وسائل المنع من الانجاب

- السيد محمد رضا السيستاني المزيد...
352 /
1

وسائل المنع من الانجاب

(دراسة فقهية)

ويليها بحث حول جنابة المرأة بغير المقاربة

2

-

3

وسائل المنع من الانجاب

(دراسة فقهية)

ويليها بحث حول جنابة المرأة بغير المقاربة


محمد رضا السيستاني



دار المؤرّخ العربي

بيروت ـ لبنان

4

حقوق الطبع محفوظة


الطبعة الثالثة

1433 هـ ــ 2012 م



دار المؤرّخ العربي

5

بسم الله الرحمن الرحيم

6

-

7

تمهيد

لقد تضافرت النصوص بطرق الفريقين عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في الحث على تكثير النسل وزيادة الإنجاب.

فعن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((أكثروا الولد اكاثر بكم الأمم غداً)) (1) .

وفي خبر آخر عنه أنه قال: ((تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم)) (2) .

وفي لفظ آخر: ((فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة)) (3) .

وفي خبر ثالث عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((للمولود من أمتي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس)) (4) .

وفي رواية أخرى قوله (صلى الله عليه وآله) : ((الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة)) (5) .

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة.

ولكن يمكن أن يقال أن الذي تقتضيه مناسبات الحكم والموضوع

____________

(1) الكافي ج6 ص2.

(2) سنن النسائي ج6 ص66.

(3) كنز العمال ج16 ص302.

(4) من لا يحضره الفقيه ج3 ص96.

(5) الكافي ج6 ص3.

8

وهو المستفاد من بعض الروايات أن الشارع المقدس لم يندب إلى الإكثار من الأولاد إلاّ مقيداً بما يترقب من ذلك من المصالح الخاصة والعامة.

وتتمثل المصالح الخاصة في كون الولد عوناً لأبويه في تحمل أعباء الحياة ويبقى ذكراً جميلاً لهما بعد الوفاة وينفعهما بدعائه ويلحقهما ثواب ما يأتي به من الأعمال الصالحة من الصدقة والحج وغيرهما.

ففي الخبر عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: ((من سعادة الرجل أن يكون له وُلدٌ يستعين بهم)) (1) .

وعن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ((الولد الصالح أجمل الذِكرين)) (2) .

وفي رواية عن الصادق (عليه السلام) أنه ذكر في عداد ما يلحق الرجل بعد موته: ((الولد الصالح يدعو لوالديه بعد موتهما ويحج ويتصدق عنهما ويعتق ويصوم ويصلي عنهما)) (3) .

وأما إذا كان الإكثار من الأولاد يُرهق الأبوين مادياً ويتسبب لهما في المزيد من الجهد والعناء فلم يثبت كونه مندوباً عندئذٍ، وقد ورد في بعض النصوص أن: ((قلة العيال أحد اليسارين)) (4) .

كما أنه لو كان يعرقل قيامهما برعاية الأولاد وإعطاءهم حقهم في التربية والتعليم فليس هو مما ندب إليه الشارع المقدس.

وأما المصالح العامة في تكثير النسل فتتمثل في ازدياد المسلمين عزّة ومنعة ليتوسعوا في إعمار الأرض ونشر كلمة الحق والدين القويم في مختلف أرجاء المعمورة، ولو لم تكن الكثرة سبيلاً لما ذُكر تكون كثرة

____________

(1) الكافي ج6 ص2.

(2) مستدرك الوسائل ج 15/ 144 ح8.

(3) الكافي ج7 ص57.

(4) نهج البلاغة ج4 ص34.

9

واهية متداعية لا تستطيع أن تقف أمام مخططات الأعداء ومطامعهم ولا خير فيها عندئذٍ.

وفي الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((يوشك الأُمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى على القصعة أكلتُها، قيل: أو من قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: لا، بل أنتم أكثر ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن)) (1) .

والحاصل إن الإكثار من الأولاد وإن كان أمراً مندوباً إليه في الشرع الحنيف ولكن ذلك بالنظر إلى ما يُترقب منه من المصالح الخاصة والعامة، ويتقيد الندب إليه بحدود ذلك.

ومهما يكن فإن الملاحظ أنه لم يرد في الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة ما يدل على المنع من تحديد النسل اختياراً من حيث المبدأ، ولذلك يُستغرب جداً ما ذكره بعض المحدثين من علماء الجمهور من إناطة الترخيص فيه بتحقق الضرورة قائلاً: إن تحديد النسل بالنسبة إلى الأفراد يخضع لمبدأ (الضرورات تبيح المحظورات) فإذا أحاطت بفردٍ ظروف شديدة قاهرة تجعل تحديد النسل عنده أمراً لا مناص منه لدفع ضرر محقق عن الأب أو الأم أو الولد نفسه أو الأُسرة الصغيرة هذه فإنه لا مانع من أن يمنع النسل لهذا الرجل ما دامت الأسباب قائمة وإذا زالت الأسباب رجع الحكم إلى ما كان عليه من عدم الجواز (2) .

ويلاحظ على ما ذكره أنه في غياب أي دليل واضح على حرمة تحديد النسل اختياراً من حيث المبدأ يكون مقتضى الأصل هو الحلّ، ولا

____________

(1) مسند الشاميين ج1 ص345.

(2) أطفال تحت الطلب ص109 نقلاً عن الشيخ محمد علايا مفتي الجمهورية اللبنانية سابقاً.

10

ينبغي إناطة الأمر بتحقق الضرورة فإن ذلك فيما يثبت تحريمه شرعاً وليس تحديد النسل كذلك.

نعم في وسائل المنع من الحمل ما يمكن القول بحرمة استخدامها في حد ذاتها أو من حيث ما يقترن باستخدامها من بعض الأمور المحرّمة، ولكن هذا غير القول بحرمة تحديد النسل إلاَّ للضرورة.

ثم إن وسائل المنع من الحمل على نوعين: طبيعية وصناعية، والصناعية إما كيميائية أو موضعية أو هما معاً، وفيما يلي تعريف موجز بها:

(أ) الوسائل الطبيعية وهي:

1 ـ تجنّب المقاربة في أيام خصوبة المرأة، وهي ـ كما يقول بعض أهل الاختصاص ـ لا تتجاوز سبعة أيام على أبعد تقدير، وتنحصر فيما بين اليوم العاشر لبدء الدورة الطمثية الشهرية واليوم الثامن عشر منها.

2 ـ مواصلة الإرضاع فإنها تُضعف إلى حدٍ بعيد احتمال حصول حملٍ جديد نتيجةً لتعطّل الغدد الخاصة بالإخصاب عن العمل وبالتالي توقف الدورة الطمثية، ولكن تلك الغدد ربما تعود إلى العمل من دون أن ينتظم الطمث، ولذلك فإنه لا يمكن اعتماد انقطاعه دليلاً كافياً على انتفاء إمكانية الحمل.

3 ـ العزل ويقصد به سحب العضو التناسلي من المهبل قبل القذف.

(ب) الوسائل الكيميائية وأبرزها:

1 ـ الحبوب (الأقراص) التي تؤخذ عن طريق الفم، كأقراص (استروجين) و (بروجسترون) المركبة التي تتناولها المرأة لمدة ثلاثة أسابيع يومياً وتتوقف عن تناولها لمدة إسبوع واحد ثم تعاود تناولها مجدداً وهكذا.

11

2 ـ التزريق الدوري للبروجسترون في العضلة للمرأة بمقدار مائة وخمسين مليغراماً لمنع الحمل مدة ثلاثة أشهر، وبمقدار ثلاثمائة مليغرام لمنعه مدة ستة أشهر.

3 ـ زرع قرص البروجسترون تحت الجلد للمرأة، وتدخل هذه المادة إلى الدم تدريجاً وتترك تأثيراً مشابهاً للحبوب والتزريق الدوري.

(جـ) الوسائل الموضعية وأهمها:

1 ـ اللولب الرحمي (IUD) الذي يتم إدخاله من فتحة المهبل إلى الرحم، وأكثر أنواعه شيوعاً اللولب النحاسي.

2 ـ غلق الأنابيب التناسلية وهي القناة المنوية في الرجل وقناة النفير في المرأة.

3 ـ العازل الذكري (capot) الذي يحول دون قذف المني في داخل المهبل.

4 ـ غسل المهبل بعد المقاربة مباشرة، فإن الماء يُعد من المواد القاتلة للحيامن ويزداد تأثيراً إذا أُضيف إليه بعض الحوامض كالخل.

(د) الوسائل الكيميائية الموضعية ومن أشهرها:

1 ـ المواد الهلامية والتحاميل النسائية المصنّعة من مواد مكافحة للحيامن وتوضع في المهبل قبل المقاربة بنصف ساعة.

2 ـ اللولب الهرموني الذي يفرز في اليوم الواحد وبالتدريج 65 ميكروغرام من البروجسترون في الدم، وبذلك يمنع الحمل مدة فعاليته وهي سنة كاملة.

ونظيره اللولب (تي نوا) ويحتوي أيضاً على مادة البروجسترون ويمتد تأثيره من خمس إلى ست سنوات.

12

وأيضاً المانع الحلقوي ويحتوي كذلك على مادة البروجسترون، ويتمّ وضعه وإخراجه من قبل المرأة نفسها.

هذه هي وسائل المنع من الحمل المتاحة في العصر الراهن، والأكثر شيوعاً وتداولاً والأشد فاعلية منها هي:

1 ـ العزل بالطريقة التقليدية أو باستخدام العازل الذكري.

2 ـ الحبوب (الأقراص).

3 ـ اللولب.

4 ـ غلق الأنابيب التناسلية.

ويقع البحث عن هذه الوسائل في أبواب أربعة، ويُضاف إليها باب خامس في حكم الإجهاض الذي تلتجىء إليه بعض النساء للتخلّص من الحمل غير المرغوب فيه، فيعدّ وسيلة أخرى من وسائل المنع من الإنجاب.

