وسائل الانجاب الصناعية

- السيد محمد رضا السيستاني المزيد...
694 /
0

لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)) (1) .

ووجه المنافاة أن مقتضى التفسير المذكور هو كون المراد بالغض من الأبصار هو ترك النظر إلى فروج الآخرين، في حين أن مقتضى الرواية ورود الآية الكريمة مورد النظر إلى غير الفرج، ومن الواضح أنه لا يصح أن يكون شأن نزول الآية القرآنية خارجاً عن مفادها، وعليه فلا يثبت اشتمال الآية المباركة المذكورة على أسلوب الاحتباك الذي على أساسه يمكن تفسير الأمر بحفظ الفرج فيها بالحفظ عن النظر.

(أقول): الرواية المذكورة غير نقية السند فلا تصلح إلا للتأييد، لأن سعد الإسكاف وإن قال الشيخ أنه صحيح الحديث (2) إلا أن ابن الغضائري ضعّفه صريحاً (3) ، وقال النجاشي (يعرف وينكر) (4) فيتعارض الجرح والتوثيق بشأنه.

ولكن قال السيد الأستاذ (قده) (الظاهر وثاقة الرجل لقول الشيخ أنه صحيح الحديث ولا يعارض ذلك قول النجاشي: يعرف وينكر، وذلك لأن المراد بذلك أنه قد يروي ما لا تقبله العقول المتعارفة، وهذا لا ينافي

____________

(1) الوسائل ج 14 ص 138 ح 4، ونظير هذه الرواية ما ورد عن علي عليه السلام من طرق العامة ففي الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 176 ما لفظه: أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: مرّ رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت إليه فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به فبينا الرجل يمشي إلى جنب حائط ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشق أنفه فقال والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعلمه أمري فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا عقوبة ذنبك وأنزل الله ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ....)) الآية.

(2) رجال الطوسي ص 92.

(3) مجمع الرجال ج 3 ص 104.

(4) كتاب الرجال ص 135.

1

وسائل الانجاب الصناعية

دراسة فقهية

2

-

3

وسائل الانجاب الصناعية

دراسة فقهية


محمد رضا السيستاني


دار المورخ العربي

بيروت ـ لبنان

4

حقوق الطبع محفوظة


الطبعة الثالثة

1433 هـ ــ 2012 م


دار المورخ العربي

بيروت ـ لبنان

5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وأفضل بريته محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين.

وبعد: فقد شهد الطب الحديث تطوراً هائلاً في علاج العقم ومساعدة الذين لا يتسنى لهم الإنجاب بصورة طبيعية، وقد استحدثت خلال العقود الأخيرة طرقٌ وأساليب متنوعة فتحت آفاقاً واسعة أمام الأزواج المحرومين من الأطفال، وأتاحت للكثيرين منهم فرصة الإنجاب باتباع الوسائل الصناعية.

ومع حصول هذه التطورات برزت أسئلة فقهية مختلفة حول موقف الشريعة الإسلامية المقدسة من استخدام هذه الوسائل، سواء فيما يتعلق بأصل دورها في تحقق الحمل والإنجاب، أو فيما له صلة بطرق تنفيذها وإجرائها، أو فيما يترتب على الإنجاب بواسطتها من أحكام وآثار تخص الزوجين أو أطرافاً أخرى.

والدراسة التي بين يدي القارىء الكريم محاولة للإجابة على هذه التساؤلات من فقه أتباع أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فإن وفّقت فيها فذلك بفضل الله وحسن توفيقه، وإن تكن الأخرى فإنما هي جهد هذا المقلّ، أقال الله عثراته.

وقد رتّبتها على ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في مشروعية الإنجاب بالوسائل الصناعية.

6

الفصل الثاني: فيما يقترن باستخدامها من أمور محرمة شرعاً.

الفصل الثالث: فيما يلحق استخدامها من آثار وأحكام شرعية.

أسأل الله العلي القدير أن يسدد خطاي على الطريق، ويمدّني بالعون والاعتصام، إنه وليّ ذلك، وهو حسبي ونعم الوكيل.

المؤلف

7

الفصل الأول 

في مشروعية الإنجاب بالوسائل الصناعية

8

-

9

تمهيد

إن الحمل على قسمين شرعي وغير شرعي:

أ ـ والمقصود بالحمل الشرعي: الحمل الذي يكون أصل تكوّنه غير محظور شرعاً، والقدر المتيقن له هو حمل المرأة ببويضتها من حويمن زوجها أو من بحكمه عن طريق المقاربة أو ما بحكمها وهو الإنزال على حافة المهبل.

وأما حملها بمني زوجها مثلاً عن طريق استدخاله في المهبل بالحقنة الطبية، أو عن طريق زرع بويضتها المخصبة بحويمن الزوج في رحمها، أو مع أخذ البويضة من امرأة أخرى ونحو ذلك ففي كونه حملاً شرعياً كلام سيأتي ذكره.

ولا فرق في شرعية الحمل في الحالة الأولى بين أن تكون المقاربة المحققة لانعقاد النطفة محللة أو محرمة، ومن الثانية المقاربة في الأيام التي ترى الزوجة فيها الدم المحكوم بأحكام الحيض شرعاً وإن لم يكن حيضاً بحسب النظر الطبي، ومنها المقاربة في حال الإحرام وفي حال الاعتكاف وفي صيام شهر رمضان وفي المسجد، ومنها المقاربة التي تكره عليها الزوجة خلافاً لشرطها على الزوج في ضمن العقد بترك المقاربة مطلقاً أو في وقت معين، ونحوها أن يكون الإنزال في أثناء المقاربة محرّماً لكونه على خلاف مقتضى الشرط بينهما.

وما يجري مجرى المقاربة ـ أي الإنزال على حافة المهبل ـ المحقّق

10

للحمل قد يكون محرماً أيضاً، كما إذا كانت الزوجة موطوءة بالشبهة فوجب على الزوج اعتزالها في مدة العدة، ومثله ما إذا اشترطت عليه ترك الإنزال كذلك عند مقاربتها قريباً من الفرج، ونظيره استدخال الزوجة مني زوجها من دون إذنه على ما سيأتي في محله.

ولكن حرمة المقاربة وما بحكمها لعنوان ثانوي مع وجود العلقة المبيحة للنكاح لا يؤثر في شرعية الحمل الحاصل بسببها كما نص على ذلك الفقهاء (1) ، لعدم المنافاة بين الترخيص في أصل تكوّن الجنين من حويمن هذا الرجل وبويضة هذه المرأة في رحمها، وبين الحكم بحرمة التوصل إلى ذلك عن طريق المقاربة في حال الإحرام أو الاعتكاف أو خلافاً للشرط ونحو ذلك مما تقدم.

وبالجملة الأحكام الثابتة للحمل المتكوّن عن طريق المقاربة المحرمة للزوجة لا تختلف عن الأحكام الثابتة للحمل المتكوّن عن طريق المقاربة المحللة لها، نعم يظهر من جملة من الأخبار (2) أن الولد المتكوّن نتيجة للمقاربة في أيام الدم المحكوم بكونه حيضاً شرعاً يكون له نحو استعداد طبيعي في الانحراف عن الحق وبغض أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، كأثر وضعي من آثار تلك المقاربة المحرمة، وربما يستوحى من بعض تلك الأخبار ثبوت هذا الأثر الوضعي في كل حمل ناتج عن الوطء المحرم، ولكن من المعلوم أن ذلك الاستعداد قد لا يصل إلى مرحلة الفعلية ولا يمنع من صلاح الولد لا سيما إذا حسنت تربيته.

هذا فيما يتعلق بالحمل الشرعي.

ب ـ وأما الحمل غير الشرعي فالقدر المتيقن له هو حمل المرأة من طريق الزناء، فإنه كما لا إشكال في حرمة الزنى نفسه كذلك لا إشكال في

____________

(1) جواهر الكلام ج 10 ص 487.

(2) بحار الأنوار ج 27 ص 147 وما بعدها وج 39 ص 301 و305 وج 42 ص 18 وغيرها.

11

عدم شرعية الحمل الحاصل بسببه، ولذلك أفتى الفقهاء (رضي الله عنهم) بوجوب العزل على الزاني لئلا يتكوّن منه جنين في رحم المزني بها، وورد في الحديث أن دفق الزاني في الرحم إثم والعزل أهون (1) .

والمقصود بالزنى هو مقاربة الرجل للمرأة التي ليس بينه وبينها علقة تبيح المقاربة ـ أي غير الزوجة ومن بحكمها ـ مع الالتفات إلى حرمتها شرعاً، فإن كان الالتفات إلى ذلك من كلا الطرفين فالزناء منهما، وإن كان أحدهما جاهلاً بالحكم أو بالموضوع عن قصور أو عن تقصير من غير تردد فالمقاربة من طرفه شبهة يلحقها أحكامها، وإذا فرض كونهما جاهلين معاً فلا زنى بل هي شبهة منهما جميعاً (2) .

والحمل الحاصل نتيجة للوطء شبهة يلحقه جميع أحكام الحمل الحاصل بالوطء المستحق شرعاً من جهة وجود العلقة الزوجية أو ما بحكمها، ولا فرق بين الحملين من هذا الجانب أصلاً (3) .

وأما حمل المرأة من مني غير الزوج وما بحكمه وبغير المقاربة أو ما بحكمها فإن حصل غفلة أو اشتباهاً أو لعذر آخر فهو بحكم الحمل الحاصل بالوطء شبهة، وأما مع تعمد التسبّب فيه ففي شرعيته كلام سيأتي، ومن موارده:

1 ـ حملها باستدخال مني الغير في مهبلها بالحقنة الطبية ونحوها.

____________

(1) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام ص 275.

(2) لاحظ في تعريف الزناء جواهر الكلام ج 10 ص 490 ومستمسك العروة الوثقى ج 14 ص 223.

(3) لاحظ جواهر الكلام ج 10 ص 488.

12

2 ـ حملها بزرع بويضتها المخصبة بحويمن الغير أو المطعمة بخلية من جسده في رحمها.

3 ـ حملها بزرع بويضتها المطعمة بخلية حيوانية ـ مثلاً ـ في رحمها.

4 ـ حملها بزرع بويضة امرأة أخرى في رحمها بعد تخصيبها بحويمن الغير أو بخلية من جسده.

ويشبه ذلك زرع البويضة في رحم حيوان أو نحوه.

وشرعية الحمل في هذه الموارد وغيرها بأنحائها المختلفة وإن كان محل نقاش، ولكن لا يعني القول بعدم شرعية الحمل فيها ـ كلاً أو بعضاً ـ الإلتزام بأنه يثبت له أحكام الحمل الحاصل عن طريق الزناء.

فإن للمولود من الزناء أحكاماً في الشريعة المقدسة ومنها:

أ ـ أنه لا تثبت النسبة بينه وبين أبيه الزاني ومن يتقرب به على الرأي المشهور بين فقهاء المسلمين (1) ، ومقتضى ذلك أن لا تثبت بينهم الأحكام المترتبة على العناوين النسبية من البنوة والأبوة والأخوة والعمومة ونحوها، ولكن من الفقهاء (2) من خصّ النفي بخصوص التوارث فحكم بثبوت النسبة بين ولد الزنى وأبيه الزاني ومن يتقرب به ولكن من غير توارث بين الجانبين (3) .

