مفاهيم القران - ج3

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
532 /
3

لقد وافتنا رسائل من الشخصيات البارزة المتبحّرة بعلوم القرآن و تفسيره تشجّعنا على مواصلة العمل ونحن نتقدم إليهم بالشكر وننشر كلماتهم فيما يأتي من الأجزاء مشفوعاً بالتقدير والإكبار.

كلمة قيّمة للمفكّر الإسلام الكبير والمفسّر القدير العلاّمة السيّد محمد حسين الطباطبائي ( قدس سره ) مؤلّف الكتاب القيّم « الميزان في تفسير القرآن ».

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصّلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين.

أمّا بعد ، فإنّ الكتاب الذي بين يديك سلسلة بحوث قيّمة في القرآن الكريم وتفسيره على أساس « الوحدات الموضوعية » فيه. ويلاحظ الباحث فيها أنّها تعتمد ، قبل كل شيء على الاستفادة من نفس مفاهيم القرآن الكريم في عرض المواضيع كما يلاحظ الروح الموضوعية الهادفة والاُسلوب الفخم ، والتتبع الدقيق ، والإسهاب في البحث ، والاستيفاء الكامل لكلّ جوانب الموضوع. فأسأل الله أن يوفّق مؤلّفنا الموفّق لتنقيح سائر المواضيع في الأجزاء الآتية ، انّه سميع بصير.

محمد حسين الطباطبائي

عام 1393 هـ

قم ـ إيران

4

اكبار وتقدير لهذه الموسوعة القرآنية من المحقق المتتبع العلامة الكبير الشيخ محمد تقي التستري ( دام ظله ) ، صاحب كتاب « قاموس الرجال ».

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة العلاّمة فخر الأيام الشيخ جعفر السبحاني دامت بركاته.

وصلني كتابكم الميمون ففتح علينا أبواب البهجة والسرور ، كما وصلني مؤلّفكم القيّم « مفاهيم القرآن » وقد طالعته من أوّله إلى آخره والحق أنّكم بحثتم فيه عن موضوعات كثيرة وعالجتم فيه المسائل الإسلامية معالجة جديدة ، بعيدة عمّا حولها من آراء وأفكار مهجورة فجزاكم الله عن الإسلام والدين والعلم خير الجزاء.

والعجب أنّكم رغم نشأتكم فى إيران أخذتم بناصية اللغة العربية كأديب مصري أو بغدادي ، فأتيتم بتعابير عصرية رائجة ، أدام الله في تأييدكم وزاد في تسديدكم.

الشيح محمد تقي التستري

5

التفاتة كريمة وكتاب مبارك من الاُستاذ الفد سماحة العلاّمة الحجة الشيخ محمد الكرمي ( دام ظله الوارف ) نقتطف منه مايلي :

بسم الله الرحمن الرحيم

هزتني طرّة عنوانه لأنّه مبتكر في بابه

كم بت أتململ ساعات طوالا من الليل ، وآناء كثيرة من أطراف النهار أجول بفكري في غضون الحياة لعلّي أطّلع من بعض منافذها على بصيص أجعله مناراً للخروج من حيرتي لأنّي أعرف للفضيلة مفهوماً ولا أراه بين الناس ، وللدين أهمية عظمى ولا أجدها ظاهرةً بينهم.. نعم قد تقع العين أحياناً على فاضل متزن وكاتب متقن وكتاب متشخّص فيلوح في الآفاق كما تلوح النجمة اللامعة في شاشة الظلام الأدكن ويحصل منها بصيص للدرب يهوّن على سالكه المسير فلا يكون كخابط في ليلة ظلماء.

وفي مثل هذا الوقت المتلوي والظرف الحرج يتحفني صديق لي حميم وهو الأُستاذ جعفر السبحاني بالجزء الأوّل من تفسيره الموضوعي للقرآن الكريم « فهزّتني طرّة عنوانه لأنّه مبتكر في بابه » فانّ كل من كتب في التفسير كتب على طبق تسلسل السور من الفاتحة إلى المعوذة بالترتيب الموجود للمصحف الشريف ، أمّا صديقنا الفاضل فقد حاول خطة اُخرى هي بنظري آصل من الخطط الدارجة وهي إلمامه بجميع ما في

6

القرآن من أهداف وموضوعات تحدّث القرآن الكريم عنها و إشخاص كل هدف في باب خاص والإفاضة عنه بالآيات التي رمت إليه في أيّة سورة كانت.

... لقد أتحفني صديقي السبحاني بالجزء الأوّل من تفسيره الموضوعي فقرأت مقدّمته لأستجلي من مجملها تفاصيل ما دوّن أو يريد تدوينه ، فوقفت على مجمل مفعم بالمطالب الدقيقة وفتحت الكتاب عفواً فوقعت عيني على عنوان أُمّية النبي في القرآن وسرحتها قصداً لترتع في هذه الجنائن الناظرة والحدائق الغنّاء فكان والحق يقال محقّقاً لمادة المطلب مفتشاً على كلّ مظنة توفي بها على ما يوخّى من بحثه وبعد ذلك مطبقاً لما علّق بنظره مبرهناً عليه طارداً للشبه والإشكالات التي توجّه إليه.

فالسبحاني وإن كان كتب في أبواب شتى وطرق مواضيع عديدة وساعدته الظروف فنشر ما كتب إلاّ أنّه في كتابه هذا إذا وفّق لإتمامه على اُسلوب فأنجز منه يكون قد جاء ببيت قصيده وأسعفه الحظ بمقصوده ولا استكثر عليه ذلك.

لقد أتحفني صديقي الفاضل السبحاني كما ذكرت بالجزء الأوّل من موسوعته فرأيت لزاماً علىّ أن أقدم لجزئه الثاني الجاهز للطبع وأعرب عن الحق الذي تضمّنه كتابه لا عن تذوقي وحده. فجدير بالناشئة المؤمنة أن تطالع هذا الكتاب وتشبع بعض نهمتها منه وجدير بالأُستاذ المؤلّف أن يتابع خطوه في إتمام هذه الموسوعة التي تتقاضى منه جداً وجهداً وزمناً وإذا ماطل هذه الصعوبات وانتصر عليها يكون قد فاز برضى من ربّه وهذه هي الجائزة الموقّرة ... والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

محمد الكرمي

21/ج 1/1394 هـ

7

عواطف خالصة يجود بها علينا أخ في الله كريم وعلم من أعلام الفكر والدين فضيلة الشيخ حسن طراد العاملي نزيل النجف الأشرف.

بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة العلاّمة الجليل المجاهد الكبير سماحة الشيخ جعفر السبحاني المحترم دام حفظه وتأييده.

تحية حب وإخلاص وتقدير وإجلال.

وبعد : فقد وصلتني هديتك الثمينة التي تفضّلت بها « مفاهيم القرآن ». وقد كان لهذه الهدية الفكرية مدلول رائع ومحتوى مزدوج سام ، فهي تعبّر من جهة فكرية عن فكر عميق ونظر دقيق وسعة اطّلاع وفصاحة بيان وسداد منطق كما تعبّر من جهة روحية عن سموّ خلق ودماثة طبع ورحابة صدر وسماحة نفس ، ولهذا وذلك كان لهذه التحفة السنية بما عبّرت عنه ودلّت عليه أبلغ الأثر في نفسي حيث جعلت لك عندي منزلة سامية ومكانة مرموقة تستوجب التقدير والإجلال ، كما بعثت وكوّنت لك في قلبي حبّاً عميقاً وإخلاصاً وثيقاً يجذبني إليك بسلك الوفاء والولاء وقد كان من نتائج هذا التقدير وذلك الحب مقطوعة شعرية نظّمتها بوحي من إعجابي بفضلك وتقديري

8

لشخصك وإخلاصي لك وهي :

سر للأمام مؤيّداً بعزيمة* * *كالطود لا تثنى ولا تتقهقر

وانشر من الدين الحنيف معارفاً* * *غراء تسطع بالرشاد وتزهر

وأكشف دياجير الضلال بساطع* * *من نور فكرك بالهدى يتموّر

فالليل لايجلوه إلاّ كوكب* * *بشعاعه ظل الدجى يتبخّر

والغي لا يمحوه إلاّ كاتب* * *بفنون دستور السما متبحّر

نشر الحقائق في العقول فأشرقت* * *وعياً وأضحت بالهدى تتنوّر

ليظل دستور العقيدة مشرقاً* * *تزهو بروعة ماحواه الأعصر

وختاماً أشكر هديتك القيّمة وأُقدر أخلاقك السامية وجهادك المثمر البنّاء والسلام عليك وعلى سائر الأعام المجاهدين في حوزة قم المقدسة.

حسن طراد العاملي نزيل النجف الأشرف

7/ربيع الآخر / 1394 هـ

9

مقدّمة الطبعة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحديث عن التفسير الموضوعي ذو شجون وهو يقابل التفسير الترتيبي الذي يتخذ المفسّر ، القرآن موضوعاً لتفسيره مبتدئاً من سورة الحمد ومنتهياً إلى سورة الناس وربّما لا يرافقه التوفيق لتفسير جميع السور فيكتفي بتفسير البعض.

وأمّا التفسير الموضوعي فيجعل المفسّر الموضوعات الواردة في الكتاب العزيز محوراً للدراسة ويجمع شتيت آياته من السور المختلفة فينظر إلى الكل بنظرة ثاقبة ويخرج بنتيجة واحدة يجعل البعض قرينة للبعض الآخر.

وكان المألوف بين المفسّرين هو النمط الثاني وإن كان النمط الأوّل غير مغفول عنه في بعض صوره ، كالبحث عن الآيات الواردة حول الأحكام الفقهية من الطهارة إلى الديات ، والآيات الواردة حول المثل والأخلاق.

وأوّل من فتح هذا الباب على وجه موجز في غير واحد من المواضيع هو العلاّمة المجلسي ( قدس سره ) حيث أصدر في موسوعته عن هذا اللون من التفسير في جميع الأبواب في مجالي العقيدة والشريعة والحوادث الكونية غير أنّه لايخرج في تفسيرها عن إطار ما في التفاسير المعروفة كمجمع البيان للطبرسي وأنوار التنزيل للبيضاوي وغيرهما. وممّا يدعو إلى إكبار عمله أنّه قام بجمع آيات الموضوعات الواردة في القرآن الكريم مع عدم توفّر المعاجم الموجودة في عصرنا هذا ، فإنّها بلا شك خير معين لمن يريد الخوض في هذا المجال.

10

وقد قمت بحمد الله بهذا العبء الفادح حسب المستطاع فجعلت العقيدة هي المحور الأوّل للتفسير مقدماً لها على الأحكام والأخلاق وما يرجع إلى الكون والطبيعة وخلق الإنسان.

والجزء الأوّل يحتوي على مباحث في التوحيد وأقسامه ، والشرك وألوانه ولمّا انتهينا في هذا الجزء إلى التوحيد في الحكومة وأنّه لا حاكم في المجتمع البشري سوى الله سبحانه وانّ حكومة غيره لابدّ أن تكون مستمدة من حكومته سبحانه وتعالى. خصّصنا الجزء الثاني من هذا الموسوعة في الحكومة الإسلامية ، وما ورد حولها من الآيات في مواضيع مختلفة.

وكان الأنسب للبحث في الجزء الثالث هو دراسة أسمائه وصفاته ، ثمّ البحث عن النبوّة العامّة إلى أن ننتهي إلى معالم النبوّة الخاصة ولكن كانت الحاجة في المجتمع الإسلامي ماسّة للبحث عن النبوّة الخاصة ركّزنا البحث على مواضيع ترجع إليها واستغرقت تلك البحوث الجزء الثالث والرابع والخامس نعم درسنا صفاته سبحانه في الجزء السادس دراسة معمّقة تليق بها ودرسنا حياة النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) في القرآن في الجزء السابع.

وما ذكرنا فهرس موجز لهذه الأجزاء السبعة وأرجو منه سبحانه أن يوّفقني لدراسة المواضيع الباقية من العقائد والمعارف. إنّه قريب مجيب.

وها نحن نعيد طبع الجزء الثالث في حلّة قشيبة وقد مضى على الطبع الأوّل قرابة عشرين سنة وما زال الطلب يصل إلينا ويشجعنا على مداومة العمل. واستيعاب المواضيع الباقية في المعارف الواردة في القرآن الكريم ونرجو الله تعالى أن يوفقنا لإكمال هذه الموسوعة التي تهدف إلى التعرّف على الأُصول والعقائد عن طريق الوحي والتنزيل.

