع الشكّ في كونه قابلًا للتذكية كما إذا وجدت قطعة لحم في محل و لا يعلم كونها مذكاة أم لا، و الحق فيها جريان استصحاب عدم التذكية و الحكم بالحرمة و انّه لا إشكال فيه.

إن قلت: الحرمة قد علقت على كون الحيوان ميتة لا كونه غير مذكّى لقوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ .. (1) فلا يثبت باستصحاب عدم التذكية حرمة الأكل لعدم ثبوت عنوان «الميتة» به.

قلت: الدليل لا يكون منحصراً بالآية الشريفة فإنّ الإجماع قائم على حرمة أكل الحيوان غير المذكّى كما هو ظاهر فلا مانع من جريان الاستصحاب و الحكم بالحرمة. هذا تمام الكلام في الفرع الأوّل.

الفرع الثاني: لو شكّ في خرء حيوان انّه من مأكول اللحم أو محرمة من جهة الشكّ في انّ هذا الخرء من الحيوان الفلاني الذي يكون خرؤه نجساً أو من الذي يكون طاهراً كما إذا رأى شيئاً لا يدري انّه بعرة فأر أو خنفساء،

____________

(1) المائدة: 3.

28

..........

____________

و الحكم فيه الطهارة لقاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الموضوعية بلا إشكال.

الفرع الثالث: لو شكّ في خرء حيوان انّه ممّا له نفس سائلة أو من غيره ممّا ليس له لحم كالمثال المتقدّم و الحكم فيه أيضاً الطهارة لما ذكر و قد عرفت انّه لا حاجة في إجراء قاعدة الطهارة في الشبهات الموضوعية إلى الفحص كما هو المشهور و لكن يظهر من صاحب الجواهر (قدّس سرّه) نوع ترديد في ذلك قال: «بقي شي‌ء بناء على اعتبار هذا القيد أي كونه من ذي النفس و هو انّ مجهول الحال من الحيوان الذي لم يدر أنّه من ذي النفس أم لا يحكم بطهارة فضلته حتّى يعلم انّه من ذي النفس للأصل و استصحاب طهارة الملاقي و نحوه، أو يتوقّف الحكم بالطهارة على اختباره بالذبح و نحوه لتوقّف امتثال الأمر بالاجتناب عليه و لأنّه كسائر الموضوعات التي علّق الشارع عليها أحكاماً كالصلاة للوقت و القبلة و نحوهما، أو يفرق بين الحكم بطهارته و بين عدم تنجيسه للغير فلا يحكم بالأوّل إلّا بعد الاختبار بخلاف الثاني للاستصحاب فيه من غير معارض و لأنّه حينئذٍ كما لو أصابه رطوبة متردّدة بين البول و الماء؟ وجوه لم أعثر على تنقيح منها في كلمات الأصحاب».

و فيه انّه لا فرق بين هذه الشبهة و سائر الشبهات الموضوعية في عدم لزوم الفحص لإطلاق الدليل أعني قوله (عليه السلام): «كل شي‌ء نظيف ..» و قياس المقام بالقبلة و الوقت قياس مع الفارق لأنّهما من قيود المأمور به و مع الإتيان بالصلاة بهذه الكيفية التي يشكّ في تحقّق بعض قيودها لم يحرز إتيان المأمور به مع كون التكليف معلوماً أوّلًا و واحداً ثانياً و هذا بخلاف المقام فإنّ نجاسة فضلة كلّ ما لا يؤكل لحمه فلها حكم مستقلّ و مانعية كذلك فإذا وجد في الخارج شي‌ء و صدق عليه انّه بول ما لا يؤكل لحمه مثلًا يترتّب عليه حكمه و إذا شككنا في ذلك فلا محالة نشكّ في نجاسته في توجه أصل التكليف بالاجتناب إلينا و الأصل الجاري في المقام الطهارة بلحاظ حكمه الوضعي و البراءة بالإضافة إلى الحكم‌

29

[الثالث: المني من كل حيوان ذي نفس]

الثالث: المني من كل حيوان ذي نفس حلّ أكله أو حرم دون غير ذي النفس فإنّه منه طاهر 1.

____________

التكليفي. نعم لو قلنا بشرطية الطهارة أو عدم النجاسة يصير من جهة الأصل العقلي كالقبلة و الوقت و أمّا من جهة الأصل الشرعي فيتفرّق عنهما أيضاً لحكومة أصالة الطهارة على دليل اشتراطها كما لا يخفى.

نعم ربّما يستشكل في جريانها في الموارد التي يزول الشكّ بأدنى شي‌ء كمجرّد النظر بدعوى انصراف أدلّة الأُصول عن مثلها و اختصاصها بما إذا كان ارتفاع الشكّ متوقّفاً على الاختبار و الفحص و الدقّة لكن الأقوى تبعاً لما أفاده الماتن دام ظلّه خلاف ذلك سيّما في باب النجاسات لصحيحة زرارة المعروفة في باب الاستصحاب و فيها: «قلت: فهل عليَّ إن شككت في انّه أصابه شي‌ء أن أنظر فيه؟ قال: لا، و لكنّك انّما تريد أن تذهب الشكّ الذي وقع في نفسك»، بل لا يبعد دعوى ظهورها في انّ عدم لزوم الفحص انّما هو للاتّكال على الاستصحاب من دون خصوصية للنجاسة، و لمنع الانصراف.

الفرع الرابع: لو شكّ في خرء حيوان انّه ممّا له نفس أو من غيره ممّا له لحم محرم و قد استشكل فيه في المتن كما تقدّم في المسألة الأُولى و لكنّك عرفت انّ طهارة الخرء في الحيوان الذي له لحم محرم و ليس له نفس سائلة لا يحتاج إلى الدليل و لا تبعد دعوى الانصراف في بوله أيضاً و عليه فالحكم في مورد الشكّ أيضاً الطهارة لما عرفت في الفرعين السابقين.

(1) الكلام فيه يقع في أربع مسائل:

المسألة الأُولى: في نجاسة المني من الإنسان و لا ينبغي الإشكال فيها و قد انعقد عليها الإجماع بل و تدلّ عليها الضرورة و لم يخالف فيه أحد من أصحابنا الإمامية (رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين).

30

..........

____________

و عن السيّد المرتضى (قدّس سرّه) الاستدلال عليها في الناصريّات مضافاً إلى الإجماع بقوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ (1) حيث إنّها نزلت في بدر بعد احتلام جمع من المسلمين و عدم وجدانهم الماء ثمّ نزول المطر عليهم، قال: «دلّت الآية على نجاسة المني من وجهين: أحدهما قوله تعالى وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ، و الرجز و النجس بمعنى واحد، إلى أن قال: و الثاني من دلالة الآية انّه تعالى أطلق عليه اسم التطهير و التطهير لا يطلق في الشرع إلّا لإزالة النجاسة أو غسل الأعضاء الأربعة».

