بحوث فقهية

- السيد محمد رضا السيستاني المزيد...
560 /
1

بحوث فقهية

حول الذّبح بغير الحديد والزّي والتجمل ومسائل اخرى

2

-

3

بحوث فقهية

حول الذّبح بغير الحديد والزّي والتجمل ومسائل اخرى



محمد رضا السيستاني



دار المورّخ العربي

بيروت ـ لبنان

4


حقوق الطبع محفوظة


الطبعة الثالثة

1433هـ - 2012 م



دار المورّخ العربي

بيروت ـ لبنان

5


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام

على خير خلقه وأفضل بريّته محمد وآله

الطيبين الطاهرين.

6

-

7

يتضمن هذا المجلد بحوثاً حول:

1 ـ الذبح بغير الحديد.

2 ـ الزيِّ والتجمّل.

3 ـ التظليل للمُحرم.

4 ـ الصلاة في مشكوك التذكية.

5 ـ التكفير في الصلاة.

8

-

9

الذبحُ بغير الحديد

10

-

11

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين الغرّ الميامين وبعد:

لما تداول استخدام ما يُسمّى بـ (الإستيل) في صناعة السكاكين والمدى والشفرات ونحوها من الآلات القاطعة المستخدمة في ذباحة الحيوانات أثار ذلك سؤالاً فقهيّاً توجّه به المؤمنون إلى مراجعهم في التقليد، وهو أنه: هل يجوز الذبح بالإستيل في ضوء الفتوى بعدم جواز الذبح بغير الحديد في حال الاختيار أو لا؟

وكانت الإجابات مختلفة، فبعض الفقهاء أجاز الذبحَ به، وبعضهم منع من ذلك، وتوقّف فيه آخرون وألزموا مقلّديهم بالاحتياط أو الرجوع إلى مجتهدٍ آخر مع رعاية الأعلم فالأعلم.

وقد دعا ذلك عدداً من الباحثين إلى دراسة هذا الموضوع ومحاولة إيجاد حلٍّ لمشكلة الذبح بالإستيل ينسجم مع ما تطابقت عليه فتاوى الفقهاء من عدم جواز الذبح بغير الحديد إلاّ في حال الضرورة.

ولكن ظهر مؤخّراً اتجاه آخر ينكر أساساً اعتبار أن تكون آلة الذبح من مادة الحديد، ليتفق في ذلك مع الفقه السّني الذي قيل إنه لا خلاف فيه ـ نصاً وفتوى ـ في عدم خصوصيةٍ للحديد في الآلة المستخدمة في الذبح.

وبذلك رام أصحاب هذا الاتجاه حلّ مشكلة الذبح بالإستيل كُبروياً

12

بعدما كان يدور الجدل حول حلّها صُغروياً من خلال إثبات أن الإستيل من جنس الحديد وأنه يصدق عليه عُرفاً.

وهذا البحث الذي بين يدي القارىء الكريم دراسة تفصيلية عن مختلف جوانب هذا الموضوع في إطار فصول ثلاثة:

الفصل الأول: في اشتراط أن تكون آلة الذباحة في حال الاختيار من جنس الحديد.

الفصل الثاني: في حكم الذبح بالإستيل بعد البناء على اشتراط أن تكون آلة الذبح من معدن الحديد.

الفصل الثالث: في حكم الحيوان الذي عُلم أو احتُمل أن الآلة المستخدمة في ذبحه من جنس الإستيل بناءً على عدم جواز الذبح به.

ومن الله تبارك وتعالى أستمدُّ العَون وأستلهم السداد وما توفيقي إلاّ به عليه توكّلت وإليه أُنيب.

المؤلف

13

الفصل الأول

في اشتراط أن تكون آلة الذباحة

في حال الاختيار من جنس الحديد

14

-

15

تمهيد

اختلف فقهاء المسلمين في عدّة أُمورٍ هل أنها ممّا تُعتبر في تذكية الحيوان بالذبح أو لا؟

(منها): التسمية على الذبيحة، فقيل: هي مُعتبرة على الإطلاق، وقيل: هي مُعتبرة مع الذكر وساقطة مع النسيان ـ وهذا هو اختيار فقهاء الإمامية ـ وقيل: هي غير معتبرة مطلقاً وإن كانت سُنّة مؤكّدة (1) .

و (منها): الاستقبال بالذبيحة إلى القبلة، فقد اعتبره بعض الفقهاء ـ ومنهم الإمامية ـ ولم يعتبره الآخرون (2) .

و (منها): إسلام الذابح، فإن جمعاً اعتبروه، وجمعاً آخرين ـ ومنهم بعض الإمامية ـ أجازوا ذبائح أهل الكتاب (3) .

و (منها): قطع الأوداج الأربعة، فقد اعتبرته جماعة ـ وهو المشهور بين الإمامية ـ واكتفى الآخرون بقطع ثلاثة أوداج أو ودجين أو ودج واحد (4) .

ومما وقع الخلاف فيه بين فقهاء الفريقين هو اشتراط أن تكون آلة

الذبح في حال الاختيار من جنس الحديد، بعد اتفاقهم على جواز الذبح

____________

(1) لاحظ بداية المجتهد ج1 ص363، جواهر الكلام ج12 ص594.

(2) لاحظ بداية المجتهد ج1 ص364، جواهر الكلام ج12 ص592.

(3) لاحظ بداية المجتهد ج1 ص365، جواهر الكلام ج12 ص576.

(4) لاحظ بداية المجتهد ج1 ص361، جواهر الكلام ج12 ص589.

16

بغير الحديد ـ مطلقاً أو في الجملة ـ في حال الضرورة.

وينبغي أولاً استعراض موقف فقهاء أهل السُنّة في هذه المسألة، والتثبّت في ما زُعم من اتفاقهم على جواز الذبح بغير الحديد اختياراً، ثم التحقّق من مدى مطابقة هذا الموقف للنصوص المرويّة من طرقهم عن النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) ، فإن ذلك يُساهم في تجلية البحث ويُلقي الضوء على أُنموذج من المحاولات المبذولة للتوفيق بين الفقهين الإمامي والسُنّي.

موقف فقهاء أهل السنّة من الذبح بغير الحديد

(أ) قال السمرقندي الحنفي (ت539هـ): أما ما يُذكّى به وهو الآلة فعلى ضربين: آلة تقطع وآلة تفسخ، فالآلة التي تقطع على ضربين حادّة وكليلة، فالحادة يجوز الذبح بها حديداً كانت أو غير حديد من غير كراهة، والكليلة التي تقطع يجوز الذبح بها مع الكراهة حديداً كانت أو غير حديد، وأصله قوله (عليه السلام) : ((كلّ ما أنهر الدّم وأفرى الأوداج فهو ذكاة)) .

وقال أصحابنا: إذا ذُبح بظفرٍ منزوع أو بسنٍّ منزوع جاز مع الكراهة، وقال الشافعي: لا يجوز.

وأما الآلة التي تفسخ فهو نحو الظفر القائم والسن القائم إذا ذُبح به لا يحل (1) .

(ب) وقال ابن رشد المالكي (ت595هـ): أجمع العلماء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر أو عود أو قضيب أن التذكية به جائزة، واختلفوا في ثلاثة: في السنّ والظفر والعظم (2) .

(ج) وقال القرطبي المالكي (ت671هـ): واختلف العلماء فيما يقع به الذكاة، فالذي عليه الجمهور من العلماء أن كلّ ما أفرى الأوداج وأنهر

____________

(1) تحفة الفقهاء ج3 ص99 ـ 98، ولاحظ بدايع الصنايع ج6 ص2768.

(2) بداية المجتهد ج1 ص362.

17

الدم فهو من آلات الذكاة ما خلا السنّ والعظم، وعلى هذا تواترت الآثار وقال به فقهاء الأمصار. ثم حكى الخلاف في السن والعظم عن إبراهيم والحسن والليث بن سعد والشافعي (1) .

(د) وقال النووي الشافعي (ت676هـ): قال الشافعي والأصحاب: لا تحصل الذكاة بالظفر والسن ولا بسائر العظام وتحصل بما سوى ذلك من جميع المحدّدات سواء أكانت من الحديد كالسيف والسكين والسهم والرمح أو من الرصاص أو النحاس أو الذهب أو الفضّة أو الخشب المحدد أو القصب أو الزجاج أو الحجر أو غيرها ولا خلاف في كلّ هذا عندنا.

ثم قال: ذكرنا أن مذهبنا حصول الذكاة بكل محدّد إلا الظفر والسن وسائر العظام وبه قال النخعي والحسن بن صالح والليث وفقهاء الحديث وأحمد وإسحاق وأبو داود وأبو ثور وداود والجماهير وهو رواية عن مالك، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز الذبح بالظفر والعظم المتصلين ويجوز بالمنفصلين، وهو رواية عن مالك. ثم حكى بعض الآراء الأخرى في الذكاة بالسن والعظم والظفر (2) .

(هـ) وقال ابن قُدامة الحنبلي (ت620هـ): وأما الآلة فلها شرطان: أحدهما: أن تكون محددة تقطع أو تخرق بحدّها لا بثقلها، والثاني: أن لا تكون سِنّاً ولا ظفراً، فإذا اجتمع هذان الشرطان في شيء حلّ الذبح به سواء أكان حديداً أو حجراً أو ليطة أو خشباً... وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور، ونحوه قول مالك وعمرو بن دينار، وبه قال أبو حنيفة إلا في السن والظفر، قال: إذا كانا متصلين لم يجز الذبح بهما وإن كانا منفصلين جاز (3) .

(و) وقال المهدي الزيدي (ت840هـ): ويجزي كلّ ذي حدٍّ من حديدٍ

____________

(1) الجامع لأحكام القرآن ج6 ص53.

(2) المجموع في شرح المهذب ج9 ص81 ـ 82.

(3) المغني والشرح الكبير ج11 ص43.

18

أو حجر أو شظاظ أو ليطة وهي القصب الحادّ إلا السن والعظم، ثم حكى خلاف بعض الفقهاء في الأخيرين (1) .