13

الباب الأول

في العزل

14

-

15

يعتبر العزل بطريقته التقليدية المعروفة أي سحب العضو التناسلي من المهبل قبل حدوث القذف أكثر الطرق بدائيةً لمنع الحمل، وقد عرفه الناس واستعملوه واقياً من الحمل عندما تبيّن لهم أثر السائل المنوي في تكوين النسل (1) .

وأما العزل باستخدام العازل الذكري فطريقة مستحدثة نسبياً، وقد اتسع انتشاره في العصر الأخير بالنظر إلى ما يتمتع به من سهولة الاستخدام، بالإضافة إلى قيمته المادية المنخفضة، فلا يرزح بثمنه الفقير (2) .

وينبغي البحث عن الجانب الفقهي لعملية العزل بطريقتيه المذكورتين في الحالات الآتية:

الحالة الأولى: توافق الزوجين على العزل

والظاهر جوازه في هذه الحالة، لأن الحق لا يعدوهما، فلهما الرضا بممارسته بأحد النحوين التقليدي، والمستحدث، وقد اتفقت على ذلك كلمات فقهاء المسلمين عدا الظاهرية، حيث ذهبوا إلى تحريم العزل، وقد استدل له ابن حزم بحديث عائشة عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أُناس فسألوه عن العزل فقال رسول

____________

(1) أطفال تحت الطلب ص163.

(2) المصدر نفسه ص168.

16

الله (صلى الله عليه وآله) : ((ذلك الوأد الخفي وقرأ ((وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ)) )) (1) .

ولكن هذا الحديث معارض ـ من الطرق نفسها ـ بحديث أبي سعيد قال: قالت اليهود: العزل الموؤدة الصغرى، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : ((كذبت اليهود، إن الله عز وجل لو أراد أن يخلق شيئاً لم يستطع أحد أن يصرفه)) (2) .

وبحديثه الآخر قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة بني المصطلق... فاشتهينا النساء، فاشتدت علينا العزبة، وأحببنا العزل فسألناه عن ذلك، فقال: ((ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلاّ وهي كائنة)) (3) .

وبحديث جابر ـ بلفظ مسلم ـ: كنا نعزل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبلغ ذلك نبيّ الله (صلى الله عليه وآله) فلم ينهنا (4) .

هذا بالإضافة إلى روايات الإمامية التي هي واضحة الدلالة على جواز العزل مع توافق الزوجين عليه، ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سئل عن العزل فقال: ((أما الأمة فلا بأس، وأما الحرّة فإني أكره ذلك إلاّ أن ترضى أو يشترط ذلك عليها حين يتزوجها)) (5) .

نعم ربما يُتوهّم المنع من استخدام العازل الذكري في العزل وإن

____________

(1) لاحظ السنن الكبرى للبيهقي ج7 ص231.

(2) مسند أحمد بن حنبل ج3 ص33.

(3) صحيح البخاري ج3 ص122.

(4) صحيح مسلم ج4 ص161.

(5) الوسائل ج14 ص106 ح2، ويوجد في روايات الإمامية ما يمكن أن يتوهم دلالتها على عدم جواز العزل مطلقاً وهي موثقة إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها فقال: لا، فقلت: فإنما هو نطفة، قال: إن أول ما يخلق نطفة (من لا يحضره الفقيه ج4 ص126 ح445).

ومبنى دلالتها على ذلك أمران:

1 ــ أن المقصود بالنطفة هو ماء الرجل على أساس ما كان يُتوهّم سابقاً ـ وعليه شواهد من روايات الفريقين ـ من أن الجنين يتكون من مجموع ما ينزله الرجل من المني في رحم المرأة، وهذا المني يبقى على حاله في الأسابيع الأولى من الحمل من دون تغيّر سوى التكثّف والانعقاد مما لا يسلبه اسم النطفة.

2 ـــ أن قوله (عليه السلام) (أول ما يخلق نطفة) مسوق لتعليل عدم جواز إسقاط النطفة في مورد السؤال، وحيث إن العلّة تعمم وتخصص فمقتضاه عدم جواز التسبب في تلف النطفة وإن كان ذلك بالعزل.

ولكن هذا التقريب ضعيف لأن الأمر الثاني المذكور غير صحيح كما سيأتي الإيعاز إليه.

17

رضيت به الزوجة استناداً إلى ما دلّ على المنع من استعانة الزوج بغير جسده في مقاربة زوجته (1) .

ولكن يرد عليه أن مورد المنع المذكور هو استخدام وسائل خارجية في تلبية حاجة الزوجة الجنسية، ولا يعمّ ما إذا لم يكن للجسم الخارجي دور في ذلك كما هو الحال في العازل الذكري.

فالنتيجة أنه لا ينبغي الإشكال في جواز العزل في حالة توافق الزوجين عليه سواء بطريقته التقليدية أم المستحدثة.

الحالة الثانية: عدم رضا الزوجة بالعزل

ويمكن أن يستدل لعدم جوازه حينئذٍ ـ مطلقاً أو في الجملة ـ بعدة وجوه:

(الوجه الأول): الإجماع، إدعاه من علمائنا الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف قائلاً: العزل عن الحرّة لا يجوز إلا برضاها، فمتى عزل بغير رضاها أثم... (إلى أن قال)... دليلنا إجماع الفرقة (2) .

وادعى الإجماع من علماء أهل السنّة ابن عبد البر قائلاً: لا خلاف

____________

(1) الوسائل ج14 ص77 ح2، ومورد النص هو الجارية ولكن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع هو عدم الخصوصية لها فيثبت الحكم في الزوجة أيضاً فلاحظ.

(2) الخلاف ج2 ص187.

18

بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرّة إلا بإذنها (1) .

ولكن الإجماع غير ثابت عند أيّ من الفريقين:

أما الإمامية فلذهاب جمع غفير منهم إلى كراهة العزل من دون إذن الزوجة، بل ذكر صاحب الجواهر قدس سره أن هذا هو المشهور بينهم نقلاً وتحصيلاً (2) .

وأما أهل السنة فقد ناقش في الإجماع المدّعى بحقّهم جمع منهم الحافظ ابن حجر قائلاً: المعروف عند الشافعية أنه لا حق للمرأة في الجماع فالعزل عنها سائغ وإن لم ترض به (3) .

فالنتيجة أنه ليس هناك إجماع بين فقهاء الإسلام على المنع من العزل من دون إذن الزوجة.

(الوجه الثاني): صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سئل عن العزل فقال: ((أما الأمة فلا بأس، وأما الحرّة فإني أكره ذلك إلاّ أن ترضى أو يشترط ذلك عليها حين يتزوجها)) (4) .

بدعوى أن التعبير بالكراهة يدلّ على عدم الجواز ما لم تقم قرينة على خلافه (5) ، وبذلك تكون الرواية ظاهرة في تحريم العزل عن الزوجة الحرّة من دون رضاها أو اشتراطه عليها حين العقد.

ولكن الصحيح أن لفظ (يكره) و (أكره) وما شابههما من مشتقات هذه المادة لا تدل على التحريم، بل على المبغوضيّة أي طبيعيّها المنسجم

____________

(1) نيل الأوطار ج6 ص222.

(2) جواهر الكلام ج29 ص112.

(3) نيل الأوطار ج6 ص222.

(4) الوسائل ج14 ص106 ح2.

(5) مباني العروة الوثقى ج1 ص139.

19

مع الحرمة والكراهة المصطلحة، فلا يمكن أن تحمل على التحريم من دون قرينة معينة.

هذا بحسب معناها اللغوي، وأما بحسب موارد استعمالها في كلمات الأئمة الأطهار (عليهم السلام) فالملاحظ أنها قد ترد تعبيراً عن حكم ما هو مباح ومرخّص فيه شرعاً من جهة التقيّة أو المداراة مع العامة القائلين بتحريمه، كما قد ترد تعبيراً عن حكم ما هو محرّم في الشريعة المقدسة من جهة التقيّة والمداراة مع الذين ذهبوا إلى إباحته أو الترخيص فيه من فقهاء أهل السنة أو من جهة عدم وجود نص على تحريمه في الكتاب العزيز على أساس ما يحكى عن فقهاء تلك العصور من تحرّزهم عن التعبير بلفظ التحريم ما لم تكن الحرمة واضحة في كتاب الله تعالى.

وفي حيال هذا وذاك هناك عشرات الموارد التي عبّر فيها الإمام (عليه السلام) بلفظ الكراهة أو أحد مشتقّاتها في موارد الكراهة التنزيهية.

والوصول إلى المعنى المراد بهذا التعبير فيما ورد في الروايات الشريفة رهنٌ بتجميع القرائن وملاحظة الجوّ الفقهي لصدور الرواية وسائر المناسبات.

ويُتحصل في المقام ثلاث محتملات:

1 ـ التحريم، ولكن لا يناسبه سائر روايات المسألة حث صرّح الإمام (عليه السلام) في بعضها بأن أمر العزل متروك إلى الزوج ولا دور للمرأة فيه أبداً، كما لا يناسبه تركيز الإمام (عليه السلام) على نسبة الكراهة إلى نفسه الشريفة بلفظ (إني) في قوله: ((إني أكره ذلك)) فإن القول بتحريم العزل عن الحرّة من دون إذنها هو القول المشهور عند العامّة بل ادُعي إجماعهم عليه عدا الشافعية، وقد روى رواية المنع عمر بن الخطاب حيث قال: (نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، أن يُعزل عن الحرّة إلا بإذنها) (1) .

____________

(1) سنن ابن ماجة ج1 ص620.

20

وبعدئذٍ فما الذي دعا الإمام (عليه السلام) إلى أن يركّز على نسبة الكراهة إلى نفسه الشريفة؟!.

2 ـ التنزيه، وهذا وإن كان هو الذي فهمه المشهور من قوله (عليه السلام) : ((إني أكره ذلك))، ويقال أنه مقتضى الجمع العرفي بينه وبين النصوص المصرّحة بالجواز إلاّ أنه لا يخلو من إشكال كما سيأتي.

