بحوث في شرح مناسك الحج - ج10

- الشيخ أمجد رياض المزيد...
851 /
1

بحوث

في شرح مناسك الحج

2

-

3

بحوث

في شرح مناسك الحج

تقرير أبحاث السيد محمد رضا السيستاني

بقلم: امجد رياض ونزار يوسف

الجزء العاشر

4

-

5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين

محمد وآله الطيبين الطاهرين

6

-

7

حج التمتع

(مسألة 147): يتألف هذا الحج من عبادتين تسمى أولاهما بالعمرة والثانية بالحج، وقد يطلق حج التمتع على الجزء الثاني منهما، ويجب الإتيان بالعمرة فيه قبل الحج (1).

________________________

(1) ذكر (قدس سره) هنا أموراً ..

الأمر الأول: أن حج التمتع الذي مرَّ أنه فرض غير الحاضر في أداء حجة الإسلام يتألف من عبادتين: عمرة وحج، وهو ــ مضافاً إلى كونه من المسلّمات الفقهية ــ مدلول روايات كثيرة من أوضحها ..

صحيحة زرارة (1) قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الذي يلي المفرد للحج في الفضل. فقال: ((المتعة)). فقلت: وما المتعة؟ فقال: ((يُهلُّ بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت وصلى ركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة قصَّر وأحلَّ، فإذا كان يوم التروية أهلَّ بالحج ونسك المناسك وعليه الهدي)).

وصحيحة معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاثة أطواف بالبيت وسعيان بين الصفا والمروة. وعليه إذا قدم مكة طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) وسعي بن الصفا والمروة ثم يقصّر وقد أحلَّ، هذا للعمرة. وعليه للحج طوافان وسعي بين الصفا والمروة ويصلي عند كل طواف بالبيت ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) )).

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:5 ص:36.

(2) الكافي ج:4 ص:295.

8

وصحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((إن عثمان خرج حاجاً، فلما صار إلى الأبواء أمر منادياً ينادي بالناس اجعلوها حجة ولا تمتعوا .. فلما انتهى المنادي إلى علي (عليه السلام) .. مضى إلى عثمان فقال: ما هذا الذي أمرت به؟! .. ثم أدبر مولياً رافعاً صوته لبيك بحجة وعمرة معاً لبيك)).

ورواية معاوية بن عمار (2) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : إنهم يقولون في حجة المتمتع: حجة مكية وعمرته عراقية. فقال: ((كذبوا، أوَليس هو مرتبطاً بحجته لا يخرج منها حتى يقضي حجته)).

وصحيحة زرارة بن أعين (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ((الحاج على ثلاثة وجوه: رجل أفرد الحج بسياق الهدي، ورجل أفرد الحج ولم يسق، ورجل تمتع بالعمرة إلى الحج)) .. إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالة على اشتمال حج التمتع ــ الذي هو قسيم حجي الإفراد والقِران ــ على العمرة والحج معاً.

الأمر الثاني: أن لحج التمتع إطلاقين: أحدهما هو الشائع ويراد به مجموع العبادتين: العمرة والحج، وثانيهما وهو أقل استعمالاً ويراد به خصوص الجزء الثاني منهما.

ولكن الملاحظ أن المتداول في النصوص (4) ذكر (التمتع) و(المتعة) وإرادة مجموع العبادتين، وهما تختصران (5) جملة: (التمتع بالعمرة إلى الحج) و(المتعة بالعمرة إلى الحج).

وقد تُذكر (المتعة) ويراد بها عمرة المتعة وحدها (6) ، كما ورد ذكر (عمرة التمتع) بهذا العنوان في بعض الروايات (7) .

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:5 ص:85.

(2) الكافي ج:4 ص:294.

(3) الخصال ص:147.

(4) لاحظ الكافي ج:4 ص:291، 293، 296، وتهذيب الأحكام ج:5 ص:36، 90، 224.

(5) لاحظ الكافي ج:4 ص:293، 332، 333.

(6) لاحظ الكافي ج:4 ص:295، 442، 443، وتهذيب الأحكام ج:5 ص:160، 434.

(7) لاحظ الكافي ج:4 ص:442، وتهذيب الحكام ج:5 ص:164، 438.

9

وأما (حج التمتع) بهذا العنوان المذكور في المتن فلم أجده في شيء من النصوص. إلا ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة: (إنهم يقولون في حجة المتمتع ..)، وفي معتبرة عبد الله بن زرارة (1) : ((فهذا الذي أمرناك به حج المتمتع)).

نعم (حج التمتع) متداول في كلمات الفقهاء (رضوان الله عليهم) بالمعنيين المذكورين في المتن، ولعل ما ذكره (قدس سره) من أنه قد يطلق ويراد به الجزء الثاني من هذه العبادة في مقابل إطلاقه على الجزئين معاً ناظر إلى موارد ذكره في كلمات الفقهاء لا النصوص، والأمر سهل.

الأمر الثالث: أنه يجب الإتيان بعمرة التمتع قبل حجّه، في مقابل حجي الإفراد والقِران حيث يجب أو يجوز تأخير العمرة المفردة الواجبة إلى ما بعد الحج.

وهذا الحكم من الواضحات الفقهية، وتدل عليه الكثير من النصوص منها صحيحة زرارة ومعاوية بن عمار المتقدمتان آنفاً. بل عنوان (التمتع بالعمرة إلى الحج) المذكور في الآية الكريمة والعديد من الروايات يشير إلى كون العمرة تؤدى قبل الحج كما هو ظاهر.

____________

(1) اختيار معرفة الرجال ج:1 ص:352.

10

(مسألة 148): تجب في عمرة التمتع خمسة أمور ..

الأمر الأول: الإحرام من أحد المواقيت، وستعرف تفصيلها.

الأمر الثاني: الطواف حول البيت.

الأمر الثالث: صلاة الطواف.

الأمر الرابع: السعي بين الصفا والمروة.

الأمر الخامس: التقصير، وهو أخذ شيء من الشعر أو الأظفار.

فإذا أتى المكلف بهذه الأعمال الخمسة خرج من إحرامه، وحلَّت له الأمور التي كانت قد حرمت عليه بسبب الإحرام (1).

________________________

(1) إن وجوب الأمور الخمسة المذكورة في عمرة التمتع مما لا إشكال فيه، وسيأتي الدليل على وجوب كل واحد منها في محله.

ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن ما ذكره (قدس سره) من تحقق التقصير بأخذ شيء من الأظفار محل كلام، وسيجيء البحث عنه في موضعه.

كما أن ما أفاده (قدس سره) من أن المعتمر عمرة التمتع يخرج من إحرامه بالإتيان بالأعمال الخمسة ويحلُّ له جميع ما حرّم عليه بالإحرام مبني على عدم وجوب طواف النساء في عمرة التمتع، وهذا أيضاً محل بحث كما سيأتي في شرح المسألة (357).

ثم إن قوله (قدس سره) : (فإذا أتى المكلف بهذه الأعمال الخمسة خرج من إحرامه) لا يخلو من مسامحة، إذ كان ينبغي أن يقول: (فإذا أتى المكلف بالأعمال

11

الأربعة الأخيرة خرج من إحرامه) لأن الأمر الأول من الأعمال الخمسة هو الإحرام من أحد المواقيت فلا معنى لتعليق الخروج من الإحرام على الإتيان به.

12

(مسألة 149): يجب على المكلف أن يتهيأ لأداء وظائف الحج فيما إذا قرب منه اليوم التاسع من ذي الحجة الحرام(1).

وواجبات الحج ثلاثة عشر (2) وهي كما يلي ..

1 ــ الإحرام من مكة، على تفصيل يأتي.

2 ــ الوقوف في عرفات بعد مضي ساعة من ظهر اليوم التاسع، أو من نفس الظهر من ذي الحجة الحرام إلى المغرب(3).

________________________

(1) هذا الوجوب عقلي، بمناط لزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجز، أي أنه إذا كان أداء شيء من واجبات حج التمتع يتوقف على التهيئة والإعداد له قبل حلول وقته يلزم المكلف ذلك، فلو لم يفعل وفاته الواجب كان آثماً، وربما يؤدي إلى بطلان عمله على ما سيأتي.

(2) وجوب الأمور المذكورة على الحاج المتمتع مما لا إشكال فيه، وسيأتي الدليل على وجوب كل واحد منها في محله.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن بعض المذكورات ــ وهو طواف النساء وما بعده إلى الأخير ــ ليس من أجزاء الحج عند السيد الأستاذ (قدس سره) ، بل مما يجب على الحاج مستقلاً، وقد مرَّ الإيعاز إلى هذا من قبل، وسيأتي مرة أخرى. وأيضاً إن في حدود ما يجب في بعض المذكورات كلاماً، نتعرض له في محله.

(3) مختاره (قدس سره) ــ كما سيأتي في المسألة (368) ــ جواز التأخير في الوقوف بعرفات إلى ما بعد الظهر بساعة تقريباً، ولذلك لا يظهر وجه لقوله (قدس سره) : (أو من نفس الظهر).

ولو كان غـرضه الإشـارة إلى الخـلاف في أول وقـت الوقوف الـلازم لكان

13

وتقع عرفات على بعد أربعة فراسخ من مكة (1).

________________________

ينبغي أن يذكر نظير هذا الاختلاف في الوقوف في المزدلفة، ولم يفعل (قدس سره) .

مضافاً إلى أن العبارة المذكورة لا تخلو من خلل، وكان الأولى أن يقدم قوله: (من ذي الحجة الحرام) على قوله: (أو من نفس الظهر) لتصير العبارة هكذا: (الوقوف في عرفات بعد مضي ساعة من ظهر اليوم التاسع من ذي الحجة الحرام أو من نفس الظهر إلى المغرب).

وكيفما كان فسيأتي الكلام في ما يجب من الوقوف في عرفات في شرح المسألة المشار إليها.

(1) كان هذا فيما مضى، ولذلك كان الواجب على أهل مكة ومن بمنزلتهم ــ كالمقيم عشرة أيام ــ أن يقصروا الصلاة في عرفات لتحقق المسافة الملفقة من أربعة فراسخ ذهاباً وأربعة إياباً عند ذهابهم إليها ورجوعهم منها، وقد نصّت على ذلك جملة من الروايات، منها: صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : إن أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات. فقال: ((ويلهم ــ أو ويحهم ــ وأيُّ سفر أشد منه؟)). وصحيحة الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((إن أهل مكة إذا خرجوا حجاجاً قصّروا، وإذا زاروا ورجعوا إلى منازلهم أتموا)). وصحيحة معاوية بن عمار (3) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) في كم أقصر الصلاة؟ فقال: ((في بريد، ألا ترى أن أهل مكة إذا خرجوا إلى عرفة كان عليهم التقصير)). ومعتبرة زرارة (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ((من قدم قبل (5) التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة، وهو بمنزلة أهل مكة، فإذا خرج إلى منى

____________

(1) الكافي ج:4 ص:519.

(2) الكافي ج:4 ص:518.

(3) تهذيب الأحكام ج:3 ص:208.

(4) تهذيب الأحكام ج:5 ص:488.

(5) في المصدر (بعد التروية)، والصحيح ما أثبتناه كما في الوسائل (ج:8 ص:464) والوافي (ج:7 ص:154).

14

وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة، وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر)). وموضع الاستدلال منها هو قوله (عليه السلام) : ((فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير)) أي أن المقيم عشراً في مكة إذا خرج إلى منى متوجهاً إلى عرفات يلزمه أن يقصّر في صلاته، وذلك لأنه يكون قاصداً للمسافة الشرعية ملفقة من الذهاب والإياب.

