قبسات من علم الرجال - ج2

- السيد محمد البكاء المزيد...
637 /
1

قبسات من علم الرجال

2

-

3

قبسات

من علم الرجال



أبحاث السيد محمد رضا السيستاني



جمعها ونظّمها السيد محمد البكاء



الجزء الثاني

4


حقوق الطبع محفوظة


الطبعة الأولى

1437هـ - 2016 م



دار المورّخ العربي

بيروت ـ لبنان

5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه

وأفضل بريته محمد وآله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين

واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين

6

-

7

الفصل الخامس

في حجية مراسيل جمع من رواة الحديث

8

-

9

1 ــ حجية مراسيل ابن أبي عمير (1)

إذا بني ــ كما هو الصحيح ــ على وثاقة من روى عنهم ابن أبي عمير من مشايخ الحديث، استناداً إلى ما ذكره الشيخ الطوسي (قدس سره) من كونه من الرجال الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة، فقد يستشكل مع ذلك في حجية مراسيله بما أشار إليه المحقق الحلي (قدس سره) (2) من (أن في رجال ابن أبي عمير من طعن الأصحاب فيه وإذا أرسل احتمل أن يكون الراوي أحدهم).

وقد تبنى السيد الأستاذ (قدس سره) (3) هذا الإشكال وقال في تقريبه: (إنا نعلم خارجاً بأن ابن أبي عمير قد روى عن غير الثقة أيضاً ولو من باب الاشتباه والخطأ في الاعتقاد، فيحتمل أن يكون البعض في قوله: (عن بعض أصحابنا) هو البعض غير الموثق الذي روى عنه في موضع آخر مسنداً، ومع الشبهة في المصداق لا يبقى مجال للاعتماد على مراسيله).

وقال (قدس سره) أيضاً في موضع آخر (4) : (إذا ثبتت رواية ابن أبي عمير عن الضعيف ولو في مورد واحد فمن الجائز عند روايته عن رجل مرسلاً أن يكون المراد به هو ذاك الضعيف، ولا دافع لهذا الاحتمال، فتكون الرواية من قبيل الشبهة المصداقية.

وبعين هذه المناقشة ناقش المحقق في المعتبر بالنسبة إلى مراسيل ابن أبي عمير، ونعم ما تفطن به).

أقول: هناك ثلاث محاولات للجواب عن هذا الإشكال تعرض لإحداها

____________

(1) دراسة حول مراسيل ابن أبي عمير غير منشورة، بحوث في شرح مناسك الحج ج:7 ص:156.

(2) المعتبر في شرح المختصر ج:1 ص:165.

(3) التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) ج:1 ص:169 ط: النجف (بتصرف يسير).

(4) مستند العروة الوثقى (كتاب الصلاة) ج:6 ص:351 ط: النجف (بتصرف يسير).

10

بعض الأعلام من تلامذته (قدس سره) في شرحه على العروة (1)، وحكي عنه (2) التعرض للأخريين في مجلس درسه، وهي كما يأتي..

(المحاولة الأولى): إن مبنى الإشكال المذكور هو تمثل أفراد العام في الرواة، فإنه مع العلم بسقوط حجية العام بالنسبة إلى بعض الرواة تصبح الشبهة في المراسيل مصداقية، بخلاف ما إذا افترض تمثل أفراد العام في الروايات بحيث كانت كل رواية فرداً من العام المشهود بوثاقة طريقه، فإن هذا الافتراض يجعل الشك في وثاقة الواسطة في المرسلة شكاً في تخصيص زائد.

وهذا الافتراض هو المطابق مع ظاهر قول الشيخ: (عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة)، أي لا يروون رواية إلا عن ثقة، فمورد الشهادة هي الروايات لا المشايخ.

أقول: لو كان المستند في وثاقة مشايخ ابن أبي عمير هو شهادة الطائفة بأنه لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة ــ المستفادة من كلام الشيخ ــ فالجواب المذكور في محله، فإن مورد الشهادة هي الروايات لا المشايخ بمقتضى ظاهر الكلام.

وأما لو قلنا بأن المستند في ذلك هو شهادة ابن أبي عمير بوثاقة مشايخه أو بأن رواياته مروية كلها عن الثقات ـ وشهادة الطائفة إنما تكشف عن شهادته ــ فلا يتم ما ذكر، لأن مورد شهادة ابن أبي عمير لم يذكر في كلام الشيخ، أي أن شهادته مستفادة بالملازمة، فهي غير مذكورة بلفظها ليعرف أن موردها المشايخ أو الروايات، ومجرد كون الروايات هي مورد شهادة الطائفة لا يقتضي أن تكون هي مورد شهادة ابن أبي عمير أيضاً لأنها لا تحكي عنها بل هي المنشأ لها، ولا يوجد ما يقتضي التطابق بينهما في الخصوصيات.

وبالجملة: بناء على هذا الوجه لا تتم المحاولة المذكورة للجواب عن الإشكال المتقدم، ويمكن أن يقال: إن هذا الوجه هو المتعين ولا مجال للبناء على الوجه الأول، لأن شهادة الطائفة بأن ابن أبي عمير لا يروي ولا يرسل إلا عن

____________

(1) بحوث في شرح العروة الوثقى ج:1 ص:429.

(2) مشايخ الثقات ص:46.

11

ثقة لا تكون مستندة إلى الحس إلا على أحد تقديرين..

1 ــ شهادة ابن أبي عمير بذلك مع عدم ظهور تخلفه عنه.

وهذا هو الوجه الثاني المذكور.

2 ــ استقراء مشايخه وملاحظة عدم وجود ضعيف فيهم.

وهذا هو مبنى الوجه الأول، ولكنه بعيد عملياً في المسانيد، وأما في المراسيل فغير ممكن. ومن هنا جعل السيد الأستاذ (قدس سره) (1) ذلك ــ أي عدم إمكان التتبع في المراسيل ــ دليلاً على بطلان ما ذكره الشيخ من معروفية ابن أبي عمير وأخويه بعدم الرواية عن غير الثقة.

ثم إن المحكي عن بعض الأعلام (طاب ثراه) (2) أنه أجاب عن المحاولة الأولى المذكورة من جهة أخرى غير ما تقدم، وهي أن حجية شهادة ابن أبي عمير بوثاقة مشايخه مرجعها إلى أمرين: إلغاء احتمال تعمده للكذب. وإلغاء احتمال اشتباهه وخطئه استناداً إلى أصالة عدم الاشتباه، التي هي من الأصول العقلائية في المحسوسات وما يقاربها.

فإذا روى ابن أبي عمير عن شخص مرسلاً فهو وإن شهد بأن روايته هذه عن الثقة أو أن شيخه في هذه الرواية ثقة، ولكن المنفي هو احتمال تعمده للكذب وأما احتمال اشتباهه وخطئه في عدِّ من ليس بثقة ثقة فلا يمكن نفيه، لأن أصالة عدم الاشتباه موردها ما إذا احتمل اشتباه زائد للمخبر، وأما احتمال تكرار الاشتباه المتيقن السابق فلا تفي أصالة عدم الاشتباه بنفيه.

وهاهنا يحتمل أن يكون من روى عنه هو أحد المضعفين ممن له عنه رواية أخرى، فهذا ليس اشتباهاً جديداً بل تكرار لنفس الاشتباه السابق أو فقل إن أصالة عدم الاشتباه قد سقطت بالنسبة إلى روايته عن هؤلاء الأشخاص المضعفين ــ ولو لأجل المعارضة ــ فلو تكررت الرواية فليس في ذلك اشتباه جديد، واحتمال التكرار وارد ولا دافع له، فلا يمكن الأخذ بشهادة ابن أبي

____________

(1) معجم رجال الحديث ج:1 ص:58.

(2) مشايخ الثقات ص:48.

12

عمير بوثاقة شيخه في المرسلة.

أقول: إذا كان مورد الشهادة بالوثاقة هو الأخبار لا الأفراد ــ كما تبتني عليه المحاولة الأولى للجواب ــ فلا محل للقول بأن تكرار الخبر عمن شهد ابن أبي عمير بوثاقته اشتباهاً ليس اشتباها جديداً بل هو اشتباه آخر، ولكن منشأ الاشتباهات المتعددة اشتباه واحد، وهذا يحدث كثيراً، فالمؤكد هو اشتباه ابن أبي عمير في اعتقاده وثاقة فلان، واشتباهه في الرواية عنه ــ بصفته ثقة ــ مرة، فإذا كرر النقل كان ذلك اشتباها آخر ومقتضى الأصل عدمه.

(المحاولة الثانية): أن المقام ليس من موارد الشبهة المصداقية، لأن معنى الشبهة المصداقية للمخصص الذي لا يجوز فيها الرجوع إلى العام هو أن يرد على العام مخصص منفصل يكشف عن ضيق دائرة المراد الجدي منه، بحيث تتحدد كاشفية العام الفعلية وحجيته بدائرة خاصة، ويشك في فرد أنه مصداق لهذه الدائرة الخاصة أو مما خرج عنها.

وفي المقام الدليل على عدم وثاقة بعض مشايخ ابن أبي عمير لا يكون كاشفاً عن ضيق دائرة المراد الجدي من العام، وإنما هو من باب قيام الحجة الأقوى على تخطئة الحجة الأخرى، مما يعني أن المراد الجدي من العام لا يتعنون بعنوان خاص بل الأفراد الذين قام الدليل الأقوى على ضعفهم لا يزالون مندرجين في دائرة المراد الجدي من العام، وإنما يرفع اليد عن حجية هذه الشهادة بالعموم من باب استحالة جعل الحجية لشهادتين متنافيتين.

ومن المعلوم أن المستحيل هو جعل حجتين لشهادتين متنافيتين بنحو تكون كل من الحجتين واصلة إلى المكلف، وأما مع عدم وصول إحداهما فلا منافاة، وعليه لا تسقط حجية الشهادة التي يتكفلها العام إلا في حالات وصول الحجة الأخرى، وحيث إنه لم يحرز وجود حجة أخرى على نفي الوثاقة عن الوسيط في المرسلة تبقى حجية شهادة العام ثابتة بالنسبة إليه.

ويمكن أن تناقش هذه المحاولة بوجوه..

13

(الأول): أن مبناها هو كون الشهادة صادرة من ابن أبي عمير وكون روايته عن المضعفين على أساس اعتقاده بوثاقتهم، وأما لو قيل إن الشهادة هي من الأصحاب بتتبعهم روايات ابن أبي عمير وملاحظة وثاقة مشايخه، فإنه لو عثر على روايات له عن غير الثقة يكشف ذلك عن خروج الموارد المذكورة أو المشايخ الذين روى عنهم في تلك الموارد عن دائرة المراد الجدي من عموم شهادة الطائفة بوثاقة مشايخه أو كون رواياته مروية عن الثقات، وكذلك لو كانت الشهادة من ابن أبي عمير ولكنه روى عن هؤلاء بالرغم من اعتقاده عدم وثاقتهم، فإنه يكون من قبيل التخصيص.

والسيد الأستاذ (قدس سره) الذي استوجه إشكال الشبهة المصداقية تبنى الاحتمال الأول في المعجم، أي كون الشهادة من الأصحاب. ولكن تقدم ضعف هذا الاحتمال. كما أن الاحتمال الثاني وهو اعتراف ابن أبي عمير بضعف هؤلاء غير مدعوم بدليل، وعموم الشهادة ينفيه.

اللهم إلا أن يقال: إن ضعف بعض هؤلاء بمثابة من الوضوح بحيث لا يمكن أن يخفى على مثل ابن أبي عمير. ولكن هذا الكلام غير صحيح، وليس في من ثبتت روايته عنه من يمكن أن يدعى في حقه ذلك كما مرَّ في محله.

فالنتيجة: أن هذا الوجه في المناقشة غير تام.

(الثاني): أن مبنى المحاولة المذكورة هو عدم التنافي بين الحجج إلا في مرحلة الوصول وأما قبل ذلك فلا تنافي. ولكن هذا خلاف مسلك المجيب (طاب ثراه) لأنه يقول (1) : (إن الحكم الظاهري ناشٍ عن مبادئ حقيقية هي نفس المبادئ الواقعية، ومقدار اهتمام المولى بها في مقام التزاحم الحفظي، فحينئذٍ لا يعقل جعل حكمين ظاهريين متعاكسين حتى واقعاً ولو لم يصل إلى المكلف، لأن جعل الإلزامي منهما معناه اهتمام المولى بملاكاته الإلزامية الواقعية، وجعل الترخيصي منهما معناه عدم اهتمامه بها بل ترجيحه لملاكاته الواقعية الترخيصية، والاهتمام مع اللااهتمام بأمر واحد متنافيان لا محالة).

