المستند في شرح العروة الوثقى - ج4

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
510 /
7

الجزء الرابع

كتاب الإجارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على خاتم الأنبياء و المرسلين محمد و آله الغر الميامين‌

9

كتاب الإجارة و هي تمليك عمل أو منفعة بعوض (1)

____________

(1):- هذا التعريف ناظر الى فعل المؤجر، فإن كلمة (الإجارة) كغيرها من ألفاظ العقود، مثل البيع و النكاح و نحوهما قد تستعمل في العقد المركب من الإيجاب و القبول. فيقال- مثلا- كتاب البيع، كتاب الإجارة.

و لا يبعد أن يكون منه قوله تعالى (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) فيراد حلية هذه المعاملة الخاصة الأعم من البيع و الشراء لا خصوص فعل البائع.

و هكذا ما ورد في الاخبار من قوله (ص): النكاح سنتي، فإنه لا يراد خصوص الإيجاب، بل عقد الزواج القائم بالطرفين.

و الى هذا الاستعمال ينظر تعريف العلامة حيث فسر الإجارة بأنها- عقد ثمرته نقل المنفعة- و هو صحيح بهذا الاعتبار و بالنظر الى هذا الإطلاق.

و أخرى تطلق على خصوص فعل المؤجر و ما يصدر منه من الإيجاب، و الى هذا الإطلاق ينظر التعريف المذكور في المتن، كما هو الحال فيما ذكروه في تعريف البيع من- أنه تمليك عين بعوض- يعنون به الفعل الصادر من الموجب فقط.

و على كل حال فهذا التعريف هو المعروف و المشهور.

و من الواضح جدا أن الإجارة بمفهومها الإجمالي الارتكازي معلوم لدى كل أحد حتى الصبيان المميزين من غير فرق بين المسلمين و غيرهم، كما هو الحال في سائر المفاهيم المستعملة في مقام المحاورات.

10

..........

____________

و إنما نشأ الإشكال من التدقيق و التحقيق في تحديد المفهوم بعد وضوحه إجمالا، كما وقع نظيره في تحقيق المعنى الحر في حيث أن الحروف يستعملها كل أحد من أي لغة على حسب طبعه و ارتكازه، و مع ذلك فقد وقع ذاك الخلاف العظيم في تحديد مفهومه و بيان ماهيته.

و كيفما كان: فالظاهر أن ما ذكره المشهور في تعريف الإجارة هو الصحيح، و إن كان التعريف الآخر أيضا صحيحا بذاك الاعتبار حسبما عرفت.

بيان ذلك:- ان من كان مالكا لشي‌ء فكما أنه مالك لعينه مالك لمنافعه أيضا بتبع ملكيته للعين، فهناك ملكيتان مستقلتان عرضيتان و إن كانت إحداهما مسببة عن الأخرى و تابعة لها.

و من ثمَّ لا كلام في ضمان المنافع المستوفاة و إن وقع الخلاف في غير المستوفاة منها. فلو غصب دابة و ركبها أو دارا فسكنها، فكما يجب عليه ردّ العين يجب دفع أجرة ما استوفاه من المنافع بلا كلام و لا إشكال، فمن هنا يستكشف ان هناك ملكية أخرى غير الملكية المتعلقة بذات العين، و هي ملكية المنفعة حسبما عرفت.

ثمَّ إنّه في مقام النقل و التمليك قد تنتقل الملكيتان معا كما في البيع و الإرث و نحوهما من النواقل الاختيارية و غيرها، فيقوم المشتري أو الوارث مقام البائع أو المورّث في الاتصاف بكلتا الملكيتين.

و قد تفترق إحداهما عن الأخرى، و حينئذ فقد يختص الانتقال بالعين مع إبقاء المالك المنفعة لنفسه كما في بيع العين مسلوبة المنفعة سنة مثلا، و أخرى ينعكس فيتحفظ المالك على مالكيته للعين، و ينقل المنفعة خاصة بإزاء أجرة معينة. و هذا هو المعبّر عنه بالإجارة التي هي معاملة دارجة بين عامة الناس، و يعرفها بهذه الجهة الفارقة و المميزة‌

11

..........

____________

لها عما سواها من المعاملات كل أحد بحسب طبعه و ارتكازه.

و لكنه مع ذلك ربما يستشكل في هذا التعريف من وجوه:

أحدها: ان الإجارة لا تتعلق إلا بالعين، فيقال: آجرتك الدار و لا يقال: آجرتك منفعة الدار، مع أن مقتضى التعريف المزبور تعلقها بالمنفعة و صحة الإطلاق المذكور.

قال سيدنا الأستاذ دام ظله: و أظن ان هذا الاشكال ضعيف غاية الضعف، بداهة أن تمليك المنفعة لا بد و أن يتعلق بالعين فانا لا ندعي أن مفهوم الإجارة هو التمليك المطلق بل حصة خاصة منه و هي المتعلقة بالمنفعة، فالتقيد بها مأخوذ في مدلول الإجارة و مشروب في مفهومها و ما هذا شأنه لا مناص من تعلقه بالعين، و لا معنى لتعلقه بالمنفعة و إلا لرجع الى قولنا إن الإجارة هي تمليك منفعة المنفعة و لا محصل له.

فالتمليك المتعلق بالمنفعة متعلق بالعين بطبيعة الحال. فيقال: آجرتك الدار لا منفعة الدار.

و على الجملة: فالتمليك و إن كان متعلقا بالمنفعة إلا أن تمليك المنفعة متعلق بالعين بالضرورة. فإن قولك آجرتك الدار بمنزلة قولك ملكتك منفعة الدار الذي لا بد من تعلقه بالعين، فلا ينافي ذلك كون الإجارة بمعنى تمليك المنفعة كما هو أوضح من أن يخفى.

ثانيها: إن المنفعة كسكنى الدار عرض قائم بالمستأجر و من الصفات المتعلقة به و أجنبية عن المالك فكيف يملكها و ينقلها إلى المستأجر.

و هذا الاشكال يتلو سابقة في الضعف بداهة أن المالك يملك المستأجر المنفعة القائمة بالعين لا بالمستأجر، فان سكنى الدار تنقوم بحيثيتين المسكونية و الساكنية، و الإجارة إنما تتعلق بالحيثية الأولى التي لا كلام في كونها من أعراض العين المستأجرة.

و بعبارة أخرى ينقل المالك الى المستأجر ما كان يملكه فيما لو باع‌

12

..........

____________

العين مسلوبة المنفعة و هو قابليته للسكنى فان هذه المنفعة القائمة بالعين أعني المسكونية، هي التي تكون مختصة بالمالك و ليس لأحد غيره أن يستوفيها لا سكنى المستأجر و العرض القائم به، و هذا واضح.

و يزيدك وضوحا ملاحظة ما استقر عليه النص و الفتوى، بل قام عليه بناء العقلاء من أن الغاصب لو تصرف في العين المغصوبة بركوب أو سكنى و نحوهما ثمَّ ردها الى المالك كان ضامنا لتلك التصرفات بلا خلاف و لا إشكال.

و حينئذ أ فهل ترى ضمانه لعمل نفسه و العرض القائم بشخصه كلا، بل الضمان إنما هو باعتبار إتلافه تلك المنفعة القائمة بالعين، أعني حيثية المسكونية كما عرفت، فهذا الذي يترتب عليه الضمان لو كان المتصرف غاصبا هو الذي يملكه المالك للمستأجر.

ثالثها:- و هو العمدة- ان الإجارة قد تتحقق و لم يكن في موردها تمليك للمنفعة أصلا لعدم وجود مالك لها، كما في استيجار ولي الوقف أو الزكاة دارا لأن يكون محرزا للغلّة، أو مخزنا لادخار نماء الوقف، حيث أن منفعة الدار لم تكن وقتئذ مملوكة لأحد و انما هي تصرف في سبيل صرف الزكاة أو الوقف فيستكشف من ذلك عدم أخذ تمليك المنفعة في مفهوم الإجارة و انها أوسع من ذلك.

و يندفع أولا بالنقض بالبيع و القرض، فإن الأول تمليك عين بعوض، كما أن الثاني تمليك بالضمان فقد أخذ التمليك في كلا الموردين و لا ينبغي الشك في جواز الشراء أو الاقتراض لنماء الزكاة أو الوقف فيما إذا دعت الحاجة إليهما على ما صرح به الفقهاء من جواز ذلك لولي الأمر لو اقتضته المصلحة كأن يشتري دابة أو يقترض مالا‌

13

..........

____________

لمصلحتهما فاذا لم تكن ثمة ملكية فلمن يقع الاقتراض أو البيع، و من هو المالك للعين؟

و ثانيا بالحل و هو ان الوقف على ضربين:

فتارة: يتضمن التمليك كالوقف على البطون و الذراري الشخصية، أو الوقف على العناوين العامة كالعلماء أو الفقراء أو الزوار، أو الطلاب و نحو ذلك مما يكون المالك عنوانا عاما، بل يمكن جعل الملكية لجهة خاصة و إن لم تكن تلك الجهة من العناوين العامة على ما هو التحقيق من إمكان فرض الملكية للجهة لعدم كونها- أي الملكية- من المقولات المتأصلة و الاعراض الخارجية لتفتقر الى موضوع خارجي، و إنما هي أمر اعتباري و الاعتباريات خفيفة المؤنة يمكن تعلقها بجهة من الجهات أو هيئة من الهيئات، بل يمكن تعلقها بالجوامد كأن تفرض الملكية للمسجد.

و أخرى: لا يتضمن التمليك بوجه و إنما هو وقف للصرف في جهة من الجهات، كما لو وقف مزرعة لان يصرف غلتها في سبيل اللّه، أو لتعزية سيد الشهداء (ع) و نحو ذلك مما كان الموقوف عليه هو الصرف لا الملك.

و هكذا الحال في باب الزكاة فإنه قد يلتزم بأنها ملك للفقراء، كما لعله المشهور، و يقتضيه قوله- (عليه السلام)- إن اللّه أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال. إلخ. كما أن الخمس ملك للسادة.

و أخرى يلتزم بأنها غير مملوكة لأحد و إنما الموارد الثمانية مصارف للزكاة كما تقدم البحث حول ذلك مستقصى في كتاب الزكاة.

فبناء على القول بالملكية كان حال الزكاة حال القسم الأول من الوقف في جواز استيجار الولي أو شرائه أو اقتراضه من غير أي‌

14

..........

____________

إشكال بعد فرض تحقق الملكية كما هو واضح فيستأجر- مثلا- بمقتضى ولايته للفقراء أو للموقوف عليهم أو يقترض و بعد ذلك يؤديه من النماء، نظير ما لو اقترض الولي أو استأجر للصبي و بعد ذلك يؤدي القرض من مال الصبي بحسب ولايته.

و أما على القول بعدم الملكية في الزكاة أو فرضنا الكلام في القسم الثاني من الوقف- أي الوقف على الصرف- كالصرف في الإطعام أو لتسبيل الماء و نحو ذلك مما لا مالك للنماء و إنما له مصرف خاص فحسب فيمكن دفع الإشكال حينئذ بأن الولي هو الذي يشتري أو يستأجر أو يستقرض لكن لا بشخصه بحيث لو مات يؤدي من تركته أو ينتقل الى ورثته بل بعنوان أنه ولي فيكون المدين أو المالك للعين أو للمنفعة هو الولي بما هو ولي و بوصفه العنواني لا بشخصه و ذاته بحيث يكون إرثا أو يبيعه بعد ذلك لنفسه.

و عليه فيكون التعريف المزبور جامعا و منطبقا على هذا المورد أيضا.

فلا ينبغي التأمل في استقامته طردا و عكسا و سلامته عن الإشكالات المتقدمة، بل و موافقته للمرتكزات العرفية التي يدركها حتى الصبيان المميزون فإنهم لا يرتابون في أن المالك في مقام الإجارة يبقى العين لنفسه و يملك المنفعة.

و على هذا يترتب ما هو المقرر عند العقلاء و المتشرعة من أن الغاصب لو غصب العين المستأجرة بعد ما قبضها المستأجر- الذي يكون بقبضه هذا قابضا للمنفعة أيضا- كان ضامنا للمنافع للمستأجر لا للمالك، فهو الذي يطالب الغاصب بأجرة المثل للمنافع المستوفاة في تلك المدة التي ربما تزيد على الأجرة المسماة بكثير، باعتبار تعلق الغصب بملكه فهو المضمون له دون مالك العين، فلو ردها اليه لا يضمن له شيئا بتاتا.