ب ـ أنه لا تثبت النسبة بينه وبين أمه الزانية ومن يتقرب بها على حذو ما تقدم في الأب الزاني (4) ، وهذا اختيار معظم فقهائنا، وذهب بعضهم إلى ثبوت النسبة بين الطرفين ولكن من دون توارث (5) ، وقال معظم فقهاء الجمهور وبعض فقهائنا أنه يثبت التوارث بينهما أيضاً (6) .

____________

(1) لاحظ المغني والشرح الكبير ج 7 ص 129، جواهر الكلام ج 10 ص 495.

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى ج 2 ص 70.

(3) لاحظ ص 679.

(4) لاحظ ص 684.

(5) لاحظ جواهر الكلام ج 13 ص 660 ومنهاج الصالحين ج 3 ص 38 و327.

(6) لاحظ المغني والشرح الكبير ج 7 ص 129 وجواهر الكلام ج 13 ص 660.

13

ج ـ أنه لا تقبل شهادته إلا في الشيء اليسير على اشكال فيه أيضاً (1) .

د ـ أنه لا تصح إمامته في الصلاة جماعة (2) .

هـ إن ديته على رأي جمع من الفقهاء بمقدار دية أهل الذمة (3) .

و ـ أنه يكره الزواج من المولودة من الزناء (4) .

ز ـ أنه يكره استرضاع المتولدة من الزنى (5) .

إلى غير ذلك من الأحكام، ولكن الموضوع لهذه الأحكام لما كان هو (ولد الزنى) (6) فلا سبيل إلى تسريتها إلى المولود بغير الزنى وإن لم يكن الحمل به شرعياً، ولذلك لم يعهد من الفقهاء إجراء الأحكام المشار إليها على ولد المساحقة ـ وهو المولود نتيجة لقيام المرأة بعد مقاربة زوجها بالسحاق مع امرأة أخرى وانتقال مني زوج الأولى إلى مهبل الثانية وحملها منه ـ مع أن السحاق يماثل الزنى في شدة الحرمة ومقدار الحدّ.

كما لم يظهر منهم الالتزام بثبوت تلك الأحكام فيما لو فجر بامرأة فيما دون الفرج وأنزل على حافته فحملت وولدت من ذلك، مع أنه قد وقع منه المباشرة المحرمة ولكن من دون تحقق الزناء لكي يصدق على الوليد

____________

(1) لاحظ مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 109.

(2) لا حظ جواهر الكلام ج 5 ص 182.

(3) لاحظ جواهر الكلام ج 15 ص 277.

(4) جواهر الكلام ج 10 ص 357.

(5) جواهر الكلام ج 10 ص 528.

(6) يجدر الإشارة إلى أن ما ذهب إليه بعض الفقهاء (رضي الله عنهم) من أن مقتضى القاعدة عدم لحوق ولد المساحقة ونحوه بصاحب النطفة ونفي انتسابه إليه ليس من جهة التعدي عن عنوان ولد الزناء المذكور في النصوص، بل على أساس أن قوله (صلى الله عليه وآله) (الولد للفراش) يدل على عدم انتساب الولد إلى صاحب النطفة إذا لم تكن أمه فراشاً له وسيأتي البحث حوله إن شاء الله تعالى.

14

أنه (ولد زنى)، بل لو تحقق الزنى ولكن لم ينزل في حينه وإنما أنزل بعده بسبب استمرار المداعبة فدخل الماء في مهبل المرأة فالظاهر عدم صدق ولد الزناء على الولد، نعم لو كان الإنزال اللاحق مستنداً إلى الزناء كما إذا أخرج عضوه عندما شعر بقرب حصول الإنزال فأنزل على حافة المهبل فحملت المرأة منه فلا يبعد صدق إن حملها من الزناء فتأمل.

وكيف كان فالمناط في إجراء الأحكام الثابتة لولد الزنى بصدق هذا العنوان، وهو غير صادق إلا فيما إذا كان تحقق الحمل بسبب الزناء لا بطريق آخر.

وأما ما يقال أحياناً من أنه لا خصوصية للعنوان المذكور وإن كان مأخوذاً في لسان الأدلة، بل العبرة بعدم كون الحمل شرعياً ـ والمناط فيه مجرد كون الرحم حراماً على صاحب النطفة ـ فلا يمكن المساعدة عليه، لأن رفع اليد عن موضوعية العنوان الوارد في لسان الدليل في ترتب الحكم المنوط به يحتاج إلى دليل، ومجرد كون الزناء هو الطريق الأوسع انتشاراً لتكوّن الحمل غير الشرعي لا يكفي قرينة على عدم موضوعية هذا العنوان فتدبر.

ومنه يظهر ضعف ما ذكره بعضهم من استفادة عدم الميراث بين الولد وصاحب النطفة فيما إذا لم يكن وضعها في رحم المرأة شرعياً من أدلة نفي الميراث في الزنى بدعوى أنهما من سنخ واحد.. فإنه يشبه أن يكون قياساً، بعد عدم ظهور أدلة نفي التوارث في الزنى في كون الملاك فيه هو عدم شرعية الحمل، بل هو قياس مع الفارق في معظم موارده على ما سيأتي توضيحه في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.

نعم ما يستفاد من بعض النصوص من أن لعدم طيب الولادة دخلاً في انجذاب الولد إلى الباطل وميله عن الحق ربما لا يختص بالمولود بالزناء وغيره من الوطء المحرّم ولو بالعارض، بل يعم كل مولود لم يكن حمل أمه به شرعياً فتأمل.

15

ومهما يكن فالوسائل الصناعية لحصول الحمل والإنجاب المتاحة في هذا العصر تتخذ أساليب مختلفة والمعنيّ منها بهذه الدراسة (1) هي:

1 ـ حقن المرأة بالسائل المنوي.

2 ـ زرع البويضة في الرحم.

3 ـ زرع الأعضاء التناسلية.

ويقع البحث عن مشروعية الإنجاب بواسطتها في أبواب ثلاثة:

____________

(1) يجدر الإشارة إلى أن أنواعاً من العقم ـ وهي ما تنجم عن الخلل الهرموني وإصابة الجهاز التناسلي ببعض الجراثيم والأحياء المجهرية ونحوها ـ يتم علاجها بالعقاقير الهرمونية والمضادات الحيوية والأدوية الكورتيزونية وأضرابها، وهذا النوع من العلاج مما لا إشكال في أنه لا يؤثر في شرعية الحمل، ولا يتوقف في العادة على مقدمات محظورة شرعاً ولا يستتبع أحكاماً خاصة، ولذلك فهو خارج عن إطار هذه الدراسة.

16

-

17

الباب الأول

في حقن المرأة بالسائل المنوي

وهو على نحوين:

أ ـ حقن المرأة بالسائل المنوي لزوجها.

ب ـ حقن المرأة بالسائل المنوي لرجل آخر غير الزوج.

ويقع البحث عن كلا النحوين:

أ ـ حقن المرأة بالسائل المنوي لزوجها

الطريقة العادية للتلقيح في الجنس البشري هي دخول حيامن الرجل في مهبل المرأة بواسطة الاتصال الجنسي، لتأخذ طريقها إلى الرحم ثم إلى قناة فالوب، فتلتقي هناك ببويضة المرأة وتتلقح البويضة بأحدها، ولكن في بعض الحالات يتطلّب الأمر حقن السائل المنوي في الجهاز التناسلي للمرأة بطريقة أخرى يصطلح عليها بـ(التلقيح الصناعي).

ومن هذه الحالات: ما إذا كان الزوج مصاباً بالعجز الجنسي (العنن) لأسباب عضوية أو نفسية، بحيث لا يكون قادراً على إدخال عضوه التناسلي في مهبل زوجته.

ومنها: ما إذا كان الزوج سريع القذف، أي يخرج سائله المنوي

18

مبكراً قبل الاتصال بزوجته، فلا يصل منه شيء يعتد به إلى عنق الرحم.

ومنها: ما إذا كان الزوج مصاباً بما يسمى بالقذف الرجعي، أي ارتداد سائله المنوي عند القذف إلى أقنية الجهاز البولي فتتلف الحيامن نتيجة لحموضة البول.

ومنها: ما إذا كان الزوج يعاني من انسداد القناة الناقلة للحيامن فلا يحتوي السائل الخارج منه عند الجماع على الحيامن القادرة على التلقيح.

ومنها: ما إذا كانت إفرازات المهبل وعنق الرحم شديدة الحموضة، فتؤدي إلى تلف الحيامن قبل وصولها إلى قناة فالوب.

ومنها: ما إذا كان مهبل الزوجة ضيقاً جداً ـ لوجود ورم أو لغيره من الأسباب ـ بحيث لا يسمح

بدخول العضو التناسلي للزوج.

وهناك حالات أخرى مشروحة في الدراسات المعدّة لذلك.

والتلقيح الصناعي على أنواع:

1 ـ التلقيح داخل الرحم: وهو الأوسع انتشاراً، وطريقته أن يقوم الزوج بإنزال سائله المنوي في زجاجة ذات عنق واسع، ثم يتم سحب السائل في حقنة طبية ويزرق في الرحم عن طريق إدخال الحقنة في المهبل.

2 ـ التلقيح داخل قناة فالوب: وطريقته أن تؤخذ الحيامن من السائل المنوي للزوج بعد إنزاله في الزجاجة الطبية، ثم يستخدم مجسّ خاص يمكّن الأخصائي من إدخالها عن طريق المهبل والرحم باتجاه قناة فالوب لتحقن فيها.

3 ـ التلقيح داخل الحويصلة المبيضية: بحقنها بالحيامن المنتزعة من السائل المنوي، وذلك عندما تكون الحيامن في حالة من الضعف الشديد لا تكون معه قادرة على الوصول إلى البويضة واختراقها بغير ذلك.

وفي الأنواع الثلاثة إذا كان الزوج يعاني من فقدان الحيامن في السائل المنوي نتيجة لانسداد القناة الناقلة أو تلفها يتم سحب كميّة من

19

الحيامن من (قناة البربخ) تحت تخدير موضعي بواسطة حقنة طبية، ثم تعزل الحيامن الجيدة عن الشوائب ـ إن وجدت ـ وبعد تنشيطها يتم حقنها داخل الرحم أو قناة فالوب أو الحويصلة المبيضية.

وجدير بالذكر أن في استطاعة الطب الحديث أن يأخذ السائل المنوي للرجل ويحفظه لمدة طويلة قبل حقنه في الجهاز التناسلي للمرأة، وطريقة ذلك أن يمزج بمادة تسمى (غليسيرول) ثم يبرّد المزيج في بخار النيتروجين المكثف فيبقى سليماً قابلاً للاستعمال عند الحاجة.

ومهما يكن فالظاهر أنه لا إشكال في جواز حقن الزوجة بمني زوجها في حد ذاته إذا اتفقا على ذلك.

نعم يمكن أن يثار الإشكال في ذلك بناءً على أمرين:

أ ـ ما يظهر من بعض فقهاء الفريقين من عدم انتساب الولد شرعاً إلى الزوج إذا دخل ماؤه في رحم الزوجة بغير الاتصال الجنسي وما بحكمه أي الإنزال على حافة الفرج.

ب ـ الإلتزام بأنه لا يجوز التسبب في حمل المرأة بجنين لا ينتسب إلى زوجها شرعاً وإن لم يكن منتسباً إلى غيره عرفاً.

ولكن كلا الأمرين غير ثابت على ما سيتضح من خلال البحوث الآتية، وقد صرّح السيد الحكيم قدس سره ـ الذي تبنى الأمر الأول (1) ـ بأنه لا إثم على الزوجة لو أدخلت مني الزوج في فرجها فحملت

منه وإن لم ينتسب إليه الولد.

