مفاهيم القران - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
662 /
5

مقدمة الطبعة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

القرآن كتاب القرون والأجيال

الحمد للّه الذي نزّل القرآن تبياناً لكلّ شيء ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الذي نزل القرآنُ على قلبه ليكون من المنذِرين ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيش العلم وموت الجهل.

أمّا بعد ، فانّ القرآن كتاب أبديّ خالد ينطوي على أبعاد مختلفة وبطون لا يمكن للبشر أن يكتشف جميعها جملة واحدة ، وإنّما يكتشف في كلّ عصر بعداً من أبعاده ، وحقيقة من حقائقه.

وقد استخرج المحقّقون بفضل جِدّهم ومثابرتهم حقائق في غاية الأهمية لم يخطر على بال القدامى من المحقّقين ، وهذا دليل واضح على أبعاد القرآن اللامتناهية ، وإليها يشير ابن عباس بقوله : إنّ القرآن يفسره الزمان (1).

وهذه حكمة بالغة نطق بها حبر الأُمّة تلميذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وأثبتتها التجارب على مرّ الزمان.

____________

1 ـ راجع النواة في حقل الحياة ، تأليف مفتي الموصل الشيخ العبيدين.

6

والحقّ يقال : انّ السير التكاملي للعلوم على مرّالزمان لم يمنع علماء الطبيعة فحسب من إمكانية استنباط حقائق هامة وجديدة من القرآن في حقول العلوم الطبيعية ، بل وأتاح للمفسرين أيضاً إمكانية استخراج حقائق قرآنية هامة لم تكن معروفة من ذي قبل ، و ذلك بفضل تطور المناهج العلمية المتداولة.

إنّ القرآن الكريم صدر من لدن حكيم خبير لا يحد ولا يتناهى ، ومقتضى السنخية بين الفاعل والفعل أن يكون في فعله أثر من ذاته ، فإذا كانت ذاته لا متناهية ولا أوّل لها ولا آخر ، فاللازم أن ينعكس شيء من كمالات الذات على الفعل أيضاً ، وإلى ذلك يشير رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) في كلامه إذ يتحدّث حول أبعاد القرآن و أغواره ، فيقول :

« فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فانّه شافع مشفّع ، وماحل مصدَّق ، من جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدل على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم ، وباطنه علم ، ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، له نجوم ، وعلى نجومه نجوم ، لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة ، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة ، فليجل جال بصره ، وليبلغ الصفة نظره ، ينج من عطب ، ويتخلّص من نشب ، فانّ التفكر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ». (1)

كما أشار أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إلى هذه الأبعاد اللا متناهية ، وقال في معرض كلامه عن القرآن : « ثمّ أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه ، وسراجاً لا يخبو توقّده ، وبحراً لا يدرك قعره ، فهو ينابيع العلم وبحوره ، وبحراً لا ينزفه المستنزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ». (2)

____________

1 ـ الكافي : 2/599 ، كتاب فضل القرآن.

2 ـ نهج البلاغة ، الخطبة رقم 198.

7

إنّ هذه الميزة (البعد اللا متناهي للقرآن) لم تكن أمراً خفياً على بلغاء العرب في صدر الرسالة ، وهذا هو الوليد بن المغيرة ريحانة العرب ، يشيد بالقرآن ويصفه بقوله :

واللّه لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وانّ له لحلاوة ، وانّ عليه لطلاوة ، وانّ أعلاه لمثمر ، وانّ أسفله لمغدق ، وانّه ليعلو وما يعلى عليه. (1)

إنّه سبحانه خصَّ نبيّه بتلك المعجزة الخالدة ، وما هذا إلاّ لأنّ الدين الخالد يستدعي معجزة خالدة ، ودليلاً وبرهاناً أبدياً لا يختص بعصر دون عصر ، والنبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) وإن جاء بمعاجز ودلائل باهرة لم ترها عيون الأجيال المتعاقبة ولكن عوضهم اللّه سبحانه بمعجزة هي كشجرة مثمرة تعطي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها ، وينتفع كلّ جيل من ثمارها حسب حاجاته ، وإلى هذا يشير الإمام علي بن موسى الرضا عليمها السَّلام حين سأله السائل ، وقال : ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلاّغضاضة؟ فقال الإمام : « إنّ اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ، ولا لناس دون ناس ، فهو في كلّ زمان جديد ، وعند كلّ قوم غضٌّ إلى يوم القيامة ». (2)

اهتمام المسلمين بالكتاب العزيز

ارتحل النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) وترك بين الأُمة تركتين ثمينتين ، إحداهما : الكتاب ، والأُخرى : العترة.

وقد أكبّ المسلمون بعد رحيله على قراءة القرآن وتجويده وكتابته ونشره بين الأُمم. وأسّسوا علوماً كثيرة خدموا بها القرآن الكريم ، كما أنّهم وراء ذلك اهتموا

____________

1 ـ مجمع البيان : 5/387 ، طبع صيدا ، وقد سقط عن النسخة لفظة « عليه » من قوله : « وما يعلى ».

2 ـ البرهان في تفسير القرآن ، للسيد البحراني : 1/28.

8

بتفسير غريب القرآن و تبيين مفرداته ، ومجازاته وتفسير جمله وتراكيبه ، وردّ متشابهه إلى محكماته ، وتمييز ناسخه عن منسوخه ، وتفسير آيات أحكامه ، وإيضاح قصصه وحكاياته ، وأمثاله وأقسامه ، واحتجاجاته ومناظراته ، إضافة إلى بيان أسباب نزوله ، وكلّ ذلك يعرب عن الأهمية الفائقة التي يحظى بها القرآن الكريم.

وفي ظل هذه الجهود المضنية ظهرت تفاسير في كلّ قرن وعصر لو جمعت في مكان واحد لشكلت مكتبة ضخمة لا يستهان بها.

التفسير الترتيبي والتفسير الموضوعي

إنّ التفسير الرائج في الأجيال الماضية هو تفسير القرآن حسب السور والآيات الواردة في كلّ سورة ، فمنهم من سنحت له الفرصة أن يفسر آيات القرآن برمتها ، ومنهم من لم يسعفه الحظ إلاّبتفسير بعض السور ، وهذا النوع من التفسير الذي يطلق عليه اسم التفسير الترتيبي ، ينتفع به أكثر شرائح المجتمع الإسلامي ، وكلّ حسب استعداده وقابلياته.

بيد انّ هناك لوناً آخر من التفسير يطلق عليه اسم التفسير الموضوعي الذي ظهر في العقود الأخيرة ، واستقطب قسطاً كبيراً من اهتمام العلماء نظراً لأهميته ، وهو تفسير القرآن الكريم حسب الموضوعات الواردة فيه بمعنى جمع الآيات الواردة في سور مختلفة حول موضوع واحد ، ثمّ تفسيرها جميعاً والخروج بنتيجة واحدة ، وقد أُطلق على هذا اللون من التفسير بالتفسير الموضوعي.

وأوّل من طرق هذا الباب لفيف من علماء الشيعة عند تفسيرهم آيات الأحكام الشرعية المتعلّقة بعمل المكلف في حياته الفردية والاجتماعية فانّ النمط السائد على تآليفهم في هذا الصعيد هو جمع الآيات المتفرقة الراجعة إلى موضوع واحد في مبحث واحد ، فيفسرون ما يرجع إلى الطهارة في القرآن في باب واحد ، كما

9

يفسرون ما يرجع إلى الصلاة في مكان خاص ، وهكذا سائر الآيات ، و هذا ككتاب « منهاج الهداية في شرح آيات الأحكام » للشيخ جمال الدين ابن المتوج البحراني (المتوفّى عام 820 هـ) ، و« آيات الأحكام » للشيخ السيوري الأسدي الحلي المعروف بالفاضل المقداد(المتوفّى عام 826) ، إلى غير ذلك مما أُلف في هذا الصدد ، وهذا على خلاف ما كتبه أهل السنة في تفسير آيات الأحكام كالجصاص وغيره ، فانّهم فسروا آيات الأحكام حسب السور ، وقد اعترف بذلك الشيخ الذهبي في كتابه « التفسير والمفسرون »

يقول الذهبي عند ما يتطرق إلى تفسير « كنز العرفان في فقه القرآن » : يتعرض هذا التفسير لآيات الأحكام فقط ، وهو لا يتمشى مع القرآن سورة سورة على حسب ترتيب المصحف ذاكراً ما في كلّ سورة من آيات الأحكام كما فعل الجصاص وابن العربي مثلاً ، بل طريقته في تفسيره : انّه يعقد فيه أبواباً كأبواب الفقه ، ويدرج في كلّ باب منها الآيات التي تدخل تحت موضوع واحد ، فمثلاً يقول : باب الطهارة ، ثمّ يذكر ما ورد في الطهارة من الآيات القرآنية ، شارحاً كلّ آية منها على حدة ، مبيناً ما فيها من الأحكام على حسب ما يذهب إليه الإمامية الاثنا عشرية. (1)

ثمّ إنّ أوّل من توسع في التفسير الموضوعي هو شيخنا العلاّمة المجلسي ، فقد اتّبع هذا المنهج في جميع أبواب موسوعته النادرة « بحار الأنوار » حيث جمع الآيات المربوطة بكلّ موضوع في أوّل الأبواب وفسرها تفسيراً سريعاً ، وهذه الخطوة وإن كانت قصيرة ، لكنّها جليلة في عالم التفسير ، وقد قام بذلك مع عدم وجود المعاجم القرآنية الرائجة في تلك الأعصار.

وبما أنّ القرآن الكريم بحث في أُمور ومواضيع كثيرة لا يحيط بها أحد ، لذا

____________

1 ـ التفسير والمفسرون : 2/465.

10

فقد آثرنا دراسة الجانب العقائدي من هذه المواضيع الكثيرة جداً ، لأهميته في ترسيم معالم الإيمان وترسيخه في حياة الإنسان. وتؤلّف قضايا التوحيد والشرك حجر الأساس في العقيدة الإسلامية ، بل حجر الأساس في كلّ الشرائع السماوية.