وأما قوله (عليه السلام) : ((فإذا زار البيت أتم الصلاة)) فهو لا يتم على الرأي المشهور بين الفقهاء (رضوان الله عليهم) من أن المقيم عشرة أيام إذا خرج إلى حدّ المسافة الشرعية ورجع إلى محل إقامته يلزمه القصر ما لم ينوِ إقامة عشرة أخرى حتى لو كان رجوعه من حيث إنه محل إقامته.

نعم يتم رأي قليل منهم بنوا على جريان أحكام الوطن على محل الإقامة حتى من حيث لزوم الإتمام فيه عند العود إليه ما لم يعرض عن الإقامة فيه عند الخروج منه.

ومنه يظهر الحال في قوله (عليه السلام) : ((وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر))، فإنه إنما يتم على الرأي غير المشهور، إذ إن من عاد إلى محل إقامته بعد طي المسافة الشرعية إذا كان حكمه التمام ــ كما يرى أصحاب هذا الرأي ــ فلا محالة يلزمه البقاء عليه في الخروج مرة أخرى إلى ما دون المسافة الشرعية، كالمقيم بمكة إذا زار البيت في يوم النحر ثم خرج إلى منى للمبيت فيها، لأن ذهابه إليها وعوده إلى مكة لاحقاً لا يبلغ مقدار المسافة الشرعية، فيكون حكمه التمام ذهاباً وإياباً.

وأما على رأ ي المشهور فحكمه القصر في جميع ذلك.

وكيفما كان فلا إشكال في أن المسافة بين مكة وعرفات في زمن الأئمة (عليهم السلام) كانت أربعة فراسخ، ولذلك كان واجب المكي ومن بحكمه أن يقصَّر صلاته في عرفات.

وأما في زماننا فمن المعلوم أنه قد تقلصت المسافة بينهما للتوسع الكبير الذي حظيت به المدينة المقدسة حتى اتصلت بمنى، بعد أن كان الفاصل بينهما

15

بمقدار فرسخ كما سيأتي.

وعلى ذلك فإذا كانت المسافة التي يطويها المكي ومن بحكمه للوصول إلى عرفات ثم عوداً منها إلى مكة تقل عن ثمانية فراسخ فحكمه في عرفات هو التمام دون القصر.

وأما إذا فرض أنه يطوي طريقاً تبلغ مسافة ثمانية فراسخ ذهاباً وإياباً فحكمه القصر، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً. ولا مجال للقول بأن إتمام المكي ومن بحكمه في عرفات خلاف النصوص، فإن الحكم في بعض النصوص معلّل كما مرَّ في صحيحة معاوية بن عمار (1) ((ألا ترى أن أهل مكة إذا خرجوا إلى عرفة كان عليهم التقصير))، إذ إنها ظاهرة الدلالة في أن لزوم القصر على أهل مكة في عرفات إنما هو من حيث كون المسافة بين مكة وعرفات بمقدار بريد أي أربعة فراسخ، فتتم لهم المسافة الملفقة مع احتساب العود.

ومن الواضح أن الحكم يتبع موضوعه فإذا تغير الموضوع يتغير الحكم لا محالة، ولا يمكن الالتزام بوجوب القصر على المكي ومن بحكمه في عرفات حتى بعد توسع مكة المكرمة وصيرورة المسافة بينها وبين عرفات من الطريق الذي يسلكه المكلف أقل من مسافة التقصير.

وأما ما بنى عليه السيد الأستاذ (قدس سره) وبعض آخر من أن أحكام مكة تختص بمكة القديمة فهو إن صح ــ وقد مرَّ أنه غير صحيح ــ مما لا مساس له بالمقام، أي لا مجال لاحتساب مبدأ المسافة من مكة القديمة، لأن السرّ في احتساب مبدأها من نهاية البلد هو عدم صدق السفر عرفاً إلا بالخروج منه، ولا يوجد دليل خاص على امتياز مكة عن سائر البلدان باحتساب مبدأ المسافة فيها من مكة القديمة.

وبذلك يفترق عن التخيير فيها بين القصر والتمام للمسافر، فإن عنوان (مكة) مذكور في نصوص التخيير ولقائل أن يدعي أن المراد بمكة فيها خصوص مكة القديمة، وأما احتساب مسافة التقصير من نهاية مكة المكرمة فلم يرد فيه نص

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:3 ص:208.

16

3 ــ الوقوف في المزدلفة يوم العيد الأضحى من الفجر إلى طلوع الشمس(1)، وتقع المزدلفة بين عرفات ومكة.

4 ــ رمي جمرة العقبة في منى يوم العيد، ومنى على بعد فرسخ واحد من مكة تقريباً (2).

5 ــ النحر أو الذبح في منى يوم العيد (3).

6 ــ الحلق أو أخذ شيء من الشعر أو الظفر (4) في منى، وبذلك يحلُّ له ما حرِّم عليه من جهة الإحرام ما عدا النساء والطيب بل الصيد على الأحوط.

7 ــ طواف الزيارة بعد الرجوع إلى مكة.

8 ــ صلاة الطواف.

________________________

خاص لكي يقال إن المراد بمكة فيه خصوص مكة القديمة، فلا بد من الجري فيه على وفق القاعدة كما ذكرناه.

(1) هذا مختاره (قدس سره) في مقدار الوقوف الواجب في المزدلفة، وهناك أقوال أخرى ستأتي في محلها.

(2) مرت الإشارة آنفاً أن هذا كان فيما مضى، وأما في زماننا هذا فالمدينة المقدسة ملتصقة بمنى، وربما ستتوسع لاحقاً ويقع جزء منها في وادي منى.

(3) لزوم كون الذبح أو النحر في يوم العيد مبني عنده (قدس سره) على الاحتياط، وليس فتوى، وسيأتي الكلام فيه في شرح المسألة (382).

(4) مر آنفاً الإشارة إلى الإشكال في كون أخذ شيء من الظفر تقصيراً موجباً للخروج من الإحرام.

17

9 ــ السعي بين الصفا والمروة، وبذلك يحلُّ الطيب أيضاً.

10 ــ طواف النساء.

11 ــ صلاة طواف النساء، وبذلك تحلُّ النساء أيضاً.

12 ــ المبيت في منى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر، بل وليلة الثالث عشر في بعض الصور كما سيأتي.

13 ــ رمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر والثاني عشر، بل في اليوم الثالث عشر أيضاً، فيما إذا بات المكلف هناك على الأحوط.

18

(مسألة 150): يشترط في حج التمتع أمور ..

1 ــ النية، بأن يقصد الإتيان بحج التمتع بعنوانه، فلو نوى غيره أو تردد في نيته لم يصح حجه (1).

________________________

(1) الكلام في اعتبار النية هنا متمحض في اعتبار قصد العنوان، وأما اعتبار قصد القربة والإخلاص فسيأتي الكلام حوله في الأول من واجبات الإحرام.

ثم إنه قد استُدل على اعتبار قصد حج التمتع بعنوانه في وقوع الحج تمتعاً بوجهين ..

الوجه الأول: أن الأنواع الثلاثة للحج ماهيات قصدية، أي تتقوّم بقصد عناوينها كصلاتي الظهر والعصر والصوم قضاء وكفارةً، فلا يكفي في تحقق حج التمتع مثلاً الإحرام بقصد الحج بعنوانه العام والإتيان بأفعال حج التمتع، بل لا بد من قصد هذه الماهية بخصوصها، فلو لم تُقصد لم تتحقق.

ولعل إلى هذا الوجه يرجع ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) في المقام حيث قال (1) : (إن هذه العبادة ــ أي الحج ــ لما كانت على أنواع مختلفة وماهيات متفاوتة لم يكن بدٌّ في تشخيصها لدى الشروع فيها بالقصد بمقتضى القاعدة، وإلا لم تقع عن شيء منها بعد فقد المرجح).

فإنه لو لم تكن أنواع الحج من الماهيات القصدية لكان المرجح لوقوع الإحرام لأيٍّ منها هو ما يلحقه من الأجزاء والمناسك، فإذا أحرم للحج بعنوانه العام وألحقه بأفعال حج التمتع وقع تمتعاً، وإن ألحقه بأفعال حج الإفراد وقع إفراداً، ولا يبرز محذور من ذلك. بخلاف ما إذا عُدَّ كل من الأنواع الثلاثة متقوّماً بقصد عنوانه، فإنه لا يقع الإحرام لأيٍّ منها من دون قصده كذلك ولو إجمالاً، كأن يقصد الحج الذي هو فرضه في أداء حجة الإسلام.

____________

(1) مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:2 ص:233.

19

وكيفما كان فإن دعوى كون الأنواع الثلاثة للحج من الماهيات القصدية بحاجة إلى الإثبات، وقد التزم الفقهاء (رضوان الله عليهم) بكون صلاتي الظهر والعصر من الماهيات القصدية، بالنظر إلى ما ورد (1) في النص من أنه: ((إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، إلا أن هذه قبل هذه))، فإنه بعد اتحاد الصلاتين في جميع الأقوال والأفعال الخارجية لو لم تختلفا في اعتبار فعل جوانحي في كل منهما ــ وهو قصد العنوان ــ لما كان هناك محل لاعتبار الترتيب بينهما، لوضوح أن كل من يصلي ثماني ركعات تكون الأربعة الأولى قبل الأربعة الثانية، فلو لم يكن تغاير من جهة اعتبار قصد العنوان لكان حال المكلف عند زوال الشمس حال من نذر صيام يومين، فكما لا معنى لاعتبار الترتيب بين الصومين كذلك بين الصلاتين، فما دلَّ على اعتبار الترتيب بينهما كاشف عن اعتبار قصد العنوان فيهما، بعد اتحادهما في جميع الأقوال والأفعال الخارجية.

وكذلك الوجه في اعتبار قصد القضاء والكفارة في الصيام ــ مثلاً ــ هو تقوّم القضاء بقصد الهوهوية مع الفائت، والكفارة بقصد التغطية على الذنب وما بحكمه، وهما أمران قصديان.

وبالجملة: كون الماهية المأمور بها من العناوين القصدية مما يحتاج إلى الدليل، وليس مجرد كونها على أنواع متعددة مما يقتضي ذلك، كما يلوح من كلام السيد الأستاذ (قدس سره) .

هذا وتجدر الإشارة إلى أن قصد العنوان قد يُعتبر في مقام الامتثال لا من حيث اعتباره في متعلق التكليف بل لغرض التمييز والتعيين، كما في كل مورد اشتغلت فيه الذمة بعدد من الأمور المشتركة في الذات والحقيقة وإن اختلفت في الأحكام والآثار.

مثلاً: إذا عاهد الله تعالى أن يصوم يوماً من شهر رجب ونذر أيضاً أن يصوم يوماً من هذا الشهر فلا اختلاف بين الصومين من حيث ذاتهما، وإنما

____________

(1) الكافي ج:3 ص:276.

20

الاختلاف من جهة أخرى، وهي أن أحدهما قد وجب وفاءً بالعهد والآخر قد وجب وفاءً بالنذر، وكفارة حنث العهد تختلف عن كفارة حنث النذر. ففي مثل ذلك يلزم قصد النوع لترتيب الآثار، فلو صام يوماً من غير قصد أيٍّ منهما بالخصوص فإن أضاف إليه صوم يوم آخر كذلك عُدَّ موفياً بالعهد والنذر جميعاً ولا شيء عليه، وإن لم يصم اليوم الآخر لم يُحسب صومه ذاك وفاءً لأيٍّ منهما، لعدم المرجح فتثبت عليه الكفارتان.