و فيه مضافاً إلى توقّفه على إحراز عدم تنجّس أبدانهم بمثل البول مدّة توقّفهم في البدر مع فقدان الماء و لا يكاد يحرز ذلك بوجه انّ الظاهر من عطفه قوله تعالى «يُذْهِبَ عَنْكُمْ» على قوله تعالى «لِيُطَهِّرَكُمْ ..» بالواو الظاهر في المغايرة بين الأمرين انّ التطهير بالماء غير إذهاب الرجز. و عليه فالمراد من التطهير امّا التطهير من الخبث أو الأعمّ منه و من رفع الحدث، و المراد من إذهاب الرجز رفع الجنابة على الأوّل و أخذها بوسوسة الشيطان على الثاني كما عن ابن عبّاس لأنّه قد حكى انّ الكفّار في وقعة بدر قد سبقوا المسلمين إلى الماء فنزلوا على كثيب رمل فأصبحوا محدثين و مجنبين و أصابهم الظماء و وسوس إليهم الشيطان فقال: إنّ عدوّكم قد سبقكم إلى الماء و أنتم تصلّون مع الجنابة و الحدث و تسوخ أقدامكم في الرمل فمطّرهم اللّٰه حتّى اغتسلوا به من الجنابة و تطهّروا به من الحدث و تلبدت به أرضهم و أوحلت أرض عدوّهم، و عليه فالاستدلال بالآية الشريفة ممّا لا يتمّ أصلًا.

نعم تدلّ على النجاسة مضافاً إلى الإجماع طوائف من الأخبار:

منها: ما أمر فيها بغسله كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)

____________

(1) الأنفال: 11.

31

..........

____________

قال: سألته عن المذي يصيب الثوب فقال: ينضحه بالماء إن شاء، و قال في المني يصيب الثوب؟ قال: إن عرفت مكانه فاغسله و إن خفي عليك فاغسله كلّه. (1) و رواية عنبسة بن مصعب قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المني يصيب الثوب فلا يدرى أين مكانه؟ قال: يغسله كلّه (2). فإنّ إطلاق الأمر بالغسل في مثلهما دليل على النجاسة و يدفع احتمال كونه مانعاً عن الصلاة من غير كونه نجساً مع انّ المتفاهم عند العرف من مثل هذا التعبير هي النجاسة.

و منها: ما أمر فيها بإعادة الصلاة التي صلّيت فيه كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: ذكر المني و شدّده و جعله أشدّ من البول ثمّ قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة، فعليك إعادة الصلاة و إن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صلّيت فيه ثمّ رأيته بعد فلا إعادة عليك و كذا البول (3). فإنّ إيجاب الإعادة و إن لم يكن بمجرّده دليلًا على النجاسة إلّا ان الإرداف بالبول و جعله أشدّ منه قرينة واضحة عليها كما لا يخفىٰ.

و منها: ما أمر فيها بالصلاة عرياناً مع انحصار الثوب بما فيه الجنابة كموثّقة سماعة قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب و ليس عليه إلّا ثوب أجنب فيه و ليس يجد الماء قال: يتيمّم و يصلّي عرياناً قائماً يومي إيماء. (4) و إطلاق وجوب التيمّم دليل على النجاسة فتدبّر.

و منها: ما دلّ على جواز الصلاة فيه في حال الاضطرار كصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أجنب في ثوبه و ليس معه ثوب غيره (آخر) قال:

____________

(1) الوسائل أبواب النجاسات الباب السادس عشر ح 1

(2) الوسائل أبواب النجاسات الباب السادس عشر ح 3

(3) الوسائل أبواب النجاسات الباب السادس عشر ح 2

(4) الوسائل أبواب النجاسات الباب السادس عشر و الأربعون ح 3

32

..........

____________

يصلّي فيه فإذا وجد الماء غسله. قال الصدوق و في خبر آخر: و أعاد الصلاة. (1) و رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه انّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يجنب في ثوبه ليس معه غيره و لا يقدر على غسله؟ قال: يصلّي فيه (2). و رواية محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول و ليس معه ثوب غيره؟ قال: يصلّي فيه إذا اضطرّ إليه (3). و التعارض بين هاتين الطائفتين من جهة الصلاة في الثوب أو عرياناً أو إمكان الجمع بينهما لا يقدح فيما نحن بصدده من الاستدلال على نجاسة مني الإنسان كما هو ظاهر، و هنا روايات أُخر تدلّ على هذا الأمر بحيث لا يبقى الإشكال فيه أصلًا.

و في مقابل هذه الأخبار قد وردت روايات يتوهّم ظهورها في الطهارة:

منها: صحيحة أبي أُسامة زيد الشحّام قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): تصيبني السماء و عليَّ ثوب فتبلّه و أنا جنب، فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني أ فأُصلّي فيه؟ قال: نعم. (4) و منها: موثّقة ابن بكير عن أبي أُسامة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الثوب يكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتّى يبتل عليّ؟ قال: لا بأس. (5) فانّ الظاهر منهما طهارة ملاقي المني و لازمها طهارة نفسه.

و فيه بعد كونهما رواية واحدة رواها أبو أُسامة و الاختلاف فيهما من جهة العبارة قد نشأ عن اختلاف نقله أو النقل عنه و إن جعلهما في الوسائل روايتين انّ الظاهر منهما انّ السؤال انّما يكون عن أمر بعد الفراغ عن نجاسة المني‌

____________

(1) الوسائل أبواب النجاسات الباب الخامس و الأربعون ح 1

(2) الوسائل أبواب النجاسات الباب الخامس و الأربعون ح 4

(3) الوسائل أبواب النجاسات الباب الخامس و الأربعون ح 7

(4) الوسائل أبواب النجاسات الباب السابع و العشرون ح 3

(5) الوسائل أبواب النجاسات الباب السابع و العشرون ح 6

33

..........

____________

و ثبوتها عند السائل و لا يكون محطّ النظر في السؤال هو أصل نجاسة المني أصلًا و ذلك الأمر هو انّ إصابة الثوب المبتل بالمطر بعض ما أصاب الجسد من المني هل توجب نجاسة الثوب أم لا؟ أو انّ إصابة الجسد و ملاقاته مع الثوب المتلوّث بالمني المبتل بالمطر هل توجب نجاسة الجسد أم لا؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) بعدم البأس و جواز الصلاة و منشأه عدم العلم بالسراية و عدم حصول الاطمئنان فضلًا عن القطع بوصول أثر المني إلى الثوب لاحتمال كون ما أصابه غير مورد البلة أو كونها بمقدار لا يوجب السراية.

و الحاصل: انّ سؤال السائل يكون عن حكم الشبهة الموضوعية و انّه إذا شكّ في سراية النجس إلى شي‌ء هل يحكم بنجاسة ذلك الشي‌ء أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) بما أجاب. و عليه فهاتان الروايتان من أدلّة نجاسة المني لا طهارته.

و منها: رواية علي بن حمزة قال: سُئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) و أنا حاضر عن رجل أجنب في ثوبه فيعرق فيه؟ فقال: ما أرىٰ به بأساً قال: إنّه يعرق حتّى لو شاء أن يعصره عصره؟ قال: فقطب أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) في وجه الرجل فقال: إنّ أبيتم فشي‌ء من ماء فانضحه به. (1) و فيه: انّ السؤال فيها أيضاً عن الشبهة الموضوعية و انّ الجنابة الموجودة في الثوب مع كثرة العرق فيه بحيث لو شاء أن يعصره عصره هل تسري إلى بدنه أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) بعدم البأس لعدم العلم بالسراية، و يؤيّد ذلك أمر الإمام (عليه السلام) بنضح الماء عليه الذي ورد في غير مورد من الشبهات الموضوعية.