____________

(1) بحوث في علم الأصول ج:4 ص:223.

14

وهذا غير المسلك المشهور، فإن مقتضاه كون المصلحة في نفس جعل الأحكام الظاهرية، ولا تنافي بين حكمين ظاهريين متعاكسين بوجوديهما الواقعيين، وإنما التنافي بين وجوديهما الواصلين إلى المكلف، حيث يتنافيان من حيث التنجير والتعذير، وأما بلحاظ المبادئ فلا تنافي، لتعدد الجعلين واقعاً وتعدد موضوع المصلحة.

(الثالث): أنه بناء على عدم التنافي بين الحجتين إلا في مرحلة الوصول يمكن أن يقال: إن الشهادة المعارضة بعدم وثاقة المنقري مثلاً ــ الذي هو أحد مشايخ ابن أبي عمير ــ تعتبر واصلة وتكون حجة وإن لم يتم تشخيص أن المروي عنه في مرسلة ابن أبي عمير هو المنقري أو غيره، فإن حجية تلك الشهادة لا تناط بتشخيص ذلك، بل هي حجة وإن لم يتم تشخيصه حتى في مورد واحد، فإن تشخيصه إنما هو منشأ لحصول الأثر العملي بانضمامه إلى تلك الشهادة.

وعليه فمع الشك في كون المروي عنه في مرسلة ابن أبي عمير هو المنقري أو غيره لا شك في قيام الحجة على عدم وثاقة بعض من روى عنه ابن أبي عمير، بل الشك في انطباق ما قامت عليه الحجة على المورد، وهو يمنع من التمسك بعموم حجية شهادة ابن أبي عمير على وثاقة مشايخه.

وبعبارة أخرى: إن شهادة ابن أبي عمير وإن كانت عامة لكل من روى عنه بعنوانه الخاص أو بعنوان مبهم كبعض أصحابنا إلا أن دليل حجية هذه الشهادة يشمل خصوص من لم يرد من طريق آخر تضعيفه، فإذا ورد دليل على ضعف المنقري ــ مثلاً ــ استثني من مشايخ ابن أبي عمير في مرحلة شمول دليل الحجية لشهادته لهم بالوثاقة، أي مقتضى دليل الحجية أن كل مشايخ ابن أبي عمير ثقات إلا المنقري، فإذا شك في كون من روى عنه بعنوان مبهم هو المنقري أو غيره يشك في كون هذا الشخص داخلاً في العموم في ما هو حجة فيه أو في الخاص؟ فلا يمكن التمسك بالعموم لإثبات وثاقته، لنظير النكتة التي لأجلها لا يمكن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص.

15

فالنتيجة: أن ورود التضعيف من طريق آخر في حق بعض مشايخ ابن أبي عمير وإن لم يكن موجباً لكشف أن المراد الجدي من شهادته بالعموم لا يشمل هذا الشيخ ولكنه موجب لتضييق شمول دليل الحجية لشهادة ابن أبي عمير.

ولكن يمكن أن يقال: إن المجيب (طاب ثراه) يسلِّم حصول التضييق في مرحلة شمول دليل الحجية لشهادة ابن أبي عمير، ولكن يقول: إن الخارج ليس هو (المنقري) بعنوانه بل من قام الدليل على تضعيفه من طريق آخر. وينطبق ذلك على المنقري في الرواية المروية بطريقه، وأما في المرسلة فلم يقم دليل على تضعيف المذكور مبهماً، لأن المفروض أن الحجية منوطة بالوصول، ولم يصل تضعيف هذا، فالشهادة بالعموم تشمله بلا معارض. وهذا بخلاف الحال في العام المخصص، فإن الخارج من العام هو الفاسق مثلاً، فإذا شك في كون شخص فاسقاً يشك في دخوله في العام في ما هو حجة فيه وعدمه، وأما هنا فالخارج عن دليل حجية شهادة ابن أبي عمير هو من يصل ضعفه من طريق آخر، ومثله لا ينطبق على الوسيط المبهم إلا إذا شهد ثقة بأنه يعرف الوسيط وهو ضعيف، والمفروض أنه لم يتحقق مثل ذلك.

وأما القول بأنه يكفي وصول تضعيف المنقري وكون الشك في مصداق ما هو الحجة فليس دقيقاً، لأن الوصول منوط بوصول الكبرى والصغرى معاً، فما لم يصل المصداق لا يكون وصول، نظير ما ذكروه في الشبهة الموضوعية من أنه لا يصير الحكم فعلياً ليكون قابلاً للتنجز إلا مع العلم بتحقق الموضوع فتأمل.

(الرابع): أن دليل حجية شهادة ابن أبي عمير وإن لم نتحقق من ثبوت معارض له في مورد الوسيط في المرسلة، ولكنه مع ذلك لا يشمله، لأن شموله يتوقف على إعمال أصالة عدم الاشتباه في حق ابن أبي عمير في شهادته له بالوثاقة، وهي لا تنفي احتمال تكرار الاشتباه وإنما تنفي احتمال تجدد الاشتباه، وحيث لا دافع لاحتمال التكرر فلا حجية لهذه الشهادة.

وقد مرَّ هذا الوجه منه (قدس سره) في مناقشة المحاولة الأولى، ومرَّ الجواب عنه.

16

(الخامس): أن كلاً من مشايخ ابن أبي عمير مشمول لدليل حجية شهادته بالوثاقة مرة واحدة لا مرتين، مرَّة بعنوانه الخاص ومرَّة بعنوانه المبهم. وعلى ذلك فهو وإن كان يشهد لمن روى عنه بعنوان مبهم بالوثاقة إلا أنه لما كان من المؤكد أن عدداً كبيراً ممن روى عنهم بعنوان مبهم هم من الذين روى عنهم بعناوينهم الخاصة فالشهادة لهم بالوثاقة بالعناوين المبهمة لا تكون مشمولة لدليل الحجية، وحيث لا يعلم بتطابقها مع الشهادات غير المعارضة أو المعارضة، فلا سبيل إلى الاعتماد عليها.

وتوضيح هذا يتوقف على بيان أمور..

1 ــ أن معروفية الشخص بأنه لا يروي إلا عن الثقة تقوم على أساس أمرين..

أ ــ التزامه الشخصي بعدم الرواية إلا عمن ثبتت عنده وثاقته، مع اطلاع الناس منه على ذلك من خلال تصريحه به أو قيام القرائن الحالية أو المقالية عليه.

ب ــ إقرار الناس له على صواب توثيقاته في ما يتيسر لهم الاطلاع على مناشئها، نعم لا يضرّ عدم موافقتهم له في موارد نادرة، وأما إذا كانت موارد المخالفة كثيرة مما يكشف عن خلل في تطبيق موازين التوثيق عنده فلا يقال بأنه ممن يُعرف بأنه لا يروي إلا عن ثقة.

فالنتيجة: أنه ليس المقصود بكون الشخص معروفاً بعدم الرواية إلا عن الثقة أنه يروي عمن هم ثقات عند نفسه، وإن لم يكونوا ثقات عند الناس، كما أنه ليس المقصود من هم ثقات عند الناس بحيث يعني تتبع الناس توثيقاته بصورة عامة وحصول العلم لهم بكونهم ثقات بالفعل.

2 ــ أن مقتضى التزام ابن أبي عمير بعدم الرواية عن غير الثقة هو أنه كلما قال: (حدثني فلان) فهو شهادة ضمنية منه بوثاقته، نعم الشهادات المتطابقة أي الواردة في حق شخص واحد تعتبر بمثابة شهادة واحدة من حيث شمولها لدليل حجية شهادة ابن أبي عمير بالوثاقة، وإن فرضنا ورودها بعناوين مختلفة، أي أن كل شخص من مشايخ ابن أبي عمير إنما يكون مشمولاً لدليل حجية

17

شهادته له بالوثاقة مرَّة واحدة لا مرتين، مرَّة بعنوانه الخاص ومرَّة بعنوان كونه رجلاً من أصحابنا، ونحو ذلك من العناوين التي تذكر في المراسيل.

3 ــ أنه قد ثبتت رواية ابن أبي عمير عن أناس ورد تضعيفهم من طرق أخرى معتبرة. والملاحظ في ذلك..

أ ــ أن عدد هؤلاء وإن كان قليلاً حيث لا يتجاوز الأربعة أو الستة ــ وفق ما أجريته من الإحصاء ــ كما أن عدد الروايات المروية بطرقهم وإن كانت قليلة، ولكن في كل الأحوال يبقى احتمال توسطهم في مراسيل ابن أبي عمير قائماً.

ب ــ أن هؤلاء وإن لم يتأكد ضعف أيّ منهم على سبيل اليقين، ولكن حيث ورد تضعيفهم بطرق معتبرة، ولم يثبت خطؤها فلا محالة يقع التعارض بين شهادة ابن أبي عمير لهم بالوثاقة بمقتضى روايته عنهم وشهادات المضعفين، فلا يمكن الاعتماد على شهادة ابن أبي عمير في حقهم.

بل ربما يحتمل أن تكون رواية ابن أبي عمير عن هؤلاء تخلفاً عن التزامه بعدم الرواية عن غير الثقة، فلا تكون الشهادات الصادرة من الآخرين بضعفهم معارضة من قبل ابن أبي عمير.

ولكن هذا الاحتمال مما لا مثبت له، بل مقتضى ما عرف من التزامه بعدم الرواية إلا عمن ثبتت عنده وثاقته هو خلاف ذلك.

ج ــ أن مقتضى ما تقدم هو أن مشايخ ابن أبي عمير يمكن تقسيمهم إلى مجموعتين: المجموعة (أ) وهم مشايخه الذين لم يرد في حقهم تضعيف من طريق معتبر آخر، والمجموعة (ب) وهم مشايخه الذين ضعّفوا بطرق أخرى، وكلما كانت رواية ابن أبي عمير عن أحد أفراد المجموعة (ب) فلا يمكن الاعتماد عليها.

4 ــ أن لابن أبي عمير مراسيل كثيرة في كتب الأخبار، ومن المؤكد أن قسماً كبيراً من هذه المراسيل مروية عن المشايخ الذين روى عنهم المسانيد، إذ لا يحتمل التباين بين مشايخه في المسانيد والمراسيل، بل النسبة بينهما إما عموم من وجه وإما عموم مطلق، مع كون العموم في جانب المشايخ في المسانيد.

18

ومقتضى ذلك أنه إذا قال ابن أبي عمير: حدثني بعض أصحابنا أو رجل ونحو ذلك فهو وإن كان شهادة ضمنية منه بوثاقة هذا المروي عنه إلا أن هذه الشهادة لما لم تكن ــ ولا أقل في قسم من المراسيل ــ شهادة إضافية وجديدة غير ما اشتملت عليه مسانيده، فهي غير مشمولة لدليل حجية شهادة ابن أبي عمير بالوثاقة بما هي هي، بل من حيث مطابقتها مع إحدى الشهادات التي تشتمل عليها المسانيد.

وحيث أن تلكم الشهادات كانت على مجموعتين، ولا يعلم بمطابقة الشهادة في الرواية المرسلة مع إحدى الشهادات في المجموعة (أ) أو في المجموعة (ب)، ولا دافع لاحتمال مطابقتها مع إحدى الشهادات في المجموعة (ب) التي كانت معارضة لشهادات آخرين بضعفهم لم يمكن البناء على حجيتها، وبذلك تسقط جميع المراسيل عن الحجية، لعدم إحراز مطابقة ما تتضمنها من الشهادة بالوثاقة مع بعض الشهادات في المجموعة (أ).

هذا، وسيأتي عند التعقيب على المحاولة الثالثة ما يتضح به الجواب عن هذا الوجه ولو في بعض الموارد.

(المحاولة الثالثة): أنه يمكن تضعيف احتمال أن يكون الوسيط المبهم من المضعفين على أساس حساب الاحتمالات وإثبات الاطمئنان الشخصي بوثاقته، لأنه مردد بين جميع مشايخ ابن أبي عمير وعددهم حوالي (400) نفر، وعدد المضعفين لعله لا يزيد على الخمسة أي أن قيمة احتمال كون الوسيط واحداً من الثلاثمائة وخمسة وتسعين هو (39,5) من (40)، وهذا يبلغ درجة الاطمئنان.

إن قيل: كيف حصرتم احتمالات الوسيط المجهول في الأربعمائة مع وجود احتمال أن يكون شخصاً آخر، لعدم قيام دليل على انحصار من روى عنه ابن أبي عمير في أولئك.

قلنا: إن هذا الاحتمال لا يضر، لأن احتمال أن يكون الوسيط غير الأربعمائة من غير الثقات احتمال منفي بدليل حجية شهادة ابن أبي عمير وبأصالة عدم الاشتباه، لأنه يعني احتمال اشتباه زائد.

