منهاج الصالحين - ج1

- الشيخ حسين الوحيد الخراساني  المزيد...
608 /
3

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

4

الملاحظة لقد سعينا أن يكون المصدر الأوّل المذكور في الحاشية مطابقا لما في أصل الكتاب، و أمّا ما يليه من المصادر فقد تكون مع تفاوت او مشتملة على بعض الفقرات.

الناشر

5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين لا سيّما بقيّة اللّه في الأرضين هذا الكتاب في فروع الدين، إلّا أنه لغرض التعرّف على أصول الدين وضعت له هذه المقدّمة، و كما أنّ للنور مراتب، و نور الشمس و نور الشمع مرتبتان من حقيقة النور، فكذلك معرفة أصول الدين الإسلامي المبين لها مراتب.

و هذه المقدّمة شمعة للسالكين في هذا الطريق، لغرض المعرفة الإجمالية، لا المعرفة التفصيلية بمستوى التعمّق و التحقيق.

و قد راعينا فيها أن يكون الاستدلال العقلي بالوجوه المبنيّة على مقدّمات أسهل تناولا، و استندنا في النقليات إلى كتب حديث العامّة و الخاصّة، و كتب التاريخ المعروفة.

و إخبارنا بما نقلنا عنها مستند إلى تلك المصادر، و إن كان الناقل ثقة أو المنقول موثوقا به.

و الاستضاءة بأنوار الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة في مباني الدين المبين من جهة أنّ الكتاب و السنّة يوقظان الفطرة، و يشتملان على أدقّ قواعد الحكمة.

و قد تركنا إيراد بعض النكات الفنّية الدقيقة مراعاة للأذهان العامة، و لم يتيسّر لنا في هذه الوجيزة استقصاء البحث كما هو حقّه تتبّعا و تحقيقا مراعاة للاختصار، و لكن الميسور لا يسقط بالمعسور، و ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه.

و قبل الشروع في بيان أصول الدين لا بدّ من ذكر مقدّمات:

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مقدّمات تمهيدية

1- لزوم تحصيل المعرفة

إنّ احتمال وجود المبدأ و المعاد يوجب البحث و السعي لتحصيل المعرفة الدينية، فما دام الإنسان يحتمل أنّ لهذا العالم خالقا عليما حكيما، و أنّ الموت ليس نهاية لحياة الإنسان، و أنّ لخالقه هدفا من خلقه إيّاه، و أنه قد وضع له قانونا إن هو لم يطبّقه وقع في الشقاء الأبدي، فإنّ فطرته توجب عليه أن يهتمّ بهذا الاحتمال مهما كان ضعيفا، لكون المحتمل أمرا عظيما و خطيرا جدّا، و تدفعه لأن يبحث عن حقيقة الأمر و لا يهدأ و لا يستقرّ حتّى يصل إلى نتيجة قطعيّة حاسمة، نفيا أو إثباتا.

و هذا كمن احتمل وجود مواد متفجّرة في بيته، أو احتمل وجود تماسّ كهربائي يسبّب احتراق بيته بمن فيه و ما فيه، فإنه لا يستقرّ لحظة، بل يفحص و يبحث حتّى يتيقّن بعدم وجود الخطر.

2- حاجة الإنسان إلى الدّين الحقّ

الإنسان موجود مركّب من بدن و روح، و عقل و هوى، و بسبب هذا التركيب تراه يفحص بفطرته عن سعادته المادّية و المعنويّة، و يسعى للوصول إلى الكمال المقصود من وجوده.

و من ناحية أخرى، فإنّ حياة كلّ فرد من أفراد الإنسان لها بعدان: فردي

8

و اجتماعي، نظير أيّ عضو من أعضاء البدن الواحد، الذي له- مضافا إلى حياته الخاصّة- تأثير و تأثّر متقابل مع سائر الأعضاء.

و لأجل هذا احتاج الإنسان إلى نظام و قوانين تحقّق له الحياة الطيّبة، الفردية و الاجتماعية، و تحقّق له السعادة المادّية و المعنويّة.

و هذا النظام و تلك القوانين هو الدّين الحقّ الذي يكون الاحتياج إليه ضرورة فطرة الإنسان فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا «1».

ثمّ إنّ لكلّ موجود كمالا لا يمكن الوصول إليه إلّا باتّباع السنّة المعيّنة لتكامله و تربيته، و هذه قاعدة عامّة لا يستثنى منها الإنسان قٰالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ «2».

3- أثر الدّين في الحياة الشخصية

لحياة الإنسان أصل و فروع، و متن و هوامش، فالأصل ذات الإنسان نفسها، و الفروع و الهوامش متعلّقاتها من المال و المقام و الزوج و الأولاد و الأقارب.

و بسبب حبّ الإنسان لذاته و متعلّقاتها صارت حياته مقترنة بآفتين: الغمّ و الحزن، و الخوف و القلق؛ الغمّ و الحزن لما يفقده، و الخوف و القلق على ما يجده خشية أن يفقده.

و الإيمان باللّه يزيل هاتين الآفتين من جذورهما، لأنّ الإيمان باللّه العالم القادر الحكيم الرحيم يدفع الإنسان إلى القيام بوظائفه المقرّرة له، و عند ما يؤدّي وظائف

____________

(1) سورة الروم: 30.

(2) سورة طه: 50.

9

عبوديّته لربّه، يعلم أنّ اللّه تعالى بعناية حكمته و رحمته سيوصله إلى ما هو خير و سعادة له، و يقيه من موجبات شرّه و شقائه.

بل إنّ الإنسان إذا وجد الحقيقة التي كلّ حقيقة دونها مجاز، و كلّ ما سواها كسراب بقيعة يحسبه الظّمآن ماء، لم يبق له ضالّة؛ و بإيمانه ب مٰا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ بٰاقٍ «1» لا يبقى في نفسه أيّة جاذبية للحطام الدنيوي ليغتمّ من فقده، أو يستوحش من زواله أَلٰا إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اللّٰهِ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَ كٰانُوا يَتَّقُونَ* لَهُمُ الْبُشْرىٰ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ فِي الْآخِرَةِ لٰا تَبْدِيلَ لِكَلِمٰاتِ اللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «2».

إنّ الذي يوجب انهيار أعصاب الإنسان في الحياة الدّنيا هو الاضطرابات الحاصلة من الفرح بالظفر بالعلائق المادّية، و الحزن و القلق من عدم الوصول إليها.

و الشيء الوحيد الذي يوفّر للإنسان الأمن من طوفان الأمواج العاتية في حياته، و يرسي سفينته في مرسى الأمان، هو الإيمان باللّه عزّ و جلّ لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ «3»، الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّٰهِ أَلٰا بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ «4».

4- أثر الدّين في الحياة الاجتماعية

إنّ الإنسان له قوّتا شهوة و غضب، فإن غلبت عليه شهوة المال، فإنّ كنوز

____________

(1) سورة النحل: 96.

(2) سورة يونس: 62، 63، 64.

(3) سورة الحديد: 23.

(4) سورة الرعد: 28.

10

الأرض لا تقنعه، و إن غلبت عليه شهوة المقام و الرئاسة فإنّ ملك الأرض لا يكفيه، بل يطمح أن يمدّ سلطانه إلى الكواكب الأخرى وَ قٰالَ فِرْعَوْنُ يٰا هٰامٰانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبٰابَ* أَسْبٰابَ السَّمٰاوٰاتِ «1».

إنّ هوى الإنسان الطاغي مع شهوة البطن و الفرج و المال و المقام، و استخدامه قوّة الغضب لإشباع هواه غير المحدود، لا يخضع لأيّ شيء، و لا يقف عند أيّ حدّ، و لا يصرف النظر عن تضييع أيّ حقّ.

و ليست نتيجة الحياة بهذه الشهوة إلّا الفساد، و لا بهذا الغضب إلّا سفك الدماء و إهلاك الحرث و النسل، بل إنّ استخدام الإنسان ما يكتشفه من أسرار الكون بقدراته الفكرية في سبيل الوصول إلى مآرب أهوائه غير المحدودة سوف يجرّ الحياة البشرية على الكرة الأرضية إلى الدّمار و الخراب ظَهَرَ الْفَسٰادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي النّٰاسِ «2».