15

و يمكن أن يقال ان حقيقتها التسليط (1) على عين للانتفاع بها بعوض،

[و فيه فصول]

و فيه فصول.

____________

و هذا مما يكشف عن صحة التعريف المزبور الذي عليه المشهور.

(1):- غير خفي أن التسليط من آثار الإجارة و الأحكام المترتبة عليها بعد انعقادها- حيث يجب على المؤجر تسليم العين للمستأجر لينتفع بها- لا أنه مساوق لمفهومها. فهذا التعريف لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

على أنه يختص بما إذا توقف استيفاء المنفعة على الاستيلاء على العين و السلطنة عليها دون ما لم يتوقف كما في الإجارة على الاعمال من الخياطة، أو الصلاة عن الميت و نحو ذلك مما كان تسليم العمل بالإتيان به خارجا من غير أي تسليط في البين كما هو واضح.

و أما الإيراد بعدم الاطراد بالنسبة الى الاذن في التصرف بشرط العوض مع ضرورة خروجه عن الإجارة.

فغير قابل للإصغاء لعدم كون الشرط عوضا واقعا بإزاء التسليط.

و هذا نظير النقض على تعريف البيع بالهبة المشروطة بعوض و الجواب هو الجواب.

16

[فصل في أركانها، و هي ثلاثة]

«فصل» في أركانها،

[و هي ثلاثة]

و هي ثلاثة:

[الأول: الإيجاب و القبول]

الأول: الإيجاب و القبول و يكفي فيهما كل لفظ دال على المعنى المذكور و الصريح منه آجرتك أو أكريتك الدار- مثلا- فيقول قبلت، أو استأجرت أو استكريت و يجري فيها المعاطاة كسائر العقود (1) و يجوز أن يكون الإيجاب بالقول و القبول بالفعل،

____________

(1):- الكلام في جريان المعاطاة في الإجارة هو الكلام في جريانها في البيع، إذ لا خصوصية فيه فان البحث المذكور هناك سار في كافة المعاملات من العقود و الإيقاعات بمناط واحد.

و ملخصه: انه إن ثبت في مورد بدليل خاص اعتبار اللفظ أو اللفظ الخاص في تحقق الإنشاء كما في الطلاق حيث يعتبر فيها لفظ (طالق) بعد ذكر المرأة اسما أو وصفا، و كما في النذر و العهد و اليمين حيث يعتبر فيها ذكر لفظ الجلالة، و كما في الزواج الذي تسالم الفقهاء على اعتبار لفظ ما، و إلا خرج عن النكاح الى السفاح فهو المتبع، و لا سبيل معه الى جريان المعاطاة فيه بوجه.

و أما ما لم يثبت فيه ذلك فمقتضى الإطلاقات العامة كوجوب الوفاء بالعقود، و كذا إطلاقات نفوذ البيع مثل قوله تعالى (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) و غيره من أدلة العقود من الإجارة و غيرها هو الحكم بالصحة و إن لم يتحقق العقد باللفظ بل بالفعل المعبر عنه بالمعاطاة.

17

..........

____________

و ليس بإزاء ذلك ما عدا الشهرة الفتوائية المتيقنة القائمة على أن المعاطاة لا يترتب عليها إلا الإباحة دون الملك و إن حمل المحقق الثاني الإباحة المذكورة في كلماتهم على الملكية.

و كيفما كان: فالشهرة بعد عدم حجيتها لا يعوّل عليها في إثبات أي حكم شرعي فلا تقاوم الأدلة الخالية عن التقييد، و لا تنهض لتقييد المطلقات.

و قد ذكر شيخنا الأنصاري (قده) في كتاب البيع من المكاسب ان مخالفة المشهور مشكل و مخالفة الأدلة أشكل.

و لا ينبغي التأمل في أنه لدى الدوران بين ترجيح الشهرة على الأدلة أو العكس كان المتعين هو الثاني.

و ليس في البين أية رواية تدل على اعتبار اللفظ إلا ما قبل من دلالة قوله (ع): إنما يحلل الكلام و يحرم الكلام، أو (إنما يحل الكلام و يحرّم الكلام) عليه.

و هذه الجملة أعني (إنما يحرم الكلام)- خاصة- خالية عن تلك الضميمة قد وردت في عدة روايات من روايات باب المزارعة لا بأس بإسنادها، بل بعضها صحيحة السند كصحيحة الحلبي قال:

سئل أبو عبد اللّه (ع) عن الرجل يزرع الأرض فيشترط للبذر ثلثا و للبقر ثلثا، قال: لا ينبغي أن يسمي شيئا فإنما يحرم الكلام (1) و نحوها مما دل على أن الاشتراط في المزارعة بنحو الثلث و الثلاثين لا مانع منه، و إنما الممنوع تسمية البذر و البقر و ان ثلثا لهذا و ثلثا لذاك، فان النتيجة و إن كانت واحدة إلا أن خصوص هذا التعبير ممنوع و انه إنما يحرم الكلام.

____________

(1) الوسائل: باب 8 من أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 4.

18

..........

____________

و معلوم أن هذا المطلب أجنبي عما نحن بصدده بالكلية، و لا مساس له باعتبار اللفظ في مقام الإنشاء بتاتا، و إنما النظر معطوف على كيفية الإبراز و انه لا يجوز بخصوص هذا التعبير، و قد حملها جماعة منهم الماتن- في كتاب المزارعة- على الكراهة، و حينئذ فكونها أجنبية عن بحث المعاطاة أظهر.

و أما هذه الجملة مقرونة بتلك الضميمة أعني مجموع قوله: «إنما يحلل الكلام و يحرم الكلام» فلم ترد إلا في رواية واحدة و هي ما رواه الكليني و الشيخ بسندهما عن ابن أبي عمير، عن يحيى بن الحجاج (و هو ثقة) عن خالد ابن نجيح على ما في الكافي، و خالد بن الحجاج على ما في التهذيب، و قد كتب الأول على بعض نسخ الثاني، و الثاني على بعض نسخ الأول على سبيل (بدل النسخة). و ما في الوسائل من جعل يحيى بن نجيح بدلا عن نسخة يحيى بن الحجاج غلط، و صحيحه ما عرفت.

قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يجي‌ء فيقول:

اشتر هذا الثوب و أربحك كذا و كذا، قال: أ ليس إن شاء ترك و إن شاء أخذ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به إنما يحل الكلام و يحرم الكلام. كذا في التهذيب، و في الكافي ذكر بدل (يحل) (يحلل) (1).

و لكنها مخدوشة سندا و دلالة.

أما السند فلعدم ثبوت وثاقة الراوي سواء أ كان هو خالد بن نجيح أم خالد بن الحجاج. نعم قيل بوثاقة الأول لوجوه مزيفة كرواية صفوان عنه، أو أن للشيخ الصدوق طريقا اليه، و نحو ذلك مما لا يرجع الى محصل.

____________

(1) الوسائل: باب 8 من أبواب العقود الحديث 4.

19

..........

____________

على أنها لو تمت لا تكاد تنفع لما عرفت من التردد بينه و بين ابن الحجاج الذي لم تثبت وثاقته جزما.

و أما الدلالة فلوضوح عدم كونها في مقام بيان حصر المحلل و المحرم في الكلام لتدل على اعتبار اللفظ في تحقق الإنشاء و عدم الاجتزاء بالمعاطاة، إذ مضافا الى أن هذا أجنبي عن السؤال كما لا يخفى مقطوع البطلان لعدم انحصار المحللات و المحرمات في الشريعة المقدسة بباب الألفاظ بالضرورة، بل الحصر المزبور مسوق لبيان ان جميع الكلمات لم تكن على حد سواء، بل هي مختلفة، فإن الكلام الصادر من الرجل من قول «اشتر هذا الثوب و أربحك كذا و كذا» إن كان بعنوان الوعد بحيث لم يكن ملزما بالوفاء فلا بأس به، و ان كان بعنوان البيع و لا يمكنه التخلف منه حرم لاندراجه حينئذ في كبرى بيع شي‌ء قبل أن يملكه، فلا يكون الكل على نسق واحد. و أما أن المحلل منحصر في الكلام و لا يقع بالفعل الخارجي فالرواية أجنبية عن إفادة ذلك.

إذا فليس لدينا ما يدل على اعتبار الصيغة لا في البيع و لا في الإجارة و لا غيرهما من أنواع العقود و الإيقاعات إلا ما دل الدليل على اعتبار اللفظ، أو اللفظ الخاص حسبما عرفت. و من ثمَّ تجري المعاطاة في الإجارة كغيرها.

نعم خصها شيخنا الأستاد (قده) في تعليقته الانيقة بإجارة الأموال فكتب ما لفظه: «يعني في منافع الأموال لا مطلقا» فيظهر منه المنع عن الجريان في إجارة الأعمال فيما إذا كان الأجير حرا من خياطة أو بناء دار، أو الصلاة عن الميت و نحو ذلك نظرا إلى انه لا تعاطي من قبل الأجير إلا بتسليم نفس العمل الذي هو وفاء بالعقد المترتب‌

20

و لا يصح أن يقول في الإيجاب بعتك الدار- مثلا- و ان قصد الإجارة. نعم لو قال بعتك منفعة الدار أو سكنى الدار- مثلا- بكذا لا يبعد صحته إذا قصد الإجارة (1).

____________

على الإنشاء فكيف يكون إنشاء له لتتحقق به المعاطاة.

و غير خفي أن هذا لو تمَّ فإنما يتجه فيما لو اعتبرنا في المعاطاة التعاطي من الطرفين.

و أما بناء على ما هو الصحيح عندنا و عنده أيضا من أن المعاطاة و ان كانت من باب المفاعلة إلا أن المراد بها إنشاء العقد بالفعل و العطاء الخارجي و لو كان ذلك من جانب واحد إذا كان بقصد تحقق المعاملة و إنشائها من بيع أو إجارة و نحوهما لوحدة المناط المقتضي للصحة بينه و بين ما إذا كان التعاطي من الجانبين. فلا إشكال حينئذ بوجه، فيعطى المستأجر عين الأجرة بقصد الاستيجار و يأخذها الأجير بقصد القبول، و بذلك تتحقق المعاطاة.

على انه لا يتم في نفسه، لأنا لو سلمنا اعتبار التعاطي من الطرفين فلا ينحصر ذلك بعطاء نفس ما يراد تعلق العقد به، أعني العمل المستأجر عليه بنفسه، بل يكتفى بكل فعل يكون مبرزا لهذا القصد عرفا كالاشتغال بالمقدمات من الإتيان بلوازم البناية و الخياطة بقصد إنشاء الإجارة كما هو المتعارف خارجا، و يكون إعطاء الأجرة بمنزلة القبول، أو ان الأجير يأتي بالدابة على باب الدار معلنا تهيؤه لنقل المتاع و نحو ذلك من مقدمات العمل.

(1):- فرّق (قده) بين هذين التعبيرين فلم يستبعد الصحة في الثاني بعد أن حكم ببطلان الأول.

21

..........

____________

بل قد استشكل فيها أيضا شيخنا الأستاد (قده) في تعليقته الانيقة، بل مال الى البطلان فقال ما لفظه: «صحة هذا و أشباهه مبني على جواز التجوز في صيغ العقود و صحة إنشاء كل واحد منها بلفظ الآخر و هو في غاية الإشكال بل لا يبعد بطلانه».

و ينبغي التكلم تارة في الصغرى و ان المقام هل هو من مصاديق إنشاء عقد بلفظ العقد الآخر أو لا، و أخرى في الكبرى و إن الإنشاء المزبور على تقدير تحققه هل يستوجب البطلان أو لا؟.

أما من حيث الصغرى فالظاهر عدم اندراج المثال الثاني تحت هذه الكبرى لعدم استعمال لفظ البيع فيه في الإجارة، كيف و لا تتعلق الإجارة إلا بالعين، فيقال آجرتك الدار، و لا يقال آجرتك منفعة الدار كما تقدم حيث عرفت أن مفهوم الإجارة مساوق لتمليك المنفعة، فلا تضاف إلى المنفعة إذ ليست للمنفعة منفعة كما هو واضح، فلو كان لفظ البيع في المثال المزبور مستعملا عوضا عن الإجارة لرجع الى قولك ملكتك منفعة منفعة الدار و لا محصل له، فلم يستعمل اللفظ في معنى الإجارة ليكون من قبيل إنشاء عقد بلفظ العقد الآخر.

