قبسات من علم الرجال - ج1

- السيد محمد البكاء المزيد...
619 /
1

قبسات من علم الرجال

2

-

3

قبسات

من علم الرجال



أبحاث السيد محمد رضا السيستاني



جمعها ونظّمها السيد محمد البكاء


الجزء الاول

4


حقوق الطبع محفوظة


الطبعة الأولى

1437هـ - 2016 م



دار المورّخ العربي

بيروت ـ لبنان

5

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وأفضل بريته محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين، واللعنة الدائمة على اعدائهم أجمعين.

وبعد: فإنه لا يخفى أن علم الرجال وسائر ما له صلة بالتحقق من صدور الأحاديث عن المعصومين (عليهم السلام) يحظى بدور مهم في استنباط الأحكام الشرعية وغيرها من المعارف الدينية، ولذلك فقد نال اهتماماً خاصاً من علمائنا الأعلام (رضوان الله عليهم) ولا سيما في العصور المتأخرة.

وقد أولى أستاذنا سماحة السيد محمد رضا السيستاني (دامت بركاته) أهمية خاصة للبحث الرجالي وما يتصل به، وخصص له مساحة واسعة في ضمن بحوثه الفقهية.

فارتأيت أن أجمع وأنظم ما صدر منه إلى اليوم وأورده في كتاب مستقل ليسهل الرجوع إليه والاستفادة منه، وتيسّر ذلك بحمد الله تعالى وحسن توفيقه، وسميته (قبسات من علم الرجال)، وهو ــ في معظمه ــ مقتبس من مؤلفـات السيد الأستاذ المطبوعة وهي (وسائل الإنجاب الصناعية، ووسائل المنع من الإنجاب، وبحوث فقهية) ومن تقرير أبحاثه بقلم الزميلين الفاضلين الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف (حفظهما الله تعالى)، وهو كتاب (بحوث في شرح مناسك الحج) بأجزائه العشرة المطبوعة والخمسة الأخرى التي لم تطبع بعدُ، بالإضافة إلى دراسة حول علامات البلوغ في الذكر والأنثى غير منشورة أيضاً.

وقد أجرى (دامت بركاته) عند إعداد هذا الكتاب للنشـر بعض التغيـير عليه، من تعديل وحذف وإضافة.

وقد تم تنظيمه في عشرة فصول، وهي..

الفصل الأول: في حجية آراء علماء الرجال.

6

الفصل الثاني: في تفسير بعض مصطلحات الرجاليين.

الفصل الثالث: في التوثيقات العامة وما يلحق بها.

الفصل الرابع: في أحوال عدد من رجال الأسانيد.

الفصل الخامس: في حجية مراسيل جمع من رواة الحديث.

الفصل السادس: في التعريف بعدد من كتب الرجال والتفسير والحديث وغيرها.

الفصل السابع: في أسانيد الصدوق والشيخ (قُدِّس سرُّهما) إلى عدد ممن ابتدآ بأسمائهم في الفقيه والتهذيبين.

الفصل الثامن: في بيان عدد من موارد السقط والتحريف والتصحيف والحشو في أسانيد الروايات.

الفصل التاسع: في تمييز المشتركات وتعيين المبهمات في جملة من الأسماء والكنى والألقاب.

الفصل العاشر: في فوائد متفرقة.

وأود أن أشير هنا إلى أن مواد هذا الكتاب لما لم تكتب في الأساس لإعداد مؤلف مستقل في علم الرجال بل تم التعرض لها بصورة متفرقة في ضمن المباحث الفقهية بحسب ما اقتضته المناسبات فهي لا تشكل منظومة متسلسلة ومتكاملة من مباحث هذا العلم بل مقتطفات منها فقط، ومع ذلك فإنها تنفع الباحثين والمراجعين إن شاء الله تعالى.

أسأل المولى العـلي القدير أن يجـعل عمـلي هذا خالصاً لوجـهه الكريم، ويوفقني لما فيه الخـير والصلاح، إنه وليّ التوفيق.

محمد السيد عبد الحكيم البكاء

النجف الاشرف

28/جمادى الاولى 1436هـ

7

الفصل الأول

في حجية آراء علماء الرجال

8

-

9

1 ــ توثيقات الرجاليين وتضعيفاتهم (1)

إن معظم من قالوا بحجية ما ورد في كلمات الرجاليين ــ كالشيخ والنجاشي وغيرهما ــ من التوثيق والتضعيف قد سلكوا في ذلك مسلكين..

المسلك الأول: حجية توثيقاتهم وتضعيفاتهم من باب حجية خبر الثقة في الموضوعات، وكبرى هذه المسألة يبحث عنها غالباً في الفقه في كتاب الطهارة (2)، كما أن البحث عن كبرى حجية خبر الثقة في الأحكام محله علم الأصول.

وقد ذهب كثير من المتأخرين ــ ومنهم السيد الأستاذ (قدس سره) ــ إلى حجية خبر الثقة في الموضوعات الخارجية خلافاً لما نسب إلى المشهور من عدم حجيته، وهذا بحث طويل الذيل لا يتسع المقام له، ولكن لا بأس بالإشارة إلى أن عمدة ما استدل به للحجية هي السيرة العقلائية، وقد سلّم ثبوتها غير واحد وإنما بحثوا عن ورود الردع عنها وعدمه، ولكن من يتتبع سيرة العقلاء في مواردها المختلفة ربما لا يحصل له العلم بجريان سيرتهم على التعبد بخبر الثقة ولا سيما في الموضوعات، بل كون العمل بمقتضاه منوطاً عندهم بحصول الاطمئنان، أو بكون المخبر عنه من الأمور المهمة التي يكتفى فيها بما دون الاطمئنان، فليتأمل.

هذا بالنسبة إلى كبرى حجية خبر الثقة في الموضوعات.

وأما كون توثيقات الرجاليين وتضعيفاتهم من صغرياتها فقد يناقش فيه بأن الوثاقة والضعف ليسا من الأمور الحسية ــ أي مما ينال بإحدى الحواس الخمس ــ ليكون الإخبار عنهما من قبيل الإخبار عن الموضوع الخارجي.

ولكن يمكن الجواب عن هذه المناقشة بأن الوثاقة ــ مثلاً ــ وإن لم تكن بنفسها من الأمور الحسية ولكن مبادؤها كذلك، أي أنها مبذولة لكل من يملك

____________

(1) بحوث في شرح مناسك الحج ج:11 (مخطوط).

(2) لاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) ج:1 ص:319 ط:النجف الأشرف، وبحوث في شرح العروة الوثقى ج:2 ص:84.

10

الحواس السليمة، فهي ــ أي الوثاقة ــ ملحقة بالأمور الحسية من حيث إن إدراكها لا يحتاج إلى تخصص معين أو إعمال نظر واجتهاد.

وبعبارة أخرى: إن من يقول بحجية خبر الثقة في الموضوعات لا يفرق فيه بين ما يكون المخبر عنه بنفسه من المحسوسات وبين ما تكون مبادؤه القريبة كذلك، والوثاقة ونحوها من النحو الثاني، فلا محل للمناقشة الصغروية في المقام.

هذا بالنسبة إلى توثيق الشخص لمعاصره المعاشر معه كتوثيق الفضل بن شاذان لمحمد بن عيسى العبيدي.

وأما بالنسبة إلى توثيق من كان بينه وبين من وثقه فاصل زمني ــ كتوثيق ابن نوح لمحمد بن عيسى ــ فهل يعدّ من قبيل الخبر الحسي ليندرج في كبرى حجية خبر الثقة في الموضوعات أم أنه من قبيل الخبر المستند إلى الحدس في المحسوسات الذي لا إشكال في عدم حجيته؟ فيه وجهان.

ويمكن البناء على الوجه الأول مبنياً على مقدمتين..

المقدمة الأولى: أن إخبار ابن نوح ــ مثلاً ــ بوثاقة العبيدي يحتمل أن يكون منتهياً إلى الحس بأحد وجهين..

إما بأن يكون قد بلغه على سبيل التواتر في جميع الطبقات، بأن يكون في كل طبقة عدد من المخبرين يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة أو وقوعهم جميعاً في الخطأ والاشتباه، وهذا أمر محتمل بالنسبة إلى بعض الرواة المشهورين ومنهم محمد بن عيسى بن عبيد.

وإما أن يكون قد وصله عن طريق ثقة عن ثقة، والخبر المنقول بطريق الثقات في جميع الطبقات وإن كان حدسياً في الحقيقة ــ لأن كبرى حجية خبر الثقة كبرى اجتهادية نظرية ــ ولكن حيث إنها ــ كما يدعى ــ مما ثبتت ببناء العقلاء يكون الخبر المبني عليها ملحقاً بالخبر الحسي. وأما صغرى كون الراوي الفلاني ثقة فهي وإن كانت اجتهادية بالنسبة إلى قسم من الوسائط إلا أنها غير اجتهادية بالنسبة إلى قسم آخر منهم، لثبوت وثاقتهم بالاتفاق، ويحتمل أن يكون

11

الوسيط المخبر عن وثاقة محمد بن عيسى ــ مثلاً ــ من هذا القبيل، أي من القسم الذي لا إشكال في وثاقته عند الجميع.

المقدمة الثانية: أن بناء العقلاء قائم على أن الإخبار في الأمور الحسية إذا شك في كونه مستنداً إلى الحس أو الحدس يعامل معه على أساس كونه مستنداً إلى الحس.

مثلاً: إذا أخبر أحد عن مجيء زيد أو أنه قال: كذا، واحتمل اعتماده في ذلك على غير حاسة البصر في المجيء أو على غير حاسة السمع في القول ــ بأن اعتمد على بعض القرائن والمناسبات ــ يبنى على كون خبره عن المجيء والقول حسياً لا حدسياً. وهذه الكبرى ذكرت في كلمات جمع منهم السيد الأستاذ (قدس سره).

فإذا ضُمّت هذه المقدمة إلى المقدمة الأولى كانت النتيجة هي أن خبر ابن نوح بوثاقة محمد بن عيسى العبيدي إنما هو من قبيل الخبر الحسي فيندرج في كبرى حجية خبر الثقة في الموضوعات الخارجية.

وهذا هو الوجه الذي اعتمده السيد الأستاذ (قدس سره) (1) في حجية توثيقات وتضعيفات الرجاليين لمن لم يكونوا من معاصريهم من الرواة.

ولكن يمكن الخدشة في هذا الوجه من جهات..