فبإلقاء نظرة سريعة على الآيات القرآنية يتضح انّ القرآن الكريم بذل حيال مسألة التوحيد الأُلوهي و الربوبي من العناية ما لم يبذل مثلها حيال أية مسألة أُخرى من المسائل العقائدية والمعارف العقلية. بل حتى قضية « المعاد » والبعث في يوم القيامة التي تعد من القضايا المهمة جداً في نظر القرآن بحيث لا يمكن لأي دين أن يتجلى في صورة « عقيدة سماوية » ومنهج إلهي دون الاعتقاد بها ، كما لا يمكن لذلك المنهج أن ينفذ إلى الأعماق والافئدة بدونها.

ويجدر بالذكر انّ عناية القرآن تركزت أساساً على ابلاغ وبيان « أُصول الدين »و بذر بذورها في الأفئدة ، والعقول أكثر من العناية ببيان المسائل الفرعية العملية.

ويشهد على ذلك أنّ الآيات التي وردت في القرآن حول موضوع « المعاد » تتجاوز (2000) آية ، في حين يقارب مجموع الآيات الواردة حول الأحكام المبينة لفروع الدين (288) آية أو يتجاوزها بقليل.

وهذا هو بذاته يكشف عن الاهتمام الواسع والعناية الفائقة التي يوليها القرآن الكريم للمسائل الفكرية والقضايا الاعتقادية.

وعلى هذا الأساس قد خصصنا الجزء الأوّل للتوحيد والشرك بمختلف مراتبهما ، ولما انتهى بحثنا في آخر الجزء إلى التوحيد في الحكومة التي هي للّه سبحانه فقط ، آثرنا أن نركز في الجزء الثاني على معالم الحكومة الإسلامية ، ثمّ تدرّجنا في البحث في سائر الأجزاء إلى الجزء العاشر الذي اهتم بالعدل والإمامة ، وما يمت لهما بصلة.

11

وبذلك انتهت هذه الموسوعة القرآنية المبتكرة في موضوعها ، وهي نعمة منَّ اللّه سبحانه بها على عبده الفقير.

وفي الختام لا يسعني هنا إلاّ أن أتقدم بخالص الشكر إلى ولدي الروحي الحجة الفاضل الشيخ جعفر الهادي (حفظه اللّه) حيث قام بتدوين ما ألقيته من محاضرات في الجزء الأوّل والثاني على أحسن ما يمكن.

وقد بذل وقته الثمين لتحرير هذين الجزءين وإخراجهما بهذه الحلة القشيبة ، وهو (حفظه اللّه) ذو باع طويل في هذا المضمار.

وأمّا الأجزاء الثمانية الباقية فقد قمت بكتابتها وتحريرها بفضل من اللّه سبحانه فجاءت هذه الموسوعة في عشرة أجزاء.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

14 ذي الحجة الحرام من شهور عام 1420 هـ

12

-

13

مراتب التوحيد

لقد لخّص المحقّقون الإسلاميون البحوث المرتبطة بالتوحيد في أربعة أقسام نذكرها فيما يأتي باختصار :

1. التوحيد في الذات

والمقصود به أنّ اللّه واحد أحد لا شريك له ولا نظير ولا يتصور له شبيه ولا مثيل.

بل انّ ذاته المقدّسة بسيطة غير مركبة ، من أجزاء كما هو شأن الأجسام.

2. التوحيد في الصفات

ويراد منه أنّ اللّه تعالى وإن كان متّصفاً بصفات عديدة كالعلم والقدرة والحياة ، إلاّ أنّ هذا التعدّد إنّما هو باعتبار المفهوم الذهني وليس باعتبار الوجود والواقع الخارجي ، بمعنى أنّ كل واحدة من هذه الصفات هي « عين » الأُخرى وليست « غير » الأُخرى ، وهي أجمع « عين » الذات وليست « غير » الذات.

فعلم اللّه ـ مثلاً ـ هو « عين » ذاته ، فذاته كلّها علم ، في حين تكون ذاته كلها

14

« عين » القدرة ، لا أن حقيقة العلم في الذات الإلهية شيء ، وحقيقة القدرة شيء آخر ، بل كل واحدة منهما « عين » الأُخرى ، وكلتاهما « عين » الذات المقدسة.

ولتقريب المعنى المذكور نلفت نظر القارئ الكريم إلى المثال التالي فنقول :

من الواضح أنّ كل واحد منّا « معلوم » للّه ، كما أنّه « مخلوق » للّه في نفس الوقت.

صحيح أنّ مفهوم « المعلومية » غير مفهوم « المخلوقية » في مقام الاعتبار الذهني وعند التحليل العقلي البحت ، ولكنَّهما في مقام التطبيق الخارجي واحد ، فإنّ وجودنا بأسره معلوم للّه ، كما أنّ وجودنا بأسره مخلوق للّه في نفس الوقت .. هكذا وجود واحد باعتبارين.

فهما (أي المعلومية والمخلوقية) المتصف بهما وجودنا ليسا في مقام المصداق الخارجي إلاّ « عين » الأُخرى ، وهما « عين » ذاتنا ، لا أنّ قسماً من ذاتنا هو المعلوم للّه والقسم الآخر هو المخلوق له تعالى ، بل كل ذاتنا بأسره مخلوق ومعلوم للّه في آن واحد.

3. التوحيد في الأفعال

نحن نعلم أنّ هناك في عالم الطبيعة سلسلة من العلل والأسباب الطبيعية لها آثار خاصة ك ـ :

الشمس والإشراق الذي هو أثرها ومعلولها ، والنار والإحراق الذي هو أثرها ومعلولها ، والسيف والقطع الذي هو أثره ومعلوله.

15

والتوحيد الافعالي هو أن نعتقد بأنّ هذه « الآثار » مخلوقة هي أيضاً للّه تعالى كما أنّ عللها مخلوقة له سبحانه.

بمعنى أنّ اللّه الذي خلق العلل المذكورة هو الذي منحها تلك « الآثار ».

فخلق الشمس وأعطاها خاصية الإشراق ، وخلق النار وأعطاها خاصية الإحراق ، وخلق السيف وأعطاه خاصية القطع ، إلى آخر ما هنالك من العلل والمعلولات ، والأسباب والمسببات والمؤثرات وآثارها.

وبعبارة أُخرى : انّ « التوحيد الافعالي » هو أن نعترف بأنّ العالم بما فيه من العلل والمعاليل ، والأسباب والمسببات ، ما هو إلاّ فعل اللّه سبحانه ، وأنّ الآثار صادرة عن مؤثراتها بإرادته ومشيئته.

فكما أنّ الموجودات غير مستقلة في ذواتها بل هي قائمة به سبحانه ، فكذا هي غير مستقلة في تأثيرها وعلّيَّتها وسببيَّتها.

فيستنتج من ذلك أنّ اللّه سبحانه كما لا شريك له في ذاته ، كذلك لا شريك له في فاعليته وسببيته ، وأنّ كل سبب وفاعل ـ بذاتهما وحقيقتهما وبتأثيرهما وفاعليتهما ـ قائم به سبحانه وأنّه لا حول ولا قوة إلاّ به.

ويندرج في ذلك « الإنسان » ، فبما أنّه موجود من موجودات العالم وواحد من أجزائه فإنّ له فاعلية ، وعلية بالنسبة لأفعاله ، كما أنّ له حرية تامّة في مصيره وعاقبة حياته ، ولكنَّه ليس موجوداً مفوّضاً (1) إليه ذلك ، بل هو بحول اللّه وقوته يقوم ويقعد ويتسبب ويؤثر.

____________

1 ـ المراد من التفويض هو أنّ اللّه أعطاه الفاعلية ثم هو يفعل ما يريد دون مشيئة اللّه وعلى نحو الاستقلال ، وسيأتي شرح التفويض في الفصول القادمة مسهباً.

16

إنّ « التوحيد الافعالي » لا يعني إنكار العلل الطبيعية أو إنكار مشاركتها في التأثير وفي حدوث معلولاتها ، بل يعني مع الاعتراف بأنّ للعلل تمام المشاركة في ظهور الآثار ، وأنّ هذه الآثار هي من خواص هذه العلل.

أقول : يعني مع الاعتراف بهذا ، الاعتراف بأنّه لا مؤثر حقيقي في صفحة الوجود إلاّ « اللّه » وأنّ تأثير ما سواه من المؤثرات إنّما هو في ظل قدرة اللّه ، ذلكالمؤثر الحقيقي الأصيل ، وأنّ هذه العلل ما هي إلاّ وسائط للفيض الإلهي.

فمنه تعالى تكتسب « الشمس » القدرة على الإشراق والإضاءة كما استمدت منه أصل وجودها.

ومنه تعالى تكتسب « النار » خاصية الإحراق والحرارة كما استمدت منه أصل وجودها ، وأنّه تعالى هو الذي منح هذه العلل والأسباب هذه الخواص ، وأعطاها هذه الآثار كمامنحها : وجودها أساساً وأصلاً.

وبتعبير آخر نقول : إنّ التوحيد الأفعالي يعني أنّه لا مؤثر بالذات ـ في هذا الوجود ـ إلاّ « اللّه » ، فهو وحده الذي لا يحتاج إلى معونة أحد أو شيء في الإيجاد والتأثير والإبداع والابتكار.

وأمّا تأثير ما عداه « من العلل » ، فجميعه يكون بالاعتماد على قدرته وقوته سبحانه.

بهذا البيان يتضح الفرق بين مدرستين في هذا المجال :

مدرسة الأشاعرة القائلين بعدم دخالة العلل في الآثار مطلقاً.

والمدرسة القائلة بالتوحيد الافعالي.

17

فتذهب المدرسة الأُولى إلى أنّ الشمس والنار والسيف غير مؤثرة إطلاقاً ، وغير دخيلة مطلقاً في وجود النور والحرارة والقطع ، بل انّ عادة اللّه هي التي جرت على أن يوجد اللّه النور بعد طلوع الشمس ، والحرارة عند حضور النار ، والقطع عند حضور السيف ، وإن لم تكن لهذه الأشياء [أي الشمس والنار والسيف ] أيّة مشاركة في إيجاد هذه الآثار ووقوعها.

ولا شك أنّ هذه النظرية مرفوضة في نظر العقل ومنطق القرآن (1).