و إنما استعمل في مطلق التمليك و طبيعية لا خصوص المتعلق بالعين فيرجع قولك بعتك منفعة الدار الى قولك ملكتك منفعة الدار، و لا مانع من تجريد البيع عن خصوصية التعلق بالعين و استعماله في مطلق التمليك مع نصب القرينة كما قد يجرد عن خصوصية التمليك بعوض، و يستعمل في مطلق التمليك القابل للانطباق على المجاني المساوق للهبة مع نصب القرينة في مثل قولك: بعتك بلا عوض: على ما قيل بذلك.

و كيفما كان: فلا ينبغي التأمل في عدم اندراج هذا المثال تحت الكبرى المذكورة، فالصغرى هنا ممنوعة.

22

..........

____________

و أما المثال الأول فيمكن منع الصغرى فيه أيضا نظرا الى أن لفظ البيع كما يمكن أن يكون مستعملا في الإجارة فيكون من قبيل استعمال لفظ عقد مكان عقد آخر.

كذلك يمكن أن يكون مستعملا في مطلق التمليك كما عرفته في المثال الثاني و لكن مع تقدير المضاف بأن يراد من الدار منفعتها، فيلتزم بالتصرف في كلا اللفظين بإرادة التمليك من البيع و المنفعة من الدار ليرجع قولك بعتك الدار إلى سنة- مثلا- الى قولك: ملكتك منفعة الدار إلى سنة، و لا ضير فيه بعد مساعدة القرينة.

و كيفما كان: فينبغي عطف عنان الكلام الى تحقيق حال الكبرى و انه هل يصح استعمال لفظ عقد مكان عقد آخر أو لا؟ و قد بنى الماتن على الثاني، و يظهر ذلك من كلمات غيره أيضا.

فنقول: إذا بنينا على تفسير الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظ و كونه آلة لتحققه في وعاء الاعتبار كما عليه المشهور فلما ذكروه حينئذ وجه، بأن يقال ان الآلية لا تتسع دائرتها لكل لفظ و لأي معنى، بل هي موكولة إلى نظر العقلاء و الصدق العرفي، فكل ما كان مصداقا للآلة و متصفا بكونه موجدا للمعنى في عرف العقلاء فهو مشمول لدليل الوفاء بالعقد و غيره من أدلة النفوذ، و أما ما لم يكن كذلك فلا دليل على صحته، و مجرد جعل شخص لفظا آلة لإيجاد المعنى لا يغني بعد أن لم يكن مشمولا لدليل الإمضاء.

و لكنا أشرنا في جملة من الموارد سيما في المباحث الأصولية عند التكلم حول تحقيق مفهوم الخبر و الإنشاء إلى فساد هذا المبنى بالرغم من اشتهاره و انتشاره و انه لدى التفتيش و التحليل ليس لإيجاد المعنى باللفظ عند التصدي للإنشاء عين و لا أثر.

23

..........

____________

أما الأمور التكوينية فعدم كون اللفظ من أسباب وجودها و علل تحققها واضح.

و أما الاعتبارية فاعتبار الشخص ملكية شي‌ء مثلا ببيع أو شراء و نحوهما قائم بنفسه و لو لم يكن أحد في العالم ما عدا حواء و آدم- مثلا- و ليس لللفظ أي سببية و علّية في ذلك. و أما اعتبار العقلاء أو الشرع فهو أيضا قائم بهما، و أجنبي عن هذا الشخص غايته انه يوجد ببيعه- مثلا- موضوع الاعتبار من غير أن يكون اللفظ علة لتحققه.

فدعوى كون الإنشاء إيجادا للمعنى باللفظ لا أساس لها من الصحة بتاتا.

بل التحقيق مشاركة الإنشاء مع الاخبار في أن كلا منهما مبرز لأمر نفساني، غايته أن المبرز في الثاني قصد الحكاية عن ثبوت شي‌ء لشي‌ء، أو عدم ثبوته الذي قد يطابق الواقع و أخرى لا، و بهذا الاعتبار يتصف بالصدق و الكذب، و في الأول اعتبار من الاعتبارات من الملكية أو الزوجية، أو التمني أو الترجي و نحو ذلك مما هو مقصور على أفق النفس و محدود بدائرتها و لا يتعدى الى الخارجيات لكي يطابقها أو لا يطابقها، و يصح تقسيمها الى الصدق و الكذب.

و بعد أن تحقق هذا الاعتبار يبرزه المعتبر باللفظ فيقول مثلا- بعت- فليس اللفظ آلة و لا يكون موجدا لأي شي‌ء، و إنما شأنه الإبراز فحسب و على هذا فكل لفظ اتصف بكونه مبرزا للمقصود بحسب الفهم العرفي صدق عليه- طبعا- عنوان البيع أو الإجارة و نحوهما، فتشمله إذا عمومات نفوذ العقد بلا فرق في ذلك بين أن يكون الإبراز على سبيل استعمال اللفظ في معناه الحقيقي أو المجازي أو الكنائي بقرينة حالية أو مقالية، و بلا فرق أيضا في المجاز بين القريب أو البعيد‌

24

..........

____________

الركيك، و الضابط كل ما كان اللفظ ظاهرا فيه عرفا و مصداقا للابراز و لم يكن معدودا من الاغلاط سواء أ كان الاستعمال بحسب الوضع الشخصي أم النوعي بناء على ثبوته في المجازات.

و من هنا تعرف انه لا يبعد صحة كلا المثالين المذكورين في المتن.

أما المثال الثاني فظاهر لما عرفت من أن لفظ البيع حقيقة في تمليك العين فيجرد عن هذه الخصوصية و يستعمل في مطلق التمليك القابل للإسناد إلى المنفعة، فيقول: بعتك منفعة الدار إلى أجل كذا مريدا به تمليك منفعتها، و يكون قوله: إلى أجل كذا قرينة عليه. فان هذا النوع من الاستعمال لا يعدّ من الأغلاط بالضرورة، إذ الاستعمال الغلط هو الذي يستبشعه العرف و يستنكره، و لا يكون اللفظ ظاهرا فيه حتى مجازا نظير أن يقول: «أكلت الرمان» مريدا به بيعه.

و على الجملة فلا ضير في الاستعمال المزبور، غايته انه استعمال مجازي غير متعارف لا أنه غلط، أو ان اللفظ غير ظاهر فيه و لو بمعونة القرينة.

و منه يظهر الحال في المثال الأول فإن الكلام هو الكلام إذ لم تستعمل كلمة البيع في الإيجار حتى يقال انه غلط مثل استعمال النكاح في مقام البيع، بل في مطلق التمليك بعد كون المراد من الدار منفعتها، فيرجع قوله:

بعتك الدار إلى أجل كذا بكذا الى قوله: ملكتك الدار منفعتها. إلخ بنحو تكون المنفعة بدلا عن الدار، فان استعمال الدار في منفعتها استعمال دارج، كما يقال أوكلت أمر هذه الدار الى زيد مريدا به الإيكال بالإضافة إلى المنافع خاصة دون رقبة العين، و لا يعدّ هذا غلطا بعد نصب قرينة حالية أو مقالية كما في المقام.

و على الجملة: فالظاهر صحة الإجارة في كلا المثالين و ان كانت‌

25

[الثاني: المتعاقدان]

الثاني: المتعاقدان و يشترط فيهما البلوغ و العقل و الاختيار و عدم الحجر لفلس أو سفه أو رقية (1)

____________

الصحة في الثاني أظهر. فلا وجه للاستشكال فيهما بزعم انهما من إنشاء عقد بلفظ عقد آخر لمنعه صغرى و كبرى حسبما عرفت.

(1):- اعتبار هذه الأمور في الجملة في المتعاقدين مما لا شبهة فيه، و إنما الإشكال في بعض الخصوصيات.

أما العقل فلا كلام في اعتباره في العاقد، إذ لا أثر لعبارة المجنون بعد أن كان فاقدا للقصد المعتبر في العقد سواء أ كان العقد لنفسه أم لغيره، بإجازة الولي أو بدونها لاتحاد المناط كما هو واضح.

و أما عدم الحجر من جهة الرقية فالحجر المحكوم به العبد مختص بمال نفسه، أما بالنسبة الى مال مولاه فهو أجنبي عنه كسائر الأجانب كما هو ظاهر، فلو آجر نفسه أو ماله بناء على أنه يملك- كما هو الصحيح- فلا أثر لعقده لأنه، مملوك لا يقدر على شي‌ء فهو محجور عليه.

و أما بالإضافة الى مال الغير فيما إذا كان وكيلا في الإجارة عنه فالظاهر انه لا ينبغي الإشكال بل لا إشكال في الصحة إذا كان ذلك بإذن المولى.

بل الظاهر جوازه حتى بدون الإذن، لأن هذا العقد إنما هو عقد للموكل حقيقة و هو المأمور بالوفاء، و أما العبد فهو مجرد آلة لإجراء الصيغة فحسب، و لم يدل أي دليل على ممنوعية العبد حتى من التصرف في لسانه بحيث يحتاج في تكلمه مع غيره أو في ذكره و دعائه و قرآنه إلى الاستيذان من مولاه، إذ لا يعدّ مثل ذلك تصرفا في ملك الغير حتى يكون منوطا بالاذن، فكما لا يحتاج في سائر تكلماته الى الاذن‌

26

..........

____________

فكذا في إجراء العقد بمناط واحد.

و بالجملة دليل الحجر خاص بالتصرف في مال نفسه أو أعماله، و منصرف عن مثل إجراء العقد وكالة عن الغير.

بل يمكن أن يقال بالصحة حتى مع نهي المولى، إذ غايته العصيان لا البطلان.

و أما عدم الحجر من جهة الفلس: فلا ريب أن المفلس ممنوع من التصرف في ماله بعد الحجر عليه، فليس له التصرف في شي‌ء منها ببيع أو إجارة و نحوهما.

و أما بالنسبة إلى إجارة نفسه فلم يدل أي دليل على المنع لوضوح اختصاص الحجر الصادر من الحاكم بأمواله الموجودة حال تعلق الحجر أما بدنه فلم يتعلق حجر بالنسبة إليه لكي يكون ممنوعا عن التكسب بعمله و صيرورته أجيرا لغيره في قراءة قرآن أو صلاة أو صيام و نحو ذلك من أنحاء تحصيل المال، فان حق الغرماء متعلق بأمواله و أجنبي عن اعماله كما هو ظاهر.

هذا بالنسبة الى مال نفسه. و أما بالإضافة الى مال الغير فلا ينبغي التأمل في نفوذ إجارته وكالة عنه لعدم كونه محجورا في ذلك بوجه.

فاعتبار عدم الحجر خاص بماله دون عمله و دون أموال اشخاص آخرين.

و أما عدمه من جهة السفه: فلا ريب في أن السفيه ممنوع من التصرف في ماله بمقتضى الروايات و قبلها الآية المباركة المانعة من دفع أموال السفهاء إليهم قبل أن يستأنس منهم الرشد.

و أما بالنسبة إلى نفسه بأن يكون أجيرا لغيره ففي جوازه كلام و إشكال، و لا يبعد المنع و سيأتي تفصيله في المسألة الثانية.

و أما إجراؤه العقد وكالة عن غيره فلا ينبغي الاستشكال فيه إذ لم‌

27

..........

____________

يدل دليل على كونه مسلوب العبارة حتى يكون عقده كلا عقد.

و أما الاختيار: فلا شك في عدم نفوذ عقد المكره فيما يرجع الى نفسه من ماله أو عمله لحديث الرفع و غيره مما هو مذكور في محله.

و أما لو كان مكرها في إجراء العقد على مال الغير وكالة فهل يحكم ببطلانه؟ الظاهر لا، ضرورة عدم ترتب أي أثر على هذا العقد بالنسبة إلى العاقد المكره لكي يدعى ارتفاعه بحديث الرفع، و إنما الأثر مترتب على من يقع العقد له و هو الأصيل. و هذا مجرد آلة محضة و المفروض ان الأصيل غير مكره عليه.