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ( عليه السَّلام )

جعفر السبحاني

3 شهر رمضان المبارك عام 1413 هـ

11

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

القرآن كتاب القرون والأجيال

القرآن معجزة خالدة

لمّا كانت رسالة النبي الكريم محمد ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) أبدية خالدة إلى يوم القيامة ، لأنّها خاتمة الرسالات ، ونبوّته خاتمة النبوّات.. وكانت النبوّة والرسالة الخالدة بحاجة إلى المعجزة الخالدة لاقناع الأجيال المتلاحقة ، امتازت معجزة الرسول الكريم محمد ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) عن معاجز غيره من الرسل الكرام بكونها خالدة خلود النبوّة المحمدية ، باقية بقاء الرسالة الإسلامية ، التي هي خاتمة الرسالات والحلقة الأخيرة المتكاملة في سلسلة الشرائع الإلهية.

وهذا أمر يؤيّده العقل ، ويؤكده البرهان. فالأنبياء والرسل السابقون ، رغم أنّهم كانوا أصحاب معاجز كثيرة وعديدة ، لكن تلك المعاجز كانت مؤقتة ، لأنّ رسالتهم كانت منحصرة على عصورهم وأجيالهم أو تمتد إلى عصور بعدهم بقليل ولذلك كانت معاجزهم باقية في الأذهان بقدر طول مدة نبوّتهم ورسالتهم فكانت تختفي بانتهاء مدة

12

نبوّاتهم ( عليهم السَّلام ) ولم يبق منها إلاّ أخبار وقصص في بطون الكتب ، وطيات التاريخ المدوّن.

أمّا الرسالة التي كلّف بإبلاغها الرسول الخاتم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) فإذ لم تكن محدودة بزمن دون آخر ، ولا مقصورة على جيل دون آخر ، فهي الرسالة الخالدة وهي الدعوى الموجهة إلى جميع الأجيال البشرية إلى يوم القيامة ، كان من الضروري والبديهي أن تقترن بمعجزة خالدة ، تشهد على صدق صاحب الدعوة وحامل تلك الرسالة ، في جميع القرون والأعصار ، ولتكون ( حجة ) على جميع الأجيال المخاطبة بها ، والمدعوّة إليها ، لأنّ المعجزة وثيقة إثبات لا يمكن تصديق رسالة ونبوّة بدونها.

وكانت هذه المعجزة الخالدة التي زوّد الله تعالى بها خاتم الأنبياء محمداً ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) هي ( القرآن الكريم ) الذي بقى على مرّ العصور والأزمنة يشهد ـ بقوّة ووضوح ـ على صدق النبوّة المحمدية وعلى صلته ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) بالله سبحانه وتعالى.

والجدير بالذكر أنّ إعجاز القرآن الكريم لا يقتصر على جهة دون جهة ، بل هو معجزة بمجموعه وفي جهات شتى نشير إلى بعضها على سبيل المثال لا الحصر :

أوجه الإعجاز القرآني

إنّ القرآن الكريم معجزة مستمرة وخالدة :

أوّلا : من حيث فصاحته وبلاغته التي أخرست البلغاء والفصحاء ، لافي عصر نزوله خاصة ، بل في جميع الأزمنة والدهور ، وأعجزتهم عن معارضته ، وتحدّتهم في معاقلهم ، وعقر دورهم.

ثانياً : من حيث احتوائه على أفضل القوانين والنظم ، وأرقى التشريعات في جميع المجالات الحيوية ، وإتيانه بما عجز عن الإتيان به أرقى الحضارات البشرية حتى يومنا هذا.

ثالثاً : من حيث إخباره بالأُمور المستقبلية واحتوائه على الأُمور الغيبية ، إذ أخبر

13

عن وقائع وحوادث مستقبلية تحقّقت بعده حرفاً بحرف.

رابعاً : من حيث سلامته عن التناقض والاختلاف في النظم والاُسلوب ، وفي المعنى والمضمون رغم تدرّجه في النزول على النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وتنزّله في ظروف مختلفة متباينة كيفاً وحالا ، وخلال ثلاث وعشرين سنة محفوفة بالمشاكل الجسيمة ، والتطورات العنيفة.

خامساً : من حيث تناوله الدقيق للوقائع التاريخية الماضية ، حيث قصّها على نحو خال عن شائبة الأساطير والخرافات ، وهو أمر يمكن معرفته بمقارنة القرآن الكريم مع التوراة والإنجيل.

سادساً : من حيث اشتماله على إشارات رائعة عميقة إلى حقائق كثيرة من العلوم الطبيعية التي توصّل إليها العلم الحديث ـ في هذا العصر ـ بفضل الجهود الطويلة المضنية ، وبواسطة المختبرات ، والوسائل العلمية والتجارب والاختبارات العديدة.

سابعاً : من حيث قوّة احتجاجه على خصومه ومعارضيه ، وما جاء به من حجج لم يسبق لها نظير في علم المناظرة والاحتجاج وكانت ـ ولا تزال ـ أنجح الحجج في إفحام الخصوم وإسكات المجادلين ، والمشكّكين ، بل وهدايتهم في أغلب الأحيان.

ثامناً : من جهة ما جاء به في مجال الأخلاق والتربية الأخلاقية للفرد والمجتمع حيث استقصى الأخلاق الفاضلة وحثّ على التزيّن بها بما توجبه الحكمة من البعث والترغيب ، وأحصى الأخلاق الرذيلة وزجر عن التلوّث بها بما توجبه الحكمة ، ويقتضيه الاصلاح من التخويف والتنفير وسلك في ذلك كلّه طريقة فريدة لها أبلغ الأثر حتى في أشد القلوب قساوة.

تاسعاً : من حيث روحانيته البالغة التي تنفذ إلى الأعماق ، وتأخذ بمجامع القلوب ، وتستميل المشاعر ، فإذا بآياته روح تحيا بها نفوس الخلق ، ونور يضيء الوجود الإنساني كما تضيء الشمس الآفاق ، فتنشط الأحياء ، وتتحرك الطبيعة.

14

عاشراً : من حيث تناوله لأدق المعارف العقلية ، والقضايا الاعتقادية الرفيعة التي لاتصل إليها أفكار البشر ، ولا تبلغها علومهم ، ممّا يتعلّق بالله سبحانه وصفاته وأسمائه وأفعاله ، وما أخبر به من عوالم غيبية في الملأ الأعلى ، والنشأة الأُخرى.

إلى غير ذلك من الجهات والوجوه التي يقصر البيان عن الإحاطة بها ، وإحصائها في هذا المختصر.

غير أنّ الجهة الأخيرة من هذه الجهات وهي التي كان يتوجب تناولها بالدراسة الوافية والتحليل الشامل ، وخاصة في عصرنا الحاضر ، قد أُهملت في مؤلّفات المفسّرين غالباً فهم لم يدرسوها بجامعية تليق بالموضوع وتناسب أهميته ، وتعطي حقه من العناية والبحث.

ولعلّ عذرهم في ذلك هو أنّ تفسيرهم للكتاب العزيز كان على وجه التفسير التدريجي للقرآن ، أي التفسير سورة فسورة ، وآية فآية ، ولم يتبادر إلى أذهانهم إنّ هناك نوعاً آخر من التفسير هو التفسير الموضوعي الذي يفسّر الكتاب العزيز حسب المفاهيم والموضوعات ، وهو النمط الذي أشرنا إليه في مقدمة الجزء الأوّل من هذه السلسلة القرآنية.

لزوم الاهتمام بالمعارف الإلهية

وإنّما ينبغي إعطاء المزيد من الاهتمام بالمعارف الإلهية التي ترتبط بالله سبحانه ، وأسمائه وصفاته وأفعاله وغير ذلك ممّا تناوله القرآن بالدقة المشهودة ، لأنّ تناول القرآن لهذه المعارف بهذا الشكل يدلّ ـ بوضوح لا يقبل الجدل ـ على أنّ النبيّ الأُمّي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) لم يأخذ هذه المعارف إلاّ من مستقى ( الوحي ) ، إذ من المستحيل لابن الجزيرة الخالية من أيّة حضارة وثقافة أن يأتي ـ في كتابه ـ بما أبهر عقول الفلاسفة والمفكّرين ، في القديم والحديث ، وذلك من لدن نفسه وصنع فكره ، أو يكون قد تلقّاها في مدرسة ، أو اقتبسها من معلّم في أرض لم يعرف أهلها إلاّ الأوهام ، ولم يؤمنوا إلاّ بالخرافة ، فلا ثقافة

15

ولا مثقّفين ، اللّهمّ إلاّ بضعة أشخاص (1) لم ينالوا من الثقافة إلاّ صبابات هي إلى الجهل أقرب منها إلى العلم والمعرفة.

إنّ القرآن جاء بأُصول وأفكار في مجال المعارف العقلية العليا لم يقف عليها حتى النوابغ من الفلاسفة ، في الشرق والغرب ، إلاّ عن طريق ذلك الكتاب الإلهي وهدايته.

إنّ من الظلم الفضيع إهمال دراسة هذه المعارف العليا بحجة أنّها مسائل غيبية يجب الاعتقاد بها إجمالا ، وترك دراستها ومناقشتها وتحليلها.

والعجب أنّه روي عن الإمام مالك أنّه جاء إليه رجل فقال : يا أبا عبد الله ( الرحمن على العرش استوى ) كيف استوى؟

فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء. ثم قال :

« الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلاّ مبتدعاً ».

فأمر به أن يخرج. (2)

ونحن نعتقد أنّه كان على الإمام أن يجيب على سؤال السائل ويهديه إلى مراده سبحانه من هذه الآية بدل رميه بالابتداع وإخراجه من المجلس.

كما أنّ من الظلم أيضاً ما يرتكبه بعض كتّابنا المسلمين المعاصرين ، حيث أخذ يفسّر هذه المعارف العقلية الإلهية بالأُمور المحسوسة ويحاول تطبيقها على الشؤون المادية فصار فعله بذلك من أوضح مصاديق ( تفسير القرآن بالرأي ) الذي تواترت الأحاديث

____________

1 ـ لقد نقل البلاذري في كتابه « فتوح البلدان » أنّ الذين كانوا يعرفون الكتابة في مكة ـ آنذاك ـ لا يتجاوزون سبعة عشر شخصاً ، وفي المدينة أحد عشر شخصاً ، وإليك نصّ ما قاله في هذا المجال :

« دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب » ثمّ عدهم وذكر أسماءهم وقال :

« كان الكتّاب بالعربية في الأوس والخزرج قليلين ... فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون » ثمّ ذكر أسماءهم راجع فتوح البلدان ص 456 ـ 459 باب في أمر الخط.

2 ـ مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية ، ج 1 ، ص 443.

16

الشريفة من الرسول الأعظم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) على نهيه.

من أجل هذا ، ولكي نسلم من التخبّط والعشوائية في معرفة هذه المعارف والقضايا الاعتقادية يتعيّن علينا أن ندرسها بعناية بالغة على نمط ( التفسير الموضوعي ) من دون فرق بين موضوع وآخر ، حتى نقف ـ من هذا السبيل ـ على واحدة من أهم جهات الإعجاز القرآني ، ونكون من المتعمّقين في القرآن ومعارفه. وما روي عن الإمام علي بن الحسين السجاد ( عليه السَّلام ) إذ قال ، لمّا سئل عن التوحيد :

« إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى : ( قل هو الله أحد ) والآيات من سورة الحديد إلى قوله : ( وهو عليم بذات الصدور ) فمن رام وراء ذلك فقد هلك ». (1)

أقول : إنّ ما روي عنه ( عليه السَّلام ) لا يعني أنّ الإمام أراد حصر الآيات الباحثة عن المعارف والقضايا الاعتقادية في هذه الآيات ، بل لمّا كان ما جاء في هذه الآيات في القمّة من تلك المعارف ، أشار إليها الإمام خاصة دون إرادة الحصر.

ولأجل هذا جعلنا وجهة البحث في تفسيرنا منذ أن شرعنا في هذا النمط صوب : ( المعارف الاعتقادية ) على ضوء القرآن ، مبتدئين بالتوحيد و ماضين في هذا السبيل إلى ما شاء الله ...