ومثل هذا جارٍ في المقام، فإن عمرة التمتع والعمرة المفردة متماثلتان في الأفعال، ففي أشهر الحج كما يمكن أداء عمرة التمتع كذلك يمكن أداء العمرة المفردة ــ كما مرَّ في محله ــ والاختلاف بين العمرتين إنما هو في بعض الأحكام، فإن المعتمر عمرة مفردة لا تحلُّ له النساء حتى يأتي بطواف النساء وصلاته بخلاف المعتمر عمرة التمتع، بناءً على عدم وجوبهما عليه كما سيأتي.

وعلى العكس من ذلك فإن المعتمر عمرة مفردة يجوز له أن يخرج من مكة بعد الانتهاء من أعمال عمرته، في حين أن المعتمر عمرة التمتع محبوس بها حتى يأتي بالحج كما سيأتي.

وعلى ذلك فإذا أحرم المكلف في أشهر الحج ناوياً أداء العمرة يلزمه لترتيب الأثر الخاص بكل من النوعين من قصد عنوانه عند الإحرام، وهذا أمر آخر أجنبي عما هو محل البحث من اعتبار قصد العنوان من حيث عدم تحقق المأمور به من دونه.

وبذلك يظهر الخدش في ما أفاده بعض الأعلام (طاب ثراه) (1) في توجيه اعتبار قصد العنوان في المقام حيث قال: (إنه لما كنت العمرة المفردة تصح كعمرة التمتع في أشهر الحج، وكلتا العمرتين متحدتان في صورتهما، ففي تعيّن إحداهما عند الإحرام يحتاج إلى التعيين لأيّهما الإحرام، وبما أنه لا تكون العمرة تمتعاً إلا بالإتيان بالحج بعده فاللازم في وقوعها عمرة التمتع أن يقصد الإحرام للحج بعد الفراغ منها، بخلاف وقوعها مفردة. وعلى ذلك فلا مناص من

____________

(1) التهذيب في مناسك العمرة والحج ج:2 ص:31ــ32 (بتصرف يسير).

21

الالتزام بكون العمرتين ــ ولو في إحرامهما ــ عنوانين قصديين، فعلى المكلف التعيين في النية عند إحرامهما).

وجه الخدش فيه: أن اتحاد عمرة التمتع والعمرة المفردة في الصورة وجواز الإتيان بالعمرة المفردة في أشهر الحج لا يقتضي في حدِّ ذاته لزوم قصد إحداهما بالخصوص عند الإحرام. نعم لا يمكن ترتيب الآثار الخاصة بأيٍّ منهما إلا مع التعيين، ولو لم يعيّن بل قصد العمرة بعنوانها العام فمقتضى القاعدة وقوعها صحيحة، ولكن من دون أن تتعيّن تمتعاً أو مفردة إلا مع الإتيان بعدها بالحج أو عدم الإتيان به، فإذا أتى بالحج مع رعاية الشروط المذكورة في محلها كانت متعة وإلا كانت مفردة، كالمسافر في أماكن التخيير إذا دخل في صلاة الظهر مثلاً من دون قصد التمام أو القصر فإنه إذا ألحق بالركعتين الأوليين ركعتين أخريين كانت تماماً وإلا كانت قصراً، ولا دليل على اعتبار تعيين أحدهما ــ القصر أو التمام ــ من حين الشروع في الصلاة.

والمتحصل مما تقدم: أن مقتضى القاعدة عدم لزوم تعيين النوع وقصد العنوان في مورد الحج، بل يكفي الإحرام بقصد زيارة البيت بعنوانها العام، وبالإمكان بعد ذلك الإتيان بأعمال عمرة التمتع أو المفردة أو حج الإفراد. نعم إذا قصد العمرة فليس له العدول إلى الحج وهكذا العكس، لأن مقتضى الارتكاز المتشرعي كون كل من العبادتين متقوّماً بعدم قصد الأخرى، بل لا يبعد أن تكون عمرة التمتع متقوّمة بعدم قصد العمرة المفردة ولا عكس، وهذا أمر آخر.

الوجه الثاني: عدد من النصوص ..

منها: صحيحة حماد بن عثمان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج فكيف أقول؟ قال: ((تقول: اللهم إني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإن شئت أضمرت الذي تريد)).

____________

(1) الكافي ج:4 ص:332.

22

ومنها: صحيحة ابن أبي نصر (1) عن الرضا (عليه السلام) في حديث قلت له: جعلت فداك، أرأيت إن أراد المتعة كيف يصنع؟ قال: ((ينوي العمرة ويُحرم بالحج)).

ومنها: صحيحة أبان بن تغلب (2) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : بأي شيء أهلّ؟ فقال: ((لا تسمِّ لا حجاً ولا عمرة، وأضمر في نفسك المتعة، فإن أدركت متمتعاً وإلا كنت حاجاً)).

ومنها: معتبرة إسحاق بن عمار (3) قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : إن أصحابنا يختلفون في وجهين من الحج، يقول بعض: أحرم بالحج مفرداً، فإذا طفت بالبيت وسعيت بين الصفا والمروة فأحلَّ واجعلها عمرة، وبعضهم يقول: أحرم وانوِ المتعة بالعمرة إلى الحج، أيُّ هذين أحب إليك؟ قال: ((انوِ المتعة)).

ووجه الاستدلال بهذه النصوص اشتمالها على الأمر بقصد نية المتعة عند الإحرام، مما يقتضي لزوم قصد العنوان في أداء حج التمتع، وهذا هو المطلوب.

ولكن ذكر بعض الأعلام (قدس سره) (4) بشأن معتبرة إسحاق بن عمار أنها: (لا تدل على اعتبار نية التمتع بعنوانه حتى يكون من العناوين القصدية، إذ المراد منه المعنى اللغوي من المتعة وهو اللذة، لما يلتذّ بما كان محرماً عليه بالإهلال بعد الإحلال المتخلل بين العمرة والحج، وهذا هو المراد بقوله في معتبرة حماد بن عثمان: ((اللهم إني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج..))، أي ألتذّ بعد العمرة بأن يحلّ لي كل شيء كان محرماً عليَّ بالإهلال).

ولكن ما أفاده (طاب ثراه) بعيد جداً كما لا يخفى، ولا سيما في معتبرة إسحاق وما ماثلها من صحيحتي أبان بن تغلب وابن أبي نصر.

والأولى أن يقال: إن النصوص المذكورة أجنبية عن محل الكلام، فإن موردها من يريد أداء حج التمتع ويسأل عما ينبغي له أن يتلفظ به عند الإحرام.

____________

(1) قرب الإسناد ص:382. ونحوها في تهذيب الأحكام ج:5 ص:80.

(2) تهذيب الأحكام ج:5 ص:86ــ87.

(3) الكافي ج:4 ص:333.

(4) كتاب الحج (تقريرات المحقق الداماد) ج:2 ص:107 (بتصرف).

23

وهذا واضح في صحيحتي حماد بن عثمان وابن أبي نصر، والظاهر أنه مورد صحيح أبان بن تغلب أيضاً، بل معتبرة إسحاق بن عمار محمولة على ذلك أيضاً كما سيأتي. وأين ما ذُكر مما هو محل البحث من أنه هل يجوز الإحرام لزيارة البيت بعنوانها العام من دون تعيين كونه للعمرة المفردة أو التمتع أو لحج الإفراد ثم يأتي بأفعال أيّ واحدة منها؟

وبعبارة أخرى: مفاد النصوص المذكورة هو أن من يريد أداء حج التمتع ينبغي له أن لا يذكر المتعة عند التلفظ بما يُحرم له، بل ينوي المتعة ولا يسمي حجاً ولا عمرة، أو يسمي الحج وحده (1) ــ حسب اختلاف النصوص ــ ولا تعرض فيها لحكم من أراد الإحرام ولم يقرر بعدُ ما يأتي به من النسك، هل يحج متعة أو إفراداً أو يعتمر عمرة مفردة.

نعم ورد في صحيحة معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((صلِّ المكتوبة ثم أحرم بالحج أو بالمتعة واخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء ..)).

ويمكن أن يقال: إنها ظاهرة في عدم كفاية نية زيارة البيت، بل لا بد من نية الحج، أي حج الإفراد أو المتعة أي حج التمتع بعنوانهما.

ولكن لا يبعد أن يكون مورد صحيحة معاوية هذه كصحيحته الأخرى (3) هو من يريد أداء حج التمتع، ويكون المقصود بالأمر بأن يحرم بالحج أو بالمتعة هو ما ورد في النصوص المتقدمة من التلفظ بالحج أو بالمتعة عند الإحرام.

ومع الغض عما ذكر فإنه يمكن أن يقال: إنه يحتمل أن يكون كلام الإمام (عليه السلام)

____________

(1) والظاهر أن الوجه في أمر الإمام (عليه السلام) بالتلفظ بالحج دون المتعة هو أن يشبه ما يأتي به الشيعة من المتعة في الصورة ما وقع لصحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حج الوداع، حيث إنهم أحرموا للحج ثم عدلوا إلى عمرة التمتع. ولعل اعتناؤه (عليه السلام) برعاية هذا الأمر كان من جهة دفع الشبهة عن الشيعة بأنهم يؤدون المتعة بغير ما أمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فتدبر.

(2) الكافي ج:4 ص:334.

(3) الكافي ج:4 ص:332.

24

مسبوقاً بالسؤال بمثل قوله: (إني أريد أن أحج أو أتمتع فكيف أصنع؟) فلا يستفاد عندئذٍ من جوابه (عليه السلام) لزوم تعيين نوع النسك عند الإحرام.

والمتحصل مما تقدم: أنه لم يقم دليل واضح من الروايات على اعتبار قصد حج التمتع عند عقد الإحرام لوقوع الحج تمتعاً. نعم لو بني على كون الإحرام أمراً اعتبارياً مترتباً على التلبية وشك في اعتبار تعيين النوع في صحته ولم يتوفر إطلاق لفظي يفي بنفي اعتباره فلا بد من رعاية الاحتياط، لأنه من قبيل الشك في المحصِّل.

ومهما يكن فلو قصد حج الإفراد أو العمرة المفردة فمقتضى القاعدة ــ كما مرّ ــ أن لا يصح العدول منهما إلى عمرة التمتع.

إلا أن النصوص دلَّت على جواز ذلك في موردين ..

المورد الأول: ما إذا أتى بالعمرة المفردة في أشهر الحج وبقي إلى أوان الحج في مكة المكرمة، فإنه يجوز له أن يعدل بها إلى المتعة ويأتي بحج التمتع، وقد مرَّ (1) البحث عن هذا المورد مفصلاً.

المورد الثاني ــ ولم يتعرض له السيد صاحب العروة (قدس سره) والمعلقون في المقام (2) ــ: ما إذا أحرم لحج الإفراد، فإنه يجوز له العدول إلى عمرة التمتع ما لم يلبِّ بعد السعي وقبل التقصير، كما هو مقتضى الجمع بين روايات المسألة كصحيحة معاوية بن عمار (3) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لبى بالحج مفرداً، فقدم مكة وطاف بالبيت وصلى ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) وسعى بين الصفا والمروة، قال: ((فليحلَّ وليجعلها متعة، إلا أن يكون ساق الهدي)). ومعتبرة أبي بصير (4) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : الرجل يفرد الحج، ثم يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يبدو له أن يجعلها عمرة. قال: ((إن كان لبّى بعد ما سعى قبل أن يقصّر فلا متعة له)).

____________

(1) لاحظ ج:9 ص:448 وما بعدها.

(2) لاحظ العروة الوثقى ج:4 ص:610.

(3) الكافي ج:4 ص:298ــ299.

(4) تهذيب الأحكام ج:5 ص:90.

25

بل يظهر من بعض النصوص أنه يجوز للمكلف أن يُحرم لحج الإفراد ثم يعدل إلى عمرة التمتع عازماً على ذلك من الأول، ومن هذه النصوص معتبرة إسحاق بن عمار (1) المتقدمة آنفاً.