3 ـ الإباحة، بعد حمل التعبير بالكراهة على التقيّة أو المداراة للقائلين بالمنع عنه كما سبق، وهذا الاحتمال وإن كان مخالفاً لأصالة الجهة التي قرّر الأصوليون عدم رفع اليد عنها إلا مع عدم تيسّر الجمع الدلالي، ولكن يمكن أن يقال أنه غير متيسّر في المقام بالنظر إلى أن سائر الروايات المجوّزة خالية تماماً من الإشارة إلى كراهته من دون رضا المرأة، وقد تضمّن بعضها التصريح بأنه يجوز للزوج أن يعزل عنها وإن كرهت (1) ، وهذا ربما لا ينسجم مع ثبوت الكراهة في العزل من دون رضاها، فإن الكراهة على تقدير ثبوتها إنما هي من جهة مراعاة مشاعر المرأة وعدم مخالفة رغبتها في الإنجاب أو الإرتواء الجنسي فلا يناسبها التصريح بأن الأمر متروك كلّه للزوج إن أحب عَزَل وإن كرهت المرأة ذلك فتأمل.

(الوجه الثالث): ما يشتمل على مقدمتين:

(المقدمة الأولى): إن العزل يحرم الزوجة من معظم لذّتها بالمقاربة الجنسية وذلك لأن قيام الزوج بسحب عضوه التناسلي في أثناء الجماع ـ عندما يشعر بقرب خروج المني ـ يقطع الطريق على المرأة في استكمال إلتذاذها بالمقاربة، فتبقى المقاربة بالنسبة إليها ناقصة اللذّة ولا يُروى ظمؤها الجنسي بهذا الجماع الذي يسمى بـ (الجماع المبتور) (2) .

____________

(1) الوسائل ج14 ص105 ح4.

(2) لاحظ أطفال تحت الطلب ص164 وما بعدها، ومن طريف ما يُحكى في هذا المجال ما أورده االراغب الأصفهاني في محاضرات الأدباء ج1 ص178 من أنه كان ليوسف بن عمر جارية حظيّة وكانت على رأسه فأتاه كتاب فلمّا قرأه تغيّر لونه، فقالت: أيها الأمير هذا كتاب عزل؟ قال: كيف دَريتِ؟ قالت: لتغيّر في وجهك قلّما عهدته، وقد كان يعزل عنها خوف الحبل فقال: كيف أجزت العزل لي وهذا طعمه؟ فقال: إذاً لا أُعاود ذلك.

21

(المقدمة الثانية): إن حق المرأة في الجنس بالنسبة للرجل كحق الرجل بالنسبة للمرأة، فكما يجب على المرأة أن تستجيب لحاجة الرجل وتمكّن له من نفسها بما يروي ظمأه الجنسي، كذلك يجب على الرجل أن يستجيب لحاجة زوجته ويروي ظمأها الجنسي.

والدليل على تساويهما في ذلك إطلاق الآية الكريمة ((وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) (1) حيث تدل على مماثلة المرأة للرجل في الحقوق ومنها ـ بطبيعة الحال ـ الاستمتاع الجنسي، فإن غريزة الجنس خلقها الله تعالى في المرأة والرجل جميعاً، فعالم الجنس لهما معاً لا للرجل وحده.

وعلى ذلك فلا يجوز للزوج أن يعزل عن زوجته أثناء الجماع من دون رضاها بذلك ما دام أن العزل يحرمها من استكمال لذّتها بالعملية الجنسية، ولا تُلبّي معه حاجتها إلى الجنس بقدر الكفاية.

هذا

ولكن يمكن أن تناقش المقدمة الأولى بأنها أخصّ من المدّعى من جهتين:

(أولاً): أنها ناظرة إلى العزل بطريقة سحب العضو التناسلي من المهبل قبل القذف، إذ أن الطريقة الثانية وهي استخدام العازل الذكري لا يستوجب قطع الجماع كما هو واضح.

و (ثانياً): أن العزل بالطريقة الأولى لا يقطع على الزوجة إلتذاذها بالعملية الجنسية في مطلق الأحوال، بل في حالات كثيرة تكون المرأة قد استوفت لذّتها بالجماع ومقدماته قبل أن يعزل عنها زوجها، بل ربما تكون

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 228.

22

قد وصلت إلى درجة الرعشة قبل العزل، فلا تشعر بنقصان لذّتها بسببه.

هذا بالإضافة إلى أن بعض الأزواج يعودون إلى الجماع بعد الانتهاء من القذف خارج المهبل بقصد إعطاء المرأة حقّها الجنسي فتستكمل بذلك لذّتها، فلا يصح إطلاق القول بأن العزل يحرم المرأة من استكمال لذّتها الجنسية.

ويمكن أن تناقش المقدمة الثانية بأنه لا يحتمل أن يكون المقصود بالمماثلة الواردة في الآية الكريمة هي مماثلة حقوق المرأة لحقوق الرجل في الذات والحدود، وذلك لأن اختلاف حقوقهما حتى بحسب النوع والجنس أوضح من أن يخفى.

قال الفاضل الجواد الكاظمي قدس سره في الإشارة إلى ذلك (1) : إن حقوق النساء على الرجال: المهر والنفقة والكسوة والمسكن والمضاجعة والدخول في الأوقات المقررة شرعاً وترك الإضرار (2) ، وحقوق الأزواج على النساء أن يبذلنَ أنفسهن لهم ولا يمنعنهم ولا يبذلن لغيرهم ولا يخرجن من البيوت بغير إذنهم.. إلى غير ذلك مما هو معلوم في محلّه.

ولعل المقصود بالمماثلة المذكورة هي التعادل والتكافؤ بمعنى أن الله تبارك وتعالى قد جعل للمرأة من الحقوق ما يعادل ويوازن بمجموعها مجموعة الحقوق التي جعلها للزوج، بحيث لا يتمكن من التحكم بها واستذلالها واستغلالها لتحقيق مآربه ومصالحه الشخصية على النهج الذي كان سائداً في العصر الجاهلي.

هذا بناءً على عدم اختصاص الآية الكريمة بالمطلّقات كما لعلّه الأنسب بما ورد في الجملة اللاحقة أي قوله تعالى: ((وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ

____________

(1) مسالك الافهام ج4 ص52.

(2) ومنها حق المطالبة بالطلاق إذا امتنع الزوج من أداء حقوقها الشرعية على تفصيل مذكور في محلّه.

23

دَرَجَةٌ)) ، وأما بناءاً على الاحتمال الآخر الذي تبنّاه بعض المفسرين رعاية لمرجع الضمير في قوله تعالى: ((وَلَهُنَّ)) (1) فالآية أجنبية تماما عن تقرير مساواة المرأة للرجل في الحقوق.

وعلى كل حال فليس في الآية الكريمة دلالة على مساواة الزوجين في الحق الجنسي كما زعمه بعضهم، مع أنه لو سُلّمت دلالتها على ذلك فإنما هي بالإطلاق فيلزم تقييدها بما يستفاد من طوائف من الروايات من أن حق الزوجة في الجانب الجنسي لا يبلغ حق الزوج في ذلك، ومن هذه الروايات ما دل على أنّ من آلى زوجته فليس لها قول ولا حقّ في الأربعة أشهر ولا إثم عليه في كفّه عنها خلال هذه المدة (2) ، ومنها ما دل على أن الزوج يأثم بترك مقاربة الزوجة أكثر من أربعة أشهر إلا أن يكون بإذنها (3) حيث يدلّ على أنه لا يأثم في الأقل من هذه المدة، ومنها ما دلّ على استحباب إتيان الزوجة عند ميلها إلى ذلك (4) حيث يدلّ على عدم وجوب تلبية رغبتها في المقاربة؛ وهكذا غيرها من الروايات، فلو كانت للآية الكريمة دلالة على مماثلة حقوق الزوجين للزم تقييده في خصوص المقام بهذه الروايات وأضرابها.

(الوجه الرابع): إن المرأة تحتقن أعضاؤها التناسلية لدى كلّ اقتراب جنسي ويزول هذا الاحتقان تلقائياً إذا تم العمل بشكله الطبيعي، أما إذا حُرمت أعضاؤها من السائل المنوي توالت الاحتقانات وأصبحت مزمنة فتورث أعراضاً مهمة لها أثرها في صحة المرأة الجسمية والنفسية منها:

____________

(1) تمام الآية هكذا: (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) ((البقرة: 228)).

(2) الوسائل ج15 ص536 ح1.

(3) الوسائل ج14 ص100 ح1.

(4) الوسائل ج14 ص75 ب49.

24

نزف دموي أثناء الحيض أو بعده ترافقه آلام مبرحة ثم يتضخّم الرحم وتصاب المرأة باضطرابات عصبية (1) .

وعلى ذلك فالعزل بكلا الطريقتين التقليدية والمستحدثة مضرّ بالمرأة جسدياً ونفسياً، فيكون محرّماً لما دلّ على حرمة الإضرار بالغير ومنه المقطع الثاني من حديث ((لا ضرر ولا ضرار)) (2) .

ويمكن المناقشة فيه:

(أولاً): بأنه لا يقتضي حرمة العزل مطلقاً بل مع تكرّره وتواليه مرات عديدة بحيث تولّد احتقاناً مزمناً لدى المرأة فيورث الأعراض المشار إليها، فلو اقتصر الزوج على العزل عنها في أيام خصوبتها وهي لا تتجاوز سبعة أيام في الشهر لتفادى المشكلة المذكورة.

و(ثانياً): بأن هذا الوجه لا يقتضي حرمة العزل فقط بل يقتضي حرمة الإثارة الجنسية غير المتعقبة بالجماع من دون عزل، لأن احتقان الأعضاء الأنثوية لا يختص ـ بطبيعة الحال ـ بصورة تحقق الجماع بل يحصل بكل إثارة جنسية شديدة.