أولاً: إن ما أدعي من بناء العقلاء على التعامل مع الخبر على أنه حسي إذا كان وارداً في الحسيات ما لم يثبت خلافه، إن صح فإنما يصح فيما إذا احتمل كونه بلا واسطة، وأما الخبر مع الواسطة المحتمل انتهاؤه إلى الحس بأحد الوجهين إما بالتواتر أو بنقل ثقة عن ثقة فلا تصح دعوى بناء العقلاء فيه على ذلك، فإنهم كما يعتمدون أحياناً ــ كما يدعى ــ على خبر الثقة عن ثقة في الإخبار عن الوقائع التي لا تكون محسوسة لهم كذلك يعتمدون أحياناً أخرى على الخبر الموثوق به وإن لم تثبت وثاقة راويه، فلا وجه لحمل الخبر على كونه واصلاً إليهم عن طريق الثقات طبقة بعد طبقة ليكون ملحقاً بالخبر الحسي.

وثانياً: إن وثاقة الوسائط لا تكون في الغالب واضحة تماماً بحيث لا تقع

____________

(1) معجم رجال الحديث ج:1 ص:36.

12

مورداً للإشكال من أحد، إذ كم من شخص ثقة عند كثير من الناس قد طعن فيه واحد أو اثنان من الأجلاء؟!

ودعوى أن بناء العقلاء في الخبر المروي مرسلاً بطريق الرواة الثقات قائم على كون جميع الرواة من المعروفين بالوثاقة ــ بحيث لا يكون مجال لأحد للطعن فيهم حتى فيما لو شك في كونهم من هذا القبيل ــ إنما هي دعوى باطلة لا شاهد عليها في سيرة العقلاء أصلاً.

وثالثاً: إنه لو غض النظر عما تقدم فإنه إنما يتم البيان المذكور لو احتمل في جميع توثيقات وتضعيفات الرجاليين لمن تقدمهم أن تكون مستندة إلى نقل كابر عن كابر، ولكن مقتضى الشواهد والقرائن ــ التي لا تخفى على الممارسين ــ أن جملة وافرة منها تبتني على الحدس وإعمال النظر والاجتهاد ولا سبيل إلى التمييز بين القسمين في الغالب، فليتأمل.

هذا وربما يورد على الوجه المتقدم من جهة رابعة أيضاً، وقد تعرضت لما يشبهه وللجواب عنه في الفصل الخامس عند البحث عن حجية مراسيل الصدوق، فمن شاء فليراجع (1).

فظهر بما تقدم أن المسلك الأول في حجية أقوال الرجاليين وهو الذي بنى عليه السيد الأستاذ (قدس سره) غير تام.

المسلك الثاني: حجية توثيقاتهم وتضعيفاتهم من باب حجية قول أهل الخبرة في الحدسيات.

وكبرى حجية قول أهل الخبرة مبحوث عنها في علم الأصول، وعمدة الدليل عليها هي السيرة العقلائية القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم، بضميمة عدم الردع الذي يستكشف منه الإمضاء الشرعي. فإن بناء العقلاء قائم على أن كل من تخصص في فن تكون أراؤه الحدسية المستحصلة من ممارسته لذلك الفن وتطبيقه لضوابطه وقواعده حجة على غير المتخصص، وحيث إن الشارع المقدس لم يردع عن هذا البناء العقلائي ــ بل هناك شواهد على إمضائه

____________

(1) لاحظ ج:2 ص:39.

13

ــ يستكشف بذلك ارتضاؤه له واعتماده عليه في الأمور الشرعية.

هذا من حيث الكبرى مسلّم، وأما من حيث الصغرى وكون قول الرجالي مصداقاً لقول أهل الخبرة فيمكن تقريبه بأن علم الرجال علم قائم بذاته له قواعده وضوابطه وهناك علماء تخصصوا فيه، وليس لغيرهم أن يصل إلى ما وصلوا إليه من آراء وأنظار بمقتضى خبرتهم وممارستهم وتضلعهم بقواعد هذا الفن، وهذا واضح لمن لديه أدنى إلمام به، فحال هذا العلم حال بقية العلوم التي جرت سيرة العقلاء على رجوع عامة الناس إلى المتخصصين فيها.

ولكن يمكن الإشكال في حجية توثيقات وتضعيفات الرجاليين من باب حجية آراء أهل الخبرة من جهتين..

الجهة الأولى: أن حجية آراء أهل الخبرة تختص بالأمور التي لا يحصل العلم بها إلا لمن لديه تخصص معين وينظم مقدمات حدسية غير قريبة من الحس للوصول إلى النتيجة، وأما الأمر الحسي أو القريب من الحس الذي يدركه كل من كان سليم الحواس فليس مورداً لحجية الخبر الحدسي. والوثاقة والضعف من هذا القبيل، فإن من يملك الحواس السليمة ويعاشر الشخص يمكنه التوصل إلى كونه ثقة أو لا من دون حاجة إلى تخصص معين.

فالإخبار عن الوثاقة أو الضعف لا يتوقف على إعمال النظر والاجتهاد حتى يلتزم بحجيته من باب حجية أقوال أهل الخبرة.

وهذا لا يعني إنكار كون علم الرجال من العلوم النظرية المبنية على الحدس والاجتهاد، بل مجرد عدم كون التوثيق والتضعيف خاضعين لإعمال النظر والحدس، إذ إن الوثاقة والضعف وإن لم يكونا من الأمور الحسية ولكنهما قريبان من الحس لأن مبادئهما حسية كما سبق، فلا يعدّ الإخبار عنهما من قبيل رأي أهل الخبرة ليلتزم بحجيته من هذه الجهة.

ويمكن الجواب عن هذا الإشكال بأن ما ذكر من كون الوثاقة والضعف من الأمور القريبة إلى الحس صحيح بالنسبة إلى من يعاصره الشخص ويكون قريباً منه، وأما غيره كمن كان قبل مائة عام ــ مثلاً ــ فإن تشخيص وثاقته أو

14

ضعفه يتوقف ــ في معظم الحالات ــ على مقدمات حدسية ونظرية كالشهادات المحكية عن معاصريه مما لا تبلغ درجة التواتر إلا نادراً، وكذلك بعض القرائن والشواهد الأخرى التي من أهمها بالنسبة إلى رواة الأحاديث هو ملاحظة ما رووه في كتبهم وما روي عنهم في كتب غيرهم، ولذلك نجد أن بعض الرجاليين كابن الغضائري يعتمد في جانب مهم من تضعيفاته وتوثيقاته على كتب الرواة وأحاديثهم وكونها نقية من التخليط والغلو ونحوهما أو لا.

وبذلك يظهر أن توثيقات وتضعيفات الرجاليين على قسمين: فمنها ما لا يبتني على مقدمات حدسية كتوثيق أو تضعيف المعاصر لمعاصره، ومنها ما يبتني على الحدس والاجتهاد، وهو الغالب في ما يتعلق بغير المعاصرين للرجالي من الرواة وأصحاب الكتب والمصنفات، وهذا القسم الثاني يعدّ من قبيل آراء أهل الخبرة فيمكن البناء على حجيته من هذه الجهة، فليتأمل.

الجهة الثانية: أن فتوى الفقيه استناداً إلى رواية اعتمد في وثاقة بعض رواتها على قول النجاشي ــ مثلاً ــ من حيث كونه من أهل الخبرة في الرجال يقتضي عدم حجية فتواه، لأنها حسب الفرض تستند إلى مقدمتين: إحداهما تبتني على اجتهاده وهي تمامية دلالة الرواية على ما أفتى به، والثانية قلّد فيها النجاشي وهي كون الراوي لتلك الرواية ثقة، والنتيجة تتبع أخس المقدمتين، أي إذا كانت إحدى المقدمتين لما أفتى به اجتهادية والثانية قد قلّد فيها الغير تكون الفتوى غير اجتهادية فلا تكون حجة على المقلدين.

ومقتضى ذلك أنه لا يجوز تقليد من يأخذ بآراء الرجاليين في التوثيق والتضعيف من باب حجية قول أهل الخبرة، أي في ما يفتي به استناداً إلى روايات تقوم حجيتها عنده على ما صدر منهم من توثيق أو تضعيف.

وقد يجاب عن هذا الإشكال بأن المعتبر في من يجوز تقليده أن يصدق عليه أنه فقيه وفق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وممن قد نظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم وفق التعبير الوارد في بعض الروايات (1)، وهذا العنوان ينطبق على من

____________

(1) الكافي ج:1 ص:67.

15

يمارس عملية استنباط الأحكام الشرعية وإن كان يعتمد في بعض مقدماتها البعيدة على آراء غيره من أهل الخبرة كآراء النحويين واللغويين والبلاغيين وحتى المناطقة والفلاسفة، أي أنه يكفيه أن يكون متخصصاً في المقدمات القريبة لعملية الاستنباط كالقواعد الأصولية والفقهية، ولا ضير في أن يعتمد في غيرها على سائر أهل الخبرة فإنه لا يضر بصدق كونه فقيهاً، إذ متى صدق أنه فقيه جاز الرجوع إليه وأخذ الفتوى منه.

أقول: إن أصل الإشكال وما أجيب به عنه غير تام..

1 ــ أما أصل الإشكال فلأن من يرجع إلى فقيهٍ يعتمد في توثيق راوي الحديث الذي يفتي بمضمونه على اجتهاد بعض الرجاليين فإنما يكون في الحقيقة مقلداً لشخصين: الرجالي الذي قال إن فلاناً ثقة، والفقيه الذي استند في فتواه إلى رواية فلان من جهة حجية خبر الثقة.

نظير من يرجع إلى طبيب الباطنية فيرسله إلى طبيب المختبر ليشخص نسبة السكر في دمه قبل أن يحدد نوع الدواء وكميته، فالوصفة الطبية في مثل ذلك وإن كانت تكتب بقلم طبيب الباطنية ولكنها في الحقيقة نتاج عمل طبيبين: طبيب الباطنية وطبيب المختبر معاً. وكما لا يصح في هذه الحالة أن يمنع المريض من استعمال الدواء الذي وصفه طبيب الباطنية من جهة أنه اعتمد في تحديد نسبة السكر على رأي طبيب المختبر، كذلك لا يصح في مورد البحث أن يمنع العامي من الأخذ بفتوى الفقيه من جهة أنه اعتمد في وثاقة بعض رواة الحديث الذي أفتى بمضمونه على أقوال بعض الرجاليين.

والوجه في ذلك أن الأساس في حجية رأي الطبيب وفتوى الفقيه هو بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم وعمله برأيه في ما لا سبيل له إلى العلم به. وهذا مما لا يفرّق فيه بين أن يكون ذلك الرأي نتاج فكر عالم واحد أو نتاج فكر عالمين ــ مثلاً ــ كلٌّ في حقل اختصاصه.

نعم إذا كان حقل اختصاصهما واحداً فلا سبيل إلى التلفيق بين رأي أحدهما في مسألة ورأي الآخر في مسألة أخرى لتكون النتيجة هي حاصل كلا

16

الرأيين، كأن يرى أحد المجتهدين حجية خبر الثقة ويرى الآخر تمامية دلالة خبر زرارة الثقة على حكم، فإن هذا لا يثمر رأياً بثبوت ذلك الحكم يمكن أن يأخذ به العامي كما لعله واضح.