و القدرة الوحيدة التي تكبح جماح النفس الإنسانية، و تسيطر على غلواء غضبها و شهوتها، و تروّضهما حتّى يعتدلا، و تحقّق حقوق الفرد و المجتمع و تضمنهما، ليست إلّا الإيمان بالمبدإ و المعاد، و الثواب و العقاب، فإنّ الاعتقاد باللّه الذي وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ «3» و بالمجازاة التي فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «4» هو الذي يبعث الإنسان إلى كلّ خير و يصرفه عن كلّ شرّ، و يحقّق مجتمعه على أساس التصالح في البقاء، بعيدا عن التنازع على البقاء.

____________

(1) سورة غافر: 36- 37.

(2) سورة الروم: 41.

(3) سورة الحديد: 4.

(4) سورة الزلزلة: 7، 8.

11

5- شرف علم أصول الدّين

الإنسان يعشق العلم بفطرته، لأنّ ما به يكون الإنسان إنسانا هو العقل، و ثمرة العقل هو العلم، و لهذا إذا قلت للجاهل: يا جاهل، يحزن، مع أنه يعلم بكونه جاهلا؛ بينما إذا نسبته إلى العلم يفرح، و هو يعلم أنه ليس بعالم.

و حيث إنّ الإسلام دين الفطرة، فقد جعل نسبة العلم إلى الجهل نسبة النور إلى الظلمة، و نسبة الحياة إلى الموت

(إنّما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى أن يهديه)

«1»، (العالم بين الجهّال كالحيّ بين الأموات)

«2». و كلّ علم و إن كان بذاته شريفا إلّا أنّ مراتب العلوم متفاوتة بسبب عدّة أمور كموضوع العلم، و نتيجته، و نوع الاستدلال فيه، فالعلم الباحث عن الإنسان أشرف من العلم الباحث عن النبات، بنسبة فضل الإنسان على النبات، و العلم الباحث عن ضمان سلامة الإنسان أشرف من العلم الباحث عن ضمان أمواله، بنسبة شرف حياة الإنسان على ماله، و العلم الذي يقدّم نتائجه من البرهانيات أشرف من العلم الذي يستند إلى الفرضيات، بنسبة شرف اليقين على الظنّ.

و على هذا، فإنّ أشرف العلوم هو العلم الذي موضوعه (اللّه) تبارك و تعالى، مع ملاحظة أنّ نسبة شرف اللّه تعالى على غيره ليست كنسبة البحار إلى القطرة، و لا كنسبة الشمس إلى الذرّة، بل هي نسبة غير المتناهي إلى المتناهي، و بالنظرة الدقيقة فإنّ الفقير بالذات لا يمكن أن يكون طرفا في النسبة مع الغني

____________

(1) مشكاة الأنوار ص 563.

(2) الأمالي للمفيد ص 29، المجلس الرابع، ح 1، الأمالي للشيخ الطوسي ص 521، المجلس 16 ح 55.

12

بالذات وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ «1».

و ثمرة هذا العلم هي الإيمان و العمل الصالح، اللذان هما الوسيلة الوحيدة لسعادة الإنسان في الدّنيا و الآخرة، و لتأمين حقوق الفرد و المجتمع مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً «2».

و طريقة الاستدلال فيه هي الدليل و البرهان المفيد لليقين، و لا يتبع فيه الظنّ ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ «3»، وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ «4»، إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً «5».

و بذلك يتّضح مدلول الحديث الشريف:

(إنّ أفضل الفرائض و أوجبها على الإنسان معرفة الربّ و الإقرار له بالعبودية)

«6».

6- شرط الوصول إلى المعرفة و الإيمان باللّه تعالى

عند ما يواجه الإنسان أيّة ظاهرة في الوجود فإنه يفحص و يبحث عن الموجد لها، و الفطرة الإنسانية متعطّشة إلى معرفة مبدأ الوجود و منتهاه.

لكنّ جوهرة الإيمان باللّه و معرفته، التي هي أغلى جواهر خزانة العلم و المعرفة، لا ينالها- بمقتضى قاعدة العدل و الإنصاف- من تلبّس بالظلم للإيمان و المعرفة باللّه، لأنّ إعطاء الحكمة لمن ليس بأهلها ظلم لها، و إمساكها عن أهلها ظلم لأهلها.

____________

(1) سورة طه: 111.

(2) سورة النحل: 97.

(3) سورة النحل: 125.

(4) سورة الإسراء: 36.

(5) سورة يونس: 36.

(6) كفاية الأثر: 262، باب ما جاء عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) ...

13

كما أنّ الإنسان لا يمكنه بحال أن يعتقد بعدم المبدأ و المعاد، إلّا إذا أحاط بكلّ الوجود، و أحاط بسلسلة العلل و المعلولات، و لم يجد المبدأ و المعاد، فما لم تتحقّق هذه المعرفة المحيطة، فإنّ يقينه بعدم المبدأ و المعاد محال، بل غاية ما يمكنه هو الجهل بهما.

و على هذا، فإنّ مقتضى العدل و الإنصاف للشاك في وجود اللّه تعالى أن لا يتجاوز مقتضى الشك قولا و عملا، فعليه أن يعترف بعدم العلم، و ليس له أن يدّعي العلم بالعدم، مثلا من احتمل وجودا تترتّب على وجدانه السعادة الأبدية، و على فقدانه الشقاء الأبدي، فإنّ وظيفته العقلية أن لا ينكر وجوده بلسانه و لا بقلبه، و أن يواصل- في مقام العمل- البحث عنه بكلّ استطاعته، و يراعي الاحتياط في سلوكه حتّى لا يخسر السعادة الأبدية، و لا يقع في الشقاء الأبدي على فرض وجوده، و ذلك كما يحكم العقل عليه بأن يمسك عن الطعام اللذيذ الذي يحتمل أنّ فيه سما يوجب هلاكه.

و كلّ شاكّ في وجود اللّه، إذا عمل بمقتضى العدل، الذي هو واجبه العقلي يصل بلا شك إلى المعرفة و الإيمان وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا «1»، و إلّا فمع التلوّث بالظلم لهذه الحقيقة يستحيل حصول معرفة ذلك القدّوس المتعال يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «2»، وَ يُضِلُّ اللّٰهُ الظّٰالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ «3».

و بعد الالتفات إلى هذه المقدّمات نشرع في بيان أصول الدين:

____________

(1) سورة العنكبوت: 69.

(2) سورة البقرة: 269.

(3) سورة إبراهيم: 27.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

[اصول الدين]

طرق الوصول إلى الإيمان باللّه تعالى

الطرق للوصول إلى الإيمان باللّه تعالى متعدّدة:

أمّا لأهل اللّه تعالى فالدليل عليه و الوسيلة إلى معرفته هو سبحانه أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ «1»،

(يا من دلّ على ذاته بذاته)

«2»، (بك عرفتك و أنت دللتني عليك)

«3». و أمّا لغيرهم فنشير إلى عدّة طرق رعاية للاختصار:

الطريق الأوّل:

إذا نظر الإنسان إلى نفسه و ما يصل إليه إدراكه، و لاحظ أجزاءه و ذرّاته، وجد أنّ عدم أيّ جزء منه ليس بمحال، و أنه بذاته ليس بضروري الوجود و لا بضروري العدم، و كلّ ما أمكن وجوده و عدمه فهو محتاج إلى سبب يوجده، نظير كفّتي الميزان المتساويتين، لا يمكن أن ترجح إحداهما على الأخرى إلّا بعامل من الخارج، نعم الممكن إنّما يحتاج إلى السبب في وجوده، و أمّا عدمه فبعدم ذلك السبب.

و بما أنّ كلّ جزء من أجزاء العالم محتاج في وجوده إلى سبب يعطيه الوجود،

____________

(1) سورة فصّلت: 53.

(2) بحار الأنوار ج 84 ص 339.

(3) الصحيفة السجّادية، دعاؤه (عليه السلام) في سحر كلّ ليلة من شهر رمضان. إقبال الأعمال ص 67.

16

فمعطي الوجود له، إمّا هو نفسه، أو مثله من سائر الموجودات، أمّا نفسه فالمفروض أنه فاقد للوجود، فكيف يكون معطيا لما يفقده، و أمّا مثله فكذلك، لا يمكنه أن يعطي الوجود لنفسه، فكيف يعطيه لغيره، و هذا الحكم الجاري على كلّ جزء من أجزاء العالم، يجري على كلّ العالم أيضا.

و كما أنّ ضياء الفضاء الذي ليس له نور في ذاته دليل على وجود مبدأ لذلك الضياء يكون الضوء ذاتيّا له، و إلّا لما أضاء ذلك الفضاء، لأنّ ما كان مظلما في ذاته يستحيل أن يضيء نفسه، فضلا عن غيره.