مع أنه لا يُترقّب من أحدٍ من علماء المسلمين أن يفتي بوجوب الجماع من دون عزل عند كل إثارة متعمّدة من قبل الزوج إلاّ أن ترضى الزوجة بتركه.

و (ثالثاً): بأن بالإمكان تفادي حدوث المشاكل الصحية المترتبة على تكرار العزل باستعمال العقاقير الطبية باستشارة طبيبة نسائية ولا ينحصر الحلّ بترك العزل وتدفق المني داخل المهبل.

(الوجه الخامس): إن استخدام العازل الذكري (capot) عند الجماع يعني إدخال جسم غريب في مهبل المرأة، ولم يثبت للزوج حق في ذلك

____________

(1) أطفال تحت الطلب ص165 وص169.

(2) الوسائل ج18 ص32 ح3 و4 و5.

25

من دون رضاها ولاسيما فيما إذا كانت المادة التي يُدهن بها العازل لتسهيل انزلاقه تؤدّي إلى حدوث حُرقة أو حَكّة للزوجة بسبب تحسّسها من تلك المادة، وعلى ذلك فلها الامتناع من التمكين للزوج إذا أراد المقاربة مع لبس العازل، ولا يجوز له إجبارها على القبول باستخدامه.

وهذا الوجه صحيح، ولا مجال للمناقشة فيه استناداً إلى إطلاق النصوص الآتية الدالّة على جواز العزل من دون إذن الزوجة فإنه لا إطلاق فيها من هذه الجهة لأنها ناظرة إلى العزل بطريقته البدائية المعروفة.

وبتقريب آخر أنه قد حُقق في محلّه من علم الأصول أنه كلّما كان شمول المطلق أو العام لفرد من أفراده متوقّفاً على عناية زائدة لم يحكم بثبوتها استناداً إليه، ومن هنا لا يصح الاستدلال بإطلاق الآية الكريمة الدالّة على جواز الأكل من بيوت جمع من الأرحام وغيرهم فيما إذا كان الأكل متوقّفاً على التصرف في مال صاحب البيت بأزيد مما تقتضيه طبيعة الأكل مثل كسر قفل أو غيره على جواز هذا التصرف.

وعلى هذا الأساس لا يصح في المقام التمسّك بإطلاق ما دلّ على جواز العزل للرجال إذا كان العزل يتوقف على إدخال جسم خارجي ـ وهو العازل الذكري ـ في مهبل المرأة، فإن ثبوت هذا الحق له أمر زائد على ثبوت حق العزل في حدّ ذاته.

وهكذا لا يصح التمسك له بإطلاق ما دلّ على ثبوت حق الاستمتاع للزوج أو وجوب تمكين الزوجة له في الاستمتاعات المتعارفة فإن شيئاً من الإطلاقين لا يقتضي سلطنته على إدخال العازل الذكري في مهبلها من دون أن توافق على ذلك.

نعم إذا كان قد اشترط عليها ذلك ـ كما لو عقد عليها منقطعاً واشترط في العقد استخدام العازل الذكري عند المقاربة ـ لزمها الشرط فلا يجوز لها التخلّف عن التمكين له إذا أراد استخدامه.

ويستثنى من ذلك ما إذا لم تأمن على نفسها من التضرر بسبب العازل

26

الذي يريد الزوج استعماله عند المقاربة ـ ولو من جهة احتمال تلوّثه ببعض الجراثيم ـ فإن لها الامتناع عن التمكين له ما لم يستبدله بغيره.

ثم إنه يمكن أن يُستدل لجواز العزل بطريقته البدائية ـ مضافاً إلى أصالة البراءة ـ بجملةٍ من النصوص، فيما يلي بعضها:

1 ـ صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العزل، فقال: ((ذاك إلى الرجل يصرفه حيث يشاء)) (1) .

2 ـ معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العزل فقال: ((ذاك إلى الرجل)) (2) .

3 ـ موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ((لا بأس بالعزل عن المرأة الحرّة إن أحب صاحبها وإن كرهت، ليس لها من الأمر شيء)) (3) .

ولا يخفى أن هذه النصوص بعد تماميتها سنداً ودلالةً تتقدّم على الوجوه الثلاثة الوسطى مما استُدلّ به على المنع لو تمّت هي في أنفسها مع أنها غير تامة كما مرّ.

فتلخّص مما ذُكر أنه يجوز للزوج أن يعزل عن زوجته من دون رضاها إذا كان ذلك بسحب العضو التناسلي من المهبل، وأما العزل باستخدام العازل الذكري فلا بد من رضاها بشأنه أو كونه مقتضى شرط معاملي بينهما.

ولا فرق في جواز العزل في غير ما ذُكر من الحالات بين كون المرأة

____________

(1) الوسائل ج14 ص105 ح1.

(2) الوسائل ج14 ص105 ح2.

(3) الوسائل ج14 ص105 ح4.

27

مزوّجة بالعقد الدائم أو المنقطع وبين كون المقاربة واجبة شرعاً أم لا، ومن الأول مقاربة الزوجة الشابة بعد الترك أربعة أشهر كما هو المشهور، وكل ذلك لإطلاق الأدلة.

الحالة الثالثة: عدم رضا الزوج بالعزل

بأن تُكرهه زوجته عليه، إما بإجباره على سحب عضوه التناسلي من المهبل عندما تشعر بقرب إنزاله أو بتنحّيها عنه وقتئذٍ أو بعدم التمكين له ما لم يستخدم العازل الذكري ونحو ذلك.

والظاهر أنه لا يجوز للزوجة شيء من ذلك كما نصّ عليه الفقهاء (1) معللين ذلك بمنافاته للتمكين الواجب عليها، وهو في محلّه.

وأما تعليل المنع ـ ولو في بعض موارده ـ بمنافاة العزل لحق الاستيلاد الثابت للزوج فغير سديد، لعدم الدليل من الكتاب أو السنة على ثبوت هذا الحق له.

نعم قد يُقال أن مقتضى الشرط الإرتكازي في عقد الزواج هو أن لا تمنع المرأة نفسها من الإنجاب بشكل كلّي، فلا يحقّ لها التخلّف عن الوفاء بهذا الشرط سواء بالعزل أم بغيره.

ولكن هذا غير واضح لأن مرجع الشرط ـ في المقام ونظائره ـ إلى تعليق العقد على التزام الطرف الآخر بشيء بحيث يكون المُنشأ هو الحصّة المقيّدة بالتزام الطرف الآخر.

والتعليق من جانب الزوج والالتزام من جانب المرأة لا يتحقق ولو إرتكازاً إلا مع وجود احتمال الخلاف في نفسي الطرفين ولو بوجود

____________

(1) جواهر الكلام ج29 ص115، والعروة الوثقى ج2 ص283.

28

إرتكازي غير ملتفت إليه تفصيلاً، وأما مع خلو نفسيهما عن هذا الاحتمال تماماً فلا يتحقّق الإشتراط.

والظاهر أن احتمال إمتناع المرأة عن الإنجاب مطلقاً هو مما لا يوجد في نفس الطرفين في العقد الدائم، إلاّ على سبيل النُدرة والشذوذ ولعلّه لا يقع ولو لمرة واحدة في كل مليون حالة، فإن رغبة المرأة في أن تصبح أُماً وتتمتع بجمال الأُمومة رغبة لا توازيها رغبة أخرى في حياتها فكيف يحتمل في حقّها الامتناع التام عن الإنجاب؟!!.

مع أنه يمكن أن يقال أنه لا يكفي مجرّد وجود هذا الاحتمال ليتحقق معنى الشرط، إذ يجوز أن يكون إقدام الرجل على الزواج من حيث إرتكاز عدم ممانعة المرأة من الإنجاب جرياً على ما هو المتعارف والمعتاد، وهذا لا يُحقق معنى الشرط أي إنشاء الحصّة المقيّدة بالتزام المرأة بعدم الممانعة، إذ إنه ليس لازماً للإرتكاز المذكور كما لا يخفى.

وعلى أي تقدير فلا إشكال في أنه لا يجوز للزوجة أن تتسبب في عزل زوجها عنها في أثناء الجماع من دون رضاه بذلك، كما لا يجوز لها أن تمتنع من التمكين له للمقاربة ما لم توافق على العزل.

ولكن تستثنى من ذلك عدّة موارد:

(المورد الاول): ما إذا كان الحمل مضرّاً بصحّتها أزيد مما تقتضيه طبيعة الحمل أو كان حرجياً عليها بمقدار لا يُتحمّل عادة، فالظاهر أنه يجوز لها عندئذٍ أن تمتنع من تمكين زوجها من المقاربة التي تخاف أن تؤدّي إلى العلوق مع عدم التزام الزوج بالعزل عنها.

ويختص هذا الاستثناء بما إذا لم يتيسّر لها إتباع سائر طرق المنع من الحمل المجوّزة شرعاً أو كانت ضَررية أو حَرجية عليها كذلك، وأما مع تيسّر ذلك من دون ضرر ولا حرج شديد فلا يجوز لها الإخلال بحق زوجها في المقاربة من دون عزل.

29

(المورد الثاني): ما إذا اشترطت على زوجها في ضمن عقد النكاح أو أي عقد لازم آخر أن يعزل عنها أثناء المقاربة مطلقاً أو في بعض الحالات أو لمدة معينة فإنه يصحّ هذا الشرط ولها إلزامه بالوفاء به إستناداً إلى عمومات أدلّة الشرط، وخصوص موثّقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: ((من شرط لامرأته شرطاً فليفِ لها به، فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً)) (1) .

ولكن قد يقال: إن الشرط المذكور داخل في عقد المستثنى من موثق إسحاق لصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قضى في رجل تزوج امرأة وأصدقته هي واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق، قال: ((خالف السنّة ووليت حقاً ليست بأهله)) فقضى أن عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق وذلك السنّة (2) .