هذا في ما يتعلق بأصل الإشكال.

2 ــ وأما ما ذكر في الجواب عنه فهو غير تام، من جهة أن السيرة العقلائية قد جرت على رجوع الجاهل إلى العالم ــ أي إلى أهل الخبرة والاختصاص ــ وهذه السيرة لا شك في كونها ممضاة من قبل الشارع المقدس حتى في ما يمتد إلى العلوم الشرعية كالعلم بالأحكام الفرعية المسمى بالفقه، والكاشف عن الإمضاء الشرعي ليس هو مجرد عدم الردع بل إن الأمر بالرجوع إلى الفقهاء وأضرابهم من أهل العلم في عشرات الروايات كاشف قطعي عن موافقة الشارع المقدس للمنهج العقلائي في رجوع الجاهل إلى العالم حتى في ما يتعلق بعلوم الشريعة كما في سائر حقول المعرفة.

وهذا في أصله واضح لا إشكال فيه، ولكن هناك نكتة ينبغي الالتفات إليها وهي أن الخطاب الشرعي متى ما ورد في مورد الحكم العقلي أو العقلائي فإنه لا ينعقد له إطلاق بأوسع من دائرة ذلك الحكم وإن لم يكن فيه ما يقتضي التضييق بحسب المدلول اللغوي.

ومن هنا قلنا في محله (1) : إنه لو بني على تمامية ما استدل به من الأخبار على البراءة الشرعية في الشبهات البدوية إلا أنه لما كانت البراءة فيها مطابقة لحكم العقل ــ على المختار ــ فالخطاب الشرعي يعدّ تأكيداً له ولا ينعقد له إطلاق أشمل من دائرة الحكم العقلي، ولذلك فهو لا يعم موارد قوة احتمال التكليف من جهة تعاضد القرائن والشواهد ولا موارد إحراز أهمية المحتمل على تقدير ثبوت التكليف وإن لم يكن احتماله قوياً.

وعلى هذا الأساس يمكن أن يقال في المقام: إن ما جرت عليه سيرة الناس في زمن المعصومين (عليهم السلام) من رجوع الجاهل إلى العالم إنما كان مورده هو

____________

(1) لاحظ بحوث فقهية ص:373.

17

الرجوع إلى من هو من أهل الخبرة والاختصاص في جميع المقدمات التي يبتني عليها اجتهاده واستنباطه، فالطبيب مثلاً إنما كان يعتمد على نفسه في جميع ما تتعلق بطبابته ولم يكن الأمر كما في زماننا هذا من اعتماد طبيب الباطنية على طبيب السونار والمختبر والرنين ونحو ذلك، وهكذا حال الفقيه فإنه كان يعتمد على نفسه في جميع ما كان يحتاج إليه في استنباط الحكم الشرعي من العلوم الأخرى كاللغة والتفسير والرجال وغيرها، فما يمكن استكشاف إمضائه من جهة عدم الردع أو من جهة ورود النصوص الخاصة بالإرجاع إلى الفقهاء مثلاً إنما هو الرجوع إلى من يكون صاحب اختصاص في جميع ما يتوقف عليه استنباطه واجتهاده، وأما من يعتمد على شخص آخر في بعض المقدمات التي تتعلق بحقل آخر من حقول المعرفة كاللغة والرجال فلا دليل على حجية قوله.

إن قيل: إن السيرة العقلائية القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم إنما هي بمناط كاشفية رأي العالم عن الواقع نوعاً، تلك الكاشفية التي هي غير منوطة بكون العالم معتمداً على نفسه في جميع مقدمات اجتهاده ونظره حتى في ما يتعلق منها بعلم آخر.

نعم لا ينكر أن السيرة العقلائية المذكورة لم تجرِ في عصر المعصومين (عليهم السلام) في مجال الرجوع إلى العالم المعتمد على غيره في بعض المقدمات، ولذلك لا يمكن استكشاف ارتضاء الشارع المقدس للرجوع إلى مثله من خلال عدم الردع أو من خلال النصوص الدالة على الإمضاء، لما مرَّ من عدم انعقاد الإطلاق لها بأوسع مما جرت عليه السيرة العقلائية.

ولكن مع ذلك يمكن القول بأن النكتة التي بلحاظها يتيسر استكشاف إمضاء الشارع المقدس للسيرة العقلائية الممتدة إلى الأمور الشرعية هي ذاتها التي تقتضي في المقام موافقة الشارع على الأساس الذي قامت عليه السيرة العقلائية في رجوع الجاهل إلى العالم، وهو كما سبق كاشفية رأي العالم عن الواقع نوعاً.

وتوضيح المقام: أن تشريع الأحكام لما كان لغرض تأمين الملاكات الكامنة في متعلقاتها فلو فرض أن في ما بنى عليه العقلاء في أمورهم العادية مما يُجرونه

18

بحسب الطبع والعادة في الأمور الشرعية ما لا يرتضيه الشارع المقدس، لمنافاته مع تحقيق الملاكات المولوية، فلا بد له تأميناً لتلك الملاكات من ردع العقلاء عن إجرائه في الأمور الشرعية وإلا يكون مخلاً بملاكات أحكامه، وهو ممتنع في حقه.

وهذا المعنى كما يقتضي قيامه بالردع عما لا يرتضي امتداده إلى الأمور الشرعية من السيرة العقلائية مما يمتد إليها في عصره بمقتضى الطبع والعادة لولا ردعه عن ذلك، كذلك يقتضي ردعه عما يعلم امتداده إليها في المستقبل لئلا تقع الأجيال القادمة في محذور مخالفة الملاكات المولوية.

ففي محل البحث إذا كان الشارع المقدس لا يرتضي للمسلمين الرجوع إلى فقيه يعتمد في بعض مقدمات اجتهاده واستنباطه على غيره من أهل الخبرة في سائر حقول المعرفة، فهذا وإن لم يكن موضعاً لابتلائهم في العصر الإسلامي الأول إلا أنه لما كان يعلم بابتلاء الأجيال القادمة به مستقبلاً فلا بد له أن يتخذ الإجراءات الكفيلة ببلوغ الردع عن ذلك إلى أسماعهم تحفظاً على ملاكات أحكامه، وحيث إنه لم يبلغ إلى أسماعنا كشف ذلك عن موافقته على ما هو المناط في بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم، وهو كاشفيته النوعية عن الواقع، بلا فرق بين كونه معتمداً على نفسه في جميع المقدمات أو على غيره في بعضها المتعلق بسائر حقول المعرفة.

قلت: إن الملاكات المولوية على درجات متفاوتة في الأهمية وتختلف بحسب ذلك درجة ما تستدعيه من الاهتمام بتبليغها إلى المكلفين، والأحكام المتعلقة بالأمور المستحدثة في عصر غيبة الإمام (عليه السلام) إذا لم يصل الردع عما استجد بناء العقلاء عليه من قِبل الشارع المقدس يجوز أن يكون الوجه فيه اعتماد الشارع في إفادة حكمه المخالف للبناء المستجد على ما تقتضيه العمومات والإطلاقات وما بحكمهما. ويمكن أن يكون من جهة عدم كون الملاك الكامن في الحكم بمرتبة من الأهمية تقتضي التسبب في إيصاله إلى المكلفين بأيِّ نحو كان.

وعلى ذلك لا يمكن التأكد من موافقة الشارع المقدس لما هو مقتضى البناء العقلائي غير المعاصر للمعصومين (عليهم السلام).

19

والمتحصل مما تقدم: أن البناء على جواز الرجوع إلى فتوى الفقيه الذي يعتمد على غيره في ما يتوقف عليه استنباط الأحكام الشرعية من العلوم الأخرى ــ غير الفقه وأصوله ــ كاللغة والرجال ونحوهما إنما يتم على أحد تقديرين..

أحدهما: أن ينعقد الإطلاق لنصوص الإرجاع إلى الفقهاء ليشمل مثله.

ولكنه غير واضح، لما مرَّ من أن النص الشرعي الوارد في مورد الحكم العقلائي لا ينعقد له الإطلاق بأوسع من دائرة ذلك الحكم بموجب السيرة العقلائية في عصر صدور النص.

ثانيهما: أن يبنى على أن العبرة في موارد السيرة العقلائية الممضاة من قِبل الشارع المقدس إنما هي بالنكتة التي تبتني عليها السيرة، أي أنها إذا كانت أوسع مما هو مورد الجري العملي بني على أوسعية الحكم الشرعي. ولكن هذا أيضاً غير تام، فإن الإمضاء الشرعي لا يلحق المرتكز العقلائي وإنما يلحق ما جرت عليه السيرة في عصر المعصوم (عليه السلام) كما مرَّ توضيحه آنفاً.

فالنتيجة: أن السيرة العقلائية ــ الممضاة بالنصوص الشرعية ــ التي هي الدليل على حجية فتوى الفقيه في حق العامي لا تفي بإثبات حجيتها فيما إذا كان الفقيه معتمداً في بعض مقدمات استنباطه على رأي غيره من أهل الخبرة، وإن كان ذلك في بعض العلوم الأخرى كعلم الرجال كما هو محل البحث.

وعلى ذلك فالصحيح اشتراط أن يكون الفقيه متخصصاً في جميع المجالات المرتبطة باستنباطه للحكم الشرعي سواء في اللغة أو النحو أو الصرف أو المنطق أو الفلسفة أو الحديث أو الرجال أو غير ذلك، أي أنه يجب أن يكون له الحدّ اللازم من التخصص في كل هذه العلوم أيضاً، بالإضافة إلى تخصصه في الفقه وأصوله، لتكون الفتوى التي يصدرها نتيجة لاجتهاده فقط لا بضميمة اجتهاد غيره.

ومهما يكن فقد ظهر من جميع ما تقدم: أن أياً من المسلكين المشهورين في حجية توثيقات وتضعيفات الرجاليين مما لا يمكن المساعدة عليه.

20

فالصحيح ــ إذاً ــ ما سلكه سيدي الاستاذ الوالد (دامت بركاته) من أن توثيق الرجالي وتضعيفه إنما يصلح أن يكون من مبادئ حصول الاطمئنان أو عدم حصوله بوثاقة الراوي أو بصدور الرواية عن المعصوم (عليه السلام) على اختلاف المسلكين في حجية خصوص الخبر الموثوق به أو الأعم منه ومن خبر الثقة، فإذا كان الفقيه ممن يرى حجية الخبر الموثوق به ولاحظ أن النجاشي ــ مثلاً ــ وثق فلاناً من الرواة فإن حصل له الاطمئنان بروايته أي بصدورها من المعصوم (عليه السلام) ــ ولو بضميمة بعض الشواهد والقرائن ــ عمل بها وإلا فلا عبرة بذلك التوثيق. ولو كان ممن يرى حجية خبر الثقة فإن حصل له الاطمئنان بوثاقة ذلك الراوي لقول النجاشي أو بضميمة بعض الشواهد والقرائن عمل بروايته ــ وإن لم يحصل له الوثوق بصدورها من المعصوم (عليه السلام) ــ وإلا فلا يمكنه التعويل على ذلك التوثيق.