تقديم مباحث النبوّة على الصفات

ولمّا انتهى البحث عن ( التوحيد ) وأقسامه في الجزء الأوّل من كتابنا الذي انتشر باسم « معالم التوحيد في القرآن الكريم » ، وفرغنا من عرض أهم أصل من أُصول الدين الإسلامي ، وانجرّ البحث عن توحيد حاكميته سبحانه إلى توضيح صيغة الحكومة الإسلامية وخصصنا لبيانها جزءاً مستقلا وانتشر باسم : « معالم الحكومة الإسلامية » كان البحث الضروري والمهم بعد ذلك الفصل هو البحث عن معالم النبوّة مطلقاً ، ونبوّة

____________

1 ـ الكافي ، ج 1 ، باب النسبة ، الحديث 3.

17

نبيّنا محمد ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) خاصّة واستعراض ما جاء حولهما من المسائل والمباحث التي يجب الاعتقاد بها حسب نصوص القرآن الكريم وآياته.

نعم كان اللازم بعد البحث عن وجوده سبحانه وتوحيده هو البحث عن سائر صفاته الجمالية من علمه وقدرته وحياته إلى غير ذلك من الصفات الثبوتية ، أو البحث عن صفاته الجلالية من كونه ليس بجسم ، ولا عرض ، إلى غير ذلك من الصفات السلبية. (1)

نعم كان اللازم تقديم البحث عن صفاته على بحث النبوّة ، غير أنّه لما كان أهم صفاته هو التوحيد وقد أشبعنا الكلام فيه ضمن فصول ، قدّمنا بحث النبوّة.

وإنّما اخترنا مبحث النبوّة ، بعد استيفاء البحث في توحيد الله سبحانه ، لأنّه الأصل الثاني لتحقّق الإسلام ، حيث كان الرسول الأعظم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) يقبل إسلام من يعترف بالشهادتين : الشهادة بتوحيد الله سبحانه ، والشهادة برسالة نبيّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ).

نعم سنقوم ، بعد استيفاء البحث عن النبوّة ، بالبحث عن ( المعاد في يوم القيامة ) لأنّ أي مسلك ودين لا يمكن أن يصطبغ بصبغة الدين الالهي بدون الاعتقاد ب ـ ـ ( المعاد ).

وتدل على انحصار المهم من الاعتقاد في هذه الأُمور والأُصول الثلاثة روايات وأحاديث منها ما عن علي بن أبي طالب عن النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) أنّه قال :

« لا يؤمن عبد حتى يؤمنن بأربع : يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي محمد رسول الله بعثني بالحق ، ويؤمن بالموت ، ويؤمن بالبعث بعد الموت ، ويؤمن بالقدر » (2).

كما روي أنّ رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله بجارية له سوداء فقال : « يا رسول الله علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله :

____________

1 ـ خصصنا الجزء السادس بالبحث عن أسمائه وصفاته سبحانه كما خصصنا الجزء السابع لبيان دعوة النبىّ الأكرم وحياته في القرآن.

2 ـ أخرجه الترمذي راجع جامع الأُصول ، 1 ، ص 145.

18

أتشهدين أن لا اله إلاّ الله؟

قالت : نعم.

قال : أتشهدين أنّ محمداً رسول الله؟

قالت : نعم.

قال : أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟

قالت : نعم.

قال رسول الله : اعتقها » (1).

مباحث النبوّة

إنّ البحث عن ( النبوّة ) يقع في موردين :

1 ـ النبوّة العامّة.

2 ـ النبوّة الخاصّة.

والمراد من البحث في ( النبوّة العامّة ) هو دراسة ظاهرة « النبوّة » ، ذلك الفيض الإلهي الجاري من جانب الله سبحانه إلى البشر بواسطة الأنبياء والرسل من آدم ( عليه السَّلام ) إلى خاتم النبيين ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ).

وفي مجال النبوّة العامّة لابدّ من البحث في الأُمور التالية التي يتكفل مجموعها شرح هذه الحقيقة الكبرى ، وبيانها :

الأوّل : لزوم بعث الأنبياء إلى البشر.

الثاني : الشرائط العامّة اللازمة في النبي كالعصمة والخلو عن النقص والعيب.

الثالث : كيفية أخذ الأنبياء الأحكام عن الله سبحانه ، وما هو الوحي.

الرابع : ما يعرف به النبي الحقيقي ويمتاز عن مدّعي النبوّة كذباً ، ومنتحلها

____________

1 ـ أخرجه صاحب الموطأ راجع ، ج 1 ، ص 145.

19

زوراً ، ويبحث فيه عمّا يسمّى بدلائل النبوّة التي منها « المعاجز ».

تلك هي عناوين الأبحاث في « النبوّة العامّة » التي تعرّض لها القرآن الكريم في مواضع كثيرة من سوره وآياته.

وإنما يجب البحث عن الموضوع الأوّل ( أعني : لزوم إرسال الرسل وبعث الأنبياء ) دفعاً للمزاعم الواهية المنقولة عن البراهمة والبوذيين الذين أنكروا ضرورة إرسال الرسل بوجوه ذكرها علماء الكلام في مؤلّفاتهم الاعتقادية (1).

وأمّا البحث عن الموضوع الثاني فلأجل توضيح أنّ النبوة لا تعطى إلاّ لمن تتوفّر فيه صفات خاصّة ، ومؤهّلات معيّنة وهو بحث يتطلبه مبحث النبوّة العامّة لمعرفة أهمية مسألة النبوّة ، وأنّه هذا المنصب العظيم لم يعهد إلاّ لمن تتوفّر فيه صفات معيّنة.

ويتناول العنوان الثالث بالبحث لمعرفة أنّ أهّمية النبوّة وامتيازها عن أيّة ظاهرة فكرية بشرية إنّما هي بالوحي ، الذي هو كيفية اتصال الأنبياء بالله سبحانه ، وهو الأمر الذي يدحض الزعم الباطل القائل بأنّ الأنبياء مجرد نوابغ وأنّ ما يأتي به الأنبياء نظريات بشرية نابعة من صميم أفكارهم.

ويتناول الموضوع الرابع بالدراسة لأنّ معرفة النبىّ الصادق عن المتنبئ الكاذب متوقف على ما يتحقق على يد النبي من معاجز تثبت تأييد الله سبحانه له وإن كانت هناك طرق أُخرى لتمييز النبي الحقيقي عن المتنبئ أيضاً وسيوافيك بيانها في محلها.

وهذه العناوين وإن كان البحث عنها مهماً وضرورياً لمعرفة حقيقة النبوّة بصورة عامة لكنّنا نقدم الحديث عن معالم النبوّة الخاصّة ـ أعني نبوّة الرسول الأعظم محمد ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ـ نظراً لشدة الحاجة إلى ذلك فعلا ، وسنردف البحث هذا ، بدراسة الفصول ، والمسائل المتعلّقة بالنبوّة العامّة التي ذكرناها عمّا قريب.

____________

1 ـ ذكر بعضها المحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد وشرحه تلميذه العلاّمة الحلي في كشف المراد راجع ذلك الكتاب ، ص 275 ، طبعة صيدا.

20

نعم كان الأولى في البحث عن النبوّة الخاصّة تقديم البحث عن دلائل نبوّة سيدنا محمد ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ).

غير أنّه لما كتبت في هذا الموضوع مؤلّفات ، ورسائل ، وكان البحث عن إعجاز القرآن بوجوهها العشرة الماضية أحسن دليل على صحة رسالته ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وقد استوفى علماؤنا البحث عن ذلك قديماً وحديثاً وجدنا قرّاءنا في غنى عن تكراره.

ولأجل ذلك طرحنا بحوثاً أُخرى ترجع إلى صفات رسالته ونبوّته أو إلى حالاته الخاصة الواردة في الكتاب العزيز ، والتي لم تبحث إلى الآن بصورة مشبعة ومنقّحة.

فلأجل ذلك نبحث في هذا الجزء عن الأُمور التالية :

1 ـ رسالته ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) عالمية وليست إقليمية ولا قومية وأنّه مبعوث إلى البشر كافة.

2 ـ إنّ رسالته خاتمة الرسالات ونبوّته خاتمة النبوّات ، وكتابه خاتم الكتب.

وهذان البحثان يرجعان إلى البحث عن أوصاف رسالته ، من عموميتها وخصوصيتها.

3 ـ أنّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) كان أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب.

4 ـ أنّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) كان مطّلعاً على الغيب بإذنه سبحانه.

وهذا البحثان يرجعان إلى أوصافه الواردة في القرآن الكريم.

5 ـ بيان أسمائه وصفاته ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) الواردة في القرآن الكريم.

نسأل الله سبحانه أن يوفّقنا لتوضيح هذه المعالم التي نوّه بها سبحانه وذكرها في كتابه العزيز ، وأن يوفّق قرّاءنا للاستفادة من هذه البحوث القرآنية انّه خير معين.

قم المشرفة

10 ربيع الثاني من شهور عام 1402

21

مقدمة الطبعة الأُولى

بسم الله الرحمن الرحيم

منهج متكامل في عالم التفسير

الإسلام دين الله الأبدي الخالد وشريعته الدائمة الباقية مع مرّ العصور والأزمان ، ولابد لهذه الشريعة الباقية من سند قوي يسندها ، ودليل واضح يدل على أنّها حق لا يتسرّب إليه أي شك أو شبهة ، فكان ذلك السند والدليل هو القرآن الكريم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهوالمعجزة الخالدة التي ستبقى سنداً حياً للشريعة الإسلامية إلى يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين.

لقد كانت المعاجز التي ظهرت على أيدي موسى بن عمران والمسيح بن مريم ( عليهما السلام ) ، معاجز تخص عصرهما ، فلم يشاهد منها شيء في العصور المتأخّرة عنهما ، ذلك لأنّ شريعتيهما كانتا خاصّة بفترة زمنية معيّنة محدودة بحدود مؤقتة ، فكانت معاجزهما كافية لتلك الفترة التي تسري فيها شريعتهما.

أمّا نبوّة نبي الإسلام محمد ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) التي هي آخر النبوّات ، وشريعته التي هي خاتمة الشرائع ، فلابد لها من معجزة تناسبها ، وتواكب سيرها الزمني لتكون النبراس الذي

22

يضيء الطريق للجيل المعاصر للرسول والأجيال التي ستأتي بعده إلى ماشاء الله تعالى. يمحو صدأ الشكوك عن أذهان كافة البشر ، ويدلّهم دلالة واضحة إلى طريق الحق اللاحب والصراط المستقيم.

القرآن وآفاقه اللامتناهية

لم يمض من نزول القرآن نصف قرن ، إلاّ وقد وضع علماء الإسلام علوماًجمة لفهمه وكشف أسراره ومعانيه ، ولو أمعنا النظر لرأينا أنّ كثيراً من العلوم ، وضعت أوّلياتها لاستيضاح مداليل آيات القرآن وما يمكن أن يستخرج من جملها وعباراتها وذلك كالنحو ، والصرف ، واللغة ، والمعاني ، والبيان ، والبديع ، والقراءة ، والتجويد ، وقصص القرآن ، وشأن نزول الآيات.

مع هذه الجهود الجبارة المبذولة من قبل أعلام العلماء طيلة القرون الأربعة عشر الماضية ، ومئات المؤلفات الكبيرة والصغيرة المدوّنة في سبيل الكشف عن الأسرار الكامنة في الآيات القرآنية.

مع كل هذه المساعي ، لم يصلوا إلى أعماق ما في القرآن من عجائب الأسرار وغرائب الحكم الكامنة فيه.

يسير الانسان حثيثاً في استجلاء معارف القرآن الفكرية وقوانينه الاجتماعية والأخلاقية وسائر تعاليمه العالية. ولكنه لم يزل ، يجد الجديد فيه عندما يتعمق في البحث ، ويرى ما قد غفل عنه الأقدمون ولم يصلوا إليه. كأنه أمام بحر مواج بالحقائق العلمية لا يدرك غوره ، ولا يتوصل إلى أعماقه ، ولا يمكن معرفة ما فيه من الأسرار والعجائب.