19

ثم أجاب (قدس سره) (1) عن هذه المحاولة بأنه مبني على افتراض أن الاحتمالات الأربعمائة في الوسيط المجهول متساوية في قيمتها، وإلا بأن كانت هناك أمارة احتمالية تزيد من قيمة احتمال أن يكون الوسيط المجهول أحد الخمسة فسوف يختل الحساب المذكور، ويمكن أن ندعي وجود عامل احتمالي يزيد من قيمة هذا الاحتمال وهو نفس كون ابن أبي عمير يروي الرواية عن رجل أو عن بعض أصحابه ونحو ذلك من التعبيرات، إذ يحتمل نشوء ذلك من درجة من عدم الاعتناء وعدم الوثوق بالرواية، المناسب لكون المروي عنه أحد أولئك الخمسة، فاحتمال كون الإرسال بالنحو المذكور بنفسه نكتة مشتركة ملاكها ذلك يوجب تقوية احتمال أن يكون الوسيط أحد الخمسة إلى الدرجة التي لا يبقى معها اطمئنان بالخلاف.

ثم تأمل في هذا الجواب مشيراً إلى أن هناك احتمالاً أقوى مما ذكر، وهو احتمال أن يكون الإرسال في روايات محمد بن أبي عمير من جهة تلف كتبه حينما حبس أربع سنوات، فإنه لما أطلق سراحه حدَّث من حفظه، فكان الإرسال بسبب نسيانه لأسماء الرواة في بعض رواياته لا لجهة أخرى.

أقول: يمكن الخدش في المحاولة الثالثة المذكورة للجواب من جهتين..

الأولى: أنها تبتني على كون العبرة في حساب الاحتمالات بملاحظة عدد المشايخ. ولكن يمكن أن يقال: إنه لا بد فيه من ملاحظة عدد الروايات.

الثانية: أنها تبتني على كفاية ملاحظة عدد المشايخ من دون النظر إلى خصوصية المروي عنه في كل مورد. ولكن هذا أيضاً غير صحيح.

ولتوضيح الحال وتقريب الاستفادة من حساب الاحتمالات للجواب عن أصل الإشكال، ولا سيما بالتقريب المار ذكره في الوجه الخامس من وجوه المناقشة في المحاولة الثانية. أقول:

أ ــ إن لابن أبي عمير ما يناهز خمس آلاف رواية مسندة في كتب الأخبار، وعدد روايات المضعفين بطرق أخرى لا تتجاوز الخمس والعشرين

____________

(1) لاحظ مشايخ الثقات ص:49.

20

رواية، أي بنسبة نصف الواحد في المائة (0,5 %).

ومعنى ذلك أنا إذا اخترنا رواية من روايات ابن أبي عمير بصورة عشوائية من دون ملاحظة اسم من روى عنه فاحتمال أن يكون من الرجال المضعفين من مشايخه هو بنسبة (0,5 %) فقط، وهذا احتمال ضعيف جداً لا يعتد به العقلاء، لقيام الاطمئنان على خلافه.

ب ــ إن لابن أبي عمير ما يناهز مائتي رواية مرسلة في كتب الأخبار، والإرسال في رواياته لم ينشأ من محاولته إخفاء اسم المروي عنه لكونه ضعيفاً أو مشوَّه السمعة عند أصحاب الحديث أو نحو ذلك من الخصوصيات بل إنما نشأ من تعرض كتبه للتلف فاضطر إلى رواية جملة من الأحاديث على وجه الإرسال بعد عدم تذكر أسماء المشايخ الراوين لها.

وعلى ذلك فمراسيل ابن أبي عمير نماذج لمسانيده، ولا اختلاف بينهما في نوع المشايخ الذين روى عنهم.

وعلى هذا الأساس يمكن القول أن نسبة رواية المضعفين في رواياته المرسلة لا تزيد أيضاً على نسبة (0,5 %) أي رواية واحدة من مجموع مائتي رواية، وهذا يعني أن في كل رواية مرسلة يحصل الاطمئنان بعدم كون المروي عنه أحد المضعفين، وأما احتمال أن يكون مضعّفٌ آخر غير من تم العثور عليهم في المسانيد فهو احتمال منفي بشهادة ابن أبي عمير بوثاقة مشايخه مع عدم وصول معارض لهذه الشهادة في غير من عرفناهم.

ونظير المقام ما إذا أحرز وجود إناء نجس في مائة إناء، فإن احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كل إناء لا يكون إلا بنسبة (1 %)، وهو احتمال لا يعتد به، وأما احتمال وجود إناء نجس آخر في المجموعة فيمكن البناء على خلافه بأصالة الطهارة، وبضم الوجدان إلى الأصل يحكم بطهارة كل إناء.

ويلاحظ أن هذا الجواب قد تم تقريبه على أساس ملاحظة نسبة روايات ابن أبي عمير عن غير المضعّفين إلى رواياته عن المضعّفين. وقد يجاب عن الإشكال ــ كما مرَّ ــ بملاحظة نسبة عدد مشايخه غير المضعّفين إلى المضعّفين

21

فيقال: إن عدد مشايخ ابن أبي عمير أربعمائة شيخ مثلاً، وعدد المضعّفين أربعة مثلاً، ففي كل رواية مرسلة لا يتجاوز احتمال كون المروي عنه هو أحد المضعفين (1 %)، فيكون ملغياً لضعفه جداً.

ولكن هذا الكلام ليس صحيحاً، لأنه لا أثر لعدد المشايخ في تضعيف احتمال أن يكون الوسيط في المرسلة من المشايخ المضعّفين، بل العبرة بعدد الروايات.

فلو كان عدد المشايخ أربعمائة وعدد المضعّفين أربعة، ولكن الروايات المروية عن الأربعة تساوي في العدد الروايات المروية عن الثلاثمائة وستة وتسعين شيخاً الباقين لم يكن احتمال أن يكون الوسيط في الرواية المرسلة أحد الأربعة المضعّفين ضعيفاً جداً.

وبالعكس إذا كان عدد المضعّفين من المشايخ مائتين وعدد غير المضعّفين مثل ذلك، ولكن كانت رواياته عن المضعّفين مائتي رواية فقط وعدد رواياته عن غيرهم خمسة آلاف رواية لا يكون احتمال أن يكون الوسيط في الرواية المرسلة أحد المضعّفين مساوياً لاحتمال كونه من غيرهم بل أضعف بمراتب.

والحاصل: أن العبرة في تضعيف احتمال أن يكون الوسيط من المضعّفين إنما هو بملاحظة عدد الروايات لا عدد المشايخ.

هذا ولكن يمكن أن يلاحظ على الجواب المذكور بأمور..

(الأول): أن رقم خمسة آلاف لا يمثِّل الرقم الحقيقي لروايات ابن أبي عمير في كتب الأخبار الموجودة بأيدينا، بل عددها أقل من ذلك بكثير.

والوجه فيه: أن الروايات المبثوثة في كتب الحديث عن طريق ابن أبي عمير لها عدة مصادر..

أ ــ ما كان موجوداً في كتب ابن أبي عمير وهو منقول عنها، ولعل الذي وصل إلى أصحاب الجوامع كالكليني ومن بعده من كتب ابن أبي عمير ينحصر في النوادر، ومن المؤكد أنه كان من مصادر الصدوق كما ذكره في مقدمة الفقيه،

22

كما يظهر من سند الشيخ إلى ابن أبي عمير في المشيخة أنه كان من مصادره في التهذيبين، وأما بقية كتب ابن أبي عمير فيظهر مما ذكر في الكشي أنها قد تلفت.

ب ــ ما تلقاه عنه تلاميذه مشافهة وأثبتوه في كتبهم، وأصحاب الجوامع قد اعتمدوا على هذه الكتب في نقلها.

ج ــ الكتب التي وقع ابن أبي عمير في طريق نقلها، وهي كانت كثيرة، ويوجد في فهرست الشيخ ورجال النجاشي ما يناهز مائة وخمسة وعشرين كتاباً رواه ابن أبي عمير.

والظاهر أن معظم الروايات المروية عن طريق ابن أبي عمير في الجوامع إنما هي مقتبسة من الكتب التي رواها، ككتاب أبي أيوب الخزاز وعمر بن أذينة وإبراهيم بن عبد الحميد وجميل بن دراج وحفص بن البختري وحماد بن عثمان وعبد الرحمن بن الحجاج ومحمد بن أبي حمزة ومعاوية بن عمار وهشام بن الحكم وهشام بن سالم وأضرابهم.

والملاحظ أن القسم الأعظم من روايات ابن أبي عمير في جوامع الحديث أي ما يناهز (75%) منها إنما هي عن هؤلاء الأشخاص المذكورة أسماؤهم آنفاً، ولا يبعد أن يكون أزيد من (90%) من رواياته الموجودة بأيدينا في الكافي وكتب الصدوق والتهذيبين وغيرها هي مما أخذت من الكتب المروية بطريق ابن أبي عمير، لا مما رواها في كتابه أو رواها لتلاميذه وأثبتوها في كتبهم.

ونتيجة ذلك أن مجموع روايات معاوية بن عمار مثلاً وهي تناهز (500) رواية تعدُّ رواية واحدة، وكذلك روايات جميل بن دراج وهي تناهز (400) رواية، وروايات حماد بن عثمان وهي تناهز الثلاثمائة وهكذا.

وعلى ذلك فلا تكون نسبة الروايات المروية عن المضعّفين إلى الروايات المروية عن غيرهم نصف الواحد من المائة بل أزيد من ذلك، مما يمنع من حصول الوثوق في الرواية المرسلة بأن الوسيط ليس من المضعّفين.

والجواب..

23

(أولاً) بأنه لو سلِّم أن (90%) من الروايات المروية بطريق ابن أبي عمير إنما أخذت من كتب من رويت بواسطته، وكل ما أخذ من كتاب فهو يعدُّ رواية واحدة، وإن وزِّع على مئات الموارد، إلا أن مثل هذا الكلام يجري في الروايات المروية عن المضعّفين، فبدل أن تحتسب (25) رواية ينبغي أن تحسب خمس روايات مثلاً، فإذا فرضنا أن مجموع روايات ابن أبي عمير المسندة خمسمائة رواية في ضوء الحساب المذكور فالنسبة بين رواياته عن المضعّفين ورواياته عن غيرهم تكون (1 %)، وهي قريبة من النسبة بينهما على غير هذا الحساب.

(وثانياً) بأن ابن أبي عمير كان له أربعة وتسعون كتاباً ــ كما ذكر في الفهارس ــ ومن المؤكد أنه وزَّع روايات كتب مشايخه على مؤلفاته، وبالأحرى ألفها من كتب مشايخه، فروايات كتاب جميل أو ابن أذينة ومعاوية بن عمار قد وزعها في ما ألَّفه في مختلف الموضوعات، فتتعدد الرواية بذلك، فليتأمل.

(الثاني): أن الاطمئنان بعدم انطباق المعلوم بالإجمال على كل طرف من أطراف الشبهة ليس اطمئناناً يعتمد عليه العقلاء، ومن المعلوم أن حجية الاطمئنان إنما هي بالبناء العقلائي، فإذا لم يثبت بناؤهم على الحجية في هذا النوع من الاطمئنان الناشئ من توزيع الاحتمالات في أطراف العلم الإجمالي لم يكن حجة.

والجواب: أن الظاهر أن العقلاء لا يفرقون بين مناشئ الاطمئنان على النحو المذكور، أي أن الاطمئنان الذي يكون له منشأ عقلائي يعدُّ حجة عندهم وإن كان حصوله بلحاظ حساب الاحتمالات.

(الثالث): أنه لو سلِّم حجية الاطمئنان المذكور فإنما ينفع فيما لو أريد ارتكاب بعض الأطراف بحدٍّ لا يوجب انتفاء الاطمئنان بعدم مصادفة المعلوم بالإجمال، وإلا فلا ينفع الاطمئنان بلحاظ كل طرف مع انتفائه بملاحظة مجموع الأطراف المستخدمة، كما في مثال الأواني المائة التي يعلم بتنجس إناء واحد منها، فإنه يجوز شرب الماء من واحد من تلك الأواني، لأن احتمال كونه هو المتنجس يكون (1%)، وهو احتمال موهوم يطمأن بخلافه، وأما شرب الماء من

24

خمسة منها فلا يجوز، لأن احتمال عدم كون أيٍّ من الخمسة متنجساً يكون بمقدار (95%)، وهو ظن غير اطمئناني.