و منها: صحيحة زرارة قال: سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أ يتجفّف فيه من غسله؟ فقال: نعم لا بأس به إلّا أن تكون النطفة فيه رطبة فإن كانت جافّة‌

____________

(1) الوسائل أبواب النجاسات الباب السابع و العشرون ح 4

34

..........

____________

فلا بأس. (1) و ظاهرها التفصيل بين الرطب و الجاف كما نسب إلى أبي حنيفة.

و لكن الحقّ عدم دلالتها على الطهارة أيضاً لأنّ الحكم بعدم البأس في الجاف يكون لعدم العلم بسراية المني إلى البدن لاحتمال سبق الموضع الطاهر بالبدن و تجفيفه و حكمه بثبوت البأس في الرطب منه يكون لحصول العلم عادةً بتحقّق السراية في هذه الصورة، و إن أبيت فلا محيص من حملها على التقية بعد معارضتها مع الروايات الكثيرة الدالّة على النجاسة لكونها موافقة لمذهب أبي حنيفة كما ذكرنا بل و لكونها مخالفة للضرورة. فانقدح انّ نجاسة مني الإنسان ممّا لا ارتياب فيها أصلًا و إن حكي عن الشافعي طهارة المني مطلقاً و عن الحنابلة طهارته من الإنسان و من الحيوانات المحلّلة.

المسألة الثانية: في مني الحيوانات المحرّمة التي لها نفس سائلة و قد ادّعى الإجماع على نجاسته و انّه لا إشكال فيها أيضاً، و الكلام في انّه هل يمكن استفادة ذلك من الأدلّة أم لا و بعبارة اخرىٰ هل يوجد في الأدلّة ما يدلّ بعمومها أو إطلاقها على نجاسة المني في هذا المورد أم لا؟ فلا بدّ من ملاحظة الروايات فنقول:

منها: صحيحة محمد بن مسلم و رواية عنبسة المتقدّمتان في المسألة الأُولى و مثلهما من الروايات الآمرة بغسل الثوب الذي أصابه المني من دون تقييد و يظهر من بعض استفادة الإطلاق منها كما عن المعتبر و المنتهى أيضاً و لكنّه أنكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه) بدعوى تبادر الإنسان من الأدلّة قال: «و لعلّه لاشتمالها أو أكثرها على إصابة الثوب و نحوه ممّا يندر غاية الندرة حصوله من غير الإنسان».

و قد أورد عليه الماتن دام ظلّه بأنّ منشأ دعوى التبادر و الانصراف‌

____________

(1) الوسائل أبواب النجاسات الباب السابع و العشرون ح 7

35

..........

____________

توهّم ندرة الوجود مع انّها غير مسلمة في المحيط الذي وردت الروايات فيه ضرورة انّه محل تربية الحيوانات و استنتاجها و استفحالها و غير خفي على من رأى كيفية استفحال البهائم شدّة الابتلاء بمنيّها و كثرته و إن اصابة منيّها خصوصاً البهائم الثلاثة بالثوب و غيره ممّا يحتاج إليه الإنسان و يبتلى به كثيرة لا يمكن معها دعوى الانصراف، و دعوى الانصراف و التبادر انّما صدرت ممّن لا يبتلى به و نشأ في بيت أو محيط كان الابتلاء به نادراً أو مفقوداً رأساً فقاس به سائر الأمكنة و الأشخاص و إلّا فلا قصور في الإطلاقات أصلًا.

و كلامه دام ظلّه في غاية الجودة و المتانة لأنّ دعوى الإطلاق في هذه المسألة لا تقصر عن دعواه في كثير من الموارد التي قد التزموا به كما أفاده في آخر كلامه و لكن الأظهر في الإطلاق صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) المتقدّمة أيضاً قال: ذكر المني و شدّده و جعله أشدّ من البول، ثمّ قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة لبعد أن يكون اللام في كل من المني و البول للعهد الخارجي و ظهور كونها في كليهما للجنس فتدلّ حينئذٍ على انّ طبيعة المني أشدّ من طبيعة البول و قد ذكر في وجه أشدّية المني من البول احتمالات:

1 كون المني أشدّ لاحتياج إزالته إلى الدلك و الفرك دون البول. و يرده مضافاً إلى وضوحه و عدم احتياجه إلى الذكر فإنّه شي‌ء يعرفه كل من غسل ثوباً متنجّساً بالمني انّ إفادة ذلك ممّا لا يلائم شأن الإمام (عليه السلام) من جهة بيانه للأحكام كما هو ظاهر.

2 كون الأشدّ بمعنى الأنجس. و فيه انّ الأمر بالعكس على حسب تصريح بعض الروايات الواردة في البول الدالّة على أنجسيته للزوم غسله مرّتين دون المني.

36

..........

____________

3 كون الأشدّية باعتبار وجوب غسل الجنابة للمنيّ دون البول. و فيه انّ وجوب غسل الجنابة انّما هو لأجل خروج المني من المجرى و حصول الجنابة للإنسان و ليس حكماً لطبيعة المني و مرتبطاً به.

4 كون الأشدّية بمعنى سعة دائرة نجاسة المني حيث إنّه نجس من كل حيوان ذي نفس سائلة محرّماً كان أم محلّلًا بخلاف البول. و هذا الاحتمال خال عن المناقشة و يقرب دعوى الإطلاق في الصحيحة.

و ما أفاده بعض الأعلام من انّ الأشدّية لو كان بلحاظ نجاسة المني من الحيوانات المحلّلة مع طهارة أبوالها لوجب أن يقول نجاسة المني أوسع من نجاسة البول و لا يناسبه التعبير بالأشدّية الظاهرة في اشتراك المني مع البول في النجاسة و كون الأوّل أشدّ من الثاني.

مدفوع بأنّه بعد فرض كون اللام في كلا الأمرين للجنس لا بدّ من ملاحظة الطبيعة في كل واحد منهما و لا وجه للحاظ مني كل حيوان مع البول منه و عليه فلا بدّ من استكشاف وجه كون طبيعة المني أشدّ من طبيعة البول و لا يعلم وجه لذلك إلّا سعة دائرة نجاسته بخلاف البول.

و كيف كان دلالة الصحيحة على نجاسة المني في الحيوانات المحرّمة ممّا لا ينبغي الإشكال فيها أصلًا كما لا يخفىٰ.

المسألة الثالثة: في مني الحيوانات المحلّلة التي لها نفس سائلة و نجاسته أيضاً من المسائل المجمع عليها و يدلّ عليها الإطلاقات بالتقريب المتقدّم بل يمكن دعوى كون التمسّك بالإطلاق في هذه المسألة أسهل لأنّ الابتلاء بالحيوانات المحلّلة أكثر من الابتلاء بالحيوانات المحرّمة و يدلّ عليها أيضاً صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة الدالّة على أشدّية المني من البول بناءً على ما اخترناه من معنى الأشدّية فإنّ مرجعها إلى سعة دائرة نجاسة المني و شمولها للحيوانات المحلّلة أيضاً دون‌

37

..........

____________

البول لاختصاص نجاسته بالحيوانات المحرّمة كما مرّ في بحثه.