كأنّ القرآن الكريم ، هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة ، الواسع الأطراف ، الذي لا يزيد البحث فيه والكشف عن حقائقه وأسراره ، إلاّ معرفة أنّه لايزال الانسان في الخطوات الأُولى من التوصل إلى مكامنه الخفية في أغواره. فأنّ كتاب الله تعالى كذلك ،

23

لا يتوصل إلى كل ما فيه من الحقائق والاسرار ، لأنّه منزل من عند الله الذي لا تتصور له نهاية ، ولا يمكن تحديده بحدود وأبعاد ، فيجب أن تكون في كتابه لمعة من لمعاته ، ويثبت بنفسه أنّه من عنده ، ويتوفر فيه ما يدل على أنّه كتاب سماوي ليس من صنع البشر ، وهو خالد إلى ما شاء الله تعالى.

أنّ نبي الإسلام العظيم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) هو أوّل من لفت الأنظار إلى تلكم المزيّة وأنّ هذه المزيّة من أهم خصائصه ، حيث يقول في وصفه له : « له ظهر وبطن وظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم ، لاتحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة » (1).

وبعد النبي يأتي دور أول تلميذ لمدرسته وهو الإمام أميرالمؤمنين ( عليه السَّلام ) ليصف القرآن بقوله : « أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه ، وسراجاً لايخبو توقده ، وبحراً لا يدرك قعره ... ـ إلى أن قال ـ : وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافي الإسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه المنتزفون وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغضيها الواردون » (2).

وسأل رجل علي بن موسى الرضا ( عليه السَّلام ) فقال : ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلاّ غضاضة؟ فقال : « إنّ الله تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة » (3). نرى أن الرضا ( عليه السَّلام ) لايشير في هذا الحديث إلى موضوع خلود القرآن فقط ، بل يشير أيضاً إلى سرخلوده وبقائه غضاً جديداً لا يتطرق إليه البلى والذبول.

ويجب أن نذكّر القارئ بأنّ النبي وأئمّة أهل البيت ( عليهم السَّلام ) لم يكونوا وحدهم هم الذين لفتوا الأنظار إلى موضوع آفاقه اللامتناهية ، بل عظماء العرب والعارفون منهم

____________

1 ـ الكافي ، كتاب القرآن ، ج 2 ، ص 599.

2 ـ شرح نهج البلاغه لعبده ، ج 2 ، ص 202.

3 ـ البرهان في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 28.

24

أدركوا هذه الحقيقة في أيام الإسلام الاُولى ، واعترفوا بعجزهم عن الوصول إلى أغوراه ، والتوصل إلى ما فيه من الأسرار والحكم.

هذا الوليد بن المغيرة حكيم العرب وريحانتهم وخطيبهم المنطيق يجلس إلى النبي ليستمع ما كان يتلوه من آيات « سورة غافر » ، وبعد هنيئة ذهب إلى قومه « بني مخزوم » ليقول لهم مصارحاً : ( والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن ، وأنّ له لحلاوة ، وأنّ عليه لطلاوة ، وأن أعلاه لمثمر ، وأنّ أسفله لمغدق ، وأنّه ليعلوا وما يعلى ) (1).

يمكن اعتبار قول الوليد هذا ، أول تقريظ بشري صدر من انسان واع أدرك بفطرته وذوقه السليم أنّ القرآن ( أعلاه لمثمر ، وأسفله لمغدق ، وأنّه يعلو وما يعلى ).

التفسير في مختلف الاتجاهات

في القرن الثالث الهجري ـ عندما قطعت العلوم الإسلامية أشواطاً بعيدة ، ووصلت إلى مراحل عالية من النضج والرقي ـ حدث في علم التفسير تطوّر ملموس ، فإنّه قبل هذه الفترة كان التفسير منحصراً بنقل أحاديث مروية عن النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) أو آراء بعض الصحابة والتابعين وأحياناً بعض أهل الكتاب الذين اعتنقوا الإسلام ، أمّا في هذا القرآن وما بعده فقد أدخل كل ذي اختصاص المباحث العائدة إلى موضوع اختصاصه ، في التفسير ، بل ربّما لا يكتب بعضهم إلاّ ما يدخل في إطار العلم الذي أصبح له اليد الطولى فيه.

فأعلام الأدب العربي خصصوا كتبهم التي تتناول القرآن بمباحث الاعراب واللغة والاشتقاق ، كما صنع الزجاج والواحدي مؤلّف كتاب « البسيط » وأبو حيّان مؤلّف كتاب « البحر والنهر ».

وشيوخ البلاغة اهتموا بصورة خاصّة بما يتعلّق بفصاحة القرآن وأسراره البلاغية

____________

1 ـ مجمع البيان ، ج 10 ، ص 387.

25

التي كانت العرب تدركها بفطرتها السليمة ، وذوقها المرهف ، وحاول هؤلاء الشيوخ إثبات إعجاز القرآن من هذه الزاوية التي تعود إلى اللفظ والتركيب. ومن باب المثال نذكر منهم الزمخشري وكتابه « الكشاف ».

والفلاسفة والمتكلّمون والمتصوفة أطالوا الكلام في الآيات التي توافق اتجاههم الفكري ولم يهتموا اهتماماً كبيراً بالجوانب الإُخرى من المباحث التفسيرية ، بل نرى في كثير من كتاباتهم أنّهم أوّلوا بعض الآيات تأويلات بعيدة لايحتملها الذوق الخالي عن المسبقات الذهنية الفلسفية والكلامية والصوفية ، وذلك كما صنع الفخر الرازي في كتابه « مفاتيح الغيب » ومحيي الدين ابن العربي في التفسير المنسوب إليه ، وعبدالرزاق الكاشاني في كتابه « تأويل الآيات » وقبلهم اخوان الصفا في رسائلهم المشهورة.

والفقهاء توفروا في تفاسيرهم على آيات الأحكام فأشبعوها بحثاً ودراسة ، ومرّوا على بقية الآيات مروراً سريعاً كما صنع القرطبي في تفسيره ، بل خص جماعة من الفقهاء كتبهم بتفسير آيات الأحكام فقط ولم يتناولوا بقية الآيات أصلا كالجصاص والفاضل المقداد والمقدس الأردبيلي والشيخ أحمد الجزائري.

وجماعة آخرون خدموا القرآن بجمع قصصه وما يتعلّق بأسباب نزول الآيات والقراءات واختلاف القرّاء والقواعد التجويدية ، كالواحدي في كتابه « أسباب النزول » والداني في كتابه « التيسير » والجزري في « المقدمة الجزرية » والسجاوندي في كتابه « الوقوف » وغيرهم.

وقد خطا فريق من المفسّرين خطوات أوسع ، فحاولوا التوفّر على كل هذه الأبحاث ودرجها بصورة مختصرة في تفاسيرهم ، ومن هؤلاء الشيخ الطوسي في « التبيان » والطبرسي في « مجمع البيان » والنيسابوري في « غرائب القرآن » والآلوسي في « روح البيان ».

المنهج الصحيح في التفسير

المفسّر الحقيقي هو الذي يتجرّد عن ميوله الخاصّة ، وعقائده الشخصية تجرّداً

26

كاملا ويعرض آراءه على الآيات القرآنية لا الآيات على ما يعتقده.

والطريق المفيد لتفسير القرآن ، أن لا يروم المفسّر ، تفسير كتاب الله سبحانه وقلبه ممتلئ بآراء وأفكار تخصّه ، ولا يتقدم إليه باحثاً عمّا قد يؤيد آراءه وأفكاره بل أن يتقدم إليه ليكتشف مقاصده ومراميه ، فإنّ العقيدة التي يمتلئ بها الشخص تملك عليه كل تفكيره ، ولا تترك له سبيلا إلى المقاصد التي يستهدفها الكتاب.

إنّ أحسن المناهج المتّبعة في التفسير ، عرض بعض الآيات على بعضها والاستمداد من الأحاديث الإسلامية الصحيحة لاستخراج المعاني والمفاهيم القرآنية استخراجاً صحيحاً. فيجب لاتّباع الطريقة المستقيمة في التفسير مراعاة الشرطين التاليين :

1 ـ تفسير القرآن بالقرآن :

إنّ القرآن الكريم يؤكد بأنّه تبيان لكل شيء حيث يقول : ( ونزَّلنا عليكَ الكِتبَ تِبيناً لِكُلِّ شيء ) ( النحل : 89 ) ، فالقرآن حيث يكون موضّحاً لكل شيء كما هو مصرّح في هذه الآية ، فهو موضّح لنفسه أيضاً ، إذ لا معنى لأن يكون القرآن تبياناً لكل شيء ولا يكون تبياناً لنفسه فلابد أن يوضح أيضاً ما يبدو أنّه غامض في نفسه ، ومعنى هذا ، أنّه يمكن استيضاح بعض الآيات لفهم المراد من البعض الآخر.

القرآن كلّه « هدى » و « بيّنة » و « فرقان » و « نور » كما في قوله تعالي ( شَهرُ رَمضانَ الّذي أُنزلَ فِيهِ القرءَانُ هُدىً للناسِ وبيّنت مِنَ الهُدى والفُرقانِ ) ( البقرة : 185 ) وقوله تعالى : ( وأنزَلنَا إليكُم نوراً مُبِيناً ) ( النساء : 174 ).

والكتاب الذي يحتوي على هذه المزايا لا محيص من الاعتراف بأنّه يرفع عن نفسه ما يظن فيه من الالتباس والغموض ، ذلك لأنّه لا يمكن أن يكون كتاباً فارقاً بين الحق والباطل ، ونوراً هادياً للبشرية ، وبرهاناً مرشداً إلى ما فيه الصواب ثم يكون في جملة من آياته تعقيد يتيه الانسان في فهمه والتوصل إلى مفاهيمه. وعليه يجب الرجوع إلى الآيات نفسها لفهم ما أُشكل من الآيات الأُخرى التي تشبهها.

27

قال النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « إنّ القرآن يصدق بعضه بعضاً ».

وقال منعاً لحشر الآراء والنظريات الشخصية في التفسير وحملها على الآيات حملا : « من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار » (1).

إنّ تفسير القرآن الكريم بعضه ببعض ، وعرض الآيات على ما يشبهها في المنطوق أو الهدف ، هو الطريقة المأثورة عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) فإنّ الدقة في الأحاديث التفسيرية المروية عن الأئمة تثبت بوضوح ما نقول ، وتدل على أنّ هذا المنهج كان المنهج المحبّب إليهم في إيضاح النصوص القرآنية لتلامذة مدرستهم.

إنّ الآحاديث التفسيرية المروية عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السَّلام ) تدلّ دلالة واضحة على أنّهم استعانوا بنفس الآيات وعرض بعضها على بعض ، في تفسيرها وبيان معانيها وإيضاح مداليلها ومفاهيمها ولم يتصدوا في وقت من الأوقات لحمل آرائهم الشخصية على الآيات الكريمة حملاً ، بل استنتجوا من مقارنة الجمل والكلمات والألفاظ الموجودة في بعض الآيات استيضاح آيات أُخرى مشابهة لها في المنطوق أو المفهوم.

يقول علي ( عليه السَّلام ) في كلام له يصف فيه القرآن : « كتاب الله تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به ، وينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ، ولا يختلف في الله ولا يخالف بمصاحبه عن الله » (2).

ولا بأس أن نقدم هنا نموذجاً من تفسير القرآن بعضه ببعض ليرى القارئ الكريم كيف يمكن رفع الالتباس عن الآيات بهذه الطريقة :

يقول تعالى في سورة الشعراء ـ 173 في قوم لوط : ( وأَمْطَرنَا عَلَيهِم مطَرَاً فَسَاءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ ) أنّ هذه الآية واضحة كل الوضوح من جهة المفهوم ولكن فيها غموض من جهة المصداق ، فإنّ الانسان يتحيّر من المعنى المراد من المطر السوء ، إلاّ أنّ الآية

____________

1 ـ حديث متفق عليه بين الفريقين.

2 ـ نهج البلاغه ، ج 2 ، ص 22 ، الخطبة 129.

28

74 من سورة الحجر ، تبيّن هذا المعنى عندما تقول : ( وَأَمْطَرنَا عَلَيْهِم حِجَارَةً مِن سِجّيل ).

إنّ اتّباع هذه الطريقة يكشف كثيراً من الحقائق الخفية ويلقي أضواء على ما أُبهم من الآيات ، شريطة أن يجعل الإنسان الصبر على البحث ، والدقة الكاملة والتأنّي في إصدار الحكم ، رائداً له.