و بعبارة أخرى هذا العقد من حيث انتسابه الى المباشر ليس له أي أثر ليرتفع بالإكراه و من حيث انتسابه الى المكره لم يرتفع أثره بعد أن عقد باختياره، و لم يكن مكرها فالمكره- بالفتح- لا أثر له، و من له الأثر لم يكن مكرها، فلا مقتضي للبطلان بوجه.

و أما اعتبار البلوغ الذي هو المهم في المقام فلا ينبغي التأمل في عدم نفوذ تصرفات الصبي في أمواله على سبيل الاستقلال بحيث يكون هو البائع أو المؤجر و نحوهما و لو كان ذلك بإذن الولي فضلا عن عدم الاذن لقوله سبحانه «وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» (1). دلت على أن دفع المال مشروط بأمرين البلوغ و الرشد، فلا يدفع لغير البالغ ماله و ان كان رشيدا، كما لا يدفع لغير الرشيد- أي السفيه- و ان كان بالغا، و معلوم انه لا بد من اختباره قبل البلوغ لإحراز الرشد منه كي لا يمنع عن ماله بعد ما بلغ حتى آنا ما.

____________

(1) سورة النساء- الآية 6

28

..........

____________

و يستفاد ذلك أيضا من عدة أخبار دلت على أن الصبي لا يؤخذ بشي‌ء من أعماله و أقواله فإذا لم يكن مؤاخذا فطبعا يكون عقده كلا عقد و تدل عليه أيضا رواية عبد اللّه بن سنان التي أوردها شيخنا الأنصاري (قده) في المكاسب و استدل بها عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سأله أبي و أنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال حتى يبلغ أشده، قال: و ما أشده؟ قال: احتلامه (1).

و هي واضحة الدلالة على أن نفوذ أمره الذي منه عقده متوقف على البلوغ فلا ينفذ قبله و ان اذن الولي بمقتضى الإطلاق.

و أما من حيث السند فقد رواها الصدوق في الخصال بسنده المعتبر عن أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (ع) و قد سقطت كلمة عبد اللّه بن سنان في نسخة الوسائل هذا.

و لم يعنون أبو الحسين الخادم بياع اللؤلؤ بهذا العنوان في كتب الرجال، فبطبيعة الحال يكون مجهولا كما قيل.

و لكن الظاهر انه هو آدم بن المتوكل الثقة الذي روى بعنوان آدم ابن المتوكل بياع اللؤلؤ عن عبد اللّه بن سنان في غير هذا الموضع.

فالظاهر ان الرواية معتبرة.

هذا كله في تصرف الصبي مستقلا.

و أما تصديه لمجرد إجراء الصيغة أما في ماله أو في مال الغير وكالة عنه فليس في الآية و لا الرواية ما يدل على عدم نفوذه. أما الآية المباركة فهي ناظرة إلى دفع المال اليه و عدمه، و لا تعرض فيها لعقده الصادر منه على نحو لا شأن له عدا مجرد إجراء الصيغة و هكذا الرواية، إذ السؤال فيها عن نفوذ أمر الغلام الظاهر في الاستقلال لا ما إذا كان‌

____________

(1) الوسائل: باب 2 من أحكام الحجر ج 13 ص 143 ح 5

29

..........

____________

التصرف منسوبا إلى الولي و الصبي مجر للصيغة فقط.

و لكنه مع ذلك قد نسب الى المشهور عدم الجواز تمسكا بحديث رفع القلم عن الصبي، و بما ورد في صحيح ابن مسلم من أن عمد الصبي و خطأه واحد، فكما ان أحدا لو تلفظ خطا بكلمة (بعت)- مثلا- لا يكون نافذا لعدم القصد، فكذا الصبي لان عمده بمنزلة خطأ غيره فلا أثر لقصده بمقتضى هذه الصحيحة (1).

و الجواب: أما عن الحديث فظاهر، إذ هو ناظر الى رفع ما على الصبي من الأحكام التكليفية أو الوضعية أيضا كما اخترناه، فلا يلزم الصبي بشي‌ء من أعماله من كلتا الناحيتين. و أما العقد في محل البحث فليس فيه أي شي‌ء على الصبي من تكليف أو وضع، و لم يؤاخذ بعبارته بتاتا لكي يرفع عنه، و إنما هو راجع الى غيره أو الى الولي و هذا مجرد مجر للصيغة و آلة محضة فحديث الرفع أجنبي عن الدلالة على إلغاء إنشاء الصبي و فرضه كأن لم يكن كما لعله واضح جدا.

و أما الصحيحة فهي و ان كانت مطلقة في ظاهر النص و لم تقيد بمورد الجناية كما قيدت به موثقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (ع) ان عليا (عليه السلام) كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة (2) و معلوم انه لا تنافي بين الدليلين- بعد كونهما مثبتين- لكي يتصدى لعملية الإطلاق و التقييد. فمن الجائز مساواة عمده مع الخطأ في غير الجنايات أيضا من العقود و الإيقاعات و نتيجتها اعتبار البلوغ في العاقد كما يقتضيه إطلاق الصحيحة.

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب العاقلة من كتاب الديات حديث 2، ج 19 ص 307.

(2) الوسائل باب 11 من أبواب العاقلة من كتاب الديات ح 3

30

..........

____________

إلا أن الظاهر انها في نفسها قاصرة الشمول لمثل ذلك فلم ينعقد لها الإطلاق من الأول بالإضافة الى غير مورد الجنايات، لا ان الإطلاق موجود و يقيد حتى يعترض بعدم المجال للتقييد حسبما عرفت و الوجه فيه ان الوارد في الصحيحة لو كان هكذا «عمد الصبي كلا عمد» لتم الاستدلال لدلالتها حينئذ على أن الفعل الصادر منه عن عمد بمثابة عدم العمد و كأنه لم يقصد فلا يترتب عليه الأثر، لكن المذكور فيها هكذا: (عمد الصبي و خطأه واحد) فتضمنت تنزيل العمد منزلة الخطأ لا منزلة عدم العمد. و ظاهر هذا التعبير مشاركة هذين العنوانين فيما يترتب عليهما من الاحكام و ان كل حكم يترتب على الخطأ في غير الصبي، فهو مترتب على العمد بالإضافة إلى الصبي، إذ التنزيل في مثل ذلك انما هو بلحاظ الحكم.

و هذا يقتضي فرض الكلام في مورد يكون كل من عنواني العمد و الخطأ بحياله موضوعا لحكم مستقل بإزاء الآخر و هو خاص بباب الجنايات، حيث إن في صورة العمد يثبت القصاص أو الدية حسب اختلاف الموارد، و في صورة الخطأ تكون الدية على العاقلة هذا في البالغين فيراد من التنزيل المزبور ان عمد الصبي بمثابة خطأ البالغ فلا تترتب عليه إلا الدية على العاقلة علي ما نطقت به موثقة إسحاق المتقدمة.

و أما في غير باب الجنايات كالعقود و الإيقاعات فلم يترتب ثمة أي أثر على الخطأ، و انما الأثر خاص بالعمد و مع عدمه يرتفع طبعا لا لأجل الخطإ، بل لانتفاء موضوع الأثر و هو العمد. فلو أراد بيع داره فتلفظ خطأ بالفرس بدلا عن الدار، لم يقع بيع الفرس لعدم القصد اليه و انتفاء العمد لا لخصوصية في الخطأ بل وجوده و عدمه‌

31

..........

____________

سيان من هذه الجهة.

و مما يرشدك الى عدم إمكان الأخذ بإطلاق الصحيحة ان لازم ذلك الحكم بعدم بطلان صوم الصبي بالإفطار العمدي، و لا صلاته بالتكلم العمدي و كلاهما كما ترى. فلا مناص من الاختصاص بباب الجنايات و ما يلحق بها مما يكون لكل من عمده و خطأه حكم مستقل كبعض كفارات الحج على ما قيل، و لا يكاد يشمل مثل العقود و الإيقاعات بوجه إذا فالظاهر جواز تصدي الصبي لإجراء صيغة العقد كآلة لها في ماله أو مال الغير من غير حاجة الى اجازة الولي.

و أما استقلاله في معاملة لم تتعلق بماله كما لو كان وكيلا عن شخص آخر في بيع أو شراء له على وجه الاستقلال لا مجرد آلة في إجراء الصيغة كما لعل السيرة جارية عليه خارجا، حيث أن البقال أو العطار يجعل مكانه صبيا فطنا يبيع له و يشتري في غيابه فظاهر كلمات الفقهاء على ما نسب إليهم عدم الجواز هنا أيضا.

و لكنه أيضا غير واضح لعدم نهوض دليل يعوّل عليه. أما الآية الكريمة فالنظر فيها معطوف الى مال الصبي نفسه و لا تعرض لها بالإضافة الى مال الغير بوجه كما هو ظاهر.

و أما صحيحة ابن سنان المتقدمة فكذلك، إذ السؤال فيها عن نفوذ أمر الغلام، و هذه المعاملة لو تمت فهي مرتبطة بشخص آخر هو العاقد في الحقيقة، أعني الموكل و لا علاقة لها بالغلام لتعدّ نفوذا لأمره. (و بعبارة أخرى) الصحيحة مسوقة سؤالا و جوابا لبيان النفوذ بالإضافة إلى الصبي لا بالإضافة إلى شخص آخر. و من الواضح ان هذه المعاملة باعتبار توكيل المالك مضافة اليه فهو البائع حقيقة و هذا واسطة في تحققه فلا يشمله قوله متى يجوز أمره، إذ ليس هذا من‌

32

[الثالث: العوضان و يشترط فيهما أمور]

الثالث: العوضان و يشترط فيهما أمور:

[الأول: المعلومية]

الأول: المعلومية و هي في كل شي‌ء بحسبه بحيث لا يكون هناك غرر (1) فلو آجره دارا أو حمارا من غير مشاهدة و لا وصف رافع للجهالة بطل و كذا لو جعل العوض شيئا مجهولا.

____________

أمر الغلام بعد أن لم يكن يلزم بشي‌ء لا تكليفا و لا وضعا و انما هو من أمر شخص آخر هو البائع، فكأن السائل بعد ما يرى أن بقية الناس يبيعون و يتجرون يسأل عن أن الغلام متى يجوز له ذلك حتى يكون حاله كحالهم، و لم ينقدح في ذهنه السؤال عن معاملته في مال شخص آخر وكالة عنه فهي منصرفة عن مثل ذلك البتة، و قد عرفت جريان السيرة على ذلك في الكسبة فيقيمون أبناءهم المميزين مقامهم لدى استيناس الرشد منهم، و يبعد جدا أن تكون السيرة مستحدثة بل الظاهر اتصالها بزمن المعصومين (عليهم السلام).

و عليه فالظاهر الصحة هنا و ان لم يلتزم بها المشهور.

(1):- فلا تضر الجهالة إلا ما أدت منها الى الغرر، و لا يعتبر الأزيد من ذلك، و يختلف حسب اختلاف الموارد كما ذكره (قده) فقد يكون ارتفاع الغرر بالكيل، و أخرى بالوزن، و ثالثة بالعدّ، و رابعة بالمشاهدة هذا في الأجرة و أما المنفعة فبتحديدها بحسب الزمان و نحوه، و في العمل ببيان نوعه و هكذا.

و كيفما كان فيستدل لهذا الشرط الذي عليه المشهور.

تارة بما ورد من نهي النبي (ص) عن بيع الغرر، و أخرى بالنبوي الذي رواه الصدوق من انه (ص) نهى عن الغرر.

33

..........

____________

أما الثاني فلم توجد لا في كتبنا و لا في كتب العامة، و قد تتبعنا و فحصنا عنها في مظانها فلم نعثر عليها فلا أساس لهذه المرسلة التي تفرد بنقلها الصدوق. و معه لا يحتمل استناد المشهور إليها ليدعى الانجبار.

و أما الأولى فهي و إن رويت بعدة طرق و قد رواها الصدوق بأسانيد متعددة إلا انها بأجمعها ضعاف غير أنها منجبرة بعمل المشهور- لو سلمنا كبرى الانجبار- فيمكن القول بذلك في البيع خاصة، إلا ان يدعى القطع بعدم الفرق. هذا و لا يبعد أن يقال ان أساس المعاملات العقلائية من البيع و الإجارة و نحوهما مبني على التحفظ على أصول الأموال و التبدل في أنواعها، فلدى التصدي لتبديل عين أو منفعة بعوض يرون التساوي بين مالية العوضين كشرط اساسي مرتكز قد بني عليه العقد بمثابة يغني وضوحه عن التصريح به في متنه. و على هذا الشرط الارتكازي يبتني خيار الغبن كما هو موضح في محله.