وأوضح منها معتبرة عبد الله بن زرارة (2) قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) : ((اقرأ مني على والدك السلام وقل له .. وعليك بالحج أن تهلَّ للإفراد، وتنوي الفسخ إذا قدمت مكة وطفت وسعيت، فسخت ما أهللت به، وقلبت الحج عمرة، وأحللت إلى يوم التروية، ثم استأنف الإهلال بالحج مفرداً .. فهذا الذي أمرناك به حج المتمتع، فالزم ذلك ولا يضيقن صدرك)).

فإن ظاهر هاتين الروايتين أن بإمكان الشخص أن يُحرم بحج الإفراد مع نيته العدول إلى عمرة التمتع.

ولكن لما لم يمكن تمشي قصد حج الإفراد ممن هو عازم من الأول على عدم أدائه (3) بل الانتقال إلى عمرة التمتع فلا بد من حمل الروايتين على ما ورد في النصوص السابقة من إرادة الإحرام بالحج لفظاً لا قلباً، والفسخ إنما هو بلحاظ ما تلفظ به من حج الإفراد، لا بما في قلبه من عمرة التمتع.

ويشهد لهذا صحيح أحمد بن محمد (4) ــ وهو ابن أبي نصر ــ قال: قلت لأبي الحسـن عـلي بن موسى (عليه السلام) كـيف أصـنع إذا أردت أن أتمتع؟ فقال: ((لبِّ بالحج وانوِ المتعة، فإذا دخلت مكة طفت بالبيت وصليت الركعتين خلف المقام وسعيت بين الصفا والمروة وقصرت، ففسختها وجعلتها متعة)).

____________

(1) الكافي ج:4 ص:333.

(2) اختيار معرفة الرجال ج:1 ص:349ــ352.

(3) وأما قياس المقام بإنشاء البيع مع قصد الفسخ بالخيار ــ كما ورد في كلام بعض الأعلام (طاب ثراه) (كتاب الحج (تقريرات المحقق الداماد) ج:1 ص:507) ــ ففي غير محله، فإن البيع من قبيل الأمور الاعتبارية فيتأتى قصد إنشائه مع قصد إعمال حق الخيار الموجب لبطلان العقد من حينه، وأما الحج فيشتمل على أفعال خارجية متدرجة الوجود ولا يمكن القصد إلى إيجادها جميعاً وفي الوقت نفسه قصد العدول في الأثناء إلى عمرة التمتع.

(4) تهذيب الأحكام ج:5 ص:86.

26

2 ــ أن يكون مجموع العمرة والحج في أشهر الحج، فلو أتى بجزء من العمرة قبل دخول شوال لم تصح العمرة (1).

________________________

ومحل الشاهد قوله (عليه السلام) : ((ففسختها وجعلتها متعة))، فإن التعبير بالفسخ فيه إنما هو بلحاظ التلفظ بالحج عند التلبية، وإلا فمن الواضح أنه لا محل للفسخ حقيقة بعد فرض كونه ناوياً للمتعة من الأول كما ورد في السؤال.

(1) هذا مما لم يؤثر الخلاف فيه عن أيٍّ من فقهائنا (قدَّس الله أسرارهم)، وقد استدل له السيد الأستاذ (قدس سره) (1) بقوله تعالى (2) : ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)) بدعوى: (أنه دلَّ على اختصاص الحج الشامل للتمتع ــ الذي هو اسم للمركب منه ومن عمرته ــ بوقوعه في أشهر الحج).

ولكن هذا الاستدلال لا يخلو من نظر، لما مرَّ مراراً من أن الحج في الاستعمالات القرآنية يقابل العمرة كما في قوله تعالى (3) : ((فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ)) وفي قوله تعالى (4) : ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) ، حتى إن عمرة التمتع ذكرت في مقابل حجّه في قوله تعالى (5) : ((فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)) . وعلى ذلك يشكل القول بأن المراد بالحج في قوله تعالى: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)) ما يشمل حج التمتع بكلا جزئيه العمرة والحج.

وبالجملة: الاستدلال بالآية الشريفة في محل البحث غير ظاهر.

والعمدة هي جملة من الروايات ..

منها: صحيحة زرارة (6) قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الذي يلي المفرد

____________

(1) مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:2 ص:244.

(2) البقرة:197.

(3) البقرة:158.

(4) البقرة:196.

(5) البقرة:196.

(6) تهذيب الأحكام ج:5 ص:36.

27

للحج في الفضل. فقال: ((المتعة)) فقلت: وما المتعة؟ فقال: ((يُهلُّ بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت وصلى ركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة قصَّر وأحلَّ، فإذا كان يوم التروية أهلَّ بالحج)).

ومحل الاستدلال بها قوله (عليه السلام) : ((يُهلُّ بالحج في أشهر الحج))، فإن المراد بالإهلال بالحج ــ كما عُلم مما مرَّ ــ أن ينوي عمرة التمتع ويلبي بالحج، وحيث إنه (عليه السلام) قيّده بكونه في أشهر الحج دلَّ على لزوم إيقاع عمرة التمتع بدءاً من أول أجزائها ــ وهو الإحرام ــ في أشهر الحج، فلا يصح قبله.

ومنها: موثقة سماعة بن مهران (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث إنه قال: ((فإن اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع، وإنما هو مجاور أفرد العمرة. فإن هو أحب أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان، فيدخل متمتعاً بعمرة إلى الحج)).

وهذه الموثقة واضحة الدلالة على أن العمرة التي يؤتى بها قبل أشهر الحج لا تصلح أن يُتمتع بها إلى الحج، فلهذا أمر الإمام (عليه السلام) لمن أحب أن يتمتع أن يخرج ويُحرم بعمرة التمتع في أشهر الحج.

وأما الاستدلال بالموثقة على عدم جواز الإتيان بأي جزء من عمرة التمتع ــ ولو كان هو الإحرام ــ قبل أشهر الحج فغير واضح.

ومنها: رواية عمر بن يزيد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث أنه قال: ((ليس يكون متعة إلا في أشهر الحج)).

ويمكن أن يقال: إن هذه الرواية تامة الدلالة على المدعى إذا بُني على أن العمرة تُحسب للشهر الذي أحرم لها فيه، وأما إذا بُني على أنها تُحسب للشهر الذي يحلُّ منها فيه فلا تصلح دليلاً على عدم جواز الإتيان بإحرام عمرة التمتع قبل أشهر الحج.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:274.

(2) تهذيب الأحكام ج:5 ص:435ــ436.

28

ولكن هذا الكلام ليس بتام، فإن ظاهر الرواية أن عمرة التمتع لا تصح إلا إذا أُتي بها في أشهر الحج، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الإحرام وغيره، فلو فرض قيام دليل على أن العمرة تُحسب للشهر الذي أحلَّ منها فيه كان إطلاق الرواية مقدّماً عليه، لأن إطلاق الخاص مقدم على عموم العام.

إذاً الرواية تامة الدلالة على المطلوب، ولكن سندها مخدوش كما مرَّ مراراً.

فتحصل مما تقدم: أن عمدة ما يدل على لزوم الإتيان بعمرة التمتع بجميع أجزائها في أشهر الحج هي صحيحة زرارة.

بقي هنا أمران ..

الأمر الأول: أنه قد تقدم عن السيد الأستاذ (قدس سره) في المسألة (139) أن أشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة، وحيث لم نتعرض للدليل عليه هناك فلا بأس ببيانه في المقام.

فأقول: إن ظاهر الآية المباركة: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)) أن أشهر الحج لا تقل عن ثلاثة، لأنها أقل الجمع، وقد دلَّت العديد من الروايات على تعيينها في شوال وذي القعدة وذي الحجة ..

منها: صحيحة معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ((إن الله تعالى يقول: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)) وهن شوال وذو القعدة وذو الحجة)).

ومنها: صحيحة زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزَّ وجل: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)) ، قال: ((شوال وذو القعدة وذو الحجة)).

وقد رواها الكليني (3) بسند فيه سهل بن زياد، ولذلك عُبِّر عنه بخبر زرارة، مع أنه صحيح بسند الصدوق.

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:5 ص:445. ونحوها في الكافي ج:4 ص:317.

(2) معاني الأخبار ص:293ــ294.

(3) الكافي ج:4 ص:289.

29

ومنها: موثقة سماعة بن مهران (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: ((لأن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة)).

وأضاف السيد الحكيم (قدس سره) (2) إلى الروايات المذكورة ما عبر عنه: (بصحيح أبان الذي رواه الصدوق عنه عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزَّ وجل: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ..)) ، قال: ((شوال وذو القعدة وذو الحجة، ليس لأحد أن يُحرم بالحج في ما سواهن)).

وفي ما أفاده نظر، فإن ما حكاه عن الصدوق إنما هو بحسب بعض نسخ الفقيه (3) ، وفي نسخ أخرى (4) : (روى زرارة) بدل (روى أبان)، والظاهر أنه هو الصحيح، بقرينة أن الصدوق بنفسه أورد هذه الرواية عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في كتابه الآخر (معاني الأخبار) كما تقدم آنفاً.

هذا مضافاً إلى أنه لو كانت الرواية عن أبان فلا يتجه التعبير عنها بالصحيحة، لأن أبان هذا ليس هو (أبان بن عثمان) الذي للصدوق (قدس سره) طريق صحيح إليه في المشيخة، لأنه لا يروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) مباشرة، بل هو (أبان بن تغلب) الذي كان من أصحاب الإمام (عليه السلام) ، وطريق الصدوق إليه في المشيخة مشتمل على من لم يوثق في كتب الرجال (5) ، فليلاحظ.

وكيفما كان ففي الروايات السابقة غنى وكفاية.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:274.

(2) مستمسك العروة الوثقى ج:11 ص:196ــ197.

(3) لاحظ من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:277ــ278 ط:نجف.

(4) لاحظ من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:277ــ278 التعليقة ط:نجف.

(5)وهو أبو علي صاحب الكلل. نعم ورد في الكافي (ج:2 ص:171) رواية ابن أبي عمير عنه مباشرة ــ فيمكن أن يعدّ ثقة من هذه الجهة ــ ولكن قد يقال: إنه يصعب الوثوق بصحة النسخة، بالنظر إلى توسط أبي أيوب بينه وبين صفوان ــ الذي هو من طبقة ابن أبي عمير ــ في سند مشيخة الفقيه.

إلا أنه يمكن أن يجاب عن هذا الكلام بأنه قد وردت رواية ابن أبي عمير عن أبي علي صاحب الأنماط في الكافي (ج:4 ص:222) والتهذيب (ج:2 ص:286). والظاهر اتحاده مع صاحب الكلل ولذلك يقوى احتمال كونه من مشايخ ابن أبي عمير، فليلاحظ.

30

ولكن حكي عن جمع من الفقهاء (رضوان الله عليهم) أن أشهر الحج هي شوال وذو القعدة مع العشر الأول من ذي الحجة، أو مع ثمانية أيام منه، أو مع تسعة أيام وليلة يوم النحر إلى طلوع فجره، أو إلى طلوع شمسه.

وقد نبّه غير واحد على أن هذا ليس خلافاً منهم في كون شهر ذي الحجة بتمامه من أشهر الحج، وإنما اختلاف في آخر ما يُدرك به الحج من هذا الشهر، وهو أجنبي عن محل البحث.

ولو فرض كون خلافهم في عدِّ العشر الثاني والثالث من ذي الحجة من أشهر الحج فهو مما لا دليل لهم عليه في مقابل إطلاق الآية الكريمة والروايات المتقدمة، بل الدليل قائم على خلاف ما ذكروه بالخصوص، وهو ذيل صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال: ((كان جعفر (عليه السلام) يقول: ذو الحجة كله من أشهر الحج))، ومع وجود هذه الصحيحة فأيُّ وجه لتوهم خروج معظم ذي الحجة عن كونه من أشهر الحج؟!