2 ـ على ضوء الأحاديث الإسلامية الصحيحة :

إنّ بعض الآيات تصرح بأنّ النبي الكريم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) هو المبيّن للقرآن والمعلّم لآياته ، فيقول تعالى : ( وَأَنزَلنا إليكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ للنّاسِ ما نُزِّل إلَيهم ) ( النحل : 44 ) ويقول : ( هُوَ الّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّنَ رَسُولا مِنْهُم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءايتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتبَ ) ( الجمعة : 2 ).

من هاتين الآيتين نعرف أنّ ما أُبهم من القرآن لمصالح لا نعلمها نحن ، يجب الرجوع للكشف عن غوامضها إلى النبي وأهل بيته الذين هم عدل القرآن بشهادة حديث الثقلين المتفق على روايته عن الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ).

ولابد هنا أن نلفت الأنظار إلى أهمية معرفة الأحاديث الصحيحة ، والتمييز بينها وبين الأحاديث غير الصحيحة ، وأنّه لا يمكن الاعتماد على ما نقل عن الصحابة والتابعين في التفسير بصورة مرسلة غير مسندة ، بل يجب التثبت فيها والتأكد من أنّها واجدة لشرائط الحجية التي هي مذكورة في محالها من مباحث علوم الحديث ، وإلاّ فلا يحسن الاستناد إليها في كشف ما أُبهم من القرآن ، بسبب بعد العهد من عصر الوحي أو كون الآيات نزلت مجملة كذلك لمصالح خاصة ليس هنا محل تفصيلها (1).

ولقد أثرت عن أهل البيت ( عليهم السلام ) في هذا المجال أحاديث لوحظ في أكثرها جانب التربية والتعليم والمحاولة لتقريب استفادة المعاني والنكات إلى الأذهان ، ( من

____________

1 ـ مثل الآيات التي ذكرت فيها الصلاة والصوم والزكاة والحج و ...

29

دون حشر رأي خاص فيها وحمله على الذي يستعرضه ) بتدبّر ودقة ، وهذا موضوع يتضح جلياً لمن أمعن النظر في تلك الأحاديث التفسيرية. وهذه الأحاديث لها قيمتها الخاصة وإن لم يصح إسناد بعضها ، لمجانبتها عن التفسير التعبدي ومحاولتها التعليم وإرشاد القارئ إلى كيفية استفادة المعاني من الآية نفسها من دون إستناد إلى شيء آخر.

تأثير الحضارة الغربية في المنهج التفسيري

لقد أثّرت ترجمة الفلسفة اليونانية وعلومها إلى العربية في فهم معاني الآيات والمفاهيم القرآنية تأثيراً بعيد المدى ، فقد ادخلت في التفسير جملة من المسائل الفلسفية والطبيعية التي لا تمت إليه بصلة ، وحملت عليه حملا لايمكن تقبّلها لو تجردنا عن الاتجاه الفلسفي اليوناني الوافد.

إنّ بعض المفسّرين أوّلوا كثيراً من الآيات حسب المفاهيم الفلسفية الوافدة من المشائيين والاشراقيين وعلى ضوء القواعد البطليموسية في الهيئة القديمة وعلم الفلك ، وللتوفيق بين هذه الآراء والآيات القرآنية والأحاديث التفسيرية ، تشبّثوا بنظريات بعيدة كل البعد عن السياق والمفهوم القرآني ، وكانت محاولتهم فاشلة ، بعد تبدّل النظريات العلمية والمكتشفات التجريبية.

وقد واجه القرآن هذه المشكلة أيضاً بل أعمق منها بكثير عندما وسّعت أُوربا الخطوات إلى المدنية الحاضرة وكانت لها آراء حديثة في النظريات الفلكية والطبيعية والرياضية وغيرها وسخّرت بمكتشفاتها العلمية الجديدة البحار والوديان ، وراحت لتسيطر على ما في أجواء السماء.

وانتقل كثير من هذه النظريات الحديثة إلى الشرق ممزوجاً بشيء من سوء الظن بالنسبة إلى المسائل الدينية والأُصول المذهبية ، ذلك لأنّ أُوربا اتخذت التجربة والحس قاعدة أساسية لعلومها ، وأهملت إهمالا كليّاً كل ما يتعلّق بما وراء الطبيعة وربّما عملت على إنكارها وإبادتها وإبعادها عن المجادلات العلمية.

30

إنّ وفود هذا النوع من الفكر المزيج بسوء الظن بالمسائل الغيبية والمعارف الإلهية ، دعا البعض إلى الابتعاد عن الدين ، والالحاد فيه ، كما دعا البعض الآخر إلى تأويل الآيات بما يوافق الاتجاه الفكري المعاصر ، وآل بهم الأمر إلى أن يأوّلوا الآيات المصرّحه بمعاجز الأنبياء ، والروح ، والجن ، والبرزخ ، بتأويل يوافق الأُسس المادية والطبيعية (1).

كما أنّ تقدم العلوم الطبيعية في مجالات مختلفة ، دفع بعض الباحثين إلى أن يفرطوا في تأويل الآيات حسب الأُسس الطبيعية والنواميس الكونية ، كأنّ القرآن كتاب في الكيمياء والفيزياء وليس له أهداف أُخرى.

وفي مطاوي بعض الكتب التفسيرية المؤلّفة في هذا القرن ، نرى الاتّجاه العلمي والفكري الغربي بوضوح ، في عرض المسائل القرآنية وتحليلها ، وهي تحاول بكل ما تملك من القوى أن توفق بين المفاهيم القرآنية الاجتماعية والأخلاقية ، وبين النظريات الغربية ، كأنّها كتبت للتوفيق بين المدرسة الإلهية والمدرسة الاُوروبية المعاصرة.

إنّ هذا الفريق من الباحثين جلبتهم العقيدة الدينية بالقرآن الكريم وتقديسه والإذعان به ، وانجرفوا من جهة أُخرى فى تيار المدنية الغربية المبنية على أساس إنكار المقدسات والمعنويات أو إرضاء لميولهم الخاصة نحو هذه المدنية ، عملوا جادين في تأويل الآيات بالطريقة التي ذكرناها.

نزول القرآن نجوماً

لا شك أنّ الآيات القرآنية نزلت تدريجياً ، على قلب الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) طيلة ثلاث وعشرين سنة ، ولا نريد في هذا المجال ، الحديث عن علة نزول القرآن هكذا ، لأنّه

____________

1 ـ هذه الظاهرة المادية تبرز بوضوح في تفسير السيد أحمد خان الهندي والطنطاوي وفي « المنار » وتلامذة مدرسته قليلا.

31

تحدث هو عن هذا في بعض الآيات (1).

وإنّما الذي يهمّنا الحديث عنه هنا هو : أنّ القرآن لم يكن كتاباً من صنع البشر يتكوّن من أبواب وفصول ويبحث في كل موضوع عن نقطة خاصة ، وإنّما هو كتاب سماوي أنزله الله تعالى لإرشاد البشر إلى المبدأ والمعاد والتكامل الروحي والجسمي ، ولا يحتاج مثل هذا الكتاب إلى التنظيم والالتزامات المتبعة في المؤلّفات الأُخرى ولأجل ذلك فله خصائص لا توجد في غيره ونشير إلى بعضها فيما يلي :

1 ـ تنتقل الآيات من موضوع إلى موضوع آخر لمناسبات تستدعي الانتقال إذ ربّما تذكر عدة مواضيع في سورة واحدة ، هدفها الوعظ ، والإرشاد ، وإيقاظ الضمير ، والعطف نحو العقل والحكمة ، فجاءت تلكم المواضيع واحدة بعد أُخرى ، يجمعها ذلك الهدف الخاص ، ولكن يسبق إلى أذهان بعض أنّه لاربط وثيق بينها ، إلاّ أنّه يجد عند الدقة والتدبّر ، نوعاً خاصاً من الارتباط الذي يسلك عقودها في سلك واحد ووجود هذا القسم من الآيات الكثيرة ، من الوفرة بحيث يغنينا عن التمثيل لها هنا.

2 ـ أهمية توجيه الفكر الإنساني ، وفطرته نحو الهدى والحق من جانب وإيقاظ الضمائر الميتة الكامنة في نفوس مريضة من جانب آخر ، تستدعي تكرار بعض الموضوعات في مناسبات شتى ، والعود إليها بمختلف الأساليب البيانية ، وهذا في تكرار الخطابات من الأهمية بمكان وهو من المحسنات التي لابد منها في الكلام الموجه إلى الناس بشكل عام.

مثلا أنّنا نرى القرآن الكريم يكرّر في مناسبات شتى موضوع الاعتبار من حياة الأُمم السالفة والملوك والجبابرة والطغاة الماضين كما أنّه يذكر موضوع : ( سيروا في الأرض ) في أكثر من مناسبة واحدة ، وفلسفة هذا التكرار والعود إلى الموضوع مرّة بعد أُخرى هي ما ذكرناه.

____________

1 ـ ( وقال الّذين كفروا لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبّت به فؤادك ورتّلناه ترتيلا ) ( الفرقان ـ 32 ).

32

3 ـ ربّما يتحدث القرآن الكريم في سورة عن جانب خاص من جوانب قصة أو موضوع متعدد الجوانب ، واسع الأطراف لتعلّق ذاك الجانب الخاص فقط بما يقصده من الكلام دون سائر جزئياتها وتفاصيلها ، ثم يعود في سورة أُخرى إلى تلك القصة أو ذلك الموضوع ليذكرها بتفاصيلها وجزئياتها. وأكثر ما نشاهد هذا في قصص الأُمم الماضية للاعتبار بها ، وهذه طريقة ضرورية لكتاب أُنزل لهداية الناس وانتشالهم من الضلال.

4 ـ يتبع القرآن طريقة التدرّج ، في بيان مفاهيمه العقلية ومعارفه التربوية فيستدل مثلا على مفهوم من مفاهيمه في بعض السور باستدلال ، ثم يعود إلى استدلال آخر لنفس المفهوم في سورة أُخرى. وبهذا توزع الأدلّة في عدة أمكنة وتذكر حسب المناسبات التي تقتضي ذلك.

مثلا أنّ موضوع المعاد والرجوع إلى حياة جديدة من المسائل الإسلامية والقرآنية المهمة التي ركّز على إثباتها القرآن ، فاستدل له بأدلّة ستة (1) ولكنّها موزّعة ، لكل واحدة

____________

1 ـ انّ الفكرة تتضح أبعادها ، وتنكشف جوانبها ، إذا تعددت الاستدلالات عليها من طرق شتى ، والمثال على ذلك حديث البعث والمعاد في القرآن الكريم ، فقد استدل القرآن على إمكان وقوعه بطرق ستة ، ونحن نذكرها في المقام على وجه الاجمال ونكتفي في بيان كل طريق ، بآية واحدة ، مع كثرتها في كل باب :

1 ـ الاستدلال بعموم قدرته على كل شيء كما في قوله سبحانه : ( أَوَلم يروا أنّ الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهنّ بقادر على أن يحي الموتى بلى إنّه على كلّ شيء قدير ) ( الأحقاف ـ 33 ).

2 ـ قياس الاعادة على الابتداء كما في قوله سبحانه : ( كما بدأنا أوّل خلق نعيده ) ( الانبياء ـ 104 ).

3 ـ الاستدلال على امكان احياء الموتى ، باحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات كما في قوله سبحانه : ( ويحيي الأرض بعد موتها كذلك تخرجون ) ( الروم ـ 19 ).

4 ـ قياس قدرة الاعادة على قدرة اخراج النار من الشجر الأخضر كما في قوله سبحانه : ( قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً إذا أنتم منه توقدون ) ( يس : 79 ـ 80 ).

وسيوافيك في بحث المعاد أنّ للآية معنى آخر ألطف بكثير مما ذكره المفسرون ، ورائدنا فيه التدبير في ذيل الآية ، وما كشفه العلم الحديث في حقيقة الحرارة الكامنة في الأشجار وحقيقة انطلاقها منها عند الاحتراق.

5 ـ الاستدلال بالوقوع على الامكان فإنّ أدل دليل على امكان الشيء وقوعه ولأجل ذلك نقل سبحانه قصة بقرة بني اسرائيل ( البقرة : 67 ـ 73 ) ، وحديث عزير ( البقرة ـ 259 ).