و على ما ذكرنا فلا يبقى مجال لما أفاده بعض الأعلام من انّه لا دلالة في شي‌ء من الأخبار على نجاسة المني في هذه المسألة لانصراف المطلقات إلى مني الإنسان و اختصاص الصحيحة بما إذا كان البول نجساً لاقتضاء الأشدّية ذلك.

نعم في مقابل أدلّة النجاسة موثقتان توهم دلالتهما على طهارة المني من الحيوانات المحلّلة:

إحداهما: موثّقة عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه. (1) فانّ الموصول عام للمنيّ لأنّه أيضاً خارج منه.

ثانيتهما: موثقة ابن بكير المعروفة حيث ورد في ذيلها: «فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كلّ شي‌ء منه جائز. (2) فإنّ قوله «كلّ شي‌ء» يشمل المني أيضاً.

و الإنصاف عدم ثبوت الإطلاق لهما بحيث يشمل المني لأنّ الأُولى منصرفة إلى البول و الروث اللذين كثر التعرّض لهما في الروايات و لهذا أوردها صاحب الوسائل (قدّس سرّه) مع تبحّره في تبويب الروايات في باب حكم البول و الروث و يؤيّده انّه هل يمكن استفادة حكم الدم أيضاً منها مع ثبوت وصف الخروج له أيضاً و ليس ذلك إلّا لأجل اختصاصها بالاخبثين.

و أمّا الثانية فلا تكون في مقام بيان الطهارة و النجاسة بل تكون ناظرة إلى جهة بيان صحّة الصلاة في أجزاء ما يؤكل لحمه من ناحية عدم كونها ممّا لا يؤكل لا من جهة الطهارة و النجاسة و يدلّ على ذلك ذكر الوبر و الشعر و الألبان فيها أيضاً فلا دلالة للموثقة على طهارة مني الحيوان المأكول بوجه.

____________

(1) الوسائل أبواب النجاسات الباب التاسع ح 12

(2) الوسائل أبواب النجاسات الباب التاسع ح 6

38

[الرابع: ميتة ذي النفس من الحيوان ممّا تحلّه الحياة]

الرابع: ميتة ذي النفس من الحيوان ممّا تحلّه الحياة و ما يقطع من جسده حيّاً ممّا تحلّه الحياة عدا ما ينفصل من بدنه من الأجزاء الصغار كالبثور و الثالول و ما يعلو الشفة و القروح و غيرها عند البرء و قشور الجرب و نحوه، و ما لا تحلّه الحياة كالعظم و القرن و السن و المنقار و الظفر و الحافر و الشعر و الصوف و الوبر و الريش طاهر، و كذا البيض من الميتة الذي اكتسى القشر الأعلى من مأكول اللحم بل و غيره، و يلحق بما ذكر الأنفحة و هي الشي‌ء الأصفر الذي يجبن به و يكون منجمداً في جوف كرش الحمل و الجدي قبل الأكل، و كذا اللبن في الضرع، و لا ينجسان بمحلهما، و الأحوط الذي لا يترك اختصاص الحكم بلبن مأكول اللحم (1).

____________

و الذي يستهل الخطب ما عرفت من قيام الإجماع القطعي على النجاسة في هذه المسألة أيضاً.

المسألة الرابعة: في مني الحيوانات المحلّلة التي ليست لها نفس سائلة و لا يبعد بعد عدم قيام الإجماع فيها و عدم وجود دليل خاص على النجاسة دعوى انصراف الأدلّة عنها فيصير مقتضى الأصل الطهارة و أشدّية المني من البول بالتقريب الذي ذكرنا لا تقتضي ثبوت النجاسة في هذه المسألة أيضاً بعد الشكّ في أصل ثبوت المني لها أوّلًا و قوّة احتمال الانصراف ثانياً.

(1) و فيها ثلاث مسائل:

المسألة الأُولى: في ميتة ذي النفس غير الآدمي.

المسألة الثانية: في ميتة الآدمي.

المسألة الثالثة: في ميتة غير ذي النفس.

و قد استفيض نقل الإجماع على النجاسة في الأوّلتين، و عن المعالم انّه قد تكرّر في كلام الأصحاب ادّعاء الإجماع على هذا الحكم و هو الحجّة إذ النصوص لا تنهض بإثباته. و عن المدارك المناقشة في أصل الحكم لفقدان النص على نجاستها و عدم دلالة ما أمر فيها بالغسل و نهى عن الأكل على النجاسة ثمّ ذكر‌

39

..........

____________

مرسلة الصدوق (قدّس سرّه) في «الفقيه» النافية للبأس عن جعل الماء و نحوه في جلود الميتة مع تصريحه في ديباجته بأنّ ما أورده فيه هو ما أفتى به و حكم بصحّته و اعتقد كونه حجّة بينه و بين ربّه، ثمّ قال صاحب المدارك: و المسألة قوية الإشكال.

و كيف كان فقد استدلّ على نجاسة الميتة من ذي النفس غير الآدمي بعد الإجماع عليها بقوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ الآية (1) فإنّ الظاهر انّ الضمير في قوله «فإنّه» يرجع إلى جميع المذكورات لا إلى الأخير فقط لظهوره في كونه تعليلًا للاستثناء من الحلية فيشمل الجميع.

و فيه انّه و إن كان الظاهر رجوع الضمير إلى جميع المذكورات في المستثنى إلّا انّ الاستدلال بالآية يتوقّف مضافاً إلى ذلك على كون «الرجس» فيها بمعنى النجس الذي هو محل البحث في المقام مع انّه خلاف الظاهر لأنّ الرجس قد استعمل في الكتاب العزيز في موارد كثيرة و المقصود منه فيها هي القذارة المعنوية التي يعبّر عنها بالفارسية ب‍ «پليدى» و لم يستعمل في شي‌ء منها بمعنى النجس أصلًا، و لا أقلّ من احتمال كون المراد به في هذه الآية هو المراد في سائر الآيات فلا يتمّ الاستدلال بوجه.

نعم قد استدل من السنّة بروايات:

منها: صحيحة حريز بن عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب. فإذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا تتوضّأ منه و لا تشرب. (2) و منها: رواية أبي خالد القماط انّه سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في الماء‌

____________

(1) الأنعام: 145.

(2) الوسائل أبواب الماء المطلق الباب الثالث ح- 1.

40

..........

____________

يمرّ به الرجل و هو نقيع فيه الميتة و الجيفة فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إن كان الماء قد تغيّر ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضّأ منه، و إن لم يتغيّر ريحه و طعمه فاشرب و توضّأ. (1) و منها: موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يمرّ بالماء و فيه دابة ميتة قد أنتنت قال: إذا كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضّأ و لا تشرب. (2) و منها: موثقة عبد اللّٰه بن سنان قال: سأل رجل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و أنا حاضر عن غدير أتوه و فيه جيفة؟ فقال: إن كان الماء قاهراً و لا توجد منه الريح فتوضأ. (3) و منها: رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرز أو صعوة ميتة، قال: أخذا تفسّخ فيها فلا تشرب من مائها و لا تتوضّأ و صبّها، و إن كان غير متفسّخ فاشرب منه و توضّأ و اطرح الميتة إذا أخرجتها طرية، و كذلك الجرة و حب الماء و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء (4).