فبينما تنفي مدرسة الأشاعرة دور العلل ومشاركتها رأساً ، تذهب المدرسة الثانية (القائلة بالتوحيد الافعالي) إلى الاعتراف بأنّه لا مؤثر حقيقي في الوجود إلاّ « اللّه » (2) ولكن مع الاعتراف ـ إلى جانب ذلك ـ بدخالة « العلل » في إيجاد « الآثار » ، مستمدة هذه القدرة على التأثير من ذلك المؤثر الحقيقي الواحد ، ونعني « اللّه » سبحانه وتعالى.

ولهذا يغدو أي اعتقاد بالثنوية أو التثليث مرفوضاً في منطق هذه المدرسة.

وبهذا يتبيّن أنّ القائلين بأنّ الإنسان محتاج إلى اللّه في أصل وجوده ، ولكنه مستغن عنه تعالى في أفعاله ومستقل في تأثيره ، قد سقطوا في الشرك من حيث لا يعلمون ، ذلك لأنّهم بمثل هذا الاعتقاد يكونون قد اعترفوا ـ في الحقيقة ـ بمؤثرين أصيلين مستقلين غنيين وخرجوا بذلك عن إطار « التوحيد الافعالي » !!

____________

1 ـ فالقرآن يصرح بتأثير العلل الطبيعية في معاليلها حيث يقول : ( يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ ) (النحل : 11) فإنّ قوله ( بِهِ ) صريح في تأثير الماء في إنبات هذه الثمار ، وسيوافيك تفصيل القول في ذلك عند البحث في التوحيد الربوبي.

2 ـ الاعتراف بوحدانية المؤثر في صفحة الوجود لا ينافي القول بتأثير العلل الطبيعية في معاليلها.

18

كما أنّ الذين اعتقدوا بوجود « مبدأين » لهذا العالم ، وتصوّروا بأنّ خالق الخير هو غير خالق الشر هم أيضاً خرجوا عن دائرة التوحيد الافعالي وارتطموا في الشرك والثنوية في الفاعلية والتأثير. (1)

4. التوحيد في العبادة

و نعني أنّ العبادة لا تكون إلاّ للّه وحده ، وأنّه لا يستحق أحد أن يتخذ معبوداً مهما بلغ من الكمال والجلال وحاز من الشرف والعلاء.

ذلك لأنّ الخضوع العبودي أمام أحد لا يجوز إلاّ لأحد سببين ، لا يتوفران إلاّ في « اللّه » جل جلاله :

1. أن يبلغ المعبود حداً من الكمال يخلو معه عن أي عيب ونقص ، فيستوجب ذلك الكمال أن يخضع له كل منصف ويعبده كل من يعرف قيمة ذلك

____________

1 ـ ونظنك أيّ ـ ها القارئ قد وقفت على الفرق بين التوحيد الافعالي ، وبين ما يذهب إليه الأشاعرة والمجبرة.

فإنّ الفاعل عند هاتين الطائفتين (الأشاعرة والمجبرة) لامشاركة له في أفعاله وآثاره أصلاً ، وإنّها تستند إلى اللّه سبحانه مباشرة وبلا واسطة فهو الذي ينفذ الفعل عن طريق الفاعل دون إرادة و مشاركة من الفاعل في الفعل مطلقاً »!!

و أمّا الذي نقوله نحن فهو أنّ كل فاعل إنّما يعتمد ـ في فعله وأثر هـ على اللّه من حيث إنّه فقير محتاج إلى الغني بالذات في جميع شؤونه وأطواره. وأنّ للفاعل ـ مريداً كان أو غير مريد ـ دوراً في حدوث الأثر و بروزه و أنّ الأثر لا يمكن أن يتحقق على صعيد الوجود إلاّ عن طريق هذا الفاعل.

وكم فرق بين أن ننسب أفعال الفاعل كلها إلى اللّه مع نفي مشاركته فيها ، وبين أن نعزي إمكانية التأثير إلى اللّه مع الاعتراف بمشاركة الفاعل في فعله.

و سوف يظهر لك الفرق بين المدرستين ـ بنحو أكثر تفصيلاً ـ في البحوث الآتية.

19

« الكمال المطلق ».

ونعني ببلوغ أقصى درجات الكمال ومراتبه أن يتحلّى ـ مثلاً ـ بالوجود اللامتناهي الذي لا يشوبه عدم ، والعلم اللامحدود الذي لا يخالطه جهل ، والقدرة المطلقة التي لا يمازجها عجز أو عيّ.

فهذه الأُمور هي التي تدفع كل ذي وجدان سليم وضمير حي إلى التعظيم والخضوع لصاحبها وإظهار العبودية أمام ذلك الكمال المطلق.

2. أن يكون ذلك المعبود بيده مبدأ الإنسان ومنشأ حياته فيكون خالقه وواهب الجسم والروح له ومانح الأنعم والبركات إياه ومسبغها عليه بحيث لو قطع عنه فيضه لحظة من اللحظات عاد عدماً واستحال خبراً بعد أثر.

ترى هل يتوفر هذان الوصفان في أحد غير اللّه ؟ وهل سواه يتصف بأكمل الكمال؟ أم هل سواه منح للأشياء وجودها وخلق الإنسان ويسر له سبل الحياة؟ وهل سواه المبدأ الفياض الذي لو وكل الحياة إلى ذاتها ، وترك الإنسان لنفسه آناً من الآونة صارت الحياة كأن لم تكن؟

هذا والجدير بالذكر أنّ عبادة الأنبياء والأئمّة والأولياء الصالحين للّه سبحانه لم تكن إلاّ ل ـ (كمال) ذلك المعبود المطلق.

فهم لمعرفتهم الأفضل ، واطّلاعهم الأعمق على عالم الغيب عبدوا اللّه سبحانه لما وجودوا فيه من الجمال المطلق ، والكمال اللامحدود ، ولأجل أنّهم وجدوه أهلاً للعبادة ، والتقديس والخضوع والتعظيم فعبدوه وقدسوه وخضعوا له وعظموه.

أجل لذلك فحسب وليس لسواه عبدوه ، وأعطوه بلاءهم وولاءهم ، حتى

20

أنّهم كانوا سيعبدون هـ حتماً ـ حتى ولو لم يك هناك العامل والملاك الآخر للعبادة ، في حين أنّ الآخرين إنّما يعبدون « اللّه » لكونه خالقهم ، ومصدر وجودهم وسابغ الأنعم عليهم ، وواهب القدرة والطول لهم ، ولأنّ بيده مفتاح كل شيء وناصية كل موجود (1).

على كل حال سواء كان الأولى هو الأخذ بالملاك الأوّل للعبادة أم الثاني ، فإنّ العبادة بكلا الملاكين المذكورين مخصوصة باللّه وليس معه في ذلك شريك ، لعدم وجودهما في غيره تعالى.

وبذلك تكون عبادة غير اللّه أمراً مرفوضاً بشدة في منطق العقل والشرع على السواء.

كان هذا هو مقصود علماء الإسلام من مراتب وأقسام التوحيد الأربعة ، التي ذكرناها باختصار وسنذكرها مفصّلة ، كما سنذكر غيرها من مراتب التوحيد في الصفحات القادمة مع استعراض الآيات الدالة عليها إن شاء اللّه.

غير أنّنا مع تقديرنا لما قام به أُولئك العلماء والمحقّقون المسلمون من خدمات علمية جليلة على هذا الصعيد نقول : إنّ مراتب التوحيد ـ حسب نظر القرآن ـ لا تنحصر في ما ذكروه من المراتب ، بل يستفاد من آيات الكتاب العزيز أنّ هناك مراتب توحيدية أُخرى يمكن استنباطها واستفادتها من القرآن ، من الصعب ، ادراجها تحت المراتب الأربع المذكورة.

وإليك فيما يلي هذه المفاهيم باختصار :

____________

1 ـ هناك عوامل أُخرى للعبادة سيوافيك بيانها في موضعه.

21

التوحيد في الولاية

ولا نعني من الولاية « الولاية التكوينية » أي الربوبية والتدبير ، بل المراد « الولاية التشريعية » وتنظيم شؤون الفرد والمجتمع في عامّة مجالات الحياة.

والولاية بهذا المعنى تعني الأمارة ، ولها مظاهر ثلاثة :

1. التوحيد في الحاكمية

ولقد وجّه القرآن الكريم عناية خاصة إلى « التوحيد في الحاكمية » بحيث يتبيَّن بوضوح أنّ الحكم والولاية في منطق القرآن ليس إلاّ للّه تعالى وحده ، وانّه لا يحق لأحد أن يحكم العباد دونه ، وأنّه لا شرعية لحاكمية الآخرين إلاّ إذا كانت مستمدة من الولاية والحاكمية الإلهية وقائمة بأمره تعالى ، وفي غير هذه الصورة لن يكون ذلك الحكم إلاّ حكماً طاغوتياً لا يتصف بالشرعية مطلقاً ولا يقرّه القرآن أبداً.

على أنّنا حينما نطرح هذا الكلام ونقول : بأنّ الحكم محض حق للّه وأنّ الحاكمية منحصرة فيه دون سواه فليس يعني ذلك أنّ على اللّه أن يباشر هذه الحاكمية بنفسه ، ويحكم بين الناس ويدير شؤون البلاد دونما واسطة ، ليقال إنّ ذلك محال غير ممكن ، أو يقال إنّ ذلك يشبه مقالة الخوارج إذ قالوا للإمام علي (عليه السلام) رافضين حكمه و إمارته :

« أن الحكم إلاّ للّه ، لا لك يا علي ، ولا لأصحابك » (1).

بل مرادنا هو : أنّ حاكمية أيِّ شخص يريد أن يحكم البلاد والعباد لا بد أن

____________

1 ـ كان هذا شعار الخوارج يردّدونه في المسجد وغيره.

22

تستمد مشروعيتها من : « الإذن الإلهي » له بممارسة الحاكمية.

فما لم تكن مستندة إلى هذا الإذن لم تكن مشروعة ولم يكن لها أي وزن ، ولا أي قيمة مطلقاً.

ونفس هذا الكلام جار في مسألة الشفاعة أيضاً.

فعندما يصرح القرآن بوضوح قائلاً : ( قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ) (1) لا يعني أنّه لا يشفع إلاّ اللّه ، إذ لا معنى لأن يشفع اللّه لأحد.

بل المفاد والمراد من هذه الآية هو أنّه ليس لأحد أن يشفع إلاّ بإذن اللّه ، وأنّه لا تنفع الشفاعة إذا لم تكن برضاه ومشيئته (2).