6 ـ الاستدلال ببعض المنامات الطويلة التي امتدت ثلاثمائة سنين فإنّ النوم أخو الموت ولا سيما الطويل منه كما أنّ القيام منه يشبه تجدد الحياة وتطورها.

33

منها في مكانها نكتة خاصة.

هذه الخصائص القرآنية التي استعرضنا بعضها ، تدفعنا إلى أن نشبّه القرآن الكريم بحديقة غنّاء مليئة بالأزهار الملوّنة ، والورود المنوّعة ، وقد وزعت توزيعاً طبيعياً جميلا تأخذ بالأبصار ، فهي بالرغم من أنّها موزّعة إلاّ أنّ فيها طرافة وظرافة ، لأنّ كل واحد منها وضع في مكانه اللائق به.

الجمود فى التفسير

إنّ استعراض كتب التفسير وملاحظتها بشيء من الإمعان ، يوصلنا إلى حقيقة غير خافية ، وهي : أنّ علماء الإسلام مع شدّة اهتمامهم بالتفسير وفهم الآيات والكشف عن معانيها ، لم تتطور مؤلّفاتهم التفسيرية بالقدر الذي يجب أن تتطور طيلة القرون الأربع عشر الماضية.

فمع غض النظر عن طائفة من التفاسير المهمة المعاصرة ، نرى أنّ التفسير لم يتم ولم يتكامل عند السنّة والشيعة منذ تفسير « الطبري » إلى « المنار » و تفسير « التبيان » إلى « الميزان ».

ومن العوامل التي سبّبت الجمود المذكور ، أنّ التفاسير سارت على وتيرة واحدة في تفسير القرآن سورة فسورة ، ففسّروها من البدء إلى الختم أو فسّروا بعضها على

34

الترتيب المذكور ، ولم يهتمّوا في كتابة التفسير بالتفسير الموضوعي (1) الذي يقتضي نزول الآيات نجوماً وتوزع الآيات الراجعة إلى أكثر الموضوعات في أمكنة وسور القرآن.

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وما ذكرنا حول نزول القرآن التدريجي وألمعنا إلى ما فيه من الخصائص يقتضي أن يفسر القرآن أيضاً حسب الموضوع إلى جانب تفسيره على ترتيب السور ، فتجمع آيات كل موضوع في مكان وتفسر مجموعتها لئلاّ تتشتت الجوانب المختلفة.

مثلا المفسر الذي يحاول التعمّق في الحديث عن السماء والأرض على ضوء القرآن الكريم ، أو يريد أن يبحث بحثاً مستوفى عن المعاد ، أو يستعرض قصص بني إسرائيل ، أو يحكم في أفعال الإنسان من جهة الجبر والاختيار ، أو يكشف عن المعارف الإسلامية المتعلّقة بأفعال الله تعالى من قبيل الإرادة والهداية والضلال والقضاء والقدر ... لابد أن يتبع الطريقة الموضوعية التي ذكرناها ليتمكن من جمع أطراف الموضوع جمعاً كاملا شاملا.

من جملة الأسباب التي دعت إلى ظهور عقائد مختلفة بين المسلمين ، وتشبّث كل صاحب عقيدة بطائفة من الآيات ، أنّهم وجهوا اهتمامهم إلى آيات خاصة لتركيز معتقداتهم ، وأهملوا الآيات التي تكشف لهم آفاقاً أُخرى ، وتوضح لهم النقاط التي زلّوا فيها ، ولو أنّهم كانوا يلاحظون في كل مسألة من المسائل العقائدية الآيات بمجموعها لدرأوا عن أنفسهم الوقوع في هذه المهاوي السحيقة.

ومن باب المثال نذكر بهذا الصدد أصحاب مذهب الجبر في أفعال الانسان أو مذهب التفويض فيها فإنّهم ابتلوا بما ذكرناه وخبطوا خبط عشواء في فهم المقاصد الإلهية وتفسيرها.

____________

1 ـ نريد من « التفسير الموضوعي » تفسير القرآن على حسب الموضوعات التي وردت فيه وبحث القرآن في مواضع مختلفة مقابل تفسيره على حسب السور والآيات.

35

أجل يمكن القول بأنّ العلاّمة المجلسي هو أوّل من استعمل إجمالا هذه الطريقة ( التفسير حسب الموضوع ) ، فإنّه في كتابه « بحار الأنوار » جمع الآيات المربوطة بكل موضوع في أوّل الأبواب ، وفسّرها تفسيراً سريعاً بلا استنتاج منه. وهذه الخطوة القصيرة خطوة جليلة في عالم التفسير نأسف على أنّ المفسرين بعده لم يسيروا على ضوئها ، ولا يمكن تفسير القرآن بالقرآن ، والاستفادة الكاملة منه وتلقّي مفاهيمه العالية الصحيحة إلاّ بالمنهج المذكور.

أوّليات الطريقة الموضوعية في التفسير

لا شك أنّ الطريقة الموضوعية فى التفسير التي نتحدث عنها في هذا المجال طريقة ، لم ينهجها علماء التفسير حتى الآن ، كما قلناه وعليه نعتقد أنّ فيها كثيراً من الصعوبات التي تعترض سيرها ، فإنّ تنظيم الآيات وتقسيمها حسب الموضوعات أمر لا يتم بعمل فردي ، بل لابد من لجنة تتولّى هذا العمل ، ويجب أن يكون أعضاء اللجنة اُناساً علماء لهم الخبرة الطويلة ، والاختصاص في الفروع العلمية المختلفة. وممارسة طويلة في الآيات القرآنية وفهم معانيها واستنباط مقاصدها ودرك مفاهيمها العالية.

ونقترح أن تتبع هذه اللجنة الإرشادات التالية :

1 ـ تقرأ الآيات واحدة واحدة بدقة وإمعان لافرازها موضوعياً ، ثم يهيّأ فهرس دقيق للموضوعات الواردة في القرآن والمبحوث عنها في آياتها ليعلم بصورة مؤكدة عدد ما جاء فيها من المباحث المختلفة ، وما ورد في كل واحد منها ، من الآيات.

2 ـ تهيّأ بطاقات خاصة بكل موضوع ، لتكتب فيها آياته. والأحسن في هذا أن تصور هذه البطاقات في عدة نسخ ، لتوضع في متناول أيدي الباحثين والمحقّقين ليقرأوها ثم يبدوا ملاحظاتهم وانتقاداتهم ، وبعد المداولة في شأنها من قبل العلماء ، تطبع بصورة نشرات حسب الحروف الهجائية وتوزّع في إطار واسع ليطّلع عليها المعنيون في

36

الأقطار.

3 ـ وبعد أن تنتهي اللجنة من فهرسة الآيات كما ذكرناه ، يدعى كبار الشخصيات الإسلامية العلمية ليتولّى كل واحد منهم ، موضوعاً حسب اختصاصه ، فتقدم اللجنة لهم الموضوعات التي تم فهرستها ، ليختار هو الموضوع الذي جمعت آياته في البطاقات الخاصة به ، ويكتب حولها ما يرى من البحوث والدراسات.

والنتيجة الحاصلة من هذه الجهود المشتركة المبذولة من قبل كبار علماء الإسلام أنّه تكتب للقرآن الكريم دائرة معارف كبيرة ملؤها التحقيق والبحث العلمي لتبرز ما فيه من الحقائق التي لا زالت خفية حتى الآن.

إنّ هذا العمل الجبار ( بالاضافة إلى ما يحتاج من ميزانية ضخمة ) رهن لجنة مركزية تكون حلقة وصل بين علماء الإسلام القاطنين في أقطار نائية بعيدة الأطراف فإنّه لايتم عمل كبير كهذا العمل إلاّ باللجنة المركزية ، فهي التي تنتخب الأعضاء الذين يقومون بفهرسة الآيات ، وهي التي تصوّر البطاقات وتعرضها على الباحثين والناقدين وبعد التنسيق الدقيق تنشرها في نشرات متسلسلة ، وهي التي تتصل بالشخصيات العلمية لكتابة التفسير كما ذكرناه.

انّ هذا الاقتراح ربّما يكون كبيراً وغير قابل التنفيذ في رأي البعض ، إلاّ أنّه بسيط عند ذوي الهمم العالية والعاملين في حقول العلم والثقافة ، فقد قامت جمعيات دينية قبل هذا بأعمال مشابهة ، لكتبهم المنسوبة إلى السماء ، وكان جهدهم من الطرافة بحيث أظهر كتبهم المحرّفة بحلل زاهية تأخذ بالأبصار وتثير إعجاب القارئين لها.

ونحن نأمل أن يتصدى مراجع الدين وكبار العلماء لتحقيق هذه الأُمنية ، فيتداولوا بينهم الأمر لإزالة العوائق عن الطريق وتيسير المقدّمات الأوّلية وتعيين نقطة الانطلاق لهذا المشروع الديني العلمي.

37

منهجنا في هذا الكتاب

بعد أن أمضى مؤلف هذا الكتاب خمس عشرة (1) سنة في دراسة القرآن الكريم دراسة مستوعبة وكتابة تفاسير لبعض السور ، أجمع عزمه على كتابة نماذج من التفسير الموضوعي المقترح ، ليعبّد الطريق للمحققين الذين يحلو لهم السير في هذا السبيل ومن الطبيعي أنّ مثل هذا العمل الإسلامي الكبير خارج عن نطاق شخص واحد ، ويحتاج إلى ذوي الاختصاص من العلماء كما ذكر سابقاً ، ولكن بدأ به من زاوية ، كان المؤلف قد أشبعها بحثاً ودراسة وهيّأ موادها من ذي قبل.

انّه فكّر في نفسه ، ربّما لا يتحقق هذا الأمل الجديد ، أو لا يسعفه الأجل في أن يرى انجازه كما يتصوره ويود إنجازه ، فعزم على أن يخطو خطوة نحوه ورائده « الميسور لا يسقط بالمعسور » وعند ما يهيّئ الله تعالى جماعة من محققي الإسلام لهذا المشروع ، يمكنهم اعتبار هذا الكتاب جزءاً من دائرة معارف القرآن بعد سد ما يرون فيه من النقص الذي هو من لوازم عمل الفرد.

لقد اخترنا من بين الموضوعات الكثيرة التى ترجع إلى النبىّ الأكرم هذه المواضيع :

1 ـ الإسلام شريعة عالمية لا إقليمية.

2 ـ الخاتمية في الذكر الحكيم وأنّ الرسول الأعظم هو خاتم الأنبياء.

3 ـ النبي الأُمّي في القرآن المجيد.

4 ـ علم الغيب في الكتاب العزيز.

5 ـ أسماء النبي وصفاته في القرآن العزيز.

____________

1 ـ بدأ المؤلف بالبحث عن خصوص هذا النمط من التفسير منذ عام 1388 هـ بعد ما صرف شطراً من عمره في تفسيره على النمط الآخر أعني تفسير القرآن على حسب السور.

38

ولما خرج هذا الجزء إلى البياض ، عرضته على الأُستاذ العلاّمة ، المفكر الإسلامي الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي مؤلف الكتاب القيّم « الميزان في تفسير القرآن » وغيره من الآثار الخالدة ، فقدّره واستحسنه وشجعني على مواصلة العمل ، وتفضل بكلمة (1) سجلتها في صدر الكتاب لتبقى ذكرى خالدة من عواطفه الكريمة المبذولة لأحد تلامذة مدرسته وللأُستاذ ـ روحي فداه ـ منّي تحية عبقة وتمنيات خالصة.

وفي الختام لو ترتب ثواب على عملي الضئيل فإنّما أهديه :

إلى من أنا مدين له في كل شيء حتى في هذه الدراسات التي بين يديك.

إلى أوّل من فتح قلبي على أشعة نور القرآن وأرشد عقلي إلى الاهتداء بهداه.

إلى سيدي الوالد آية الله الشيخ محمد حسين السبحاني (2) تغمده الله برحمته والله ولي التوفيق ...

جعفر السبحاني

قم ـ إيران

20 جمادى الآخر 1393 هـ

____________

1 ـ وقد أتتنا كتب ورسائل من الشخصيات العلمية بعد انتشار هذا الجزء لأوّل مرة نشرنا بعضها في مقدّمة الجزء الثاني وقد وافاك بعضها في أول هذا الجزء من هذه الطبعة.