والحاصل أنه لا ينبغي الشك في جواز حقن الزوجة بالسائل المنوي لزوجها مع رضا الطرفين، ولو فرض الشك في ذلك فالمرجع أصالة البراءة، بناءً على ما هو الصحيح من جريانها في الشبهات البدوية التحريمية حتى ما يتعلق منها بالفروج كما سيأتي وجهه.

____________

(1) لاحظ منهاج الصالحين ج 2 ص 215 م 5.

20

بل يمكن الاستدلال على جوازه بالآية الكريمة الواردة في وصف المؤمنين وهي قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ)) بناءً على شمولها للمؤمنات ـ وإن كان الجمع المستخدم فيها موضوعاً لغة لخصوص الذكور ـ وأيضاً شمول حفظ الفرج فيها لحفظ المرأة فرجها عن دخول المني فيه، ولكن التعميم الأخير محل تأمل أو منع كما سيجيء إن شاء الله تعالى.

وكيف كان فأصل جواز حقن المرأة بالسائل المنوي لزوجها مع توافقهما على ذلك واضح، وإنما الإشكال في صور:

الصورة الأولى

عدم رضا الزوج بحقن سائله المنوي في رحم الزوجة

الظاهر أنه لا إشكال في أنه لا يحق للزوجة إلزام زوجها بإنزال سائله المنوي في وعاء لتتمكن من حقن نفسها به، وإن لم تكن قادرة على الإنجاب لولا ذلك، ولم يكن قد اشترط عليها عدم الإنجاب مطلقاً أو لمدة محدودة؛ فإنه لم يرد دليل على ثبوت حق الإنجاب للمرأة على زوجها، بل ما دل على جواز العزل للزوج وإن كرهته الزوجة يدل بإطلاقه على خلاف ذلك، ومنه موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا بأس بالعزل عن المرأة الحرة إن أحب صاحبها وإن كرهت، ليس لها من الأمر شيء (1) .

نعم ورد في رواية سعد بن إسماعيل عن أبيه أنه قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة بشرط أن لا يتوارثا وأن لا يطلب منها ولداً فقال (عليه السلام) : لا أحب (2) ، وورد في روايتي هشام بن سالم والأحول عن أبي عبد الله (عليه السلام) في عداد ما يشترط الرجل على المرأة في عقد

____________

(1) الوسائل ج 14 ص 105 ح 4.

(2) الوسائل ج 15 ص 51 ح 2.

21

المتعة قوله: (ولا أطلب ولدك) (1) .

فربما يستفاد من هذه النصوص ثبوت حق الإنجاب للمرأة ما لم يشترط خلافه في ضمن العقد، إذ مع عدم ثبوت هذا الحق لها أساساً لا حاجة إلى اشتراط عدمه عليها.

ولكن هذه الروايات ـ مضافاً إلى ضعف أسانيدها ـ لا تدل على ما ذكر، فإنه يكفي وجهاً لاشتراط عدم الإنجاب على المرأة احتمال توهمها ثبوت هذا الحق لها، كما ورد نظير ذلك في روايتي هشام والأحول بالنسبة إلى عدم التوارث بين الزوجين وعدم القسم للزوجة وعدم العدة على الزوج؛ مع أن هذه الأمور أيضاً مما لا تثبت للزوجة المتمتع بها حتى مع عدم الشرط، فليس اشتراط عدمها إلا من جهة التأكيد على عدم استحقاقها لها.

ويضاف إلى ما ذكر أن أقصى ما يستفاد من الروايات المذكورة ـ لو تمت دلالتها ـ إنما هو استحقاق الزوجة أن تنجب من زوجها باتباع الطريقة المتعارفة أي الإنزال عند الاتصال الجنسي، ولا إطلاق لها يقتضي استحقاقها الإنجاب باتباع الطرق الصناعية.

وبالجملة لا دليل على أن المرأة تستحق على زوجها أن تحمل منه بالطريقة الطبيعية فضلاً عن استحقاقها عليه الإنجاب بالطريقة الصناعية، بحيث يجوز لها إجباره على إفراغ منيه في وعاء لتحقن به نفسها لو توقف حملها على ذلك.

نعم يمكن أن يستثنى من ذلك ما إذا كان امتناع الزوج عن الإنجاب يعدّ اضراراً بالزوجة ومنافياً لإمساكها بالمعروف، كما إذا كان للرجل أولاد من زوجته الأولى ولم يكن يرغب في الإنجاب من زوجته الثانية مما يعني حرمانها من الأمومة فإنه يمكن أن يقال إن إبقائها في عصمته على هذا

____________

(1) الوسائل ج 14 ص 467 ح 5 و6.

22

الحال ينافي الإمساك بالمعروف، وكذلك إذا كانت الزوجة مصابة ببعض الأمراض النسائية كالالتهابات الرحمية مما لا ترتفع إلا بالحمل فإن امتناع الزوج عن الإنجاب في هذه الحالة وعدم تسريحها بالطلاق يعدّ اضراراً بها، فهو ملزم في الحالتين إما بترك الممانعة من الإنجاب أو القيام بطلاقها استجابة لطلبها لقوله تعالى: ((فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)) فإنه وإن كان وارداً في المطلقة إلا أن الذي يظهر من التمسك به في كلمات الأئمة (عليهم السلام) في موارد أخرى كالإيلاء وإنكار الوكالة في التزويج أن مؤداه قاعدة عامة تنظم العلاقة بين الزوجين، وأيضاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا ضرار) الدال على حرمة الإضرار بالغير، لصدقه في المقام كما يستفاد من صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: ((لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)) قال: كانت المرأة منّا ترفع يدها إلى زوجها إذا أراد مجامعتها فتقول لا أدعك لأني أخاف أن أحمل على ولدي، ويقول الرجل لا أجامعك إني أخاف أن تعلقي فأقتل ولدي، فنهى الله عز وجل أن تضار المرأة الرجل وأن يضار الرجل المرأة (1) .

ووجه الاستفادة: إنه إذا كان يعدّ من اضرار الرجل بزوجته المرضعة منعها من حاجتها إلى الجنس ولو كان ذلك من جهة خوفه من أن تحمل منه فيجف حليبها وتنقطع عن إرضاع ولده، فكيف لا يعدّ من الاضرار بالزوجة منعها من حاجتها إلى الأمومة وهي في الغالب أعظم من حاجتها إلى الجنس فتأمل.

وبذلك يظهر لزوم تقييد ما دل على جواز العزل عن الزوجة وإن كرهت ذلك بغير ما ذكر من المثالين ونحوهما.

وأما في غير ذلك فللزوج الامتناع من الإنجاب بطرقه المشروعة كالعزل عند المقاربة واستعمال الحبوب المانعة التي استحدثت في الآونة الأخيرة ولا يحق للزوجة الاعتراض عليه في ذلك، إلا إذا كان لها عليه

____________

(1) الوسائل ج 15 ص 180 ح 1.

23

شرط صريح أو مضمر في ضمن العقد يقتضي استحقاقها الإنجاب بالطريقة المتعارفة أو بأية طريقة ممكنة ومشروعة، فإن لها مع الشرط إلزامه بالوفاء به وأما من دونه فليس لها حق عليه من هذه الجهة.

ولكن إذا كان الزوج قد احتفظ ببعض سائله المنوي أو أنه أنزل عند المقاربة في القفاز الواقي فهل يجوز للزوجة أن تأخذ منه فتستعمله لغرض الإنجاب ـ إن صلح لذلك ـ من دون إذنه أو لا؟


يبدو من السيد الأستاذ قدس سره في بعض أجوبة استفتاءاته أنه يجوز لها ذلك (1) ، ولعل الوجه فيه ما أفاده في موضع آخر من أن المني كما أنه ليس بمالٍ ليس بمملوكٍ لأحد إذ هو فضلة كسائر الفضلات (2) .

ولكنه لا يخلو من نظر، فإن مجرد كونه من الفضلات لا يمنع من كونه مملوكاً لصاحبه، ولو سلم أنّه ليس مملوكاً له بالملكية الاعتبارية القانونية فهو مملوك له بالملكية الذاتية ـ حسب تعبيره قدس سره في بعض نظائر المورد (3) ـ والمقصود بها ما لا يحتاج تحققه إلى أمر خارجي تكويني أو اعتباري، والدليل على ذلك هو بناء العقلاء على تسلط الشخص على نفسه وشؤونه وتوابعه وعدم السماح للغير بمزاحمته فيها، ولا أقل من كون المني متعلقاً لحق الزوج من قبيل حق الاختصاص فيما لا يملك، فكيف يسوغ للزوجة التصرف فيه من دون إذنه؟!.

(إن قيل): إن هذا يصح فيما إذا لم يعرض الزوج عن سائله المنوي، كما إذا أفرغه عند المقاربة في القفاز الواقي ثم رمى به، فإنه وإن لم يخرج عن ملكه بالإعراض ولم يسقط حقه فيه بذلك، إلا أنه من جهة رفع يده عنه يجوز لزوجته أن تأخذه لغرض استخدامه في الإنجاب ـ إن صلح لذلك ـ من دون الحاجة إلى استئذانه فيه بالخصوص.

____________

(1) المسائل الشرعية ج 2 ص 320.

(2) مباني العروة الوثقى ج 2 ص 85.

(3) مصباح الفقاهة ج 2 ص 5.

24

(كان الجواب عنه): إن الإعراض عن الشيء لا يعني الترخيص للآخرين بجميع التصرفات فيه في مطلق الأحوال، بل يتبع ذلك القرائن والمناسبات، مثلاً القصاصات الورقية المكتوبة التي يعرض عنها صاحبها ويرميها في سلة المهملات إنما يسمح بإتلافها ولا يرضى باستيلاء الغير عليها واطلاعه على ما فيها من معلومات، وكذلك في مفروض البحث لا يفهم من رمي الزوج بالقفاز الواقي المستخدم عند المقاربة الترخيص لزوجته ـ فضلاً عن غيرها ـ بأخذ ما فيه من السائل المنوي لاستخدامه في الإنجاب، فلا يجوز لها ولا لغيرها التصرف فيه بذلك من دون إحراز رضاه بمثل هذا التصرف.

ولكن لو فرض أنها تصرفت فيه بحقن نفسها به من دون موافقته على ذلك فحملت منه فالحمل شرعي ـ وإن كان طريق التوصل إليه محرماً ـ كما اتضح وجهه مما مرّ.

ثم انه لو جاز للمرأة استعمال السائل المنوي لزوجها من دون إذنه، أو فرض انتقال كمية منه إليها ببيع أو غيره ـ على القول بجواز المعاملة عليه كما سيأتي ـ فهل يجوز للزوج منعها من ذلك على أساس أنه لا يريد لها الحمل والإنجاب، لما يتبع ذلك من تكاليف تتوجه إليه، سواء من ناحية زيادة نفقتها في أيام الحمل والرضاع أم من ناحية لزوم حضانة الوليد وتربيته والإنفاق عليه؟

وأيضاً هل يجوز له منعها من ذلك على أساس أنه سيحرم في فترة الحمل والوضع من بعض الاستمتاعات الجنسية، ولو بسبب الوضع النفسي للأم أو كونها مضرة بها أو بجنينها؟

يمكن أن يقال أنه لا يجوز له منعها من الحمل والإنجاب لأيّ من الوجهين المذكورين:

أما الوجه الأول: فلأنه لا دليل على عدم جواز التسبب في إيجاد موضوع التكليف المتوجه إلى الغير من دون رضاه بذلك، ودور الزوجة في

25

مفروض البحث لا يتجاوز ذلك، فهي لمّا تصبح حاملاً وتحتاج إلى نفقة زائدة يجب على الزوج توفيرها لها، كما أنها إذا وضعت حملها يجب عليه بصفته أباً للوليد القيام بحضانته ورعايته ـ بالاشتراك مع أمه في السنتين الأوليين ـ بالإضافة إلى تأمين نفقته بمقتضى الدليل الدال على ذلك.