(ز) وقال ابن حَزم الظاهري (ت456هـ): والتذكية من الذبح والنحر والطعن والضرب جائزة بكل شيء إذا قطع قَطعة السكين أو نفذ نفوذ الرمح، سواء في ذلك كلّه العود المحدّد والحجر الحاد والقصب الحاد وكلّ شيء حاشا آلة أُخذت بغير حق وحاشا السن والظفر وعظم الخنزير وعظم الحمار الأهلي. ثم ذكر خلاف عدد من الفقهاء في الموارد المستثناة (2) .

هذه نصوص مستلّة من أهم المصادر الفقهية لدى إخواننا أهل السنّة ومن يتبع فقههم كالزيدية؛ ونظيرها نصوص أُخرى كثيرة، وهي ما بين مصرّح وظاهر في اتفاقهم ـ خلفاً عن سلف ـ على جواز الذبح بغير الحديد اختياراً، حتى كأنّه لم يذهب أحد إلى خلاف ذلك ولا يوجد قائل بلزوم تقديم الحديد على غيره مع الإمكان.

نعم، قال الشافعي في كتاب الأُم: أُحبّ الذكاة بالحديد (3) ، وذكر ابن رشد أنه لا يختلف المذهب ـ ويقصد المذهب المالكي ـ في أنه يكره غير الحديد من المحددات مع وجود الحديد (4) .

ولكن على الرغم من ذلك يمكن أن يُدّعى وجود بعض الخلاف عند أهل السنّة في الاجتزاء بالذبح بغير الحديد مع توفّر الحديد، فإنه يوجد في ثنايا كتبهم ومصادرهم ما يظهر منه مخالفة بعض الصحابة والتابعين والفقهاء للرأي المشهور في ذلك؛ وذهابهم إلى أن جواز الذبح بغير الحديد يختصّ بما إذا مسّت إليه الحاجة واقتضته الضرورة، ومن هؤلاء:

____________

(1) البحر الزخار ج5 ص306.

(2) المحلّى ج7 ص450.

(3) الأم ج2 ص236.

(4) بداية المجتهد ج1 ص363.

19

1 ـ عمر بن الخطاب (ت23هـ):

فقد روى عبد الرزاق الصنعاني في المصنّف بإسناده عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن ابن الخطاب أنه قال: لا ذكاة إلا في الأسل (1) .

والأسل في اللغة الرماح الطوال، ولكن يبدو أنه أُريد به في النص المذكور مطلق الآلات المصنوعة من الحديد، نظير ما ذكره ثعلب بقوله: (وفي الحديث: ((يذكّيها بالأسل أي يذبحها بالحديد)) ) (2) .

وروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: ((لا قود إلا بالأسل)) ، وقد فسّره الزمخشري بكل حديد رهيف من سنان وسيف وسكّين (3) وقال ابن الأثير: هو كلّ ما أُرقّ من الحديد وحُدّد من سيف وسكِين وسِنان (4) .

وفي ضوء ذلك يمكن أن يُنسب إلى الخليفة الثاني عدم تجويزه الذبح بغير الحديد من العود والقصبة والحجارة ونحوها وعلى الأقل في حال الاختيار وعدم اقتضاء الضرورة له.

2 ـ سعيد بن المسيب (ت94هـ):

فقد روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أنه كان يقول: ما ذُبح به إذا بضع فلا بأس به إذا اضطررت إليه (5) ، ورواه عبد الرزاق في المصنف أيضاً ولفظه هكذا: (كل شيء بضع فاذبح فيه إذا اضطررت إليه) (6) .

____________

(1) المصنّف للصنعاني ج4 ص498، ورجال السند هم عبد الرزاق عن ابن التيمي وهو أيوب بن سليمان بن بلال عن أبيه عن العلاء بن عبد الرحمن عن مطرف، وكلّهم ثقات عند أعلام رجاليّ الجمهور (لاحظ تراجمهم في تهذيب التهذيب: ج6 ص311 وج4 ص175 وج8 ص186 وج10 ص173).

(2) مجالس ثعلب ج1 ص83.

(3) الفائق في غريب الحديث ج1 ص43.

(4) النهاية في غريب الحديث ج1 ص49.

(5) الموطأ ج1 ص275.

(6) المصنّف للصنعاني ج4 ص498.

20

وقد حمل الباجي كلامه هذا على المحدّد من غير الحديد كالحجر والقصب بدليل قوله: (إذا اضطررت إليه) فإن مُحدد الحديد كالسكّين هو الذي يُذبح به في حال الاختيار (1) .

وما ذكره صحيح (2) ، إلا أنه أضاف: إن اشتراط الضرورة في الذبح بغير مُحدد الحديد ليس تقييداً، وإنما هو إخبار عن المعتاد من أحوال الناس فإنه لا يكاد يُستعمل شيء من ذلك إلا عند عدم الحديد (3) .

وربما يؤيد ما ذكره أخيراً بما رواه القرطبي مرسلاً عن ابن المسيب أنه قال: (ما ذبح بالليطة والشطير والظرر فهو حلّ ذكي) (4) بدعوى أنه يدلّ على أنه لو ذُبح بما كان مُحدداً من غير الحديد كالفلقة من القصب والخشب... حلّت الذبيحة ولو مع وجود سكّين أو نحوها من محدد الحديد (5) .

(أقول): كلام ابن المسيب المحكي في الموطأ والمصنّف ظاهر بمقتضى مفهوم الشرط في عدم جواز الذبح بمثل العود والقصبة إلا في حال الاضطرار، فحمله على أنه إخبار عمّا هو المعتاد لدى الناس تأويل لا يُصار إليه من دون قرينة واضحة.

____________

(1) لاحظ المنتقى في شرح الموطأ ج3 ص114.

(2) ويوافقه ما ورد في شرح الموطأ للزرقاني ج3 ص83، ولكن جاء في هامش الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني ص284 أن قول ابن المسيب (إذا اضطررت إليه) محمول على ذاة الاضطرار فإن ذكاة الاختيار هو قطع الأوداج وذكاة الضرورة جرح في البدن أينما كان وهو لا يحلّ عند القدرة على ذكاة الاختيار بل حالة عدم القدرة عليه، فمعنى قوله: (ما ذبح به) أن ما يذبح به إذا قطع موضعاً من مواضع الحيوان فلا بأس به إذا اضطر إليه وإن لم يضطر إليه لا يجوز ذلك إنتهى. ولكن هذا بعيد عن ظاهر العبارة بل هو غير مناسب للفظ الرواية بحسب نقل الصنعاني في المصنف فلاحظ.

(3) لاحظ المنتقى في شرح الموطأ ج3 ص114.

(4) الجامع لأحكام القرآن ج6 ص53.

(5) فقه الإمام سعيد بن المسيب ج2 ص338.

21

وعلى هذا الأساس فمقتضى الصناعة حمل كلامه الآخر ـ الذي حكاه القرطبي ـ على صورة الاضطرار حملاً للمطلق على المقيد (1) ، فيكون محصّلهما عدم جواز الذبح بالعود وشبهه إلا اضطراراً، وهذا خلاف القول المشهور لدى الجمهور.

3 ـ مالك بن أنس (ت179هـ):

فقد ذكر في كتابه الموطأ ـ برواية يحيى بن يحيى ـ تحت عنوان (ما يجوز من الذكاة على حال الضرورة)، بعض الروايات الدالّة على جواز الذبح بالعود والحجر ونحوهما مع فقد الحديدة وآخرها ما تقدّم نقله آنفاً عن سعيد بن المسيب من جواز الذبح بكل ما يقطع عند الاضطرار إليه (2) .

فيظهر منه أيضاً عدم جواز الذبح بمثل العود والقصبة والحجارة إلا في حال الضرورة، ويناسبه ما حكاه سحنون في المدوّنة قال: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أرأيت الرجل يذبح بالعرشدة أو بالعود أو بالحجر أو بالعظم ومعه السكّين أيجوز ذلك؟ قال: قال مالك: إذا احتاج الرجل إلى الحجر والعظم والعود وما سواه من هذه الأشياء فذبح بها إن ذلك يُجزئه (3) .

فإن تعليق الاجتزاء بالذبح بالمذكورات على اقتضاء الحاجة له ظاهر في عدم الاجتزاء به مع عدم الحاجة إليه من جهة توفّر مثل السكين والمدية والسيف ونحوها من الحديد.

ولكن حكى الباجي عن ابن كنانة عن مالك أنه قال: الشفرة أحبّ إليّ إذا وجدت فإذا ذُبح مع وجود الشفرة جاز (4) .

____________

(1) يأتي نظير هذا الحمل في الجمع بين النصوص المروية من طرق الإمامية مع الإشكال عليه ببعض الوجوه والجواب عن الإشكال فلاحظ ص56.

(2) الموطأ ج1 ص275.

(3) المدوّنة الكبرى ج3 ص65.

(4) المنتقى في شرح الموطأ ج3 ص114، وجاء في الموطأ برواية ابن زياد ص138 أن مالكاً عقّب على كلام ابن المسيب بقوله: (فكلّ شيء بُضع فلا بأس به من فخارة أو غيرها) ولا يبعد أن يكون مقصوده خصوص صورة الاضطرار كما هو مورد كلام ابن المسيب.

22

إلا أن المقرر عند المالكية أنه متى تعارض النقل عن مالك في مسألة تُقدّم المدوّنة التي هي رواية سحنون عن ابن قاسم عن مالك على غيرها.

قال ابن رشد الأندلسي: هي ـ أي المدوّنة ـ أصل علم المالكيين وهي مقدمة على غيرها من الدواوين بعد موطّأ مالك (1) ، وقال أبو الحسن الطبخي: وقول ابن القاسم فيها ـ أي المدوّنة ـ أولى من قول غيره فيها لأنه أعلم بمذهب مالك (2) .

فالنتيجة أن الأرجح من مذهب مالك هو عدم الاجتزاء بالذبح بغير الحديد إلا عند الحاجة إليه.

هذا ما تيسّر لي الاطلاع عليه من كلمات جمع من الصحابة والتابعين والفقهاء مما يُستظهر منها عدم موافقتهم لجمهور أهل السنّة في جواز الذبح بغير الحديد اختياراً، ولعل المتتبع يعثر على غير هؤلاء أيضاً ممن خالفوا الجمهور في هذه المسألة.