2 ـ لبّى دعوة ربّه ضحوة يوم الحادي عشر من شهر شوال عام 1392 هـ ، سعيداً نقي الصحيفة ودفن في مقبرة العلماء بقم بعد أن شيّع جنازته الزكية حشد من العلماء وشيوخ الحوزه العلمية وقد حك على صخرة قبره هذان البيتان :

انّ الذي صنع الجميل مخلّد

* * * لا سيما في العلم والعرفان

فإذا انقضت أيام مدة عمره * * * فجميل صنع المرء عمر ثان

تجد ترجمته الضافية في مقدمة كتابه « نخبة الأزهار » بقلم العلاّمة الحجة السيد أحمد الأشكوري ( دام ظله ) ، رحم الله الماضين من علمائنا العاملين ووفقنا للاهتداء بهداهم والسير على ضوء تعاليمهم. والله خير موفق ومعين.

39

الفصل الأوّل

عالمية الإسلام على ضوء القرآن الكريم

الحديث عن دعوة الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) متعددة الجوانب ، واسع الأبعاد ، بعيد الأغوار ، وبالرغم من سعة مجالات القول ، وجوانب البحث فيها ، فانّنا نحاول بهذه النظرة الثاقبة الفاحصة ، أن نتحدث عن ناحية خاصة لدعوة الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وأنّها دعوة عالمية لا إقليمية ، وهي من أبرز الخطوط التي يستهدفها القرآن بشأن دعوته ورسالته.

نحن في رحاب القرآن الكريم ، نسمع نداءه العالمي ، وإن فصلتنا عنه حقب بعيدة من الزمان ، ونعي صراحته ومجاهرته : بأنّ الإسلام عقيدة لا ينفرد بها شعب أو مجتمع بعينه ، ولا يختص ببلد ، أو بلاد معينة ، بل هو دين ذو قوانين تسري على الأفراد على اختلافهم : في العنصر ، والوطن ، واللسان ، ولا يفترض لنفوذه حاجزاً بين بني الانسان ، ولا يعترف بأية فواصل وتحديدات جنسية ، أو اقليمية.

فهذا تاريخ دعوته ، وسيرته في نشر دينه ، نتطلّع إليه بشوق ولهفة ، حيث يبدد الدياجير من أمام أبصارنا ، وبصيرتنا ، ويقرّب لنا الواقع دونما تكلّف ، أو اصطناع.

40

كانت دعوة الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) في بدء أمرها تدور بين أهله وعشيرته ، ممتثلا لما أمره الله سبحانه بذلك ، بقوله : ( وَأَنذِر عَشِيرَتِكَ الأقرَبينَ ) ( الشعراء ـ 214 ) ، والسر في ذلك أنّ النفوذ في الآل والعشيرة ألزم وأسهل من الأجانب والأباعد.

مضى رسول الله في دعوته السرية ثلاث سنين ، وهو ينذر طيلة تلك المدة قومه وعشيرته ، ويؤمي إلى عموم دعوته تارة ، ويجاهر بذلك أُخرى ، ويستنتج أنّ دعوته وشريعته عالمية ، سوف تعم العالم كله ، ولا تحبس بإطار خاص.

قال ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) في خطاب ألقاه في داره ، حينما وفد إليه أعمامه وأخواله ومن كانت له به صلة :

« والله الذي لا إله إلاّ هو ، أنّي رسول الله إليكم خاصة ، وإلى الناس عامة (1) والله لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتحاسبن بما تعملون ، وأنّها الجنّة أبداً ، والنار أبداً » (2).

ثم إنّه كان ينتهز الفرص ، التي تسنح له للاجهار بدعوته ، إلى أن أمره تعالى بأن يصدع بما اُمر به ، وأن ينادي الناس عامّة باتباع دينه وشريعته ، امتثالا لما أمره سبحانه به ، بقوله :

( فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكينَ ) ( الحجر ـ 94 ).

فصعد رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) على الصفا وهو يهتف ويقول : واصباحاه! فاجتمع الناس حوله ، فقال : إن أخبرتكم أنّ خيلا تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم ، أكنتم تكذّبوني؟ قالوا : ما جرّبنا عليك كذباً ، فقال : يا معشر قريش انقذوا أنفسكم من النار ، فإنّي لا أُغني عنكم من الله شيئاً ، انّي لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد ، إنّما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو ، فانطلق يريد أهله فخشى أن

____________

1 ـ أليس هذا تصريحاً بعمومية رسالته في بدء دعوته.

2 ـ الكامل لابن الأثير ، ج 2 ، ص 41.

41

يسبقوه إلى أهله ، فجعل يقول : يا صباحاه يا صباحاه اوتيتم اوتيتم. (1)

هكذا بدأت الدعوة الإسلامية ، وهو ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) يخطو خطوات قصيرة ، يجابه ضوضاء الالحاد بحكمه وعظاته حتى دخل في الإسلام بعض الشخصيات البارزة ممن كانت لهم مكانة مرموقة بين الناس ، وانجذبت إليه قلوب كثير من الشبان وأصبحت أفئدتهم تهوى إليه ، غير أنّ الجو المفعم بالاحن والضغائن عرقل خطا دعوته ، وتفاقمت جرائم قريش نحوه ، فأجمعوا أمرهم على أن يخنقوا نداءه ، بإنهاء حياته وإطفاء نوره ، حيث اجتمع سادتهم في دار الندوة ، وأجمعوا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شاباً ، ويسلّموا له سيفاً صارماً ، وأوصوا هؤلاء الشباب بأن يضربوه ضربة رجل واحد ، حتى يموت ، فيستريحوا منه ، وبذلك يتفرّق دمه في القبائل جميعاً ، ولا يقدر بنو هاشم ، على حربهم.

ولكنّ الله ردّ كيدهم ، وصدّهم عن ذلك ، وخيّب حيلتهم ، وأخبر الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) عن المكيدة الداهمة ، فغادر مكة متوجهاً إلى « يثرب » حتى دخلها ، فاجتمع حوله رجال من الأوس والخزرج ، وبايعوه ، ووعدوه بالنصر ، والمؤازرة والحراسة.

والرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وإن غادر مكة ، وترك قومه ، إلاّ أنّ قومه لم يتركوه ، بل أجّجوا نار الشحناء عليه ، ودارت بينهم و بين الرسول حروب دامية ، وحملات طاحنة ، وبذلت قريش آخر ما في وسعها ، ورمت كل ما في كنانتها ، وبالغت في تقويض الإسلام ، وهدم بنائه ، إلى أن دخل العام السادس ، من الهجرة ، فتعاهد الفريقان في أرض الحديبية على هدنة تدوم عشر سنوات ، بشروط خاصة.

هذا الصلح الذي تصالح به المسلمون في الحديبية ، انقلب الى فتح مبين للإسلام ، فانتهز الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) الفرصة لنشر دعوته في البلاد البعيدة ، فبعث سفراءه وفي أيدي كل واحد كتاب خاص إلى قيصر الروم ، وكسرى فارس ، وعظيم القبط ، وملك الحبشة ، والحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام ، وهوذة بن علي الحنفي ملك اليمامة ،

____________

1 ـ السيرة الحلبية ، ج 1 ، ص 321 المقصود : هوجمتم من قبل العدو.

42

بل إلى رؤساء العرب ، وشيوخ القبائل ، والاساقفة ، والمرازبة ، والعمال ، يدعوهم إلى دين الإسلام ، الذي هو دين السلام ، ورسالته من الله وما أُنزل إليه من ربّه.

وهذه المكاتيب أول دليل على أنّ رسالته ، عالمية لا تحدد بحد ، بل تجعل الأرض كلها مجالا لإقامة هذا الدين ، ودونك نماذج ممّا ورد في تلكم الرسائل :

1 ـ كتب إلى كسرى ملك فارس :

« بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس : سلام على من اتبع الهدى ... أدعوك بدعاية الله فإنّي أنا رسول الله إلى الناس كافة ، لاُنذر من كان حيّاً ، ويحق القول على الكافرين ، أسلم تسلم ، فإن أبيت فعليك إثم المجوس ».(1)

2 ـ وكتب ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) إلى قيصر ملك الروم :

« بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى هرقل عظيم الروم : سلام على من اتبع الهدى ، أمّا بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، يؤتك الله أجرك مرّتين فإن تولّيت فإنّما عليك إثم الاريسيين ». (2)

وما ذكرناه نماذج من رسائله ، وكتاباته الابلاغية ، وفيه وفي غيره مصارحة شديدة بأنّه رسول الله إلى العرب والعجم ، وإلى الناس كلهم ، من غير فرق بين اللون والجنس ، والعنصر والوطن ، ويمتد شعاع رسالته بامتداد الحضارة ، ووجود الانسان ، وأنّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) يكافح كل مبدأ يضاد دينه ، وكل رساله تغاير رسالته ، وقد جرى الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) عليه طيلة حياته الرسالية ، حتى التحق بالرفيق الأعلى.

يقول السير توماس ارنولد : « إنّ هذه الكتب قد بدت في نظر من أُرسلت إليهم ضرباً من الخرق ، فقد برهنت الأيام على أنّها لم تكن صادرة عن حماسة جوفاء وتدل هذه الكتب دلالة أكثر وضوحاً وأشد صراحة على ما تردد ذكره في القرآن من مطالبة الناس جميعاً بقبول الإسلام ».

____________

1 ـ تاريخ الطبري ، ج 2 ، ص 295 ، تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 61 وغيرهما.

2 ـ السيره الحلبية ، ج 2 ، ص 275 ، مسند أحمد ، ج 1 ، ص 263 وغيرهما.

43

فقد قال الله تعالى في سورة ص 87 ـ 88 : ( إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ لِلعلَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين ).

وفي سورة يس 69 ـ 70 : ( وَمَا عَلَّمنهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغي لَهُ إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ وَقُرءَانٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيَّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الكَفِرِينَ ).

وفي سورة الفرقان 1 : ( تَبَارَكَ الّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعلَمِينَ نَذِيراً ).

وقال سبحانه : ( وَمَا أَرسَلْنَاكَ إلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) سورة سبأ : 28.

وقال سبحانه : ( قُلْ يَأيُّهَا النَّاسُ إِنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً ). سورة الأعراف 158.

وقال سبحانه : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلمِ ديناً فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَسِرينَ ). سورة آل عمران : 85.

وقال سبحانه : ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبرهيمَ حَنِيفاً ). سورة النساء : 125.

وقال سبحانه : ( قَتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا باليَومِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَغِرُونَ * وَقَالتِ اليَهُودُ عُزَيرٌ ابنُ اللهِ وَقَالَتِ النَصَرَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوهِهِمْ يُضَهِئُونَ قَوْلَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً وَاحِداً لا إِلهَ إلاّ هُوَ سُبْحنَهُ عَمَّا يُشرِكُونَ * يُرِيدُونَ أن يُطفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِم وَيَأْبَى اللهُ إلاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَفِرُونَ * هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ). التوبة : 29 ـ 33. (1)

____________

1 ـ الدعوة إلى الإسلام ، ص 34.

44

تأثير تلكم الكتب :

وممّا يدل على أنّ هذه الكتب لم تصدر عن حماسة جوفاء ، أنّه قد كان لها أثر بديع في أكثر هذه الأوساط ، إذ تجاوبت معها شعور كثير منهم ، فنبهتهم من رقدتهم ، وانهضتهم من كبوتهم ، فأصبحوا متفكّرين من ملبّ لدعوته ، وخاضع لرسالته ، ومؤمن بما أتاه ، إلى معظّم لرسله ، ومجيز لهم ، ومكبّر إيّاه بإرسال التحف الثمينة ، ودونك صورة مصغّرة ممّا أثارته تلكم الكتب في هذه البيئات ، وقد روى أصحاب السير والتاريخ أُموراً كثيرة يطول بنا المقام بذكرها :

قال قيصر لأخيه ـ حين أمره برمي الكتاب ـ : أترى أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر ، وقال لأبي سفيان : إن كان ما تقول حقّاً فإنّه نبي ، ليبلغنّ ملكه ما تحتي قدمي.

وخرج ضغاطر أسقف الروم بعد قراءة الكتاب ، إلى الكنيسة وقال في حشد من الناس : يا معشر الروم أنّه قد جاءنا كتاب أحمد ، يدعونا إلى الله وأنّي أشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وأنّ أحمد رسول الله.