ونظيره ما إذا كان للأب الغني ولد فقير لا يتيسر له توفير ما يزيد على نفقة نفسه، فلو تزوج وأراد إنجاب طفل لم يكن ذلك منوطاً بإذن أبيه، بتوهم أن ولادة هذا الطفل ستحمله نفقات إضافية، بناءً على ما هو المشهور بين الفقهاء من وجوب نفقة الحفيد على الجد مع إعسار الأب.

وليس ذلك من قبيل الإضرار بالغير، المحرّم بأدلته ومنها المقطع الثاني من حديث (لا ضرر ولا ضرار) إذ أن الزوجة في المثال لا تتسبب في ورود نقص على الزوج في نفسه أو ماله أو حق من حقوقه الشرعية، وإن كان نقصٌ فهو مستند إلى حكم الشارع بوجوب الإنفاق ونحوه.

وأما الوجه الثاني: فلأن حق الزوج في الاستمتاع بزوجته ووجوب التمكين له عليها منوط بعدم تضررها أو تضرر حملها بسببه وعدم كونه حرجياً عليها بحدّ لا يتحمل عادة، ولا دليل على منع الزوجة من أن تجعل نفسها في وضع يكون التمكين فيه ضررياً أو حرجياً بالحد المتقدم، نظير استخدامها عقاراً موجباً لتعجيل دم الحيض يوماً أو يومين أو تطويل مدته، فإنه لا دليل على حرمته وإن كان يحرم الزوج من المقاربة لبعض الوقت (1) ، وذلك لأنه من قبيل التسبب في انتفاء موضوع الحق، فلا يندرج في الإضرار المحرم الذي هو إيراد النقص على الغير بسلب حقه مع بقاء موضوعه، وإن حصل نقصٌ جراء التسبب في ارتفاع موضوع الحق فهو ناشىء من الحكم الشرعي بذلك.

نعم إذا كان هدف الزوجة من فعل ما يؤدي إلى سقوط حق الزوج

____________

(1) لاحظ (حول وسائل المنع من الإنجاب) ص 53.

26

في المقاربة مجرد حرمانه منها لا غرضاً عقلائياً آخر فبالإمكان التأمل في جوازه، لأن لسان النصوص الواردة في كيفية معاشرة المرأة لزوجها ربما لا يناسب الترخيص لها في ذلك فلاحظ (1) .

وأما في غير ذلك من الموارد فلا دليل على منع الزوجة من التسبب في انتفاء موضوع وجوب التمكين للزوج.

(إن قيل): إن هذا صحيح لو لم يكن هناك إلا وجوب التمكين، الذي هو حكم تكليفي محض ـ وإن عبّر عنه بالحق فإنما هو من أجل كونه مشرّعاً لمصلحة الزوج ويقبل الإسقاط من جانبه ـ ولكن الذي يظهر من النصوص أن الزوج يملك بضع المرأة بالعقد (2) وأن وجوب التمكين من الأحكام المترتبة على هذه الملكية، وحينئذ يمكن أن يقال إن بضع المرأة إذا كان ملكاً للزوج فلا يحق لها أن تتسبب في إيجاد ما يمنع الزوج من الاستفادة منه ويعيقه عن ممارسة المقاربة التي تثبت له بمقتضى ذلك، ولا يقاس هذا بما إذا أصيبت المرأة بعارض صحي أو مانع شرعي كالحيض يمنعها من تمكين نفسها للزوج، فإنه لا يعدّ مزاحمة من جانب الزوجة لسلطنة الزوج على بضعها.

(كان الجواب عن ذلك): إن البضع يأتي لغة بمعنيين، قال الزمخشري: البضع مصدر بضع المرأة إذا جامعها، ويقال لعقد النكاح

____________

(1) الوسائل ج 14 ص 111 وما بعدها.

(2) لاحظ قوله (رجل ملك بضع امرأة وهو محرم قبل أن يحرم) الوسائل ج 9 ص 92، وقوله عليه السلام (زوجك أحق ببضعك ما لم تغسلي فرجك) ج 15 ص 429، وقوله عليه السلام (فقضى للرجل أن بيده بضع امرأته) ج 15 ص 20، وقوله عليه السلام (لأن الزوج قد استحق بضع هذه المرأة) ج 14 ص 225، وقوله عليه السلام (المختلعة إن رجعت في شيء من الصلح يقول لأرجعن في بضعك) ج 15 ص 499، وقوله عليه السلام (بضعها في يدك ولا ميراث بينكما) ج 17 ص 387، وقوله عليه السلام (إذا زوج المولى أمته غير غلامه فليس له أن ينزع حتى تباع فإن باعها صار بضعها بيد غيره فإن شاء فرّق وإن شاء أقرّ) ج 14 ص 552.

27

بضع أيضاً (1) ، وقال الأزهري ـ نقلاً عن الأصمعي ـ إنه يقال: ملك فلان بضع فلانة إذا ملك عقدة نكاحها وهو كناية عن موضع الغشيان، وقال بعضهم ابتضع وبضع إذا تزوج، والمباضعة المباشرة والاسم البضع (2) .

وعلى كلا المعنيين لا يتم الاستدلال المذكور:

أ ـ أما إذا كان البضع بمعنى الجماع فلأن المقصود بملكية الزوج لبضع الزوجة عندئذٍ هو ثبوت حق الاستمتاع الجنسي بها، فكأن الزوج يملك هذا الانتفاع الخاص من زوجته بالعقد، ويمكن تنظيره بحق السكن الذي يثبت للشخص بعقد السكنى عندما يقول له صاحب الدار (أسكنتك هذه الدار عشر سنين مثلاً) فيقول: (قبلت) فإنه يثبت له بذلك ـ بعد القبض ـ حق الانتفاع من الدار بالسكن، فهو لا يملك منفعة الدار بل يملك الانتفاع منها بالسكن خاصة، وكذلك في محل البحث إنما يملك الزوج الاستمتاعات المتعارفة، ولكن من المعلوم أن هذا الحق ليس مطلقاً بل محدود بحدود خاصة، منها أن لا يكون الاستمتاع ضررياً على الزوجة أو حرجياً عليها بحد لا يتحمل عادة، ومقتضى إطلاق دليل التقييد عدم الفرق بين أن يكون ذلك بتسبب من المرأة وعدمه فتدبر.

ب ـ وأما إذا كان البضع بمعنى عقد النكاح ـ كما هو الأنسب بجملة من موارد الاستعمال ـ فلأن التعبير بـ(ملك بضع فلانة) يقصد به ملكية عقدة النكاح، فهو كناية عن صيرورة المرأة في عصمة الرجل وله وحده حلّ عقدة الزواج بينه وبينها، ولذلك ورد في موثقة سماعة (لا يكون طلاق حتى يملك عقدة النكاح) (3) وفي صحيح محمد بن قيس (لا يطلق إلا ما يملك) (4) ، فالعبارة المذكورة لا تدل حتى على ثبوت حق الاستمتاع للزوج فضلاً عن دلالتها على أزيد من ذلك.

____________

(1) الفائق ج 1 ص 115.

(2) تهذيب اللغة ج 1 ص 488.

(3) الوسائل ج 15 ص 288 ح 5.

(4) الوسائل ج 15 ص 287 ح 2.

28

الصورة الثانية

عدم رضا الزوجة بحقن السائل المنوي للزوج في رحمها

الظاهر أنه لا إشكال في أنه لا يجوز للزوج إلزام زوجته بالقبول بإدخال سائله المنوي في رحمها عن طريق الحقنة الطبية، فإنه إنما ثبت له الحق عليها في المقاربة والإنزال في أثنائها أو على حافة المهبل، وأما إدخال المني في رحمها بغير ذلك فلم يرد دليل يمنح الزوج الحق فيه من دون رضا الزوجة به.

نعم ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سأله عن العزل فقال: ذاك إلى الرجل يصرفه حيث يشاء (1) ، والمشار إليه بلفظة (ذاك) هو المني بقرينة قوله: (يصرفه)، وقد صرح بذلك في روايته المروية في الفقيه عن أبي جعفر (عليه السلام) ولفظها (الماء للرجل يصرفه حيث يشاء) (2) وحينئذ فقد يتوهم دلالتها بالإطلاق على أنه يحق للزوج أن يضع منيّه في مهبل المرأة ولو في خارج عملية الاتصال الجنسي، ولكنه مردود بأنه لا إطلاق لها من هذه الجهة، بل ظاهرها بقرينة السؤال هو صرف الزوج منيّه عند المقاربة إلى داخل المهبل أو صرفه إلى خارجه المسمى بالعزل.

ثم ان الظاهر أنه لا يوجد دليل واضح على ثبوت حق الاستيلاد للزوج على زوجته ليبحث عن دلالته على جواز إلزام الزوجة بحقن السائل المنوي في مهبلها لو لم يكن يتيسر استيلادها بالطريقة المتعارفة ولم يكن لها شرط معاملي على خلاف ذلك.

نعم قد يستدل على ثبوت هذا الحق له بوجوه:

(الوجه الأول): قوله تعالى: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النّسَاءِ)) (3)

____________

(1) الوسائل ج 14 ص 105 ح 1.

(2) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 273 ح 80.

(3) سورة النساء/ 34.

29

بدعوى أن المقصود بالنساء فيه هنّ الزوجات بقرينة قوله تعالى بعده: ((فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاْتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ)) ومن مقتضيات كون الزوج قواماً على زوجته أن تطيعه وتقبل أمره ما لم يكن معصية، وعلى ذلك فلا يحق لها رفض طلبه في الإنجاب إذا لم يتوقف على فعل حرام، وهذا معنى ثبوت حق الاستيلاد له.

ويلاحظ عليه: إن (قوّام) فعّال للمبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجل على المرأة هو على هذا الحدّ (1) ، وهو أن يقوم بالتكفل بأمورها والاعتناء بشؤونها وفق ما تقتضيه مصلحتها، وليس معناه أن لا تنفذ لها في نفسها وفيما تملكه إرادة وأن عليها تنفيذ أوامر الزوج وإن كانت لتأمين مآربه ومصالحه الشخصية ليرتبط بما نحن فيه.

مضافاً إلى أنه لم يظهر كون الآية الكريمة ناظرة إلى قوامية الرجل على زوجته، بل لعل المستفاد منها ـ كما قال العلامة الطباطبائي (2) ـ قوامية قبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بحياة القبيلين جميعاً، ولا ينافيه ورود ذيلها بشأن الزوجات فتأمل.

(الوجه الثاني): قوله تعالى: ((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)) (3) بتقريب أن الحرث لغة هو الزرع، فمعنى كون المرأة حرثاً للرجل هو أنه يزرع في رحمها النطفة فيخرج الولد (4) ، فهي منبت له ومزدرع للذرية، فتدل الآية الكريمة على منح الزوج حق الاستيلاد على زوجته، ومعلوم أن ذلك لا ينسجم مع منح الزوجة حق الممانعة ولو بفعل ما يمنع من إنبات النطفة كاستخدام الحبوب المانعة من الحمل، وهل ذلك إلاّ نظير أن يمنح أحد

____________

(1) لاحظ الجامع لأحكام القران ج 5 ص 169.