الأمر الثاني: من أتى بالعمرة قبل أشهر الحج قاصداً بها التمتع فقد ظهر بما تقدم أنها لا تصح تمتعاً، ولكن هل تصح مفردة أو تبطل من رأس؟ فيه قولان.

والكلام تارة في ما تقتضيه القاعدة، وأخرى في ما يستفاد من بعض الروايات ..

أما بحسب مقتضى القاعدة فقد ذكر السيد صاحب المدارك (قدس سره) (2) أنه لا بد من الحكم بالبطلان، لأن ما نواه لم يقع، والمفردة لم ينوها. وقد أقره على ما ذكره السيد صاحب العروة (قدس سره) (3) وبعض المعلّقين، وخالفه المحقق العراقي (قدس سره) قائلاً (4) : (إن مقتضى القاعدة هو الصحة، بناءً على ما هو التحقيق من عدم اختلاف في حقيقتهما ــ أي المفردة والمتمتع بها ــ وأنهما من قبيل القصر والإتمام

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:5 ص:230ــ231.

(2) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام ج:7 ص:171.

(3) العروة الوثقى ج:4 ص:613.

(4) العروة الوثقى ج:4 ص:613 التعليقة:2 (بتصرف يسير).

31

في باب الصلاة).

أقول: في حقيقة العمرة المفردة عدة وجوه ..

الأول: أنها من الماهيات القصدية، أي المتقوّمة بقصد عنوانها ولو إجمالاً.

الثاني: أنها من الماهيات غير القصدية، ولكن يعتبر فيها عدم قصد غيرها كعمرة التمتع.

الثالث: أنها من الماهيات غير القصدية، ولا يعتبر فيها عدم قصد غيرها بل عدم وقوع غيرها.

فإن بني على الوجهين الأول أو الثاني فلا بد من الحكم ببطلان العمرة في مفروض الكلام وعدم وقوعها مفردة، لعدم قصد عنوانها أو لقصد عنوان مضاد لها.

وأما إن بني على الوجه الثالث ــ الذي مقتضاه كون الفرق بين المفردة والمتمتع بها هو في كون الثانية ملحوقة بحج التمتع دون الأولى ــ فلا بد من الحكم بصحة العمرة المأتي بها مفردة، لأن أقصى ما يقتضيه الإتيان بالعمرة قبل أشهر الحج بقصد كونها عمرة تمتع هو كون الأمر الذي انبعث عنه المكلف خيالياً لا واقع له، لفرض أنه لا أمر له بعمرة التمتع بل بالعمرة المفردة، فانبعاثه يكون عن أمر خيالي لا واقع له.

ولكن التحقيق أنه لا يضر هذا بالصحة، لأن المعتبر في تحقق العبادية ــ كما مرَّ في بحث سابق (1) ــ إنما هو الإتيان بالمأمور به على وجه الانقياد والتخضع لله تعالى بأيِّ وجه كان، ولا يعتبر أن يكون على وجه الانبعاث عن الأمر الواقعي المتعلق به.

وهذا المعنى متحقق في مفروض الكلام، فإن المفروض عدم كون العمرة المفردة من العناوين القصدية، ولا اعتبار عدم قصد غيرها فيها، فما الذي يمنع إذاً من وقوع العمرة المأتي بها مصداقاً للعمرة المفردة؟!

نعم من يعتبر في تحقق العبادية الانبعاث من الأمر الواقعي ــ كالسيد

____________

(1) لاحظ ج:8 ص:26.

32

صاحب العروة (قدس سره) على ما يظهر من فتاواه في العديد من الموارد ــ يلزمه الحكم بعدم الصحة في المقام، ولكنه خلاف المختار كما مرَّ.

وبذلك يظهر أن ما بنى عليه المحقق العراقي (قدس سره) الحكم بالصحة وهو عدم كون الاختلاف بين المفردة والمتمتع بها إلا كالاختلاف بين صلاتي القصر والإتمام مما لا يمكن المساعدة عليه، فإنه لا بد أن يضاف إليه البناء على عدم اعتبار الانبعاث عن الأمر الواقعي في تحقق العبادية، ولما كان السيد صاحب العروة (قدس سره) لا يقول بذلك وإنما يقول بلزوم الانبعاث عن الأمر الواقعي فحكمه بالبطلان يطابق مبناه ولا اعتراض عليه بشأنه.

هذا كله في ما إذا لم يكن الإتيان بعمرة التمتع قبل أشهر الحج عن علم بعدم مشروعيتها قبلها. وأما إذا كان عن علمٍ بذلك بأن أتى بها بقصد التمتع تشريعاً فإنه يُحكم ببطلانها من جهة الإخلال بقصد القربة، وهذا أمر آخر.

هذا بحسب مقتضى القاعدة.

وأما بحسب الروايات فقد استدل لعدم البطلان بروايات ..

الرواية الأولى: ما رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده إلى أبي جعفر الأحول (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج. قال: ((يجعلها عمرة)).

ونوقش الاستدلال بها ..

تارة بما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) من جهة ضعف طريق الصدوق إلى محمد بن النعمان الأحول، لأن فيه محمد بن علي ماجيلويه، وهو ممن لم يوثق.

ولكن هذه المناقشة ضعيفة على المختار، فإن الرجل من مشايخ الصدوق الذين أكثر الترضي عليهم، والترضي آية الجلالة عند المتقدمين. فلا يقاس بمن لم يترض عليه بل قال: إنه من النواصب مثلاً.

وأخرى بما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) (2) من أن: (المفروض فيه الحج في غير

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:278.

(2) مستمسك العروة الوثقى ج:11 ص:199.

33

أشهر الحج لا العمرة. ولا ينافيه تأنيث الضمير في قوله (عليه السلام) : ((فليجعلها عمرة))، لجواز رجوعه إلى الحجة، فلا يكون مما نحن فيه).

وأجاب عنه السيد الأستاذ (قدس سره) (1) بأن: (الحج اسم للأعم من الإفراد والتمتع ــ الذي هو مركب من العمرة والحج ــ فمن أحرم لعمرة التمتع ــ التي هي جزء من حجّه ــ يصدق في حقه أنه أحرم للحج وفرض الحج، فيشمله إطلاق الخبر).

وهذا الجواب ليس بواضح، فإن إطلاق الحج على المركب من عمرة التمتع وحجه في لسان الروايات مما لم أجد عليه شاهداً واضحاً، وإنما المذكور فيها إطلاق (التمتع) و(المتعة) على ما يتركب من عمرة التمتع وحج التمتع.

نعم يمكن أن يقال: إن المراد بقوله: (فرض الحج) هو التلبية بالحج، وهذا المعنى قد ورد في العديد من الروايات كصحيحة معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزَّ وجل: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)) : ((والفرض التلبية والإشعار والتقليد، فأيُّ ذلك فعل فقد فرض الحج))، وفي صحيحة زرارة (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ((إذا حج الرجل بابنه وهو صغير فإنه يأمره أن يلبي ويفرض الحج، فإن لم يحسن أن يلبي لبّى عنه)).

وحيث إنه قد مرَّ قريباً أنه يجوز للمتمتع أن يلبي بالحج لفظاً ويضمر عمرة التمتع يتجه دعوى الإطلاق في جواب الإمام (عليه السلام) من حيث عدم استفصاله بين من لبى بالحج وأضمر عمرة التمتع ومن أضمر حج الإفراد، ومقتضى ذلك صحة العدول إلى العمرة المفردة في كلتا الصورتين وهو المطلوب.

وبذلك يظهر تمامية الاستدلال بهذه الرواية لعدم بطلان الإحرام لعمرة التمتع قبل أشهر الحج ولزوم إتمامها عمرة مفردة.

الرواية الثانية: خبر سعيد الأعرج (4) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : ((من تمتع

____________

(1) مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:2 ص:247.

(2) الكافي ج:4 ص:289.

(3) الكافي ج:4 ص:303.

(4) الكافي ج:4 ص:487. وأوردها الشيخ (قدس سره) في تهذيب الأحكام عن الكافي، لاحظ ج:5 ص:36، 199، 288.

34

في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة. ومن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم، إنما هي حجة مفردة وإنما الأضحى على أهل الأمصار)).

وقد نوقش الاستدلال به من جهات ..

الجهة الأولى: أن الرواية غير نقية السند لاشتماله على محمد بن سنان فإنه لم تثبت وثاقته.

وهذه المناقشة تامة على المختار، لما مرّ في شرح حال محمد بن سنان مفصّلاً.

الجهة الثانية: ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) (1) وغيره من أنه لا إشعار في الرواية فضلاً عن الدلالة على حكم العمرة السابقة وأنها هل تصح وتنقلب مفردة أو تبطل، فإنها ساكتة عن التعرض لذلك بتاتاً وناظرة إلى الوظيفة الفعلية فحسب وأنها تنقلب عن التمتع إلى الإفراد.

وهو على العكس مما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) حيث قال (2) : (إن دلالة الرواية على انقلاب عمرة التمتع إلى العمرة المفردة ظاهرة).

وكلا الكلامين لا يخلو من مبالغة، فإنه ليس في الرواية دلالة ظاهرة على وقوع العمرة المتمتع بها قبل أشهر الحج مفردة، ولكن مع ذلك لا تخلو من دلالة على ذلك، فإن حكم الإمام (عليه السلام) بأن الحج المأتي به بعد تلك العمرة يقع إفراداً ولا يلزم صاحبه الهدي، أي أن الإتيان به بقصد كونه حج تمتع لا يضر بوقوعه حج إفراد يوحي بأن حال العمرة المأتي بها بقصد التمتع كذلك، أي أن قصد كونها عمرة تمتع لا يضر بصحتها ووقوعها عمرة مفردة.

فحال هذه الرواية حال خبر الحارث بن المغيرة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل تمتع عن أمه وأهل بحجة عن أبيه قال: ((إن ذبح فهو خير له، وإن لم يذبح

____________

(1) مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:2 ص:248.

(2) مستمسك العروة الوثقى ج:11 ص:199 (بتصرف يسير).

(3) تهذيب الأحكام ج:5 ص:239.

35

فليس عليه شيء، لأنه إنما تمتع عن أمه وأهلّ بحجة عن أبيه))، فإن قوله (عليه السلام) : ((إن ذبح فهو خير له)) يدل على وقوع الحج إفراداً وإن قصد به التمتع والمنساق منه أن العمرة مثله أي أنها تقع مفردة وإن قصد بها التمتع.

وبالجملة: لا تخلو هذه الرواية من دلالة على ما ادعي، ولا وجه لما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) من أنه لا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة على ذلك.

الجهة الثالثة: ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) (1) من أن الرواية وإن دلت على وقوع العمرة المتمتع بها قبل أشهر الحج مفردة إلا أن ذلك من جهة عدم وجوب حج التمتع على المجاور لا من جهة وقوعها في غير أشهر الحج فيكون مفادها منافياً للنصوص والإجماعات.

أي أن المستفاد من الرواية أن من كان غير حاضر فأتى بالعمرة تمتعاً ثم صار مجاوراً بمكة فحيث إنه تنقلب وظيفته إلى الإفراد ولا متعة له تنقلب عمرته إلى عمرة مفردة، فهي لا تقع مفردة لأنه أتى بها قبل أشهر الحج بل تنقلب إلى المفردة لأن صاحبها جاور في مكة المكرمة إذ لا متعة للمجاور.

وعلى ذلك فالرواية لا تعلّق لها بمحل الكلام ومضمونها مخالف للنصوص الدالة على أن المجاور لا ينقلب حكمه عن التمتع قبل مضي سنة أو سنتين.