و عليه فالمعاملة على المجهول المتضمنة للغرر كبيع جسم أصفر مردد بين الذهب و غيره، أو جعله اجرة خارج عن حدود المعاملات الدارجة بين العقلاء. و ما هذا شأنه لا يكون مشمولا لدليل النفوذ و الإمضاء من وجوب الوفاء بالعقود و حلية البيع و نحو ذلك، فان دعوى انصراف هذه الأدلة عن مثل ذلك غير بعيدة كما لا يخفى.

و كيفما كان فان تمت هذه الدعوى- و الظاهر انها تامة- عم مناطها الإجارة، إذ لا فرق بينها و بين البيع إلا في كون أحد طرفي المعاوضة فيها هي المنفعة و قد تكون كليهما، و هذا لا يستوجب فرقا من الجهة المزبورة بالضرورة. و إلا فيكفينا الاتفاق و التسالم على اعتبار هذا الشرط في الإجارة و البيع معا، المعتضد بما ورد في البيع من اعتبار‌

34

..........

____________

الكيل و الوزن بعد وضوح انه لا خصوصية لهما و انما اعتبرا بمناط رفع الجهالة و الضرر.

و يمكن الاستدلال على ذلك في خصوص الإجارة بما رواه الشيخ بإسناده عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سألته عن ارض يريد رجل ان يتقبلها فأي وجوه القبالة أحل؟ قال:

يتقبل الأرض من أربابها بشي‌ء معلوم إلى سنين مسماة فيعمر و يؤدي الخراج. إلخ (1).

فإن قوله (بشي‌ء معلوم) قرينة على إرادة الإجارة من القبالة دون المزارعة إذ لا معلومية فيها، و إنما يكون تقبل الأرض فيها بإزاء الكسر المشاع من النماء، و قد دلت على اعتبار معلومية المدة كمعلومية الأجرة فهي واضحة الدلالة على اعتبار العلم بهما في صحة الإجارة.

و إنما الكلام في السند و الظاهر انه معتبر، إذ ليس فيه من يغمز فيه عدا الراوي الأخير أعني أبا الربيع الشامي حيث إنه لم يوثق في كتب الرجال، إلا انه مذكور في اسناد تفسير علي بن إبراهيم، و قد بنينا على وثاقة كل من وقع في هذا السند.

نعم المذكور فيه أبو الربيع من غير تقييد بالشامي، و لأجله قد يحتمل أن المراد به شخص آخر.

و لكنه يندفع بأنه لم يذكر في شي‌ء من الروايات الواردة في الكتب الأربعة من يكون معروفا بهذه الكنية ما عدا الشامي المزبور الذي هو معروف مشهور له روايات كثيرة، و له كتاب ذكره النجاشي و غيره و لم يوجد مكنى بهذه الكنية غيره إلا في رواية واحدة أوردها في الكافي بعنوان أبي الربيع القزاز، فان كان هو هذا الشخص فلا كلام، و إلا‌

____________

(1) الوسائل باب 18 من أبواب المزارعة حديث 5.

35

..........

____________

فهو رجل مجهول غير معروف، و لا شك ان اللفظ ينصرف عند الإطلاق إلى المعروف الذي له كتاب و روايات كثيرة.

و مما يؤكد ذلك و يدل عليه أن الصدوق حينما يذكر طريقه إليه في المشيخة بعنوان أبي الربيع الشامي- و هو طريق صحيح- تراه قد أطلقه في الفقيه و لم يقيده بالشامي فقد روى عنه في موارد، و منها مواضع ثلاثة متتالية من كتاب الإجارة و لم يقيده به. و هذا دليل قاطع على الانصراف الذي ذكرناه.

ثمَّ ان الصدوق رواها بطريق آخر صحيح عن خالد بن جرير.

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بلا واسطة و عليه تكون الرواية صحيحة بلا اشكال لكنها لم تثبت فان طريق الصدوق يشترك مع طريق الشيخ في روايتهما عن ابن محبوب عن خالد بن جرير و انما يفترقان في ان الشيخ ذكر السائل الذي هو الواسطة بينه و بين الامام (ع) و الصدوق لم يذكره بل اقتصر على قوله (سئل) و لا يحتمل ان ابن جرير سمع الجواب عن الإمام مرة بلا وساطة ابن ابى الربيع و اخرى بواسطته و نقله بالنحوين لابن محبوب فهو موجود في سند الحديث لا محالة، و لا أقل من الاحتمال المسقط لها عن درجة الاعتبار و صلاحية الاستدلال لو لا ثبوت وثاقة أبى الربيع الشامي.

و كيفما كان فالمسألة مما لا اشكال فيها.

نعم ان المقدار الثابت من هذه الرواية المعتبرة و مما عرفت من الاتفاق و التسالم هو ما ذكره في المتن من اعتبار المعلومية بمقدار يرتفع به الغرر الذي قد يتوقف على الكيل أو الوزن أو العد سيما في مثل الذهب المبني امره على التدقيق و اخرى يكتفى بمجرد المشاهدة حسب اختلاف الموارد فلا دليل على اعتبار المعلومية بعد اندفاع الغرر بشي‌ء من ذلك و ان كان‌

36

..........

____________

مقتضى الجمود على ظاهر المعتبرة هو ذلك كما لا يخفى.

ثمَّ إن هناك جملة من الروايات قد يستفاد منها جواز الإجارة مع الجهالة، و هي ما وردت في قبالة الأرض بخراجها الذي ربما يزيد و ربما ينقص حيث حكم (ع) بالجواز الكاشف عن عدم اعتبار معلومية الأجرة.

و يندفع بأنها على طائفتين: إحداهما ما وردت في تقبيل الأرض بإزاء شي‌ء معين كمأتي درهم في السنة مشروطا بأداء الخراج كصحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (ع) في الرجل تكون له الأرض عليها خراج معلوم و ربما زاد و ربما نقص، فيدفعها إلى رجل على ان يكفيه خراجها و يعطيه مأتي درهم في السنة، قال: لا بأس (1).

و هذه كما ترى لا دلالة فيها على ما ذكر بوجه لوضوح ان جعل الخراج على المستأجر إنما هو من باب الشرط، و اما الأجرة فهي المبلغ المعين أعني مأتي درهم، و لا ضير في زيادة هذا الشرط أي الخراج و نقيصته أحيانا بعد ان كانت له كمية متعارفة مضبوطة غالبا. و هذا نظير اجارة الدار بأجرة معينة مشروطا بان تكون الضريبة التي لها حد متعارف على المستأجر و ان كانت قد تزيد عليه بشي‌ء و قد تنقص فان هذه الجهالة غير العائدة إلى الأجرة غير قادحة في شي‌ء من الموردين كما لا يخفى.

الثانية: ما ورد في التقبيل لا بعنوان الإيجار، مثل ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بردة بن رجا قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن القوم يدفعون أرضهم إلى رجل فيقولون كلها و أد خراجها، قال:

____________

(1) الوسائل باب 17 من أبواب المزارعة حديث 1.

37

..........

____________

لا بأس به إذا شاؤوا أن يأخذوها أخذوها (1).

و عدم الدلالة في هذه أوضح، فإنها خارجة عن محل الكلام لعدم افتراض الإجارة بتاتا، و إنما هي إباحة مشروطة بأداء الخراج، كما يكشف عنه تذييل نفي البأس بقوله: إذا شاؤوا. إلخ الذي هو بمثابة التعليل ايعازا إلى انها اباحة جائزة لا اجارة لازمة فلا تقدح الجهالة.

و هناك رواية أخرى رواها الكليني، و كذا الكشي في رجاله عن الفيض بن المختار قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع) جعلت فداك ما تقول في أرض أتقبلها من السلطان ثمَّ أؤاجرها أكرتي على ان ما اخرج اللّه منها من شي‌ء كان لي من ذلك النصف أو الثلث بعد حق السلطان، قال: لا بأس به كذلك أعامل أكرتي (2).

فيستفاد منها جواز الجهل بالأجرة لعدم انضباط الكمية التي يخرجها اللّه من الأرض.

و لكنها مضافا إلى ضعف سندها ب‍ (أبي نجيح) فإنه مجهول قاصرة الدلالة لخروجها عن باب الإجارة و ان تضمنت لفظها ضرورة لزوم كون الأجرة شيئا مملوكا بالفعل للمستأجر ليتمكن من تمليكها للمؤجر إزاء تملك المنفعة منه، و ما يستخرجه اللّه من الأرض لا وجود له الآن ليملكه المستأجر فكيف يملكه للمؤجر و يجعله اجرة. فمن المقطوع به أنها ناظرة إلى باب المزارعة و أجنبية عن محل الكلام، و قد ورد في اخبار باب المزارعة ما عبر فيه بالإجارة لما بينهما من المشابهة في التسلط على العين و الانتفاع منها.

فتحصل انه ليست لدينا رواية تدل على عدم قدح الجهالة في باب‌

____________

(1) الوسائل باب 17 من أبواب المزارعة حديث 3.

(2) الوسائل باب 15 من أبواب المزارعة حديث 4.

38

[الثاني: أن يكونا مقدوري التسليم]

الثاني: أن يكونا مقدوري التسليم (1) فلا تصح اجارة العبد الآبق،

____________

الإجارة، بل ان معتبرة أبي الربيع دالة على القدح حسبما عرفت.

(1):- لا إشكال في اعتبار هذا الشرط في باب البيع لدلالة النص مضافا إلى الوجوه الأخر المذكورة في محلها.

و أما في باب الإجارة فالأمر فيه أوضح بحيث ينبغي الجزم به حتى لو فرضنا إنكاره في البيع، نظرا إلى ان المنفعة كسكنى الدار مثلا لم تكن من الأمور القارة الباقية و انما هي أمر تدريجي الحصول توجد و تنصرم كنفس الزمان، فهي تتلف شيئا فشيئا حسب مرور الزمان سواء استوفاها مالكها أم لا.

و عليه فاذا كان المالك مسيطرا عليها صح اعتبار ملكيته لها، و أما إذا لم تكن قابلة للاستيفاء خارجا لا باق أو مرض و نحوهما فهي آنا فآنا تنعدم، و معه كيف يكون المالك مالكا لهذه المنفعة التي تتلف بنفسها حتى يملكها للآخر، فان العقلاء لا يعتبرون الملكية بالإضافة إلى تلك المنافع فليست هي مملوكة للمالك العين فكيف يملكها للغير بالإجارة.

و على الجملة تعذر التسليم مانع عن صدق عنوان التمليك المتعلق بالمنفعة المأخوذ في مفهوم الإجارة فلا محيص من اعتبار القدرة عليه تمهيدا لتحقق العنوان المزبور.

و هكذا الحال في إجارة الأعمال فإنها كما في الأموال بمناط واحد بل الأمر فيها أوضح كما لا يخفى. فمن كان عاجزا عن عمل فليس هو مسلطا عليه و مالكا له حتى يملكه للغير.

هذا و قد يستدل للمقام بما رواه الصدوق من نهي النبي (ص)

39

..........

____________

عن الغرر نظرا إلى ان استيجار متعذر التسليم معاملة غررية. و يجاب بعدم ورود الرواية هكذا لا من طرقنا و لا من طرق العامة، و انما الوارد نهيه (ص) عن بيع الغرر، و يحتاج التعدي من البيع إلى غيره إلى الدليل.

أقول: اما حديث نهيه (ص) عن بيع الغرر فقد ورد من طرقنا و من طرق العامة حيث رووه في أكثر الصحاح و غيرها كما ان الصدوق رواه بأسانيد غير أنها بأجمعها ضعاف كما مرت الإشارة إليه، فيبتني التصحيح على القول بانجبار الضعيف بعمل المشهور، و حيث ان الأظهر عدم الجبر فيحتاج إثبات الحكم حتى في البيع إلى التمسك بدليل آخر و قد مرت الإشارة إليه قريبا.