و من هنا كان وجود الكائنات و كمالات الوجود- كالحياة و العلم و القدرة- دليلا على وجود مبدأ يكون وجوده و حياته و علمه و قدرته ذاتيا له غير مستند إلى غيره أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخٰالِقُونَ «1».

عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه دخل عليه رجل فقال له: يا ابن رسول اللّه ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال: «أنت لم تكن ثمّ كنت و قد علمت أنّك لم تكوّن نفسك، و لا كوّنك من هو مثلك»

«2». و سأل أبو شاكر الديصاني الإمام الصادق (عليه السلام)، ما الدليل على أنّ لك صانعا؟

فقال: «وجدت نفسي لا تخلو من إحدى الجهتين، إمّا أن أكون صنعتها أنا أو صنعها غيري، فإن كنت صنعتها أنا فلا أخلو من أحد المعنيين، إمّا أن أكون صنعتها و كانت موجودة، أو صنعتها و كانت معدومة، فإن كنت صنعتها و كانت موجودة فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها، و إن كانت معدومة فإنّك تعلم أنّ المعدوم لا يحدث شيئا، فقد ثبت المعنى الثالث أنّ لي صانعا و هو اللّه ربّ العالمين»

«3».

____________

(1) سورة الطور: 35.

(2) التوحيد للصدوق ص 293 باب إثبات حدوث العالم، ح 3.

(3) التوحيد للصدوق ص 290 باب أنه عزّ و جلّ لا يعرف إلّا به ح 10.

17

إنّ الشيء الذي لم يكن ثمّ كان، إمّا أن يكون قد أوجد نفسه، أو أوجده غيره، فإن كان هو أوجد نفسه، فلا يخلو إمّا أنّه أوجد نفسه عند ما كان موجودا أو أوجد نفسه عند ما كان معدوما، فإن كان الأوّل يلزم إيجاد الموجود، و هو محال، و إن كان الثاني يلزم علّية المعدوم للوجود، و هو محال أيضا.

و إن كان الموجد له غيره، فإن كان ذلك الغير مثله غير موجود ثمّ وجد، فحكمه حكم ذلك الشيء بلا فرق.

لذلك، تقضي ضرورة العقل بأنّ كلّ شيء لم يكن موجودا ثمّ كان، لا بدّ أن يكون له موجد ليس للعدم إلى ذاته سبيل.

و بهذا يظهر أنّ كلّ موجودات العالم و تطوّراتها دليل على وجود موجد لها ليس له موجد، و أنّ كلّ المصنوعات و المخلوقات دليل على وجود خالق و صانع غير مخلوق و لا مصنوع.

الطريق الثاني:

لو عثر على ورقة مطروحة في صحراء مكتوب عليها حروف المعجم من الألف إلى الياء بالترتيب، فإنّ ضمير كلّ إنسان يشهد بأنّ كتابة تلك الحروف و ترتيبها ناتجة عن فهم و إدراك.

و إذا رأى على الورقة كلمة مؤلّفة من الحروف المذكورة و كلاما منسّقا من الكلمات، فإنه سيؤمن بعلم الكاتب و فكره، بنسبة ذلك التأليف و التنسيق، و يستدلّ به على علمه و حكمته.

فهل تكوين نبتة من عناصرها الأوّلية أقلّ دلالة على علم صانعها و حكمته من تركيب جملة من الكلام الدالّ بوضوح على علم كاتبه؟!

18

فما بال الإنسان يستدلّ بالسطر على علم كاتبه و حكمته، و لا يستدلّ بالنبتة على علم خالقها و صانعها و حكمته؟!

ما هذه الحكمة و العلم الذي جعل من الماء و التراب ما يبلي قشر الحبّة و يحيي لبّها بالحياة النباتية!

و أعطى لجذر النبتة قدرة يشقّ بها الأرض، و يجذب قوت النبتة و غذاءها من ظلمة التراب!

و هيّأ في كلّ قطعة من مائدة التراب أقواتا لأنواع النباتات و الأشجار المختلفة، فصارت كلّ نبتة و شجرة تجد فيها غذاءها الخاص!

و جعل جذور كلّ شجرة لا تجذب إلّا الغذاء الخاص الذي ينتج ثمرتها الخاصّة!

و جعل الجذور تكافح جاذبية الأرض، فترسل الماء و الغذاء إلى فروع الشجرة و غصونها!

و في نفس الوقت الذي تعمل فيه الجذور في الأعماق، جعل الفروع و الغصون و الأوراق تنشط في الفضاء للحصول على النور و الهواء!

(فكلّ ميسّر لما خلق له)

«1». و مهما حاول الإنسان تغيير هذه السنّة الحكيمة، ليجعل الجذور- التي خلقت لتضرب في أعماق التراب- تذهب نحو السماء، و الغصون- التي خلقت لتنشط في الفضاء- تذهب إلى أعماق الأرض، يجد أنّهما تكافحان نقض هذه السنّة، و تذهبان في مسيرهما الطبيعي وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيلًا «2».

____________

(1) عوالي اللئالي ج 4 ص 22 ح 67، التوحيد ص 356 باب 58 ح 3.

(2) سورة الأحزاب: 62.

19

إنّ التأمّل في خلق شجرة واحدة من عروقها إلى آلاف أوراقها، و ما فيها من أنظمة مدهشة محيّرة للعقول، و ما أعطي لكلّ خليّة من خلايا أوراقها من القدرة على جذب الماء و الغذاء من أعماق الأرض بواسطة الجذور، و ارتباطها بما في السماء و الأرض و ما بينهما، و النواميس المؤثّرة في حياتها، من اختلاف الليل و النهار و تضامن القوى الأرضية و السماوية على إنباتها، فإفناء بذرها في أصلها و فرعها، و إبقاء نوعها بتكوين بذورها في ثمارها، يكفي للإنسان أن يؤمن بالعلم و الحكمة اللامتناهية وراء ذلك أَمَّنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَأَنْبَتْنٰا بِهِ حَدٰائِقَ ذٰاتَ بَهْجَةٍ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهٰا أَ إِلٰهٌ مَعَ اللّٰهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ «1»، أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهٰا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ «2»، وَ أَنْبَتْنٰا فِيهٰا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ «3».

إنّ أيّة نبتة و شجرة تنظر إليها، تجدها من جذورها إلى ثمارها آية لعلم الخالق و قدرته و حكمته، خاضعة للسنّة التي جعلت لأجل تربيتها و رشدها وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدٰانِ «4».

* و كذلك التأمّل في حياة كلّ حيوان، فإنه يهدي إلى اللّه تعالى.

جاء أبو شاكر الديصاني إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فقال له: يا جعفر بن محمّد دلّني على معبودي.

فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): اجلس، فإذا غلام صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال

____________

(1) سورة النمل: 60.

(2) سورة الواقعة: 72.

(3) سورة الحجر: 19.

(4) سورة الرحمن: 6.

20

أبو عبد اللّه (عليه السلام): ناولني يا غلام البيضة، فناوله إيّاها، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

يا ديصاني هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق، و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة و فضّة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة، و لا الفضّة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها، و لم يدخل فيها داخل مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدرى للذكر خلقت أم للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أ ترى لها مدبّرا؟!

قال: فأطرق مليّا، ثمّ قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّك إمام و حجّة من اللّه على خلقه، و أنا تائب ممّا كنت فيه

«1». فأيّ تدبير صنع هذا الحصن المحكم من مادّة الكلس المصفّى، و أودع فيه الأسرار العجيبة؟!

أيّ تدبير نسج هذا الحصن من مواد الحبّ الذي تأكله الدجاجة و الطير، ثمّ وضعه في بيت المبيض، و جعله مقرّا آمنا لنموّ الفرخ فيه، و أسكن فيه النطفة كاللؤلؤة في الصدفة؟!

و حيث إنّ الجنين منفصل عن أمّه، و ليس هناك رحم يوفّر له الغذاء، فقد هيّأ له الغذاء في داخل الحصن، و جعل بين جدار الحصن الغليظ و بين الفرخ و غذائه غشاء لطيفا يمنع من وصول الأذى إليه، ثمّ خلق في ذلك الجوّ المظلم جميع أعضاء الحيوان و قواه من عظام و عضلات و عروق و أعصاب و حواس، و وضع كلّ واحدة منها في موضعها.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 80، التوحيد ص 124 باب 9 ح 1، الاحتجاج ج 2 ص 70، باب احتجاج الصادق (عليه السلام).