مستند الجمهور في جواز الذبح بغير الحديد اختياراً

استند جمهور أهل السنة في الاجتزاء بالذبح بغير الحديد ولو في حال الاختيار إلى جملة من النصوص المرويّة من طرقهم عن النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) وهي:

1 ـ حديث رافع بن خديج عن النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) أنه قال: ((ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنّاً أو ظفراً)) .

استدل به القرطبي في تفسيره وابن قدامة في المغني وغيرهما (3) .

____________

(1) الإمام مالك لأبي زهرة ص242.

(2) المصدر نفسه ص244.

(3) الجامع لأحكام القرآن ج6 ص53، المغني والشرح الكبير ج11 ص43.

23

ولكن لهذا الحديث صدر مروي في صحيحي البخاري ومسلم وفي مصادر أُخرى يوضّح أن مورده خصوص حالة الاحتياج إلى الذبح بغير الحديد:

ففي صحيح البخاري أن رافع بن خديج قال للنبي (صلى الله عليه و آله وسلم) : إنّا لنرجو أو نخاف أن نلقى العدو غداً وليس معنا مدىً أفنذبح بالقصب؟ فقال: ((ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه...)) ، وفي لفظ آخر أنه قال: يا رسول الله إنا نكون في المغازي والأسفار فنُريد أن نذبح فلا تكون مدى قال: ((أرن، ما نهر أو أنهر الدم...)) (1) .

وعلّق ابن حجر على اللفظ الأول بأن وجه الحصر في المدية والقصب ونحوه مع إمكان ما في معنى المدية وهو السيف هو أنهم كرهوا أن يذبحوا بسيوفهم لئلاّ يضرّ ذلك بحدّها والحاجة ماسة له (2) .

(إن قيل): إن ورود قوله (صلى الله عليه و آله وسلم) ((ما أنهر الدم...)) في مورد فقد الحديد أو وجود بعض الموانع من استخدامه لا يقتضي اختصاصه بهذا المورد، فإن المورد لا يقيد الوارد كما ذكروا ذلك في علم الأصول، ومن هنا اعترضوا على من جعل وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب من موانع الأخذ بالإطلاق بأن لازم ذلك عدم الأخذ بالمطلقات الواردة في أجوبة السائلين عن موارد خاصة، فإن مورد السؤال هو القدر المتيقّن المراد من اللفظ المطلق مع أنه لا سبيل إلى الالتزام بذلك ولم يلتزم به أحد (3) .

والحاصل أن ورود المطلق في مورد معين كما في مفروض البحث لا يمنع من الأخذ بإطلاقه بالنسبة إلى سائر الموارد.

(فالجواب): إن هذا إنما يتم لو لم يكن الوارد مشتملاً على ما

____________

(1) صحيح البخاري ج7 ص118 ـ 127، صحيح مسلم ج6 ص78.

(2) فتح الباري ج9 ص541.

(3) فوائد الأصول ج1 ص365.

24

يصلح بمفهومه الإفرادي أو التركيبي أن يكون معتمد المتكلّم في بيان اختصاص الحكم بالمورد من دون أن يخرج بذلك عن طريق المحاورة، وأما مع اشتمال الوارد على ما يكون صالحاً لذلك فلا ينعقد له الظهور في الإطلاق لاحتفافه بما يصلح للقرينية الذي هو من موانع انعقاد الإطلاق كما أُوضح في علم الأصول.

وحيث أن قوله (صلى الله عليه و آله وسلم) : ((ما أنهر الدم... فكلوا...)) يتضمّن توجيه الخطاب في الحكم المذكور إلى الجماعة الذين فُرض في السؤال احتياجهم إلى الذبح من دون أن يتيسّر لهم ذلك بالحديد ـ وهذا مما يصلح أن يتكل عليه (صلى الله عليه و آله وسلم) في بيان اختصاص الحكم بحالة فقد الحديد لو كان مختصّاً به في الواقع ـ لم ينعقد لكلامه (صلى الله عليه و آله وسلم) ظهور في الإطلاق من هذه الجهة لاحتفافه بما يصلح للقرينية.

فالنتيجة أن هذا الحديث ـ الذي هو عمدة مستند الجمهور ـ لا يصلح دليلاً لهم على جواز الذبح بغير الحديد في حال الاختيار.

2 ـ حديث عدي بن حاتم أنه قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) عن الصيد أصيده قال: ((أنهروا الدم بما شئتم واذكروا اسم الله عليه)) (1) .

وفي لفظ آخر أنه قال: أرأيت يا رسول الله إن صاد أحدنا صيداً وليس معه سكّين فذبحه بشقّ العصا أو بالمروة أيحل ذلك؟ فقال: ((أنهر الدم بما شئت وكُل)) (2) .

واستدلّ به السرخسي والقاساني وابن قدامة وغيرهم (3) .

قال ابن حزم: هذا خبر ساقط لأنه عن (سمّاك بن حرب) وهو يقبل التلقين عن (مري بن قطري) وهو مجهول (4) .

____________

(1) المصنّف للصنعاني ج4 ص496.

(2) المبسوط ج12 ص2.

(3) المبسوط ج12 ص2. بدايع الصنايع ج6 ص2768. المغني ج11 ص43.

(4) المحلّى ج7 ص452.

25

(أقول): ويُضاف إلى ذلك أن دلالته باللفظ الثاني المذكور على جواز الذبح بمثل المروة وشقّ العصا اختياراً ليست بذاك الوضوح، بل إن له لفظاً ثالثاً غير ظاهر في ذلك أصلاً، وهو ما رواه أحمد بن حنبل بإسناده عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إنّا نصيد الصيد فلا نجد سكّينا إلاّ الظرار وشقّة العصا فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) : ((أمر الدم بما شئت واذكر اسم الله)) (1) .

فإن قوله (صلى الله عليه و آله وسلم) : ((أمر الدم بما شئت)) مخاطباً به السائل الذي فُرض أنه ممن يصيد الصيد ولا يجد السكّين لذبحه إن لم يكن ظاهراً في بيان حكمه في هذا الحال خاصة فلا أقل من احتفافه بما يصلح للقرينية المانع من انعقاد ظهورٍ له في الإطلاق ـ بالتقريب المتقدّم في الحديث الأول ـ فلا يُستفاد منه إذاً جواز الذبح بغير الحديد في حال الاختيار، وهذا بخلاف اللفظ الثاني للحديث فإنه قد يُستظهر منه أن قوله (صلى الله عليه و آله وسلم) : ((أنهر الدم بما شئت)) بيان للضابطة الكلية للذبح المبيح للأكل مع الإعراض عن بيان حكم مورد السؤال بخصوصه، فلا ينثلم به ظهور الجواب في الإطلاق فتدبّر.

3 ـ حديث ابن كعب بن مالك عن أبيه أن امرأة ذبحت شاةً بحجرٍ فسُئل النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) عن ذلك فأمر بأكلها.

استدلّ به القاساني وغيره (2) .

ولكنّه صورة مختصرة لرواية أُخرى أوردها البخاري وغيره بإسنادهم عن ابن كعب بن مالك أن أباه أخبره أن جاريةً لهم كانت ترعى غَنماً بسلع فأبصرت بشاةٍ من غنمها موتاً فكسرت حجارةً فذبحتها، فقال لأهله: لا تأكلوا حتى آتي النبي فأسأله، أو حتّى أُرسل إليه من يسأله، فأتى النبي أو بعث إليه فأمر النبي بأكلها (3) .

____________

(1) مسند أحمد بن حنبل ج4 ص256.

(2) بدايع الصنايع ج6 ص2768.

(3) صحيح البخاري ج7 ص119.

26

ولا يُستفاد من هذا الحديث جواز الذبح بالحجر اختياراً، لأن الظاهر أن مورده حالة فقد الحديد ـ كما سيأتي مثله في قضايا أُخرى ـ بل يكفي الشكّ في ذلك لأنها تحكي قضية في واقعة فليس لها إطلاق ليُتمسّك به في تجويز الذبح بالحجر في حال الاختيار.

4 ـ حديث أبي أُمامة عن النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) أنه قال: ((ما فرى الأوداج فكلوا ما لم يكن رضّ نابٍ أو نخر ظفر)) (1) .

ولفظ الحديث في المحلّى هكذا: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) سألته امرأة ذبحت شاة فقال لها: ((أفريت الأوداج؟)) قالت: نعم، قال: ((كلي ما أفرى الأوداج ما لم يكن قرض سنٍّ أو حزّ ظفر)) (2) .

وهذا الخبر لا بأس بدلالته، لكنّه مخدوش سنداً، قال ابن حزم: هذا خبر في نهاية السقوط لأنه من رواية (يحيى بن أيوب) وقد شهد عليه مالك بن أنس بالكذب... ثم (عبيد الله بن زحر) وهو ضعيف ضعّفه يحيى وغيره، ثم (القاسم بن أبي عبد الرحمن) وهو ضعيف جداً فبطل كلّه (3) .

5 ـ حديث حُذيفة رفعه: ((اذبحوا بكلّ شيء فرى الأوداج ما خلا السنّ والظفر)) .

وهذا الخبر تام الدلالة ولكنّه ضعيف السند أيضاً، قال ابن حجر: أورده الطبراني في الأوسط وفي سنده عبد الله بن خراش مختلف فيه (4) .

(أقول): في تهذيب التهذيب: قال أبو زرعة: ليس بشيءٍ ضعيف، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ذاهب الحديث، ضعيف الحديث، وقال الساجي: ضعيف الحديث جداً ليس بشيء كان يضع الحديث، وقال

____________

(1) بداية المجتهد ج1 ص361.

(2) المحلّى ج7 ص440.

(3) المحلّى ج7 ص440.

(4) فتح الباري ج9 ص544.

27

النّسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف... ومع ذلك ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربّما أخطأ! (1) .

6 ـ حديث زيد بن ثابت أن ذئباً نيّب في شاة فذبحوها بمروة فرخّص لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) في أكلها (2) .

وهذا الحديث مخدوش السند والدلالة، أما السند فلاشتماله على حاضر بن المهاجر الباهلي فإنه مُختلفٌ فيه، قال ابن حجر: قال أبو حازم: مجهول ولكن ذكره ابن حبّان في الثقات (3) .