ووجه الاستدلال بها هو أن العزل وعدمه من شؤون الجماع فلا يصح إشتراط أن يكون بيد المرأة.

ويردّه أن مورد الصحيحة ما إذا اشترطت أن يكون لها الولاية في أمر الجماع على نحو شرط النتيجة، في حين أن محل البحث هو إشتراط العزل على نحو شرط الفعل، بالإضافة إلى أن ظاهر الرواية هو كون مورد الاشتراط فيها أصل الجماع فعلاً وتركاً، فلا يعمّ ما إذا كان بعض خصوصياته كالعزل ونحوه.

فالنتيجة: إن شرط العزل صحيح ويجب على الزوج الوفاء به، ومما يؤكد ذلك صحيحة عمار بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل جاء إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها فقالت: أزوجك نفسي على أن تلتمس منّي ما شئت من نظر أو إلتماس وتنال مني ما ينال الرجل من أهله

____________

(1) تهذيب الأحكام ج7 ص467 ح80.

(2) من لا يحضره الفقيه ج3 ص269 ح61.

30

إلاّ أنك لا تدخل فرجك في فرجي وتتلذذ بما شئت فإني أخاف الفضيحة، قال ((ليس له منها إلاّ ما اشترط)) (1) .

فإنه إذا جاز إشتراط عدم الدخول أصلاً لجاز إشتراط العزل بطريق أولى.

(المورد الثالث): ما إذا كان الزوج مصاباً ببعض الأمراض التي تعدي إلى المرأة عن طريق المقاربة من دون استخدام العازل الذكري، فإن للزوجة أن تمتنع عن التمكين له للمقاربة من دون أن يوافق على لبسه حذراً من سراية المرض إليها.

وهكذا الحكم فيما إذا احتمل إصابة الزوج ببعض تلك الأمراض أو احتمل تعدّيها مع عدم استخدام العازل الذكري ولكن بشرط أن يكون الاحتمال مولداً للخوف عند العقلاء، وأما الخوف الذي مبعثه الوسوسة فلا عبرة به.

هذا، ثم إنه لو تسببت المرأة في عزل الزوج عنها أثناء الجماع من دون رضاه بذلك فهل تثبت عليها الدية أم لا؟.

الظاهر هو التفصيل في ذلك بين:

ـ أ ـ ما إذا نحّته عن نفسها أو تنحّت عنه عند الإنزال، فتثبت عليها الدية.

ـ ب ـ وما إذا ألزمته بالتنحّي فتنحّى مُكرهاً أي بإرادته ولكن لا بطيب نفسه أو أجبرته على استخدام العازل الذكري بعدم التمكين له للجماع من دون لبسه، فلا تثبت عليها الدية.

والوجه في هذا التفصيل هو قصور الدليل عن إثبات الدية على الزوجة في الحالة الثانية، وإمكان استفادته في الحالة الأولى مما دلّ على ثبوت الدية على الأجنبي إذا تسبب في عزل الرجل عن عُرسه وهو صحيح ظريف بن ناصح عن كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه أفتى في مني الرجل يُفزع

____________

(1) تهذيب الأحكام ج7 ص369 ح58.

31

عن عرسه فيعزل عنها الماء ولم يُرد ذلك نصف خمس المائة عشرة دنانير (1) .

ويبدو من السيد الحكيم قدس سره المناقشة في الاستدلال به بدعوى أن قياس الأم بالأجنبي قياس مع الفارق إذ ليست جنايتها كجنايته (2) .

وردّه السيد الأستاذ أعلى الله مقامه بأن المرأة حيث لا حقّ لها في الماء فهي كالأجنبي فيشملها حكمه (3) ، وهو متين.

وتوضيحه: إن جعل الدية على الأجنبي إذا تسبب في عزل الزوج عن زوجته ليس من جهة وقوع الجناية منه على النطفة بما هي مبدأ نشوء الآدمي بل من جهة جنايته على صاحب النطفة بمنعه من وضعها في رحم زوجته، ومن هنا تعطى الدية له وحده ولا تشاركه فيها زوجته، وعلى ذلك فلا تفاوت بين الزوجة والأجنبي بالنسبة إلى التسبب في العزل وثبوت الدية بموجبه.

( ( (

ثم إن مقدار الدية ـ كما نصّت عليه معتبرة ظريف ـ عشرة دنانير ذهبية أي ما يساوي سبعة مثاقيل ونصف المثقال من الذهب المسكوك.

وهل بالإمكان دفع الدية من أحد الأصناف الأربعة أو الخمسة الأخرى لدية الإنسان بنسبة واحد في المائة منها كأن يدفع عشرة شياه مثلاً؟

لا يبعد ذلك على أساس أن ذكر الدينار في معتبرة ظريف ليس لخصوصية فيه، بل بما هو أحد أصناف الدية، نعم في البعض منها كلام وسيأتي البحث عنه في باب لاحق إن شاء الله تعالى.

____________

(1) الوسائل ج19 ص238 ح1.

(2) مستمسك العروة الوثقى ج14 ص72.

(3) مباني العروة الوثقى ج1 ص141.

32

-

33

الباب الثاني

في الحبوب (الأقراص)

34

-

35

من المعروف علمياً أن الحمل يحدث نتيجة اجتماع عنصرين هما الحويمن المذكّر والبويضة المؤنّثة، حيث يخترق الحويمن البويضة فيلقّحها ويغدو معها حجيرة كاملة تامة التكوين، ثم يستمر في التطور إلى أن يصبح جنيناً متكاملاً وتدبّ فيه الحياة ثم يولد.

ومن المعلوم أيضاً أن للمرأة مبيضين يتناوبان في إفراز بويضة واحدة في موعد معين من كلّ شهر إذا كانت دورتها الطمثية منتظمة، وهذه البويضة تنتظر الحويمن بعد انطلاقها ما بين 24 إلى 48 ساعة فقط، فإذا لم تجد الحويمن القادر على اختراقها وتلقيحها ذبلت وتلفت فيلفظها الرحم إلى الخارج مع الدم بعد أن كان مهيئاً لاحتضانها وتغذيتها.

والحبوب المانعة للحمل التي تبلع عن طريق الفم تعمل على خفض مستوى هورموني (LH, FSH) اللذين تفرزهما الغدة النخامية، وتعملان على تحفيز المبيضين على إنتاج البويضة، وبانخفاض مستواهما عن التركيز المطلوب في مدة الإباضة ـ التي تقع في منتصف الدورة الطمثية ـ يصاب المبيضان بالكسل ولا ينتجان البويضة طيلة مدّة إستعمال الحبوب، ولذلك لا يحدث الحمل لدى المرأة وتصاب بالعقم بصورة مؤقتة حيث يتعطّل مبيضها عن عمله الأساس وهو الإباضة (1) .

____________

(1) لاحظ أطفال تحت الطلب ص215، وتقول عدد من المصادر الطبية أن هناك آليات أخرى أيضاً لعمل الحبوب المانعة من الحمل:

منها : التأثير على الأغشية المخاطية لبطانة عنق الرحم مما يعرقل حركة الحويمنات نحو البويضة لتلقيحها فتموت قبل الوصول إليها.

ومنها : التأثير على الرحم وقناة فالوب والحدّ من حركتيهما مما يمنع أيضاً من التقاء البويضة بالحويمن فلا يحصل التخصيب.

ومنها : التأثير على بطانة الرحم وجعلها غير مهيئة لاستقبال البويضة المخصّبة وانغراسها فيها فتسقط وتتلف.

لاحظ :

Dewhurstr Text book of obstetrics and Gyna cology for postgradutes p.543.

Text book of Reproductive medicine second Edition p.712.

Danfortns obstetries and Gunecology p.556.

ويظهر حكم ما يعمل وفق الآليتين الأوليين مما ذكر في هذا الباب كما يظهر حكم ما يعمل وفق الآلية الأخيرة مما سيأتي في الباب التالي عند البحث عن اللولب.

36

والكلام في الجانب الفقهي لاستعمال حبوب منع الحمل يقع من عدّة نواحٍ:

(الناحية الأولى): فعاليتها في منع الحمل

والظاهر أنه لا إشكال في استعمالها من هذه الناحية، إذ لا دليل على منع المرأة من استخدام ما يؤدي إلى تعطّلها عن إنتاج البويضة لمدة محدودة.

نعم هناك بعض الروايات التي يمكن الاستدلال بها على المنع من التسبب في إسقاط نطفة الرجل بعد دخولها إلى الرحم.

وحيث أن استعمال حبوب منع الحمل يؤدي إلى ذلك كان بالإمكان المنع من استعمالها استناداً إلى هذه الروايات وهي:

(الرواية الأولى): صحيحة رفاعة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : الجارية ربما احتبس طمثها من فساد دم أو ريح في الرحم فتسقى الدواء لذلك فتطمث من يومها أفيجوز لي ذلك وأنا لا أدري ذلك من حبل هو أو من غيره؟ فقال لي: ((لا تفعل ذلك)) فقلت له: إنه إنما ارتفع طمثها منها

37

شهراً ولو كان ذلك من حبل إنما كان نطفة كنطفة الرجل الذي يعزل، فقال: ((إن النطفة إذا وقعت في الرحم تصير إلى علقة ثم إلى مضغة ثم إلى ما شاء الله، وإن النطفة إذا وقعت في غير الرحم لم يخلق منها شيء، فلا تسقها دواءً إذا ارتفع طمثها شهراً وجاز وقتها الذي كانت تطمث فيه)) (1) .

ومبنى الاستدلال هو أن السائل لما قاس إسقاط النطفة التي تدخل الرحم بإفراغ المني خارج المهبل في عملية العزل، متوهماً أن جواز الثاني يستدعي جواز الأول أيضاً لوحدة المناط ردّ عليه الإمام (عليه السلام) بإبداء الفارق بينهما، وهو أن النطفة التي تدخل الرحم تكون في معرض التّحول إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم إلى ما شاء الله، وأما التي تقع خارج الرحم فلا يخلق منها شيء، فجواز العزل لا يقتضي جواز الإسقاط حتى لو كان السقط نطفة.