21

إن التأمّل في تركيب العين من تلك الأعضاء فقط و ما أودع فيها من لطائف الصنع، و وضعها في موضعها الذي يليق بها يحيّر العقول، فضلا عن جميعها.

و لأجل أن يتمكّن من الارتزاق- إذا خرج- بالتقاط الحبّ من بين التراب و الأحجار، جهّزه بمنقار صلب من جنس قرون الحيوانات، لئلّا يتأذّى بالنقر في الأرض.

و لأجل أن لا يفوته رزقه، جعل له حويصلة يجمع فيها كلّ ما وجد من الحبّ و يدّخره في تلك المحفظة، ثمّ يعالجه بعد ذلك و يرسله إلى هاضمته.

ثمّ كسا جلده الرقيق بريش و جناحين تقيه الحرّ و البرد، و الضرّ و العدوّ.

ثمّ لم يكتف له بضرورات حياته و واجباتها، حتّى أنعم عليه بنوافلها المتعلّقة بمظهره، فلوّن ريشه و جناحيه بألوان تسرّ الناظرين،

قال (عليه السلام): «تنفلق عن مثل ألوان الطواويس»

. و بما أنّ تكامل هذا الحيوان يحتاج إلى الحرارة الموزونة في صدر الدجاجة، فإذا بالحيوان الذي لا يهدأ عن السعي و الحركة إلّا في ظلام الليل، يخمد في مكانه، و يرقد على بيضه هادئا ساكنا طوال المدّة التي يحتاج الجنين في البيض إلى تلك الحرارة.

فأيّة حكمة سلّطت هذا الخمود و السكون على طائر دائم الحركة، لتتحقّق حركة الحياة في فرخ جديد؟!

بل أيّ أستاذ علّم الطائر أن يقلّب البيض في الليل و النهار حتّى لا تفقد أعضاء الجنين تعادلها؟! و علّم الفرخ عند ما يتمّ خلقه أن يكسر جدار الحصن بمنقاره، و يدخل في عالم حياة جديدة أعدّت لها أعضاؤه و قواه؟!

أيّة عناية و رحمة أحدثت حركة قسرية في طبيعة أمّ الفراخ، تلك التي لم يكن يؤثّر فيها إلّا عامل المحافظة على حياتها و الدفاع عن نفسها، فإذا بانقلاب يحدث

22

فيها، فتجيش بالعاطفة على فراخها، تحافظ عليها و تحميها، و تجعل صدرها درعا يقيها، و تبقى هذه الحالة العاطفية طوال المدّة التي تحتاج إليها حتّى تستعدّ لإدامة الحياة بنفسها.

ألا يكفينا التأمّل في بيضة واحدة لأن يهدينا إلى الذي خَلَقَ فَسَوّٰى* وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدىٰ «1»، و من هنا

قال الإمام (عليه السلام): (أ ترى لها مدبّرا؟ قال: فأطرق مليّا، ثمّ قال:

أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّك إمام و حجّة على خلقه، و أنا تائب ممّا كنت فيه).

* إنّ العالم القدير الحكيم، الذي ربّى الحبّة في ظلمة التربة، و ربّى الفرخ في ظلمة البيضة، كلّ واحد لأجل هدف و غرض معيّن، هو الذي ربّى نطفة الإنسان في ظلمات البطن و الرحم، من أجل هدف و غرض معيّن، تلك النطفة التي كانت في أوّلها ذرّة لا يدركها الطرف، فاقدة لجميع الأعضاء و القوى الإنسانية، فجهّزها بأنواع الأجهزة للحياة بعد الولادة، فقد جهّزها- على سبيل المثال- بعظام على مختلف أشكالها و مقاديرها تتناسب مع وظائفها، و أضاء مشعل الإدراك فيه بواسطة دماغه بعجائب صنعة تتحيّر فيها العقول، و أبقى على حرارة الحياة فيه بنبضات القلب التي لا يفتر عنها ليلا و نهارا و يفوق عددها الملايين في كلّ سنة.

إنّ التأمّل في تركيب أبسط عضو من بدن الإنسان يكفي للإيمان بتقدير الخالق العزيز العليم، فالأسنان- مثلا- خلقت في ثلاثة أقسام: الثنايا في المقدّمة، ثمّ الأنياب، ثمّ الطواحن الصغار و الكبار، فما ذا كان سيحدث لو خلقت الطواحن مقدّمة على الثنايا و الأنياب، و كانت هذه في موضع الطواحن، من جهة تقطيع الطعام و مضغه، و من جهة المنظر من حيث القبح و الجمال؟!

____________

(1) سورة الأعلى: 2 و 3.

23

ما ذا كان يحدث لو كان حاجباه تحت عينيه، أو كانت فتحة أنفه إلى الأعلى بدل الأسفل؟!

إنّ جميع فعّاليات الإنسان لإعمار الأرض، من عمله في الزراعة إلى تشييده أضخم العمارات و أقواها، و إلى إتقانه أدقّ الصنائع و أكثرها ظرافة، متوقّف على بنانه و نموّ أظافره.

فأيّة قدرة و حكمة جعلت مادّة الظفر متوفّرة في غذاء الإنسان، و جعلتها تمرّ في العمليات المحيّرة للعقول من الهضم و المضغ و الجذب في أنابيب العروق، حتّى تصل إلى رءوس الأصابع، فتنسج أظافر صلبة، ثمّ لكي يتحقّق الغرض من خلقها توثق التلاحم بينها و بين لحم الأصابع بحيث لا يتحمل الإنسان فصلهما، لكن عند ما يتحقّق الغرض منها ينفصل أحدهما عن الآخر، فيمكن للإنسان تقليم أظافره بسهولة؟!

و العجب أنّ ذلك الغذاء الذي يحمل مادّة العظام و الأظافر الصلبة المعدّة للفعاليات الصعبة، نفسه يحمل مادّة في نهاية الشفّافية و اللطافة لجهاز العين الحسّاس الدقيق، تصل إليها عبر العروق؟!

فما ذا يحدث في نظام حياة البشر، لو انعكس الأمر في مسار الرزق المقسوم المعلوم، فوصل غذاء الأظافر إلى العيون فنبتت فيها أظافر! و وصل غذاء العيون إلى رءوس الأصابع فنسجت عليها أجزاء من العيون؟!

* إنّما هذه نماذج من أبسط آثار العلم و الحكمة، غير المحتاجة إلى دقّة النظر وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلٰا تُبْصِرُونَ «1»، فكيف إذا وصلنا إلى أعماق أسرار الخلقة، التي تحتاج إلى

____________

(1) سورة الذاريات: 21.

24

تخصّص في علم وظائف الأعضاء و تشريحها، و استعمال الأجهزة الدقيقة و التفكير العميق أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ «1».

أجل، إنّ هذا الموجود الذي لم يكتشف العلماء إلى الآن الأسرار الكامنة في خلقة جلده و قشره الظاهر على بدنه، رغم جهودهم الكبيرة لمعرفتها، فما ذا عن عجائب لبّه و باطنه، من قوّة شهوته لجلب ما يلائمه، و قوّة غضبه لحفظ الملائم و دفع المنافر، إلى طاقة عقله التي تقوم بالمعادلة بين القوّتين عمليّا و تهدي الحواس نظريّا وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّٰهِ لٰا تُحْصُوهٰا «2».

أيّ قلم علم و قدرة كتبت هذا الكتاب المليء بالحكمة على قطرة ماء؟! فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسٰانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مٰاءٍ دٰافِقٍ «3»، يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمٰاتٍ ثَلٰاثٍ «4».

و أيّ علم و قدرة و حكمة خلقت من ذرّة سابحة في ماء مهين بشرا سويّا يتطلّع بشعلة عقله و إدراكه إلى فهم أعماق الآفاق و الأنفس اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسٰانَ مٰا لَمْ يَعْلَمْ «5»، و يتخذ الأرض و السماء ميدانا لجولان أفكاره و قدراته؟! أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يُجٰادِلُ فِي اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لٰا هُدىً وَ لٰا كِتٰابٍ مُنِيرٍ «6».

____________

(1) سورة الروم: 8.

(2) سورة النحل: 18.

(3) سورة الطارق: 5، 6.

(4) سورة الزمر: 6.

(5) سورة العلق: 3، 4، 5.

(6) سورة لقمان: 20.