و أما حديث نهيه (ص) عن الغرر الذي ذكره الشهيد و كذا الشيخ في الخلاف في كتاب الشركة فيمكن ان يكون نظرهما في ذلك إلى روايتين:

إحداهما: وردت من طرق العامة و هي التي رواها أحمد في مسنده (1) من ان النبي (ص) نهى عن بيع السمك في الماء لأنه غرر، حيث يظهر من التعليل ان النهي قد تعلق بالغرر على سبيل الإطلاق، و ان التطبيق على البيع من باب تطبيق الكبرى على الصغرى، فيصح أن يقال انه (ص) نهى عن الغرر مطلقا و إن كان مورده هو البيع.

و الثانية: وردت من طرقنا و هي التي رواها الصدوق في معاني الأخبار بإسناد متصل إلى النبي (ص) انه نهى عن المنابذة و الملامسة و بيع الحصاة إلى ان قال: و هذه بيوع كان أهل الجاهلية يتبايعونها‌

____________

(1) راجع مسند احمد بن حنبل ج 1 ص 388.

40

..........

____________

فنهى رسول اللّه (ص) عنها لأنها غرر كلها (1). لدلالة التعليل عليه بالتقريب المتقدم.

و على الجملة فتصح مقالة الشهيد من ان النبي (ص) نهى عن الغرر استنادا إلى هاتين الروايتين غير أن سنديهما ضعيف فلا يمكن التعويل على شي‌ء منهما. و العمدة في الاستدلال ما عرفت.

هذا كله في متعذر التسليم المقطوع به.

و أما المشكوك فيه، فان وقعت الإجارة مطلقة من غير تقييد بالقدرة على الاستيفاء خارجا فلا ينبغي الشك في فسادها حينئذ، إذ ما لم تثبت القدرة على التسليم لم ينتزع عنوان الملكية بالإضافة إلى المنفعة الواقعة في حيز الإجارة- حسبما تقدم- فطبعا يكون مورد الإجارة مرددا بين المال و ما لا مالية له المستلزم لوقوع الأجرة حينئذ بلا عوض، و ما هذا شأنه محكوم بالفساد، لعدم إحراز المبادلة و المعاوضة المعتبرة في مفهوم الإجارة.

و أما تخصيص الصحة بفرض القدرة بمعنى ان الإجارة و إن أنشئت مطلقة إلا ان صحتها مراعى بإمكان الاستيفاء فان تمكن من استيفاء المنفعة خارجا صحت و إلا فلا فهو و إن كان ممكنا ثبوتا إلا أن الدليل على الصحة قاصر إثباتا، نظرا إلى ان أدلة النفوذ و الإمضاء تتبع كيفية الإنشاء سعة و ضيقا بمناط تبعية العقود للقصود، و المفروض في المقام تعلق الإنشاء بالإجارة على صفة الإطلاق و من غير تقييد بالقدرة، فما قصده المتعاملان غير قابل للإمضاء و النفوذ، و ما هو قابل غير مقصود.

____________

(1) الوسائل باب 12 من أبواب عقد البيع و شروطه الحديث 13 ج 12 ص 266 و لها ذيل يدل على المطلوب أيضا مذكور في ص 262 من الوسائل ج‍ 12.

41

..........

____________

فلا مناص من الالتزام حينئذ بالفساد حسبما عرفت.

و ان وقعت مقيدة بالقدرة على التسليم فقال مثلا: آجرتك هذا إن أمكن حصول المنفعة خارجا فقد يقال حينئذ بالفساد من وجهين:

أحدهما: انه غرر حيث لم يعلم وجود المنفعة خارجا.

و فيه ان الغرر هو الخطر لا مجرد الجهل، و لا خطر في المقام بوجه لاستلام المنفعة على تقدير حصولها و استرداد الأجرة على التقدير الآخر فلا مخاطرة بتاتا، غايته الجهل و لا دليل على قدحه، بل لا يبعد صحة ذلك في البيع أيضا. فلو كان الموكل شاكا في بيع الوكيل فباع ماله على تقدير عدم خروجه عن ملكه ببيع الوكيل صح فيما لو انكشف عدم البيع.

ثانيهما: من جهة التعليق المجمع على بطلانه في العقود و ان حصل المعلق عليه خارجا.

و يندفع بان مورد الإجماع انما هو التعليق على أمر أجنبي عن العقد أو الإيقاع كنزول المطر و القدوم من السفر، اما التعليق على ما يتوقف عليه العقد سواء علق أم لم يعلق كقوله: بعتك هذا إن كان ملكي أو أنت طالق ان كنت زوجتي، فلا يكون مثله قادحا.

و المقام من هذا القبيل، لما عرفت من دخل القدرة على التسليم في تحقق الملكية فمرجع التعليق في المقام إلى قوله: آجرتك ان كانت المنفعة ملكا لي فلا يضر مثل هذا التعليق.

و المتحصل مما ذكرناه ان الدخيل في الصحة انما هو واقع القدرة على التسليم لا إحرازها، فلا مانع من الإجارة في صورة الشك لو صادفت حصول القدرة خارجا.

42

و في كفاية ضم الضميمة هنا كما في البيع اشكال (1).

[الثالث: ان يكونا مملوكين]

الثالث: ان يكونا مملوكين فلا تصح اجارة مال الغير (2) و لا الإجارة بمال الغير إلا مع الإجازة من المالك.

____________

(1):- نظرا إلى اختصاص دليل الكفاية و هو موثق سماعة عن أبي عبد اللّه (ع) في الرجل يشتري العبد و هو آبق عن اهله، قال:

لا يصح إلا أن يشتري معه شيئا آخر، و يقول: اشترى منك هذا الشي‌ء و عبدك بكذا و كذا، فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه (1) بالبيع.

و ليس قوله (ع): فان لم يقدر. إلخ تعليلا ليتعدى إلى غيره، و انما هو تفريع محض مترتب على تقدير عدم القدرة على العبد فهو بيان لحكم تعذر الآبق لا لعلة الحكم و مناطه و بما أن الحكم مخالف للقاعدة لتعلق الإنشاء بوقوع الثمن بإزاء المجموع فتخصيصه- في فرض عدم القدرة- بالبعض تعبد محض، فلا جرم يقتصر على مورد قيام النص و هو بيع العبد الآبق، فلا يتعدى إلى بيع غيره كالفرس الشارد فضلا عن التعدي إلى غير البيع كالإجارة للزوم الاقتصار في الحكم المخالف للقاعدة على مورد الدليل.

(2):- هذا واضح و ذلك لعدم المقتضي للصحة أولا، ضرورة ان كل احد مخاطب بوجوب الوفاء بالعقد الواقع على مال نفسه أو بمال نفسه لا مال الغير فلا نفوذ بالإضافة إليه لا من ناحية العقلاء و لا الشارع.

و لوجود المانع ثانيا و هو ما دل على المنع من التصرف في مال الغير‌

____________

(1) الوسائل باب 11 من أبواب عقد البيع الحديث 2.

43

[الرابع: ان تكون العين المستأجرة مما يمكن الانتفاع بها مع بقائها]

الرابع: ان تكون العين المستأجرة مما يمكن الانتفاع بها مع بقائها فلا تصح اجارة الخبز للأكل مثلا (1) و لا الحطب للإشعال و هكذا.

[الخامس: ان تكون المنفعة مباحة]

الخامس: ان تكون المنفعة مباحة (2) فلا تصح اجارة المساكن لإحراز المحرمات أو الدكاكين لبيعها أو الدواب لحملها أو الجارية للغناء، أو العبد لكتابة الكفر و نحو ذلك، و تحرم الأجرة عليها.

____________

و عدم حليته إلا بإذنه. و اما صحة هذه الإجارة الفضولية بإجازة المالك أو إذنه السابق و وقوعها له فهو أمر آخر و سيجي‌ء منه التعرض له فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

(1):- أو الماء للشرب أو الدرهم للصرف و نحو ذلك مما يتوقف الانتفاع على إعدام العين و افنائها لخروج ذلك عن حقيقة الإجارة لما تقدم من تقوم مفهومها بتمليك المنفعة المنوط بإبقاء العين و المحافظة عليها لكي تستوفى منها المنافع- التي هي حيثيات و شؤون للعين تدريجا، و من الواضح ان مثل الخبز فاقد لهذا الشأن، فإن أكله إتلافه لا انه استيفاء شأن من شؤونه. ففي الحقيقة يعد هذا الأمر من مقومات الإجارة لا من شرائطها.

(2):- فلا تتعلق الإجارة بالمنافع المحرمة كالأمثلة المذكورة في المتن.

و يستدل لهذا الاشتراط.

تارة بما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) من ان المنفعة المحرمة غير مملوكة فلا يملكها مالك العين حتى يملكها بالإجارة المتقومة بتمليك‌

44

..........

____________

المنفعة و تملكها. قال (قده) في تعليقته الانيقة ما لفظه: «ان اشتراط مملوكية المنفعة يغني عن هذا الشرط، فإن المنفعة المحرمة غير مملوكة».

فالملكية حسب الاعتبار الشرعي تختص بالمنافع المحللة التي يمكن أن يستوفيها المالك بنفسه فيملكها للغير بالإيجار دون المحرمة التي لا سلطنة له عليها، و من ثمَّ كان اشتراط الملكية مغنيا عن هذا الشرط.

و يندفع بان هذا إنما يتجه بالإضافة إلى إجارة الأعمال، فلو آجر نفسه لعمل محرم من قتل أو ضرب أو كذب أو نقل الخمر من مكان إلى آخر و نحو ذلك من المحرمات الإلهية لم يصح نظرا إلى عدم السلطنة له على هذه الاعمال بعد النهي الشرعي، فلا تعتبر ملكيته لما هو ممنوع عنه، و لم يكن تحت اختياره، فليس له إذا التمليك للغير كما افاده (قده).

و أما بالنسبة إلى إجارة الأعيان فكلا إذ المحرم انما هو فعل المستأجر من إحراز المسكر أو بيع الخمر و نحو ذلك لا الحيثية القائمة بالمال التي هي مناط صحة الإيجار حسبما مر.

حيث قد عرفت عند التكلم حول مفهوم الإجارة ان العين المستأجرة كالدار للسكنى تتضمن حيثيتين إحداهما قائمة بالعين و هي قابليتها للانتفاع و كونها معرضا للسكنى، أي حيثية المسكونية. و الأخرى قائمة بالمستأجر و من إعراضه، و هي حيثية الساكنية، و مناط صحة الإجارة إنما هي الحيثية الأولى التي هي ملك للمؤجر و تحت اختياره و سلطانه دون الثانية التي هي من أفعال المستأجر و ليست مملوكة للمؤجر حتى يملكها المستأجر.

و من الواضح ان المحكوم بالحرمة إنما هي الثانية دون الأولى، فإن الحرام هو إحراز الخمر أو بيعه أو حمله على الدابة و نحو ذلك مما هو‌

45

..........

____________

فعل المستأجر، لا قابلية الدار أو الدكان أو الدابة لهذه الأمور، فإن هذه القابلية المملوكة لمالك العين نسبتها إلى المحللات و المحرمات على حد سواء في عدم معنى محصل لاتصافها بالحرمة، فما هو قابل للتحريم غير مملوك للمؤجر، و ما هو مملوك له غير قابل للتحريم.

و عليه فلا يغني اشتراط الملكية عن هذا الشرط بالنسبة إلى المنافع، و ان تمَّ ذلك بالإضافة إلى الأعمال حسبما عرفت.

و مما يرشدك إلى ان تلك القابلية مملوكة حتى فيما لو صرفت في الحرام انه لا ينبغي التأمل في ان من غصب دارا فأحرز فيها الخمر، أو دكانا فباعها فيه، أو دابة فحملها عليها من مكان إلى آخر فإنه يضمن لمالك العين اجرة المثل لما استوفاها من المنافع جزما، و لا سبيل إلى القول بعدم الضمان بدعوى عدم ماليتها بعد كونها محرمة.

و هذا بخلاف ما لو اجبر حرا على عمل محرم من كذب أو ضرب أو حمل الخمر و نحو ذلك فإنه لا يضمن هذه المنافع، إذ الحرام لا مالية له في شريعة الإسلام، فلا يكون الحر مالكا لذاك العمل حتى يكون الغاصب ضامنا لما أتلفه.

و يستدل له اخرى بعدم القدرة على التسليم بعد ان كان الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، و قد تقدم ان القدرة عليه من شرائط الصحة.