وأما الدلالة فلأنه يحكي قضيةً في واقعةٍ معيّنة لا تُعرف ملابساتها، ولعلّها كانت من موارد فقد الحديد كما يأتي في قضايا أُخرى، ولا إطلاق له ليُتمسّك به في جواز الذبح بالمروة مع توفّر الحديد.

7 ـ حديث يحيى بن أبي كثير أن سفينة مولى النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) أشاط دم جزور بجذل فأمره النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) بأكلها (4) .

وهذا الحديث ضعيف السند والدلالة أيضاً، أما السند فلأنه من مراسيل يحيى بن أبي كثير، وقد قال يحيى بن سعيد: إن مرسلاته مثل الريح! (5) .

وأما الدلالة فلأنه يحكي قضية في واقعة ولا إطلاق له ليستدلّ به كما مرّ في سابقه.

8 ـ حديث عطاء بن يسار أن غلاماً من الأنصار من بني حارثة كان يرعى لقحة بأحد فأتاها الموت، وليس معه حديدة يذكّيها، فأخذ وتداً من

____________

(1) تهذيب التهذيب ج5 ص198.

(2) مسند أحمد بن حنبل ج5 ص184.

(3) تهذيب التهذيب ج2 ص186.

(4) المصنف للصنعاني ج4 ص497.

(5) تهذيب التهذيب ج11 ص269.

28

عيدان فنحرها به، فأمره النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) بأكلها (1) .

وقد استدلّ به ابن قدامة وغيره (2) ، ولكن مورده حالة فقد الحديد مصرّحاً بذلك في متنه فكيف يصلح للاستدلال به على جواز الذبح بغير الحديد مع توفّره؟!.

9 ـ حديث محمد بن صفوان أنه صاد أرنبين فلم يجد حديدة يذبحهما بها فذبحهما بمروة فأتى رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) فأمره بأكلها (3) .

وهذا الحديث يُماثل الخبر السابق في أن موردَه صورة فقد الحديد فلا يدلّ على جواز الذبح بالمروة في غير هذه الصورة.

10 ـ حديث أبي إدريس قال: دخلت على النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) فأُتي بعصافير فذُبحت بليطة.

ذكره ابن منظور في اللسان (4) ، والظاهر أنه اقتبسه من نهاية ابن الأثير ـ الذي أخذه بدوره من كتاب أبي موسى الأصفهاني ـ ولكنّ الموجود في النهاية هكذا (... دخلت على أنسٍ فأُتي...) (5) فلم يثبت كون الرواية مأثورة عن النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) ليؤخذ بها، مع أنها تحكي قضيةً في واقعةٍ ولعلّ ذبح العصافير بالليطة كان من أجل فقد الحديد كما مرّ في نظائره.

هذه هي الأحاديث التي استند إليها الجمهور ـ أو يمكن أن يستندوا إليها ـ في تجويز الذبح بغير الحديد اختياراً، وقد تبيّن بما تقدّم أنه ليس فيها ما يصلح للاستدلال به لهذا المدّعى، فإنها بين ما هو مخدوش السند

____________

(1) المصنّف للصنعاني ج4 ص497.

(2) المغني والشرح الكبير ج11 ص43.

(3) مسند أحمد بن حنبل ج3 ص471، وهذا الحديث يدلّ على حليّة لحم الأرنب، ومن رواته الشعبي (عامر بن شرحبيل) وهو ثقة عند الجمهور ولكن للإمامية فيه رأي آخر، لاحظ البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي قدس سره ص534.

(4) لسان العرب ج7 ص397.

(5) النهاية في غريب الحديث ج3 ص286.

29

ـ حتى وفق موازينهم في الجرح والتعديل ـ وما هو ضعيف الدلالة لوروده مورد فقد الحديد، أو كون المحكي فيه قضيةً في واقعةٍ خاصةٍ لا إطلاق لها ليشمل حالة تيسّر الذبح بالحديد.

ولعلّ هذا هو الوجه في ذهاب بعض فقهائهم كسعيد بن المسيّب ومالك بن أنس إلى جواز الذبح بمثل العود والحجارة الحادة في حال الاضطرار خاصّة على ما مرّ.

وبذلك يتبيّن أن ما جرى عليه بعض الباحثين من محاولة تأويل روايات الإمامية ـ الظاهرة في عدم جواز الذبح بغير الحديد اختياراً كما سيأتي ـ استناداً إلى نصوص العامة بدعوى دلالتها على عدم الفرق بين الحديد وغيره بعيد عن الصواب تماماً، فإن هاتيك النصوص قاصرة الدلالة على ذلك في حدّ أنفسها فكيف تصلح أن تكون قرينة على تأويل رواياتنا؟!

بل الأجدر أن يُعكس الأمر فتُجعل رواياتنا حاكمة على روايات العامة وقرينة موضّحة لمواردها وما هو المقصود منها.

موقف فقهاء الإمامية من الذبح بغير الحديد اختياراً

وأُورد فيما يلي نصوصاً مما وصل إلينا من كلماتهم:

1 ـ قال الشيخ المفيد قده (ت413هـ): ولا يؤكل الصيد المقتول بالحجارة والخشب، ومن لم يجد حديداً يذكّى به ووجد زجاجة تفري اللحم أو ليطة من قصب لها حدّ كحدّ السكّين ذكّى بها، ولا يُذكّى بذلك إلا عند فقد الحديد (1) .

وحكاه الشيخ (قده) في التهذيب وأقرّه عليه (2) .

2 ـ قال أبو الصلاح الحلبي (ت447هـ): والذكاة بالحديد مع إمكانه

____________

(1) المقنعة ص578.

(2) تهذيب الأحكام ج9 ص50.

30

وبما يقوم مقامه في النحر وفري الأوداج عند تعذّره (1) .

3 ـ قال الشيخ الطوسي قده (ت460هـ): ولا يجوز الذباحة إلا بالحديد، فإن لم توجد حديدة وخيف فوت الذبيحة أو اضطرّ إلى ذباحتها جاز أن يُذبح بما يفري الأوداج من ليطة أو قصبة أو زجاجة أو حجارة حادّة الأطراف (2) .

4 ـ وقال أيضاً: كلّ محدّد يتأتّى الذبح به يُنظر فيه، فإن كان من حديدٍ أو صفرٍ أو خشبٍ أو ليطةٍ وهو القصب أو مروةٍ وهي الحجارة الحادة حلّت الذكاة بكلّ هذا، إلا ما كان من سنٍّ أو ظفر فإنه لا يحلّ الذكاة بواحدٍ منهما، فإن خالف وفعل به لم يحل أكلها سواء كان متصلاً أو منفصلاً، وقال بعضهم في السنّ والظفر المنفصلين إن خالف وفعل حلّ أكله وإن كان متصلاً لم يحل، والأول مذهبنا غير أنه لا يجوز عندنا أن يُعدل من الحديد إلى غيره مع القدرة عليه (3) .

5 ـ قال القاضي ابن البراج (ت481هـ): والذباحة لا تجوز إلا بالحديد، فمن خاف من موت الذبيحة ولم يقدر على الحديد جاز أن يذبح بشيءٍ له حدّة مثل الزجاجة والحجر الحاد أو القصب، والحديد أفضل وأولى من جميع ذلك (4) .

6 ـ قال السيد ابن زهرة (ت585هـ): ولا تكون الذكاة صحيحةً مبيحةً للأكل إلا بقطع الحلقوم والودجين على الوجه الذي قدّمناه مع التمكّن من ذلك بالحديد أو ما يقوم مقامه في القطع عند فقده من زجاجٍ أو حجرٍ أو قصب، مع كون المُذكّي مسلماً مع التسمية واستقبال القبلة بدليل ما قدّمناه (5) .

____________

(1) الكافي ص74.

(2) النهاية ص583.

(3) المبسوط ج6 ص263.

(4) المهذب ج2 ص439.

(5) الغنية (المطبوعة ضمن الجوامع الفقهية) ص618.

31

7 ـ قال ابن حمزة (ت ق6هـ): والذبح يجب أن يكون حالة الاختيار بالحديدة، ويجوز حالة الضرورة بما يفري الأوداج من الليطة والمروة والخشبة (1) .

8 ـ قال الكيدري (ت ق6هـ): ولا تكون الذكاة صحيحة مبيحة للأكل إلا بقطع الحلقوم والودجين مع التمكّن من ذلك بالحديد أو ما يقوم مقامه في القطع عند فقده من زجاجٍ أو حجرٍ أو قصب (2) .

9 ـ قال ابن إدريس (ت598هـ): وقد قدّمنا أنه لا تجوز الذباحة إلا بالحديد، فإن لم يوجد حديد وخِيف فوت الذبيحة أو اضطرّ إلى ذباحتها جاز أن يُذبح بما يفري الأوداج من ليطةٍ أو قصبةٍ أو زجاجةٍ أو حجارةٍ حادّة الأطراف مثل الصخور والمرو وغير ذلك (3) .

10 ـ قال المحقّق الحلّي (ت676هـ): ولا تصحّ إلا بالحديد مع القدرة وتجوز بغيره مما يفري الأوداج عند الضرورة ولو بمروةٍ أو ليطةٍ أو زجاجة، وفي الظفر أو السنّ مع الضرورة تردّد (4) .

ولم يعلّق عليه تلميذه الفاضل الآبي في كشف الرموز (5) .

11 ـ قال ابن سعيد الهذلي (ت690هـ): ويحلّ الذكاة بكلّ محدّد من حديدٍ، أو صفرٍ أو خشبٍ أو مروٍ أو زجاج مع تعذّر الحديد (6) .

12 ـ قال العلامة الحلّي (ت726هـ): ولا تصحّ التذكية إلا بالحديد فإن تعذّر وخيف فوت الذبيحة جاز بكلّ ما يفري الأعضاء كالزجاجة والليطة والخشبة والمروة الحادّة (7) .

____________

(1) الوسيلة ص431، وفي المصدر: (والخشبة والحديدة) ولعلّه من غلَطِ النسخة.

(2) إصباح الشيعة ص65.

(3) السرائر ج3 ص107.

(4) المختصر النافع ص249.

(5) كشف الرموز ج2 ص350.

(6) الجامع للشرايع ص173.

(7) قواعد الأحكام ص204.