وإن شئت قلت : إنّ أمر الشفاعة بيد اللّه تعالى من حيث الشافع والمشفع واللام في قوله ( للّهِ ) يدل على اختصاص خاص وهو أنّ أمر التصرّف باختياره تعالى كقوله : ( وَللّهِ غَيْبُ السَّموَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ ) (3).

2. التوحيد في الطاعة

كما أنّ الحاكمية على العباد مختصة باللّه سبحانه ، كذلك لا يجوز لأحد أن يطيع أحداً غير اللّه ، فالطاعة هي أيضاً حق منحصر باللّه سبحانه لا يشاركه فيها ولا ينازعه أحد.

وأمّا لو شاهدنا القرآن يأمرنا ـ في بعض الموارد ـ بطاعة غير اللّه ، مثل

____________

1 ـ الزمر : 44.

2 ـ بحث المؤلف الشفاعة في كتاب مستقل باسم « الشفاعة بين يدي القرآن والسنّة والعقل ».

3 ـ هود : 123.

23

الأنبياء والأولياء ، فليس لأنّ طاعة هؤلاء واجبة بالذات ، بل لأنّ وجوب طاعتهم من جهة أنَّها « عين » طاعته سبحانه ، وبأمره.

وبتعبير أجلى : حيث إنّ اللّه تعالى « أمر » بطاعة هؤلاء ، لهذا وجبت إطاعتهم واتّباع أوامرهم والانقياد لأقوالهم امتثالاً لأمر اللّه وتنفيذاً لإرادته ، فلا يكون هناك حينئذ إلاّ « مطاع واحد » في واقع الحال ، وهو اللّه جل جلاله. وأمّا إطاعة الآخرين (أي غير اللّه) فليست إلاّ في ظل إطاعة اللّه تعالى شأنه ، وفرع منها.

3. التوحيد في التقنين

إنّ حق التقنين والتشريع ـ هو الآخر ـ مختص باللّه في نظر القرآن الكريم ، تماماً مثل الأُمور السالفة الذكر.

فليس لأحد سوى « اللّه » حق التقنين والتشريع وجعل الأحكام وسن القوانين للحياة البشرية.

ولذلك فإنّ الذين أعطوا مثل هذا الحق للأحبار والرهبان خرجوا من دائرة التوحيد في التقنين ، ودخلوا في زمرة المشركين.

ويمكن إدراج هذا القسم (أي التوحيد في التقنين) تحت قسم ( التوحيد الافعالي) ولكن من الأفضل أن نفرد له قسماً خاصاً ، وبحثاً مستقلاً ، لأنّ المقصود بالأفعال في « التوحيد الافعالي » هو الأفعال التكوينية أي المرتبطة بعالم الخلق والتكوين والطبيعة ، في حين أنّ التقنين والتشريع نوع من الأُمور الاعتبارية والجعلية العقلائية ، فليس التحليل والتحريم أمرين تكوينيين ، بل من الملاحظات العرفية القائمة بذهن المعتبر واعتباره ، ولهذا يكون من الأنسب التفريق بين هذين القسمين.

24

وهكذا بالبحث في :

التوحيد في الحاكمية

والتوحيد في الطاعة.

والتوحيد في التقنين.

أقول : بالبحث في هذه الأُمور تتضح صيغة الحكومة ونظام الحكم في الإسلام ، وتتجلّ ـ ى لنا الصورة الواقعية للحكومة الإسلامية.

لأنّ على هذا الأساس لن تكون الحكومة الإسلامية من نوع « حكم الفرد على الشعب » ولا من نمط « حكم الشعب على الشعب » على إطلاقه ، بل هي من نوع « حكومة اللّه على المجتمع بواسطة المجتمع » (1) أو بعبارة أُخرى : حكومة القانون الإلهي على المجتمع.

وأمّا بقية الصيغ الأُخرى للحكم التي سوف نستعرضها فيما بعد فلا توافق الصيغة القرآنية على صعيد نظام الحكم مطلقاً.

ففي كثير من الصيغ المطروحة لنظام الحكم يشار فيها ـ في العادة ـ إلى هذه الأُصول الثلاثة وهي :

1. السلطة التشريعية.

2. السلطة القضائية.

3. السلطة التنفيذية.

____________

1 ـ على النحو الذي سيأتي بيانه موسعاً فيما بعد.

25

وكل هذه السلطات الثلاث محترمة في نظر الإسلام ، إلاّ أنّ مهمة « السلطة التشريعية » في الحكومة الإسلامية ليست إلاّ « التعريف بالقانون » والتخطيط وفق موازين الشريعة الإسلامية وليس سن القوانين ، لأنّ في النظام الإسلامي يختص حق التقنين باللّه ، فلا مكان لمقنّن آخر فيه سوى اللّه الذي سن جميع ما يحتاجه البشر من القوانين وأبلغها إليهم عن طريق الأنبياء والمرسلين.

من هنا لا بد لتكميل « البحوث التوحيدية » ـ بالإضافة إلى دراسة مراتب التوحيد الأربع ـ من البحث في هذه الأنواع الثلاثة من التوحيد على ضوء القرآن.

على أنّنا لا ندعي بتاتاً بأنّ مراتب التوحيد وأقسامها تنحصر في هذهالمراتب السبع وتقف عند هذا الحد ، بل يمكن أن يكون للتوحيد مراتبأُخرى ذكرها القرآن (1) ولكن بحثنا سيدور فعلاً حول هذه الأقسام السبعة.

ولكي نحيط إحاطة كاملة بالكثير من المسائل المرتبطة « بالتوحيد والشرك » من وجهة نظر القرآن الكريم يتعين علينا أن نتعرف على نظر القرآن الكريم في المباحث التالية التي هي موضع عناية القرآن :

1. اللّه والفطرة.

2. اللّه وعالم الذر.

____________

1 ـ مثل « التوحيد في الهداية » و « التوحيد في المالكية » و « التوحيد في الرازقية » و « التوحيد في الشفاعة » مما يمكن إدخال بعضها أو جميعها في قسم « التوحيد الافعالي ».

26

3. اللّه وبراهين وجوده في القرآن (1).

4. اللّه وسريان معرفته في الوجود بأسره.

5. اللّه و التوحيد في الذات.

6. اللّه وبساطة ذاته وعينيّة صفاته لذاته.

7. اللّه و التوحيد في الخالقية (2).

8. اللّه و التوحيد في الربوبية (التدبير) (3).

9. اللّه و التوحيد في العبادة.

10. اللّه و التوحيد في التقنين.

11. اللّه و التوحيد في الطاعة.

12. اللّه و التوحيد في الحاكمية.

____________

1 ـ ليس من الصحيح أن يؤخذ علينا استدلالنا بالقرآن على وجود اللّه بظن أنّ هذا يستلزم الدور الصريح بأن يقال :

إنّ القرآن حجة فيما يقول لو ثبت الوحي والرسالة ، والوحي والرسالة لا يثبتان إلاّ بعد ثبوت الموحي المرسل ، فالاستدلال بالقرآن لثبوت الموحي المرسل استدلال بالشيء على نفسه.

أقول : لا يصح أن يؤخذ علينا إشكال كهذا ، لأنّنا إنّما نستدل بالقرآن ، لأنّه لا يعرض ما يتعلق بالعقائد الدينية إلاّ مع الأدلة العقلية القاطعة ، وهذا وحده أمر يستدعي الاهتمام بغض النظر عن كون القرآن وحياً إلهياً وكتاباً سماوياً.

فاستشهادنا واستهداؤنا بالقرآن إذن هو من قبيل استهداء التلميذ بأُستاذه الذي يريه الطريق ، أي بصرف النظر عن كون القرآن كلام اللّه بل بالنظر إلى كونه مبيناً للأدلّة والبراهين العقلية ومشيراً إلى الأدلّة التي تستدعي من عقولنا التأمل.

2 ـ الخالقية والتدبير (اللّذين فتحنا لهما فصلين مستقلين) هما في الحقيقة من فروع التوحيد في الأفعال ، ولكن لكثرة مباحثهما بحثنا عن كل واحد بالاستقلال.

3 ـ الخالقية والتدبير (اللّذين فتحنا لهما فصلين مستقلين) هما في الحقيقة من فروع التوحيد في الأفعال ، ولكن لكثرة مباحثهما بحثنا عن كل واحد بالاستقلال.

27

وسنبحث في هذا الكتاب وفق هذا الجدول الذي يؤلف فصول هذا الكتاب الرئيسية ، وسيكون مستندنا الوحيد ـ طوال هذا البحث ـ هو (آيات القرآن الكريم ) ومداليل هذه الآيات ومفادها.

كما أنّنا لمزيد التوضيح ربّما استعنا ـ خلال البحث ـ بالأدلة العقلية الواضحة والتحليل الفلسفي ، وربّما نستشهد ببعض الأحاديث التي رواها السنّة والشيعة عن النبي الكريم (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) وآله (عليهم السلام) ومن اللّه نسأل العون والسداد.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الفصل الأوّل اللّه و الفطرة

30

معرفة اللّه والفطرة

1. هزيمة التكنولوجيا والحياة الآلية.

2. اعترافات علماء الاجتماع بأصالة التديّن.

3. هل وجود اللّه أمر بديهي؟

4. تعاليم الدين ـ بأُصولها ـ أُمور فطرية.

5. تجلّ ـ ي الفطرة عند الشدائد.

6. هل وحدانية اللّه أمر فطري وإن لم يكن الاعتقاد بذاته فطرياً؟

7. الإجابة عن هذا السؤال.

8. ما هو الفرق بين التوحيد الفطري و الاستدلالي؟

9. كيف نميز بين الفطري وغير الفطري؟

10. علامات الفطرية الأربع.

11. البعد الرابع أو غريزة التدين.

12. سلوك الماركسيين تجاه أُصولهم.

13. المعنى الآخر لفطرية الإيمان باللّه.

14. الفطرة في الأحاديث.

31

هزيمة التكنولوجيا والحياة الآلية

في التحوّل العلمي الأخير للغرب انطلق المكتشفون والمخترعون يعدون العالم البشري بأنّه لو تم لهم اكتشاف الضوابط والسنن المتحكمة في دنيا المادة ، ولو تم لهم الوقوف والاطّلاع على العلاقات السائدة بين الظواهر الطبيعية وبالتالي لو أمكنهم أن يكبحوا جماح غول الجهل الذي يطارد البشرية دونما رحمة.