25

و ما ذا يستطيع الإنسان أن يقول أمام هذا العلم و القدرة و الرحمة و الحكمة إلّا الذي قاله اللّه عزّ و جلّ: فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ «1»، و ما ذا يستطيع أن يفعل إلّا أن يخرّ إلى الأرض ساجدا و يقول:

(سبحان ربّي الأعلى و بحمده)

؟!* و لقوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي الْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ «2» لا بدّ من نظرة إلى آفاق الكون المشتملة على ملايين الشموس و الأقمار و النجوم، و التي يصل ضوء بعضها إلى الأرض بعد آلاف السنين الضوئية (سرعة الضوء في كلّ ثانية 300 ألف كيلومتر تقريبا)، و بعضها أكبر حجما من الأرض بملايين المرّات!

إنّ الفواصل بينها محسوبة بحساب دقيق، و كلّ واحدة منها في مدارها الخاص، و قد تحقّق التعادل بينها بفعل القوة الجاذبة و الدافعة العمومية بحيث لا يقع تصادم بين واحدة و أخرى لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهٰا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سٰابِقُ النَّهٰارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ «3».

و الأرض التي اعدّت لحياة الإنسان، أحاطها غلاف يصونها من آلاف الشهب المتناثرة في الفضاء، بإحالتها إلى البخار إذا اصطدمت به.

و قد جعل بعد الشمس عن الأرض بنظام دقيق متغيّر، لتحقّق شرائط تكوّن المعادن و نموّ النباتات و الحيوان و الإنسان، من جهة النور و الحرارة، على أحسن وجه!

____________

(1) سورة المؤمنون: 14.

(2) سورة فصّلت: 53.

(3) سورة يس: 40.

26

و نظّمت حركات الأرض الوضعية و الانتقالية، لكي يوجد في أكثر الأرض ليل و نهار، و طلوع و غروب، و يحصل بطلوعها النور و الضوء في حياة الإنسان فيشرع في فعّالياته لأمر معاشه، و أمّا عند غروبها فيوافي الليل و ينشر ظلامه لتوفير الهدوء و السكون اللازم لإدامة الحياة بتجديد النشاط، فلا استدامة لإشعاع الشمس، و لا انقطاع له كلّيا لئلّا يختلّ نظام الحياة وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يَذَّكَّرَ «1»، وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ «2»، قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللّٰهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إلى يَوْمِ الْقِيٰامَةِ مَنْ إِلٰهٌ غَيْرُ اللّٰهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيٰاءٍ أَ فَلٰا تَسْمَعُونَ «3».

فالنور و الظلمة، و الليل و النهار- مع ما بينهما من غاية التضاد- متّفقان متعاونان، آخذ كلّ منهما بيد الآخر لأجل هدف واحد! فالنهار يجعل ما في الأرض، و الليل يجعل ما في السماء في معرض رؤية الإنسان، لكي يكون ملك الأرض و السماء و ملكوتهما في معرض بصره و بصيرته.

فالليل و النهار يورّقان صفحات كتاب الوجود للإنسان لكي يقرأ آيات ربّه في صفحة الأرض و السماء أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ مِنْ شَيْءٍ «4»، وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ «5».

____________

(1) سورة الفرقان: 62.

(2) سورة القصص: 73.

(3) سورة القصص: 71.

(4) سورة الأعراف: 185.

(5) سورة الأنعام: 75.

27

عجبا للإنسان الذي يجعل ملاك العلم و الحكمة في البشر، معرفة الواحد منهم لبعض الموجودات، و انطباع أقل قليل قوانين الكون و أسرار الكائنات في ذهنه، كيف يمكن أن يرى خالق الذهن و الفكر و المقنّن للقوانين الحاكمة على الكون و المبدع لأسرار الخلقة، فاقدا للعلم و الحكمة؟!

هذا، مع أنّ جميع ما توصّلت إليه أذهان العلماء من أسرار الكون و قوانينه، ما هو إلّا كقطرة من معلومات أمام بحر من المجهولات؟! وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّٰا قَلِيلًا «1».

كيف يتقبّل العقل أنّ الإنسان الذي يستطيع أن ينسخ على لوحة ذهنه بعض سطور من كتاب الوجود، عالم و حكيم، بينما مؤلّف كتاب الوجود و صانع ناسخه و جهاز الاستنساخ و ما ينسخ، لا إدراك له و لا شعور؟!

كلّا، و لهذا ترى أنّ فطرة منكر الخالق العالم القادر أيضا تشهد بوجوده وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ فَأَنّٰى يُؤْفَكُونَ «2»، وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ «3».

دخل رجل من الزنادقة على عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) و عنده جماعة، فقال له أبو الحسن (عليه السلام):

«أيّها الرجل أ رأيت إن كان القول قولكم- و ليس هو كما تقولون- ألسنا و إيّاكم شرعا سواء، و لا يضرّنا ما صلّينا و صمنا و زكّينا و أقررنا؟ فسكت.

____________

(1) سورة الإسراء: 85.

(2) سورة العنكبوت: 61.

(3) سورة الزخرف: 9.

28

فقال أبو الحسن (عليه السلام): و إن يكن القول قولنا- و هو كما نقول- أ لستم قد هلكتم و نجونا؟

فقال الرجل: رحمك اللّه فأوجدني كيف هو، و أين هو؟

قال: ويلك إنّ الذي ذهبت إليه غلط، هو أيّن الأين و كان و لا أين، و هو كيّف الكيف و كان و لا كيف، و لا يعرف بكيفوفيّة و لا بأينونيّة، و لا يدرك بحاسّة و لا يقاس بشيء.

قال الرجل: فإذا إنه لا شيء، إذ لم يدرك بحاسّة من الحواس!

فقال أبو الحسن (عليه السلام): ويلك لما عجزت حواسّك عن إدراكه أنكرت ربوبيّته، و نحن إذا عجزت حواسّنا عن إدراكه أيقنّا أنه ربنا خلاف الأشياء.

قال الرجل: فأخبرني متى كان؟

فقال أبو الحسن (عليه السلام): أخبرني متى لم يكن، فأخبرك متى كان.

قال الرجل: فما الدليل عليه؟

قال أبو الحسن (عليه السلام): إنّي لمّا نظرت إلى جسدي فلم يمكني فيه زيادة و لا نقصان في العرض و الطول، و دفع المكاره عنه، و جرّ المنفعة إليه، علمت أنّ لهذا البنيان بانيا فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، و إنشاء السحاب، و تصريف الرياح، و مجرى الشمس و القمر و النجوم، و غير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت أنّ لهذا مقدّرا و منشئا»

«1». و معنى

قول الإمام (عليه السلام): «و لا يضرّنا ما صلّينا و صمنا ...»

أنّ الوظائف الدينية من الإيمان و العمل الصالح و ترك المنكرات موجبة لطمأنينة الروح و صلاح المجتمع، و هذه الأعمال حتّى لو كانت عبثا لكان تحمّلها بسبب احتمال وجود المبدأ و المعاد

____________

(1) التوحيد للصدوق ص 250 باب 36 في الردّ على الثنوية و الزنادقة ح 3، الكافي ج 1 ص 78، ح 3.

29

جهدا ضئيلا، و لازما لأجل دفع الشرّ و جلب الخير الذي لا حدّ له.

و معنى

قوله (عليه السلام): «هو أيّن الأين ...»

: أن الأين و الكيفيّة عرضان، و اللّه خالق الجواهر و الأعراض، فكيف يعقل اتصاف الخالق بخلقه، و المخلوق لا يكون وصفا للخالق، حيث إنّ اتّصاف الخالق بصفات الخلق يستلزم احتياج الخالق إلى خلقه، و لهذا لا يحدّ بالأين و الكيف، و لا يحسّ بحاسّة و لا يقاس بشيء.

و معنى

قوله (عليه السلام): «ويلك لما عجزت ...»

أنّ الذي يحصر الوجود بالمحسوس غافل عن أنّ الحسّ موجود و لكنّه ليس بمحسوس، فالسمع- مثلا- موجود و ليس بمسموع، و البصر موجود و ليس بمرئي، و الإنسان يدرك أنّ غير المتناهي غير محدود، مع أنّ كلّ محسوس محدود، و كم من الموجودات الذهنية و الخارجية هي وراء الحسّ و المحسوس.

و اغترّ هذا الشخص بظنّه أنّ الموجود منحصر في المحسوس، فأنكر خالق الحسّ و المحسوس، فهداه الإمام (عليه السلام) إلى أنّ خالق الحسّ و المحسوس، و الوهم و الموهوم، و العقل و المعقول، لا يحويه حسّ، و لا وهم، و لا عقل؛ لأنّ كلّ قوّة مدركة تحيط بما تدركه، و الخالق محيط بالخلق، فلا يمكن أن يكون خالق قوى الحسّ و الوهم و العقل المحيط بها، واقعا في حيطة إدراكها، فيكون المحيط محاطا!