32

13 ـ قال الشهيد الأول (ت786هـ): والواجب في الذبيحة أُمور سبعة: أن يكون بالحديد، فإن خيف فوت الذبيحة وتعذّر الحديد جاز بما يفري الأعضاء من ليطةٍ أو مروةٍ حادةٍ أو زجاجةٍ وفي السنّ والظفر للضرورة قول بالجواز (1) .

14 ـ قال الشهيد الثاني (ت965هـ): المعتبر عندنا في الآلة التي يُذكّى بها أن تكون من حديدٍ فلا يجزي غيره مع القدرة عليه وإن كان من المعادن المنطبعة كالنحاس والرصاص والذهب وغيرها، ويجوز مع تعذّرها والاضطرار إلى التذكية ما فرى الأعضاء من المحدّدات ولو من خشبٍ أو ليطةٍ.. أو مروةٍ.. أو غير ذلك عدا السنّ والظفر إجماعاً وفيهما قولان (2) .

15 ـ قال المحقّق الأردبيلي (ت993هـ): الظاهر عدم الخلاف في اشتراط كونها ـ آلة الذبح والنحر ـ من حديدةٍ مع الاختيار (3) .

16 ـ قال الفاضل الهندي (ت1173هـ): ولا تصحّ التذكية اختياراً إلا بالحديد اتفاقاً (4) .

17 ـ قال السيد صاحب الرياض (ت1231هـ): لا تصحّ التذكية إلا بالحديد مع القدرة عليه، فلا يجزي غيره وإن كان من المعادن المنطبعة كالنحاس والرصاص والذهب والفضة وغيرها بلا خلاف بيننا بل في ظاهر المسالك وغيره أن عليه إجماعنا وهو الحجّة.. (5) .

18 ـ قال المحقّق النراقي (ت1245هـ): لا تجوز التذكية إلا بالحديد مع الاختيار فلا يجزي غيره ولا تقع به الذكاة وإن كان من المعادن المنطبعة كالنحاس والرصاص والذهب والفضّة وغيرها، بلا خِلاف بيننا كما صرّح به جماعة بل الإجماع المحكي مستفيضاً بل المُحقّق عند التحقيق، وهو الحجّة

____________

(1) اللمعة الدمشقية ج7 ص212.

(2) مسالك الإفهام ج2 ص226.

(3) مجمع الفائدة والبرهان ج11 ص91.

(4) كشف اللثام ج2 ص78.

(5) رياض المسائل ج2 ص272.

33

فيه مضافاً إلى المستفيضة الخالية عن المُعارض بالمرّة (1) .

19 ـ قال الشيخ صاحب الجواهر (ت1266هـ): وأما الآلة فلا تصحّ التذكية ذبحاً أو نحراً إلا بالحديد مع القدرة عليه وإن كان من المعادن المنطبعة كالنحاس والصفر والرصاص والذهب وغيرها.. نعم لو لم يوجد الحديد وخيف فوت الذبيحة جاز بما يفري أعضاء الذبيح ولو كان ليطةً أو خشبةً أو مروةً حادّةً أو زجاجة (2) .

20 ـ قال الشيخ الأعظم الأنصاري (ت1281هـ) مُعقّباً على قول المحقّق في الشرائع: (وأما الآلة فلا تصح التذكية إلا بالحديد): أما عدم جواز غير الحديد مع التمكّن منه فلأخبارٍ كثيرة، وأما جواز غيره من العود أو الخشبة وغيرها وكذا النحاس وغيره من المعادن مما هو من غير الحديد عند الضرورة فتدلّ عليه صحيحة زيد الشحّام (3) .

هذه مجموعة من كلمات فقهائنا قدّس الله أسرارهم في عدم تذكية الحيوان إذا ذُبح بغير الحديد مع التمكّن منه.

وأما ما استدلّوا به على ذلك فوجهان:

الإجماع.

وطائفة من النصوص المرويّة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، ويقع البحث عنهما فيما يأتي:

1 ـ إجماع فقهاء الإمامية

على عدم جواز الذبح بغير الحديد اختياراً

وقد اعتمد على الإجماع السيد ابن زهرة في الغُنية وعدد من الفقهاء المتأخّرين كالسيد صاحب الرياض والمحقّق النراقي قُدّست أسرارهم.

وتُستفاد دعوى الإجماع من كلمات جمعٍ:

____________

(1) مستند الشيعة ج2 ص452.

(2) جواهر الكلام ج12 ص587.

(3) لوامع النكات ج6 ص35.

34

(منهم): الشيخ الطوسي في المبسوط حيث قال في ذيل كلامه المتقدّم نقله: (غير أنه لا يجوز عندنا أن يُعدل من الحديد إلى غيره مع القدرة عليه) فإن قوله: (عندنا) في معنى دعوى الإجماع، لأن مرجع الضمير فيه هم فقهاء الإمامية في مقابل العامة الذين تقدّم أنّهم ـ إلاّ من شذّ منهم ـ لا يفرّقون بين الحديد وغيره في الذبح مطلقاً.

و(منهم): السيد ابن زهرة في الغُنية حيث قال في عبارته المتقدّمة: (ولا تكون الذكاة صحيحة... مع التمكن من ذلك بالحديد أو ما يقوم مقامه عند فقده من زجاجٍ أو حجر... مع التسمية واستقبال القبلة بدليل ما قدّمناه) والظاهر أن قوله: (بدليل ما قدّمناه) متعلّق بجميع ما قبله من أول العبارة لا بخصوص التسمية واستقبال القبلة، ومقصوده بـ (ما قدّمناه) هو إجماع الطائفة الذي استدلّ به قبيل ذلك في بعض الفروع الأُخرى.

و (منهم): الشهيد الثاني في المسالك، وعبارته المتقدّم نقلها تماثل عبارة الشيخ الطوسي في المبسوط.

و (منهم): الفاضل الهندي في كشف اللثام والسيد صاحب الرياض والمحقق النراقي؛ وقد تقدّم نقل عباراتهم.

ويمكن أن تُدعم دعاوى الإجماع بما ورد في كلمات بعض الفقهاء من التصريح بعدم الخلاف في هذه المسألة، ومنهم المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة حيث قال في كلامه المتقدّم ذكره: (الظاهر عدم الخلاف في اشتراط كونها من حديد مع الاختيار).

وفي ضوء ذلك يمكن أن يُقال أن تكرّر دعاوى الإجماع وعدم الخلاف في كلمات جمعٍ من فقهائنا المتقدّمين والمتأخّرين بشأن اشتراط أن تكون آلة الذبح من جنس الحديد في حال الاختيار، مع إطباق ما وصل إلينا من كلماتهم على ذلك مما يورث الاطمئنان بتحقّق الاتفاق عليه من العصر الأول إلى هذه الآونة الأخيرة التي ظهر فيها بعض الخلاف في ذلك، فإنه لو وُجد المخالف من السابقين واللاحقين لظهر وبان ولأُشير إليه ولو في بعض الكلمات مع أنها خالية عن ذكر المخالف تماماً.

35

ومما يؤكّد عدم وجود المخالف في هذه المسألة في الأعصار السابقة أن العلاّمة الحلّي قُدّس سره الذي التزم في مقدّمة كتابه (مختلف الشيعة) (1) بإيراد ما وصل إليه من اختلاف فقهاء الإمامية في الأحكام الشرعية ـ دون ما اتفقوا عليه ـ لم يُشر في كتاب الصيد والذبائح منه إلى اختلافهم في اشتراط كون آلة الذبح من الحديد مما يكشف عن عدم عثوره على اختلاف لهم في ذلك، مع العلم أنه كانت لديه مصادر عديدة من كتب السابقين لا توجد في هذه الأعصار كرسالة علي بن بابويه القمّي إلى ولده الصدوق وبعض كتب ابن أبي عقيل العماني والمختصر الأحمدي لابن الجُنيد الإسكافي وغيرها.

فعدم تعرّضه (قده) للخلاف في مسألة اشتراط أن تكون آلة الذبح من الحديد في حال الاختيار يدلّ على عدم عثوره على ما يُشير إليه في فتاوى السابقين مما يؤكّد دعاوى الإجماع ويزيد الباحث وثوقاً بتحقّقه بالفعل.

ومثل هذا الإجماع كافٍ وحده في حصول الاطمئنان بالحكم إذ لا يُحتمل أن يكون لاتفاق فقهائنا منشأ آخر غير تلقّي الحكم المجمع عليه من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ولاسيّما مع ما تقدّم من تحقّق الاتفاق تقريباً بين أهل السنّة على عدم اعتبار هذا الشرط في آلة الذبح.

مناقشات الإجماع

يمكن أن يُناقش الإجماع المذكور من عدّة وجوه:

(الوجه الأول): وهو يبتني على ما اشتهر من اتفاق فقهاء الجمهور على جواز الذبح بغير الحديد اختياراً، فيُقال بناءً عليه أنه لو كان فقهاء الإمامية متفقين على خلاف ذلك لكان هذا الحكم من منفردات الإمامية ومما امتازوا به عن سائر المسلمين، وعلى هذا التقدير كان ينبغي أن يُذكر في الكتب المخصّصة لإيراد أمثاله كـ (الأعلام) للشيخ المفيد و (الانتصار)

____________

(1) مختلف الشيعة ج1 ص2.

36

للسيد المرتضى و (الخلاف) للشيخ الطوسي، مع أنها جميعاً خالية عن الإشارة إليه، وتوضيح ذلك:

أن الشيخ المفيد قد خصّص كتابه (الأعلام) ـ كما ذكر في مقدّمته ـ لجمع ما اتفقت عليه الإمامية من الأحكام الشرعية على الآثار المجتمع عليها بينهم عن الأئمّة المهديّة من آل محمد صلوات الله عليهم مما اتفقت العامّة على خلافهم فيه (1) .

ومع ذلك ذكر في باب الصيد والذبائح: (إن هذا من الأبواب التي ليس للإمامية فيه اتفاق على خلاف إجماع العامة، وقولهم في جميعه لا يخرج عن أقاويل أهل الخلاف) (2) .

فلو كان فقهاء الإمامية متّفقين على اشتراط أن تكون آلة الذبح من الحديد في حال الاختيار لكان هذا على خلاف ما أجمعت عليه العامة فلِمَ لم يورده قدس سره في هذا الباب؟!.