و هل المستفاد من هذه الأخبار المذكورة و غيرها ممّا ورد في الميتة نجاستها مطلقاً كما قال به المشهور أو انّه لا يستفاد منها إلّا النجاسة في الجملة كما عن صاحب المعالم أو انّه لا يستفاد منها النجاسة أصلًا كما عن المدارك على ما عرفت؟

الحقّ هو الثاني: امّا استفادة النجاسة فللتصريح في بعضها بها كذيل رواية‌

____________

(1) الوسائل أبواب الماء المطلق الباب الثالث ح- 4.

(2) الوسائل أبواب الماء المطلق الباب الثالث ح- 6.

(3) الوسائل أبواب الماء المطلق الباب الثالث ح- 11.

(4) الوسائل أبواب الماء المطلق الباب الثالث ح- 8.

41

..........

____________

زرارة المتقدّمة المشتملة على قول أبي جعفر (عليه السلام): إذا كان الماء أكثر من راوية لا ينجسه شي‌ء تفسخ فيه أو لم يتفسخ فيه إلّا أن يجي‌ء ريح فغلب على ريح الماء. فانّ هذا القول الشريف مفسّر لصدر الرواية و كاشف عن انّ النهي عن الشرب و التوضّي انّما هو لأجل النجاسة الطارئة عليه من قبل الميتة و عليه فلا يبقى مجال لما أفاده صاحب المدارك مع انّ الأمر بالغسل فيها و النهي عن الشرب و التوضّي يكون المتفاهم منه عرفاً هو النجاسة.

و أمّا عدم دلالتها على نجاسة الميتة مطلقاً فلأنّ محط نظر السائل في الأخبار المذكورة هي الميتة النجسة كما هو ظاهر لمن أمعن النظر فيها فإنّه قد سُئل فيها عن حكم الماء الذي تقع فيه الميتة لا عن حكم الميتة نفسها و دعوى كون مثل هذا السؤال قرينة على مفروغية نجاسة الميتة ضرورة انّه مع عدم المفروغية لا مجال له أصلًا مدفوعة بأنّه قرينة على مفروغية النجاسة في الجملة لا بنحو الإطلاق، و دعوى انّه على هذا التقدير لا بدّ من التقييد بقيد النجاسة مدفوعة أيضاً بأنّ نفس السؤال شاهدة على التقييد من دون حاجة إلى التصريح به و عليه فما أفاده سيّدنا العلّامة الأستاذ دام ظلّه من انّ توهّم عدم الإطلاق في الروايات وسوسة مخالفة لفهم العرف لا يخلو عن مناقشة بل منع.

و ممّا ذكرنا يظهر النظر في استدلاله بصحيحة شهاب من جهة عدم الاستفصال قال: أتيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) أسأله فابتدأني فقال: إن شئت فسل يا شهاب و إن شئت أخبرناك بما جئت له قلت: أخبرني قال: جئت تسألني عن الغدير يكون في جانبه الجيفة أتوضّأ منه أو لا؟ قال: نعم، قال: توضّأ من الجانب الآخر إلّا أن يغلب الماء الريح فينتن و جئت تسأل عن الماء الراكد من الكرّ ممّا لم يكن فيه تغيّر أو ريح غالبة قلت: فما التغيّر قال: الصفرة فتوضّأ منه و كلّما غلب كثرة الماء فهو طاهر (1).

____________

(1) الوسائل أبواب الماء المطلق الباب التاسع ح- 11.

42

..........

____________

فإنّ نفس السؤال قرينة على كون المراد بالجيفة هي النجسة منها ضرورة انّه لا معنى للسؤال في مثل ذلك عن الجيفة الطاهرة و في مثله لا مجال للاستدلال بعدم الاستفصال، و يؤيّد ما ذكرنا من عدم ثبوت الإطلاق انّه لا ينبغي أن يقال بدلالة الروايات بإطلاقها على نجاسة الميتة من غير ذي النفس كالسمك و نحوه حتّى يحتاج في إخراجها إلى دعوى الانصراف أو إقامة الدليل الخاص عليه كما لا يخفىٰ.

بقي الكلام فيما نسبه صاحب المدارك إلى الصدوق (قدّس سرّه) من القول بالطهارة استظهاراً له من نقل المرسلة مع تصريحه فيه بأنّ ما أورده فيه حجّة بينه و بين ربّه فلا بدّ من ذكر المرسلة أولًا ثمّ بيان مراده من كونها حجّة بينه و بين ربّه فنقول.

امّا الرواية فهي ما رواه الصدوق قال: سُئل الصادق (عليه السلام) عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و الماء و السمن ما ترى فيه؟ فقال: لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن و تتوضّأ منه و تشرب و لكن لا تصلّي فيها. (1) و أمّا بيان مراده ممّا ذكره في الديباجة فنقول بعد ضعف احتمال العدول عمّا التزم به في أوّل الكتاب خصوصاً بعد ملاحظة كون الرواية مذكورة في أوائل الكتاب الظاهر انّ مراده من كونها حجّة بينه و بين اللّٰه انّها حجّة معتبرة عنده لكنّه لا يفتي علىٰ طبق كلّ حجّة معتبرة لإمكان معارضتها مع حجّة معتبرة أخرى و لم يظهر منه انّ مراده من ذلك هو ما يفتي على طبقه فعلًا و الدليل على ذلك نقل الروايات المتعارضة في كتابه بل في باب واحد منه. و قد نقل فيه رواية عبد اللّٰه بن سنان المتقدّمة الدالّة سؤالًا و جواباً-

____________

(1) الوسائل أبواب الماء المطلق الباب الرابع و الثلاثون ح- 4.

43

..........

____________

على مفروغية نجاسة الميتة غاية الأمر انّه نقلها بنحو الإرسال و عليه فكيف يفتي الصدوق بكل من المرسلتين مع وضوح التعارض و عدم إمكان الفتوى بالمتناقضين. فالظاهر انّ الصدوق حيث اعتقد بكونهما حجّتين معتبرتين بينه و بين اللّٰه تعالىٰ يرىٰ بينهما المعارضة و الترجيح مع أخبار النجاسة لموافقتها للشهرة الفتوائية و مخالفتها للعامّة.

مع انّ المرسلة التي استظهر من نقلها صاحب المدارك القول بالطهارة قد وردت في جلد الميتة و لعل الصدوق (قدّس سرّه) يرى طهارة جلد الميتة بالدباغة كما هو أحد الأقوال فيه.

كما يحتمل أن تكون الجلود المسئول عنها في المرسلة جلود الحيوانات التي لا نفس لها خصوصاً بملاحظة ما أفاده بعض الأعلام من انّها تستعمل في صنع ظروف السمن و الماء فلا يبقى لها ارتباط بالمقام أصلًا.

المسألة الثانية: في نجاسة الميت من الإنسان و الكلام فيها يقع في جهات:

الجهة الاولى: في أصل النجاسة في مقابل ع دمها و ثبوت الطهارة و قد استفيض نقل الإجماع عليها بالخصوص و يشملها العموم أو الإطلاق في بعض ما تقدّم و قد وردت فيها روايات خاصّة أيضاً.

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت فقال: يغسل ما أصاب الثوب. (1) و منها: رواية إبراهيم بن ميمون قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل يقع ثوبه على جسد الميّت قال: إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، و إن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه. يعني إذا برد الميت. (2)

____________

(1) الوسائل أبواب الماء المطلق الباب الرابع و الثلاثون ح- 2.