وعلى ذلك فلو أريد هنا العمل ببعض مراسيل ابن أبي عمير بحيث يطمأن بعدم توسط المضعّف في شيء من رواتها فلا مانع من ذلك، وأما إذا أريد العمل بعدد وافر منها فضلاً عن الجميع فلا يمكن ذلك، إذ لا اطمئنان بعدم وجود المضعّف في رواتها.

والجواب: ليس الأمر كما ذكر، بل يكفي في مورد العلم الإجمالي بتنجس إناء واحد من مائة إناء الاطمئنان بعدم انطباق المعلوم بالإجمال على كل إناء من الأواني المائة، أي يكون الاطمئنان في كل واحد منها حجة يمكن الاعتماد عليه، ولا يضر عدم الاطمئنان بمطابقة الاطمئنان للواقع في جميع الأواني التي يراد شرب ما فيها من الماء، وإنما يضر الاطمئنان بمخالفة الاطمئنان في بعضها للواقع، ولذلك يبنى على عدم جواز شرب الماء من تسعة وتسعين إناءً من تلك الأواني، لحصول الاطمئنان بانطباق المعلوم بالإجمال على بعضها.

وفي المقام لا يضر عدم الاطمئنان بمطابقة الاطمئنان للواقع في جميع المراسيل التي تشتمل على الأحكام الشرعية بعدم توسط المضعّف في طرقها. نعم لو كان هناك اطمئنان بوقوع المضعّف في طريق بعضها لأضرَّ بحجيتها، ولكنه غير حاصل.

(الرابع): أن ما ذكر من أن المراسيل هي من نوع المسانيد، فما تحتويها من روايات المضعّفين لا تزيد على ما تحتويها المسانيد غير تام، لأنها وإن كانت من نفس النوع من جهة ابن أبي عمير إلا أن المسانيد قد تعرضت للغربلة والتمحيص والتحقيق، والموجود بأيدينا جزء مختار من مسانيد ابن أبي عمير، ويحتمل أن نقَّاد الأحاديث قد ألغوا ولم يرووا عدداً كبيراً من روايات المضعّفين كالمفضل بن عمر الجعفي والمفضل بن صالح والحسين بن أحمد المنقري، لأنهم لم يجدوا شواهد على صحتها، وكان رواتها ضعافاً فألغوها، بخلاف الحال في المراسيل، فإن عدم معرفتهم بالمروي عنهم لم يفسح المجال لهم لذلك. فالنتيجة: أنه يحتمل

25

أن تكون روايات المضعّفين أضعاف ما وصل إلينا ــ وهو (25) رواية كما مرَّ ــ فإذا فرضنا أنها كانت (150) رواية يصبح احتمال أن يكون أي من المراسيل من روايات المضعفين بنسبة (3%)، وهو ينافي حصول الاطمئنان بخلافه.

ولا دافع لاحتمال أن يكون لابن أبي عمير روايات أخرى عن المضعّفين الخمسة، إذ ليس في ذلك اشتباه زائد على أصل اشتباهه بوثاقة هؤلاء، وليس الحال مثل احتمال روايته عن أشخاص مضعّفين آخرين، فإنه بعد شهادته للمشايخ بالوثاقة، وعدم وصول معارض لشهادته بالنسبة إلى غير الأربعة يبنى على وثاقة الباقين.

نعم لو بني على أن رواية ابن أبي عمير عن هؤلاء قد حصل بالرغم من اعتقاده عدم وثاقتهم، وبني على أن مركز شهادته هي الروايات لا المشايخ يمكن نفي وجود روايات أخرى عن هؤلاء، ولكن الأول مما لا مثبت له، والثاني غير تام أيضاً كما تقدم.

وبالجملة: أن أصل احتمال وجود روايات أخرى له عن المضعّفين في المراسيل كافٍ في منع العمل بها، لأن المعلوم بالإجمال وإن كان مما يطمأن بعدم انطباقه على كل واحد ــ على ما مرَّ ــ ولكن احتمال وجود روايات زائدة غير منفي بأيِّ دليل، كما لو علمنا بنجاسة إناء من مائة إناء، واحتملنا وجود أوانٍ نجسة أخرى من دون أن يكون مقتضى الأصل فيها هو الطهارة، لتعاقب الحالتين في كل منها.

والجواب: أن احتمال أن تكون نسبة روايات المضعّفين إلى غيرهم في المراسيل أزيد من نسبتها في المسانيد، من جهة عدم إدراج جملة من رواياتهم المسندة في جوامع الحديث الواصلة إلينا وإن كان مما لا ينكر، ولكن الظاهر أن الاختلاف في النسبة إن كان فهو ليس بحدٍّ يعتد به، فإنه لا يوجد مؤشر إلى اعتناء الماضين ــ ولا سيما الكليني والشيخ ــ بفرز روايات الضعفاء وعدم إيرادها في

26

كتبهم مهما أمكن، نعم ربما يظهر من بعض كلمات الصدوق (قدس سره) (1) أنه لا يروي ما لم يصححه شيخه محمد بن الحسن بن الوليد، ولكن هذا أمر آخر.

وبالجملة: الظاهر أن نسبة روايات المضعّفين إلى روايات غيرهم في المراسيل لا تختلف بمقدار يعتد به عن نسبتها في المسانيد، فلا محل للخدش في البيان المذكور من هذه الجهة.

(الخامس): أن ما ذكر من حصول الاطمئنان بحساب الاحتمالات إنما يتم لو لم تلاحظ خصوصية من روى عنه الواسطة المحذوفة أو المبهمة وأما مع ملاحظتها فلا يحصل الاطمئنان في كثير من الحالات.

مثلاً: لابن أبي عمير عشر روايات في الكافي عن إسحاق بن عمار مع تعيين الواسطة بينهما، والواسطة في واحدة هو الحسين بن أحمد المنقري المضعّف، وفي الباقي آخرون كحفص بن البختري ومحمد بن أبي حمزة والحسين بن عثمان ومنصور بن يونس وإسماعيل بن عمار وعقبة بن محرز وعلي بن إسماعيل، وله ثلاث مراسيل عن إسحاق بن عمار أيضاً، وعلى ذلك فاحتمال كون المنقري هو الوسيط بينهما في كل واحدة منها هو (10%)، مما يعني عدم الاطمئنان بخلافه.

وأيضاً لابن أبي عمير ما يناهز ثلاثين رواية في الكافي عن أبي بصير مع تعيين الواسطة بينهما وهو في الجميع غير عبد الرحمن بن سالم الأشل المضعف الذي روى عنه ابن أبي عمير في بعض الأسانيد، ولكن المذكور في ترجمة الرجل أنه كان قد روى عن أبي بصير، فاحتمال أن يكون هو الوسيط في بعض مراسيل ابن أبي عمير عن أبي بصير مما لا يمكن الاطمئنان بخلافه فتدبر.

نعم لابن أبي عمير روايات كثيرة عن زرارة مع الواسطة، وربما تزيد على مائة وأربعين رواية وبعضها مراسيل، وقد توسط بينهما الحسين بن أحمد المنقري في رواية واحدة فقط، وعلى ذلك يكون احتمال توسطه بينهما في بعض المراسيل احتمالاً ضعيفاً لا يعتدّ به.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:55.

27

وأيضاً لابن أبي عمير روايات كثيرة جداً بواسطة واحدة عن الإمام الصادق (عليه السلام) والمضعّف من الوسائط بينهما واحد أو اثنان، فيمكن استحصال الاطمئنان بعدم كون الواسطة المحذوفة أو المبهمة في بعضها أحد المضعّفين.

والحاصل: أن إعمال حساب الاحتمالات في مفروض الكلام لا يجدي إلا جزئياً، ولا يثمر في كثير من الموارد إذا لوحظت ــ كما يلزم ــ خصوصية من يروي عنه الواسطة المحذوفة أو المبهمة.

ثم إنه بناءً على حجية مراسيل ابن أبي عمير فان الحجية تختص بمراسيله بواسطة واحدة ولا تشمل ما إذا كانت بواسطتين، كما أوضحته في موضع آخر (1).

وعلى ذلك فإن احرز أن الواسطة المحذوفة أو المبهمة واحدة فلا اشكال، وأما مع احتمال تعددها (2) فلا سبيل إلى البناء على اعتبارها كما هو ظاهر.

ولكن يمكن أن يقال: إن هذا الاحتمال على خلاف الظاهر، فإن المنساق من قوله: (عن بعض أصحابنا) أو (عن رجل) أو (عمن ذكره) أو نحو ذلك هو كون الواسطة المبهمة رجلاً واحداً لا أزيد، وإلا لكان المناسب أن يقول: (عن بعض أصحابنا عمن ذكره) أو شبه ذلك كما ورد في روايات غيره (3).

نعم يمكن أن يقال: إن هناك أموراً عديدة تثير الريب في كون جميع مراسيل ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام) المشتملة على التعابير المذكورة من قبيل المراسيل بواسطة واحدة..

منها: عدم العثور على رواية له مزدوجة الإرسال على النحو المذكور في شيء من المصادر مع أن له روايات كثيرة بواسطتين عن الإمام (عليه السلام) وقد تكون مرسلة في إحداهما، كأن يقول: (إبراهيم بن عبد الحميد عن رجل) أو (محمد بن

____________

(1) لاحظ ص:45.

(2) كما في رواياته عن الصادق (عليه السلام) فإنه يروي عنه بواسطة واحدة وتكون الواسطة من أحداث أصحابه (عليه السلام)، ويروي عنه (عليه السلام) بواسطتين وتكون الأولى من أحداث أصحابه (عليه السلام) والثانية من كبارهم.

(3) لاحظ المحاسن ج:1 ص:210،ج:2 ص:524، والكافي ج:1 ص:454، ج:2 ص:320.

28

أبي حمزة عن رجل) أو (عن بعض أصحابنا عن إسحاق بن عمار) أو (عن بعض أصحابه عن ذريح) ونحو ذلك.

فكيف لم يقع الإرسال في كلتا الواسطتين في شيء من الموارد، مع أن السبب الذي ذُكر لإرسال رواياته وهو تلف كتبه يقتضي وقوع الإرسال في كلا القسمين من رواياته عن الصادق (عليه السلام)، أي ما كانت بواسطة واحدة وما كانت بواسطتين.

ومنها: ورود مراسيل له عن الباقر (عليه السلام) بنفس التعبير المستخدم في مراسيله عن الصادق (عليه السلام)، مع أنها لا تكون إلا مزدوجة الإرسال، لاقتضاء الطبقة عدم روايته عنه (عليه السلام) إلا بواسطتين.

ومن ذلك ما رواه الكليني (1) بإسناده عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه قال: (عطس رجل عند أبي جعفر (عليه السلام)..)، وما رواه (2) أيضاً بإسناده عنه عن بعض أصحابه قال: (شكا الأبرش الكلبي إلى أبي جعفر..)، وما رواه الشيخ (3) بإسناده عنه عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قال لرجل..).

ومنها: أن بعض مراسيله عن الصادق (عليه السلام) قد رويت أيضاً مسندة إليه (عليه السلام) بواسطتين.

ومن ذلك أن الكليني (4) روى بإسناده عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى...

ورواه الصدوق (5) بإسناده عن ابن أبي عمير عن ابن أبي حمزة عن عبد الأعلى قال: (سألت جعفر بن محمد عن قول الله..).

وروى الشيخ (6) بإسناده عن ابن أبي عمير عن رجل من أصحابنا قال:

____________

(1) الكافي ج:2 ص:654.

(2)الكافي ج:6 ص:8.

(3) تهذيب الأحكام ج:6 ص:73.

(4) الكافي ج:6 ص:436.

(5) معاني الأخبار ص:349.

(6) تهذيب الأحكام ج:7 ص:463.

29

سمعته يقول: ((لا يحلّ لأحد..)).

ورواه الصدوق (1) بإسناده عن ابن ابي عمير عن أبان عن حماد قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:..).

فيظهر من ذلك أن ابن أبي عمير لم يكن مقيداً بأن يشير إلى ازدواج الإرسال في موارده باستخدام التعبير المناسب لذلك بل يستخدم فيها أيضاً التعبير المستخدم في موارد الإرسال بواسطة واحدة، فجميع مراسيله عن أبي عبد الله (عليه السلام) من موارد الشبهة المصداقية للمرسل بواسطتين فلا يمكن البناء على حجيتها.

هذا ولكن يمكن الجواب عن الأمور المذكورة..

أما الأول فبأن استبعاد أن لا يكون لابن أبي عمير روايات مزدوجة الإرسال إلى الصادق (عليه السلام) وإن كان في محله، ولكن من المحتمل أنه كانت طريقته في مثل ذلك هي رفع السند إليه (عليه السلام) لا الإرسال بإبهام واسطتين (2)، وهذا متداول (3) في رواياته في مجاميع الحديث، فلاحظ.