ودعوى أن باب الاطمئنان منسد في هذه الأعصار ولا سبيل إلى أن يطمئن الفقيه بصدور الخبر من الإمام (عليه السلام) إلا في موارد الاستفاضة ونحوها، كما لا سبيل إلى أن يطمئن بوثاقة الراوي إلا مع تعدد الموثقين من أعلام المتقدمين، دعوى غير صحيحة.

بل الصحيح أن من لديه ممارسة طويلة وخبرة متراكمة ومتابعة دقيقة يحصل له الاطمئنان في كثير من الحالات بصدور الخبر وإن كان منفرداً وبوثاقة الراوي وإن انحصر الموثق في شخص واحد.

نعم من ليس له إلمام واسع وخبرة تامة فإنه لا يحصل له الاطمئنان، ولكن لا عبرة بعدم حصول الاطمئنان لمثله.

2 ــ تضعيفات ابن عقدة

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة محمد بن سنان برقم (75) (1).

____________

(1) لاحظ ص:438.

21

3 ــ توثيقات المفيد في كتاب الإرشاد والرسالة العددية

فهنا أمران..

(الأمر الأول) (1) : أن الشيخ المفيد (قدس سره) قد وصف مجموعة من الرواة بأوصاف عالـية في موضعـين من كتاب الإرشاد..

الموضع الأول: في الفصل الخاص بذكر النص على الكاظم (عليه السلام) بالإمامة من أبيه الصادق (عليه السلام)، حيث قال (2) : (فممن روى صريح النص بالإمامة من أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) على ابنه أبي الحسن موسى (عليه السلام)، من شيوخ أصحاب أبي عبد الله وخاصته وبطانته، وثقاته الفقهاء الصالحين (رضوان الله عليهم) المفضل بن عمر الجعفي ومعاذ بن كثير وعبد الرحمن بن الحجاج والفيض بن المختار ومنصور بن حازم وعيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وطاهر بن محمد ويعقوب السراج، وسليمان بن خالد، وصفوان الجمال، وغيرهم ممن يطول بذكرهم الكتاب..) ثم أورد روايات هؤلاء على ترتيب أسمائهم.

والملاحظ أن تلك الروايات هي كل ما أوردها الكليني (3) في كتاب الكافي في باب الإشارة والنص على أبي الحسن موسى (عليه السلام) بعد حذف المكرر منها.

الموضع الثاني: في الفصل الخاص بذكر النص على الرضا (عليه السلام) بالإمامة من أبيه الكاظم (عليه السلام) فقال (4) : (فممن روى النص على الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) بالإمامة من أبيه والإشارة إليه منه بذلك من خاصته وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته داود بن كثير الرقي ومحمد بن إسحاق بن عمار وعلي بن يقطين ونعيم القابوسي والحسين بن المختار وزياد بن مروان والمخزومي وداود بن سليمان ونصر بن قابوس وداود بن زربي ويزيد بن سليط ومحمد بن

____________

(1) بحوث في شرح مناسك الحج ج:11 (مخطوط).

(2) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ج:2 ص:216.

(3) الكافي ج:1 ص:307.

(4) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ج:2 ص:247ــ248.

22

سنان)، ثم أورد روايات هؤلاء على ترتيب أسمائهم.

والملاحظ أن تلك الروايات هي أيضاً كل ما أورده الكليني (1) في الكافي في باب الإشارة والنص على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بعد حذف المكرر منها.

ومن المؤكد في المجموعة الثانية أنه لا يمكن أن يوصفوا جميعاً بأنهم من خاصة الإمام (عليه السلام) وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته، فإن فيهم داود بن كثير الرقي الغالي الضعيف، وزياد بن مروان الواقفي الذي أنكر مبلغاً كبيراً على الإمام (عليه السلام)، والحسين بن المختار ومحمد بن إسحاق بن عمار اللذين قيل إنهما من الواقفة، وعبد الله بن الحارث المخزومي ــ وقد ذكر لقبه فقط ــ ونُعيم القابوسي وهما من المغمورين جداً. فكيف يصح أن يوصف هؤلاء جميعاً بما وصفهم به (قدس سره) ؟!

كما أن من المستبعد جداً في المجموعة الأولى أن يكونوا جميعاً من فقهاء الأصحاب ــ إن لم يستبعد كونهم جميعاً من ثقات الإمام (عليه السلام) وخاصته وبطانته ــ حيث إن عدد الفقهاء من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) في كل طبقة كان محدوداً جداً كما يعرف ذلك بتتبع رجال النجاشي وإحصاء من وصفهم فيه بالفقاهة. فكيف اتفق أن كل من رووا عن الصادق (عليه السلام) النص على ولده الكاظم (عليه السلام) كانوا من الفقهاء؟ ولا سيما أنه لم يوصف من عدا منصور بن حازم وسليمان بن خالد منهم بالفقاهة في كلمات الرجاليين، بل إن بعضهم لا يعرف من هو كطاهر بن محمد وفي بعضهم كلام كالمفضل بن عمر الجعفي.

والذي يزيد الريب والشك في اتصاف المجموعتين بالأوصاف المذكورة في كلام المفيد (قدس سره) هو أن هؤلاء هم ــ كما مرّ ــ كل من أورد الكليني رواياتهم في البابين المذكورين، وهل من الصدفة أنه أورد في هذين البابين بالخصوص ــ دون الأبواب المشابهة المخصصة لإيراد النص على سائر الأئمة (عليهم السلام) ــ روايات من يتصفون بتلك الصفات العالية؟!

وفي ضوء ذلك يخطر بالبال أن ما ذكره (قدس سره) كان مبنياً على ضرب من

____________

(1) الكافي ج:1 ص:311.

23

التغليب، أو أن إطلاق تلك الأوصاف في حق بعض المذكورين إنما كان لبعض الدواعي الصحيحة غير كونهم متصفين بها واقعاً.

والحاصل: أنه يصعب البناء على أن التوثيقات المذكورة في كتاب الإرشاد كانت مسوقة لبيان الواقع بالنسبة إلى جميع المذكورين فيه، كما نبَّه على ذلك المحقق الشيخ محمد حفيد شيخنا الشهيد الثاني (قُدِّس سرُّهما) (1).

(الأمر الثاني) (2) : قال الشيخ المفيد (قدس سره) في رسالته في الرد على أصحاب القول بالعدد ما لفظه (3) : (وأما رواة الحديث بأن شهر رمضان شهر من شهور السنة يكون تسعة وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين يوماً، فهم فقهاء أصحاب أبي جعفر محمد بن علي وأبي عبد الله جعفر بن محمد وأبي الحسن موسى بن جعفر وأبي الحسن علي بن موسى وأبي جعفر محمد بن علي وأبي الحسن علي بن محمد وأبي محمد الحسن بن علي بن محمد (صلوات الله عليهم) والأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام، الذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم، وهم أصحاب الأصول المدونة والمصنفات المشهورة، وكلهم قد أجمعوا نقلاً وعملاً على أن شهر رمضان يكون تسعة وعشرين يوماً، نقلوا ذلك عن أئمة الهدى (عليهم السلام) وعرفوه في عقيدتهم، واعتمدوه في ديانتهم. وقد فصّلت أحاديثهم بذلك في كتابي المعروف بـ‍(مصباح النور في علامات أوائل الشهور) وأنا أثبت من ذلك ما يدل على تفصيلها إن شاء الله).

ثم أورد (قدس سره) روايات عدد ممن أشار إليهم، وهم محمد بن مسلم ومحمد بن قيس وأبو الجارود وعمار بن موسى الساباطي وأبو أحمد عمر بن الربيع وأبو الصباح الكناني ومنصور بن حازم وعبد الله بن مسكان وزيد الشحام ويونس بن يعقوب وإسحاق بن جرير وجابر وأبو مخلد وابن أبي يعفور ومعاوية بن وهب وعبد السلام بن سالم وعبد الأعلى بن أعين وهارون بن حمزة

____________

(1) استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار ج:3 ص:295، 450.

(2) بحوث في شرح مناسك الحج ج:13 (مخطوط).

(3) جوابات أهل الموصل ص:25 وما بعدها.

24

الغنوي والفضيل بن عثمان وسماعة بن مهران وعبيد بن زرارة والفضل بن عبد الملك وحماد بن عثمان ويعقوب الأحمر.

ثم قال (قدس سره) : (وروى كرام الخثعمي وعيسى بن أبي منصور وقتيبة الأعشى وشعيب الحداد والفضيل بن يسار وأبو أيوب الخزاز وفطر بن عبد الملك وحبيب الجماعي وعمر بن مرداس ومحمد بن عبد الله بن الحسين ومحمد بن الفضيل الصير في وأبو علي بن راشد وعبيد الله بن علي الحلبي ومحمد بن علي الحلبي وعمران بن علي الحلبي وهشام بن الحكم وهشام بن سالم وعبد الأعلى بن أعين ويعقوب الأحمر وزيد بن يونس وعبد الله بن سنان ومعاوية بن وهب وعبد الله بن أبي يعفور في من لا يحصى كثرة مثل ذلك حرفاً بحرف وفي معناه وفحواه وفائدته).

أقول: لا ريب في أن معظم من عدّهم (طاب ثراه) هم من الثقات، ولكن يلاحظ أن فيهم جمعاً ممن رمي بالضعف والغلو ــ كمحمد بن الفضيل الصيرفي ــ أو نصّ على كونه مجهولاً ــ كأبي مخلد وهو الخياط بقرينة روايته عن الباقر (عليه السلام) دون السراج الذي روى عنه ابن أبي عمير ــ أو هو ممن لا ذكر له في شيء من كتب الرجال ولا في الأسانيد ــ كعمر بن مرداس وفطر بن عبد الملك وحبيب الجماعي ومحمد بن عبد الله بن الحسين إن لم يكن هو المدني الذي ذكره الشيخ في كتاب الرجال ــ.

وأيضاً فيهم جمع من أصحاب المذاهب الباطلة ككرام الخثعمي الذي كان واقفياً، وأبي الجارود الذي كان زيدياً، وعمار الساباطي وعبد الله بن بكير اللذين كانا من الفطحية، وسماعة بن مهران الذي عدّ من الواقفية.