(2) الوسائل أبواب الماء المطلق الباب الرابع و الثلاثون ح- 1.

44

..........

____________

و الظاهر كونه تفسيراً من الراوي.

و منها: رواية الاحتجاج قال: ممّا خرج عن صاحب الزمان (عج) إلى محمد بن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري حيث كتب إليه: روى لنا عن العالم (عليه السلام) انّه سُئل عن إمام قوم يصلّي بهم بعض صلاتهم و حدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟ فقال: يؤخّر و يتقدّم بعضهم و يتمّ صلاتهم و يغتسل من مسّه، التوقيع: ليس على من مسّه إلّا غسل اليد، و إذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تمّم صلاته عن القوم. (1) و منها: ما عنه أيضاً: و كتب إليه: و روى عن العالم انّ من مسّ ميّتاً بحرارته غسل يده و من مسّه و قد برد فعليه الغسل و هذا الميّت في هذه الحال لا يكون إلّا بحرارته فالعمل في ذلك على ما هو و لعلّه ينحيه بثيابه و لا يمسّه فكيف يجب عليه الغسل، التوقيع: إذا مسّه على (في) هذه الحال لم يكن على إلّا غسل يده (2).

و منها: موثقة عمّار الساباطي قال: سُئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل ذبح طيراً فوقع بدمه في البئر، فقال: ينزح دلاء هذا إذا كان ذكيا فهو هكذا و ما سوى ذلك ممّا يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكبره الإنسان ينزح منها سبعون دلواً، و أقلّه العصفور ينزح منها دلو واحد، و ما سوى ذلك فيما بين هذين (3) فإنّ المراد من أكبرية الإنسان ليس أكبرية جسمه و لا أكبرية شأنه بل الأنجسية و الأقذرية من سائر الميتات لكنّه ربّما يقال بأنّه لا يبعد أن تكون أكثرية النزح حكماً تعبّدياً غير ناشٍ من نجاسته و إلّا فكيف يمكن أن يقال إنّ المؤمن الذي له تلك المنزلة الرفيعة عند اللّٰه حيّاً و ميّتاً يكون أنجس من سائر الميتان‌

____________

(1) الوسائل أبواب الماء غسل المس الباب الثالث ح- 4.

(2) الوسائل أبواب الماء غسل المس الباب الثالث ح- 5.

(3) الوسائل أبواب الماء المطلق الباب الواحد و العشرون ح- 2.

45

..........

____________

و لكنّه مخدوش خصوصاً بعد ملاحظة اختصاص وجوب الغسل في مسّه دون مسّ سائر الميتات و بعد ملاحظة طهارة بعضها.

الجهة الثانية: في أنّ نجاسته هل تكون عينية كنجاسة الميتة من الحيوان و سائر الأعيان النجسة أو حكمية و معناها عدم كونها نجسة كسائر النجاسات بل اللازم مجرّد ترتّب آثار النجاسة تعبّداً فاشتراكها معها في الآثار لا في أصل الاتصاف بالنجاسة بل و لا في جميع الآثار بل في بعضها؟ ظاهر الإصحار (رض) هي النجاسة العينية كما انّها هي الظاهر من الروايات المتقدّمة و قد افيدت النجاسة في كثير من الأعيان النجسة بمثل التعبير الواقع في هذه الروايات مضافاً إلى انّ المتفاهم العرفي منها أيضاً ذلك لكنّه ربّما يستشكل في ذلك:

تارة من جهة العقل نظراً إلى انّ عين النجاسة لا يعقل رفعها و زوالها بالاغتسال مع انّ الميت بعد الغسل طاهر بلا إشكال و بعبارة اخرى: النجاسة العينية لا تكاد ترتفع إلّا بانعدام الموضوع رأساً أو الاستحالة و لا معنى لزوالها مع بقاء موضوعها بمجرّد الاغتسال.

و الجواب عنه مضافاً إلى النقض بالكافر فإنّه من الأعيان النجسة يرتفع نجاسته بالإسلام و دعوى الفرق بين المقامين بانعدام عنوان الموضوع في الكافر بمجرّد الإسلام ضرورة تبدّل العنوان فيه بخلاف المقام فإنّه لا يرتفع عنوان «الميت» بالاغتسال مدفوعة بأنّ النجاسة تعرض الجسم و العنوان واسطة في الثبوت و المفروض بقائه بعد الإسلام فتدبّر انّ هذا الإشكال موجه لو كانت النجاسات أُموراً تكوينية و يكون الميت كالمني و العذرة قذراً ذاتاً و كان الحكم بنجاسته شرعاً تصويباً لما هو الثابت عند العقلاء لكنّه ليس كذلك لما عرفت في أوّل بحث النجاسات من أنّه من القذارات الشرعية ما لا يكون قذراً عرفاً كالكافر و الخمر و من الممكن أن يكون الميّت من الإنسان مثلهما من دون أن يكون فيه قذارة، و دعوى وجود‌

46

..........

____________

الاستقذار العرفي في الميت أيضاً مدفوعة بأنّ لازمها بقاء النجاسة بعد الغسل أيضاً لعدم ارتفاع الاستقذار بالغسل فهذا الإشكال مندفع.

و أُخرى من جهة دلالة الروايات المتعدّدة أو إشعارها بالطهارة:

منها: ما وردت في علّة غسل الميت كرواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: إنّما أمر بغسل الميت، لأنّه إذا مات كان الغالب عليه النجاسة و الآفة و الأذىٰ فأحبّ أن يكون طاهراً إذا باشر أهل الطهارة من الملائكة الذين يلونه و يماسونه فيما سهم نظيفاً موجهاً به إلى اللّٰه عزّ و جلّ. (1) و رواية محمد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) الدالّة على انّه كتب إليه في جواب مسائله علّة غسل الميت انّه يغسل لأنّه يطهر و ينظف من أدناس أمراضه و ما أصابه من صنوف علله. (2) فإنّ ظاهرهما انّ علّة الغسل رفع القذارات العرضية و لو كان الميت نجس العين و الغسل مطهّره لكان الأولى بل المتعيّن التعليل به كما لا يخفى.

و منها: ما يدلّ على انّ غسل الميّت انّما هو لأجل الجنابة الحاصلة له كرواية الديلمي عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال في حديث-: إنّ رجلًا سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن الميت لم يغسل غسل الجنابة قال: إذا خرجت الروح من البدن خرجت النطفة التي خلق منها بعينها منه كائناً ما كان صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أُنثى فلذلك يغسل غسل الجنابة (3). و غير ذلك من الروايات الواردة بهذا المضمون مع انّه لو كان الميت نجس العين و الغسل مزيلًا للنجاسة كان الأنسب التعليل به لا بأمر عرضي.

و منها: الروايات الكثيرة الواردة في غسل الميت (4) و موردها الغسل بالماء‌

____________

(1) الوسائل أبواب غسل الميت الباب الأول ح- 4.

(2) الوسائل أبواب غسل الميت الباب الأول ح- 3.

(3) الوسائل أبواب غسل الميت الباب الثالث ح- 2.

(4) المروية في الوسائل في الباب الثاني من أبواب غسل الميت.

47

..........