لو تم لهم كل ذلك لاستطاع البشر أن يحصلوا على « المدينة الفاضلة » التي وعد بها إفلاطون ، بل لاستطاعوا أن يحصلوا على الجنّة التي طالما تحدث عنها الأنبياء ، وأخبر بها الرسل !! ولم يعد بعد ذلك أيّة حاجة إلى الدين والتعاليم الدينية !! فالتقدّم العلمي والتكنولوجي وحده كفيل بأن يحقق للإنسانية ما يليق بها من العزة والكرامة والسعادة!!

هذا ما كان يتحدّث عنه.

بيد أنّه الحوادث المريعة التي شهدتها أوائل وأواسط القرن الأخير والتي بلغت ذروتها في الحربين العالميتين اللتين كان مجموع ضحاياهما ما يزيد عن المائة مليون إنسان ما بين قتيل وجريح ومفقود الأثر.

هذه الحوادث أفرغت اليأس في قلوب كل أُولئك المتشدّقين وفنّدت مزاعمهم ، وأثبتت بقوّة بأنّ عهد الدين لم يول بعد ، وأنّ الحاجة إلى التعاليم

32

الدينية لا ولن ترتفع أو تزول ، وأنّ من المستحيل أن تسعد البشرية وتنال الرفاه المنشود ورغد العيش دون الأخذ بالدين ، ودون التوجّه إلى اللّه ، و أنَّها على فرض حصولها على العيش الرغيد في معزل عن الدين ، فإنّها ـ ولا ريب ـ ستواجه مشكلات جديدة لا يمكن حلها وعلاجها بأدوات التطور العلمي المادي والتقدم الصناعي ، والتكنولوجي.

لأنّه ما الذي سيمنع ـ في ظل الأنظمة المعتمدة على العلم المجرّد عن الدين ـ من بروز الحروب المبيدة الساحقة ، واندلاع المعارك المدمرة؟

أم أي نظام حقوقي سيكون قادراً على تلبية كل احتياجات الإنسان الحقوقية ومعالجة كل المشكلات الطارئة على العلاقات الاجتماعية ؟!!

لقد أصبح عرض المبادئ والنظريات الفجة مع انتحال صفة « الآيديولوجية » لها ، شعار هذاالعصر ، ولكن الواقع العملي أثبت أنّ كل هذه المبادئ والنظريات وما يسمّى ب ـ « الآيديولوجيات التقدمية » عجزت ، وفشلت ، وسقطت على صعيد التطبيق السياسي والاجتماعي والأخلاقي ، وعجزت عن تقديم نموذج أعلى للحياة وطريقة فضلى للعيش ، فإذا بنا نجدها تختفي عن المسرح الواحدة تلو الأُخرى وبسرعة ، مسلمة نفسها إلى يد النسيان والفناء ، والاندحار.

فالماركسية التي جعلت « الاقتصاد » مبدأ حركة التاريخ وغايته ومحور كل التحولات الاجتماعية لم تستطع ـ أبداً ـ أن تروي عطش الإنسان إلى القضايا الروحية والمعنوية ولم تستطع أن تشبع تلك الجوعة المتأصلة في كيان الكائن البشري إلى ما وراء المادة ، وبالتالي عجزت الماركسية عن الإجابة على أبسط الأسئلة في هذا المجال!!

33

فالإنسان يريد دائماً أن يعرف :

من أين جاء؟؟

ولماذا جاء؟؟

وإلى أين يذهب؟؟

ولكنَّ الفكر الماركسي يلوذ بالصمت تجاه هذه الأسئلة المحرجة ، ويعجز ـ تماماً ـ عن الإجابة عليها.

ومن المعلوم أنّ الإنسان ما لم يحصل على إجابات مقنعة على أسئلته حول علة خلقه و الهدف منه و الغاية التي تنتظره فإنّه لن تنحل عنده بقية مسائل الحياة بصورة جدية وقطعية.

وكيف ـ ترى ـ يمكن أن تنحل هذه المشاكل ويتضح جواب هذه التساؤلات والماركسية تعتبر الكون ككتاب مندرس سقط أوّله وآخره فلا أوّل له ولا آخر ولا مبدأ ولا منتهى حيث إنّها لا تعترف بالمبدأ الأوّل ولا تقرّ به ولا تعرفه كما لا تعرف الغاية من الخلق ولا تقرّ بها ولا تعترف.

من هنا يعتقد المفكرون المتحررون و اقعيو النظرة في العالم ، اليوم بأنّ على البشرية أن تعود إلى أحضان الدين ، وأنّ المعتقدات والتعاليم الدينية يجب أن تؤخذ في الحسبان على أنّها جانب أساسي في حياة الإنسان وأنّ أي مبدأ وآيديولوجية تريد أن تشغل الإنسان بالطبيعة فقط متجاهلة ما وراء الطبيعة فإنّها ستكون محكومة بالفشل وسيكون مآلها إلى السقوط في وجه المشاكل العويصة والطرق المسدودة التي تعترض سبيلها ، وسبيل كل فكرة وعقيدة.

وصفوة القول هو ما قاله العالم المعروف : « جان ديورث » :

34

كيفما فسرنا الأُمور الدينية وكيفما تصورناها ، فإنّ للدين سابق عهد في الحياة البشرية وله دور فعلي الآن ، ولا ريب أنّه سيكون له ذلك في المستقبل أيضاً.

إنّ كون الآيديولوجية (إلهية) وكون المنهج إلهياً لا يعني أنّ نوجه عنايتنا إلى ما « وراء الطبيعة » ونتجاهل عالم المادة ونهمل دنيا الطبيعة ، بل انّ الفارق بين « الإلهي » و « المادي » هو أنّ الإلهي يجعل معرفته بالطبيعة سبيلاً إلى معرفة (ما وراء الطبيعة) هذا إلى جانب الاستفادة الكاملة والمعقولة من عالم الطبيعة والمادة ، في حين يقتصر المادي على الاستفادة من الطبيعة ويجعلها هدفه الوحيد ، وغايته القصوى ، ويحبس نفسه في سجن المادة دون أن يحاول التحليق إلى آفاق ما وراء الطبيعة كما يفعل المادي.

علماء الاجتماع وأصالة التديّن

يذهب علماء الاجتماع المحقّقون المحايدون إلى أنّ للاعتقاد والإيمان باللّه جذوراً عميقة ، وتاريخاً عريقاً في حياة الإنسان ، بحيث لم يحدث للبشر حذف الدين من منهاج حياته ولا حتى لبرهة عابرة من الزمن.

أمّا البلاد الشيوعية التي حذفت الإيمان باللّه من برنامج حياتها ، وتظاهرت بالإلحاد والكفر وإنكار الخالق وبكل ما يتعلق بما وراء الطبيعة « الميتافيزيقا » فلها تراجيديا واسعة سنشير إليها في خاتمة البحث.

والآن إلى البحث حول أصالة التديّن وتجذّره في تاريخ البشر :

إنّ حياة البشر على هذا الكوكب كنز غني وثمين متاح للإنسان المعاصر والقادم. ولكل فرد من أبناء البشر حسب رؤيته ، وتبعاً لمقدار معلوماته وتخصصه

35

أن يستفيد من هذا الكنز العظيم الزاخر بالعبر والدروس.

ومن أجل ذلك راح الأنبياء العظام والمصلحون العالميون ، والحكماء والفلاسفة ، ومن ورائهم المربون الاجتماعيون وأساتذة الأخلاق ، والنفسانيون وغيرهم يلفتون نظر المجتمعات البشرية إلى « تاريخ الأسلاف » ويدعونهم إلى قراءته واستلهام الدروس منه ، وراح كل واحد من هذه الطوائف التي ذكرنا يستفيد من هذا الكنز العظيم ، أعني : التاريخ البشري ، ما أمكنه لإنجاح مهمته ، وأهدافه لما في التاريخ من أدلة وشواهد لما يقولون.

إنّ تصفح مثل هذا التاريخ ومطالعة حياة الأقوام والشعوب السالفة وعلل ظهور الحضارات « الواحدة والعشرين » (1) وأرضياتها وأُسسها ، وسيلة مطمئنة للباحث الذي يريد الاطلاع على جذور التديّن في قلوب البشر وفي تاريخه الطويل.

فالمتصفح في التاريخ البشري الطويل يرى كيف أنّ البشر اختار ـ طوال آلاف السنين وخلال هذه الحضارات المتنوعة ـ عشرات المناهج والأساليب لحياته ، ولكنّه سرعان ما كان ينبذها ويحذفها من حياته تماماً.

لقد كان البشر ولا يزال طالباً للجديد ، وخاضعاً لسنة التطور والتحول والتغير ففيما هو يوجد لنفسه ولحياته ، أو يختار ، برامج وأساليب جديدة لنظامه نجده من جانب آخر يلغي أُموراً ـ تبعاً للعوامل الطبيعية والظروف المحيطية والعنصرية ـ طالما دافع عنها وأحبها إلى درجة بذل النفس في سبيلها.

لكنَّ هناك أمراً واحداً بقي ثابتاً لا يتغير في قاموس الحياة البشرية ، رغم كل

____________

1 ـ حسبما أحصاها بعض مؤرخي الحضارات.

36

تلك التغيّرات والتحوّلات.

أمراً واحداً بالغ البشر في حفظه وصيانته وتوسيع دائرته ألا وهو : موضوع « الدين » ، والإيمان بما وراء المادة الذي لم يعرف فيه مللاً ولا فتوراً ولا إعراضاً.

هذا القدم في الوجود وهذه الأصالة كاشفة ولا شك عن أنّ « التديّن » والدين يعتبر من العناصر التي تؤلِّف ذات الإنسان وتعد من غرائزه الأصيلة وحاجاته الروحية والنفسية التي كانت لا تزال معه بحيث لم تتسلل إليها يد التغيير والتبديل.