وأيضاً فيهم بعض المخلطين كجابر وهو جابر بن يزيد الجعفي الذي حكى النجاشي (1) عن المفيد أنه كان ينشده أشعاراً له تدل على الاختلاط، وفيهم غير واحد ممن لم يكن صاحب كتاب كأبي علي بن راشد وعبد الأعلى بن أعين.

____________

(1) رجال النجاشي ص:128.

25

فكيف يصح أن يوصف هؤلاء كلهم بأنهم من (الأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام الذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم وهم أصحاب الأصول المدونة والتصنيفات المشهورة)؟!

ثم أليس من البعيد جداً أن يكون جميع من وصلت إليه (قدس سره) رواياتهم في نقصان شهر رمضان أحياناً ــ مما أوردها ومما لم يوردها وهي بأجمعها موجودة في كتاب التهذيب لتلميذه الشيخ قدس سره ــ قد اتصفوا بتلك الصفات العالية وحازوا تلك المزايا العظيمة التي قلّ من اتصف بها وحازها من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ؟!

مع أن مقتضى العادة ــ الذي لم نجد تخلفاً عنه في شيء من الموارد ــ أن تكون حال هذه المسألة حال سائر المسائل التي قد روى حكمها عن الأئمة (عليهم السلام) الثقة وغيره وصحيح المذهب وغيره والفقيه وغيره وصاحب الكتاب وغيره ووصلت إلى المتأخرين نماذج من روايات الجميع أو الأكثر.

أليس في ما ذكر كله قرينة واضحة وشاهد بيّنٌ على أن ما ذكره (قدس سره) كان مبنياً على ضرب من التغليب، وربما بغرض مزيد من التأكيد على بطلان القول بالعدد.

وبالجملة: يصعب جداً البناء على وثاقة من لم تثبث وثاقته بطريق آخر ــ كأبي الجارود ــ لمجرد ورود اسمه في العبارة المتقدمة للشيخ المفيد (قدس سره)، والله العالم.

4 ــ تضعيفات ابن الغضائري

يلاحظ الفصل السادس: رجال ابن الغضائري برقم (1) (1).

____________

(1) ج:2 ص:89.

26

5 ــ توثيقات العلامة وأضرابه من المتأخرين (1)

قال السيد الأستاذ (قدس سره) (2) : ومما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام المتأخرين بشرط أن يكون من أخبر عن وثاقته معاصراً للمخبر أو قريب العصر منه، كما يتفق ذلك في توثيقات الشيخ منتجب الدين أو ابن شهرآشوب، وأما في غير ذلك كما في توثيقات ابن طاووس والعلامة وابن داود ومن تأخر عنهم كالمجلسي لمن كان بعيداً عن عصرهم فلا عبرة بها، فإنها مبنية على الحدس والاجتهاد جزماً، وذلك لأن السلسلة قد انقطعت بعد الشيخ (قدس سره)، فهو حلقة الاتصال بين المتأخرين وأرباب الأصول التي أخذ منها الكتب الأربعة وغيرها. ولا طريق للمتأخرين إلى توثيقات رواتها وتضعيفهم غالباً إلا الاستنباط وإعمال الرأي والنظر.

نعم قد يتفق أن العلامة وابن داود يحكيان عن ابن عقدة توثيقاً لأحد إلا أنهما لا يذكران مستند حكايتهما. والعلامة لم يذكر في ما ذكره من الكتب التي له إليها طريق في إجازته الكبيرة كتاب الرجال لابن عقدة.

أقول: ينبغي البحث في موردين..

(الأول): في توثيقات العلامة وأضرابه في ثنايا كتبهم الرجالية كالخلاصة ونحوها، مما لم يعثر على مستند لها في كتب المتقدمين الواصلة إلينا.

وهذه التوثيقات حالها حال توثيقات المتقدمين إذا كان الموثق مثل العلامة (قدس سره) ممن دلت الشواهد على أنه كانت لديه بعض المصادر الرجالية الأخرى غير الأصول الخمسة الواصلة إلى المتأخرين ككتاب ابن عقدة، وأما عدم ذكر طريقه إلى هذا الكتاب في إجازاته فلا يقتضي عدم اعتباره، إذ لا ينحصر اعتبار النسخ الواصلة إلى المتأخرين من كتب المتقدمين في وجود الطريق إليها، بل كثيراً ما يحصل الوثوق بالنسخة بوجه آخر كما إذا كان عليها خط بعض العلماء السابقين ونحو ذلك.

____________

(1) بحوث في شرح مناسك الحج ج:12، 13، 14 (مخطوط).

(2) معجم رجال الحديث ج:1 ص:37ــ40.

27

ومن المعلوم من طريقة العلامة (قدس سره) في الخلاصة أنه يفرق بين الموارد، فتارة يصرح باسم من أخذ التوثيق من كتابه وتارة أخرى لا يصرح بذلك وإنما يعرف بالمقارنة بين عبارته وما ورد في كتاب النجاشي أو الشيخ ــ مثلاً ــ أنه أخذه من هذا أو ذاك، وربما لا يعرف مصدره لعدم توفره عندنا، وعلى ذلك فإذا وثق أحداً واحتمل كونه مأخوذاً من كتاب ابن عقدة أو غيره من المصادر فحاله في الاعتبار حال توثيق الشيخ ــ مثلاً ــ لأحد الرواة، ولا وجه للتفريق بينهما.

وأما العلامة المجلسي ونظراؤه ممن وصل إلينا ما توفر لديهم من المصادر فمن الواضح أنه لا يجري البيان المتقدم في توثيقاتهم، فلا يعتمد عليها لابتنائها على الحدس والاجتهاد لا محالة.

(الثاني): في تصحيحات العلامة واضرابه للطرق والأسانيد في ثنايا كتبهم الفقهية أو في خاتمة الخلاصة ونحوها، مما تبتني على وثاقة بعض الرواة غير الموثقين في كتب الرجال.

وهذه التصحيحات لا يعتدّ بها، فإن جلّها أو كلها تعتمد على مبانٍ اجتهادية صرفة.

والوجه في ذلك: أن العلامة ــ مثلاً ــ قد أورد في الخلاصة ما كان لديه في كلمات السابقين من إضافات على ما ورد في الأصول الرجالية الخمسة، فمن المظنون قوياً أن تصحيحه لخبر من لم يوثقه في الخلاصة لا يعتمد على ما ورد في كتب المتقدمين من مدح أو توثيق، بل على ضرب من الحدس والاجتهاد ــ كاستغناء شيوخ الاجازة عن التوثيق (1) ــ فلا يمكن التعويل عليه بناءً على حجية قول الرجالي من باب حجية خبر الثقة في الموضوعات، بل وحتى بناءً على حجيته من باب حجية قول أهل الخبرة فإنه إنما يكون حجة فيما إذا احتمل ــ احتمالاً معتداً به ــ استناده إلى مقدمات صحيحة، ويمكن أن يقال: إن توثيق

____________

(1) كما نجد أن المحقق الشيخ حسن نجل الشهيد الثاني (قدس سره) قد صحح في كتابه منتقى الجمان روايات الصدوق التي وقع محمد بن علي ماجيلويه في طريقها وذكر في مقدمة المنتقى (ج:1 ص:39ــ40) أنه اعتمد في ذلك على استغناء مشايخ الإجازة عن التوثيق.

28

العلامة وأضرابه لمن لم يكن عندهم مستند لوثاقته من كلمات السابقين ليس كذلك، فليتأمل.

ومما يشهد لذلك ما وقع للشهيد الثاني (قدس سره) (1)، فقد عبر عن رواية لعمر بن حنظلة بالصحيحة، وقال ولده المحقق الشيخ حسن (2) : (من عجيب ما اتفق لوالدي (رحمه الله) أنه قال في شرح بداية الدراية: إن عمر بن حنظلة لم ينص الأصحاب عليه بتعديل ولا جرح. ولكنه حقق توثيقه من محل آخر). ووجدت بخطه (رحمه الله) في بعض مفردات فوائده: (أن الأقوى عندي أنه ثقة لقول الصادق (عليه السلام) : ((إذاً لا يكذب علينا)))، والحال أن الحديث الذي أشار إليه ضعيف الطريق، فتعلقه به في هذا الحكم مع ما عُلم من انفراده به غريب، ولولا الوقوف على الكلام الأخير لم يختلج في الخاطر أن الاعتماد في ذلك على هذه الحجة).

فتحصل مما تقدم: أنه ينبغي التفريق في توثيقات المتأخرين، ولا محل للقول باعتبارها أو عدم اعتبارها بقول مطلق.

هذا كله على القول بحجية توثيقات الرجالين، ومنه يظهر الحال بناءً على ما هو المختار من أنها إنما تصلح أن تكون من مبادئ الاطمئنان بوثاقة الراوي أو بصدور خبره من الإمام (عليه السلام).

____________

(1) مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام ج:7 ص:444.

(2) منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان ج:1 ص:19 (بتصرف).

29

الفصل الثاني

في تفسير بعض مصطلحات الرجاليين

30

-

31

1 ــ الترحم والترضي (1)

يتداول الترحم ــ أي قول: (رحمه الله) ــ والترضي ــ أي قول (رضي الله عنه) ــ في كلمات الماضين بالنسبة إلى المشايخ وغيرهم من الرواة وأمثالهم، وقد اختلف في إفادتهما للمدح وعدمه.

أما الترحم فالصحيح وفاقاً للسيد الأستاذ (قدس سره) (2) أنه لا يفيد المدح، فإن طلب الرحمة من الله تعالى للغير ــ وإن لم يكن من الصالحين ــ أمر متداول على ألسنة المتشرعة، ولا يكاد يستفاد منه ــ حتى مع الإكثار منه ــ إلا كون المترحم له موضع عطف وعناية المترحم.

قال المحقق التستري (طاب ثراه) (3) ــ ونعم ما قال ــ قد يترحم الإنسان على من كان معه خلّة وصداقة أو كان له عليه حق وشفقة أو كان ذا كمال ومعرفة وإن لم يكن ثقة في الديانة.

قال النجاشي في أحمد بن محمد الجوهري: (رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي، وسمعت منه شيئاً ورأيت شيوخنا يضعفونه فلم أرو عنه شيئاً وتجنبته، وكان من أهل العلم والأدب القوي وطيب الشعر وحسن الخط، رحمه الله وسامحه).

وأما الترضي فالصحيح أنه يدل على الجلالة التي هي فوق مستوى الوثاقة.

نعم قد يناقش في ذلك بدعوى أنه ــ أيضاً ــ ليس سوى دعاء يصح أن يطلق في حق كل إنسان عدا صنفين..

1 ــ المعصومين (عليهم السلام) فإن الله تعالى راضٍ عنهم، فلا محل للدعاء لهم

____________

(1) وسائل الإنجاب الصناعية ص:353.