و فيه ما تقدم من ان القدرة المزبورة لم تكن شرطا بعنوانها و انما اعتبرت بمناط ان المنفعة التي يتعذر تسليمها بما انها تنعدم و تتلف شيئا فشيئا، فلا يمكن انتزاع عنوان الملكية بالإضافة إليها لكي تقع موردا للإجارة المتقومة بالتمليك للغير. و من الضروري ان المنع الشرعي لا يستوجب سلب اعتبار الملكية بالإضافة إلى تلك المنفعة القائمة بالعين فهي بهذه الحيثية- التي هي مناط صحة الإجارة كما مر- مملوكة‌

46

..........

____________

للمالك و ان حرم عليه تسليمها لعدم التنافي بين المملوكية و بين الحرمة الشرعية، و لذا ذكرنا ان الغاصب لو انتفع من العين تلك المنفعة المحرمة كما لو حمل الدابة المغصوبة خمرا ضمن للمالك مقدار اجرة المثل.

و بالجملة الممنوع شرعا انما يكون كالممتنع عقلا بالإضافة إلى تسليم المنفعة المحرمة لا إلى ملكيتها لعدم المضادة بين ممنوعية التسليم شرعا و بين الملكية. و هذا بخلاف ممنوعيته تكوينا و عدم القدرة عليه عقلا فإنه مناف لاعتبار الملكية وقتئذ كما عرفت.

و الصحيح في وجه الاشتراط ان يقال: إن أدلة صحة العقود و وجوب الوفاء بها قاصرة عن الشمول للمقام، إذ لا يراد من صحة العقد مجرد الحكم بالملكية، بل التي تستتبع الوفاء و يترتب عليها الأثر من التسليم و التسلم الخارجي فإذا كان الوفاء محرما و التسليم ممنوعا فأي معنى بعد هذا للحكم بالصحة، أ فهل تعاقدا على ان المنفعة تتلف بنفسها من غير ان يستوفيها المستأجر، أم هل ترى جواز الحكم بملكية منفعة لا بد من تفويتها و إعدامها و ليس للمؤجر تسليمها للمستأجر لينتفع بها؟

و على الجملة صحة العقد ملازمة للوفاء بمقتضى قوله تعالى:

(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، فاذا انتفى اللازم انتفى الملزوم بطبيعة الحال، فأدلة الوفاء و نفوذ العقود لا تعم المقام. و معه لا مناص من الحكم بالبطلان.

هذا ما تقتضيه القاعدة. و يدل عليه من الروايات ما رواه الشيخ بإسناده عن عبد المؤمن عن صابر (جابر) قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل يواجر بيته فيباع فيه (فيها) الخمر، قال: حرام اجره (1)، اما من حيث السند فالظاهر أنها معتبرة إذ المذكور في الوسائل و ان كان (صابر) و لم يوثق، و لكن المذكور في موضع من التهذيب‌

____________

(1) الوسائل باب 39 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

47

..........

____________

مع لفظة (صابر) كلمة (جابر) بعنوان النسخة و هو جابر الجعفي الذي أدرك الصادق (ع) لا جابر بن عبد اللّه الأنصاري فإنه لم يدركه (ع) و الأول هو جابر بن يزيد الجعفي الذي هو ثقة و من أصحاب الصادق (ع) و له عنه (ع) روايات.

و المذكور في موضع آخر من التهذيب و الاستبصار، و كذا الكافي هو (جابر) من دون ضم (صابر) حتى بعنوان النسخة. فمن ثمَّ يطمأن ان الراوي انما هو جابر، و ان كلمة (صابر) غلط من النساخ و لعلهم لم يقدروا على قراءة الكلمة فضبطوها بالكيفيتين.

و كيفما كان فلا شك ان الكافي أضبط سيما مع اعتضاده بالاستبصار و بموضع آخر من التهذيب و لا ندري لما إذا اقتصر في الوسائل على ضبط (صابر) و كان ينبغي عليه ضم (جابر) و لو بعنوان النسخة، و لعلها مذكورة في بعض نسخها الأخر. و على أي تقدير فالسند معتبر و أما الدلالة فقد رويت في الكافي و الاستبصار و موضع من التهذيب هكذا: (يؤجر بيته يباع فيه الخمر) الظاهر في وقوع الإجارة لهذه الغاية و بعنوان المنفعة المحرمة، و قد دلت على الحرمة الملازمة للبطلان فتكون حينئذ مطابقة لمقتضى القاعدة حسبما عرفت.

و لكنها رويت في موضع آخر من التهذيب كما في الوسائل بلفظة (فيباع. إلخ) مع الفاء الظاهر في أن بيع الخمر أمر اتفاقي، لا أن الإجارة وقعت عليه و لا إشكال في الصحة حينئذ كما نقطت به صحيحة ابن أذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه (ع) اسأله عن الرجل يواجر سفينته و دابته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير قال:

لا بأس (1) فيكون حال ذلك حال بيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا الذي‌

____________

(1) الوسائل باب 39 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

48

[السادس: ان تكون العين مما يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها]

السادس: ان تكون العين مما يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها (1) فلا تصلح اجارة ارض للزراعة إذا لم يمكن إيصال الماء إليها مع عدم إمكان الزراعة بماء السماء أو عدم كفايته.

السابع: ان يتمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة فلا تصح إجارة الحائض لكنس المسجد مثلا (2).

____________

لا إشكال في جوازه بمقتضى القاعدة المعتضدة بالنص و الفتوى.

لكن النسخة الأولى المطابقة للكافي أرجح لأنها أضبط، فتتم الدلالة كالسند. و من الواضح جدا عدم خصوصية للخمر و لا للبيع، فيستفاد منها بطلان الإجارة أيضا لمطلق المنافع المحرمة فلاحظ.

(1):- لعدم تعلق الملكية بمنفعة غير قابلة للتحقق خارجا حتى تقع موردا للتمليك المعتبر في مفهوم الإجارة. ففي الحقيقة يعد هذا من مقومات الإجارة لا من شرائطها.

(2):- أي في زمان حيضها. و في تعليقة شيخنا الأستاذ (قده) «ان هذا المثال قد خرج باشتراط مملوكية المنفعة و إباحتها».

و فيه ان الكنس بما هو لا حرمة فيه، و انما الحرام مقدمته و هو المكث المتوقف عليه الكنس، و من الضروري ان حرمة المقدمة لا تسري إلى ذيها، و ان وقع الكلام في عكسه و ان حرمة ذي المقدمة هل تستوجب تحريم المقدمة أولا، أو ان فيه تفصيلا حسبما هو مذكور في محله؟ فالكنس في نفسه منفعة محللة مملوكة، و من ثمَّ لو أجبرت الحائض عليه ضمن المكره اجرة المثل بلا إشكال، لأنه استوفى منها عملا محترما و ان حرمت مقدمته، فلو كان حراما في نفسه لم يكن ضامنا لعدم ضمان الأعمال المحرمة كما سبق.

49

..........

____________

و بالجملة فالشرط السابق أعني الإباحة أو المملوكية لا يكاد يغني عن هذا الشرط لعدم رجوعه اليه بوجه.

و قد يقال في وجه اعتبار هذا الشرط ان عدم التمكن من الانتفاع لمانع شرعي كالحيض يجعل المنفعة متعذرة التسليم، إذ الممنوع شرعا كالممتنع عقلا، و قد تقدم اعتبار القدرة على التسليم في صحة الإجارة التي لا فرق فيها بين القدرة التكوينية و التشريعية.

و يندفع بان هذا انما يتجه لو كانت القدرة على التسليم بعنوانها شرطا و ليس كذلك، بل المستند فيه اما الغرر كما عن غير واحد حسبما مر، أو ما ذكرناه من ان المنافع إذا كانت متعذرة التسليم و هي تتلف شيئا فشيئا فالعقلاء لا يعتبرون الملكية بالإضافة إليها كي يصح تمليكها بالإجارة. و شي‌ء من الوجهين غير جار في المقام.

أما الغرر فواضح لجواز فرض الحائض غير مبالية بأمر الدين، فأي غرر بعد عدم امتناعها من دخول المسجد.

و أما تلف المنافع شيئا فشيئا فهو مختص بالتعذر التكويني و لا يجري في التشريعي. فلو فرضناها غير مبالية بالدين فدخلت المسجد و كنست فلما ذا لا تكون هذه المنفعة مملوكة بعد أن كانت محللة و مقدورة التسليم تكوينا. و هذا المقدار كاف في صحة الإجارة. إذا فلا بد في الحكم بالبطلان من التماس دليل آخر.

و الصحيح في وجه هذا الاشتراط ما تقدم في نظيره في الشرط الخامس من عدم قبول هذه المعاملة للإمضاء بالأدلة العامة لأنها ان كانت ممضاة على النحو الذي أنشئت، أي بصفة الإطلاق المستلزم لتجويز دخول الحائض المسجد لزم منه الترخيص في المعصية وفاء بالعقد و هو كما ترى.

و ان كان الإمضاء مترتبا على الدخول فكانت الصحة معلقة على‌

50

[مسألة 1): لا تصح الإجارة إذا كان المؤجر أو المستأجر مكرها عليها]

(مسألة 1): لا تصح الإجارة إذا كان المؤجر أو المستأجر مكرها عليها (1)

____________

المعصية كما في موارد الترتب في التكليفيات فهذا و إن كان ممكنا في نفسه إذا ساعده الدليل في مورد كما في بيع الصرف و السلف حيث خص الشارع الصحة بصورة القبض خاصة و ان كانت المعاملة مطلقة. إلا أن الكلام في الإمضاء المستند إلى الإطلاقات و الأدلة العامة، مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و نحو ذلك مما وردت بعنوان الإمضاء لا التأسيس، فهي تدل على إمضاء المعاملة على النهج الذي وقعت عليه، و المفروض أنها أنشئت بصفة الإطلاق، فكيف تختص الصحة و الإمضاء بتقدير دون آخر. فالدليل قاصر في مرحلة الإثبات.

هذا إذا كانت الإجارة مطلقة، و اما إذا كان إنشاؤها معلقا على تقدير العصيان و دخول المسجد لزم منه التعليق المجمع على بطلانه في العقود.

و الحاصل ان صحة العقد تستلزم الوفاء به، إذ لا معنى للحكم بصحة الإجارة في المقام، و مع ذلك تمنع عن دخول المسجد إلى ان تتلف المنفعة شيئا فشيئا، فإن هذا مما لا محصل له. فانتفاء اللازم يكشف طبعا عن انتفاء الملزوم، و الحكم بالوفاء هنا مطلقا غير ممكن و مقيدا لا دليل عليه و معلقا مبطل حسبما عرفت.

(1):- لا لحديث رفع التسعة (1) التي منها ما استكرهوا عليه لضعف سنده، و ان وصفه شيخنا الأنصاري في الرسالة بالصحة نظرا‌

____________

(1) الوسائل باب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1، ج 11 ص 295.

51

إلا مع الإجازة اللاحقة (1) بل الأحوط عدم الاكتفاء بها بل تجديد العقد إذا رضيا،

____________

إلى ان أحمد بن محمد بن يحيى الذي هو شيخ الصدوق و يروي عنه لم يوثق. نعم في الخصال رواها عن محمد بن يحيى نفسه بلا وساطة ولده احمد و لكن فيه سقطا جزما لعدم إمكان رواية الصدوق عنه فان ابن يحيى هو شيخ الكليني و الفصل بينه و بين الصدوق كثير بمثابة لا يمكن روايته عنه بلا واسطة. فهو يروي عنه بواسطة ابنه احمد و قد عرفت انه لم يوثق.

بل لروايات اخرى معتبرة (1) دلت على رفع ما استكرهوا عليه و مقتضاها أن العقد الواقع عن كره لا اثر له و في حكم العدم. فلا جرم يحكم ببطلانه.

(1):- لا ريب في لزوم حصول بعض الشرائط حال العقد كمعلومية العوضين فلا يكفي ارتفاع الجهالة بعده، فهل الرضا أيضا كذلك، أو انه يكتفي بالإجازة اللاحقة؟؟

تبتني هذه المسألة على التكلم في كبرى كلية و هي ان صحة الفضولي هل هي على طبق القاعدة من غير حاجة إلى قيام دليل عليها بالخصوص أو أنها مخالفة لها يقتصر على مقدار قيام الدليل؟

فعلى الأول يحكم بالصحة في الإجارة أيضا، بخلافه على الثاني‌

____________

(1) الوسائل باب 16 من أبواب الايمان الحديث 3، 4، 5، 6، ج 16 ص 173 و وجه الاعتبار ان كتاب نوادر احمد بن محمد بن عيسى الذي هو مصدر هذه الأحاديث من الكتب المعتمدة كما نص عليه صاحب الوسائل في ج 20 ص 46.