ومقتضى هذا البيان هو عدم جواز التسبب في إسقاط نطفة الرجل التي تدخل الرحم بلا فرق بين وسائل الإسقاط، أي سواء أكان دواءً موجباً لتلف النطفة قبل وصولها إلى البويضة أم أقراصاً تمنع من إباضة المبيض فلا يجد الحويمن نصفه الثاني فيندثر ويلفظه الرحم إلى خارجه.

والجواب: إن المحتملات في هذه الصحيحة ثلاثة:

(الأول): ما هو مبنى الاستدلال من كون الإمام (عليه السلام) بصدد التفرقة بين نطفة الرجل التي تدخل الرحم وتلك التي تقع خارجه بالعزل.

(الثاني): أن يكون مقصوده (عليه السلام) التفرقة بين النطفة التي تكون حملاً وتلك التي تقع خارج الرحم، على أساس أن السائل إنما قاس الحمل إذا كان نطفة بالنطفة الواقعة خارج الرحم بالعزل، فيجوز أن يكون مراد الإمام (عليه السلام) بقوله: ((إن النطفة إذا وقعت في الرحم)) هو: (إن النطفة إذا صارت حملاً) حيث أنها كانت مورد قياس السائل لا مطلق النطفة الداخلة

____________

(1) الوسائل ج2 ص582 ح1.

38

في الرحم، وحينئذٍ فلا يستفاد من الصحيحة حرمة التسبب في إخراج نطفة الرجل إذا دخلت الرحم بصورة مطلقة بل في خصوص ما إذا صارت حملاً.

(الثالث): أن يكون مراد الإمام (عليه السلام) تخطئة السائل فيما ذكره من إطلاق (النطفة) على الحمل في أُولى مراحل تكوّنه في بطن أمه، ثم قياسه إياه بالنطفة الخارجة بالعزل، ووجه الخطأ في ذلك هو أن نطفة الرجل بوقوعها في الرحم وتحقق الحمل لا تبقى نطفة بل تصير علقة، ومن هنا يقال: (علقت المرأة) إذا حملت، واسم الحمل (علقة)، فأُولى مراحل تكوّن الإنسان وإن كانت هي نطفة أبيه ولكن أُولى مراحل تكونه في رحم أمه هو بصيرورة النطفة علقة بتلقيح البويضة بها وعلوقها في رحم الأم.

وعلى هذا الاحتمال لا يستفاد من الصحيحة حرمة التسبب في إسقاط النطفة بل العلقة التي تكون أول ما يُخلق في رحم الأم.

ومع تطرق الاحتمالين الأخيرين في مفاد الصحيحة لا يصح الاستدلال بها على حرمة التسبب في إسقاط نطفة الرجل إذا دخلت في الرحم، وسيأتي مزيد بيان في مفاد هذه الصحيحة وترجيح الاحتمال الأخير عند البحث عن اللولب.

(الرواية الثانية): موثقة إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها، فقال: ((لا)) فقلت: فإنما هو نطفة، قال: ((إن أول ما يُخلق نطفة)) (1) .

ومبنى الاستدلال أن قول الإمام (عليه السلام) : ((أول ما يخلق نطفة)) في قوة التعليل للمنع عن إسقاط الحمل وإن كان نطفة، والمقصود بالنطفة في كلامه (عليه السلام) هو (ماء الرجل)، فإنه معناها لغة وبحسب ما يلاحظ من موارد

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج4 ص126 ح445.

39

الاستعمال ـ كما سيأتي ـ وهو أول مراحل خلق الإنسان كما أشارت إليه غير واحدة من الآيات الكريمة.

فيكون مفاد الرواية المنع من التسبب في إسقاط النطفة مطلقاً بلا فرق في ذلك بين أسبابه، التي منها استعمال حبوب المنع من الحمل على ما تقدم.

والجواب: إنه على تقدير أن يكون ما ذكر هو المقصود بلفظ (النطفة) في كلامه (عليه السلام) فإنه لا دلالة فيه على المنع من إتلاف النطفة مطلقاً لأنه مسوق للرد على السائل الذي يبدو أنه أراد بقوله (فإنما هو نطفة) أن يرخّص له الإمام (عليه السلام) في إسقاط الحمل إذا لم يتجاوز أيامه الأولى على أساس أنه نطفة بعدُ لا غير فيهون أمره ـ كما مر نظيره في كلام رفاعة ـ فأشار الإمام (عليه السلام) في الجواب بأن النطفة أول مراحل الخلق فلا ينبغي التقليل من شأنها، فهو (عليه السلام) أبطل تجويز إسقاط النطفة معللاً بأنهانطفة ولم يعلل المنع من إسقاطها بذلك ليستفاد منه عموم المنع.

وبالجملة لا دلالة في كلام الإمام (عليه السلام) على المنع من إتلاف النطفة مطلقاً، وإلاّ كان مقتضاه المنع من الإنزال بطريقة المداعبة مع الزوجة من دون دخول مع أنه لا يكاد يستفاد ذلك منه بوجه.

(الرواية الثالثة): معتبرة ظريف بن ناصح أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أفتى في مني الرجل يُفزع عن عرسه فيعزل عنها الماء ولم يرد ذلك نصف خُمس المائة عشرة دنانير، وإذا أفرغ فيها عشرين ديناراً (1) .

ومحل الاستشهاد الفقرة الأخيرة، والمقصود بها ـ كما قال المحقق التفريشي في هامش الوافي (2) ـ هو أنه إذا أفرغ الزوج ماءه في رحم زوجته ثم خرجت النطفة بالجناية فديته عشرون ديناراً، في مقابل ما إذا أُفزع فعزل الماء خارج الرحم.

____________

(1) الوسائل ج19 ص238 ح1.

(2) الوافي ج3 م9 ص118 الهامش.

40

وحيث لا فرق بين أن يكون المتسبّب في خروج النطفة من الرحم هو الأجنبي أو المرأة نفسها لوحدة المناط فلا بد من الالتزام بثبوت الدية عليها لو فعلت ذلك، ولما كان ثبوت الدية مستلزماً لحرمة العمل في حدّ ذاته حسبما يقتضيه إرتكاز المتشرّعة ـ كما سيأتي ـ دلّت الرواية على حرمة تسبب المرأة في خروج المني من رحمها بعد الجماع، ويندرج في ذلك تسببها في إتلاف الحويمنات التي يشتمل عليها المني ولو باستخدام حبوب منع الحمل.

ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال بأن قياس الزوجة بالأجنبي ليس وارداً، إذ يُحتمل أن يكون ثبوت الدية على الأجنبي إنما هو لثبوت حق الزوجة في النطفة الداخلة في رحمها، كما ثبت حق الزوج في النطفة قبل خروجها منه، وعلى ذلك فلا تثبت الدية على الزوجة إذا تسببت في خروج النطفة كما لا تثبت على الزوج لو عزل عنها عند المقاربة.

وتطرق هذا الاحتمال يكفي في منع القطع بمساواة الزوجة للأجنبي فلا يتم الإستدلال.

نعم, يمكن أن يضعّف هذا الاحتمال بملاحظة تساوي الدية المذكورة أي العشرين ديناراً للدية المذكورة في سائر النصوص للمرحلة الأولى من مراحل تكوّن الجنين وهي النطفة، فيقوى احتمال أن تكون هذه الدية هي تلك بعينها، ونتيجة ذلك تضعيف احتمال الفرق بين أن يكون المتسبب في إسقاطها هي الزوجة أو الأجنبي، ولكن مع ذلك لا يمكن الجزم بعدم الفرق كما سيأتي.

(الرواية الرابعة): معتبرة ظريف بن ناصح عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه جعل دية الجنين مائة دينار، وجعل مني الرجل إلى أن يكون جنيناً خمسة أجزاء، فإذا كان جنيناً قبل أن تلجه الروح مائة دينار، وذلك أن الله عز وجل خلق الإنسان من سلالة وهي النطفة فهذا جزء، ثم علقة فهو جزءان، ثم مضغة فهو ثلاثة أجزاء... إلى آخر الرواية (1) .

____________

(1) الوسائل ج19 ص238 ح1.

41

ومبنى الاستدلال بها أمور ثلاثة:

1 ـ أن المراد بـ (النطفة) التي جعلت ديتها عشرون ديناراً هو (ماء الرجل).

2 ـ أن ثبوت الدية يستلزم بحسب إرتكاز المتشرّعة حرمة الفعل بعنوانه الأولي في حال الإختيار.

3 ـ تثبت الدية في إسقاط النطفة سواء تسببت فيه الزوجة أم الأجنبي.

فإذا تمت هذه الأمور الثلاثة صحّ الاستدلال بالرواية على حرمة تسبب المرأة في إسقاط نطفة الرجل بعد دخولها في رحمها.

أما (الأمر الأول) فالظاهر ثبوته، لأنه مقتضى قوله في صدر الرواية: (وجعل مني الرجل إلى أن يكون جنيناً خمسة أجزاء) ويطابقه قول أهل اللغة كالجوهري وابن منظور والفيروزآبادي حيث قالوا: (النطفة ماء الرجل) (1) ، وقال الأزهري: (سمّى الله المني نطفة) (2) وقال الراغب الأصفهاني: (النطفة الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل) (3) .

وتشهد لذلك موارد استعمال هذه اللفظة في الروايات، كقوله (عليه السلام) : ((المرأة تغتسل من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل)) (4) .

وقوله: ((لا بأس إلا أن تكون النطفة فيه رطبة)) (5) .

وقوله: ((الرجل يفزع عن عرسه فيلقي النطفة)) (6) .

____________

(1) الصحاح ج4 ص1434 ولسان العرب ج9 ص335 وتاج العروس ج6 ص358.

(2) تهذيب اللغة ج13 ص366.

(3) المفردات ص517.

(4) الوسائل ج2 ص482 ح3.