أقول: التفصيل بين كون الإتيان بعمرة التمتع في أشهر الحج وكونه قبل أشهر الحج ظاهر جداً في أن الوجه في عدم وقوع العمرة متعة في الصورة الثانية هو وقوعها قبل أشهر الحج، إذ لو كان الوجه فيه هو صيرورة صاحبها مجاوراً لما كان فرق بين الإتيان بالعمرة في آخر رمضان وبين الإتيان بها في أول شوال، لوضوح أنه لا يختلف حال المجاور من حيث مشروعية المتعة له وعدمها بفارق يوم واحد.

وأما قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية: ((وإنما الأضحى على أهل الأمصار)) فليس مسوقاً لبيان عدم وجوب الهدي إلا على الحجاج من أهل الأمصار دون

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى ج:11 ص:199 (بتصرف يسير).

36

أهل مكة والمجاورين بها ليجعل قرينة على ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) ، بل هو مسوق لبيان أن الأضحية ليست إلا على أهل الأمصار ممن لم يحضر الحج دون من حضر، كما نبه على ذلك المحقق الفيض الكاشاني (قدس سره) (1) .

وبالجملة: الهدي غير الأضحية، فالإمام (عليه السلام) تعرض أولاً لحكم ثبوت الهدي على المتمتع وهو الذي أتى بعمرة التمتع في أشهر الحج وبقي إلى أن أتى بالحج، وعدم ثبوته على غير المتمتع ومنه من أتى بعمرة التمتع في غير أشهر الحج ثم أراد أن يأتي بالحج، ثم بيّن (عليه السلام) حكم الأضحية وأنها تستحب لأهل الأمصار أي ممن لم يحضروا الحج.

والمتحصل مما تقدم: أن دلالة الرواية على ما استدل بها عليه تامة ولكن سندها مخدوش.

الرواية الثالثة: موثقة سماعة بن مهران (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ((من حج معتمراً في شوال وفي نيته أن يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك. وإن هو أقام إلى الحج فهو متمتع، لأن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة فمن اعتمر فيهن وأقام إلى الحج فهي متعة، ومن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة.

فإن اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع وإنما هو مجاور أفرد العمرة، فإن هو أحب أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعاً بعمرة إلى الحج ..)).

قال بعض الأعلام (طاب ثراه) (3) : إنه يمكن استفادة الصحة في الجملة وجعلها مفردة من هذه الموثقة، إذ لو كان مجرد وقوع العمرة المتمتع بها في غير أشهر الحـج موجـباً لـبطلانها رأسـاً لم يـكـن قـوله (عليه السلام) : ((وإنـما هـو مجـاور أفرد

____________

(1) الوافي ج:13 ص:1103.

(2) من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:274.

(3) من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:274.

37

3 ــ أن يكون الحج والعمرة في سنة واحدة، فلو أتى بالعمرة وأخّر الحج إلى السنة القادمة لم يصح التمتع، ولا فرق في ذلك بين أن يقيم في مكة إلى السنة القادمة وأن يرجع إلى أهله ثم يعود إليها، كما لا فرق بين أن يحلّ من إحرامه بالتقصير وأن يبقى محرماً إلى السنة القادمة (1).

________________________

العمرة)) ملائماً له، بل الملائم هو نفي المفردة كالتمتع بعد أن لم يكن للمجاور خصوصية في الباب.

أقول: الظاهر أن قوله (عليه السلام) : ((فإن اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع)) إنما هو ناظر إلى من أتى بالعمرة المفردة قبل أشهر الحج لا من أتى بعمرة التمتع ليتجه ما ذكر من الاستدلال. أي أن مقصود الإمام (عليه السلام) بيان أن من يأتي بالعمرة المفردة قبل أشهر الحج لا تنقلب عمرته إلى المتعة وإن أقام إلى الحج، بخلاف من أتى بها في أشهر الحج فإنها تنقلب إلى المتعة مع إقامته في مكة إلى أوان الحج، وهو ما تعرض له في المقطع الأول من الرواية.

وعلى ذلك فهذه الموثقة مما لا يمكن التمسك بها في المقام.

فتلخص من جميع ما تقدم أن ما بنى عليه جمع منهم المحقق العراقي (قدس سره) من أن من أحرم لعمرة التمتع قبل أشهر الحج يلزمه إتمامها مفردة ولا تبطل من رأس تام بمقتضى القاعدة والنص وهو معتبرة أبي جعفر الأحول.

(1) قد استدل ــ أو يمكن الاستدلال ــ على لزوم الإتيان بعمرة التمتع وحجه في عام واحد، بمعنى عدم صحة حج التمتع إلا إذا أتى بجزئيه في عام واحد ــ مضافاً إلى الإجماع المدعى في كلمات جمع وارتكاز المتشرعة وسيرتهم العملية ــ بعدد من النصوص والروايات ..

38

الرواية الأولى: صحيحة زرارة بن أعين (1) قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الذي يلي المفرد للحج في الفضل. فقال: ((المتعة)). فقلت: وما المتعة؟ فقال: ((يهلّ بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت وصلى ركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة قصّر وأحلّ، فإذا كان يوم التروية أهلّ بالحج ونسك المناسك وعليه الهدي)). فقلت: وما الهدي؟ فقال: ((أفضله بدنة، وأوسطه بقرة، وأخفضه شاة)).

ومحل الاستدلال منها قوله (عليه السلام) : ((فإذا كان يوم التروية أهلّ بالحج)) فإنه ظاهر جداً في إرادة الإحرام للحج في يوم التروية من نفس العام الذي أتى فيه بعمرة التمتع ولا إطلاق له ليشمل يوم التروية من أي عام، وحيث إن الإمام (عليه السلام) قد ذكر هذا الكلام في جواب سؤال زرارة: (ما المتعة؟) دلّ على أن الإتيان بعمرة التمتع وحجه في عام واحد شرط لصحتهما.

ومثل صحيحة زرارة رواية المفضل (2) أن الصادق (عليه السلام) كتب إليه في ضمن كتاب طويل: ((وإذا أردت المتعة في الحج فأحرم من العقيق .. حتى إذا كان يوم التروية صنعت ما صنعت بالعقيق ثم أحرم بين الركن والمقام ..)) ولكنها ضعيفة السند جداً.

وهناك روايات أخرى واردة في كيفية أداء حج التمتع ولكن لا يستفاد منها المعنى المذكور ..

منها: صحيحة معاوية بن عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) الحاكية لكيفية حج الوداع وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه بالعدول من حج الإفراد إلى عمرة التمتع ثم الإتيان بالحج بعدها.

ولكن يمكن أن يقال: إنها تحكي قضية في واقعة ولا تدل على انحصار حج التمتع في أداء جزئيه في عام واحد.

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:5 ص:36.

(2) بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد (عليهم السلام) ص:553ــ554.

(3) الكافي ج:4 ص:245 وما بعدها.

39

نعم ورد في صحيحة الحلبي (1) ((أن سراقة بن مالك سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أو لكل عام؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا بل للأبد الأبد))، فربما استفيد منه أن الحج المشروع في كل عام يكون مركباً من عمرة وحج ولا يمكن التفريق بينهما.

ولكن هذه الاستفادة غير واضحة، من جهة أن سؤال سراقة إنما كان بعد أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه بالعدول من حج الإفراد إلى عمرة التمتع مما يدل على أنه أراد بسؤاله هل أن وظيفتنا نحن في هذا العام هو التمتع دون الإفراد أم أن هذا وظيفة كل مستطيع في كل عام؟ وعلى ذلك فلا يستفاد من جواب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سوى عموم الحكم بوجوب التمتع وعدم مشروعية حج الإفراد أو القِران في حق من يستطيع للحج من أهل الأمصار إلى الأبد، ولا دلالة له على أن من يلزمه التمتع لا يسعه التفريق بين جزئيه في عامين.

مضافاً إلى أن المذكور في صحيحة معاوية بن عمار كون سؤال سراقة بلفظ: (أن هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟) وهو أبعد عن الاستفادة المذكورة كما لا يخفى.

ومنها: معتبرة عبد الله بن زرارة (2) قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) : ((اقرأ مني على والدك السلام، وقل له .. وعليك بالحج أن تهلّ بالإفراد وتنوي الفسخ، إذا قدمت مكة وطفت وسعيت فسخت ما أهللت به وقلبت الحج عمرة أحللت إلى يوم التروية ثم استأنف الإهلال بالحج مفرداً إلى منى ..)).

ولكنها لا تدل أيضاً على أن أداء حج التمتع ينحصر في الكيفية المذكورة فيها، ولا سيما مع تضمنها الأمر بالإهلال بالحج دون عمرة التمتع مع وضوح عدم تعيّنه.

ومنها: رواية عبد الصمد بن بشير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث أنه

____________

(1) الكافي ج:4 ص:249.

(2) اختيار معرفة الرجال ج:1 ص:349 وما بعدها.

(3) تهذيب الأحكام ج:5 ص:72.

40

قال لمن جهل ولبّى للحج في قميصه: ((فأخرجه من رأسك .. طف بالبيت سبعاً وصلِّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) واسع بين الصفا والمروة وقصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهلّ بالحج واصنع كما يصنع الناس)).

ولكن هذه الرواية أيضاً تحكي قضية شخصية ولا تدل على أنه لا يجوز تأجيل حج التمتع بعد أداء عمرته إلى عام لاحق.

وبالجملة: العمدة في الروايات البيانية الواردة في كيفية حج التمتع التي يمكن الاستدلال بها في المقام هي صحيحة زرارة (1) ، وأما بقية الروايات التي قد يستدل ببعضها في كلمات الفقهاء (قدّس الله أسرارهم) فهي مما لا تصلح لذلك.

الرواية الثانية: صحيحة حماد بن عيسى (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في المتمتع الذي يخرج من مكة ثم يرجع إليها في إبان الحج في أشهر الحج يريد الحج أيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ فقال: ((إن رجع في شهره دخل بغير إحرام وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً)). قلت: فأي الإحرامين والمتعتين متعته الأولى أو الأخيرة؟ قال: ((الأخيرة، وهي عمرته، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجه)).

فإنه يمكن أن يقال: إن قوله (عليه السلام) : ((التي وصلت بحجه)) ظاهر في لزوم أن تكون عمرة التمتع موصولة بالحج، ولا يتحقق هذا مع تأخير الحج إلى عام لاحق.

ولكن هذا الكلام محل نظر، لما تقدم في شرح المسألة (137) من أن المراد

____________

(1) تجدر الإشارة إلى أن السيد صاحب العروة (قدس سره) استدل على اعتبار الإتيان بحج التمتع بكلا جزئيه في عام واحد بأنه المتبادر من الأخبار المبينة لكيفية حج التمتع (العروة الوثقى ج:4 ص:614). وعلّق عليه السيد الحكيم (قدس سره) بقوله: (لكن في كون التبادر المذكور على نحو يقتضي التقييد تأملاً) (مستمسك العروة الوثقى ج:11 ص:200). إلا أنه قد ظهر بما تقدم أن ما يتبادر من جواب الإمام (عليه السلام) في صحيحة زرارة من لزوم كون الحج في عام العمرة نفسه يصلح لأن يكون مقيداً للمطلقات ــ لو سلّم وجودها ــ لأن كلامه (عليه السلام) ورد في جواب السؤال عن كيفية المتعة وهذا بخلاف الحال في بقية الروايات المذكورة، فتدبر.

(2) الكافي ج:4 ص:441ــ442.

41

بالوصل في الصحيحة إما هو ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) من عدم تخلل نسك آخر بين عمرة التمتع وحجه، وإما ما هو المختار من عدم الفصل بالكون في خارج مكة محلاً إلى انقضاء شهر العمرة، وعلى التقديرين فالرواية أجنبية عن محل الكلام.