(2) معجم رجال الحديث ج:1 ص:72.

(3) قاموس الرجال ج:1 ص:71.

32

بذلك إلا أن يقصد به زيادة الرضا لو كان لها محل.

2 ــ الكافرين ومن يلحق بهم من الظالمين الذين لا يحتمل أن يرضى الله تعالى عنهم لكثرة ما صدر منهم من الظلم والجنايات، وعلى ذلك فالترضي لا يدل على جلالة الشخص بوجه (1).

ولكن من تتبع كتب السابقين من العامة والخاصة يلاحظ عدم استعمال الترضي في كلماتهم إلا بحق العظماء والأجلاء عندهم، فهو قد تحوّل إلى لفظ تكريم وتعظيم على لسان المتشرعة وإن كان مدلوله اللغوي هو مجرد الدعاء، ونظيره لفظة (عليه السلام) التي لا تطلق عند العامة إلا في حق النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تطلق عندنا إلا في حق المعصومين ومن يدانيهم في الرتبة كبعض الشهداء مثل العباس (عليه السلام) مع أنها بحسب معناها اللغوي لا تختص بهم.

والحاصل: أن الترضي ليس محض دعاء ــ كما قيل ــ بل يدل على التعظيم والتبجيل، فليتدبر.

2 ــ روى عن الثقات ورووا عنه (2)

هذا التعبير ذكره النجاشي في ترجمة جعفر بن بشير (3) ومحمد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني (4).

ولا ريب في أنه مسوق لإفادة المدح، ولكن أقصى ما يستفاد من المقطع الأول منه هو إكثار العلمين المذكورين من الرواية عن الثقات دون الضعفاء والمجهولين، ومن المقطع الثاني منه هو اكثار الثقات في الاعتماد عليهما في رواية الاحاديث، ولا دلالة فيه على الحصر من أي من الجهتين.

ولذلك يلاحظ أن جعفر بن بشير قد روى عن جمع ممن ضعفهم

____________

(1) لاحظ حول إفادة الترضي للمدح مقباس الهداية ج:2 ص:130.

(2) بحوث في شرح مناسك الحج ج:6 ص:517.

(3) رجال النجاشي ص:119.

(4) رجال النجاشي ص:345.

33

النجاشي بنفسه، ومنهم المفضل بن عمر وداود الرقي وعبد الله بن محمد الجعفي.

كما روى عنه جمع ممن ضعفهم النجاشي بنفسه، كمحمد بن علي (1) وهو أبو سمينة وسهل بن زياد (2) وسلمة بن الخطاب (3).

وبذلك يظهر أن الاستناد إلى التعبير المذكور في البناء على وثاقة مشايخ جعفر بن بشير والرواة عنه بعيد عن الصواب.

وسيأتي في ترجمة صالح بن السندي برقم (39) (4) ما له تعلق بالمقام، فليراجع.

3 ــ صاحب المعصوم (عليه السلام) (5)

يتداول في كتب الرجال ونحوها توصيف بعض الرواة بأنه صاحب الباقر أو الصادق أو غيرهما من المعصومين (عليهم السلام)، واختلف الأعلام (قدّس الله أسرارهم) في استفادة المدح من هذا التوصيف وعدمه.

فذكر السيد الأستاذ (قدس سره) (6) (أن المصاحبة لا تدل بوجه لا على الوثاقة ولا على الحسن، كيف وقد صاحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر المعصومين (عليهم السلام) من لا حاجة إلى بيان حالهم وفساد سيرتهم وسوء أفعالهم).

ولكن قال المحقق التستري (طاب ثراه) (7) : (إن قولهم: (فلان صاحب الإمام الفلاني) مدح ظاهراً، بل هو فوق الوثاقة، فإن المرء على دين خليله وصاحبه، فلا بد أن لا يتخذوا صاحباً لهم (عليهم السلام) إلا من كان ذا نفس قدسية.

____________

(1) المحاسن ج:2 ص:496، 582.

(2) الكافي ج:6 ص:518.

(3) كامل الزيارات ص:13.

(4) لاحظ ص:321.

(5) بحوث في شرح مناسك الحج ج:15 (مخطوط).

(6) معجم رجال الحديث ج:1 ص:71.

(7) قاموس الرجال ج:1 ص:68.

34

ويشهد له أن غالب من وصف بذلك من الأجلة كمحمد بن مسلم وأبان بن تغلب و..).

أقول: إن التوصيف بصاحب المعصوم (عليه السلام) قد يكون لمجرد التمييز وبيان الطبقة كقول النجاشي في ترجمة الحصين بن المخارق: (جده حبشي بن جنادة صاحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) )، وقول الشيخ في الفهرست في ترجمة أبي عبد الله الصفواني: (إنه من ولد صفوان بن مهران صاحب الصادق (عليه السلام) ). وكثيراً ما يكون لبيان كون الرجل من ملازمي المعصوم (عليه السلام) كقول الشيخ في الرجال: (سليمان بن قيس الهلالي صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام) ).

والملازمة لا تقتضي الجلالة ــ ما لم تكن قرينة تدل على ذلك ــ فقد وصف ابن إدريس في السرائر أبا عبد الله السيّاري بأنه صاحب موسى والرضا (عليهما السلام)، وحال الرجل معروف، ووصف الشيخ حفص بن غياث في كتاب الرجال بأنه صاحب أبي عبد الله (عليه السلام) والرجل من مشاهير قضاة العامة.

وأما ما أفاده المحقق التستري (طاب ثراه) من أن المرء على دين خليله فلا بد للمعصوم (عليه السلام) أن لا يتخذ صاحباً إلا إذا كان ذا نفس قدسية فهو غريب، فإنه إن تم فإنما يتم في من يختاره المعصوم (عليه السلام) لمصاحبته من حيث استجماعه للشرائط المطلوبة، ولكن كثيراً ما لا تكون الصحبة من هذه الجهة، بل رعاية لبعض المصالح الأخرى، كما هو الحال في بعض صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المنافقين وأضرابهم.

وبالجملة: القدر المتيقن مما يستفاد من التعبير المذكور هو كون الشخص من ملازمي الإمام (عليه السلام)، وأما كونه جليل القدر أو ثقة يعتمد على روايته فهذا ما لا يمكن البناء عليه إلا بقرينة.

وسيأتي في ترجمة علي بن الفضل الواسطي برقم (61) (1) ما له تعلق بالمقام، فليراجع.

____________

(1) لاحظ ص:380.

35

4 ــ غال (1)

يتداول في كلمات الرجاليين كالكشي والشيخ والنجاشي وابن الغضائري توصيف العديد من الرواة بأنهم من الغلاة، وبنى غير واحد من المتأخرين على أن المراد بالغلو عندهم هو ما يعم الاعتقاد في الأئمة (عليهم السلام) بالمقامات العالية، واستشهدوا لذلك بما حكاه الصدوق (2) عن شيخه ابن الوليد من أن أول درجة في الغلو هو نفي السهو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولكن الصحيح ــ كما نبّه عليه المحقق التستري (طاب ثراه) (3) ــ أن المقصود به هو الاعتقاد في الأئمة (عليهم السلام) بالربوبية أو النبوة أو الاعتقاد بكفاية محبتهم عن أداء الفرائض واجتناب الكبائر.

ويشهد لهذا عدد من الروايات وجملة من كلمات الأصحاب..

فقد روى الصدوق (4) بإسناده عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (عليه السلام) : يا ابن رسول الله إن عندنا أخباراً في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضلكم أهل البيت وهي من رواية مخالفيكم ولا نعرف مثلها عندكم أفندين بها؟ فقال: يا ابن أبي محمود.. إن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها الغلو، وثانيها التقصير في أمرنا، وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلو فينا كفّروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا.

وروى الكشي (5) بإسناده عن أبي العلاء الخفاف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ((قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : أنا وجه الله، أنا جنب الله، وأنا الأول، وأنا الآخر،

____________

(1) بحوث في شرح مناسك الحج ج:2 ص:51، ج:11 (مخطوط).

(2) من لا يحضره الفقيه ج:1 ص:235.

(3) قاموس الرجال ج:1 ص:66.

(4) عيون اخبار الرضا (عليه السلام) ج:1 ص:272.

(5) اختيار معرفة الرجال ج:2 ص:471.

36

وأنا الظاهر، وأنا الباطن، وأنا وارث الأرض، وأنا سبيل الله وبه عزمت عليه)). فقال معروف بن خربوذ : ولها تفسير غير ما يذهب فيها أهل الغلو.

وروى السيد ابن طاووس (1) بإسناده عن الحسين بن أحمد المالكي قال: (قلت لأحمد بن هليل الكرخي: أخبرني عما يقال في محمد بن سنان من أمر الغلو. فقال: معاذ الله، هو والله علمني الطهور، وحبس العيال، وكان متقشفاً متعبداً).

وقال أبو عمرو الكشي (2) : وقالت فرقة بنبوة محمد بن نصير النميري، وذلك أنه ادعى أنه نبي رسول، وأن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) أرسله، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن (عليه السلام)، ويقول فيه بالربوبية ويقول بإباحة المحارم، ويحلل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويقول: إنه من الفاعل والمفعول به أحد الشهوات والطيبات، وأن الله لم يحرم شيئاً من ذلك.

وذكر الكشي (3) أنه سأل محمد بن مسعود العياشي عن أحوال عدد من الرجال، فقال في ضمن جوابه: (وأما علي بن عبد الله بن مروان فإن القوم ــ يعني الغلاة ــ يمتحنون في أوقات الصلاة، ولم أحضره في وقت صلاة).

وروى ابن الغضائري (4) عن الحسن بن محمد بن بندار القمي قال: سمعت مشايخي يقولون: إن محمد بن أورمة طعن عليه بالغلو اتفقت الأشاعرة ليقتلوه، فوجدوه يصلي الليل من أوله إلى آخره ليالي عديدة فتوقفوا عن اعتقادهم.

فهذه النصوص والكلمات تشير بوضوح إلى أنه كان معنى الغلو عند المتقدمين هو الاعتقاد في الائمة عليهم السلام بالربوبية ونحو ذلك أو الاعتقاد بكفاية معرفتهم (عليهم السلام) وعدم الحاجة إلى الإتيان بالصلاة والصيام ولا غيرهما من الفرائض، وأيضاً عدم الضير في ممارسة المحرمات حتى ما يمسّ العِرض والشرف!

____________

(1) فلاح السائل ص:13.

(2) اختيار معرفة الرجال ج:2 ص:805.

(3) اختيار معرفة الرجال ج:2 ص:812.

(4)رجال ابن الغضائري ص:94.

37

وأما ما تقدم من أن ابن الوليد كان يعدّ نفي السهو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أول درجة في الغلو، فهو لا يقتضي كون الغلو في كلمات الآخرين بالمعنى المتقدم.