(5) تهذيب الأحكام ج1 ص421 ح5.

(6) تهذيب الأحكام ج10 ص296 ح26.

42

وقوله: ((يا إسحاق الحدّ واحد ولكن زيد في هذا ـ الزاني ـ لتضييعه النطفة)) (1) وغير ذلك من الموارد.

والظاهر أن النطفة بالمعنى المذكور هو المقصود في الآيات الكريمة التي تشير إلى بدء خلق الإنسان كقوله تعالى: ((أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى)) (2) .

وقوله: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِيِن ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ)) (3) .

وقوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ)) (4) .

وقوله تعالى: ((إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ)) (5) .

ويشهد لذلك جملة من الروايات منها صحيحة رفاعة المتقدمة ففيها: ((إن النطفة إذا وقعت في الرحم تصير إلى علقة ثم إلى مضغة ثم إلى ما شاء الله وإن النطفة إذا وقعت في غير الرحم لم يخلق منها شيء)) (6) .

____________

(1) تهذيب الأحكام ج10 ص99 ح40.

(2) سورة القيامة، الآية: 37.

(3) سورة المؤمنون، الآية: 13، وربما يُتوهّم أن المراد بالنطفة في هذه الآية المباركة هي البويضة المخصّبة، لأن المقصود بالسلالة المذكورة قبلها هي ماء الرجل فيتعين أن يكون المراد بها غيره، والجواب عنه أن السلالة في اللغة ـ كما في تهذيب اللغة ج12 ص292 ـ هي ما يخرج من مضيق أو زحام، وتطلق بهذا اللحاظ على ماء الرجل لأنه يخرج من مضيق كما تطلق على ما يخرج من الطين من بين الأصابع إذا عصرته كما قال الكلبي ـ الجامع لأحكام القرآن ج12 ص109 ـ وعلى ذلك فلا يتعين أن يكون المراد بالسلالة في هذه الآية الكريمة هو ماء الرجل، بل الظاهر أن المراد بها هو الطين ولفظه (من) بيانية فيكون مفادها مفاد الآية الثانية من سور غافر وآيات أخرى نظيرها.

(4) سورة غافر، الآية: 6.

(5) سورة الإنسان، الآية: 3.

(6) الوسائل ج2 ص582 ح1.

43

وفي صحيح زرارة: ((إن الله إذا أراد أن يخلق النطفة... حرّك الرجل للجماع وأوحى إلى الرحم أن افتح بابك... فتفتح الرحم بابها فتصل النطفة إلى الرحم...)) (1) .

والحاصل أن لفظ (النطفة) في معتبرة ظريف ظاهر في (ماء الرجل).

ولكن ربما يذكر في مقابل ذلك احتمالان:

(الاحتمال الأول): أن يراد بالنطفة بويضة المرأة المخصبة بحويمن الرجل، ويمكن أن يذكر لإثبات ذلك وجهان:

(الوجه الأول): إنصراف النطفة إلى خصوص النطفة المنعقدة أو إلى خصوص المستقرّة في الرحم، ولا تنعقد النطفة إلاّ بالتلقيح (2) كما لا تستقر في الرحم إلاّ بعده حيث تنتقل البويضة الملقّحة من قناة فالوب إلى الرحم فتستقر في بطانته.

ويوجد في بعض كلمات العلاّمة المجلسي قدس سره في مرآة العقول (3) ما يُستفاد منه أنه حمل النطفة في مثل هذه الروايات على خصوص النطفة المستقرة في الرحم، كما يوجد في كلمات غيره حملها على خصوص النطفة المنعقدة ـ على حد تعبيره ـ ولكن لا شاهد على أيّ منهما، ودعوى الإنصراف غير بيّنة ولا مبيّنة فلا يمكن التعويل عليها.

____________

(1) الكافي ج6 ص13 ح4.

(2) التعبير بانعقاد النطفة لم أجده في المعاجم اللغوية وكلمات المتقدمين وإنما تداول عند المتأخرين، والظاهر أن المقصود به في أوائل استعماله هو مجرد تكثّف السائل المنوي وانفصال الجزيئات المائية منه على أساس ما كان يُتوهّم آنذاك وبقي هذا التوهم إلى عصور متأخرة من أن الجنين يتكون من مجموع ما ينزله الرجل من الماء، حيث ينعقد في المرحلة الأولى من الحمل ويصبح مثل النخامة البيضاء فيشبه ذلك انعقاد العسل والرُبّ ونحوهما.

وأما التعبير بانعقاد النطفة وإرادة حصول عملية التخصيب بين بويضة المرأة وحويمن الرجل فالظاهر أنه معنى متأخر جداً.

(3) الكافي ج3 ص108 الهامش.

44

(الوجه الثاني): إن النطفة وإن كانت مُفسّرة في غالب المعاجم اللغوية بـ (ماء الرجل) إلاّ أنها تُطلق على ماء المرأة أيضاً، وقد صرح بذلك الفيّومي في المصباح المنير قائلاً: (النطفة ماء الرجل والمرأة وجمعها نطف) (1) .

ويشهد له جملة من روايات الفريقين ففي مسند أحمد بن حنبل أن بعض اليهود قال للنبي (صلى الله عليه وآله) : مم يُخلق الإنسان؟ قال: ((يا يهودي من كلٍّ يُخلق، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم)) (2) .

ونظيره في روايات الإمامية ما رواه الصدوق في العلل بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لبعض اليهود: ((أما شبه الولد أعمامه وأخواله فإذا سبق نطفة الرجل نطفة المرأة إلى الرحم خرج شبه الولد إلى أعمامه، ومن نطفة الرجل يكون العظم والعصب، وإذا سبق نطفة المرأة نطفة الرجل إلى الرحم خرج شبه الولد إلى أخواله، ومن نطفتها يكون الشعر والجلد واللحم لأنها صفراء رقيقة)) (3) .

وورد في جملة من أخبار الفريقين ذكر ماء المرأة في مقابل ماء الرجل ففي خبر عبد الله بن سنان المروي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: ((إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة فالولد يشبه أباه وعمّه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل يشبه الولد أمه وخاله)) (4) .

ونظيره من أخبار العامة ما رواه البخاري بإسناده عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ((وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرأة فسبقها

____________

(1) المصباح المنير ص839.

(2) مسند أحمد بن حنبل ج1 ص465.

(3) بحار الأنوار ج60 ص338.

(4) بحار الأنوار ج60 ص339.

45

ماؤه كان الشبه له وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها)) (1) .

فالنتيجة أن النطفة كما تُطلق على ماء الرجل تُطلق على ماء المرأة والأنسب أن يكون المراد بها فيما ورد من الآيات والروايات المشتملة على مراحل تكوّن الجنين هو النطفة المخلوطة من النطفتين وهي بويضة المرأة المخصّبة بحويمن الرجل إذ هي التي ينبغي أن تعد أُولى مراحل تكون الإنسان في مقابل العَلَقة والمُضغة وغيرهما.

ويشهد لذلك موثق إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها فقال: ((لا)) فقلت: فإنما هو نطفة، قال: ((إن أول ما يُخلق نطفة)) (2) .

فإن المراد بقوله (عليه السلام) : ((إن أول ما يُخلق نطفة)) هو أن أول ما يُخلق في بطن الأم نطفة، وذلك بقرينة قول السائل: (فإنما هو نطفة) فإنه لم يُرد به نطفة الرجل لأن مورد سؤاله هو المرأة التي تخاف الحبل، ومن المعروف أن خوف المرأة من حدوث الحمل بحيث يدعوها إلى شرب الدواء إنما يحدث عادة مع تأخّر عادتها الشهرية عن موعدها المقرر ـ كما مر ذلك في صحيحة رفاعة ـ والحمل عندئذٍ على تقدير تحقّقه لا يكون مجرد نطفة بمعنى (ماء الرجل) بل يكون قد تحقق التلقيح وأصبحت البويضة الملقّحة مستقرة في الرحم ملتصقة بجداره.

(أقول): إن النطفة لغةً بمعنى (ماء الرجل) وأما إطلاقها على ماء المرأة فلا يوجد إلاّ في المصباح المنير وفي بعض الروايات الشاذة، أما المصباح فقد وضعه الفيومي لتفسير غريب الشرح الكبير للرافعي وكثيراً ما يخلط بين المعاني اللغوية والمعاني المستفادة من روايات أهل السنّة أو اختيارات فقهائهم فلا يُحسب من المعاجم اللغوية المعتمدة.

____________

(1) صحيح البخاري ج4 ص161.

(2) من لا يحضره الفقيه ج4 ص126.

46

وأما الروايات المشار إليها فعلامات الوضع والاختلاق بادية عليها فإن عظم الجنين وعصبه لا يخلق من نطفة أبيه كما أن لحمه ودمه لا يخلق من بويضة أمّه، وأيضاً إن حديث السبق واللحوق في النطفتين والمائين مما ليس له واقع أصلاً وهذا واضح لمن لديه أدنى إلمام بعلم الأجنّة.

بالإضافة إلى أن صريح بعض روايات العامة وظاهر غيرها أن المقصود بماء المرأة ونطفتها هو ما يخرج من مهبلها عند الاحتلام، ففي حديث أم سليم المروي في البخاري أنها قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة الغُسل إذا احتلمت؟ قال: ((نعم إن رأت الماء)) فضحكت أم سلمة فقالت: تحتلم المرأة؟ فقال رسول الله: ((فبما يشبه الولد)) (1) .

مع أن الثابت علمياً أن ماء الاحتلام هو مجرد إفرازات غدد المهبل ونحوها ولا يحتوي على البويضة نظير المذي في الرجل فكيف يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن شبه الولد يأتي منه؟!!.

والحاصل أن إطلاق النطفة على ماء المرأة مما ليس له شاهد يُذكر.