الرواية الثالثة: صحيحة زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث أنه قال: ((وهو ــ أي المتمتع ــ محتبس، وليس له أن يخرج من مكة حتى يحج)). ونحوها ما في معتبرة إسحاق بن عمار (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: ((وهو ــ أي المتمتع ــ مرتهن بالحج)). وما مرّ آنفاً في صحيحة حماد بن عيسى من قوله (عليه السلام) : ((وهي المحتبس بها)).

ولكن ناقش في الاستدلال بهذه النصوص جمع منهم بعض الأعلام (طاب ثراه) (3) قائلاً: (إنه لا تلازم بين حرمة الخروج وبين لزوم إتيان الحج في السنة الأولى التي اعتمر فيها، إذ له أن لا يخرج من مكة إلى عام قابل فيقضي حجه، ولا يستلزم الاحتباس إلا عدم جواز الخروج قبل الحج وأما لزوم إتيانه في ذلك العام فلا).

وأجاب السيد الأستاذ (قدس سره) عن مثل هذه المناقشة قائلاً (4) : (إنه قد ورد في بعض تلك الأخبار أنه لو اضطر إلى الخروج فإنه يحرم للحج فيخرج، وهذا يدلنا بوضوح على لزوم إيقاع العمرة والحج في سنة واحدة وعدم جواز التفريق، إذ الإحرام إنما يتجه للحج في تلك السنة وإلا فبعد انقضاء الموسم والتجاوز عن اليوم التاسع كيف يحرم لحج السنة الآتية، بل لا يشرع ذلك جزماً بعد انتهاء ذي الحجة إلى شوال السنة الآتية، للزوم الإهلال للحج في أشهر الحج.

وبالجملة: بعد مضي موسم الحج في هذه السنة فهذا المضطر للخروج يحرم لأي حج؟ فإن هذه السنة قد مضت والإحرام لحج السنة القادمة كما ترى،

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:5 ص:31.

(2) الكافي ج:4 ص:442.

(3) كتاب الحج (تقريرات المحقق الداماد) ج:1 ص:377.

(4) مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:2 ص:249.

42

فيكشف هذا عن أن المراد بالاحتباس هو الاحتباس لحج هذه السنة لا السنة الآتية، إذ لا يجوز الإحرام لذلك الحج في هذه السنة. فيدل ذلك على عدم جواز التفريق ولزوم الجمع بينهما في سنة واحدة).

ولكن هذا الجواب مما لا يمكن المساعدة عليه، فإن أقصى ما يقتضيه الأمر بالإحرام للحج إذا أراد المتمتع الخروج لحاجة هو أن من أتى بعمرة التمتع قبل يوم عرفة يلزمه أداء حج التمتع في نفس العام، ولا ينفي جواز الإتيان بعمرة التمتع في ما بعد أيام العيد ليقع حجه في العام اللاحق.

وبالجملة: إن ما ورد في احتباس المتمتع في مكة حتى يؤدي الحج لا يدل إلا على حرمة الخروج عليه تكليفاً فقط، أو تكليفاً ووضعاً بمعنى بطلان عمرته لو خرج لغير حاجة من دون التلبس بإحرام الحج، ولا يدل على لزوم الإتيان بالحج في العام نفسه، أي لا يمنع من بقاء المتمتع في مكة إلى الموسم اللاحق ليؤدي فيه حج التمتع.

الرواية الرابعة: صحيحة جميل بن دراج (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة ..)).

فقد ذكر السيد الأستاذ (قدس سره) (2) وغيره أنها وما يماثلها من الروايات الواردة في تحديد وقت المتعة تدل على عدم مشروعية المتعة بعد مضي الزمان المحدد كزوال الشمس من يوم عرفة، وإلا فلو كانت مشروعة بأن يأتي بعمرة التمتع فعلاً وبحجه في العام القابل فكيف يقول (عليه السلام) : إن له المتعة إلى زوال الشمس؟! أي أنه لا يبقى مجال للتدارك بعده. وليس ذلك إلا من أجل عدم جواز التفريق.

أقول: صحيحة جميل ونحوها من النصوص مسوقة لبيان أن من لم يأتِ بأعمال عمرة التمتع كاملة إلى زوال الشمس من يوم عرفة ــ مثلاً ــ فلا يكون حجه في ذلك العام حج تمتع، فإن المتعة كما مرّ اسم للمجموع من العمرة والحج، ولا دلالة فيها على أنه إذا أتى بعمرة التمتع كاملة لا يجوز له تأخير الحج

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:5 ص:177.

(2) مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:2 ص:250.

43

إلى العام اللاحق أو أنه لا يجوز له أن يأتي بعمرة التمتع بعد أيام العيد مثلاً في شهر ذي الحجة، وبحج التمتع في العام القادم.

نعم ورد في بعضها كصحيحة علي بن يقطين (1) وصحيحة زرارة (2) الأمر بالعدول إلى حج الإفراد، ويمكن أن يقال: إن المنساق منه كونه للإرشاد إلى إمكان إدراك الحج مفرداً بعد فوات حج التمتع ولا يدل على تعيّن الإتيان به.

وكذلك ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار (3) ومعتبرة ضريس (4) من أن من قدم متمتعاً بالعمرة إلى الحج ولكن لم يصل إلا متأخراً فليجعل نسكه عمرة مفردة إنما هو مسوق لبيان أن من يفوته الحج في هذا العام يمكنه التخلص من إحرامه بأداء العمرة المفردة والرجوع إلى بلده، ولا يستفاد منه تعيّن أدائها عليه بحيث لا يجوز له أداء عمرة التمتع والصبر إلى العام اللاحق للإتيان بحج التمتع.

وأما معتبرة الفضل بن يونس (5) الواردة في من اعتقله السلطان ولم يطلق سراحه إلا بعد الوقوفين حيث قال الإمام (عليه السلام) : ((هذا مصدود عن الحج، إن كان دخل مكة متمتعاً بالعمرة إلى الحج فليطف بالبيت أسبوعاً ثم يسعى أسبوعاً ويحلق رأسه ويذبح شاة ..)) فإن موردها هو من أحرم لحج التمتع بعد أداء عمرته ثم لم يمكنه الإتيان به، ولزوم العدول لمثله إلى العمرة المفردة وعدم جواز تأجيل أعمال الحج إلى العام اللاحق إنما يدل على عدم جواز التفريق بين أفعال الحج، ولا يدل على عدم جواز التفريق بين عمرة التمتع وحجه، ولا سيما فيما إذا أتى بالعمرة بعد الوقوفين.

وبالجملة: حال هذا حال من كان محرماً لحج الإفراد أو القِران إذا وصل متأخراً ولم يدرك الحج فإنه ليس له الصبر إلى العام التالي ليكمل حجه بل عليه العدول إلى العمرة المفردة حسب ما دلت عليه النصوص.

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:5 ص:173.

(2) تهذيب الأحكام ج:5 ص:174.

(3) تهذيب الأحكام ج:5 ص:294.

(4) تهذيب الأحكام ج:5 ص:295ــ296.

(5) تهذيب الأحكام ج:5 ص:465.

44

الرواية الخامسة: صحيحة معاوية بن عمار (1) المتضمنة لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)). ونحوها روايات أخرى.

فقد ادعي دلالتها على أن عمرة التمتع مرتبطة بالحج بحيث لا يجوز التفكيك بينهما بإيقاع العمرة في سنة والحج في سنة أخرى.

ولكن هذه الروايات أجنبية عن هذا المعنى، فإن أقصى ما يستفاد منها هو أنه لا تصح عمرة التمتع من دون حجه ولا يصح حج التمتع من دون عمرته، وليس حالهما حال العمرة المفردة وحج الإفراد من حيث كون كل منهما عملاً مستقلاً إذا بطل أحدهما لا يبطل الآخر. وأما لزوم الإتيان بعمرة التمتع وحجه في عام واحد فهذا أمر آخر لا يستفاد من هذه الروايات بوجه.

الرواية السادسة: صحيحة علي بن جعفر (2) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: ((إن الله عز وجل فرض الحج على أهل الجدة في كل عام ..)).

قال السيد الأستاذ (قدس سره) (3) : (إنها وإن حملت على الاستحباب لما دل على عدم وجوب الحج في العمر أكثر من مرة إلا أنه يظهر منها اختصاص كل سنة بحج المؤلف من عمرة التمتع وحجه مغايراً للسنة الأخرى، فمرجعه إلى أن لكل سنة حج وعمرة المستلزم بعد فرض التركب والانحلال لوقوعهما في سنة واحدة وأن هذه هي الوظيفة المقرّرة من قبل الشارع، فكما أنه شرّع الصلوات اليومية لكل يوم والجمعة لكل أسبوع والعمرة لكل شهر فكذا قرّر الحج المؤلفة من عمرة التمتع وحجه لكل سنة، فهذا يعدّ من وظائف السنة فلا يجوز التفريق في سنتين).

وهذا الاستدلال ضعيف، فإنه لم يثبت كون المراد بالحج في الرواية المذكورة ما يعمّ المؤلف من عمرة التمتع وحجه كما مرّ في نظائرها.

مضافاً إلى أنه لو ثبت فلا تدل الرواية على عدم جواز تفريق عمرة التمتع

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:5 ص:455.

(2) الكافي ج:4 ص:265ــ266. وله سندان أحدهما صحيح.

(3) مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:2 ص:249.

45

وحجه بين سنتين بل هي بناءً على حملها على الاستحباب ــ كما ذهب إليه (قدس سره) ــ تدل على مجرد استحباب الإتيان في كل سنة بحج كامل. ونظيرها في ذلك ما دل على أن لكل شهر عمرة الذي لم يقل أحد إنه يدل على عدم جواز إيقاع العمرة المفردة في شهرين.

وبالجملة: هذه الرواية لا تصلح دليلاً على عدم جواز التفريق حتى بالنسبة إلى مناسك الحج ــ فضلاً عن مناسك عمرة التمتع وحجه ــ بأن يحرم لحج الإفراد ويأتي بطوافه وسعيه مثلاً ويبقى محرماً إلى العام اللاحق فيأتي ببقية أعماله فإنه لا يستفاد من الرواية المنع منه.

وكيفما كان فقد ظهر مما تقدم: أن العمدة مما يمكن الاستدلال به من الروايات للزوم الإتيان بعمرة التمتع وحجه في عام واحد هي صحيحة زرارة المذكورة أولاً.

بقي هنا أمران ..

الأمر الأول: أنه ربما قيل إن هناك رواية تدل على جواز التفريق بين عمرة التمتع وحجه بالإتيان بالحج في العام اللاحق، وهي رواية سعيد الأعرج (1) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : ((من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، ومن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم، إنما هي حجة مفردة وإنما الأضحى على أهل الأمصار)).

ولكن الرواية ضعيفة السند ــ كما مرَّ ــ وغير ثابتة المتن بالنحو المذكور، فإنها وإن رويت في مختلف نسخ الكافي (2) الموجودة بأيدينا باللفظ المذكور. إلا أن الملاحظ أن الشيخ (قدس سره) قد أوردها عن الكليني في ثلاثة مواضع من التهذيب (3) ، وليس فيها جملة (من قابل)، مما لا يبقي مجالاً للشك في أن نسخة الشيخ من

____________

(1) الكافي ج:4 ص:487.

(2) لاحظ الكافي ج:9 ص:92 ط:دار الحديث.

(3) لاحظ تهذيب الأحكام ج:5 ص:36، 199، 288.

46

الكافي لم تكن تتضمن هاتين الكلمتين.