(2) الميزان ج 5 ص 344.

(3) سورة البقرة/ 223.

(4) لاحظ لسان العرب ج 2 ص 135، جامع المقاصد ج 12 ص 498.

30

حق استزراع أرض وفي الوقت نفسه يرخص لغيره رشّها بمواد تمنع حصول الزرع؟!

والحاصل أن مقتضى كون المرأة حرثاً للرجل هو ثبوت حق الاستزراع له بطرقه المشروعة فلا يجوز لها الممانعة منه وفعل ما يمنعه من ممارسة حقه.

والجواب: إن المقطع المذكور من الآية الكريمة ليس مسوقاً لبيان حكم شرعي وهو منح حق الاستزراع للزوج في رحم زوجته، بل بصدد التذكير بأمر متعارف خارجاً وهو اتخاذ الزوجة منبتاً للولد تمهيداً لبيان حكم شرعي وهو المذكور في المقطع الثاني أي قوله: ((فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)) والمعنى أنه لما كانت المرأة حرثاً للزوج فله حرية تحديد الوقت المناسب للاستزراع أو الكيفية المناسبة له، فلا دلالة في الآية الشريفة بوجه على ثبوت حق الاستيلاد للزوج.

(الوجه الثالث): إن الإنجاب والتناسل يعتبر إلى جنب تلبية الغريزة الجنسية غرضاً أساسياً لتشريع الزواج، بل يظهر من بعض الروايات أنه الغاية من خلق النساء! ففي الخبر عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: وخلق للرجال النساء ليأنسوا ويسكنوا إليهن ويكنّ موضع شهواتهم وأمهات أولادهم (1) وورد في رواية الحسن بن صالح قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فوجد بها قرناً، قال: هذه لا تحبل وينقبض زوجها من مجامعتها، ترد على أهلها (2) . فيلاحظ أن الإمام (عليه السلام) قد علل جواز فسخ النكاح بعدم الحبل والإنجاب إلى جنب انقباض الزوج من المقاربة، فيفهم من ذلك أن الإنجاب يماثل الاستمتاع الجنسي في كونهما جميعاً من الحقوق الثابتة للزوج، فكما يجب على المرأة تمكين الزوج من نفسها للاستمتاعات المتعارفة كذلك يجب عليها تمكينه من الإنجاب.

____________

(1) الوسائل ج 14 ص 265 ح 5.

(2) الوسائل ج 14 ص 599 ح 3.

31

ولكن هذا الاستدلال ضعيف أيضاً، إذ فيه ـ مضافاً إلى أنه لا يفي بإثبات حق الاستيلاد للزوج إذا كان قد أنجب بما يكتفى به عادة كما لعله واضح ـ إن كون التناسل حكمة لتشريع الزواج وإن كان صحيحاً إلا أن ترتبه عليه وتحققه خارجاً لا يتوقف على منح الزوج حق استيلاد زوجته، بحيث يجوز له إجبارها على الإنجاب، بل هو مما يتحقق في غالب الزيجات بصورة طبيعية، وليس شأن الحكمة أزيد من ذلك.

وأما رواية الحسن بن صالح فهي مضافاً إلى ضعف سندها ـ لكون الرجل متروك العمل بما يختص بروايته كما قال الشيخ قدس سره (1) ـ إنما تشير إلى أن جعل حق الفسخ للرجل فيما إذا تبين كون المرأة قرناء قد لوحظ فيه كون القرن مانعاً عن الحمل إلى جانب كونه مخلاً بالاستمتاع عند المقاربة، ولا دلالة فيها على ثبوت حق الفسخ للرجل عند تبين وجود مانع طبيعي آخر من الحمل لدى المرأة، فضلاً عن دلالتها على منع المرأة من اصطناع مانع منه ووجوب تمكينها الزوج من الإنجاب.

(الوجه الرابع): إن التناسل يعتبر من الدواعي الرئيسة للزواج في مختلف المجتمعات البشرية، فلا يتزوج الرجل إلا مع ارتكاز ذهني بتمكين الزوجة من الإنجاب ولو في الجملة، فهو يعدّ بمثابة شرط ارتكازي يبتني عليه العقد، ولا فرق في وجوب الوفاء بالشرط المعاملي بين الشروط المصرّح بها في متن العقد والشروط المضمرة التي يبتني عليها العقد بحسب ارتكاز الطرفين أو لسبق الاتفاق عليها قبل إجراء العقد في مرحلة المقاولة، نعم ورد في بعض النصوص ما يوهم عدم الاعتداد بالشرط المضمر الذي يبتني عليه عقد النكاح، ففي معتبرة عبد الله بن بكير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح وما كان بعد النكاح فهو جائز (2) وفي معتبرة زرارة قال: كان الناس بالبصرة يتزوجون سراً فيشترط


____________

(1) تهذيب الأحكام ج 1 ص 408.

(2) الوسائل ج 14 ص 468 ح 2.

32

عليها أن لا آتيك إلا نهاراً ولا آتيك الليل ولا أقسم لك وكنت أخاف أن يكون هذا تزويجاً فاسداً، فسألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ذلك فقال: لا بأس به ـ يعني التزويج ـ إلا أنه ينبغي أن يكون هذا الشرط بعد النكاح، ولو أنها قالت بعد هذه الشروط قبل التزويج (نعم) ثم قالت له بعدما تزوجها إني لا أرضى إلا أن تقسم لي وتبيت عندي فلم يفعل كان آثماً (1) .

فإن ظاهر المعتبرتين عدم الاكتفاء باستحصال الموافقة على الشروط قبل العقد وإيقاع العقد مبنياً عليها ـ مع أنها تعتبر عندئذٍ شروطاً مضمرة ـ بل لا بد من إيرادها في الإيجاب ـ وهو المراد بقوله (بعد النكاح) ـ أي تذكر في متن العقد لتكون ملزمة للمشروط عليه.

ويوضح ذلك خبر ابن بكير (قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا اشترطت على المرأة شروط المتعة فرضيت به وأوجبت التزويج فاردد عليها شرطك الأول بعد النكاح فإن أجازته فقد جاز وإن لم تجز فلا يجوز عليها ما كان من شرط قبل النكاح) (2) .

ولكن الظاهر لزوم حمل المعتبرتين وما يشبههما على ما إذا لم تكن الشروط التي جرى الحديث بشأنها قبل العقد ملحوظة للطرفين في حينه (3) ،

____________

(1) الوسائل ج 15 ص 4 ح2، والسند فيه محرف وصحيحه هكذا (الحسن بن علي عن إبراهيم بن محمد الأشعري) كما يعلم بملاحظة ترجمة الأخير في رجال النجاشي ص 19.

(2) الوسائل ج 14 ص 468 ح 1.

(3) وهناك وجه آخر في هذه النصوص وهي حملها على الشروط التي يكون مؤداها سقوط ما يجب بالعقد كاشتراط عدم ثبوت حق القسم أو البيتوتة أو النفقة ونحوها للمرأة أو عدم ثبوتها لها على حد ثبوتها لغيرها، فإن هذه الحقوق لما كانت تثبت بالعقد لم يصح اشتراط سقوطها على نحو شرط النتيجة في ضمن العقد نفسه لأنه من قبيل إسقاط ما لم يجب، بخلاف ما إذا تم إسقاطها بعد العقد فإنه يجوز ذلك، وهذا معنى قوله عليه السلام (ينبغي أن يكون هذا الشرط بعد النكاح) وقوله (وما كان بعد النكاح فهو جائز) وقوله (فاردد عليها شرطك الأول بعد النكاح) أي إذا أسقطت الزوجة شيئاً من الحقوق الثابتة لها بموجب النكاح بعد إتمام العقد فلا بأس بذلك، وأما قبل ذلك فلا يجوز، ولذلك ورد في موثق زرارة قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عن النهارية يشترط عليها عند عقدة النكاح أن يأتيها متى شاء كل شهر وكل جمعة يوماً، ومن النفقة كذا وكذا قال: ليس ذلك الشرط بشيء، ومن تزوج امرأة فلها ما للمرأة من النفقة والقسمة (الوسائل ج 15 ص 48 ح 3).

والحاصل أن النصوص الدالة على عدم نفوذ الشروط إلا ما كان بعد النكاح ناظرة إلى مثل هذه الشروط، فإنها لا تصح في ضمن العقد سواء صرح بها أو أضمرت وجرى العقد مبنياً عليها وإنما تصح إذا جرى الاتفاق بشأنها بعد إتمام النكاح.

ولكن يلاحظ على هذا الوجه أنه لا ينسجم مع مفاد بعض النصوص كموثق محمد بن مسلم (قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في الرجل يتزوج المرأة متعة أنهما يتوارثان إذا لم يشترطا وإنما الشرط بعد النكاح) (الوسائل ج 14 ص 469 ح 4) فإن اشتراط عدم الميراث في المنقطع إنما يجدي إذا كان في ضمن العقد، وأما بعده فلا يؤثر في سقوط الإرث.

وفي خبر ابن بكير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا اشترطت على المرأة شروط المتعة فرضيت به وأوجبت التزويج فاردد عليها شرطك الأول بعد النكاح فإن أجازته فقد جاز وإن لم تجزه فلا يجوز عليها ما كان من شرط قبل النكاح (الوسائل ج 14 ص 468 ح 1) والمقصود فيه بشروط المتعة ما يشمل شرط مقدار المهر والمدة وطلب الولد والإرث ونحو ذلك كما يظهر من جملة من النصوص كروايات أبي بصير وهشام بن سالم وعمر بن حنظلة والفتح بن يزيد وغيرها (الوسائل ج 14 ص 467 ح 4 و6 وص 488 ح 3 وص 489 ح 6) ومن المعلوم أن اشتراط ما ذكر ونحوه إنما يؤثر إذا كان في ضمن العقد وأما بعد انهائه فلا يبقى مجال له.

هذا مضافاً إلى أن إطلاق الشرط على ما يكون في خارج العقد لا يخلو من مسامحة فإن الشرط هو إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه (لاحظ المحكم ج 8 ص 13).

وأيضاً حمل قوله عليه السلام (ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح وما كان بعد النكاح فهو جائز) على خصوص الشرط المتضمن لإسقاط ما يجب بالعقد يشبه حمل المطلق على الفرد النادر.

وأما موثق زرارة المتقدم الدال على عدم نفوذ شرط تحديد حق القسم والنفقة في عقد النكاح فهو معارض ببعض الروايات الأخرى كمرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل يتزوج المرأة فيشترط عليها أن يأتيها إذا شاء وينفق عليها شيئاً مسمى، قال: لا بأس (الوسائل ج 15 ص 47 ح 1) إلا أن يقال انها لا تأبى الحمل على ما إذا كان الشرط بعد النكاح فتأمل، بالإضافة إلى أن عدم صحة الشرط في موردها على وفق القاعدة وهي المرجع بعد تساقط الخبرين فتدبر.

33

-

34

بأن كان المُنشَأ مطلقاً غير معلق على التزام الطرف الآخر بتلكم الشروط، وإلا فمن البعيد جداً اختصاص النكاح من بين العقود بعدم الاعتداد فيه بالشروط المضمرة فتأمل.