هذا أولاً، وثانياً أنه لو صحّ ما ذُكر من أن النطفة تُطلق على ماء المرأة كما تطلق على ماء الرجل إلاّ أنه لا يقتضي إطلاقها أيضاً على البويضة المخصّبة بما هي مجمع النطفتين إذ يجوز أن يكون لها عندئذٍ إسم آخر وهي (العلقة) كما سيأتي بيان وجهه عند البحث عن اللولب.

وأما الاستشهاد بموثقة إسحاق بن عمار على إطلاق النطفة على البويضة المخصّبة ففي غير محلّه، إذ لعل السائل أراد بلفظ النطفة نفس ماء الرجل اعتقاداً منه بأنه يبقى على حاله في رحم المرأة مدّة من الزمن كما هو مدلول بعض روايات العامة (2) ، وأما الإمام (عليه السلام) فلعله أيضاً أراد بالنطفة

____________

(1) صحيح البخاري ج4 ص160.

(2) مسند أحمد بن حنبل ج1 ص374.

47

ماء الرجل ولا يلزم أن يكون ذلك على سبيل المجارات مع السائل إذ يفي كلامه (عليه السلام) بردّ السائل وإن لم يكن على هذا السبيل كما لا يخفى.

(الاحتمال الثاني): أن يراد بالنطفة ماء الرجل من حين دخوله في رحم الأم إلى أربعين يوماً، وهذا مدلول روايات عديدة مرويّة بطرق الفريقين وسيأتي التعرض لها (1) .

ولكن هذه الروايات لو صحّت لا تكون منافية لما مرّ من شمول لفظ النطفة الوارد في معتبرة ظريف لماء الرجل بل غايته تعميم إطلاقه على الحمل في الأسابيع الخمسة أو الستة من بداية حدوثه.

وإلى هنا اتضح أن الأمر الأول الذي يبتني عليه الاستدلال بمعتبرة ظريف على عدم جواز التسبب في إلقاء النطفة تامّ.

و (أما الأمر الثاني) وهو أن ثبوت الدية يستلزم حرمة الفعل المستوجب لها، فالظاهر تماميّته أيضاً، فإن الدية ـ حسب إرتكاز المتشرعة ـ إنما هي غرامة مالية تُجعل على الجاني، نظير بدل المتلفات من الأموال، وهذا يقتضي حرمة الفعل المستوجب لها في حال العمد والاختيار وبعنوانه الأولي، فلا ينافي ثبوتها على الجاني خطأً أو سهواً، وكذلك ثبوتها في حال الاضطرار في الموارد التي توجب إرتفاع الحرمة التكليفية كقطع جزء من بدن الميت لإلحاقه ببدن الحي إنقاذاً لحياته.

و(أما الأمر الثالث) وهو التسوية بين المرأة والأجنبي في ثبوت الدية بالتسبيب في إسقاط النطفة بعد دخولها في رحمها فيمكن المناقشة فيه بأن كلام الإمام (عليه السلام) في معتبرة ظريف مسوق لبيان مقادير دية الجنين، ولا نظر له إلى موارد ثبوت الدية ومن تثبت عليه ليُتمسك بإطلاقه فيُحكم بثبوت الدية على المرأة إذا تسببت في إخراج النطفة من رحمها.

بل يكفي مجرد الشك في كونه في مقام البيان من هذه الجهة فإنه

____________

(1) لاحظ ص148.

48

يمتنع معه التمسك بالإطلاق، إذ من المُحقّق في محلّه من علم الأصول أنه متى كان المتكلم في مقام البيان من جهةٍ وشُكّ في كونه في مقام البيان من الجهة الثانية فلا يمكن التمسّك بالإطلاق من تلك الجهة لفقد إحدى مقدمات الحكمة وهي إحراز كون المتكلم في مقام البيان من الجهة التي يُراد التمسك بالإطلاق بالنظر إليها.

ويمكن أن يُدعم عدم ثبوت الدية على المرأة بتسبيبها في إخراج النطفة من رحمها قبل العلوق بأمرين:

(الأول): صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في امرأة شربت دواءً وهي حامل لتطرح ولدها فألقت ولدها، قال: ((إن كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشُقّ له السمع والبصر فإن عليها دية تسلّمها إلى أبيه)) قال: ((وإن كان جنيناً علقة أو مضغة فإن عليها أربعين دينارا أو غرّة تسلّمها إلى أبيه)) قلت: فهي لا ترث من ولدها من ديته؟ قال: ((لا، لأنها قتلته)) (1) .

ووجه الاستشهاد بها أن الإمام (عليه السلام) قد اقتصر على تحديد دية العلقة والمضغة ولم يذكر دية النطفة مما يُشعر بعدم ثبوت الدية على المرأة فيما لو كان السقط نطفة فقط.

ويمكن أن يلاحظ على ذلك بأن مورد السؤال خصوص الحامل وقد سبق في بعض المباحث السابقة ما يشير إلى أن الحمل إنما يبدأ بالعلقة، فعدم تعرّض الإمام (عليه السلام) لدية النطفة إنما هو لخروجها عن مفروض السؤال.

(الثاني): إن من المعلوم أنه لا يجب على المرأة أن تظلّ بعد الجماع مستلقية على ظهرها من دون حراك مدّة من الزمن لئلاّ تتسبّب في خروج السائل المنوي من مهبلها، بل يجوز لها أن تقوم وتجلس وإن أدّى ذلك إلى خروجه، وجواز تسبّبها في خروج النطفة بذلك يؤيد جوازه بسائر الطرق أيضاً فتأمل.

____________

(1) الوسائل ج19 ص242 ح1.

49

ومهما يكن فقد تلخّص مما تقدّم أنه لا مانع من استعمال ما يؤدّي إلى تلف النطفة قبل التخصيب سواء أكان من قبيل الأقراص أم التحاميل أم المواد الهلامية أم غير ذلك كغسل المهبل والرحم بالماء ونحوه بعد الجماع لغرض تنظيفهما من المني، فإن كل هذا جائز لا ضير فيه.

هذا فيما يتعلّق بالناحية الأولى من نواحي البحث عن الأقراص المانعة عن الحمل.

(الناحية الثانية) الأضرار الصحيّة الناجمة عن استعمال الأقراص

المعروف طبيّاً أن استعمال الحبوب المانعة عن الحمل يستتبع عوارض جانبية لما تتسبّب فيه من تحويل في عمل الهرمونات عن مجراه الطبيعي وإدخال الخلل عليه، وهذه العوارض إما قليلة كالصداع والغثيان والدّوار واضطراب الدورة الشهرية، وإما فادحة كالجلطة الدموية في أوردة الساقين وغيرها من الأعضاء وكالإصابة بنوبات عصبية شديدة أو حالة من الاكتئاب الشديد، وربما تكون أعراض استخدامها أكثر خطورة حتى يصل إلى حدّ الهلاك.

ولكن ذلك مما يختلف من امرأة إلى أخرى ومن حالة إلى غيرها، وفي ضوء ذلك يُتساءل أنه هل يجوز للمرأة استخدام الحبوب المانعة عن الحمل وإن كانت مضرّة بصحتها أم لا؟.

والجواب: أنه لا يجوز لها ذلك بناءً على ما اختاره جمع من الفقهاء من حرمة الإضرار بالنفس مطلقاً، وأما بناءاً على ما اختاره جمع آخرون ـ وهو الصحيح (1) ـ من التفصيل بين الضرر الفادح وغيره فلا بد من التفصيل في المسألة بأن يقال:

____________

(1) لاحظ الملحق الأول ص177.

50

إن الأضرار الصحية الناجمة عن استعمال الحبوب المانعة للحمل إذا لم تكن فادحة كالصداع والغثيان ونحوهما فهي لا تمنع شرعاً من استعمالها، ولاسيما أن مبعث الاستعمال داعٍ عقلائي وهو تحديد النسل والمنع من الإنجاب الموجب للمزيد من الأضرار والمتاعب.

وأما إذا كانت الأضرار فادحة كالإصابة بالجلطة ونحوها فاللازم الاجتناب عن استعمالها بالمقدار الموجب لترتب تلك الأضرار عليها.

نعم إذا كان الحمل أشد ضرراً من استعمال الحبوب ولم توجد مندوحة من تحمّل أحد الضررين جاز بل لزم تحمل الضرر الأخف كما هو مقتضى قواعد باب التزاحم، ولكن هذا فرض نادراً جداً.

وجدير بالذكر أنه كما يحرم استعمال الحبوب فيما إذا كان يؤدي إلى ضرر فادح مع العلم بترتب الضرر، كذلك يحرم استعمالها في صورة الاحتمال إذا كان معتّداً به عند العقلاء، ولو من جهة الاهتمام بالمحتمل بحيث يوجب الخوف عندهم.

فلو خافت المرأة أن يؤدي استعمال الحبوب المانعة عن الحمل إلى إصابتها بمثل ما ذُكر من الأمراض الخطيرة لم يجز لها الاستعمال، إما لأن خوف الضرر طريق عقلائي إليه، كما اختاره السيد الأستاذ قدس سره في بعض كلماته (1) ، وإما لكونه طريقاً شرعياً إليه كما اختاره السيد الحكيم قدس سره (2) ، وإما لأنه وإن لم يكن طريقاً بأيّ من النحوين إلا أنه مورد لأصالة الإحتياط بمقتضى السيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع المقدس.

____________

(1) مستند العروة الوثقى كتاب الصوم ج1 ص456، ومن الغريب ما نسب إليه (قده) في التنقيح ج9 ص417 من المناقشة في التمسك بحديث ((لا ضرر)) لنفي وجوب الوضوء عند خوف الضرر من استعمال الماء قائلاً: إن هذا الاستدلال من عجائب الكلام لأنه لا علم بالضرر في مورد الخوف، نعم الضرر محتمل عند الخوف وليس بمعلوم ومع عدم إحراز الضرر كيف يُتمسّك بحديث ((لا ضرر)) فإنه من التمسك في الشبهة من طرف العام ولا يقول به أحد.

(2) مستمسك العروة الوّثقى ج10 ص178.