وبذلك يظهر أن ما ورد في المطبوعة النجفية من الاستبصار (1) من إثبات الكلمتين إنما هو من تصرف بعض النسّاخ، ويشهد له عدم وجودهما في المطبوعة الحجرية (2) والمطبوعة الطهرانية (3) .

وأما ما في الوافي (4) من نقل الرواية عن الكافي بدون كلمتي (من قابل) فيُحتمل أن يكون من جهة خلو نسخته من الكلمتين، أو من جهة اعتماده على التهذيب في نقل لفظ الرواية.

وكيفما كان فقد ظهر أنه لا وثوق باشتمال المقطع الأول من الرواية على الكلمتين، بل يمكن أن يقال: إن مقتضى المقابلة مع المقطع الثاني عدم وجودهما، فإن الإمام (عليه السلام) كان بصدد التفريق بين من أتى بعمرة التمتع في أشهر الحج وبين من أتى بها قبل أشهر الحج، فلو فرض جواز تأخير حج التمتع إلى العام اللاحق إلا أنه لما لم تكن خصوصية لهذه الحالة لم يكن وجه لكي يقيّد الإمام (عليه السلام) بها الفرض الأول في مقابل الفرض الآخر، إذاً متن الرواية بنفسه يشهد على خلوه من الإضافة المذكورة.

وأما ما ذكره غير واحد من كون المراد بقوله: (من قابل) هو الشهر القابل لا العام القابل فهو ضعيف، إذ لم يذكر قبله إلا أشهر الحج دون شهر ذي القعدة بخصوصه ليصح إيراده وإرادة شهر ذي الحجة.

الأمر الثاني: استدل بعض الفقهاء على اعتبار عدم الفصل بين عمرة التمتع وحجّه بقاعدة توقيفية العبادة بعد عدم وجود إطلاق في دليل حج التمتع يقتضي جواز الفصل.

ولكن ردَّ عليهم السيد الحكيم (قدس سره) (5) بأن بناء الفقهاء على جريان أصل

____________

(1) الاستبصار في ما اختلف من الأخبار ج:2 ص:259.

(2) الاستبصار في ما اختلف من الأخبار ج:2 ص:134 (ط: لكنهو).

(3) الاستبصار في ما اختلف من الأخبار ج:2 ص:317 (ط: بتحقيق علي أكبر غفاري).

(4) الوافي ج:8 ص:164 ط:الحجرية، ج:13 ص:1103 ط:الحديثة.

(5) مستمسك العروة الوثقى ج:11 ص:200.

47

البراءة عند الشك في الجزء والشرط، أي أنه مع فقد الأصل اللفظي وهو الإطلاق تصل النوبة إلى الأصل العملي، وهو هنا أصالة البراءة، لاندراج المورد في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.

ولكن ذكر السيد الأستاذ (قدس سره) أنه ينبغي التفصيل في المقام، قائلاً (1) : (التمسك بقاعدة توقيفية العبادة مبني على ما هو المعروف من أن الحج واجب مشروط بخروج الرفقة فلا وجوب قبله، ومن ثم حكم بعضهم بجواز تفويت الاستطاعة عندئذٍ لعدم فعلية الوجوب، وعليه فلو اعتمر قبل الموسم فلا ريب في لزوم ضم الحج لأنه فوري، وهي مرتبطة به كما تقدم.

وأما لو أتى بعمرة التمتع بعد الموسم كالعشرة الثالثة أو الثانية من شهر ذي الحجة فإنه يشك في أن العمرة في هذه السنة هل تجزي عن التمتع بها في السنة القادمة ــ الذي سيجب عند خروج الرفقة ــ أو لا؟ ومن المعلوم أن مقتضى قاعدة الاشتغال عدم الإجزاء.

وأما بناءً على ما هو التحقيق من أن الحج إنما هو من قبيل الواجب التعليقي، وليس وجوبه مشروطاً إلا بالاستطاعة فمتى تحققت ولو قبل خروج الرفقة ــ كما لو استطاع في شهر رجب ــ وجب عليه الحج فعلاً وإن تأخر ظرف العمل وكان الواجب استقبالياً فكان التأخر في متعلق الوجوب لا فيه بنفسه، فعلى هذا المبنى يُشك عند تعلق الوجوب أعني أول زمان الاستطاعة في تقيّد العمرة بوقوعها مع الحج في سنة واحدة أو عدم اعتبار هذا القيد وجواز التفريق، فيكون الشك بين الأقل والأكثر، فيُرجع إلى أصالة البراءة عن تقيّد الواجب بزمان خاص).

وهذا البيان غريب من مثله (قدس سره) ، فإن البناء على كون وجوب الحج منوطاً بخروج الرفقة لا يمنع من جريان أصالة البراءة مع الشك في شرطية عدم الفصل بين عمرة التمتع وحجه، فإنه إذا كان المكلف مستطيعاً للحج وخرج الرفقة فـوجـب عليه أداء الحـج وشك في كون ما يجب عليه هل هو عمرة التمتع وحجّه

____________

(1) مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:2 ص:251 (بتصرف).

48

4 ــ أن يكون إحرام حجه من نفس مكة مع الاختيار، وأفضل مواضعه المقام أو الحجر، وإذا لم يمكنه الإحرام من

________________________

مقيدين بعدم الفصل بينهما أو من دون التقيّد بذلك ــ ليجوز له أداء العمرة في هذا العام والحج في العام اللاحق ــ ليكون المورد مندرجاً في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين الذي هو مجرى لأصالة البراءة.

ولا فرق في ذلك بين أن يأتي بالعمرة قبل الوقوفين أو بعدهما، فإنه لو أتى بها من قبل فإنه وإن كان يجب عليـه أداء الحج بعدهـا لـفورية وجـوب الحـج إلا أن هذا حكم تكليفي صرف ولا علاقة له بالحكم الوضعي المبحوث عنه، أي شرطية عدم الفصل الذي فرض جريان البراءة عن اعتبارها.

وهكذا لو لم يأتِ بالعمرة قبل الوقوفين فإنه يجوز له وفق جريان أصالة البراءة عن الشرطية المذكورة أن يأتي بها بعد الوقوفين ويأتي بالحج في العام اللاحق، ولا يتوجه إليه وجـوب للحـج في الـعام المـقبل عـند خـروج الـرفـقة غـير الوجوب الأول، بل هو باقٍ في حقه لعدم امتثاله بعدُ، فيلزمه أداء حج التمتع في هذا العام امتثالاً لما سبق وجوبه في حقه من العام الماضي.

وبذلك يظهر أنه لا محل للقول بأن العمرة التي أتى بها بعد الوقوفين وإن لم تكن واجبة إلا أنه يشك في سقوط وجوب عمرة التمتع الذي يتوجه إليه في العام اللاحق بالعمرة التي أتى بها من قبل، ومقتضى قاعدة الاشتغال هو عدم السقوط. فإنه لا يوجد وجوب آخر في العام اللاحق حتى يقال: إن الأصل هو عدم السقوط. ولو فرض أن هناك وجوباً آخر فإن إطلاق دليل الوجوب يفي بنفي سقوطه، ولا تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال.

فهذا التفصيل الذي ذكره (قدس سره) في غير محله، والصحيح ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) من أن المورد مجرى لأصالة البراءة على جميع المسالك.

49

نفس مكة أحرم من أي موضع تمكن منه (1).

________________________

(1) هنا فرعان ..

(الفرع الأول): أنه يشترط في إحرام حج التمتع أن يكون في حال الاختيار من مكة المكرمة، وأفضل مواضعه مقام إبراهيم وحجر إسماعيل (عليهما السلام) ، والكلام فيه يقع في موردين ..

المورد الأول: في من يكون في مكة المكرمة.

وقد ادعي إجماع فقهائنا (رضوان الله عليهم) على أنه يلزمه الإحرام لحج التمتع من مكة من أي موضع منها ولا يصح من خارجها، وذهب فقهاء الجمهور (1) إلى أنه يصح للمتمتع الإحرام من أي موضع في الحرم ولا يختص بمكة.

والروايات الواردة في المقام هي كما يأتي ..

الرواية الأولى: صحيحة الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في من أقاموا في مكة شهراً أن لهم أن يتمتعوا. قلت: من أين؟ قال: ((يخرجون من الحرم)). قلت: من أين يهلون بالحج؟ فقال: ((من مكة نحواً مما يقول الناس)).

وقد استدل بهذه الصحيحة على لزوم أن يكون إحرام المتمتع من مكة المكرمة، ولكن قال السيد الحكيم (قدس سره) (3) : إن ذيلها ربما يوجب الإشكال في دلالتها.

ويمكن تقريب الإشكال بأنه بالنظر إلى ذهاب الجمهور ــ كما تقدم آنفاً ــ إلى جواز الإحرام لحج التمتع من مكة وسائر الحرم فلا يكون لزوم الإحرام من مكة نحواً مما يقول الناس إلا إذا كان المراد مكة وضواحيها مثلاً، إذ لو كان المراد مكة بحدودها لكان مخالفاً لما يقوله الناس، كما أنه لو كان المراد مكة والحرم

____________

(1) لاحظ المغني لابن قدامة ج:3 ص:422، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ج:2 ص:150.

(2) تهذيب الأحكام ج:5 ص:35.

(3) مستمسك العروة الوثقى ج:11 ص:203.

50

بتمامه يكون مطابقاً لما يقوله الناس، وإنما يكون نحواً مما يقوله الناس لو ألحق بمكة بعض الحرم دون تمامه. وعلى ذلك فالرواية لا تصلح دليلاً على لزوم كون الإحرام من مكة، فليتأمل.

الرواية الثانية: صحيحة عمرو بن حريث الصيرفي (1) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) وهو بمكة: من أين أهل بالحج؟ فقال: ((إن شئت من رحلك، وإن شئت من المسجد، وإن شئت من الطريق)).

وقد استدل بها على لزوم كون الإحرام لحج التمتع من مكة المكرمة. ولكن أفاد السيد الحكيم (قدس سره) (2) أن دلالتها على خصوص مكة لا تخلو من خفاء.

ولعله من جهة أن جواز الإحرام من مكة المكرمة وعدم لزوم الخروج منها لذلك لما كان أمراً مسلّماً مفروغاً عنه عند جميع المسلمين وكان سؤال عمرو بن حريث من الإمام في مكة نفسها فالمنساق من السؤال كون المراد به هو الاستفسار عن الموضع الذي يحرم منه لحج التمتع في مكة وجوباً أو استحباباً، وعلى ذلك فلا يستفاد من جواب الإمام (عليه السلام) إلا التخيير بين مناطق مكة المكرمة دون لزوم كون الإحرام منها.

وأما المناقشة في دلالة الرواية من جهة أنه لم يعلم تعلّقها بحج التمتع فهو في غير محله، فإن الراوي وهو عمرو بن حريث كان كوفياً فالحج الذي كان يهلّ له من مكة لم يكن إلا حج التمتع.

ولو فرض أن المراد ما يعم حج التمتع وحج الإفراد ــ بناءً على جواز الإحرام له من مكة وعدم لزوم كونه من أدنى الحلّ ــ فالرواية مطلقة تشمل المقام.

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:5 ص:477. وأوردها الكليني (قدس سره) في الكافي ج:4 ص:455، ورواها عنه في التهذيب (ج:5 ص:166) وليس فيها قوله: (وهو بمكة) كما أن فيها لفظ (الكعبة) بدل (المسجد). والظاهر أن النقل الأول أصح فإن التخيير بين المواضع الثلاثة في الجواب إنما يناسب كون السؤال في مكة المكرمة دون غيرها، كما أن الذي يناسب ذكره في مقابل الطريق والرحل هو المسجد أي المسجد الحرام دون الكعبة.

(2) مستمسك العروة الوثقى ج:11 ص:202.