(أقول): الشرط الارتكازي وإن كان معتبراً في النكاح كما هو معتبر في سائر العقود، إلا أن مجرد الإقدام على الزواج مع ارتكاز قيام الطرف الآخر بأمرٍ ما جرياً على المتعارف والمعمول لا يحقق معنى الشرط، فإنه يتقوم ـ في المقام ونظائره ـ بإنشاء الحصة المقيدة بالتزام الطرف أداء عمل معين، وهذا ليس لازماً لوجود الارتكاز المذكور، مثلاً تعارف قيام المرأة في المجتمعات الشرقية بمعظم الأعمال المنزلية وإن كان موجباً لارتكاز هذا المعنى في نفس الرجل عند الإقدام على الزواج ولكن لا يجعل منه شرطاً ارتكازياً ليحق له إلزام المرأة بالوفاء به لاحقاً، والمقام من هذا القبيل أيضاً فلاحظ.

مضافاً إلى أنه لو تم الشرط المذكور فهو لا يقتضي أزيد من عدم الممانعة عن الإنجاب بطريقته المتعارفة، وأما القبول بإجراء عملية التلقيح الصناعي إذا لم يتيسر الإنجاب بالنحو الطبيعي فمن المؤكد أنه مما لا يشمله الشرط الارتكازي ولا سيما إذا لم يكن الزوج محروماً من الأولاد بالمرة.

فالنتيجة أنه لا يوجد دليل على ثبوت حق الاستيلاد للرجل على زوجته ما لم يشترط ذلك عليها في ضمن العقد أما صريحاً أو مع سبق الاتفاق بشأنه وإيقاع العقد مبنياً عليه.

بل ربما يستفاد من معتبرة عمر بن حنظلة عدم ثبوت هذا الحق له إلا

35

مع الشرط، فقد روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سأله عن شروط المتعة فقال يشارطها على ما يشاء من العطية ويشترط الولد إن أراد وليس بينهما ميراث (1) .

ووجه الاستفادة أنه لو كان الاستيلاد حقاً ثابتاً للزوج على الزوجة فلا حاجة إلى جعله شرطاً في ضمن العقد فإنه يثبت له اشترط أو لم يشترط، فإيعاز الإمام (عليه السلام) إلى اشتراطه في العقد دليل عدم ثبوته لولاه.

ولكن هذه الاستفادة ممنوعة، فإن مورد الرواية هو عقد المتعة، والمتعارف فيه عدم الاستيلاد فيجوز أن يكون اشتراط الاستيلاد على المتمتع بها لو أراده الزوج لأجل أن لا تتوهم المرأة عدم ثبوت هذا الحق له، مضافاً إلى أنه لو تمت الاستفادة المذكورة فلا بد من الاقتصار على موردها أي المتعة ولا وجه للتعدي عنه إلى العقد الدائم.

فالمتحصل مما مرّ أنه لا يحق للزوج إجبار زوجته على الإنجاب بطريقة التلقيح الصناعي إلا إذا كان له عليها شرط يقتضي ذلك، ولكن لو فرض أنه أجبرها على الحمل بهذه الطريقة فالحمل شرعي وإن كان الطريق إليه حراماً كما علم وجهه مما تقدم.

الصورة الثالثة

مزج مني الزوج بسائل آخر قبل حقن الزوجة به

يقول بعض الأخصائيين أنه يحدث أحياناً أن تكون حيامن الزوج طبيعية وصالحة لتلقيح بويضة الزوجة، إلا أن سائله المنوي لا يكون طبيعياً ولا يصلح لتنشيط الحيامن كي تقطع المسافة الفاصلة بين المهبل والنفير (قناة فالوب) الذي يتم فيه تلاقي الحويمن مع البويضة.

____________

(1) الوسائل ج 14 ص 488 ح 3 وص 468 ح 6.

36

فإذا أريد الإنجاب بطريقة التلقيح الصناعي داخل الرحم تطلّب ذلك اتباع أحد أسلوبين:

أ ـ استخدام سائل منوي طبيعي يؤخذ من رجل آخر ليكون بديلاً عن سائل الزوج في تنشيط حيامنه.

ب ـ استخدام سائل صناعي متكوّن من نفس عناصر السائل الطبيعي يساعد على تنشيط حيامن الزوج.

والأسلوب الثاني جائز لا بأس به، وأما الأسلوب الأول فلا يخلو من اشكال بناءً على أنه لا يجوز أن تحقن المرأة بمني رجل غير زوجها ـ كما سيأتي البحث عنه ـ لصدق المني على السائل الخاص للرجل وإن لم يشتمل على الحيامن أو تم انتزاعها منه.

ولكن يمكن أن يقال إن مستند المنع من إدخال مني غير الزوج في رحم المرأة إن كانت هي الايات الكريمة الواردة في لزوم حفظ الفرج عرفا.

وإن كان مستنده الروايات الدالة على حرمة إفراغ الرجل ماءه في رحم تحرم عليه وإقرار نطفته فيها، فالمستفاد من هذه الروايات بمناسبة الحكم والموضوع هو عدم جواز إفراغ الماء وإقرار النطفة من حيث كونه مظنّة لتكوّن جنين في رحم المرأة من مني رجل لا تكون في عصمته، فلا تشمل ما هو محل البحث من كون السائل المنوي للأجنبي منشطاً لمني الزوج من دون أن يتكون منه الجنين فتأمل.

وإن كان مستنده ارتكاز المتشرعة القائم على حرمة حمل المرأة بجنين ينتسب إلى غير زوجها فهو أيضاً لا يشمل المقام لانتساب الجنين هنا إلى صاحب الحويمن وهو الزوج دون صاحب السائل المستخدم في تنشيط الحويمنات.

37

وهكذا الحال في بقية الوجوه التي يستند إليها في المنع من حقن المرأة بمني غير زوجها مما سيأتي استعراضها إن شاء الله تعالى، باستثناء صحيح زرارة

ومحمد بن مسلم وخبر إسحاق بن عمار فإنه يمكن تقريب شمولهما لمحل البحث ولكنه لا يخلو أيضاً عن تأمل أو منع فلاحظ.

ومهما يكن فالظاهر أنه على القول بحرمة استخدام سائل الغير في تنشيط حيامن الزوج في عملية التلقيح الصناعي لا يضر ذلك بشرعية الحمل، لأنه يخلق في النتيجة من حويمن الزوج ولا يكون الحرام إلا أسلوب توصيل الحويمن إلى البويضة، ومثل ذلك لا يضرّ بكون الحمل شرعياً كما اتضح الوجه فيه مما تقدم.

الصورة الرابعة

حقن المطلقة الرجعية بالسائل المنوي للمطلّق في أثناء العدة

لا إشكال في أن المطلقة البائنة تعدّ اجنبية عن مطلّقها من حين وقوع

الطلاق لانقطاع العصمة بينهما تماماً، فلا يثبت لها شيء من أحكام الزوجة حتى خلال مدة العدة ـ إذا كانت ممن تثبت عليها ـ إلا ما دل الدليل عليه بالخصوص كالنفقة إذا كانت حاملاً، والإرث إذا طلقها زوجها في مرض موته ومات قبل مضي عام من تاريخ وقوع الطلاق، وأما سائر الأحكام فلا تثبت لها، وعلى ذلك لا يجوز أن تحقن بمني مطلّقها حتى قبل انقضاء عدتها بناءً على عدم جواز حقن المرأة بالسائل المنوي لغير زوجها على ما سيأتي البحث عنه.

وأما المطلقة الرجعية وهي التي يحق للزوج أن يرجع إليها قبل انتهاء عدتها فلا إشكال في كونها مشمولة لجملة من أحكام الزوجة قبل انقضاء العدة، ومنها:جواز إظهار زينتها للمطلّق، ووجوب التمكين له، واستحقاقهاالنفقة عليه ما لم تكن ناشزة، ووجوب عدة الوفاة عليها لو مات في هذه الأثناء، وثبوت التوارث بينهما لو مات أحدهما كذلك، ولكن هل يشملها جميع أحكام الزوجة في مدة العدة ومنها جواز تلقيحها

38

صناعياً بمني الزوج أو لا (1) ؟ فيه وجهان:

ومبنى الوجه الأول ـ وهو الجواز ـ أحد مسلكين:

1 ـ ما اختاره السيد الأستاذ قدس سره من أن المطلقة الرجعية زوجة حقيقة إلى أن تنقضي عدتها، فيكون ثبوت جميع أحكام الزوجة لها خلال ذلك على وفق القاعدة.

2 ـ ما ذهب إليه السيد الحكيم قدس سره وآخرون من أنها وإن انفصلت عن زوجها بالطلاق فلم تعد في عصمته، إلا أنها منزّلة منزلة الزوجة بموجب النص، ومقتضى إطلاق دليل التنزيل أن تكون مشمولة لجميع أحكامها.

فعلى هذين المسلكين لا يبدو مانع من تلقيح المطلقة الرجعية في مدة العدة بمني زوجها وحملها منه، عدا ما يمكن أن يقال من أنه لم يظهر من شيء من الأدلة الترخيص للمطلقة في مدة العدة في ترتيب آثار الزوجية من جانبها سوى إظهار زينتها للمطلّق لعلها أن تقع في نفسه فيراجعها، وأما ترتيب سائر الآثار من الاستمتاع باللمس أو النظر أو استدخال المني ونحو ذلك فليس في النصوص ما يشير إلى الترخيص فيه لها، ولا منافاة بين منعها من ذلك وبين الالتزام ببقاء العلقة الزوجية حقيقة أو حكماً إلى حين انقضاء العدة كما ورد نظير ذلك في جانب الزوج عند اعتداد المرأة من الوطء شبهة حيث تبقى في عصمته مع أنه لا يجوز له الاستمتاع بها مطلقاً أو لا يجوز له خصوص المقاربة وما بحكمها.

ولكن هذا الكلام غير تام لأنه مع قيام الدليل على كون المطلقة الرجعية زوجة حقيقة أو حكماً ما دامت في العدة لا حاجة إلى وجود دليل آخر على جواز ترتيب ما أشير إليه من الآثار من جانب المطلقة بل يكفي

____________

(1) محل البحث ما إذا لم يكن التلقيح بإيعاز من الزوج ناوياً به الرجوع وإلا فلا إشكال في الجواز.

39

الدليل الأول حجة على ذلك، وإنما يحتاج المنع من ترتيب بعض الآثار إلى إقامة الدليل عليه وهو غير موجود، مع أنه لو فرض وجود دليل على عدم الترخيص لها باستدخال مني المطلّق فليس مقتضاه بناءً على بقاء الزوجية حقيقة سوى المنع عنه تكليفاً من دون أن تؤثر في شرعية الحمل الحاصل بسببه كما هو واضح.

هذا فيما يتعلق بمبنى الوجه الأول في المسألة.

وأما الوجه الثاني ـ وهو عدم الجواز ـ فمبناه المناقشة في كلا المسلكين المذكورين، أي كون المطلقة الرجعية زوجة حقيقة قبل انقضاء عدّتها، وتحقق الإطلاق لدليل تنزيلها منزلة الزوجة خلال تلك المدة.

ومقتضى هذا الوجه أن يكون حكم الحمل المتكوّن جرّاء التلقيح الصناعي في مدة العدة حكم الحمل المتكون بعدها في عدم كونه حملاً شرعياً مع التعمد إليه، بناءً على الالتزام بعدم جواز حقن المرأة بمني غير الزوج كما يأتي البحث عنه.