وأيضاً أن السيد المرتضى قدّس سره قد ذكر في مقدّمة الانتصار أنه أراد أن يبيّن فيه المسائل الفقهيّة التي شُنّع بها على الشيعة الإمامية وادّعي عليهم مخالفة الإجماع وأكثرها موافق فيه الشيعة غيرَهم من العلماء والفقهاء المتقدّمين أو المتأخرين وما ليس فيه موافق من غيرهم فعليه من الأدلّة الواضحة والحجج اللائحة ما يُغني عن وفاق الموافق ولا يوحش معه خلاف المخالف (3) ، وقال في موضع منه (أنه إذا كانت المسألة مما لا يُجمع أصحابنا عليها ويختلفون فيها فهي خارجة عمّا بنينا هذا الكتاب عليه) (4) .

وقد أورد رحمه الله في فصل (الصيد والذبائح) (5) جملة من منفردات

____________

(1) الأعلام ص2.

(2) المصدر نفسه ص15.

(3) الانتصار ص2.

(4) المصدر نفسه ص148.

(5) المصدر نفسه ص182 وما بعدها.

37

الإمامية أو ما ظُنّ أنه من منفرداتهم، ومنها إيجاب استقبال القبلة عند الذبح ولم يذكر اشتراط كون الآلة من الحديد مع أنه على تقدير اتفاق الإمامية على ثبوت هذا الشرط فهو من متفرداتهم التي تعهّد بالتعرّض لها وإيراد (الأدلّة الواضحة والحجج اللائحة) عليه على حدّ تعبيره.

وهكذا... ذكر الشيخ الطوسي قدّس سره في مقدّمة الخلاف أنه قصد فيه إملاء مسائل الخلاف بيننا وبين من خالفنا من جميع الفقهاء من تقدّم منهم ومن تأخّر (1) ، ومع ذلك لم يذكر في كتاب الصيد والذبائح اشتراط أن تكون الآلة من الحديد وإنما ذكر اشتراط عدم كونها سنّاً أو ظفراً وادّعى على ذلك إجماع الفرقة وأخبارهم (2) ، فلو كان الأمر الأول متّفقاً عليه بينهم أيضاً فلماذا أغفله قدّس سره؟!.

وبالجملة إذا كان إجماع الإمامية قائماً على اعتبار أن تكون آلة الذبح من الحديد فهذه الفتوى من متفردات الإمامية وما اختلفوا فيه مع سائر فقهاء الإسلام فما بالها لم تُذكر في الكتب المعدّة لذلك؟!.

أليس هذا مؤشّراً إلى عدم تحقّق الإجماع في هذه المسألة عند الإمامية؟

هذا

ولكن يظهر الجواب عن هذا الوجه بما تقدّم عند بيان موقف فقهاء الجمهور من الذبح بغير الحديد اختياراً، حيث مرّ أن ما هو ظاهر بعضهم وصريح آخرين من اتفاقهم على جواز الذبح بغير الحديد مطلقاً ليس مسلّماً، بل يبدو وجود الخلاف في ذلك بينهم حسبما يظهر من بعض ما وصل إلينا من كلمات جمعٍ منهم.

وفي ضوء ذلك يمكن أن يُقال أن عدم اشتمال كتابيّ (الأعلام) و

____________

(1) الخلاف ج1 ص2.

(2) المصدر نفسه ج2 ص521.

38

(الانتصار) على هذه المسألة لا يدلّ بوجه على عدم تحقّق الإجماع فيها عند فقهائنا:

أما بالنسبة إلى كتاب (الأعلام) فلأنّ شرط المفيد لما يذكره فيه هو أن لا يكون للإمامية موافقٌ عليه من العامّة، وقد صرّح في موضعٍ منه بأنه لا يريد بالعامّة الحنبليين دون الشافعيين ولا العراقيين دون المالكيين ولا متأخّراً دون متقدّم ولا تابعياً دون من نُسب إلى الصُحبة بل يريد بذلك كلّ من كانت له فُتيا في الأحكام الشرعية وأخذ عنه قوم من أهل الملّة ممّن ليس له حظّ في الإمامة من آل محمد (صلى الله عليه و آله وسلم) فإذا وجد الموافق ولو من واحدٍ من هؤلاء كائناً من كان خرج عن موضوع هذا الكتاب (1) .

وحيث أنه قد تقدّم وجود موافق للإمامية في عدم جواز الذبح بغير الحديد إلا في حال الاضطرار، فمن المحتمل أن المفيد (قده) كان على اطّلاع من وجود الموافق ولذلك لم يورد هذه المسألة في كتابه الأعلام.

وأما بالنسبة إلى كتاب الانتصار فلأنه مخصّص كما سبق لذكر منفردات الإمامية وما ظنّ انفرادهم فيها، ولعلّ السيد المرتضى (قده) اطّلع على موافقة الخليفة الثاني وسعيد بن المسيب ومالك بن أنس للإمامية في هذه المسألة ولاحظ أنهم من المعاريف الذين لا يبقى مع موافقتهم مجال كبير لمظنّة انفراد الإمامية عن سائر المسلمين.

مضافاً إلى أن من المعلوم أنه قدس سره كان صاحب مكتبة ضخمة زعم التنوخي أنها كانت تحتوي على ثمانين ألف مجلّد من مصنّفات ومحفوظات ومقروّات (2) ، ومن المؤكد أنه كان لديه من مصادر العامّة الحاكية لاختلافاتهم الفقهيّة ما لا يوجد بأيدينا اليوم، كاختلاف الفقهاء لأبي جعفر الطحاوي ـ الذي لا يوجد منه اليوم إلا قطعة فقط ـ واختلاف

____________

(1) لاحظ الأعلام ص9.

(2) روضات الجنات ج4 ص296.

39

الفقهاء لأبي يحيى الساجي وغير ذلك (1) ، فيُحتمل أنه وجد أن عدداً معتدّاً بهم من فقهاء الجمهور يشاركون الإمامية في عدم جواز الذبح بغير الحديد إلاّ اضطراراً فلم يجد أي مجال لمظنّة انفراد الإمامية في هذه المسألة ليُدرجها في كتابه.

وأما بالنسبة إلى كتاب (الخلاف) فعدم إدراج هذه المسألة فيه مما لا يُعرف له وجه صحيح حتى لو لم تكن اتفاقية بين فقهائنا، لأن الشيخ قدّس سرّه لا يقتصر فيه على ذكر المسائل الإجماعية عند الإماميّة، بل يورد فيه حتى المسائل الخلافية بينهم كما قال في مقدمته: (وإن كانت المسألة مسألة إجماع من الفرقة المحقّة ذكرت ذلك وإن كان فيها خلاف بينهم أومأت إليه) (2) . ومن المؤكّد أن جمعاً كبيراً من فقهاء الإمامية ومنهم الشيخ نفسه وأستاذه المفيد قد ذهبوا إلى اشتراط أن تكون آلة الذبح من جنس الحديد في حال الاختيار، فلماذا لم يذكر هذه المسألة في (الخلاف) وإن فُرض وجود مخالف لهذا الرأي بين فقهائنا؟!

والحاصل أنه لا يمكن أن يُستنتج من عدم اشتمال الكتب الخلافية الثلاثة (الأعلام، الانتصار، الخلاف) على مسألة عدم جواز الذبح بغير الحديد اختياراً وجود خلاف بشأنها بين فقهاء الإمامية.

(الوجه الثاني) : إن بعض ما وصل إلينا من كتب فقهائنا المتقدّمين وحتى المتأخّرين خالية عن اشتراط كون آلة الذبح من جنس الحديد في عِداد ما يُشترط في الذباحة:

(منها): كتاب المقنع للشيخ الصدوق (ت381هـ) فإنه أورد فيه من شروط الذباحة الاستقبال بالذبيحة إلى القبلة والذبح من المذبح وخروج

____________

(1) لاحظ الانتصار ص46، 134، 198، 277 وغيرها.

(2) الخلاف ج1 ص2.

40

الدم العبيط أو تحرّك الذبيحة وإسلام الذابح إلا مع التأكّد من أنه ذُكر اسم الله عليه وغير ذلك، ولم يُذكر في عدادها كون الآلة حديداً في حال الاختيار (1) .

و(منها): كتاب الهداية للشيخ الصدوق أيضاً فإنه لم يذكر في باب الصيد والذبائح اشتراط أن تكون آلة الذبح من الحديد (2) .

و(منها): كتاب المراسم العلويّة لأبي يعلي سلاّر بن عبد العزيز (ت463هـ)، فإنه أورد في باب الذبائح أنه لا بدّ في ذلك من التسمية والتوجّه إلى القبلة وأن يكون المتولّي لذلك مسلماً ولا يفصل الرأس إلا بعد البرد... إلى آخر ما ذكره وليس منه كون الآلة حديداً (3) .

و(منها): فقه القرآن للراوندي (ت573هـ)، فإنه ذكر في باب الذبح عدّة أُمور مما يُعتبر فيه كاستقبال القبلة مع الإمكان وكون الذابح مسلماً وخروج الدم أو تحرّك الذبيحة ولم يُذكر كون الآلة من الحديد (4) .

وفي ضوء ذلك يتبيّن أن دعاوى الإجماع على اعتبار أن تكون آلة الذبح من الحديد في حال الاختيار لا تبتني على استقصاء آراء الفقهاء حتّى المتأخرين منهم فضلاً عن المتقدّمين فكيف يمكن الاعتماد عليه في الحكم بذلك؟!

(أقول): إن عدم اشتمال الكتب المذكورة ونظائرها على اشتراط أن تكون آلة الذبح حديداً مع الاختيار لا يدلّ على مخالفة أصحابها للشرط المذكور، ولعلّ مُدّعي الإجماع استحصل آراءهم من كتبهم الفقهيّة الأخرى.

____________

(1) لاحظ المقنع ص138 إلى ص143.

(2) لاحظ الهداية ص79 ـ 80.

(3) المراسم ص209.

(4) فقه القرآن ص372.

41

وبالفعل نجد أن الشيخ الصدوق (قده) قد أورد في كتاب (الفقيه) رواية عبد الله بن سنان الدالّة بمفهوم الشرط على اعتبار أن تكون آلة الذبح عند الإمكان من الحديد (1) ، ومن المعروف أن (الفقيه) كتاب فقه وفتوى كما هو كتاب حديث ورواية.