5 ــ مجهول (1)

هذا التعبير ورد في كلمات المتقدمين والمتأخرين من الرجاليين بشأن الكثير من الرواة.

وأشار المحقق التستري (قدس سره) (2) إلى أنه من ألفاظ الجرح في كلمات المتقدمين، وأما في كلمات المتأخرين من الشهيد الثاني والمجلسي الثاني وغيرهما فالمراد به الأعم من المجروح ومن المهمل الذي لم يذكر فيه قدح ولا مدح.

ولكن السيد الأستاذ (قدس سره) بنى في غير مورد (3) على وثاقة من قال فيه المفيد أو الشيخ إنه مجهول إذا ورد توثيقه من طريق آخر.

والصحيح ما أفاده المحقق التستري (طاب ثراه)، أي أنه لا يراد بـ(المجهول) في كلمات المتقدمين مجرد عدم التعرف على حال ‏الشخص، لئلا يقع تعارض عندئذٍ بين قول أحدهم: (مجهول) ‏وبين قول آخر إنه (ثقة).

والشاهد على ذلك أن الشيخ (قدس سره) ذكر بهذا الوصف حوالي خمسين شخصاً من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) في كتاب الرجال، ولو كان المراد به مجرد عدم الاطلاع على حال الراوي وأنه ثقة أو غير ثقة لكان ينبغي أن يذكره بالنسبة إلى عشرات آخرين أيضاً، فإنه من المؤكد أنه لم يكن يعرف حال الكثيرين من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) ممن ذكرهم في كتاب الرجال.

وبالجملة: ليس المراد بـ(المجهول) في كلمات المتقدمين هو من لم يطلع الرجالي على حاله، بل الظاهر أن المراد به من تتضارب بشأنه مؤشرات الوثاقة والضعف، ولذلك لا يمكن البناء على كونه ثقة أو ضعيفاً، فالمجهول من ألفاظ

____________

(1) بحوث في شرح مناسك الحج ج:8 ص:323، ج:12 (مخطوط).

(2) قاموس الرجال ج:1 ص:44.

(3) التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الصلاة) ج:1 ص:244، مستند الناسك ج:1 ص:82.

38

الذم والقدح ويقع التعارض بينه وبين قول التوثيق الصادر من شخص آخر.

6 ــ وكيل (1)

ورد التوصيف بـ(وكيل) في ترجمة عدد من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) في رجال الشيخ (قدس سره) وغيره، والمقصود به هو الوكالة عن الإمام (عليه السلام)، وربما يصرح باسم من يكون الشخص وكيلاً عنه كالكاظم والرضا والعسكري (عليهم السلام).

وقد ذهب جمع من الرجاليين إلى دلالته على كون الموصوف به معتمداً عند الامام (عليه السلام) مما يقتضي قبول قوله والأخذ بروايته.

ولكن ناقش في هذا جمع آخر، منهم السيد الأستاذ والمحقق التستري (قُدِّس سرُّهما) (2) مستشهدين على خلافه بأن الشيخ بنفسه عدّ في كتاب الغيبة عدداً من الوكلاء المذمومين، كصالح بن محمد الهمداني وعلي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسى.

أقول: الوكالة في الأمور المالية ونحوها ــ التي هي المراد بوكالة معظم المشار إليهم ــ وإن كانت لا تقتضي في حدّ ذاتها أزيد من الأمانة في حفظ المال وإيصاله إلى الموكل أو صرفه في الموارد المنظورة له، ولكن يلاحظ في زماننا هذا أن الانطباع العام لدى المؤمنين هو أن مرجع التقليد لا يعين وكيلاً عنه إلا إذا كان عدلاً لا يمارس المحرمات من الكذب أو غيره، ولذلك يكتفون في الاقتداء بالشخص في صلاة الجماعة بثبوت وكالته عن مرجعهم في التقليد. ولا يبعد أن الحال كان على نفس هذا المنوال في زمن الأئمة (عليهم السلام).

وأما ظهور الخيانة من بعض الوكلاء ــ كما بالنسبة إلى بعض وكلاء الكاظم (عليه السلام) ــ فإنما يكون عادة لانحراف طارئ، وأما أن يكون الشخص منحرفاً من الاول فهو ممن لا يرونه مستحقاً للوكالة عمن له مكانة دينية عليا.

وعلى ذلك يمكن البناء على كون الأصل في الوكيل للأئمة (عليهم السلام) أن يكون

____________

(1) فوائد رجالية متفرقة للسيد الأستاذ (دام تأييده) (مخطوطة).

(2) معجم رجال الحديث ج:1 ص:69. قاموس الرجال ج:1 ص:70.

39

حسن الظاهر، وهذا المقدار يكفي في قبول قوله.

ولكن الإنصاف أنه لا سبيل إلى الاطمئنان بتمامية البيان المذكور، ولا سيما مع ما يلاحظ من أن الائمة (عليهم السلام) كانوا يعيشون في ظروف صعبة يضطرون بسببها إلى الإبقاء على وكالة بعض الخائنين، كما هو الحال بالنسبة إلى مراجع التقليد في هذا الزمان، فليتأمل.

7 ــ أخبرنا بكتبه ورواياته

يلاحظ الفصل السابع: سند الصدوق إلى محمد بن مسلم برقم (4) (1).

8 ــ أسند عنه

يلاحظ الفصل الثالث: وثاقة من قال الشيخ: إنه (أسند عنه) برقم (7) (2).

9 ــ كان أوجه أخوته

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة الحسين بن أبي العلاء برقم (18) (3)

10 ــ له كتاب يُعدّ من الأصول

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة الحسين بن أبي العلاء برقم (18) (4).

11 ــ ثقة ثقة

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة سماعة بن مهران برقم (35) (5).

____________

(1) لاحظ ج:2 ص:235.

(2) لاحظ ص:132.

(3) لاحظ ص:224.

(4) لاحظ ص:223.

(5) لاحظ ص:281.

40

12 ــ تصحيح ما يصح عنهم

يلاحظ الفصل الثالث: حجية روايات أصحاب الإجماع برقم (9) (1).

13 ــ ضعيف في الحديث

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة سهل بن زياد برقم (37) (2).

14 ــ مختلط الأمر في حديثه

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة زكريا المؤمن برقم (27) (3).

15 ــ مضطرب الحديث

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة المعلى بن محمد برقم (87) (4).

16 ــ منتحل الحديث

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة زكريا المؤمن برقم (27) (5).

17 ــ ملتبس الحديث

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة حذيفة بن منصور برقم (16) (6).

____________

(1) لاحظ ص:151.

(2) لاحظ ص:308.

(3) لاحظ ص:248.

(4) لاحظ ص:546.

(5) لاحظ ص:249.

(6) لاحظ ص:222.

41

18 ــ ملتبس الأمر

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة حذيفة بن منصور برقم (16) (1).

19 ــ يعرف حديثه وينكر

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة أحمد بن هلال برقم (8) (2)، وترجمة سعد بن طريف الإسكاف برقم (31) (3).

20 ــ ينفرد به

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة محمد بن عيسى بن عبيد برقم (79) (4).

21 ــ يونسي

يلاحظ الفصل الرابع: ترجمة محمد بن عيسى بن عبيد برقم (79) (5).

____________

(1) لاحظ ص:221.

(2) لاحظ ص:194.

(3) لاحظ ص:268.

(4) لاحظ ص:476.

(5) لاحظ ص:479.

42

-

43

الفصل الثالث

في التوثيقات العامة وما يلحق بها

44

-

45

1 ــ وثاقة مشايخ ابن أبي عمير وصفوان وابن أبي نصر (1)

ذكر الشيخ الطوسي (قدس سره) في العدة (2) في معرض حديثه عن الترجيح بين الخبرين المتعارضين ما لفظه: (وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلاً، نظر في حال المرسل فإن كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا ممن يوثق به وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم).

وهذا الكلام يتضمن أمرين..

الأول: أن ابن أبي عمير وصاحبيه قد عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة.

الثاني: أن الطائفة ساوت ــ لذلك ــ بين مراسيل هؤلاء ومسانيد غيرهم، أي تعاملوا معها معاملة الأخبار المعتبرة.

وقد أخذ بالأمر الأول جمع من المحققين، وجعلوا ما ذكره الشيخ (قدس سره) دليلاً على وثاقة مشايخ محمد بن ابي عمير وصاحبيه، واهتم البعض بإحصائهم وإعداد قائمة بأسمائهم من خلال أسانيد الروايات وطرق الكتب والمصنفات في الفهارس والإجازات.

كما أخذ بالأمر الثاني جمع من الأعلام، وقالوا إن الأمر الأول يصلح وجهاً للبناء على الأمر الثاني كما نسبه الشيخ (قدس سره) إلى الطائفة.

____________

(1) بحوث في شرح مناسك الحج ج:7 ص:156، ودراسة غير منشورة من قبل حول مراسيل ابن أبي عمير.

(2) العدة في أصول الفقه ج:1 ص:154.

46

ولكن بنى السيد الأستاذ (قدس سره) (1) ــ وغيره أيضاً ــ على بطلان كلا الأمرين، وادعى أن الأمر الأول اجتهاد من الشيخ قد استنبطه من اعتقاده بثبوت الأمر الثاني وهو تسوية الأصحاب بين مراسيل الجماعة ومسانيد غيرهم.

ثم ناقش (قدس سره) في التسوية المدعاة بأنها لو كانت صحيحة وأمراً معروفاً متسالماً بين الأصحاب لذكرت في كلام أحد القدماء وليس منها في كلماتهم عين ولا أثر، فمن المطمأن به أن منشأ ادعائها هو دعوى الكشي الإجماع على تصحيح ما يصح عن هؤلاء، فزعم الشيخ أن منشأ الإجماع هو أن هؤلاء لا يروون إلا عن ثقة ولكنه أمر باطل كما ذكر في محله.

ومما يكشف عن كون دعوى التسوية المذكورة اجتهادية هو أن الشيخ بنفسه قدح في التهذيبين في بعض مراسيل ابن أبي عمير بالإرسال، وقال إن ما هذا سبيله لا يعارض به الأخبار المسندة.

وناقش (قدس سره) أيضاً في دعوى كون الثلاثة ممن لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة بأن معرفة ذلك في غير ما إذا صرح الراوي بنفسه أنه لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة أمر غير ميسور، ومن الظاهر أنه لم ينسب إلى أحد من هؤلاء إخباره بذلك.

على أنه لو تمت الدعوى المذكورة فإنما تتم في المسانيد دون المراسيل، فان ابن أبي عمير بنفسه قد غاب عنه أسماء من روى عنهم بعد ضياع كتبه فاضطر إلى أن يروي مرسلاً فكيف يمكن لغيره أن يطلع عليهم ويعرف وثاقتهم؟! فهذه الدعوى ساقطة جزماً.