هذا.. ولعل الصحيح من الوجهين المذكورين هو الوجه الأول (1) وذلك على أساس المسلك الأول المذكور، أي عدم خروج المطلقة الرجعية عن عصمة زوجها إلا بانقضاء العدة إما لظهور النصوص في ذلك ـ كما أفاده السيد الأستاذ قدس سره ـ أو استناداً إلى استصحاب بقاء الزوجية عند الشك في زوالها، ولكن مورد هذا الاستصحاب ما إذا كان الطلاق رجعياً من حين وقوعه، وأما لو كان بائناً ـ كالخلع والمباراة ـ ثم تحول إلى الرجعي برجوع الزوجة في الفداء فمقتضى الاستصحاب استمرار البينونة المتحققة بالطلاق إلى حين رجوع الزوج وعلى ذلك فلا بد من التفصيل في المسألة فتدبر.

____________

(1) لاحظ الملحق الأول ص 489.

40

الصورة الخامسة

حقن المرأة المتوفى عنها زوجها بسائله المنوي

إذا مات الزوج وخلّف كمية من السائل المنوي صالحة للاستعمال ـ كما يحدث ذلك في العصر الحاضر في بلاد الغرب عندما يموت الرجل وقد احتفظ بمقدار من منيه في أجهزة التبريد الخاصة ـ فهل يجوز لزوجته أن تحقن نفسها بسائله المنوي وتحمل منه أو لا يجوز لها ذلك أو أن فيه تفصيلاً؟

ومبنى السؤال هو عدم الترخيص للمرأة بحقن نفسها بمني غير زوجها، كما سيأتي الكلام حوله في البحث اللاحق.

وأما الجواب عنه فيبتني على أن المرأة هل تخرج عن عصمة زوجهاوتعدّأجنبية عنه بمجرد وفاته، أو أن ذلك منوط بانقضاء عدتها، أو أنها تبقى زوجة له حتى بعد انقضاء العدة؟

فعلى الوجه الأول لا يجوز أن تلقح صناعياً بمني زوجها المتوفى مطلقاً، وعلى الوجه الثاني يجوز ذلك إلى انتهاء العدة، وأما على الوجه الثالث فيجوز مطلقاً.

فإن قام دليل على أحد الوجوه الثلاثة أُخذ بمقتضاه، وأما مع عدم نهوض دليل على أيّ منها وبقاء الأمر بشأن استمرار زوجية المتوفى عنها زوجها مشكوكاً فيه (1) فربما يتوهم صحة الرجوع إلى استصحاب جواز الحقن الثابت في حال الحياة، ولكنه في غير محله لأن الزوجية قد أخذت في موضوع الحكم بالجواز، فمع الشك في بقائها لا يحرز اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة، وفي مثله لا يجري الاستصحاب كما هو محقق في محله.

____________

(1) لاحظ البحث عنه في الملحق الثاني ص 508.

41

فالصحيح ـ إذاً ـ الرجوع إلى أصالة البراءة عن حرمة الحقن بناءً على عدم الالتزام بأصالة الاحتياط في الشبهات البدوية التحريمية حتى المتعلقة منها بالفروج ـ كما سيأتي تحقيقه ـ.

نعم لو كان المستند لحرمة حقن المرأة بمني غير الزوج قوله تعالى: ((وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)) فيمكن أن يقال أن مقتضى إطلاقه وجوب حفظ المرأة فرجها عن مني زوجها المتوفى مع الشك في بقاء زوجيته بعد الوفاة، لاندراج المقام في الكبرى المحققة في علم الأصول من جواز الرجوع إلى العام في الشبهة المفهومية للمخصص المنفصل الدائر بين الأقل والأكثر إذا لم يكن وارداً في مقام بيان المراد من العام وشرح المقصود منه (1) ، فإن الخارج عن إطلاق وجوب الحفظ هو الحفظ عن الزوج والمفروض الشك في صدقه على المتوفى من جهة الشبهة المفهومية، فلا محيص من الرجوع إلى أصالة الإطلاق التي هي أصل لفظي مقدم على الأصل العملي وهو أصالة البراءة.

ولكن يلاحظ على هذا البيان بأنه مبني على انعقاد الإطلاق للآية الكريمة بالنسبة إلى الحفظ عن الزوج وخروجه من تحته بدليل منفصل، ولكن هذا غير واضح، بل لا يبعد أن يقال إن المتفاهم العرفي منها هو ترك استخدام الفرج في الممارسات الجنسية المشينة، ومعلوم أنه ليس منها ما يتعلق بالزوج، فلا ظهور للآية الشريفة في شمول الحفظ عنه ليكون خروجه عنه بدليل خارجي فتدبر.

فظهر مما تقدم أنه مع الشك في بقاء علقة الزواج بعد الوفاة لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن حرمة حقن المرأة بمني زوجها المتوفى.

ويترتب على ذلك الحكم بشرعية حملها منه كما هو كذلك بناءً على بقاء العلقة الزوجية إلى ما بعد الوفاة، بخلاف ما لو قيل بانقطاعها بالموت

____________

(1) لاحظ (حول الذبح بغير الحديد) ص 147 وما بعدها.

42

أو الرجوع إلى أصالة الاحتياط في صورة الشك في ذلك

ب ـ حقن المرأة بالسائل المنوي لرجل آخر غير الزوج

يلتجأ في بلاد الغرب إلى التلقيح الصناعي عن طريق حقن المرأة بالسائل المنوي لرجل آخر غير زوجها في إحدى حالتين:

(الأولى): عندما يكون الزوج فاقداً تماماً للخلايا الجنسية القادرة على التخصيب، فلو كان يملك من الحيامن المنوية بقدر الكفاية ولكن لم تكن تجد طريقها إلى سائله المنوي ـ لوجود عائق في القنوات الناقلة يحول دون مغادرتها الخصيتين ـ يعمد أخصائي العقم إلى استخدام جهاز خاص في انتزاع الحيامن من الخصية مباشرة ثم يخصّب بها البويضة المنتزعة من الزوجة في المختبر قبل إعادة زرعها في رحمها مرة أخرى، وكذلك إذا لم يكن للزوج حيامن كاملة وظيفياً وتامة النضج لتكون جاهزة للإخصاب يقوم الأخصائي بأخذ أجزاء صغيرة جداً من الخصية تسمى بطلائع النطف (spermati (صلى الله عليه وآله) ) وهي نطف غير ناضجة من ناحية الشكل المظهري والوظيفي ويعوزها تحول شكلي لتكون نطفاً تامات ثم يحقن بعضها في البويضة المأخوذة من المرأة بواسطة جهاز يعرف بـ(جهاز الحقن الإجباري) (ICSI) قبل أن يعيد زرعها في الرحم.

وأما إذا لم يوجد لدى الزوج خلايا جنسية قادرة على تخصيب بويضة الزوجة تبقى الطريقة العملية الوحيدة ـ إلى اليوم ـ لإنجاب الزوجة هي الاستمداد من مني رجل آخر.

(الثانية): عندما ترغب المرأة في الإنجاب من دون أن يكون لها زوج كالمطلقة والأرملة، فتلتجىء إلى عيادات العقم في المراكز الصحية للحصول على السائل المنوي لرجل سليم كي تستخدمه لهذا الغرض.

وتشترط القوانين في الحالتين بأن لا تعلم المرأة شيئاً عن الرجل

43

المتبرع بالسائل المنوي، وأن لا يكون هذا الرجل واحداً من الأسرة المعنية، وأن لا يعلم شيئاً عن المرأة التي تستقبل منيه لكي لا يتدخل مستقبلاً في تربية الطفل أو المطالبة به.

ومهما يكن فلحقن المرأة بالسائل المنوي لغير زوجها صور:

لأنها إما أن تكون خلية عن الزوج وإما أن تكون متزوجة، وفي الحالة الثانية إما أن يتم الحقن بموافقة الزوج ورضاه وإما بدون ذلك، وأيضاً صاحب المني إما أن يكون من محارم المرأة بنسب أو رضاع أو مصاهرة أو ممن يحرم عليها مؤبداً كمطلّقها تسعاً، أو مؤقتاً كمطلّقها ثلاثاً من دون محلل، وإما أن يكون شخصاً يصح زواجها منه لو كانت خلية عن الزوج.

وينبغي أولاً استعراض ما يمكن أن يستند إليه في المنع من حقن المرأة بالسائل المنوي لغير زوجها مما يعم جميع الصور المذكورة، فإن تم شيء منه كان مغنياً عن البحث عن حكم كل صورة بخصوصها، وإلا فلا بد من البحث عما يصلح مستنداً للمنع في كل منها على حدة.

والوجوه العامة تشتمل على عدد من الآيات والروايات وهي:

(الوجه الأول)

آيات حفظ الفرج، وهي ثلاث:

(الآية الأولى): قوله عز وجل: ((وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)) (1) ، وتقريب الاستدلال بها: أن الفرج كما هو الآلة الرئيسة لممارسة الجنس كذلك هو الآلة الاعتيادية للاستيلاد والإنجاب، فمن طريق فرج الرجل تخرج الحيامن التي يتكون من أحدها الجنين في أولى مراحل الحمل، وعن طريق فرج المرأة تدخل الحيامن إلى

____________

(1) سورة النور/ 31.

44

المهبل ثم إلى الرحم ثم إلى النفير لتلتقي بالبويضة فتتخصب بواحد منها، ثم من طريق الفرج أيضاً يخرج الجنين وتحصل الولادة ومن هنا ورد في معتبرة شعيب الحداد (إن أمر الفرج شديد ومنه يكون الولد) (1) وجاء في بعض الأدعية المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) (عصيتك بفرجي ولو شئت لعقمتني) (2) وفي توحيد المفضل في عداد وظائف الأعضاء (والفرج لإقامة النسل) (3) .

وحيث إن الآ ية الكريمة قد دلت على وجوب حفظ الفرج على المرأة ـ كما دل المقطع الأول منها على وجوب حفظ الفرج على الرجل ـ ولم تخصص جانباً معيناً بالذكر كان مقتضى إطلاقها لزوم الحفظ من الجانبين.

ونظير ذلك وجوب حفظ الدين، فإنه يشمل جانب المعتقدات والأعمال الجوانحية؛ كما يشمل جانب التكاليف الخارجية والأعمال الجوارحية، فيجب التجنب عما ينقص الدين من أيّ من الجانبين، فلا يجوز العيش في محيط يضعف فيه إيمان المرء بالعقائد الحقة، كما لا يجوز العيش في مكان لا يتيسر فيه ممارسة الواجبات وترك المحرمات.

وبالجملة مقتضى إطلاق وجوب حفظ الفرج هو حفظه من كلا الجانبين المذكورين، ولما كان إدخال مني غير الزوج في فرج المرأة منافياً عرفاً للحفظ من الجانب الثاني كان مقتضى الآية الكريمة لزوم التجنب عنه.

ولكن يمكن المناقشة في هذا الاستدلال بعدة أمور:

(الأمر الأول): إن حفظ الفرج الواجب بمقتضى هذه الآية الكريمة هو الحفظ من النظر وعدم تمكين الإنسان غيره من أن ينظر إلى فرجه،

____________

(1) الوسائل ج 14 ص 193 ح1.

(2) بحار الأنوار ج 98 ص 231.

(3) بحار الأنوار ج 3 ص 67.

45

حسبما دلت على ذلك معتبرة أبي بصير المروية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كل آية في القرآن في ذكر الفروج فهي من الزنى إلا هذه الآية فإنها من النظر (1) .