____________

القليل و لم يقع في شي‌ء منها التعرّض على نجاسة الملاقيات، و كذا ما ورد في تجهيزه من حال خروج الروح إلى ما بعد الغسل (1) من غير تعرّض لتطهير ما يلاقيه، فإنّها و إن كانت في مقام بيان أحكام أُخر لكن كان اللازم التنبيه لهذا الأمر الكثير الابتلاء المغفول عنه لدى العامّة، و الالتزام بصيرورة يد الغاسل و آلات الغسل المتعارفة طاهرة بالتبع و إن كان ممكناً إلّا انّه مضافاً إلى اختصاصه بحال و لا يشم الملاقيات قبله من حال النزع إلى حال الغسل لا مانع منه بعد ثبوت النجاسة و الكلام انّما هو فيها فلم لا يكون مثلها دليلًا على الطهارة خصوصاً بعد كون حصول الطهارة بالتبعية أمراً بعيداً عن الأذهان مخالفاً للقواعد كما هو ظاهر.

و منها: ما يدلّ على رجحان توضّي الميت قبل الغسل (2) مع انّ شرطه طهارة الأعضاء.

و منها: مكاتبة الصفار الصحيحة: قال كتبت إليه: رجل أصاب يده أو بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسل، هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقّع (عليه السلام) إذا أصاب يدك جسد الميّت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل. (3) بتقريب انّ الظاهر كون «الغسل» بالضمّ و معناه الاغتسال فيرجع إلى انّ ملاقات الجسد موجبة لثبوت التكليف بالغسل فقط فيدلّ على انّه لا شي‌ء غيره في ملاقات الجسد و لا شي‌ء أصلًا في ملاقات الثوب فتدبّر و غير ذلك من الشواهد و القرائن على عدم ثبوت النجاسة العينية لبدن المؤمن الميّت كالكافر و الكلب و الخنزير مع ما يعلم من منزلته في الشريعة و مرتبته عند اللّٰه تعالى خصوصاً مع انّه لو كان‌

____________

(1) المروية في الوسائل في الباب الرابع و الأربعين من أبواب الاحتضار.

(2) المروية في الوسائل في الباب السادس من أبواب غسل الميت.

(3) الوسائل أبواب غسل المس الباب الأول ح- 5.

48

..........

____________

كذلك لكان ينبغي الاشتهار بين الناس و لم يكن فيه شكّ و لا ارتياب أصلًا كما لا يخفىٰ.

هذا و الإنصاف انّه لا موقع لهذا الاستشكال أيضاً فإنّ الروايات المتقدّمة التي هي محطّ نظر الاستشكال قاصرة عن إثبات الطهارة و سلب النجاسة العينيّة لأنّه مضافاً إلى ما عرفت من دلالة روايات كثيرة على نجاستها بحيث لا ينبغي الارتياب فيها و لا تصلح هذه الطائفة لمعارضتها نقول إنّ الروايات الواردة في علّة تغسيل الميّت مع الاختلاف بينها مجهولة المراد و لا يكاد يتبيّن المنظور منها فإنّه لو كانت علّة الغسل هي غلبة النجاسة عليه لم يكن يحتاج إزالة النجاسة إلى الغسل خصوصاً بالترتيب المعهود و الكيفية المقرّرة المشتملة على قصد القربة بل يكفي في زوالها مجرّد الغسل بالفتح كما انّه لم يظهر وجه كون العلّة هي الجنابة خصوصاً مع تصريح بعضها بخروج المني من عينيه أو من فِيه فانّ أصل خروج المني و كذا خروجه من أحد المخرجين ممّا لا يعلم و كذا كون الخروج منه موجباً لحصول الجنابة مع انّ اللازم بناءً على ذلك أن يقصد غسل الجنابة فمثل هذه الروايات لا يمكن الاتّكال عليها في إثبات حكم شرعي.

و أمّا السكوت عن غسل يد الغاسل و آلات الغسل و الملاقيات فقد اعترف المستشكل بأنّ حصول الطهارة التبعية انّما هي على تقدير قيام الدليل على النجاسة و نحن نقول بقيامه عليها و هي الروايات المتقدّمة الدالّة بالوضوح على النجاسة كسائر الأعيان النجسة، و أمّا الملاقيات قبل الغسل فقد وقع التعرّض لحكمها في الروايات المتعدّدة الدالّة على غسل الثوب و اليد الملاقيين لجسد الميّت و قد استفدنا منها النجاسة فلا موقع لدعوى عدم التعرّض.

و أمّا الروايات الدالّة على استحباب توضّي الميّت قبل غسله فلا دلالة بل و لا إشعار فيها على الطهارة لعدم الدليل على كون وضوئه مشروطاً بالطهارة.

و أمّا مكاتبة الصفار فمضافاً إلى انّ عدم التعرّض فيها لا يقاوم الروايات‌

49

..........

____________

الكثيرة الدالّة على النجاسة و إلى انّ نفس السؤال يدلّ على مفروغية نجاسة بدن الميّت نقول لِمَ لا يكون تلك الروايات قرينة على كون المراد هو الغسل بالفتح خصوصاً مع كون العدول في الجواب عمّا هو مقصود السائل إلى شي‌ء آخر لا يكون له وجه.

و أمّا الاستبعاد فلا يكون موجباً لرفع اليد عمّا هو مقتضى الأدلّة كما انّ دعوى انّه على تقدير النجاسة لكان اللازم الاشتهار مدفوعة لأنّ الابتلاء بملاقاة جسد الميّت مع الرطوبة أمر يتّفق نادراً.

فالإنصاف انّ رفع اليد عمّا هو ظاهر الروايات من النجاسة العينية كسائر الأعيان النجسة ممّا لا سبيل إليه و لا مانع من الأخذ به وفاقاً لجلّ الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و منه يظهر الخلل فيما هو لازم كلام الحلّي من دعوى عدم الخلاف في عدم النجاسة العينية قال فيما حكى عنه في مقام الاستدلال على عدم السراية مع الرطوبة أيضاً: «لأنّ هذه النجاسات حكميات و ليست عينيات و لا خلاف بين الأُمّة كافّة انّ المساجد يجب أن تجنب النجاسات العينية، و أجمعنا بغير خلاف انّ من غسل ميتاً له أن يدخل المسجد و يجلس فيه فلو كان نجس العين لما جاز ذلك، و لأنّ الماء المستعمل في الطهارة الكبرى طاهر بغير خلاف و من جملة الأغسال غسل من مسّ ميّتاً و لو كان ما لاقى الميت نجساً لما كان الماء الذي يغتسل به طاهراً».

و الظاهر انّ مراده من نفي النجاسة العينية انّما هو بالإضافة إلى الملاقي بالنسبة إلى جسد الميت بمعنى انّ الميّت من الأعيان النجسة و لكنّه لا يؤثر في اتّصاف الملاقي له أيضاً بذلك بل الملاقي متّصف بالنجاسة الحكمية و غرضه منها عدم تأثير الملاقي في تنجيس ملاقيه أيضاً فلا يؤثر في نجاسة المسجد و لا في نجاسة الماء المستعمل في غسل المسّ و عليه فيرتبط كلامه بالجهة الثالثة الآتية لا بهذه‌

50

..........

____________

الجهة كما هو غير مخفي.