____________

(1) علل الشرائع ج:2 ص:590.

(2) ويؤيد ذلك أنه قد لوحظ أن ابن أبي عمير لم يترك التعريف بالواسطة بينه وبين الإمام (عليه السلام) مهما أمكنه ذلك ولو تعريفاً ناقصاً بذكر نسبته إلى قبيلة معينة أو مكان معين أو ممارسة لمهنة خاصة (الكافي ج:2 ص:60، 331، 638، ج:5 ص:285). كما أنه كان يحاول أن يُعرِّف به ولو احتمالاً إذا تيسّر له ذلك (التهذيب ج:1 ص:414، ج:2 ص:338. ثواب الأعمال ص:116. كامل الزيارات ص:335).

وعلى ذلك فمن البعيد جداً إقدامه على إيراد ما كان مزدوج الإرسال بصورة المرسَل بواسطة واحدة.

خصوصاً وأن التعبير عن الإرسال المزدوج كان متداولاً عند الأصحاب بصياغته المناسبة، وهي: (بعض أصحابنا عمن ذكره) أو نحوها (راجع الكافي ج:1 ص:454، ج:2 ص:497، ج:6 ص:18، 423، 531، وغيرها).

وعلى هذا يقرب احتمال اختياره رفع السند متى لم يجد ما يكون معرِّفاً لإحدى الواسطتين أصلاً، وذلك من باب الاختصار، فتدبر. (المقرّر)

(3) الكافي ج:6 ص:333، 439. الخصال ص:39، 109، 247، 487.

30

وأما الثاني فبأنه لو ثبت عدم إدراك ابن أبي عمير أياً من أصحاب الباقر (عليه السلام) وإن كان معمراً فيمكن أن يعدّ ذلك قرينة على وقوع الإرسال بحذف الواسطة فيما رواه بعض مشايخ ابن أبي عمير له عن الباقر (عليه السلام)، ولا يتعيّن أن يكون من جهة استخدام ابن أبي عمير لتعبير (بعض أصحابنا) ــ مثلاً ــ في مورد الإرسال المزدوج، ليتطرق احتمال ذلك في موارد إرساله عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضاً.

وأما الثالث فبأنه لم يُتأكد اتحاد الروايتين المرسلة والمسندة في الموردين المذكورين، ولا سيما مع وجود بعض الاختلاف بين النصين.

وبالجملة: احتمال تعدد الرواية في ذينك الموردين قائم فلا شاهد فيهما للمدعى المذكور، فتدبر.

فالنتيجة: أن الخدش في حجية مراسيل ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام) استناداً إلى ما ذكر غير وجيه.

2 ــ حجية مراسيل ابن ابي نصر (1)

لأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عدد من الروايات المرسلة في جوامع الحديث، ومنها ما رواه الشيخ (2) بإسناده المعتبر عنه عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله فطاف في ثوبه. فقال: ((أجزأه الطواف فيه ثم ينزعه ويصلي في ثوب طاهر)).

وقد تعرض السيد الأستاذ (قدس سره) (3) لهذه الرواية وقال: إنها مرسلة وحينئذٍ لا تنهض لمعارضة ما دل على خلافها.

ولكن لما كان الشيخ (قدس سره) قد شهد ــ في كتاب العدة (4) ــ بأن ابن أبي نصر

____________

(1) بحوث في شرح مناسك الحج ج:15 (مخطوط).

(2) تهذيب الأحكام ج:5 ص:126.

(3) مستند الناسك في شرح المناسك ج:1 ص:325.

(4) العدة في أصول الفقه ج:1 ص:154.

31

من الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة يتجه ــ من حيث المبدأ ــ الاعتماد على مراسيله.

نعم هناك إشكال تقدم التعرض لنظيره في مراسيل ابن أبي عمير، وهو أن ابن أبي نصر قد روى عن عدة أشخاص ورد تضعيفهم من طرق أخرى، ولا ترجيح لتوثيقه على ما يعارضه من التضعيف فتسقط رواياتهم عن الاعتبار، وبالنظر إلى احتمال كون الواسطة المحذوفة أو المبهمة في المراسيل أحدهم، يتعذر إحراز كون الرواية المرسلة مروية بطريق الثقات، فلا سبيل إلى الاعتماد عليها.

والجماعة الذين أُدعي أن ابن أبي نصر روى عنهم ممن ضعفوا من طرق أخرى هم ــ كما ذكر البعض (1) ــ خمسة من الرواة: الحسن بن علي بن أبي حمزة، وعبد الله بن محمد الشامي، وعبد الرحمن بن سالم، وعلي بن أبي حمزة، والمفضل بن صالح، ويضاف إليهم: المفضل بن عمر الجعفي المذكور روايته عنه في بعض الاسانيد.

ولكن الصحيح أن بعض هؤلاء ممن لم تثبت رواية ابن أبي نصر عنه كالحسن بن علي بن أبي حمزة، فإن مستند روايته عنه هو ما رواه الشيخ (2) بإسناده عن ابن أبي نصر عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: إن أبي هلك وترك جاريتين قد دبّرهما وأنا ممن أشهد لهما، وعليه دين كثير فما رأيك؟ فقال: ((رضي الله عن أبيك ورفعه مع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهله، قضاء دينه خير له إن شاء الله)).

ولكن لا بد من الجزم بوقوع اشتباه في هذه الرواية، فإنه لا يمكن أن يكون الراوي لها هو الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني، إذ إن أباه كان من رؤوس الواقفة وقد هلك بعد الإمام الكاظم (عليه السلام)، فينبغي أن يكون المراد بأبي الحسن هو الإمام الرضا (عليه السلام)، ولكن كيف يسأل الحسن بن علي بن أبي حمزة الإمام الرضا (عليه السلام) عن حكم شرعي مع أنه ــ كأبيه ــ كان يناصبه العداء ولا يؤمن

____________

(1) مشايخ الثقات ص:42.

(2) تهذيب الأحكام ج:8 ص:262.

32

بإمامته؟! وكيف يقول (عليه السلام) في علي بن أبي حمزة: (إنه رضي الله عن أبيك ورفعه..)؟ بل قد قال (1) فيه عندما أبلغ خبر هلاكه بأنه قد دخل النار.

وبالجملة: لا ينبغي الريب في عدم صحة الرواية المذكورة (2)، فلا يمكن أن تثبت بها رواية البزنطي عن الحسن بن علي بن أبي حمزة الضعيف.

كما أن عبد الله بن محمد الشامي الذي روى عنه ابن أبي نصر ليس هو الذي حكم بضعفه لكونه ممن استثنوا من رجال نوادر الحكمة، فإن ذاك يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري مباشرة فلا يمكن أن يكون من مشايخ أحمد بن محمد بن أبي نصر، فإذاً هو شخص آخر لم يثبت تضعيفه.

وأما علي بن أبي حمزة البطائني فيبدو أنه كان له دور استقامة قبل أن ينحرف ويقف على الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وقد تحمل ابن أبي نصر عنه الحديث آنذاك، ولم يرو عنه إلا ما تحمله من قبل، وهو جائز فإن العبرة كما هو واضح بدور التحمل لا بدور الأداء، فليتأمل.

وأما المفضل بن عمر الجعفي المذكور رواية ابن أبي نصر عنه في بعض الأسانيد (3) فهو مصحف المفضل بن صالح، لأنه روى فيه عن جابر بن يزيد، والذي يروي عنه إنما هو المفضل بن صالح دون المفضل بن عمر.

فالنتيجة: أنه لا يبقى من الستة المذكورين سوى المفضل بن صالح وعبد الرحمن بن سالم، والملاحظ أن عدد مشايخ ابن أبي نصر يُناهز المائة، فنسبة المضعف منهم ضئيلة جداً، كما أن رواياته في جوامع الحديث كثيرة ربما تبلغ الألف أو يزيد على ذلك وعدد رواياته عن المضعفين ربما لا يبلغ العشرين، فالنسبة ضئيلة أيضاً ــ على تأمل يحتاج إلى مزيد من التحقيق ــ و على ذلك يمكن

____________

(1) اختيار معرفة الرجال ج:2 ص:742.

(2) يحتمل أن يكون قوله: (الحسن بن) زيادة في السند المذكور، فالمروي عنه هو علي بن أبي حمزة والمتوفى هو سالم والده، والرواية عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) فيندفع الإشكال.

(3) الأمالي للصدوق ص:396. الأمالي للطوسي ص:437.

33

استحصال الاطمئنان بحساب الاحتمال بأن الواسطة المبهمة أو المحذوفة في مراسيل ابن أبي نصر لا تكون من المضعفين.

3 ــ حجية مراسيل الصدوق (قدس سره) (1)

كتاب (من لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي (رضوان الله عليه) من أهم جوامع الحديث عند الإمامية، ولكنه يشتمل على عدد كبير من المراسيل قيل إنها تزيد على ثلث الأحاديث الواردة فيه (2)، وقد ذهب جمع من الأصحاب إلى حجيتها على قولين..

(الأول): حجيتها مطلقاً، وهذا ما يظهر من غير واحد، منهم الشيخ البهائي حيث قال بعد إيراد بعضها: إنه من مراسيل الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه)، وقد ذكر (رحمه الله) أن ما أورده فيه فهو حاكم بصحته ومعتقد به حجة في ما بينه وبين الله تعالى، فينبغي أن لا تقصر مراسيله عن مراسيل ابن أبي عمير وأن تعامل معاملتها ولا تطرح بمجرد الإرسال (3).

(الثاني): حجية ما كان مسنداً منها إلى المعصوم بصيغة جزمية دون غيره، وهذا ما ذهب إليه السيد المحقق الداماد (قدس سره) حيث علّق على كلام من استدل على حجية المرسل مطلقاً بأنه لو لم يكن الوسيط الساقط عدلاً عند المرسل لما ساغ له إسناد الحديث إلى المعصوم.. علّق بقوله: (إنما يتم ذلك إذا كان الإرسال بالإسقاط رأساً والإسناد جزماً كما لو قال المرسل: (قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ) أو: (قال المعصوم (عليه السلام) ذلك)، وذلك مثل قول الصدوق عروة الإسلام (رضي الله عنه) في الفقيه: قال (عليه السلام) : الماء يطهِّر ولا يطهَّر، إذ مفاده الجزم أو الظن بصدور الحديث عن المعصوم فيجب أن تكون الوسائط عدولاً في ظنه وإلا كان الحكم

____________

(1) بحوث فقهية ص:420.

(2) مستدرك الوسائل (الخاتمة) ج:5 ص:500.

(3) الحبل المتين ص:12ــ11.

34

الجازم بالإسناد هادماً لجلالته وعدالته) (1).

وقد ارتضى هذا التفصيل المحقق النائيني والسيد الأستاذ في بعض دوراته الأصولية وغيرهما (2) (قدّس الله أسرارهم).

ولكن ما ذُكر في تقريب كلا القولين ضعيف..

أما الأول فلأنه ليس مبنى حكم الصدوق (قدس سره) بصحة أحاديث كتابه هو وثاقة الوسائط بينه وبين المعصوم (عليه السلام) في كل واحدٍ منها ــ كما سيأتي توضيحه (3) ــ بل مبناه ما حصل له من الاطمئنان بصحتها بمقتضى الشواهد والقرائن على اختلاف أنحائها، فلا يصح قياس مراسيله بمراسيل ابن أبي عمير التي مبنى حجيتها ــ كما صرح به الشيخ الطوسي (قدس سره) ــ هو كونه ممن عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة.

وأما الثاني فلأن جزم الصدوق أو اطمئنانه بصدور الرواية من المعصوم (عليه السلام) يجوز أن يكون مستنداً إلى أمر اجتهادي ــ كما أشير إليه آنفاً ــ فلا يقوم حجة على غيره.

هذا ويمكن تقريب القول الثاني المذكور مبنياً على أمرين..

(أحدهما): أن إخبار الشيخ الصدوق بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال كذا وإن لم يحتمل أن يكون إخباراً حسياً، للفاصل الزمني بينه وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن يحتمل أن يكون منتهياً إلى الحس بأحد وجهين..

(أ) أنه بلغه على سبيل التواتر في جميع طبقات الرواة، وهذا محتمل جداً في بعض الأخبار كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((حفّوا الشوارب واعفوا اللحى)) بالنظر إلى وروده من طرق كثير من رجال العامة.

(ب) أنه وصله عن طريق ثقة عن ثقة، والخبر المنقول بطريق الثقات في

____________

(1) الرواشح السماوية ص:174.

(2) مستدرك الوسائل (الخاتمة) ج:5 ص:499. كتاب الصلاة ج:2 ص:262. دراسات في الأصول العملية ج:3 ص:322. كتاب البيع ج:2 ص:468.