52

نعم تصح مع الاضطرار (1) كما إذا طلب منه ظالم مالا فاضطر إلى

____________

لاختصاص الأدلة بالبيع، فتحتاج صحة الإجارة إلى عقد جديد هذا.

و قد ذكرنا في محله ان الأظهر هو الأول، نظرا إلى ان الرضا لا يقاس بسائر الشروط، إذ هو كما يتعلق بالأمر الحالي كذلك يتعلق بالاستقبالي و الأمر الماضي بنمط واحد، و لا يعتبر في صحة العقد ما عدا وجوده و كونه عن رضا المالك و أما لزوم حصول الرضا حال صدور العقد فلم يدل عليه أي دليل.

و عليه فمتى تحقق الرضا و صدرت الإجازة من المالك صح انتساب العقد السابق اليه فعلا، فيقال إن زيدا باع ماله أو وهبه و ان كان البيع أو الهبة واقعا في الزمن السابق، فاذا كان العقد السابق قابلا للانتساب اليه فعلا فلا جرم تشمله إطلاقات أدلة الصحة و النفوذ و وجوب الوفاء بالعقود، فإنها و ان لم تشمله قبل الرضا لعدم كون العقد عقده إلا أنه بعد لحوق الرضا الموجب لصحة الاسناد و الانتساب يندرج تحت الإطلاق بطبيعة الحال فيحكم بصحته من دون فرق بين موارده من البيع أو الإجارة و نحوهما لاتحاد المناط في الكل، فمن ثمَّ كانت صحة العقد الفضولي مطابقة لمقتضى القاعدة كما فصلنا البحث حوله بنطاق واسع في مبحث العقد الفضولي من كتاب البيع.

و كما يجرى هذا في العقد الصادر من الغير أعني الفضولي، فكذا يجري في العقد الصادر من نفس المالك إذا كان فاقدا للرضا لإكراه من الغير و توعيده، فما دام مكرها لا اثر له، و متى ارتفع الإكراه و انقلب إلى الرضا صح اسناد العقد السابق اليه فتشمله الإطلاقات.

(1): سواء أ كان اضطرارا محضا مستندا إلى قضاء اللّه تعالى،

53

اجارة دار سكناه لذلك فإنها تصح حينئذ كما انه إذا اضطر الى بيعها صح،

[ (مسألة 2): لا تصح اجارة المفلس بعد الحجر عليه داره أو عقاره]

(مسألة 2): لا تصح اجارة المفلس بعد الحجر عليه (1) داره أو عقاره نعم تصح إجارته نفسه لعمل أو خدمة،

____________

كما لو ألجأته الضرورة إلى إجارة الدار و صرف الأجرة في معالجة مريضه مثلا، أم كان الاضطرار مستندا إلى اكراه الغير و إجباره في دفع مقدار معين من المال لا يسعه تحصيله إلا بايجار الدار.

فان التمسك بحديث رفع الإكراه لا موقع له حينئذ، اما في الفرض الأول فواضح، و كذا الثاني، إذ لم يتعلق الإكراه بنفس العقد لكي يرتفع أثره و يحكم بفساده، بل بأمر آخر و هو مطالبة المبلغ الكذائي. و اما الإجارة فقد صدرت طوع رغبته و اختياره لكي يتوصل بتسليم الأجرة إلى دفع شر الظالم و توعيده.

و أما التمسك بحديث رفع الاضطرار فهو أيضا لا موقع له، فان عقد الإيجار و ان كان موردا للاضطرار إلا ان شمول الحديث له مخالف للامتنان للزوم الوقوع في الضيق لو حكم بفساد العقد و عدم ترتب اثر عليه، و انما يرتفع به الأثر الموافق رفعه للامتنان كما لو اضطر إلى الكذب أو شرب النجس و نحو ذلك فيحكم بجوازه حينئذ و ارتفاع حرمته.

(1): لا اشكال كما لا خلاف في ان المفلس محجور بالنسبة إلى أمواله الموجودة حال الحكم عليه بالحجر، فليس له التصرف فيها ببيع أو إجارة و نحوهما، بل المسألة إجماعية، و يستفاد ذلك من بعض الروايات أيضا. و اما الأموال التي يكتسبها بعد الحكم عليه بالتفليس ففي‌

54

..........

____________

محجوريته عنها لكونها أيضا موردا لحق الغرماء و عدمها خلاف و اشكال و لسنا الآن بصدد البحث عن ذلك.

و إنما الكلام في إجارته نفسه لعمل أو خدمة و انها هل هي محكومة بالصحة، أو أن إجارته بالنسبة إلى الأعمال تلحق بإجارة الأموال في المحجورية و التوقف على اجازة الغرماء حيث انها أيضا مال يبذل بإزائها مال كنفس الأموال الخارجية؟؟ فيه خلاف و اشكال.

و المعروف و المشهور هو الأول، و هو الصحيح نظرا إلى اختصاص تعلق الحجر بما يعد مالا له و هي أمواله الخارجية، و أما الأعمال فهي و ان كانت متصفة بالمالية و من ثمَّ يبذل بإزائها المال كما ذكر إلا أنها لا تعد مالا له و لا يعد هو مالكا لها بالفعل. و من هنا حكموا بأن من حبس حرا و لا سيما إذا لم يكن كسوبا لم يكن ضامنا لأعماله باعتبار انها ليست مملوكة له بالفعل ليكون قد أتلفها بحبسه.

و الظاهر اطباق الفقهاء على عدم صدق المستطيع على من لم يكن له مال بالفعل و ان كان متمكنا من تحصيله بإجارة نفسه، فلو كانت اعماله أموالا له بالفعل و هو مالك لها فكيف لا يكون مستطيعا، فان من الواضح انه لا يعتبر في صدق الاستطاعة ان يكون مالكا للدرهم و الدينار، بل تكفى ملكيته لمال يستطيع معه من الزاد و الراحلة، و الحر القادر على الإيجار قادر عليه، مع أن ذلك لا يجب عليه قطعا كما عرفت لكونه من تحصيل الاستطاعة غير الواجب عليه بالضرورة.

و عليه فتعلق الحجر بالأموال لا يستدعي تعلقه بالأعمال لعدم احتسابها مالا له و ليس هو مالكا لها في اعتبار العقلاء و ان كانت هي في نفسها مالا يبذل بإزائه المال.

و نظير ذلك بيع شي‌ء كمن من الحنطة في ذمته، فان هذا و ان كان‌

55

..........

____________

مالا عرفا، و من ثمَّ صح تمليكه إلى الغير و يدفع بإزائه المال بلا اشكال و لكن لا يعد ذلك مالا له، و لا يصدق عرفا انه مالك لما في ذمته، فإن الذي يعتبر في صحة البيع أن يكون المبيع مالا، و ان يكون امره بيده، و اما كونه مالكا له فغير معتبر في الصحة.

و على الجملة فإجارة الأعمال من قبيل بيع ما في الذمة فان كلا من العمل و ما في الذمة مال عرفا و مع ذلك لا يعدان مالا له، و لا يعتبر هو مالكا لهما قطعا و ان كانت له السلطنة المطلقة عليهما. إذا فدليل حجر المفلس لأمواله لا يعم اعماله بوجه.

نعم قد يقال باستفادة حجر الاعمال كالأموال و مشاركتهما في تعلق حق الغرماء من موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) ان عليا (ع) كان يحبس في الدين ثمَّ ينظر فان كان له مال اعطى الغرماء، و ان لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم إن شئتم و أجروه، و ان شئتم استعملوه (1).

و فيه أولا: انها معارضة بمعتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه ان عليا (ع) كان يحبس في الدين، فاذا تبين له حاجة و إفلاس خلّى سبيله حتى يستفيد مالا (2) و كأنه عملا بقوله تعالى (فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ).

و ثانيا: انها أجنبية عن التفليس الذي هو محل الكلام، إذ لم يذكر فيها الحكم بالحجر، بل قد فرض انه لا مال له فلتحمل- بعد وضوح وجوب انظار المعسر- على مدين يتمكن من الاكتساب بإجارة‌

____________

(1) الوسائل باب 7 من أبواب أحكام الحجر الحديث 3 ج 13 ص 148.

(2) الوسائل باب 7 من أبواب أحكام الحجر الحديث 1.

56

و اما السفيه فهل هو كذلك (1) أي تصح اجارة نفسه للاكتساب مع كونه محجورا عن اجارة داره مثلا أو لا وجهان من كونه من التصرف المالي و هو محجور و من انه ليس تصرفا في ماله الموجود بل هو تحصيل للمال و لا تعد منافعه من أمواله خصوصا إذا لم يكن كسوبا،

____________

نفسه و هو مناسب لشأنه و يطالبه الدائن فإنه يجب عليه وقتئذ اجارة نفسه تمهيدا لأداء دينه، و لو امتنع أجبره الحاكم، فالحكم مطابق للقاعدة و أين هذا من المفلس الذي حكم على أمواله بالحجر، و انه يمنع من التصرف في الأعمال كما هو ممنوع عن الأموال فإن الرواية أجنبية عن ذلك بالكلية.

إذا فما ذكره الماتن و غيره من الفقهاء من اختصاص حجر المفلس بالأموال و عدم السراية إلى الأعمال هو الصحيح. فلو آجر نفسه صحت إجارته و ان كان في استقلاله في التصرف في الأجرة، أو كونه منوطا بإجازة الغرماء بحث موكول إلى محله لخروجه عما نحن بصدده حسبما عرفت.

(1): لا خلاف كما لا إشكال في محجورية السفيه بالنسبة إلى تصرفاته المالية كما يقتضيه قوله تعالى (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ). و كذا جملة من الروايات.

و هل الحال كذلك بالنسبة إلى إعماله فليس له أن يؤجر نفسه بغير اذن الولي حتى مع دفع الأجرة إلى وليه، أو ان الإجارة صحيحة و لا يعم الحجر عمله و ان لزم دفع المال إلى وليه.

57

..........

____________

ذكر الماتن (قده) ان فيه وجهين و لم يرجح أحدهما على الآخر و الأظهر هو الأول، فهو محجور عن الأعمال كالأموال على خلاف ما عرفته في المفلس، نظرا إلى ان العمل و ان لم يصدق عليه انه مال له في شي‌ء من الموردين حسبما بيناه، إلا أن الفرق ان المنع من التصرف في المفلس لم ينشأ عن قصور في الفاعل و إنما استند إلى حكم الحاكم عليه بالتفليس رعاية لحق الغرماء الذي عرفت اختصاص تعلقه بالأموال و عدم السراية إلى الأعمال.

و أما السفيه فمحجوريته نشأت عن قصور في ذاته من أجل سفاهته و خفة عقله و ضعف إدراكه الموجب لتلف المال و تبذيره و صرفه في غير محله جهلا منه بالمصلحة و المفسدة، فربما يبيع ما يسوي خمسين بدرهم واحد، و هذه العلة كما ترى تشترك فيها الأموال و الأعمال، إذ كما يبيع ماله على النحو الذي ذكر كذلك ربما يؤجر نفسه بإزاء درهم لعمل اجرة مثله خمسون درهما، فلا فرق بين المال و العمل في العلة المقتضية للحجر، و كما ان حفظ مصالحه في أمواله يستدعي نصب الولي، فكذا في اعماله بمناط واحد.

و تدلنا عليه- مضافا إلى العلم بملاك جعل الولاية عليه في الأموال و جريانه في الأعمال حسبما عرفت- جملة من الروايات الظاهرة بمقتضى الإطلاق في عدم الفرق في المحجورية بين ماله و عمله.

منها معتبرة أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سأله أبي و انا حاضر عن اليتيم متى يجوز امره إلى ان قال: إذا بلغ و كتب عليه الشي‌ء (و نبت عليه الشعر) جاز عليه امره إلا ان يكون سفيها أو ضعيفا (1) و قد تقدم‌

____________

(1) الوسائل باب 2 من أبواب أحكام الحجر الحديث 5.