ومثلها بعض الروايات الأخرى ولكنها غير نقية السند، وقد ذهب إلى ذلك أيضاً بعض مفسري الجمهور، ومنهم الطبري، فإنه فسّر حفظ الفرج في هذه الآية بقوله: (يقول ويحفظن فروجهن عن أن يراها من لا يحل له رؤيتها بلبس ما يسترها عن أبصارهم) ثم روى بإسناده عن أبي العالية في قوله: قل للمؤمنين يغضوا.. قال: (كل فرج ذكر حفظه في القرآن فهو من الزنى إلا هذه وقل للمؤمنات.. فإنه يعني الستر) (2) ، ولكن ردّ عليه الفخر الرازي قائلاً ان التخصيص به خالٍ عن الدليل (3) .

ومهما يكن فإن استظهار ما ذكر في تقريب الاستدلال من الآية الكريمة لو تم في حد ذاته فلا مجال للأخذ به بعد ورود النص المعتبر بكون المقصود منها غير ذلك، وبناءً عليه فلا علاقة للآية الشريفة بما هو محل البحث أصلاً.

(أقول): مصدر رواية أبي بصير هو النسخة الموجودة بأيدي المتأخرين المعروفة بتفسير علي بن إبراهيم القمي، ومن الصعب الاعتماد على ما ورد في هذه النسخة وإن كان مروياً عن علي بن إبراهيم بسند معتبر عن الإمام (عليه السلام) لما أوضحته في الملحق الرابع فراجع (4) .

نعم ربما يدعى حصول الإطمئنان بصدور الرواية المبحوث عنها بملاحظة اعتضادها بروايات أخرى مشاركة لها في المضمون (5) ولكن هذه الدعوى لا تخلو من الاشكال أيضاً.

____________

(1) تفسير القمي ج 2 ص 101.

(2) جامع البيان ج 18 ص 92.

(3) مفاتيح الغيب ج 6 ص 297.

(4) لاحظ ص 543.

(5) الكافي ج 2 ص 36 والوسائل ج 1 ص 212 ح 5.

46

هذا.. ويمكن أن يقال إن الأمر بحفظ الفرج مقروناً بغض البصر ظاهر في حد ذاته في إرادة ستره من الغير بتقريب سيأتي في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى (1) وبناءً عليه فيستغنى عن الرواية المذكورة للمناقشة في الاستدلال بالآية المباركة فيما هو محل البحث، ولكن سيجيء أن التقريب المذكور مخدوش أيضاً فلاحظ.

(الأمر الثاني): إن معنى حفظ الفرج هو صونه عما لا يحل كما نص عليه عدد من المفسرين منهم الفخر الرازي والعلامة الطبرسي (2) ، وحيث إنه لم يثبت كون إدخال مني غير الزوج في فرج المرأة مما لا يحل شرعاً بل هو أول الكلام، فلا وجه للاستناد إلى الآية الكريمة في وجوب حفظ الفرج عنه.

وهذا الوجه ضعيف، فإن معنى حفظ الفرج هو صونه عما لا يليق به ويعدّ شيناً عليه، ولا يختص بما ورد المنع عنه شرعاً بل يعم ما كان كذلك في نظر العرف والعقلاء، فإذا كان إدخال مني غير الزوج في فرج المرأة مما يستنكر ويستقبح عرفاً فهو مما يحفظ عنه الفرج، فيكون مشمولاً للحفظ المأمور به في الآية الكريمة.

(الأمر الثالث): إن ما دلت عليه الآية المباركة إنما هو وجوب حفظ الفرج، والحفظ إنما يكون من الغير لا من النفس فإنه لا يسمى حفظاً في العرف، وقيام المرأة بحقن نفسها بالسائل المنوي عن طريق الفرج فعل مع النفس لا مع الغير ليجب حفظ الفرج عنه، فلا وجه للاستدلال بالآية الكريمة على تحريمه.

والجواب عنه:

أولاً: انه ليس المقصود بالحفظ هنا هو الصون عن الاعتداء ونحوه ليقال إنه لا معنى للصون عن النفس، بل هو كناية عن عدم استخدام الفرج

____________

(1) لاحظ ص 141.

(2) مفاتيح الغيب ج 6 ص 295 ومجمع البيان ج 7 ص 241.

47

فيما يشينه ولا يليق به، فهو بمفهومه لا يقتضي أن يكون الاستخدام مع الغير، ويظهر ذلك بمقايسته مع حفظ اللسان واليد، فكما أن معنى حفظ اللسان هو عدم التكلم به بما لا ينبغي وإن لم يكن مع الغير كالتفوه بكلمة الكفر، وكذلك معنى حفظ اليد هو أن لا يرتكب بها ما لا ينبغي وإن لم يكن مع الغير كقتل النفس، كذلك معنى حفظ الفرج هو عدم استخدامه فيما لا ينبغي، وليس مقتضى هذا المعنى في حد ذاته الاختصاص بما إذا كان الاستخدام مع الغير من إنسان أو بهيمة.

وثانياً: انه لو صحّ أن مفاد الآية الكريمة هو وجوب حفظ الفرج عن الغير ـ باستثناء الزوج بطبيعة الحال ـ إلا أن السائل المنوي لغير الزوج يعدّ من توابع الغير وشؤونه، فلا وجه لنفي شمول الآية الكريمة لحفظ الفرج عنه.

وبالجملة ليس المايز بين الحفظ عن الغير ـ عدا الزوج ـ وعدمه عند حقن المرأة بالسائل المنوي هو كون المباشر لحقن المرأة نفسها أو شخصاً آخر، بل المايز كون السائل للزوج أو لغيره، فلو باشرت الطبيبة حقن مني الزوج في مهبل المرأة لم يكن ذلك منافياً لحفظ فرجها عن غير الزوج، بخلاف ما لو باشر الزوج حقنها بالسائل المنوي لغيره.

نعم لو قيل إن المقصود بالحفظ عن الغير هو الحفظ عن فعل الغير من نظر أو لمس أو مقاربة أو غيرها لم يشمل مفروض البحث، ولكنه لا وجه لهذا التخصيص.

(الأمر الرابع): إن الحفظ لغة ـ كما قال أبو الهلال العسكري (1) ـ هو صرف المكارة عن الشيء لئلا يهلك ولكن من الواضح أنه بهذا المعنى ليس مقصوداً في حفظ الفرج، بل الحفظ فيه كناية عن العفّة كما نص على ذلك الراغب الأصفهاني (2) ، وحيث إن أبرز مهام الفرج هو كونه آلة

____________

(1) الفروق اللغوية ص 192.

(2) مفردات ألفاظ القرآن الكريم ص 123.

48

لممارسة غريزة الجنس التي هي إحدى الغرائز الأساسية في الإنسان فالمتبادر من حفظه هو إرادة صونه عن الممارسات الجنسية غير اللائقة، وأما غيرها من الممارسات المشينة سواء تعلقت بالاستيلاد أم بغيره ككشفه بمرأى الناظر المحترم فهي خارجة عما هو المنساق من التعبير بـ(حفظ الفرج)، ومجرد كون الفرج طريقاً متعارفاً للاستيلاد لا يقتضي كون التجنب عن استخدامه فيما لا يليق من ذلك ملحوظاً بعنوانه في هذا التعبير، نعم لما لم يكن الإنجاب متيسراً عادة ولا سيما في الأزمنة السابقة إلا عن طريق الممارسة الجنسية يمكن القول بكونه ملحوظاً فيه بالتبع، فاستخدام الفرج في الاستيلاد إن كان في ضمن ممارسة جنسية غير لائقة فهو مناف لحفظ الفرج من هذه الجهة وإن كان بغير ذلك كما هو محل البحث فهو لا ينافيه وإن كان عملاً مستنكراً.

وبالجملة حفظ الفرج غير ظاهر في صونه عن كل ما لا يليق ولا يجمل، بل ظاهر في خصوص صونه عن الممارسة الجنسية التي تكون كذلك، وعلى ذلك فلا علاقة له بما هو محل الكلام.

(إن قيل): إن هذا خلاف مقتضى إطلاق لفظ (الحفظ) فإنه يقتضي الشمول لكل ما ينبغي التحرز عنه مما يتعلق بالفرج وإن لم يكن له صلة بما جعل آلة له كتعريضه للنظر المحرّم فضلاً عما يكون كذلك كالإنجاب والاستيلاد الذي هو محل البحث.

(قلت): إن حفظ الفرج ـ كما تقدم ـ تعبير مستخدم على وجه الكناية، ولا يصح في الكناية الأخذ بإطلاق المكني به في تحديد المعنى المكني عنه، لأن مبنى الأخذ بالإطلاق هو أصالة التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي ولكن عدم التطابق بينهما في الاستعمالات الكنائية معلوم، فلا يبقى مجال لأصالة الإطلاق بل لا بد في تحديد المعنى المكني عنه من رعاية القرائن والمناسبات وهي لا تقتضي في المقام أزيد من إرادة الصون عن الممارسات الجنسية غير اللائقة ـ كما مر ـ ولذلك نوقش في الاستدلال بآيات حفظ الفرج على وجوب ستر العورة عن الناظر

49

المحترم بأنها غير ظاهرة في ذلك في حد ذاتها.

والحاصل أن القدر المتيقن مما يستفاد من وجوب حفظ الفرج هو لزوم صونه عما يشينه من الممارسة الجنسية، وأما غيرها من الممارسات غير اللائقة فلا يستفاد منه وجوب التجنب عنها ولا أقل من الشك في ذلك ومعه لا يتم الاستدلال فتأمل.

(الأمر الخامس): إنه إذا صحّ أن حفظ الفرج كناية عن صونه عن جميع الممارسات غير اللائقة وإن لم يكن لها صلة بالجنس ولكن يمكن أن يقال إنه لم يتضح أن استدخال المرأة مني غير زوجها يعدّ في حد ذاته من الممارسات المشينة التي يحفظ عنها الفرج ـ كما في الحالة التي يستمد فيها من سائل الغير الخالي من الحيامن لمجرد تنشيط حيامن الزوج ـ وإنما المؤكد استقباحه هو استدخالها مني الغير لغرض الحمل والإنجاب، من حيث كونه سبيلاً إلى حملها من الغير الذي هو المستقبح أساساً عند العرف والعقلاء ولو كان الحمل والوضع عن غير طريق الفرج كما لو تمّ إحداث فتحة في جدار البطن والرحم وأدخل المني من هذا الطريق ثم أخرج الجنين بعد اكتمال مدة الحمل بنفس تلك الطريقة.

ولكن القدر المتيقن أيضاً مما يستقبح عند العرف والعقلاء من حمل المرأة من مني غير زوجها هو ما إذا كانت متزوجة من رجل خصيب أو تمّ الحمل بدون إذن الزوج، وأما حمل المتزوجة من رجل عقيم من مني الغير من دون ممارسة جنسية وبعلم من الزوج وموافقته فربما يتأمل في استقباحه على وجه تكون مقدمته وهي استدخال المني خدشاً بالفرج وشيناً عليه ليجب حفظه عنه، وبناءً على ذلك فلا يتم الاستدلال بالآية الكريمة على المنع منه في هذا المورد الذي هو ما يغلب الابتلاء به.

(إن قيل): إن مجرد احتمال كون دخول مني غير الزوج في فرج المرأة خدشاً به وشيناً عليه ـ ولو من جهة احتمال استقباح الحمل منه ـ كافٍ في عدم الترخيص فيه استناداً إلى الآية الكريمة الآمرة بحفظ الفرج،

____________

(1) سورة الأحزاب/ 35.