ثمّ، لو كان اللّه تعالى محسوسا أو موهوما أو معقولا يحويه الذهن، لصار شبيها بما تدركه هذه القوى و شريكا له، و جهة الاشتراك تستلزم جهة اختصاص، فيكون وجوده مركّبا، و التركيب من صفات المخلوق لا الخالق، فلو كان اللّه تعالى يحويه حسّ أو وهم أو عقل، لكان مخلوقا لا خالقا.

الطريق الثالث:

إنّ التطوّرات الحادثة في المادّة و الطبيعة دليل على وجود قدرة فائقة عليهما؛

30

لأنّ تأثير المادّة و المادّي يحتاج إلى وضع و محاذاة، فمثلا: لا يصير الجسم حارا بتأثير النّار إلّا إذا كان لها نسبة و وضع خاصّ منه، و المصباح إنّما يضيء فضاء يكون على وضع خاص و نسبة خاصّة منه.

و حيث يستحيل الوضع و النسبة إلى المعدوم، فلا يمكن تأثير المادّة و الطبيعة في الموجودات المختلفة المسبوقة بالعدم، فوجود كلّ ما كان معدوما دليل على وجود قدرة لا يحتاج تأثيرها إلى الوضع و المحاذاة، و تكون ما وراء الأجسام و الجسمانيات إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1».

الطريق الرابع:

الإيمان باللّه تعالى مغروز في فطرة الإنسان، فالإنسان بفطرته يجد نفسه موجودا ضعيفا محتاجا إلى قدرة يستند إليها، و إلى غنيّ يستمدّ منه، لكن انشغاله بمشاغله المختلفة، و عواطفه تجاه ما يحبّه من علائقها، يحجبه عن وجدانه و معرفته.

ثمّ عند ما يقع في خطر و يفقد الأمل بكلّ أسباب النجاة، و يرى كلّ شعلة فكر خامدة، و كلّ قدرة عاجزة، تستيقظ فطرته النائمة، و يتّجه- بلا اختيار- إلى القادر الغنيّ بالذات الذي يستند إليه و يستمدّ منه بفطرته.

قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً لَئِنْ أَنْجٰانٰا مِنْ هٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّٰاكِرِينَ «2»، وَ إِذٰا مَسَّ الْإِنْسٰانَ ضُرٌّ دَعٰا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذٰا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مٰا كٰانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَ جَعَلَ لِلّٰهِ أَنْدٰاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ «3»،

____________

(1) سورة يس: 82.

(2) سورة الأنعام: 63.

(3) سورة الزمر: 8.

31

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتّٰى إِذٰا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِهٰا جٰاءَتْهٰا رِيحٌ عٰاصِفٌ وَ جٰاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنٰا مِنْ هٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّٰاكِرِينَ «1».

قال رجل للإمام الصادق (عليه السلام): «يا ابن رسول اللّه دلّني على اللّه ما هو؟ فلقد أكثر عليّ المجادلون و حيّروني!

فقال له: يا عبد اللّه، هل ركبت سفينة قط؟

قال: نعم.

قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك، و لا سباحة تغنيك؟

قال: نعم.

قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟

قال: نعم.

قال الصادق (عليه السلام): فذلك الشيء هو اللّه القادر على الإنجاء حيث لا منجي، و على الإغاثة حيث لا مغيث»

«2». و هذه المعرفة و الارتباط الفطري باللّه، يمكن أن يصل إليها الإنسان في غير حالات الاضطرار و الانقطاع المطلق- أي في حال الاختيار- بجناحي العلم و العمل:

الأوّل: أن يزيح بنور عقله حجاب الجهل و الغفلة، و يرى أنّ وجود كلّ موجود و كمالاته ليس من ذاته و لا بذاته، و يعلم أنّ الكلّ لا بدّ و أن ينتهي إلى

____________

(1) سورة يونس: 22.

(2) التوحيد ص 231 باب 31 ح 5، معاني الأخبار للصدوق ص 4 باب معنى اللّه ح 2.

32

الذات المقدّسة الذي هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّٰاهِرُ وَ الْبٰاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «1»، هُوَ اللّٰهُ الْخٰالِقُ الْبٰارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ «2».

الثاني: أن يزيل عن جوهر روحه أكدار الآثام و الرذائل و ظلماتها، بتزكية النفس و رعاية التقوى، فإنه لا يحجب العبد عن ربّه إلّا حجاب الجهل و الغفلة و ظلمات الذنوب و أكدارها، و لا بدّ من إزالة ذلك بالجهاد علما و عملا وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا «3».

قال الإمام الصادق (عليه السلام) لابن أبي العوجاء:

«و كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك: نشوؤك و لم تكن، و كبرك بعد صغرك، و قوّتك بعد ضعفك، و ضعفك بعد قوّتك، و صقمك بعد صحّتك، و صحّتك بعد سقمك، و رضاك بعد غضبك، و غضبك بعد رضاك، و حزنك بعد فرحك، و فرحك بعد حزنك، و حبّك بعد بغضك، و بغضك بعد حبّك، و عزمك بعد إبائك، و إباؤك بعد عزمك، و شهوتك بعد كراهتك، و كراهتك بعد شهوتك، و رغبتك بعد رهبتك، و رهبتك بعد رغبتك، و رجاؤك بعد يأسك، و يأسك بعد رجائك، و خاطرك بما لم يكن في وهمك، و عزوب ما أنت معتقده عن ذهنك ...»

قال ابن أبي العوجاء: و ما زال يعدّ عليّ قدرته التي في نفسي التي لا أدفعها، حتّى ظننت أنه سيظهر فيما بيني و بينه!

«4».**

____________

(1) سورة الحديد: 3.

(2) سورة الحشر: 24.

(3) سورة العنكبوت: 69.

(4) التوحيد للصدوق ص 127 باب القدرة ح 4، الكافي ج 1 ص 75.

33

التوحيد

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

التوحيد التوحيد هو الاعتقاد بأنّ اللّه واحد، ليس مركّبا من أجزاء و صفات- لأنّ وجود أيّ مركّب يحتاج إلى أجزاء و إلى من يركّبها، و الوجود المحتاج محال أن يعطي الوجود لنفسه، فضلا عن غيره- و أنه لا شريك له في ألوهيّته و لا في صفاته «1».

____________

(1) للتوحيد مراتب نشير إليها إجمالا:

توحيد الذات: كلّ موجود مركّب إلّا ذات الباري المقدّسة فإنه الواحد الذي الأحديّة عين ذاته، و كلّ ما سواه قابل للقسمة: إمّا في الوجود كانقسام الجسم إلى المادّة و الصورة، أو في الوهم كانقسام الزمان إلى الآنات، أو في العقل كانقسام الإنسان إلى الإنسانية و الوجود، و انقسام كلّ موجود متناه إلى المحدود و حدّه قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ.

عن شريح ابن هاني، عن أبيه قال: إنّ أعرابيّا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أ تقول: إنّ اللّه واحد؟

قال: فحمل الناس عليه قالوا: يا أعرابي أ ما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب؟!

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): دعوه، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، ثمّ قال: يا أعرابي إنّ القول في أنّ اللّه واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على اللّه عزّ و جلّ، و وجهان يثبتان فيه: فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أ ما ترى أنه كفر من قال ثالث ثلاثة.

- و قول القائل: هو واحد من الناس، يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز عليه، لأنه تشبيه، و جلّ ربّنا عن ذلك و تعالى.

و أمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا.

و قول القائل: إنه عزّ و جلّ أحدي المعنى، يعني به أنه لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم، كذلك ربّنا عزّ و جلّ. (التوحيد للصدوق ص 83، باب معنى الواحد و التوحيد و الموحد ح 3).

توحيد الذات و الصفات: و معناه أنّ صفاته الذاتية- كالحياة و العلم و القدرة- عين ذاته تعالى، و إلّا فتعدّد الذات و الصفة يستلزم التركيب و التجزئة، و المركّب من الأجزاء محتاج إلى الأجزاء و إلى من يركّبها، و أيضا فإنّ زيادة الصفات على الذات تستلزم أن تكون الذات فاقدة لصفات الكمال.

من جهة أخرى، فإنّ زيادة الصفات على الذات، تستلزم أن تكون الذات في مرتبة الذات فاقدة لصفات الكمال، و متضمّنة لإمكان وجودها! بل تستلزم أن تكون الذات أيضا ممكنة الوجود، لأنّ فاقد صفات الكمال و حامل إمكانها محتاج إلى الغني بالذات!