وناقش (قدس سره) وغيره في الدعوى المذكورة بوجه آخر أيضاً، وهو أنه قد ثبت خلافها في موارد كثيرة، حيث أورد الشيخ نفسه وغيره من أصحاب المجاميع الروائية عشرات الروايات التي روى فيها محمد بن ابي عمير أو أحد صاحبيه عن أشخاص طُعن فيهم وضُعفوا، فكيف يصح أن يقال إنهم لا يروون إلا عن ثقة؟!!

____________

(1) معجم رجال الحديث ج:1 ص:57 وما بعدها.

47

أقول: يمكن التعقيب على ما أفاده (رضوان الله عليه) بذكر أمور..

الأمر الأول: أن الشيخ (قدس سره) لم ينفرد بما أفاده في العدة من أن ابن أبي عمير هو ممن سوّت الطائفة بين مراسيله ومسانيد غيره، لكونه ممن عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة، بل النجاشي (1) أيضاً قد أشار إلى المعنى المذكور حين نصّ على أن الأصحاب كانوا يسكنون إلى مراسيل ابن أبي عمير.

فإن من الواضح أنه ليس لسكون الأصحاب إلى مراسيله وجه إلا كونه ممن عُرف أنه لا يروي إلا عن ثقة، وإلا فأي ميزة لمراسيله على مراسيل غيره، ليقال: إن الأصحاب كانوا يسكنون إليها؟!

وأما ما أفاده (قدس سره) من أنه لو كانت التسوية المذكورة ثابتة لذكرت في كلام أحد من القدماء وليس منها في كلماتهم عين ولا أثر، فمخدوش بأنه لا توجد بأيدينا من كتب المتقدمين على الشيخ (قدس سره) ما يكون محلاً لذكر مثل هذا الأمر، حتى يُستدل بعدم الوجود فيه على عدم ثبوت هذه التسوية.

وأما ما ذكره (قدس سره) من الاطمئنان بأن منشأ ما ذكره الشيخ هو دعوى الكشي الإجماع على تصحيح ما يصح عن جماعة منهم ابن أبي عمير فهو إنما ينفع مثله ممن يحصل له الاطمئنان بالمعنى المذكور، وهو غير حاصل لنا لعدم توفر شاهد وافٍ بذلك.

وأما استشهاده (قدس سره) على كون ما ذكره الشيخ (قدس سره) مبنياً على الحدس والاجتهاد بـأنه بنفسه قد ناقش في بعض مراسيل ابن أبي عمير في التهذيبين (2) من جهة الإرسال، ولو كان أمراً مسلماً ثابتاً بين الأصحاب لما خالفه (قدس سره) بنفسه.

فيمكن الجواب عنه بأن الشيخ (قدس سره) قد شرع في تأليف التهذيب في حياة أستاذه الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) المتوفى عام أربعمائة وثلاثة عشر، وله آنذاك أقل من ثمانٍ وعشرين سنة، وقد أكمله بعد وفاة الشيخ المفيد. ثم ألّف الاستبصار معتمداً فيه على ما ورد في التهذيب، إلا بعض الإضافات الطفيفة.

____________

(1) رجال النجاشي ص:326.

(2) تهذيب الأحكام ج:8 ص:257. الاستبصار في ما اختلف من الأخبار ج:4 ص:27.

48

وأما كتاب العدة في أصول الفقه الذي اشتمل على ما تقدم بشأن ابن أبي عمير وأضرابه فقد ألّفه ــ في ما يبدو ــ بعد وفاة أستاذه الآخر، وهو السيد المرتضى (قدس سره) المتوفى عام أربعمائة وستة وثلاثين، كما يقتضيه الترحم عليه في مواضع شتى من هذا الكتاب.

وبقي الشيخ (قدس سره) على قيد الحياة إلى عام أربعمائة وستين، وعلى ذلك فلا يستغرب أنه لم يكن حين تأليفه للتهذيبين مطلعاً على ما حكاه من عمل الطائفة بمراسيل ابن أبي عمير وأضرابه، لا سيما وأنه لم يبقَ مع أستاذه المفيد (قدس سره) إلا أقل من خمس سنين، وأما السيد المرتضى (قدس سره) فمن المعروف عنه أنه لم يكن يعمل بأخبار الآحاد، ولذلك لم يكن الأمر المذكور موضع اهتمامه بطبيعة الحال.

هذا مضافاً إلى أنه يمكن أن يقال: إن الشيخ (قدس سره) قد عمل في التهذيبين على حلِّ ظاهرة التعارض بين الأخبار بأي وجه ممكن ـ للهدف الذي بينّه في مقدمة الكتابين ـ وقد ألجأه ذلك أحياناً إلى اتباع الأسلوب الإقناعي المتمثل في حمل بعض الروايات على بعض المحامل البعيدة، أو المناقشة في حجيتها ببعض الوجوه التي لا تنسجم مع مبانيه الأصولية والرجالية المذكورة في سائر كتبه، ولسرد الشواهد على هذا محل آخر.

وعلى ذلك فلا يمكن الاستشهاد بمناقشة الشيخ (قدس سره) في بعض مراسيل ابن أبي عمير على عدم ثبوت التسوية المذكورة عند الأصحاب وكون دعواها اجتهاداً خاطئاً منه طاب ثراه.

الأمر الثاني: أنه قد أجيب عما تقدم ــ من دعوى التنافي بين ما ذكره الشيخ من كون ابن أبي عمير وصاحبيه قد عرفوا بأنهم لا يروون إلا عن ثقة وبين روايتهم عمن ضعفوا من طرق ٍ أخرى أحياناً ــ بأن الظاهر أن الشيخ يريد بما ذكره أنهم لا يروون إلا عمن هو ثقة عندهم، فرواية أحدهم عن شخص شهادة منه على وثاقته، وهذه الشهادة يؤخذ بها ما لم يثبت خلافها، وإذا ثبت خلافها في موارد فأقصى ما يقتضيه ذلك هو أن لا يؤخذ بها فيها.

49

ولكن نوقش هذا الجواب بوجهين..

(الوجه الأول): ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) (1)، وتقريبه: أن الشيخ (قدس سره) لم يقتصر على القول بأن ابن أبي عمير وأضرابه قد عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة ليحمل الثقة في كلامه على من يكون ثقة باعتقاد هؤلاء، بل أضاف إليه أنه لأجل ذلك سوّت الطائفة بين مراسيل هؤلاء ومسانيد غيرهم، ومن الواضح أنه لا يمكن الحكم بهذه التسوية إلا إذا أريد بالثقة في كلامه من يكون ثقة في الواقع ونفس الأمر لا من يكون ثقة باعتقاد هؤلاء، فإنه إذا ثبت في مورد روايتهم عن الضعفاء وإن كانوا ثقات عندهم لا يمكن الحكم بصحة مراسيله، إذ من المحتمل أن يكون الواسطة هو من ثبت ضعفه فكيف يمكن الأخذ بها؟!

والحاصل: أن المقصود بالثقة في قول الشيخ (قدس سره) أن ابن أبي عمير وأضرابه عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة هو من يكون ثقة في الواقع بقرينة التسوية المذكورة، وحيث ثبتت رواية هؤلاء عن غير الثقات في بعض الموارد يسقط أصل الدعوى المذكورة ويتبين كونها مبنية على الحدس والاجتهاد لا على التتبع والاستقراء.

أقول: يلاحظ على ما أفاده (طاب ثراه)..

أولاً: أنه يمكن توجيه التسوية بين مراسيل ابن أبي عمير وأضرابه ومسانيد غيرهم بناءً على كون المراد بالثقة في كلام الشيخ (قدس سره) خصوص من يكون ثقة باعتقاد هؤلاء كما سيأتي في موضع آخر (2)، وعلى ذلك فالقول بأنه لا يمكن الالتزام بالتسوية المذكورة إلا إذا أريد بالثقة في كلامه خصوص من يكون ثقة في الواقع ونفس الأمر ليس موجّهاً.

وثانياً: أنه لو تم ما ذكر من أنه لا تصح التسوية المذكورة إلا بناءً على كون المقصود بالثقة في الشهادة بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة هو الثقة في

____________

(1) معجم رجال الحديث ج:1 ص:61.

(2) لاحظ ج:2 ص:19.

50

الواقع، غير أن ذلك لا يكشف عن عدم التزام المتقدمين بالتسوية المذكورة بناءً على كون المقصود بالثقة هو الثقة في اعتقاد هؤلاء، فإنه كم من أمر التزم به المتقدمون في المباحث الأصولية وما يمت إليها بصلة، واتفق المتأخرون على عدم صحته وابتنائه على أسس غير سليمة، فما يمنع من أن يكون التزام المتقدمين بالتسوية بين المراسيل والمسانيد من هذا القبيل؟!

وبالجملة: إن بطلان التسوية المذكورة عندنا بناءً على كون المراد بالثقة هو الثقة باعتقاد هؤلاء لا يقتضي بطلانها عند المتقدمين أيضاً، فلا سبيل إلى الاستشهاد بذلك على إرادة الثقة في الواقع ونفس الأمر من لفظ الثقة في كلام الشيخ (قدس سره).

وثالثاً: أنه لو سُلِّم أن بطلان التسوية المذكورة ــ بناءً على كون المراد بالثقة في كلام الشيخ (طاب ثراه) هو الثقة باعتقاد هؤلاء ــ كان بمثابة من الجلاء والوضوح بحيث لا يحتمل معه التزام المتقدمين بها، إلا أن المفروض بطلان التسوية على المبنى الآخر أيضاً وهو كون المقصود بالثقة هو الثقة في الواقع، لفرض العثور على رواية هؤلاء عن غير الثقات في موارد كثيرة بحيث لا يمكن غفلة الطائفة عنها.

فإذاً دعوى التزام الطائفة بالتسوية المذكورة باطلة على كل تقدير، فتبقى شهادة الشيخ بأن هؤلاء قد عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة، فلتحمل على معنى لا ينافي العثور على رواياتهم عن بعض من ضعفوا من جهة بعض الرجاليين، وإذا كان هذا المعنى هو أن يكون المقصود كون المروي عنه ثقة عند هؤلاء وإن كان مضعّفاً عند غيرهم فليحمل على هذا المعنى ولا مبرّر لحمله على معنى آخر غير صحيح.

(الوجه الثاني): ما أشار إليه المحقق التستري (قدس سره) (1)، وتفصيله: أن في عداد المضعفين الذين روى عنهم ابن أبي عمير وأضرابه من هو مشهور بالضعف بدرجة لا يحتمل في رواياتهم عنه إلا أحد وجهين..

____________

(1) قاموس الرجال ج:1 ص:71.