بل يمكن أن يقال أنه يُستفاد بملاحظة مجموع كلامه في (المقنع) أنه كان يعتبر أن تكون آلة التذكية ـ صيداً وذبحاً ـ من الحديد، حيث ذكر في صيد الكلب أنه إذا لم يكن معك حديدة تذبحه فدع الكلب يقتله ثم كُل منه، وقال في الصيد بالرمي: وإذا رميت سهمَك وسمّيت وأدركته وقد مات فكله إذا كان في السهم زجّ حديد (2) .

هذا، مضافاً إلى أن نقص كتاب (الهداية) وعدم استيعابه لجميع ما يُعتبر في الذباحة ظاهر، فإنه لم يذكر فيه إلا اشتراط التسمية وأن لا يكون الذابح ناصبياً، ومثله كتاب (فقه القرآن) للراوندي فإنه ليس مخصّصاً لذكر جميع الأحكام بل خصوص ما هو مذكور منها في القرآن المجيد.

(الوجه الثالث) : إن المذكور في كلمات كثير من الفقهاء اشتراط أن تكون آلة الذبح حديداً، والحديد يأتي بمعنيين: الشيء الحادّ والمعدن المعروف، ولم يظهر أن مقصودهم هو المعنى الثاني ليمكن استحصال الإجماع على اعتبار أن تكون آلة الذبح من جنس الحديد كما هو المدّعى.

وعلى تقدير أن لا يكون مرادهم بالحديد هو الشيء الحاد بل المعدن المعروف إلا أنه لا يُستبعد أن يكون ذكر الحديد من جهة كونه من المعادن المنطبعة التي كانت الآلات القاطعة كالسكاكين والمدى والشفرات تُصنع منه عادةً لا لخصوصيّة فيه ولذا ذُكر في مقابله مثل الليطة والحجارة والقصبة مما لا يكون من الآلات المعدّة للقطع.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج3 ص208 ح45.

(2) المقنع ص138 ـ 139.

42

وفي ضوء ذلك يتّضح أنه لا يمكن الاعتماد على الإجماع المُدّعى على اشتراط أن تكون آلة الذبح من جنس الحديد، لأنه يبتني على استظهار هذا المعنى من لفظ الحديد المذكور في كلمات الفقهاء وهو محلّ تأمل أو منع.

(أقول): الظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في أن المقصود بلفظ الحديد في فتاوى الفقهاء هو المعدن المعروف لا الشيء الحادّ ولا ما يعمّ سائر الفلزات..

أما عدم إرادة الأول فلأنه ـ مضافاً إلى أن المعتبر في آلة الذبح أن تكون صالحة للقطع ولو ببطء، وأما كونها حادّة فذلك من آداب الذباحة لا واجباتها باتفاق المسلمين ـ أن هذا المعنى لا ينسجم مع كلمات صنفين من الفقهاء:

أ ـ من ذكر في مقابل الحديد مثل الحجر الحاد كابن البرّاج في المهذّب، أو الحجارة الحادة كالشيخ في النهاية وابن إدريس في السرائر، أو المَروْة الحادّة كالعلاّمة في القواعد (1) .

ب ـ من ذكر في مقابل الحديد بعض المعادن المنطبعة كالشيخ في المبسوط وابن سعيد في الجامع وصاحبي الرياض والمستند وغيرهم (2) .

وأما عدم إرادة مطلق المعادن المنطبعة فلمنافاته مع كلمات الصنف الثاني من الفقهاء ممّن أُشير إليهم آنفاً، مضافاً إلى أن ذكر الحديد وإرادة كلّ معدن منطبع خلاف الظاهر ولا قرينة عليه، فإن مقابلة الحديد بالمرْوة والحجارة والخشبة لا تقتضي أن يكون المقصود به مطلق الفلزات كما سيأتي توضيحه عند البحث عن نصوص المسألة (3) .

____________

(1) لاحظ نصوص كلماتهم في ص30، 31.

(2) لاحظ نصوص كلماتهم في ص30، 31، 32.

(3) لاحظ ص61.

43

(الوجه الرابع) : ـ وهو العمدة ـ أن الإجماع الذي يمكن أن يُتوصّل من خلاله إلى الاطمئنان بالحكم الشرعي هو ما يتوفّر فيه شرطان:

1 ـ أن يكون إجماعاً لفقهائنا المتقدّمين الذين عاصروا الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ومن قربوا من عصرهم ـ وقد عدّ النجاشي ما يناهز خمسين منهم في كتابه المعروف بـ (الرجال) ـ وأما الفقهاء المتأخّرون فإنما يصلح اتفاقهم للاستيناس والتأييد فقط.

2 ـ أن لا يكون بأيدينا من النصوص المرويّة عن الأئمة (عليهم السلام) ما يُعلم أو يُحتمل أن يكون مستنداً لهم في الحكم المجمع عليه وإلا فقد الإجماع قيمته وكان المعوّل على ما يُستفاد من تلك النصوص، وهكذا لو عُلم أو احتمل أن يكون لهم مستندٌ آخر غير النصوص الشرعية ـ كبعض الوجوه العقلية ـ فإن العبرة عندئذٍ بصواب ذلك المستند عندنا لا باتفاقهم على تماميّة الاستناد إليه.

ولا يوجد من أول الفقه إلى آخره نماذج واضحة للإجماع المستجمع للشرطين إلا في موارد قليلة جداً، وليس المقام منها، لفقد كِلا الشرطين المذكورين:

أما فقد الشرط الأول فلأن ما يوجد بأيدينا من كلمات الفقهاء ـ مما تقدّم نقله ـ لا يشتمل على شيء يُذكر من كلمات المتقدّمين وإنما هي بتمامها تقريباً للمتأخّرين الذين لا يحقّق اتفاقهم الإجماع المطلوب.

وأما دعاوى الإجماع أو عدم الخلاف المتكرّرة في المبسوط والغُنية والمسالك وكشف اللثام وغيرها فهي الأخرى لا تعبّر عن آراء القدماء، فإن إجماعات الشيخ قدس سره لا تبتني على استقصاء فتاوى الأصحاب بل على أُمور أخرى تعرّض لها جمعٌ من الأصوليين في مبحث حجيّة الإجماع ويضيق المجال عن شرحها.

والظاهر أن إجماعات السيد ابن زهرة والمحقّق والعلاّمة والشهيدين لا تبتني أيضاً على تتبّع فتاوى المتقدّمين لأنه لم يكن يتوفر لديهم من

44

المصادر الكفيلة بنقل آرائهم ـ غير ما هو الموجود بأيدينا اليوم ـ إلا النزر اليسير وهو غير وافٍ بالمقصود.

ومنه يتبيّن حال إجماعات متأخّري المتأخّرين كالمحقّق الأردبيلي وكاشف اللثام وأضرابهما قدس الله أسرارهم.

والحاصل أنه لا سبيل إلى استشكاف آراء المتقدّمين وفتاويهم من خلال إجماعات الشيخ ومن تأخّر عنه، وإن كان سبيل إلى ذلك فهو في إجماعات زرارة ويونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان والحسن بن علي بن فضال والكليني والصدوق وأمثالهم (1) .

وأما فقد الشرط الثاني فلورود طائفة كبيرة من الروايات الدالّة على اعتبار أن تكون آلة الذبح حديداً مع الإمكان، وهي دون شك مستند الأصحاب في الحكم بذلك، فلا بدّ من التحقّق من تماميّة الاستدلال بها وعدمها، ولا وجه للتعويل على الإجماع القائم على الاستناد إليها.

وهكذا يتّضح أن الإجماع المُدّعى على اعتبار أن تكون آلة الذبح من جنس الحديد ممّا لا يمكن الاعتماد عليه في الحكم بذلك.

2 ـ الروايات المرويّة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)

إن الروايات الواردة في هذه المسألة على أقسام ثلاثة:

(القسم الأول) : ما دلّ على عدم وقوع الذكاة بغير الحديد وهو:

1 ـ صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الذبيحة بالليطة وبالمروة فقال: ((لا ذكاة إلا بحديدة)) (2) .

2 ـ موثّقة سماعة بن مهران قال: سألته عن الذكاة فقال: ((لا يُذكّى

____________

(1) لاحظ نماذج من دعاوى الإجماع في كلمات بعض المذكورين في الكافي ج7 ص115 و97 و104 و70، والتهذيب ج9 ص397، والكافي ج6 ص96.

(2) الوسائل ج16 ص252 ح1.

45

إلا بحديدة، نهى عن ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) )) (1) .

وقد يُناقش في حجيّة مضمرات سُماعة بدعوى أنه ليس من الأجلاّء الذين لا يليق بهم السؤال عن غير الإمام (عليه السلام) كما يقال ذلك بشأن زرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما، فلا عبرة إذاً بمضمراته لاحتمال أن يكون مرجع الضمير فيها غير المعصوم ولا حجيّة لقوله (2) .

ولكن الظاهر أن وقوع الإضمار في الكثير من رواياته إنما نشأ من تقطيع كتابه وتوزيعه على الأبواب المناسبة مع التحفّظ على لفظه، فإنه كان يذكر اسم الإمام المسؤول عنه في البداية ثم يكتفي باستخدام الضمير قائلاً (وسألته... وسألته...) وهكذا، كما نجد نظير ذلك في بعض الأصول الواصلة إلينا بصورتها الأولية كالنسخة المنسوبة إلى علي بن جعفر التي أدرجها العلامة المجلسي (قده) في البحار (3) .

3 ـ معتبرة أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ((لا يؤكل ما لم يُذبح بحديدة (بالحديد)) ) (4) .

4 ـ صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الذبيحة بالعود والحجر والقصبة قال: ((قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) : لا يصلح الذبح إلا بحديدة (بالحديدة)) ) (5) .

5 ـ رواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) أنه كره ذبيحة الظفر والسنّ والعظم وذبيحة القصبة إلا ما ذُكّي بحديدة (6) .

____________

(1) الوسائل ج16 ص253 ح4.

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى ج4 ص286.

(3) بحار الأنوار ج10 ص249 وما بعدها.

(4) الوسائل ج16 ص253 ح3.

(5) الوسائل ج16 ص253 ح2.