يقول « ويل دورانت » المؤرّخ المعاصر :

صحيح أنّ بعض الشعوب البدائية ليس لها ديانة على الظاهر فبعض قبائل الأقزام في إفريقية لم يكن لهم عقائد أو شعائر دينية على الإطلاق ، إلاّ أنّ هذه الحالات نادرة الوقوع ولا يزال الاعتقاد القديم بأنّ الدين ظاهرة تعم البشر جميعاً اعتقاداً سليماً وهذه في رأي الفيلسوف حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية.

ثم يقول :

إنّ الفيلسوف معني بمسألة العقيدة الدينية من حيث قدم ظهورها ودوام وجودها (1).

ويقول العالم الاجتماعي المعروف « صموئيل كونيك » في بعض كلماته حول جذور الدين في الأسلاف من البشر :

إنّ أسلاف البشر المعاصر ـ كما تشهد آثارهم التى حصل عليها في

____________

1 ـ قصة الحضارة : 1/99.

37

الحفريات ـ كانوا أصحاب دين ، ومتدينين ، بدليل أنَّهم كانوا يدفنون موتاهم ضمن طقوس ومراسيم خاصة وكانوا يدفنون معهم أدوات عملهم ، وبهذا الطريق كانوا يثبتون اعتقادهم بوجود عالم آخر ، وراء هذا العالم. (1)

انّ ذلك الفريق من البشر وان كان يعيش في عصر لم يتم فيه اختراع « الخط » بعد ، ولكنه مع ذلك كان الالتفات إلى الدين الذي يلازم بالضرورة « التوجه إلى الميتافيزيقيا » جزء من حياته.

وفي موضع آخر يطرح « ويل دورانت » السؤال التالي ويقول :

ما أساس هذه التقوى التي لا يمحوها شيء من صدر الإنسان ؟ (2)

ثم يجيب هو بنفسه على هذا السؤال في موضع آخر من الصفحات التالية بنحو ما إذ يقول :

إنّ الكاهن لم يخلق الدين خلقاً لكن استخدمه لأغراضه كما يستخدم السياسي دوافع الإنسان الفطرية وغرائزه ، فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو ألاعيب كهنوتية إنّما نشأت عن فطرة الإنسان. (3)

وقد يقال : لو كان للدين والتدين جذور عميقة في فطرة الإنسان وأعماق وجدانه ، إذن فلماذا خاض أصحاب الأديان كل تلك الحروف طوال التاريخ البشري من أجل إقرار الدين في مجتمعاتهم.

وجواب هذا واضح ، فإنّه لم يكن هناك خلاف في أصل « وجود اللّه »

____________

1 ـ كتاب « جامعه شناسي » : 192.

2 ـ قصة الحضارة : 1/99.

3 ـ المصدر نفسه.

38

والالتفات إلى ما وراء المادة .. وإنّما الخلاف وقع في خصوصيات هذا الاعتقاد وليس في جوهره وأصله.

وبهذا يتضح أنّ الصراع قام حول التفاصيل والخصوصيات ، وأمّا أصل العقيدة والإيمان بوجود اللّه فقد اتفقت عليه كلمة البشرية على مدار التاريخ الإنساني الطويل.

هل وجود اللّه بديهي؟

لقد اعتبر بعض العرفاء « وجود اللّه » في العالم أمراً بديهياً ، وادّعوا بأنّ استنباط هذه الحقيقة من آيات القرآن والوقوف عليها استنباط واضح ولا يحتاج إلى الاستدلال عليه والتفكير مطلقاً.

وكأنّ « توماس كارليل » الفيلسوف الانجليزي قد انتزع مقالته التالية من هذا التصور والاعتقاد إذ قال :

إنّ الذين يريدون إثبات وجود اللّه بالبرهان والدليل ما هم إلاّ كالذي يريد الاستدلال على وجود الشمس الساطعة الوهّاجة بالفانوس. (1)

ولدى مراجعة الآيات القرآنية والأدعية الواردة عن أهل بيت النبي (عليهم السلام) يمكن الوقوف على إشارات جلية إلى هذا المطلب ، ونعني بداهة « وجود اللّه ». (2)

____________

1 ـ گلشن راز : 51.

2 ـ ليس المراد من البداهة أن لا يختلف فيه اثنان أو لا يحتاج إلى تذكير مذكر بل للبداهة مراتب بعضها يحتاج إلى تذكير مذكر أو إشارة مشير ، وربما يحتاج التصديق به إلى تخلية النفس من الرواسب والآراء السابقة ، ولأجل ذلك لا مانع من أن يكون وجود اللّه معنى بديهياً وإن اختلف فيه الناس والفلاسفة.

39

ومن ذلك قوله تعالى : ( أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالأرْضِ ) (1).

فما يمكن أن يكون إشارة إلى قضية « بداهة وجود اللّه » في هذه الآية هو قوله : ( أَفِي اللّهِ شَكٌّ ) في حين أنّ المقطع التالي من الآية أعني قوله : ( فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالأرْضِ ) يعتبر دليلاً مستقلاً على وجود اللّه كما سيأتي توضيحه وبيانه فيما بعد.

وكما يمكن أن تكون الآية المذكورة إشارة إلى « بداهة وجود اللّه » كذلك يستفاد ذلك من الآية التالية التي تصف اللّه بالظهور إذ تقول : ( هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ ) (2).

كما ويمكن استفادة إشارات واضحة إلى هذا الأمر من دعاء الإمام أبي عبد اللّه الحسين بن علي سيد الشهداء (عليه السلام) ، ومناجاته يوم عرفة مع ربه إذ يقول :

« كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟!

أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟!

متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟!

ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!

عميت عين لا تراك عليها رقيباً ».

____________

1 ـ إبراهيم : 9.

2 ـ الحديد : 3.

40

ويقول (عليه السلام) في ختام دعائه :

« يا من تجلّ ـ ى بكمال بهائه ، كيف تخفى وأنت الظاهر؟!

أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟ » (1).

ولكن لابد أن نعلم أنّه لا تنافي بين « بداهة وجود اللّه » و « فطرية الإيمان به »فلا مانع من أن يكون وجود اللّه بديهياً ويكون الإيمان بوجوده فطرياً أيضاً.

وفي الحقيقة فإنّ بداهة وجود اللّه ما هي إلاّ نتيجة فطريته ، لأنّ أحد أقسامالبديهي هو : « الفطريات » كما هو واضح لمن يراجع هذا البحث في محله (2).

ولأجل ذلك لا مانع من أن تكون مسألة وجود اللّه بديهية وفطرية في آن واحد وما ذلك إلاّ لأنّ الإيمان بوجوده تعالى قد امتزج بوجداننا وبفطرتنا ، ولذلك يبدو وجوده لنا في صورة الأمر البديهي.

الإنسان يبحث عن اللّه فطرياً

يذهب أكثر المفسرين إلى أنّ فطرية الإيمان باللّه أمر يمكن استفادته من الآيات القرآنية (3) وإذا بهم يجعلون الإيمان باللّه كسائر الغرائز المتأصلة في البشر

____________

1 ـ راجع كتاب الأدعية في دعائه (عليه السلام) يوم عرفة.

2 ـ بحث « مواد الأقيسة » وهذا البحث من المباحث الهامة جداً في علم المنطق ، ولكنّ المتأخرين لم يهتموا به كما ينبغي مع الأسف ، وقد انفرد العلاّمة الحلي فقط في كتابه « الجواهر النضيدة » بهذا المبحث.

3 ـ بمعنى أنّ الآيات القرآنية تصرّح بأنّ الإذعان بوجود اللّه فطري لدى الإنسان.

41

ويقولون : كما أنّ الإنسان يحب الخير فطرياً ، أو يكره الشر فطرياً كذلك يبحث عن اللّه فطرياً وذاتياً ، ويريد معرفة ما وراء الطبيعة فطرياً أيضاً ، وما كل ذلك إلاّ لأنّ البحث عن اللّه والتفتيش عن الخالق أمر جبل عليه الإنسان وفطر عليه تكوينه وعجنت به سريرته ، فإذا به يميل إلى الإذعان باللّه ذاتياً بينما يكره الإلحاد ونكران اللّه ذاتياً كذلك.

وفي هذا الباب نواجه نوعين من الآيات :

نوعاً يعتبر التعاليم الدينية بأُصولها (من عقيدة وعمل) قضايا فطرية مغروسة في جبلة البشر وخلقته ، فإذا هي (أي هذه التعاليم) ليست سوى نداءات الضمير ، ومحاكاة للفطرة.

ونوعاً آخر يصرح بأنّ الإيمان باللّه و التوجه إليه في الشدائد من الأُمور الفطرية التي ولدت مع الإنسان.

وإليك فيما يلي كلا النوعين من الآيات :

التعاليم الدينية أُمور فطرية

قال اللّه تعالى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلّدِينِ حَنِيفاً فِطْرةَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (1).

ففي هذه الآية لم تجعل مسألة « معرفة اللّه والإيمان به » فقط أمراً ، فطرياً بل وصف الدين بأُصوله (والتي تعني تلك الأُصول والكليات التي تؤلّف أساس

____________

1 ـ الروم : 30.

42

الدين الإلهي) بكونه فطرياً جبلياً. (1)

ويشهد الواقع على ذلك إذ نرى أنّ كل التعاليم الّتي جاء بها الدين من عقيدة وعمل ، تنطبق على مجموع الاحتياجات الفطرية سواء بسواء. (2)

والإمعان في الآية المذكورة يفيدنا أنّ الدين عجن بفطرة البشر عجناً ، فإذا هو منها وإذا هي منه ، وجزء من كيانه.

وحقيقة الدين ليست سوى الطريق الأفضل الذي يجب أن تسلكه البشرية للوصول إلى السعادة.

وبتعبير آخر : انّ الهدف والغاية من خلق البشر ليس إلاّ الحصول على السعادة والكمال ، وقد هدى اللّه تعالى كل فرد من أفراد البشر بل وكل نوع من أنواع مخلوقاته إلى ذلك إذ جهزه بما يوصله إلى شواطئ السعادة المنشودة والكمال المطلوب بوسيلة مناسبة.

وقد أشار الكتاب العزيز بصراحة إلى هذه « الهداية التكوينية » العامة والتي لا تقتصر على بني آدم بل تشمل كل الكائنات على الإطلاق.

____________

1 ـ الاستدلال بالآية في المقام موقوف على كون الدين بمعنى مجموع العقيدة والشريعة لا بمعنى الطاعة كما هو الظاهر من قوله تعالى : ( وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (البينة : 5) أي مخلصين له الطاعة.