الجهة الثالثة: في انّ نجاسة الميّت الآدمي هل تكون كسائر النجاسات العينية مؤثرة في تنجيس ملاقيه مع وجود عامل السراية و هي الرطوبة و في كون حكم الملاقي له حكم الملاقي لسائر الأعيان النجسة من جهة التأثير في نجاسة الشي‌ء الثالث، أو انّه تكون مثلها في تحقّق نجاسة الملاقي و لكنّه لا يتجاوز عن الملاقي إلى شي‌ء آخر كما هو الظاهر من عبارة الحلّي المتقدّمة أو انّها لا تؤثّر في نجاسة الملاقي أصلًا فيكون الميّت نجساً غير منجس كما ربّما نسب إلى الحلّي أو انّها يمتاز عن سائر النجاسات بتأثيرها في نجاسة ملاقية و لو بدون الرطوبة أيضاً كما قد حكى القول به عن غير واحد بل عن ظاهر بعض الالتزام بذلك في مطلق الميتة؟ وجوه و احتمالات.

و الأظهر هو الوجه الأوّل لما عرفت في الجهة الثانية من انّ التعبير الذي استكشفنا منه النجاسة في المقام لا يغاير التعبير الواقع في كثير من النجاسات فلا فرق بين قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» و بين قوله (عليه السلام) في المقام: «فاغسل ما أصاب ثوبك منه» نعم ربّما يحتمل في المقام أن يكون الثوب بالضمّ على أن يكون فاعلًا لقوله: أصاب، و يكون الموصول كناية عن موضع الإصابة و الضمير المجرور راجعاً إلى الميّت مع حذف العائد فيكون المعنى: اغسل موضع إصابة الثوب من الميّت و عليه فلا دلالة له على اختصاص حصول النجاسة للثوب بصورة السراية لأنّ ما هو المرتكز عند العرف أو المتشرّعة أنّ ملاقي النجس لا ينجس أخلّا مع وجود الرطوبة و تحقّق السراية، و أمّا انّ الأمر بغسل ملاقي كلّ شي‌ء فإنّما هو للسراية فغير معلومة فإن علم انّ الكلب نجس و قيل اغسل ثوبك إذا أصاب الكلب يفهم منه انّ الغسل لدى السراية و أمّا لو احتمل عدم نجاسة شي‌ء و لزوم تطهير ملاقيه تعبّداً فلم يثبت ارتكاز بعدم لزوم الغسل إلّا بالسراية.

51

..........

____________

و لكن هذا الاحتمال مضافاً إلى عدم صحّته على طبق القواعد الأدبية لخلوّه حينئذٍ عن العائد، و إلى انّه على كلا التقديرين لا خفاء في كون المراد هو غسل الثوب لا غسل ملاقيه من جسد الميّت فإن كان إيجاب غسل الملاقي بالكسر دليلًا على نجاسة الملاقي بالفتح لا يبقى فرق بين الاحتمالين و يستفاد منه مع ذلك اعتبار السراية و الرطوبة، و إن لم يكن دليلًا عليها لا يكون فرق أيضاً بينهما و لا يستفاد أصل نجاسة الملاقي بالفتح يدفعه انّ المدعى عدم الفرق بين المقام و بين التعبير الوارد في الأبوال، و دعوى انّ عامل السراية موجودة في الأبوال دائماً بخلاف المقام مدفوعة بأنّ الكلام فيما هو المتفاهم عند العرف و المتشرّعة و لا خفاء في انّ المتفاهم هي النجاسة للملاقى بالفتح أولًا و للملاقي بالكسر ثانياً مع وجود الرطوبة المسرية بل ربّما يقال بأنّ المتبادر منه إنّما هو إرادة غسل ما أصاب الثوب من الرطوبات الحاصلة إليه من الميت و لذا نزّله المحدِّث الكاشاني (قدّس سرّه) القائل بعدم نجاسة الميت على إرادة الرطوبات النجسة الخارجة منه من بول و دم و نحوهما و هذا التنزيل و إن كان تأويلًا بلا مقتض لكن غاية ما يستفاد من إطلاق العبارة وجوب غسل ما لاقاه برطوبة متعدية خصوصاً بضميمة ما هو المركوز في الأذهان من اعتبار الرطوبة في السراية.

و بمثل ذلك قد يجاب عن إطلاق الأمر بغسل اليد في التوقيعين المتقدّمين بل يمكن أن يقال بعدم ثبوت الإطلاق لهما بالإضافة إلى العقد الإيجابي خصوصاً مع دلالة موثقة ابن بكير على انّ كل يابس زكي و لكن الذي يوهن ما ذكر انّك عرفت انّ الملاقاة مع الرطوبة قد تتّفق نادراً فكيف يمكن حمل الإطلاقات عليها و لأجل ذلك ينفتح باب المناقشة بالإضافة إلى الجهة الأُولى المتعرّضة لأصل النجاسة بتقريب انّه لو كان جسد الميّت نجساً لكان اللازم حسب ما هو المركوز في الأذهان تخصيص نجاسة الملاقي بصورة وجود الرطوبة و حيث لا يمكن حمل المطلقات مع تكثّرها‌

52

..........

____________

على الافراد النادرة فلا بدّ أن يقال بعدم كون الميّت نجساً و انّ نجاسة الملاقي مطلقاً حكم تعبّدي غير مرتبط بالنجاسة و السراية أصلًا كما التزم به جملة من القائلين بوجوب غسل اليد مع الجفاف.

و لكن المناقشة في تلك الجهة مندفعة بما ذكرنا فيها من وضوح دلالة الروايات على نجاسة الميت كسائر الأعيان النجسة و عليه فلِمَ لا يكون الارتكاز العرفي في اعتبار الرطوبة في السراية قرينة صارفة للمطلقات خصوصاً مع ملاحظة الموثقة الدالّة على طهارة كل يابس و لكن لا ينبغي مع ذلك ترك الاحتياط. و قد انقدح ممّا ذكرنا منشأ سائر الاحتمالات و الجواب عنها فتدبّر جيّداً خصوصاً ما أفاده الحلّي في العبارة المحكية فإنّ الإجماعين على تقدير الثبوت لا يثبتان عدم نجاسة من مسّ الميّت أصلًا فمن الممكن الالتزام بحصول الطهارة التبعية له كما مرّ، مع عدم ثبوتهما أصلًا خصوصاً بعد ملاحظة انّه قد ورد الأمر بغسل يديه قبل التكفين في الروايات.

بقي الكلام في هذه المسألة في انّه هل تتحقّق النجاسة بمجرّد الموت كما عليه جماعة من المحقّقين، أو يتوقّف على حصول البرد فبعد الموت و قبل البرد لم تحدث النجاسة كما عليه جماعة أُخرى منهم؟ قولان:

و الظاهر هو القول الأوّل لإطلاق أدلّة النجاسة المتقدّمة و التفسير في رواية ابن ميمون بما إذا برد الميّت قد عرفت انّه من الراوي و من المعلوم انّ تفسيره لا يكون حجّة بحيث يرفع اليد بسببه عن الإطلاق فيها فضلًا عن إطلاق غيرها من الروايات.

و ما يمكن أن يكون مقيّداً لها هي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مسّ الميّت عند موته و بعد غسله و القبلة ليس بها بأس (1). و رواه الصدوق مرسلًا. قال المحدّث الكاشاني على ما حكي عنه-: «ربّما يوجد‌

____________

(1) الوسائل أبواب غسل المس الباب الثالث ح- 1.