(6) مجموع الفقه ج4 ص141، مسند الإمام زيد ص221 وفيه (ذكر) بدل (كره) وهو من غلط النسخة، وجدير بالذكر أن مجموع الفقه عن زيد بن علي المطبوع في ميلانو هو نفسه المطبوع لاحقاً باسم مسند الإمام زيد وأما ما ذُكر في مقدمة المسند ص30 من دعوى التغاير بينهما فلا أساس له من الصحّة كما يظهر بالمقابلة.

46

ومصدر هذه الرواية هو ما يُسمّى بـ (مجموع الفقه لزيد بن علي) أو (مسند الإمام زيد) والظاهر أنه هو المعنّي بما ذكره النجاشي في ترجمة عمرو بن خالد من أن له كتاباً كبيراً عن زيد بن علي (عليه السلام) (1) .

وعمرو بن خالد ـ هذا ـ كان من رؤساء الزيدية وقد وثّقه ابن فضّال فيما حكاه عنه الكشّي (2) ، إلا أن الطريق إلى النسخة الموجودة من كتابه يشتمل على عدد من غير الموثقين فلا اعتماد على روايته.

وأما دلالة الرواية على حرمة المذبوح بغير الحديدة فتبتني على كون الكراهة فيها بمعنى الحرمة كما حملها عليها القاضي السياغي في شرحه للمجموع قائلاً: (وفيه دليل على كراهة الذبح بهذه الآلات والمراد منها التحريم) (3) ، ولكن استظهار التحريم من لفظ (يكره) وساير مشتقات هذه المادة في غير محلّه لأنه إنما يدلّ على المبغوضيّة أي طبيعيها المنسجم مع الحرمة والكراهة المصطلحة فلا يمكن أن يُحمل على التحريم من دون قرينة مُعيِّنة (4) .

والصحيح أن يُستدلّ على إرادة التحريم بلفظ (يكره) في هذه الرواية ـ على تقدير ثبوتها ـ بمعتبرة سيف التمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في حديث: (ولم يكن علي (عليه السلام) يكره الحلال) (5) فإن إطلاقها يشمل مفروض البحث.

____________

(1) معجم رجال الحديث ج13 ص103.

(2) اختيار معرفة الرجال ص232.

(3) الروض النضير ج3 ص165.

(4) لاحظ (وسائل المنع من الإنجاب) ص18.

(5) الوسائل ج12 ص447 ح1.

47

وقد ورد استعمال (يكره) بمعنى الحرمة مرويّاً عن علي (عليه السلام) في عدّة موارد منها قوله: (إن علي بن أبي طالب كان يكره أن يُستبدل وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر) (1) ، ومنها قوله: (إن أمير المؤمنين كان يكره الجرِّيث) (2) .

ولكن ورد استعماله بمعنى الكراهة المصطلحة أو ما يقرب منها في عدّة موارد أيضاً منها قول: (أن علياً كره الصور في البيوت) (3) و: (كان علي يكره إدمان اللحم) (4) و: (أن علياً كره المسك أن يتطيّب به الصائم) (5) و: (أنه كره أن يبيت الرجل في بيت ليس له باب ولا ستر) (6) فلا بد من تقييد إطلاق معتبرة سيف في هذه الموارد ومثيلاتها.

(القسم الثاني) : ما دلّ على وقوع الذكاة بالمروة والحجارة ونحوهما مع فقد الحديد، وهو:

1 ـ صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ((لا بأس بأن تأكل ما ذبح بحجر إذا لم تجد حديدة)) (7) .

2 ـ صحيحة زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يكن بحضرته سكّين أفيذبح بقصبة؟ فقال: ((اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود إذا لم تصب الحديدة (الحديد)، إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس)) (8) .

____________

(1) الوسائل ج12 ص447 ح2.

(2) الوسائل ج16 ص330 ح3.

(3) الوسائل ج3 ص561 ح3.

(4) الوسائل ج17 ص32 ح4.

(5) الوسائل ج7 ص65 ح6.

(6) الوسائل ج3 ص577 ح1.

(7) الوسائل ج16 ص254 ح2.

(8) الوسائل ج16 ص254 ج3.

48

3 ـ صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن المروة والقصبة والعود أيذبح بهنّ الإنسان إذا لم يجد سكّيناً؟ قال: ((إذا أفرى الأوداج فلا بأس بذلك)) (1) .

4 ـ رواية محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) في الذبيحة بغير حديدة: ((إذا اضطررت إليها، فإن لم تجد حديدة فاذبحها بحجر)) (2) .

وفي سند هذه الرواية (عبد الله بن محمد) وهو عبد الله بن محمد بن عيسى الملقّب بـ (بنان) ولم يُوثّق (3) .

(القسم الثالث) : ما دلّ على وقوع الذكاة بالمروة والعود وأشباههما ما خلا السنّ والعظم، وهو:

رواية الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) أنه كان يقول: ((لا بأس بذبيحة المروة والعود وأشباههما ما خلا السنّ والعظم)) (4) .

ومصدر هذه الرواية كتاب قرب الإسناد للحميري، وراويها (الحسين بن علوان الكلبي) ممّن لم تثبت وثاقته ـ كما أوضحته في موضعٍ آخر من هذه الرسالة ـ (5) فيشكل الاعتماد على روايته على مبنى من يرى حجيّة خبر الثقة دون غيره.

وبناءً عليه فالروايات المعتمدة في المسألة على قسمين هما الأول والثاني ولا عبرة بالقسم الثالث.

____________

(1) الوسائل ج16 ص253 ح1.

(2) الوسائل ج16 ص254 ح4.

(3) معجم رجال الحديث ج3 ص390.

(4) الوسائل ج16 ص254 ح5.

(5) لاحظ الملحق الثالث ص 174.

49

وكيف كان فالاتجاه السائد عند الفقهاء في التعامل مع نصوص المسألة هو تفسير لفظ (الحديد) أو (الحديدة) المذكورين فيها بالمعدن المعروف، ثم حمل المطلق منها على المقيّد مما ينتج عدم جواز الذبح بالآلة التي لا تكون من جنس الحديد إلا في حال الاضطرار، مع بعض الخلاف عندهم فيما يتعلّق بجواز الذبح بالسنّ والظفر حتى في حال الضرورة.

وقبل شرح ما يبتني عليه هذا الاتجاه في كيفيّة التعامل مع الروايات لا بدّ من وقفة قصيرة مع معنى لفظيْ (الحديد) و (الحديدة) في اللغة والاستعمال.

معنى الحديد والحديدة:

الحديد والحديدة مشتقّان من (ح د د)، وقد ذُكر لهذه المادة عدّة معانٍ أرجعها ابن فارس في المقاييس (1) إلى معنيين:

1 ـ المنع:

وقد نصّ عليه كثير من اللغويين، قال الخليل: حددته عن كذا: منعته، وقال ابن دُريد: أصل الحدّ المنع، يقال: هذا أمر حُدد أي ممتنع، وقال الأزهري: سُمّيت الحدود حدوداً لأنها تحدّ أي تمنع من إتيان ما جُعلت عقوبات فيها، وحداد المرأة على زوجها مأخوذٌ من المنع لأنها قد مُنعت من الزينة، وقال ابن عباد: الحدّ: الحاجز بين الشيئين، وسمّي الحديد حديداً لامتناعه وصلابته وشدّته، وقال الجوهري: الحدّ: المنع، والمحادّة: المخالفة ومنع ما يجب عليك، والحديد معروف لأنه منيع والحديدة أخصّ منه، وقال ابن سيده: قال أبو العباس: الحديد جنس لا يُثنّى ولا يُجمع، وقال ابن الأعرابي: الحديد واحدته حديدة كالشعير

____________

(1) مقاييس اللغة ج2 ص3.

50

واحدته شعيرة، وحديد ليس بفعيل في معنى فاعل لأنه لا فعل له (1) .

2 ـ طرف الشيء:

قال ابن فارس: وهو قولهم حدّ السيف: حرفه، وحدّ السكّين، وقال الخليل: حدّ كلّ شيءٍ طرف شباته كحدّ السنان والسيف ونحوه، وحكاه الأزهري عن الليث وأضاف: وهو ما دقّ من شفرته، وقال ابن عبّاد: حدّ كلّ شيءٍ طرف شباته، وقال الجوهري: حدّ كلّ شيء شباته، وقال ابن سيدة: حدّ كلّ شيءٍ طرف شباته كحدّ السكين والسيف والسنان والسهم، وقيل: الحدّ من كلّ ذلك ما دقّ من شعرته والجمع حدود (2) .

(أقول): لو كان هناك معنى آخر لمادة (ح د د) غير المنع فهو ما يقابل الكَلّ والكِلّة، أي: الحَدّ والحِدّة، وأما إطلاق الحدّ على مقطع السيف ونحوه ـ ومن ثَمّ على طرف شباة كلّ شيء ـ فالظاهر أنه بمناسبة أن مقطع السيف هو مكان حدّته نظير إطلاق (الكلّ) على قفاه أي طرفه الثاني حسبما نصّ عليه ابن سيدة (3) .

ويُستفاد المعنى الثاني المذكور من كلمات عدد من اللغويين:

قال الخليل: (حُدّ السيفُ واحتدّ فهو حادّ حديد) وقال ابن دريد: (حددت السكّين وغيره أحدُّ حدّاً، وأحدّها يحدّها إحداداً، سكّين حديد وحداد إذا مسحته بحجرٍ أو مبرد) وقال الأزهري: (قال الأصمعي: أحدّ السيف إحداداً إذا شحذه وحدّده فهو محدّد مثله) وقال الجوهري: (قد حدّ

____________

(1) لاحظ ترتيب العين ج1 ص355 وجمهرة اللغة ج1 ص57 ـ 58 وتهذيب اللغة ج3 ص420 ـ 421 والمحيط ج2 ص306 ومقاييس اللغة ج2 ص3 ـ 4. والصحاح ج1 ص459 ـ 460 والمخصص ج3 السفر 12 ص26.

(2) مقاييس اللغة ج2 ص4 وترتيب العين ج1 ص355 وتهذيب اللغة ج3 ص419 والمحيط ج2 ص305 والصحاح ج1 ص460 والمحكم ج2 ص354.

(3) المخصص ج2 السفر السادس ص19.