فإنّ الدين في تلك الآية وأضرابها بمعنى الطاعة.

فلو قلنا بكون الدين في هذه الآية بمعنى الطاعة ، لصارت من شواهد التوحيد في الطاعة.

غير أنّ مشاهير المفسرين قد فسروا الدين في الآية المبحوثة هنا بمجموع العقيدة والشريعة ، وجعلوا العقائد الإسلامية وأُصول الشريعة وكليّاتها (لا جزئياتها وتفاصيلها) من الأُمور الفطرية.

2 ـ هذا بالإضافة إلى أنّنا نجد أغلبية الناس يميلون إليها طوعاً ورغبة إذا عرضت عليهم على النحو الصحيح ، وإذا هم تجرّدوا عن العصبية ـ الهادي ـ .

43

فقد صرح بذلك في آيات أُخرى مضافاً إلى ما سبق ، إذ قال : ( رَبُّنُا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (1).

( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) (2).

هذه الآيات تفيد ـ بوضوح كامل ـ أنّ اللّه زوّد كل كائنات هذا العالم ـ بشراً وغير بشر ـ بهداية فطرية تكوينية تتبين بموجبها طريقها في الحياة فتأخذ ما يناسبها وتدع ما لا يناسبها ، وتعينها تلك الهداية الفطرية على معرفة ما هو مفيد لها وما هو مضر.

وفي خصوص الهداية الفطرية التي زود بها البشر خاصة يقول القرآن الكريم : ( وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) (3).

( أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) (4).

( مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبيلَ يَسَّرَهُ ) (5).

كل هذه الآيات حاكية عن أنّ جميع الموجودات ـ أعم من الإنسان وغير الإنسان ـ تعيش في ظل هداية تكوينية فطرية ، هداية تقودها إلى الكمال المنشود المطلوب.

والهادي للإنسان في هذا المسير إنّما هو خلقته وتكوينه. وجميع البشر سواسية في هذه الموهبة الإلهية المعنوية ونعني الهداية الفطرية فلم يفضل اللّه فيها

____________

1 ـ طه : 50.

2 ـ الأعلى : 2 ـ 3.

3 ـ الشمس : 7 ـ 8.

4 ـ البلد : 8 ـ 10.

5 ـ عبس : 19 ـ 20.

44

بعضاً على آخر ، ولم يعطها لفريق ويحرم منها آخرين. إنّما هي فطرة فطر عليها عامة البشر بلا استثناء إذ يقول :

( فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه ).

فلم يخلق جماعة على غريزة الإيمان ، وجماعة أُخرى على غريزة الإلحاد. جماعة على الميل إلى الخير ، وجماعة أُخرى على الميل إلى الشر.

كلاّ ، إنّما هي فطرة واحدة فطر عليها جميع الناس دون تمييز وتفضيل. إذ لا ريب أنّه لو لم يقم مجتمع ما على أساس مشترك لما أمكن سوقه إلى هدف الخلقة (ونعني به التكامل).

فإذا كانت التعاليم الدينية بأُصولها ذات طابع فطري وصفة جبلية ، فمن الأحرى أن تكون مسألة « معرفة اللّه والإيمان به » التي تعد أساس كل التعاليم الدينية أمراً فطرياً كذلك.

تجلّي الفطرة عند الشدائد

من المعلوم أنّ فطرية الإيمان باللّه لا تعني بالضرورة أن يكون الإنسان متوجهاً إلى اللّه دائماً ملتفتاً إليه متذكراً إيّاه في جميع حالاته وآونة حياته اليومية ، إذ رب عوامل تتسبب في إخفاء هذا الإحساس في خبايا النفس وحناياها وتمنع من تجليه ، وظهوره على سطح الذهن ، وفي مجال الوعي والشعور.

وأمّا عند ما يرتفع ذلك الحجاب المانع عن الفطرة فالإنسان يسمع نداء فطرته بوضوح.

أجل .. هذه حقيقة لا تنكر .. فعندما يواجه المرء حوادث مخيفة نجده

45

يتوجه إلى اللّه ، ويستنجد به بحكم فطرته طالباً منه تيسير عمله ، وتسهيل أمره.

عندما تقع للإنسان حوادث خطيرة كهجوم الأمواج العاتية على السفينة التي يركبها في عرض البحر ، أو حدوث عطل فني في الطائرة التي يمتطيها في الجو ، أو انحراف السيارة التي يستقلها ، أو يتعرض لهجوم سيل كاسح على قريته أو مدينته.

أقول : عندما يواجه الإنسان أحد هذه المخاطر نراه يتوجه من فور هـ وبصورة تلقائية فطرية ـ إلى اللّه ، وتحدث لديه حالة عرفانية قلبية ، يطلب فيها من اللّه سبحانه الخلاص والنجاة.

ففي هذه الحالة صار الخوف مذكراً له بنداء الفطرة وكاشفاً عنها لا موجداً للإيمان باللّه.

فلا يصح لنا أن نستنتج من توجه البشر إلى اللّه في هذه الحالة وفي هذه اللحظات من حياته بأنّ الإيمان وليد الخوف والرهبة من الطبيعة الغاضبة كما يدعي الماركسيون ومن حذا حذوهم بل الخوف مجرد وسيلة تكشف الغطاء عن ذلك الإيمان المغروس في أعماق البشر ، المودوع في الفطرة بيد الخالق العظيم.

إنّ غريزة حب الجمال واكتناز الثروة وطلب العلم رغم أنّها أُمور مجبولة مع فطرتنا ومعجونة مع خلقتنا فهي لا تظهر ولا تتفتّح ولا تبرز في كل الأوقات والظروف ، ولا تتجلّى في عالم الذهن في كل الأزمنة والأحوال ما لم تتهيّأ الظروف المناسبة لها في وجودنا.

وكذلك تكون غريزة التديّن وفطرة الإيمان باللّه.

وها هو القرآن الكريم يذكرنا بهذه الحقيقة فيخبرنا كيف أنّ فريقاً من البشر

46

يذكرون اللّه ويتوجهون إليه في مواقع الشدة ، والخطر .. أي عندما تواجه سفنهم طغيان الأمواج ـ مثلاً ـ .

ففي هذا الموضع ـ بالذات ـ يتذكّرون اللّه وينسون ما سواه من العلل المادية حتى الأصنام التي كانوا يتصورون بأنّ ـ ها مقربة لهم إلى اللّه ، فيدعون اللّه ويطلبون منه بكل إخلاص أن ينجيهم مما هم فيه : ( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِريح طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِها جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَان وَظَنَّوا أَنَّهُمْ أُحِيْطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... ) (1)

( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) (2).

( وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّار كَفُور ) (3)

( وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (4).

( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمََة فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إَذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) (5)

____________

1 ـ يونس : 22 ـ 23.

2 ـ العنكبوت : 65.

3 ـ لقمان : 32.

4 ـ يونس : 12.

5 ـ النحل : 53 ـ 54.

47

( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُوراً ) (1)

( وَإَذَا مَس النَّاسَ ضُُرٌّ دَعوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) (2)

هذه الآيات كلها تفيد أنّ الإيمان باللّه مزروع في فطرة الإنسان ، غاية ما في الأمر أنّ الإنسان قد يغفل عن ذلك بعض الأحيان بسبب ما يعتريه من سهو ولهو ولذات منسية سريعة الفوت ، ولكنَّه سرعان ما يعود بحكم فطرته إلى اللّه ـ عندما يواجه الشدائد وتفقد الحياة رتابتها ـ فهنالك لا يرى سوى اللّه منقذاً ومخلصاً ، ولا يرى في غيره ولياً ولا نصيراً.

هل الإيمان بوحدانية اللّه فطري أيضاً؟

يعتقد فريق من العلماء أنّ الآيات المذكورة ناظرة إلى مسألة « فطرية الاعتقاد بوحدانية اللّه » لا إلى مسألة « فطرية الاعتقاد بوجوده تعالى ».

فقد كتب من هذا الفريق من يقول :

لو كانت هذه الآيات تتحدث عن فطرية شيء ، فهي إنّما تتحدث ـ في الحقيقة ـ عن فطرية « وحدانية اللّه » لا عن فطرية « أصل وجوده ».

وذلك لأنّ هذه الآيات موجهة ـ أساساً ـ إلى المشركين الذين كانوا يتخذون مع اللّه إلهاً أو آلهة أُخرى.

____________

1 ـ الإسراء : 67.

2 ـ الروم : 33.

48

وبذلك يكشف شأن نزولها عن أنّ الأمر الموصوف بالفطرية والمنعوت بكونه جبلياً هنا ليس هو « الاعتقاد بوجود اللّه » بل هو « الاعتقاد بوحدانيته » كما لا يخفى.

الجواب :

ويمكن الإجابة على هذا الاعتراض بجوابين :

1. أنّ هذا الكلام ـ لو صح ـ إنّما هو صادق بالنسبة للآيات التي تتحدث عن حالة راكبي الفلك (1) حينما تعتريهم الأمواج الطاغية فيتوجهون ـ في غمرة الخوف والانقطاع ـ إلى اللّه فيما يتوجهون في غير هذه اللحظات إلى معبوداتهم وآلهتهم المزعومة المصطنعة مشركين ، حائدين عن جادة التوحيد.

وأمّا تلكم الآيات التي تصف أُصول التعاليم الدينية بالفطرية ، وتعتبرها أُموراً نابعة من صميم ذاته ومنطبقة مع جبلته ، ومقتضى خلقته فخارجة عن مجال هذا الكلام والاعتراض.

ففي هذه الآيات الأخيرة لم يعتبر التوحيد فقط أمراً فطرياً جبلياً بل اعتبر العلم بالمحسنات والمقبحات والعلم بالتقى والفجور كما في قوله تعالى : ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) (2) أو العلم بالدين كما في قوله : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ ) (3)

أقول : اعتبر العلم بهذه الأُمور فطرياً.

____________

1 ـ يونس : 23 ، و العنكبوت : 65 ، لقمان 32 ، والإسراء : 67.

2 ـ الشمس : 8.

3 ـ الروم : 30.