(3) لاحظ ص:36.

35

جميع الطبقات وإن كان حدسياً في الحقيقة، لأن كبرى حجية خبر الثقة كبرى اجتهادية نظرية، ولكن حيث إنها مما ثبتت ببناء العقلاء فيكون الخبر المبني عليها ملحقاً بالخبر الحسي، وأما صغرى كون الراوي الفلاني ثقة فهي وإن كانت اجتهادية بالنسبة إلى قسمٍ من الرواة إلا أنها غير اجتهادية بالنسبة إلى قسم آخر للاتفاق على وثاقتهم، ويحتمل أن يكون الثقة الراوي للخبر من هذا القسم الثاني.

ولمثل هذا الوجه الثاني اعتمد السيد الأستاذ (قدس سره) على توثيقات الرجاليين لمن لم يكونوا من معاصريهم (1).

(ثانيهما): أن بناء العقلاء قائم على أن الإخبار في الأمور الحسية إذا شك في كونه مستنداً إلى الحسّ أو الحدس يعامل معه على كونه مستنداً إلى الحس.

مثلاً: إذا أخبر أحد عن مجيء زيدٍ أو أنه قال كذا، واحتمل اعتماده في ذلك على غير حاسة البصر في المجيء وغير حاسة السمع في القول ــ بأن اعتمد على بعض القرائن والمناسبات ــ يبنى على كون خبره عن المجيء والقول حسياً، وكذلك إذا أخبر أن النبت الكذائي زكي الرائحة والطعام الكذائي طيب الطعم والنسيج الكذائي خشن الملمس فإنه يبنى على كون إخباراته حسية لا حدسية.

وبضم هذا الأمر إلى الأمر الأول ينتج صحة الاعتماد على مراسيل الصدوق (قدس سره) وغيره من الأكابر إذا كانت بصيغة جزمية لا بصيغة (روي) ونحوها.

ولكن يمكن مناقشة التقريب المذكور من عدة وجوه..

1 ــ إن تفريق الصدوق (رحمه الله) في مراسيله باستخدام الصيغة الجزمية للانتساب في بعضٍ منها دون بعض لا يبتني على أساس أن القسم الأول قد وصل إليه بطريق التواتر أو مروياً عن الثقات بالاتفاق دون القسم الثاني، بل التفريق المذكور مبني على ضرب من التفنّن في التعبير.

والوجه في ذلك..

____________

(1) لاحظ معجم رجال الحديث ج:1 ص:36.

36

أولاً: النقض بمسانيده (قدس سره)، فإنه يفرّق فيها أيضاً بمثل ذلك، فيقول تارة: (روى العلاء عن محمد بن مسلم) (1) ويقول تارة أخرى: (روي عن العلاء عن محمد بن مسلم) (2) مع أن السند إلى العلاء واحد في المشيخة (3)، وهكذا بالنسبة إلى الكثير من الرواة الآخرين كما يُعلم بالتتبع.

وثانياً: أنه توجد في الفقيه مئات المراسيل المروية بصيغة جزمية، ومن المؤكد أن جميعها لم تصل إلى الصدوق (قدس سره) بطريق التواتر أو بطريق الثقات بالاتفاق، ويتضح ذلك بمقارنة ما ورد منها في المصادر الأخرى كالكافي والتهذيبين، فإنه يلاحظ ورود جملة منها في الكافي ــ مثلاً ــ بمثل ما وردت فيه الأحاديث الأخرى من حيث صحة السند أحياناً وضعفه أو إرساله أو نحو ذلك من العلل في أحيان أخر، ولا يحتمل أن تكون تلك المراسيل قد تيسّر للصدوق الاطلاع على طرق لها متواترة أو مشتملة على الثقات بالاتفاق ولم يتيسّر ذلك للكليني وهو الأقدم منه والأوسع اطلاعاً وتتبعاً.

والحاصل: أنه لا ينبغي الشكّ في أن التعابير المستخدمة في الفقيه من قوله: (روى أو روي أو في رواية ونحو ذلك) ليس الاختلاف بينها إلا من جهة التفنن في التعبير لا من جهة عناية الصدوق (قدس سره) في كون المروي بلفظ: (روى أو سأل أو قال) ونحوها مرويّاً بالتواتر أو بطريق الثقات بالاتفاق في جميع الطبقات.

2 ــ إن ما ذُكر في الأمر الأول من أن الخبر المروي بطريق الثقات بالاتفاق ملحق بالخبر الحسّي غير تام، إلا بناءً على حجية خبر الثقة ببناء العقلاء، وأما على القول بحجية الخبر الموثوق به خاصة ــ كما هو الصحيح وعليه معظم القدماء ومنهم الصدوق (رحمه الله) (4) ــ أو على القول بحجية خبر الثقة تأسيساً

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج:1 ص:228.

(2) من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:102.

(3) من لا يحضره الفقيه ج:4 (المشيخة) ص:57.

(4) ربما يقال: إن الصدوق (قدس سره) يعتبر وثاقة الراوي في الاعتماد على الرواية.

ويستشهد لذلك بأُمور عمدتها..

(أ) قوله كما ورد في فهرست الشيخ: (وقد رويت عنه كل ما في كتاب المنتخبات مما أعرف طريقه من الرجال الثقات) بدعوى أنه يدل على تجنبه رواية أحاديث الأشخاص الضعفاء فضلاً عن العمل بها.

أقول: ذكر الصدوق نفسه في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) في ذيل بعض الروايات ما لفظه: (كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه) سيء الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث وإنما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لأنه كان في كتاب الرحمة وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي).

ويظهر من هذه العبارة أن الصدوق (قدس سره) كما يروي أحاديث الأشخاص الثقات كذلك يروي أحاديث الضعفاء إذا عُرضت على شيخه ابن الوليد فلم ينكرها ورواها له.

ويتضح مما ذكره في مواضع من فهرسته أنه كان يروي أحاديث الضعفاء إذا خلت عن التخليط والغلو ولم تكن مما انفردوا بها، فقد روى كتب محمد بن علي الصيرفي أبي سمينة باستثناء ما كان فيها من تخليط أو غلو أو تدليس أو ينفرد به ولا يعرف من غير طريقه كما روى كتب محمد بن سنان إلا ما كان فيها من تخليط وغلو، وأيضاً ذكر بشأن محمد بن عيسى بن عبيد أنه لا يروي ما يختص بروايته واستثنى من روايات محمد بن أحمد بن يحيى ما كان فيها من تخليط معيِّناً ذلك في روايات عدد من الضعفاء والروايات المرسلة.

وفي ضوء ذلك يتبيّن أنه ليس مقصوده (قدس سره) بما ذكره بشأن كتاب المنتخبات لسعد بن عبد الله هو اقتصاره على رواية ما ورد فيها من أحاديث الثقات، فإن هذا خلاف منهجه في سائر الكتب والروايات، بل إنه لما روى جميع كتب سعد عن طريق ابن الوليد استثنى منها كتاب المنتخبات حيث لم يتيسّر له قراءة جميعه على ابن الوليد، فروى عنه ما قرأه عليه من الأجزاء ثم قال: (وقد رويت عنه كلّ ما فيه مما أعرف طريقه من الرجال الثقات) فيبدو أنه قصد بذلك أنه استجازه ــ من غير قراءة ــ في رواية سائر ما فيه من روايات الثقات، وإنما اقتصر على رواياتهم لاحتمال اشتمال غيرها على التخليط والغلو والتدليس أو انفراد صاحبها بها مما لم يكن في وسعه التعرّف عليه في تلك المرحلة من دراسته فآثر عدم رواية ما يحتمل فيه ذلك.

(ب) قوله في الفقيه: (وأما خبر صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور فيه لمن صامه فإن شيخنا محمد بن الحسن (رضي الله عنه) كان لا يصححه ويقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني وكان غير ثقة وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ (قدس الله روحه) ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح)، فيُدعى أن هذا القول ظاهر في اعتبار الوثاقة في قبول الرواية وإن لم يكن صريحاً في ذلك.

(أقول): إن عدم تصحيح ابن الوليد الرواية الخاصة بصلاة الغدير لم يكن لمجرد عدم وثاقة محمد بن موسى الهمداني، بل من جهة انفراده بها كما فهم من قوله: (ويقول إنه من طريق محمد بن موسى) ومبنى ابن الوليد ــ وقد تبعه فيه الصدوق ــ ردّ الرواية التي ينفرد بها غير الثقة، وأين هذا من اعتبار الوثاقة في قبول الخبر؟!

(ج) إن النجاشي لما ذكر أن ابن الوليد استثنى من مرويات محمد بن أحمد بن يحيى ما رواه عن جماعة معيّنين قال: (قال أبو العباس ابن نوح: وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه وتبعه أبو جعفر بن بابويه (رحمه الله) على ذلك إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد فلا أدري ما رابه فيه لأنه كان على ظاهر العدالة والوثاقة) ومحل الشاهد الجملة الأخيرة، حيث يدعى أنها تدل على أن السبب وراء رد رواية محمد بن عيسى بن عبيد هو عدم وثاقته، فيفهم من ذلك أنه لا يعتد بالرواية التي لم تثبت وثاقة راويها.

(أقول): إن الذي استثناه ابن الوليد وتبعه في ذلك الصدوق هو ما ينفرد به محمد بن عيسى بن عبيد إما مطلقاً أو ما ينفرد به عن خصوص يونس بن عبد الرحمن، وهذا لا يعني اعتباره وثاقة الراوي في قبول روايته كما لعلّه واضح.

37

-

38

في الشرع الحنيف بدلالة النصوص عليها كما قال به بعضٌ فلا يتمّ الإلحاق المذكور كما هو واضح.

3 ــ إذا صح ما ادعي من بناء العقلاء على اعتبار الخبر حسّياً إذا كان وارداً في الحسّيات ما لم يثبت خلافه فإنما يصح ذلك فيما إذا احتمل كونه بلا واسطة، وأما الخبر مع الواسطة المحتمل انتهاؤه إلى الحسّ بنقل ثقة عن ثقة فلا تصح دعوى بناء العقلاء فيه على ذلك.

والوجه فيه: أنه بناءً على حجّية خبر الثقة ببناء العقلاء فالحجة عندهم أمران: خبر الثقة والخبر الموثوق به، وبالأحرى الوثوق الحاصل بصحة الخبر من خلال القرائن والمناسبات، وحيث إنه ليس بناء الناس في إخباراتهم عن الوقائع التي لا تكون محسوسة لهم الاعتماد على خصوص خبر الثقة بل في كثير من الأحيان يعتمدون على الخبر الموثوق به وإن لم يثبت وثاقة راويه فلا وجه لحمل الخبر على كونه عن طريق الثقات ليكون ملحقاً بالخبر الحسّي.

هذا مضافاً إلى أن وثاقة الوسائط لا تكون في الغالب واضحة تماماً وموضعاً للاتفاق، فكم من رجلٍ ثقةٍ عند كثيرين قد طعن فيه جمعٌ قليل، ودعوى بناء العقلاء في الخبر المروي مرسلاً بطريق الرواة الثقات على كون جميع رواته من الثقات المعروفين بالوثاقة بحيث لا يكون مجال لأحدٍ للطعن فيهم

39

حتى فيما شك في كونهم من هذا القبيل دعوى باطلة لا شاهد عليها في بناء العقلاء أصلاً.

4 ــ إنه لو سُلّم أن بناء العقلاء على معاملة مثل هذا الخبر معاملة الخبر الحسّي ولكنه لا يزيد في كل الأحوال على كونه خبراً مرسلاً، ويحتمل أن يكون في الوسائط رجل مطعون عليه من طريقٍ آخر، فكيف يمكن نفي هذا الاحتمال والاعتماد على الخبر، نظير ما لو قال: حدثني الثقة، ولم يسمّه فإنه يواجه الإشكال نفسه.

وقد يجاب عن هذا الوجه من جهتين..

أحدهما: أن الشهادة المعاكسة لا تمنع بوجودها الواقعي عن حجية الشهادة بالوثاقة بل بوصولها وهو مفروض العدم، فإن الموجب لسقوط إطلاق دليل الحجية عن الشمول للمتعارضين ينحصر في حكم العقل بامتناع جعل الحجية لهما، ومن المعلوم أن الممتنع إنما هو جعل الحجية لهما مع وصولهما إلى المكلف وأما مع وصول الشهادة بالوثاقة فقط دون الشهادة بنفيها فلا مانع من أن يشملها دليل حجية شهادة العادل.