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أوّل عبادة اللّه معرفته، و أصل معرفة اللّه توحيده، و نظام توحيد اللّه نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أنّ كلّ صفة و موصوف مخلوق، و شهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقا ليس بصفة و لا موصوف)

(التوحيد للصدوق ص 34، باب التوحيد و نفي التشبيه ح 2).

التوحيد في الألوهية: وَ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ سورة البقرة: 163.

التوحيد في الربوبية: قُلْ أَ غَيْرَ اللّٰهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ سورة الأنعام: 164.

أَ أَرْبٰابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّٰهُ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ سورة يوسف: 39.

التوحيد في الخلق: قُلِ اللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ سورة الرعد: 16.

وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ لٰا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ سورة النحل: 20.

التوحيد في العبادة:

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

____________

- قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مٰا لٰا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لٰا نَفْعاً سورة المائدة: 76.

التوحيد في الأمر و الحكم: أَلٰا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبٰارَكَ اللّٰهُ رَبُّ الْعٰالَمِينَ سورة الأعراف: 54.

إِنِ الْحُكْمُ إِلّٰا لِلّٰهِ سورة يوسف: 40.

التوحيد في الخوف و الخشية: فَلٰا تَخٰافُوهُمْ وَ خٰافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ سورة آل عمران: 175.

ئفَلٰا تَخْشَوُا النّٰاسَ وَ اخْشَوْنِ سورة المائدة: 44.

التوحيد في الملك: وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ سورة الإسراء: 111.

التوحيد في النفع و الضرّ: قُلْ لٰا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لٰا ضَرًّا إِلّٰا مٰا شٰاءَ اللّٰهُ سورة الأعراف: 188.

قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّٰهِ شَيْئاً إِنْ أَرٰادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرٰادَ بِكُمْ نَفْعاً سورة الفتح: 11.

التوحيد في الرزق: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللّٰهُ سورة سبأ: 24.

أَمَّنْ هٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ سورة الملك: 21.

التوحيد في التوكّل: وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ وَكِيلًا سورة الأحزاب: 3.

اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ وَ عَلَى اللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ سورة التغابن: 13.

التوحيد في نيّة العمل: وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ* إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلىٰ سورة الليل: 19- 20.

التوحيد في التوجّه: و هذا مقام الذين أدركوا هلاك الكائنات و فنائها، و استوعبوا حقيقة كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ سورة القصص: 88، كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ* وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلٰالِ وَ الْإِكْرٰامِ سورة الرحمن: 26- 27.

و يتجلّى التوحيد في التوجّه الفطري إلى خالقهم بجهادهم في اللّه، في التوحيد في التوجّه الإرادي،

38

و نشير إلى بعض أدلّة التوحيد في الألوهية:

الدليل الأوّل:

تعدّد الإله يستدعي الاشتراك في الألوهية، لكون كلّ منهما إلها، و يستدعي امتياز أحدهما عن الآخر حتّى تتحقّق الاثنينيّة، فكلّ منهما مركّب ممّا به الاشتراك و ما به الامتياز.

الدليل الثاني:

تعدّد الإله بلا امتياز محال، و الامتياز موجب لفقدان ما للإله الآخر من الكمال، و فاقد الكمال محتاج، و لا بدّ أن تنتهي سلسلة الاحتياج إلى الغني بالذات من جميع الجهات، و إلّا لزم عدم وجود أيّ ممكن، لأنّ الفاقد للوجود يستحيل أن يكون معطيا للوجود.

الدليل الثالث:

إنّ اللّه تعالى موجود لا حدّ له كما

قال عليّ (عليه السلام): «و لا يقال له حدّ و لا نهاية»

«1»- لأنّ كلّ محدود مركّب من الوجود و حدّ ذلك الوجود، و حدّ الوجود هو فقدان الكمال الزائد على ذلك الوجود، و هذا التركيب اسوأ أنواع التركيب- حيث إنّ التركيب إمّا من وجودين، أو من عدمي و وجود، و هذا التركيب المزعوم من وجود و عدم- و كلّ أنواع التركيب محال على اللّه تعالى.

و الموجود الذي لا حدّ له فهو واحد لا يتصوّر له ثان، لأنّ تصوّر الثاني له

____________

- فتحقّق ما استودع في النفوس بلا اختيار في نفوسهم بالعلم و الاختيار، و وصلوا من قوله تعالى:

وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ (سورة طه: 111) إلى قوله تعالى: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ. سورة الأنعام: 79.

(1) نهج البلاغة خطبة 186.

39

مستلزم لتحديده بعدم الثاني، و المحدود مركّب من الوجود و العدم، و كلّ مركّب محتاج إلى ما يتركّب منه، فالشرك في الألوهية ينتهي إلى افتقار الإله إلى العدم، فهو سبحانه أحدي الذات و الصفات، فليس له ثان متحقّق و لا متصوّر.

الدليل الرابع:

إنّ وحدة النظم في أجزاء العالم و في كلّ العالم تثبت وحدة الناظم.

فإنّ التدقيق في النظم و التركيب لكلّ جزء من أجزاء كلّ واحد من جزئيات أنواع الكائنات، و ارتباط أنواع الكائنات كلّ واحد بالآخر يكشف عن أنّ الجزء و الكلّ مخلوقان لخالق واحد عليم قدير حكيم.

إنّ تركيب أجزاء شجرة، و أعضاء حيوان و قواه، و ارتباط بعضها ببعض، و ارتباطها بالأرض و الشمس، و ارتباط المنظومة الشمسية بسائر المنظومات و المجرّات و بكلمة: إنّ تركيب الذرّة الواحدة من نواتها و ما يدور حولها إلى تركيب الشمس و السيّارات و المجرّات، يكشف عن أنّ خالق الذرّة و الشمس و المجرّة واحد وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ «1»، يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرٰاشاً وَ السَّمٰاءَ بِنٰاءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرٰاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلٰا تَجْعَلُوا لِلّٰهِ أَنْدٰاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ «2».

الدليل الخامس:

سئل الصادق (عليه السلام) لم لا يجوز أن يكون صانع العالم أكثر من واحد؟ فقال (عليه السلام):

____________

(1) سورة الزخرف: 84.

(2) سورة البقرة: 21 و 22.

40

(... ثمّ يلزمك إن ادّعيت اثنين فرجة ما بينهما حتّى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما، فيلزمك ثلاثة، و إن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلت [قلنا] في الاثنين، حتّى تكون بينهم فرجة فيكونوا خمسة، ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة)

«1».

الدليل السادس:

قال أمير المؤمنين لولده الحسن (عليهما السلام): (و اعلم يا بنيّ أنه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله، و لرأيت آثار ملكه و سلطانه، و لعرفت أفعاله و صفاته، و لكنّه إله واحد كما وصف نفسه)

«2». و نتيجة الإيمان بوحدانية اللّه تعالى توحيده في العبادة، لأنّ غيره لا يستحقّ العبادة و لا يليق لها، إذ كلّ ما سواه و من سواه عباده سبحانه إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ إِلّٰا آتِي الرَّحْمٰنِ عَبْداً «3».

ثمّ إنّ العبودية لغير اللّه تعالى ذلّة للذليل و استعطاء من الفقير، بل هي ذلّة للذلّة و استعطاء من الفقر المحض! يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرٰاءُ إِلَى اللّٰهِ وَ اللّٰهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ «4».

إنّ الإيمان بوحدانيّته تعالى، و بأنّ كلّ موجود منه و به و إليه، يتلخّص في ثلاث جمل: «لا إله إلّا اللّه»، «لا حول و لا قوّة إلّا باللّه»، وَ إِلَى اللّٰهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ «5».

____________

(1) الكافي ج 1 ص 80 كتاب التوحيد باب 1 ح 5، التوحيد ص 243 باب 36 ح 1.

(2) نهج البلاغة، الرسالة رقم 31: من وصية له للحسن بن علي (عليهما السلام).

(3) سورة مريم: 93.

(4) سورة فاطر: 15.

(5) سورة آل عمران: 109.

41

فالسعيد من كانت هذه الكلمات الطيّبة التامّة ذكره الدائم، ينام و يستيقظ معها، يحيى و يموت عليها، فيفوز بحقيقة إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ «1».

تأثير التوحيد على الإنسان و المجتمع

من الآثار المترتبة على وصول الإنسان إلى حقيقة التوحيد أن تتركّز أشعّة الفكر و الإرادة من الفرد و المجتمع على هدف واحد، لا هدف أعلى منه، بل لا هدف غيره قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ مَثْنىٰ وَ فُرٰادىٰ «2».