49

وفي هذه الصورة لا منافاة بين فطرية الاعتقاد بأصل وجود اللّه والاعتقاد بوحدانيته فطرياً ، لأنّ كل ذلك يندرج تحت إطار « التعاليم الدينية » على السواء.

2. وحتى لو أغمضنا النظر عن هذا الجواب وقصرنا النظر على آيات راكبي الفلك ، فإنّ الاعتراض لن يصح في موردها أيضاً.

وذلك لأنّ المشركين رغم اعتقادهم باللّه ، فإنَّهم ما كانوا يعبدون ـ في الأوقات الاعتيادية ـ إلاّ أوثانهم خاصة ، فلم يكن لديهم في تلك الأحيان أي توجه إلى اللّه أبداً ، بينما كان هذا الأمر ينعكس تماماً عند مواجهة الأخطار والشدائد فكانوا يتوجهون إلى اللّه وحده ، يعبدونه وحده ، ويتضرعون إليه وحده ، وأمّا الأصنام فكانت تسلم إلى يد الإهمال والنسيان.

من هذا الأمر يمكن استنباط الحقيقة التالية ، وهي أنّه كما أنّ وحدانية اللّه أمر فطري كذلك الاعتقاد بأصل وجوده فطري أيضاً.

لأنّ المشرك ـ كما لاحظنا ـ لم يتوجه في الشدائد إلاّ إلى اللّه الذي كان ينسى وجوده وصفته في الحالات الاعتيادية نسياناً مطلقاً وكأنّ اللّه لم يكن.

ولا ريب أنّ هذه الالتفاتة بعد تلك الغفلة الشاملة للذات أيضاً ، علامة أنّ الذات والصفة ، ونعني ذات اللّه ووحدانيته كلاهما أمران فطريان.

وبعبارة أُخرى : إذا كان الاعتقاد بصفة من صفات اللّه فطرياً فمن الأحرى أن يكون« أصل الاعتقاد بوجوده » كذلك أمراً فطرياً لدى الإنسان ، ولذلك فإنّ الآيات المذكورة حتى إذا كانت تعني فطرية التوحيد ـ حسبما ادّعوا ـ فإنّها تعني بالضرورة والأولوية فطرية الإيمان بوجود اللّه.

50

تنبيه إلى عدة نقاط

لقد قادنا التحقيق السابق إلى فطرية مباني الدين وأُسسه وأُصوله ، ويتعين علينا الآن أن ننبه القارئ الكريم بعدة نقاط نراها ضرورية في المقام :

الأُولى : الفرق بين التوحيد الفطري و التوحيد الاستدلالي

يمكن البحث والتحدث حول معرفة اللّه والتوصل إليها عن طريقين هما :

1. طريق الفطرة.

2. طريق الاستدلال.

والمراد من « طريق الفطرة » هو أنّ كل إنسان يشعر في قرارة ضميره ، ومن تلقاء نفسه بانجذابه نحو اللّه ، وميله العفوي الفطري إليه دون أن يكون في ذلك متأثراً ببرهان ، أو خاضعاً لدليل ، أو نابعاً من تعليم معلم ، أو دعوة أحد ، أو ما شابه ذلك من المؤثرات الخارجية.

والمقصود بالطريق الثاني أي التوحيد الاستدلالي ، هو أن يجد المرء طريقه إلى معرفة اللّه عبر الاستدلال وإقامة البراهين العقلية والفلسفية فلا يكون دليله في هذا السبيل ، إلاّ تلك البراهين ليس إلاّ.

وقد يحدث خلط والتباس بين هذين الطريقين وهذين النوعين من « التوحيد » لذلك لا بد من التلميح إلى ما يساعدنا على التمييز بين « الفطري » و « غير الفطري » من الأُمور. وهذا هو ما نبينه في النقطة الثانية التالية :

51

الثانية : كيف نميّز العمل الفطري عن غير الفطري ؟

يصدر من الإنسان في حياته نوعان من الأفعال :

1. الأفعال الفطرية.

2. الأفعال العادية.

و الأفعال الفطرية هي تلك الأفعال التي تنبع من جبلة الإنسان وفطرته وغريزته كالتنفس ، والدفاع عن النفس عند مواجهة الخطر.

وهذه الأعمال لا تختلف عما تفعله الحيوانات من أعاجيب الأفعال بحكم الغريزة وتحت هداية الفطرة وتأثير الجبلة ودون أن تخضع في شيء من ذلك لأي عامل خارجي عن وجودها.

و الأفعال العادية هي التي لا يكون لها أية جذور غريزية باطنية بل يقوم بها الإنسان تحت تأثير العوامل الخارجية عن ذاته.

ولمزيد من التوضيح نمثل للأفعال الفطرية بالأمثلة التالية :

1. الغريزة الجنسية وميل كل جنس إلى مخالفه من الأُمور الفطرية التي تتجلّى لدى كل فرد من أبناء البشر في سنين متفاوتة.

فكل أبناء البشر ـ بلا استثناء ـ يميلون في هذه الفترة من العمر إلى الزواج واللقاء الجنسي دون أن يدعوهم إلى ذلك داع أو مبلّغ ودون أن يسوقهم إلى ذلك مرشد أو معلّم.

2. الميل إلى الجاه والمكانة الاجتماعية هو الآخر من الأُمور الفطرية التي تنبع من أعماق الباطن البشري ، وحنايا النفس الإنسانية.

52

فالحكم على الناس والحصول على المناصب ليس شيئاً لا يريده أحد أويحتاج إلى تعليم معلّم.

3. حب المال واكتناز الثروة وجمعها من الأُمور الفطرية كذلك.

ألا ترى كيف لا يشبع الإنسان من جمع المال ، ولا يمل من تكديس الثروة وكأنّ جبلته عجنت بطلب الدنيا وحبها.

هذه هي بعض النماذج من الأفعال الفطرية ، وهي كما نرى لا تخضع لأي تغيير وتبدّل ، كما لا تخضع لأي عامل خارج الذات.

ويقابل ذلك مجموعة من الأفعال العادية التي تخضع لحالة التغيّر والتبدّل باستمرار.

فإذا كانت الحاجة إلى اللباس فطرية فإنّ كيفية اللباس الذي يلبسه الإنسان ليست فطرية ، ولأجل هذا نرى التفاوت الكبير في كيفية الثياب والألبسة والأزياء واختلافها من شعب إلى شعب ومن أُمّة إلى أُخرى.

واليوم حيث يتزايد تقارب الشعوب بفضل المواصلات وأجهزة الإعلام بحيث يكاد يصبح العالم عائلة واحدة نجد أنّ مواصفات الأزياء وطُرُز الألبسة تتعرض للتغير والتبدل في كل عام في أغلب نقاط عالمنا ، فتذهب طُرُز وتحل محلها طُرُز أُخرى جديدة بينما تبقى الحاجة إلى اللباس ثابتة لا تتغير.

وعلى غرار الأزياء تخضع أساليب تجميل النساء وطرق الزينة ، وهكذا زخارف المنازل والمحلات والمخازن ، للتغيّ ـ ر والتبدّل كل عام وينتخب كل شعب لنفسه زياً من الأزياء وطرازاً من الطُرُز ، وشكلاً من الأشكال.

مع ملاحظة الأمثلة التي ذكرناها للنوعين يمكن تمييز الأمر الفطري عن

53

الأمر غير الفطري بمعونة العلامات التالية :

1. حيث إنّ الأُمور الفطرية ذات جذور غريزية باطنية ، لذلك فهي تتصف بالشمولية والعمومية ، فليس هناك أحد من أبناء البشر يفقدها ويخلو منها.

2. الأُمور الفطرية تتحقق بوحي الفطرة وهدايتها ، ولا تحتاج إلى تعليم معلّم.

3. كل فكرة أو عمل تكون له جذور فطرية لا تخضع لتأثير العوامل السياسية والاقتصادية والجغرافية ، بل هي تعمل وتتحقق بعيداً عن نطاق هذه العوامل وتأثيرها.

4. الدعايات المكثفة والمستمرة ضد الأُمور الفطرية يمكن أن تضعفهاوتحد من نموها ولكن لا تتمكن ـ أبداً ـ من استئصالها والقضاء عليها بالمرة.

هكذا تكون الأُمور الفطرية بينما تكون الأُمور العادية ـ على العكس ـ .

فهي محلية.

وهي تتأثر بالعوامل والمؤثرات المحيطية والبيئية.

وهي تخضع لتعليم معلم.

وأخيراً هي مما تتمكن الدعايات المضادة من استئصالها بالمرة.

والآن علينا أن نرى ما إذا كانت غريزة التديّن تتصف بالصفات والعلامات الأربع التي ذكرناها أو لا ؟

54

1. البحث عن اللّه ظاهرة عالمية

لقد كشف التحقيق الكلّي الذي قمنا به في مطلع هذا الفصل كشف النقاب عن « عالمية » هذا الإحساس ، ونعني حس البحث عن اللّه والانجذاب إلى ما وراء المادة « الميتافيزيقيا ».

ونضيف هنا أنّ علماء التنقيب والآثار عثروا ويعثرون باستمرار ـ وخلال حفرياتهم ـ على معابد وهياكل للعبادة وأصنام تصور معبودات جميلة كان يتخذها البشر القدامى وتقدّسها الأجيال الغابرة البائدة ، وتعود إلى أقدم العصور.

فها هو فريد وجدي يكتب في دائرة معارفه :

إنّ نتيجة التنقيبات في باطن الأرض تفيد أنّ الوثنية كانت من أظهر وأبرز الإدراكات البشرية ، وكأنّ الاعتقاد بالمبدأ نشأ مع ظهور البشر جنباً إلى جنب. (1)

ويكتب « جان دايورث » الأُستاذ بجامعة كولومبيا حول الدين وأصالته في المجتمع البشري (2) :

إنّك لن تجد أية ثقافة لدى أية أُمَّة من الأُمم وقوم من الأقوام إلاّ ويكون في تلك الثقافة شكل من أشكال التديّن وأثر بارز للدين.

إنّ جذور التديّن ممتدة إلى أعماق التاريخ .. إلى الأعماق المجهولة من التاريخ السحيق البعيد غير المدون. (3)

____________

1 ـ دائرة المعارف : مادة « إله » و « وثن ».

2 ـ الدين في التجارب.

3 ـ المصدر السابق.