ثانيهما: أنه لو سُلّم أن الشهادة المعاكسة بوجودها الواقعي تمنع من ثبوت الحجّية للشهادة بالوثاقة إلا أنه يمكن نفي وجود الشهادة المعاكسة بالأصل، نظراً إلى أن الموضوع للحجية مركب من أمرين: وجودي وهو الشهادة بالوثاقة وعدمي وهو عدم المعارض الملحوظ على نحو العدم المحمولي، فبأصالة عدم المعارض يلتئم الموضوع المركب ويترتب حكمه.

ولكن هذا الجواب غير تام..

أما ما ذُكر في الجهة الأولى فلأنه يمكن أن يقال: إن التنافي قائم بين شمول دليل حجية شهادة العادل للشهادة المثبتة والنافية بغض النظر عن وصولهما إلى المكلف، لأن شمول دليل الحجية للشهادةِ بوثاقة فلان يعبر ــ بلحاظ ما كان وسيطاً في روايته من الأحكام الإلزامية ــ عن اهتمام الشارع المقدس بملاكات

40

أحكامه الإلزامية، وشموله للشهادة بعدم وثاقته يعبر عن عدم اهتمامه بها، ولا يمكن الجمع بين الأمرين، فليتأمل.

وأما ما ذكر في الجهة الثانية فلأن الدليل على تقييد موضوع الحجية بعدم المعارض إنما هو دليل لبّي فلا يتعين أن يكون العنوان المأخوذ فيه على النحو المذكور ليتسنى الرجوع إلى الأصل العدمي عند الشك في وجود المعارض، بل يجوز أن يكون على نحو آخر بأن تكون الحجة هي الشهادة بالوثاقة غير المعارضة بغيرها على نحو العدم النعتي، وبناءً عليه لا يمكن الرجوع إلى الأصل حتى على القول بجريانه في الأعدام الأزلية لكونه مثبتاً في المقام.

نعم يمكن أن يقال: إن بناء العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال وجود المعارض مما يكشف عن كون الموضوع لجعل الحجية مأخوذاً على نحو يمكن إحرازه بأصالة عدم المعارض، فتأمل.

ولكن القدر المتيقن من بناء العقلاء على ذلك ما إذا لم تكن الشهادة بالوثاقة في معرض الابتلاء بالمعارض وإلا لم يؤخذ بها إلا بعد الفحص عن المعارض والتأكد من عدمه، وعلى ذلك لو أخفى الشاهد بالوثاقة هوية المشهود له بها بحيث تعذر الفحص عن وجود المعارض لشهادته لم يعتمد عليها، ومن هنا لو أشار عدل إلى جمع وفيهم بعض المطعونين قائلاً: (إن شخصاً من هؤلاء وأشهد بوثاقته قال: كذا) لم يؤخذ بشهادته بالوثاقة إلا أن يعلم أن الموثق ليس ضمن من ورد الطعن فيهم من طريق آخر.

فالنتيجة: أن الشهادة بوثاقة الراوي غير المعلوم بشخصه مما لا يمكن الاعتماد عليها مع احتمال كونه ممن ورد الطعن عليه من طريق يعتمد عليه.

هذا ولكن التحقيق أن هذا الوجه الرابع للإشكال وإن كان صحيحاً في حدّ نفسه إلا أنه غير تام في محل الكلام، لأنه بعد البناء على كبرى معاملة الخبر الوارد في الحسيات معاملة الخبر الحسي وإن احتمل كونه حدسياً على سعة هذه الكبرى وإطلاقها لا وجه للمناقشة من جهة كون الخبر مرسلاً.

41

والوجه في ذلك: أن مقتضى الكبرى المذكورة أن الخبر الواصل مع الواسطة قد وصل إما بطريق التواتر أو بطريق الثقات بالاتفاق، ومتى بني على ذلك فلا معنى للمناقشة في حجية مثل هذا الخبر بالإرسال لاحتمال كون بعضهم مطعونين.

وبالجملة: إنما تصح المناقشة بما ورد في الوجه الثالث من أنه ليس بناء العقلاء على معاملة الخبر مع الواسطة معاملة الخبر الحسي مطلقاً، وأما مع القبول بهذه الكبرى على سعتها فلا مجال للمناقشة في المورد بالإرسال، فلاحظ.

فظهر من جميع ما تقدم أن ما ذهب إليه جمع من حجية مراسيل الصدوق وأضرابه إذا كانت بصيغة جزمية في النسبة إلى المعصوم (عليه السلام) مما لا يمكن الموافقة عليه، والله العالم.

4 ــ حجية مراسيل محمد بن أبي حمزة (1)

روى الكليني (قدس سره) (2) بإسناده عن ابن أبي عمير عن محمد بن أبي حمزة عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((مازاد على القبضة ففي النار يعني اللحية)).

وهذه الرواية مرسلة، ولكن يمكن تقريب الاعتماد عليها بوجهين..

(الوجه الأول): أن مشايخ محمد بن أبي حمزة الثمالي كثيرون، يتجاوز عددهم أربعين رجلاً في ما بأيدينا من الأحاديث، والملاحظ أن جميعهم من الثقات عدا شخصين (3) لم تثبت وثاقتهما وهما: (علي بن سعيد) و(علي بن

____________

(1) بحوث فقهية ص:290.

(2) الكافي ج:6 ص:487.

(3) هذا على أساس وثاقة أبي الصباح صبيح بن عبد الله لرواية ابن أبي عمير وصفوان عنه وهكذا وثاقة سفيان بن السمط لرواية ابن أبي عمير عنه، وأيضاً وثاقة مرة مولى محمد بن خالد وأبي الجارود، وكون الحضرمي هو أبو بكر الحضرمي والبناء على وثاقته، ووثاقة عبد الملك بن عتبة الهاشمي اعتماداً على نقل ابن داود ذلك عن رجال الشيخ حيث كانت نسخته بخط الشيخ عنده، ولكن بعض ما ذكر محل تأمل أو منع.

42

الحزور) وقد وردت روايته عنهما في موضعين من التهذيب (1).

وهناك أناس ضعفاء أو غير موثقين وردت روايته عنهم بطرقٍ ضعيفة وهم داود الرقي (2) وعثمان الأصفهاني (3) ومحمد بن وهب (4) ومحمد بن يزيد (5) وهؤلاء لا يعدون من مشايخ ابن أبي حمزة لعدم ثبوت روايته عنهم.

وفي ضوء ذلك يمكن أن يقال: إن احتمال كون الواسطة المبهمة في الرواية المبحوث عنها من غير الثقات احتمال ضعيف جداً فلا يعتدّ به، لأن نسبة عدد غير الموثق من مشايخ ابن أبي حمزة بالنظر إلى مجموع مشايخه نسبة ضئيلة، فمقتضى حساب الاحتمالات أن يكون احتمال توسط الضعيف في مراسيله احتمالاً ضئيلاً أيضاً، فلا يعتنى به عند العقلاء لحصول الاطمئنان بخلافه.

ولكن هذا الكلام غير تامٍ، فإن احتمال كون الواسطة في كل من مراسيل ابن أبي حمزة أحد الاثنين غير الموثقين هو (5%) أي أن احتمال أن يكون من الثقات هو بنسبة (95%)، وهذا أقل من درجة الاطمئنان.

مضافاً إلى أنه لا يمكن إلغاء احتمال روايته عن الضعفاء أو غير الموثقين الأربعة وإن كانت الطرق إليهم مخدوشة، فإنها في كل الأحوال تؤثر سلباً في حصول الاطمئنان بعدم توسط غير الموثق في المراسيل.

نعم يمكن أن يقال: إن العبرة في المقام بعدد الروايات لا بعدد المشايخ، وروايات محمد بن أبي حمزة في جوامع الحديث الواصلة إلينا تناهز المائتين وعدد روايات الضعفاء وغير الموثقين المروية بواسطة واحدة عن المعصوم (عليه السلام) لا يتجاوز الأربع فإن روايته عن علي بن الحزور ينتهي سندها إلى الأصبغ بن نباتة (6)، وروايته

____________

(1) تهذيب الأحكام ج:10 ص:117، ج:2 ص:314.

(2) الكافي ج:6 ص:539.

(3) الكافي ج:6 ص:548.

(4) معاني الأخبار ص:177.

(5) تهذيب الأحكام ج:3 ص:318.

(6) تهذيب الأحكام ج:2 ص:314.

43

عن داود الرقي مروية عن أبي بصير (1)، ورواية محمد بن يزيد مروية عنه أيضاً (2)، فلا يبقى سوى روايته عن محمد بن وهب (3) وروايته عن علي بن سعيد (4) وروايته عن عثمان الأصفهاني (5).

وعلى ذلك فاحتمال أن تكون الرواية المرسلة من قبيل إحدى هذه الروايات الأربع لا يزيد على (2%) مما يعني حصول الاطمئنان بخلافه، فتأمل.

(الوجه الثاني): أن هذه الرواية من مراسيل ابن أبي عمير الذي ذكر الشيخ (قدس سره) أن الطائفة سوّت بين مراسيله وبين مسانيد غيره (6)، وذكر النجاشي أن الأصحاب سكنوا إلى مراسيله (7).

ولا فرق في مراسيله بين ما كانت بلا واسطة وما كانت مع الواسطة كما يستفاد ذلك من عدد من المحققين..

قال العلامة الحلي (قدس سره) : في رواية لابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) : (لا يقال هذه رواية مرسلة لأنا نقول عمل الأصحاب على مراسيل ابن أبي عمير) (8)، وذكر نظير ذلك في موضع آخر أيضاً (9).

وقال السيد الحكيم (قدس سره) بشأن خبر لابن أبي عمير عن الحسين بن عثمان عمن ذكره ما لفظه: (ولا يقدح إرساله فإن مرسله ابن أبي عمير الذي قيل: إنه لا

____________

(1) الكافي ج:5 ص:539.

(2) تهذيب الأحكام ج:3 ص:318.

(3) معاني الأخبار ص:177.

(4) تهذيب الأحكام ج:10 ص: 164، 177.

(5) الكافي ج:6 ص:548.

(6) العدة في أصول الفقه ج:1 ص:154.

(7) رجال النجاشي ص:326.

(8) مختلف الشيعة في أحكام الشريعة ج:5 ص:140.

(9) مختلف الشيعة في أحكام الشريعة ج:7 ص:50.

44

يروي ولا يرسل إلا عن ثقة) (1).

ويمكن المناقشة في هذا الوجه من جهتين..

(الأولى): أنه لم يظهر كون المرسل في الرواية المبحوث عنها هو محمد بن أبي عمير، فإن التعبير المذكور فيها يلائم أن يكون المرسل هو (محمد بن أبي حمزة)، ولذلك فلا يحرز اندراجها في مراسيل ابن أبي عمير مع الواسطة ليقال بحجيتها.

ولذلك تأمل السيد الحكيم (قدس سره) في حجية بعض ما يماثلها وهي مرسلة لابن أبي عمير عن حفص بن سوقة عمن أخبره في باب الجنابة (2).

ونظير هذه المناقشة ما أفاده السيد صاحب نهاية المرام في روايةٍ لابن أبي عمير عن جميل عن بعض أصحابنا بأن الإرسال هنا إنما وقع من جميل لا من ابن أبي عمير (3)، وإن كان الأصح أن يقول: إنه يحتمل فيه ذلك كما لا يخفى.

ومنه يظهر الفرق بين الرواية المبحوث عنها في المقام والرواية التي ذكر السيد الحكيم (قدس سره) أنها من مراسيل ابن أبي عمير، فإن التعبير الوارد فيها هو (ابن أبي عمير عن الحسين بن عثمان عمن ذكره) وظاهره رجوع الضمير في قوله: (ذكره) إلى الحسين بن عثمان وكون القائل لهذا القول هو ابن أبي عمير فهو المرسل للرواية، وأما في محل الكلام فلم يظهر كونه المرسل للخبر.

وبذلك يتضح النظر في ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) تعقيباً على ما قاله السيد الحكيم (طاب ثراه)، حيث أشكل عليه بأن المرسل في تلك الرواية هو الحسين بن عثمان لا ابن أبي عمير فعلى القول بحجية مراسيل ابن أبي عمير إنما يلتزم بحجية ما يرسله بنفسه وبلا واسطة لا ما يرويه عن ثقة وذلك الثقة يرسله عن مجهول كما في المقام، فإن مثل ذلك يعدّ من مراسيل ذلك الثقة لا من

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى ج:9 ص:238.

(2) مستمسك العروة الوثقى ج:3 ص:19.

(3) نهاية المرام في شرح مختصر شرائع الإسلام ج:1 ص:182.

45

مراسيل ابن أبي عمير كما لا يخفى (1).