و إذا كان تمركز أشعّة النفس الإنسانية على نقطة وهمية يحقّق قدرات عجيبة محيّرة للعقول، فكيف إذا تمركزت أشعّة فكر الإنسان و إرادته على حقيقة هي المبدأ و المنتهى للوجود و نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ «3»، و إلى أيّ مقام و مرتبة يصل هذا الإنسان؟!

إنّ الفرد و المجتمع إذا وصلا إلى المقام الذي قال سبحانه و تعالى عنه: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ «4» صاروا بارتباطهم باللّه و تخلّقهم بأخلاق اللّه منبعا للخير و السعادة و الكمال الذي يعجز البيان عن وصفه.

و ختام الكلام في هذا المقام بكلمة هي حصن اللّه الحصين من عذاب الدّنيا و الآخرة،

عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: (ما من شيء أعظم

____________

(1) سورة البقرة: 156.

(2) سورة سبأ: 46.

(3) سورة النور: 35.

(4) سورة الأنعام: 79.

42

ثوابا من شهادة أن لا إله إلّا اللّه، لأنّ اللّه عزّ و جلّ لا يعدله شيء و لا يشركه في الأمر أحد)

«1». يستفاد من هذه الرواية أنه كما أنّ اللّه تعالى ليس له عديل و لا شريك له في أمره، كذلك لا عديل لشهادة «لا إله إلّا اللّه» في الأعمال، و لتناسب الجزاء مع العمل، فلا عديل له- من الأعمال- في الثواب.

إنّ الشهادة ب «لا إله إلّا اللّه» باللسان توجب صيانة النفس و المال و العرض في الدّنيا، و الشهادة بها بالقلب توجب النجاة من عذاب النار في الآخرة، و الفوز بنعيم الجنّة، فهذه الكلمة المباركة مظهر للرحمة الرحمانية و الرحيميّة.

روي عن الصادق (عليه السلام): (إنّ اللّه تبارك و تعالى أقسم بعزّته و جلاله أن لا يعذّب أهل توحيده بالنار أبدا)

«2». و روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (ما جزاء من أنعم اللّه عزّ و جلّ عليه بالتوحيد إلّا الجنّة)

«3». إنّ من تكون هذه الكلمة ذكره الدائم فقد نجت سفينة قلبه بمرساة «لا إله إلّا اللّه» من مهاوي الهلكة و الأمواج المهيبة و من الحوادث و الوساوس و الأهواء الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّٰهِ أَلٰا بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ «4».

إنّ كلمة «لا إله إلّا اللّه» ذكر تؤدّى حروفه بالجهر و الإخفات، فهي تجمع بين الذكر الجليّ و الخفيّ، و تشتمل على الاسم المقدّس «اللّه»، و

قد روي عن أمير

____________

(1) التوحيد للصدوق ص 19 باب 1 ح 3.

(2) التوحيد للصدوق ص 20 باب 1 ثواب الموحّدين.

(3) التوحيد للصدوق ص 22 باب 1 ثواب الموحّدين.

(4) سورة الرعد: 28.

43

المؤمنين (عليه السلام) أنه أكبر اسم من أسماء اللّه تعالى.

قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتٰاكُمْ عَذٰابُ اللّٰهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّٰاعَةُ أَ غَيْرَ اللّٰهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ* بَلْ إِيّٰاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مٰا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شٰاءَ وَ تَنْسَوْنَ مٰا تُشْرِكُونَ «1».

و روى أبو سعيد الخدري عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: «قال اللّه جلّ جلاله لموسى:

يا موسى لو أنّ السماوات و عامريهنّ و الأرضين السبع في كفّة و لا إله إلّا اللّه في كفّة، مالت بهنّ لا إله إلّا اللّه»

«2» فلا تعادل الأرضين و السماوات و لا المادّيات و المجرّدات كلمة لا إله إلّا اللّه، و لا يدرك عظمتها إلّا الواصلون إلى حقيقة النفي و الإثبات التي اشتملت عليها هذه الكلمة الطيّبة.

**

____________

(1) سورة الأنعام: 40- 41.

(2) التوحيد للصدوق ص 30 ب 1 ثواب الموحّدين.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

العدل

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

العدل الأدلّة على عدل اللّه عزّ و جلّ كثيرة، نذكر بعضها:

الدليل الأوّل:

كلّ إنسان- و لو لم يكن ملتزما بدين- يدرك بفطرته حسن العدل و قبح الظلم، حتّى أنّ الظالم إذا وصفوه بأنه ظالم يتأذّى و ينفر، و إذا وصفوه بأنه عادل يبتهج و يفرح.

و لو أنّ ظالما مجرما- يصرف كلّ همّه تبعا لشهوته و غضبه للوصول إلى مآربه النفسانية- قدّم إلى محكمة، فقضى له القاضي بغير الحقّ، طمعا في ماله أو خوفا من سطوته، فإنه سيفرح بحكم القاضي، لكن عقله و فطرته يحكمان بقبح الحكم و دناءة نفس القاضي!

و على العكس من ذلك، إذا حاكمه قاض و لم يبال بمال الظالم و جاهه، و حكم عليه بالعدل، فإنّ الظالم سيغضب عليه، و لكن فطرته تجعله ينظر إلى ذلك القاضي و قضاوته باحترام و تحسين.

فإذا كانت هذه حال الإنسان، فكيف يمكن أن يكون اللّه سبحانه ظالما في ملكه و حكمه، و هو الذي جعل حسن العدل و قبح الظلم في فطرته، و أراد من الإنسان أن يتحلّى بحلية العدل و يتجنّب عن لوث الظلم، و أمر بالعدل بقوله تعالى:

48

إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ «1» و قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ «2» و يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ وَ لٰا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ «3».

الدليل الثاني:

إنّما ينشأ الظلم من أحد أسباب ثلاثة، و كلّها محال على اللّه تعالى: إمّا من الجهل بقبحه، أو من العجز عن تحقيق هدفه إلّا بارتكابه، أو من اللغو و العبث، و اللّه منزّه عن الجهل و العجز و السفه، فعلمه بكلّ شيء و قدرته على كلّ شيء و حكمته البالغة توجب أن يكون عادلا و منزّها عن كلّ ظلم و قبيح.

الدليل الثالث:

الظلم نقص، و لو كان اللّه تعالى ظالما لزم تركّبه من النقص و الكمال، و الوجدان و الفقدان، و هذا أسوأ أنواع التركيب كما تقدّم «4»، مضافا إلى أنّ المركّب من الكمال و النقص محتاج و محدود، و الاحتياج و الحدّ من أوصاف المخلوق لا الخالق.

و النتيجة أنّ اللّه تبارك و تعالى عادل في خلق الكائنات شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ وَ الْمَلٰائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قٰائِماً بِالْقِسْطِ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «5»، و عادل في قوانينه و أحكامه لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ لِيَقُومَ

____________

(1) سورة النحل: 90.

(2) سورة الأعراف: 29.

(3) سورة ص: 26.

(4) في صفحة 38.

(5) سورة آل عمران: 18.

49

النّٰاسُ بِالْقِسْطِ «1»، و عادل في حساب عباده يوم الجزاء وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لٰا يُظْلَمُونَ «2».

عن الصادق (عليه السلام): «أنه سأله رجل فقال له: إنّ أساس الدين التوحيد و العدل، و علمه كثير، و لا بدّ لعاقل منه، فاذكر ما يسهل الوقوف عليه و يتهيّأ حفظه، فقال:

«أمّا التوحيد فأن لا تجوّز على ربّك ما جاز عليك، و أمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه»

«3». و قال لهشام بن الحكم: «ألا أعطيك جملة في العدل و التوحيد؟ قال: بلى جعلت فداك، قال: من العدل أن لا تتّهمه، و من التوحيد أن لا تتوهّمه»

«4». و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كلّ ما استغفرت اللّه تعالى منه فهو منك، و كلّ ما حمدت اللّه تعالى فهو منه»

«5».**

____________

(1) سورة الحديد: 25.

(2) سورة يونس: 54.

(3) التوحيد، ص 96 باب في معنى التوحيد و العدل ح 1.

(4) بحار الأنوار ج 5 ص 58، و بتفاوت في نهج البلاغة باب المختار من حكمه (عليه السلام) رقم 470.

(5) الطرائف 329.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

[النبوّة]

النبوّة العامّة

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}