وجه النظر أن ظاهر التعبير المذكور ــ كما مرّ ــ هو كون المرسل ابن أبي عمير لا الحسين بن عثمان، وقد التزم (أعلى الله مقامه) بمثل ذلك في رواية لمحمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عمن ذكره في كتاب الصلاة حيث قال: (إنها ليست مرسلة لابن أبي عمير وإنما هي مرسلة الراوي الذي نقلها عن ابن أبي عمير، ولم يذكر الراوي الأخير، وذلك لمكان قوله: (عمن ذكره) فإنه يدل على أن ابن أبي عمير قد ذكر الراوي عند روايته وإنما لم يذكره غيره ممن روى عن ابن أبي عمير نسياناً أو لداعٍ آخر من الدواعي) (2).

فيلاحظ أنه (قدس سره) عدّ هذه الرواية من مراسيل الراوي عن ابن أبي عمير ولم يقبل في تلك الرواية أن تكون من مراسيل ابن أبي عمير مع وحدة التعبير الوارد فيهما.

(الثانية): أن حجية مراسيل ابن أبي عمير مع الواسطة تبتني على أحد وجهين..

1 ــ أن يكون المعتمد في حجية مراسيله هو ما ذكره الشيخ والنجاشي من عمل الأصحاب بها وسكونهم إليها، بغض النظر عن الوجه في ذلك بأن يقال أن اتفاق الأصحاب على العمل بمراسيل ابن أبي عمير وسكونهم إليها يكفي في حصول الوثوق المعتبر في حجية الرواية وإن لم يعرف الوجه في تمييزه عن الآخرين في العمل بمراسيله.

فإنه على هذا الوجه يمكن أن يدعى حجية مراسيله مع الواسطة استناداً إلى إطلاق كلام الشيخ والنجاشي، ولا سيما بملاحظة أن السبب الذي أوجب الإرسال في رواياته كان ــ كما قال النجاشي ــ تلف كتبه أو إصابتها بالرطوبة المانعة من القراءة في الفترة التي قضاها في السجن، وهذا يقتضي وقوع الإرسال فيها على كلا النحوين كما لا يخفى.

____________

(1) مستند العروة الوثقى (كتاب الزكاة) ج:2 ص:133.

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الصلاة) ج:1 ص:244.

46

ولكن هذا الوجه غير تامٍّ، فإن عمل الأصحاب بمراسيل ابن أبي عمير وسكونهم إليها لا يصلح مستنداً للقول بحجيتها، بل المستند هو ما ذكره الشيخ (قدس سره) من أنه من الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة كما مرّ في بحث سابق.

2 ــ إن الوجه في معروفية ابن أبي عمير بكونه ممن لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة ــ التي هي الأساس في الاعتماد على مراسيله كما مرّ ــ يحتمل أن يكون أحد أمرين..

أ ــ قيام نقّاد الطائفة بتتبع أحاديثه ورواياته واطلاعهم على أنها كلها مروية عن طريق الثقات.

ب ــ ظهور حاله بمقتضى ما صدر منه من قول أو فعل في الالتزام بعدم الرواية إلا عمن هو ثقة عنده، كما قيل ذلك بشأن عدد من رواة الجمهور.

قال ابن حجر: (من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة إذا روى عن رجلٍ وصف بكونه ثقة عنده كمالك وشعبة والقطان وابن مهدي وطائفة من بعدهم) (1).

والأمر الأول وإن كان مستبعداً، إذ لو فرض أنه قد تيسّر لنقّاد الطائفة تتبع كافة مسانيده والاطلاع على كونها مروية عن طريق الثقات، فكيف تسنى لهم الاطلاع على وثاقة من روى عنهم في المراسيل؟!

فالمتعين هو الأمر الثاني، ولكن أياً كان هو الوجه في معروفية ابن أبي عمير بعدم إرساله إلا عن الثقة فهي تحتمل الشمول للمراسيل مع الواسطة كما تشمل المراسيل بلا واسطة.

ويمكن استظهار الشمول لهما معاً من عبارة الشيخ (قدس سره) وهي قوله: (وإذا كان أحد الراويين مُسنداً والآخر مُرسِلاً نُظر في حال المرسل، فإن كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به فلا ترجح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن

____________

(1) لسان الميزان ج:1 ص:15.

47

محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عمن يوثق به وبين ما أسنده غيرهم) (1).

ووجه الاستظهار إطلاق كلامه في اعتبار الخبر المرسل إذا كان مرسله محمد بن أبي عمير أو من أضرابه من دون التفريق بين ما إذا كان إرساله بإبهام من يروي عنه مباشرة أو من يروي عنه بواسطة شخص مذكور اسمه في السند فإنه يصدق في كلتا الحالتين أنه المرسل للرواية.

ويمكن استظهار الشمول للنحوين من عبارة النجاشي أيضاً بقرينة ما مرّت الإشارة إليه في سبب وقوع الإرسال في روايات محمد بن أبي عمير وهو تلف كتبه أو إصابتها بالرطوبة في أيام محنته، فإنه يقتضي وقوع الإرسال فيها بكلا نحويه لا خصوص الإرسال بلا واسطة.

هذا ولكن يصعب الوثوق بكون الإطلاق في كلامي الشيخ والنجاشي مقصوداً لهما، ولا سيما أن لازمه وثاقة مشايخ ابن أبي عمير مع الواسطة وهو بعيد، لأنه روى عن عددٍ كبير من الرواة يبلغون المئات وبينهم مائة شخص من أصحاب الصادق (عليه السلام) قد روى عنهم كتبهم (2)، ومن المؤكد أن قسماً كبيراً من مشايخه كان لديهم روايات مع واسطة أو واسطتين أو أزيد عن المعصومين (عليهم السلام)، والتأكد من وثاقة جميع هؤلاء يكاد أن يكون أمراً متعسراً أو متعذراً (3).

ثم إنه لو بني على تمامية الإطلاق في كلامي الشيخ والنجاشي من الشمول للمراسيل مع الواسطة إلا أنه يتأتّى فيها مايعرف بإشكال الشبهة المصداقية الذي تقدم التعرض له عند البحث عن حجية مراسيل ابن أبي عمير، ومرّ أنه يمكن دفعه في الجملة بالاستعانة بحساب الاحتمالات، فلو أمكن ذلك فلا بد من الاستعانة به أيضاً في دفع الإشكال عن حجية مراسيله مع الواسطة لتطرقه

____________

(1) العدة في أصول الفقه ج:1 ص: 154.

(2) فهرست كتب الشيعة وأصولهم ص:404.

(3) تجدر الإشارة إلى أن المحقق الخونساري تأمل في حجية مراسيل ابن أبي عمير مع الواسطة (لاحظ مشارق الشموس ج:1 ص:71).

48

إليها أيضاً، ومرجع ذلك إلى ما تقدم في الوجه الأول لتصحيح المرسلة المبحوث عنها في المقام.

5 ــ حجية مراسيل ابن سماعة (1)

روى الكليني (قدس سره) عن حميد بن زياد عن ابن سماعة عن عدّة من أصحابنا عن أبان بن عثمان عن الفضل بن عبد الملك (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث أنه سئل عن الرجل يكون له الإبل يكريها فيصيب عليها فيحج.. الحديث.

وقد أشكل السيد الحكيم (قدس سره) (3) على الرواية بأنها ضعيفة السند بالإرسال، ونظره الشريف إلى أن العدة المتوسطة بين ابن سماعة وأبان مجهولون ولا يعرف أن بعضهم من الثقات ليتيسر الاعتماد على الرواية.

ولكن يمكن الجواب عن هذا الإشكال بعدة وجوه..

الوجه الأول: ما أفاده المحقق الأصفهاني (قدس سره) (4) في رواية أخرى لابن سماعة عن غير واحد عن أبان من (أنهم ذكروا في الحسن بن محمد بن سماعة أنه نقي الفقه حسن الانتقاد، فيستظهر منه أنه متجنب عن الرواية عن الضعفاء والمجهولين واقتصاره على الرواية عن المقبولين).

ولكن هذا الوجه غير تام، فإن توصيف ابن سماعة بأنه نقي الفقه حسن الانتقاد لا يقتضي اقتصاره في الرواية عن المقبولين, إذ يجوز أنه كان يعتمد على بعض روايات غير الموثقين من جهة حصول الاطمئنان له بصدورها عن المعصوم (عليه السلام).

الوجه الثاني: أن التعبير بـ(عدة من أصحابنا) معناه أن الرواية وصلت إلى

____________

(1) بحوث في شرح مناسك الحج ج:3 ص:391.

(2) الكافي ج:4 ص:274.

(3) مستمسك العروة الوثقى ج:10 ص:154.

(4) حاشية كتاب المكاسب ج:3 ص:59.

49

ابن سماعة عن جماعة من الرواة وتلك الجماعة يمكن الاطمئنان بوثاقة بعضهم على الأقل، لأنه من البعيد أن يكون كلهم غير موثقين.

ومثل هذا الكلام ذكره السيد الأستاذ (قدس سره) (1) في بعض كلماته بشأن التعبير بـ(غير واحد).

ولكن يمكن أن يلاحظ عليه بأن لفظة (العدة) لا تدل على ما يزيد على ثلاثة من الرواة، فإذا كان معظم من يتوسطون بين ابن سماعة وأبان هم من الموثقين أمكن دعوى الاطمئنان بأن بعض العدة غير المصرحة بأسمائهم هو من الثقات، وإلا فإن الدعوى المذكورة جزافية.

الوجه الثالث: ما أشار إليه صاحب الوسائل (رحمه الله) (2) بقوله: (قد ورد في أسانيد الكافي وغيره الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد عن أبان, وقد ورد في عدة أسانيد التصريح بأسماء المقصودين بقوله: (غير واحد) وهم جعفر بن محمد بن سماعة والميثمي والحسن بن حماد، كما في التهذيب في باب الغرر والمجازفة وغيره).

أقول: المذكور في الموضع المشار إليه من التهذيب (3) هكذا: (عنه ــ أي ابن سماعة ــ عن جعفر والميثمي والحسن بن حماد عن أبي العباس البقباق) ولكن المذكور في الوسائل والوافي (4) هكذا: (الحسن بن حماد كلهم عن أبان عن أبي العباس..).

والظاهر أن هذا هو الصحيح فيتم ما ذكره صاحب الوسائل من كون الثلاثة وسطاء بين ابن سماعة وأبان في بعض الموارد، ولكن لا يتم ما بنى عليه من أنهم هم الوسطاء بينهما في سائر الموارد التي عبر فيها بـ(غير واحد) أو ما بمعناه, فإنه لا يستفاد ذلك من العبارة المذكورة كما لا يخفى.

____________

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى ج:3 ص:358.

(2) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ج:30 ص:149.

(3) تهذيب الأحكام ج:7 ص:130 ط:نجف, ج:2 ص:153 ط:حجر.

(4) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ج:18 ص:455. الوافي ج:18 ص:1060.

50

وعلى ذلك فلا يجدي كون الأولين من الثقات في اعتبار سند الرواية المبحوث عنها.

الوجه الرابع: أن مشايخ الحسن بن محمد بن سماعة الذين روى بواسطتهم عن أبان بن عثمان هم كما يظهر بتتبع الأسانيد في جوامع الحديث..

1 ــ جعفر بن محمد بن سماعة (1).

2 ــ أحمد بن الحسن الميثمي (2).

3 - أحمد بن عديس (3).

4 ــ الحسن بن عديس (4).

5 ــ محسن بن أحمد (5).

والأولان موثقان (6) دون الثلاثة الباقين وإن توهم كون الأخير من مشايخ ابن أبي عمير ــ فيكون ثقة من هذه الجهة ــ اعتماداً على بعض أسانيد الفقيه (7) ولكن فيه تصحيف والصحيح (الحسين بن أحمد) كما ورد في الكافي (8).

والملاحظ أن جعفر بن محمد بن سماعة قد توسط بين الحسن بن سماعة وأبان بن عثمان في ما يقرب من عشرة موارد وتوسط أحمد بن الحسن الميثمي بينهما في ما يقرب من عشرين مورداً، وأما أحمد بن عديس فقد توسط بينهما في ثلاثة موارد، وتوسط كل من الحسن بن عديس ومحسن بن أحمد بينهما في مورد واحد.

____________

(1) لاحظ الكافي ج:4 ص:252, ج:5 ص:104.

(2) لاحظ الكافي ج:4 ص:269، 371.

(3) لاحظ الكافي ج:7 ص:39, ج:8 ص:81، 82.

(4) لاحظ تهذيب الأحكام ج:8 ص:58.

(5) لاحظ الكافي ج:2 ص:608.

(6) لاحظ رجال النجاشي ص:119، 74.

(7) من لا يحضره الفقيه ج:4 ص:69.

(8) الكافي ج:7 ص:276.