وقال المقوقس : إنّي قد نظرت في أمر هذا النبي ، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ، ولا ينهى عن مرغوب فيه ، ولم أجده ساحراً ضالاّ ، ولا كاهناً كذّاباً.

وكتب فروة عامل قيصر بعمان إلى رسول الله كتاباً ، أظهر فيه إسلامه ، فلمّا اطّلع عليه قيصر أخذه واستتابه ، فأبى فأمر بقتله ، فقال حينما يقتل :

بلّغ سراة المسلمين بأنّني * * * سلم لربّي أعظمي وبناني

وكتب هوذة بن علي ملك اليمامة إلى رسول الله : ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله.

ولبّي المنذر بن ساوى ملك البحرين دعوة الرسول وأظهر إسلامه.

وأجابه ملوك حمير ، وأساقفة نجران ، ولبّاه عمّال كسرى باليمن ، واقيال

45

حضرموت ، وملك ايلة ويهود مقنا بالإسلام ، أو بإعطاء الجزية.

وكتب النجاشي ملك الحبشة ، كتابه المعروف ، وأظهر إسلامه إلى درجة صلّى عليه النّبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) عندما بلغه موته (1).

هذا غيض من فيض ، وقليل من كثير ، من تأثير دعوته العالمية ورسالته العامّة.

نعم قد شذ منهم كسرى ـ ومن لف لفه ـ وهو ذلك الملك الذي ورث السلطة والحكم عن أجداده من آل ساسان ، فأبى أن يكون تابعاً للعرب ، وخشى من هذا الدين على شخصه وملكه.

ولأجل ذلك لاتعجب إذا ثارت ثائرة كسرى ، فمزّق كتاب الرسول ، وأرسل إلى باذان ، عامله باليمن ، وكتب إليه : « ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين جلدين فليأتياني به ». (2)

هذه صورة اجمالية من بدء دعوته إلى ختامها ، أتينا بها بصورة مصغّرة ، ليقف القارئ على أنّ دعوته لم تكن مقصورة على بلد خاص ، أو شعب خاص بل كانت عالمية غير محدودة ، وأنّ مرماه كان هو القضاء على جميع النزعات الاقليمية والمحلية والأديان السالفة وتذويبها في اطار رسالته العالمية الواسعة النطاق ، وأنّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) كان يصرّح بذلك في بدء دعوته ، وأثنائها ... ومختتم أمره.

النصوص القرآنية في عالمية رسالته :

هلم معنا نتلو عليك نصوص القرآن الدالّة على أنّ رسالته ، رسالة عالمية وأنّ دعوته لا تختص بإقليم خاص ، أو أُمّة معيّنة ، وإنّ مرماه هو إصلاح المجتمع البشري على وجه الاطلاق ، ويمكن الاستدلال على ذلك بوجوه :

____________

1 ـ راجع لمعرفة نصوص ما دار بينهم وبين الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) إلى كتاب « مكاتيب الرسول ».

2 ـ الكامل ، ج 2 ، ص 81 ، السيرة الحلبية ، ج 3 ، ص 278 ، إلى غير ذلك.

46

الأوّل : انّ كثيراً من الآيات تصرّح بأنّ رسالته عالمية ، وأنّه رسول الله إلى الناس جميعاً ، وأنّ الله أرسله رحمة للعالمين ، وأنّه بشير ونذير للناس كافة ، وأنّه ينذر بقرآنه كل من بلغه كتابه وهتافه ، من غير فرق بين شخص وشخص ، أو عنصر وآخر ، ودونك بعض النصوص من هذا القسم :

1 ـ ( قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إنّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُمْ جَميعَاً ) ( الأعراف ـ 158 ).

2 ـ ( وَمَا أَرسَلنكَ إلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) ( سبأ ـ 28 ).

3 ـ ( وَأَرْسَلنَكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً ) ( النساء / 79 ).

4 ـ ( وَمَا أَرْسَلنكَ إلاّ رَحمَةً للعالَمِينَ ) ( الأنبياء ـ 107 ).

5 ـ ( تَبَارَكَ الّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلعَالَمِينَ نَذِيراً ) ( الفرقان ـ 1 ).

6 ـ ( وَأُوحِىَ إِلىَّ هَذِا القُرءَانُ لاُنْذِرَكُمْ بِه وَمَنْ بَلَغ ... ) ( الأنعام ـ 19 ).

ـ أي كل من بلغه القرآن ، ووصلت إليه هدايته في أقطار الأرض ـ.

7 ـ ( هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه وَلَوْ كَرِهَ المُشرِكُونَ ) ( الصف ـ 9 ).

8 ـ ( يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ فآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ ... ) ( النساء ـ 170 ).

9 ـ ( الر كِتبٌ أَنْزَلْنَهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) ( إبراهيم ـ 1 ).

10 ـ ( هَذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظةٌ لِلمُتَّقِينَ ) ( آل عمران ـ 138 ).

وهذه الآيات ونظائرها ممّا لم ننقلها ، صريحة في أنّ هتاف النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) لا يختص بأُمّة دون أُمّة ، وأنّه بعث إلى الناس كافة مبشّراً ومنذراً لهم جميعاً.

الثاني : انّ القرآن كثيراً ما يوجّه خطاباته إلى الناس غير مقيّدة بشيء ، وهذا دليل

47

واضح على أنّ هتافاته وتوجيهاته تعم الناس كافة ، ودونك نماذج من هذا القسم.

1 ـ ( يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ( البقرة ـ 21 ).

2 ـ ( يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا ممَّا فِي الأرْضِ حَلَلا طيّباً ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَيْطَنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) ( البقرة ـ 168 ) إلى غير ذلك ...

فترى أنّه يخاطب الناس ، ويقول : يا أيّها الناس ... تصريحاً منه على أنّ رسالته السماوية إلى الناس كلهم ، لا إلى صنف خاص منهم.

فلو كان الإسلام ديناً اقليمياً ، ورسالته طائفية ، فلماذا تأتي هتافاته بلفظ : ( يا أيّها الناس ) ؟!.

فقد تكرر هذا النداء في الكتاب ست عشرة مرة.

بل لماذا يخاطب أهل الكتاب ويناديهم بقوله ( يا أهل الكتاب ) ؟ فقد ورد هذا الخطاب في الذكر الحكيم اثنتي عشرة مرة.

وربّما يستدل في المقام بالخطابات الواردة في القرآن موجهة إلى بني آدم لكن الاستدلال بها لا يخلو من الاشكال ، كما سيوافيك بيانه عند البحث عن ختم الدين والرسالة (1).

الثالث : انّ القرآن ربّما يأخذ العنوان العام موضوعاً لكثير من أحكامه ، من غير تقييد بلون ، أو عنصر ، أو شعب أرض خاصة ، وهذا يكشف عن أنّه بعث إلى إصلاح المجتمع البشري في مشارق الأرض ومغاربها ، وأنّ الرسالة التي أُلقيت على عاتقه لا تحدد بحد ، ودونك نماذج من هذا القسم :

1 ـ ( وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إليهِ سَبِيلا ) ( آل عمران ـ 97 ).

فقد أوجب حج البيت على الناس إذا استطاعوا إليه ، عرباً كانوا ، أم غير عرب ،

____________

1 ـ لاحظ الفصل الثاني ـ في هذا الكتاب ـ ص 113.

48

فلم يقل : لله على الأُمّة العربية ـ مثلا ـ حج بيته.

2 ـ ( وَالمَسجِدِ الحَرَامِ الّذِي جَعَلْنَهُ لِلنَّاس سَوَاءً العَكِفُ فِيهِ وَالبَادِ ) ( الحج : 25 ).

3 ـ ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشتَرِي لَهْوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيرِ عِلْم ) ( لقمان ـ 6 ). فالجملة الخبرية بمعنى الانشاء وتحريم الاشتراء ولذا استدل الفقهاء بها على حرمة كسب المغنيّات تبعاً للسنّة (1).

فذم سبحانه كل من اشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله كائناً من كان إلى غير ذلك من الآيات.

الرابع : يقضي صريح القرآن بأنّ هدايته لا تختص بمجتمع خاص ، بل تعم كل من تظلّه السماء ، وتقلّه الأرض. ودونك بعضها :

1 ـ ( يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهنٌ مِن رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ) ( النساء : 174 ).

2 ـ ( شَهرُ رَمَضَانَ الّذِي اُنْزِلَ فِيهِ القُرءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ ... ) ( البقرة ـ 185 ).

3 ـ ( ولَقَد ضَرَبْنَا للنَّاسِ فِي هَذا القُرءانِ مِن كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) ( الزمر : 27 ).

4 ـ ( الر كِتَابٌ أَنْزَلنَهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إلى النُّورِ ) ( إبراهيم ـ 1 ).

أليست هذه الآيات صريحة في أنّ القرآن نور وهدى للناس كلّهم ، لا للعرب خاصة ، ومع ذلك كيف يمكن أن نحمل رسالته على أنّها مختصة بأُمّة دون أُمّة؟! هذا ونجد سبحانه يقول : ( وآخَرينَ مِنهُمْ لمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيم ) ( الجمعة : 3 ) وما المراد من ال ـ : ( آخرينَ منهم ) ـ أي من المؤمنين ـ ؟ أليس المراد كل من جاء بعد

____________

1 ـ راجع المكاسب ، ص 38 ، للشيخ الأعظم الأنصاري.

49

الصحابة إلى يوم القيامة من العرب والعجم؟ (1) فالآية دالة على عمومية الرسالة مضافاً إلى خاتميتها.

هذه جوانب تلقي ضوءاً على البحث ، وتهدف إلى أمر واحد : وهو أنّ رسالته ذات نزعة عالمية ، غير محدودة بحد ، فلا يحدها قطر ، ولا يقيّدها شيء آخر من ألوان التحديد والتقييد ، نعم مبدأ البرهان في كل واحد منها يختلف مع ما في الآخر ـ كما يظهر ذلك بالإمعان والتدبّر ـ (2).

البرهان على عمومية رسالته بوجه آخر :

وهناك لون آخر من البحث يتصل اتصالا وثيقاً بطبيعة الإسلام ، وبفكرته الكلية ، عن الكون والحياة والإنسان ، ونظرته الوسيعة الثاقبة في التقنين والتشريع وإن شئت فاجعله خامس الوجوه.

بيانه : أنّ الحقائق الراهنة التي جاء بها الصادع بالحق ، في مختلف الأبواب والفصول ، لا تستهدف سوى تبنّي الواقع ، ولا تأخذ غيره دعامة ، ولا تخضع لشرط من الشرائط الزمانية إلاّ لنفس الأمر.

وإن شئت فقل : إنّ الإسلام لا يعتمد في أحكامه وتشريعاته وما يرجع إلى الانسان في معاشه ومعاده ، إلاّ على مقتضى الفطرة التي فطر عليها كلّ بني الإنسان والسائدة في كافة أفراده ، في عامة أقطار الأرض جميعاً ، وإذا كان الحكم والتشريع موضوعاً على طبق الفطرة الانسانية السائدة في جميع الأقطار والأفراد ، فلا وجه

____________

1 ـ مجمع البيان ، ج 5 ، ص 284.

2 ـ هذه الوجوه الأربعة تختلف في طريق البرهنة على المطلب ، فقد استدل في الوجه الأوّل بتصريح القرآن على عموم رسالته ، واعتمد في الثانية على شمولية هتافات القرآن وعمومية خطاباته في الفروع والأُصول ، وفي ثالثها على أنّ القرآن كثيراً ما يتخذ العنوان العام لموضوع أحكامه ، وفي رابعها على نص القرآن بأنّ هدايته وانذاره لا يختص بشعب خاص.

50

لاختصاصه بإقليم دون إقليم ، أو بشعب دون شعب. (1)

ولا يجد الباحث ـ مهما أُوتي من مقدرة علمية كبيرة ـ في ما جاء به نبي الإسلام ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، على سعة نطاقه ، وبحثه في شتى الجهات ، ومختلف النقاط أىّ طابع إقليمي ، أو صبغة طائفية ، وتلك آية واضحة على أنّ دعوته دعوة عالمية لا تتحيز إلى فئة معيّنة ، ولا تنجرف إلى طائفة خاصة.

هذا هو الإسلام وتعاليمه القيّمة ومعارفه الاعتقادية ، وسننه التشريعية فأمعن فيها النظرة مرة بعد أُخرى ، فهل تجد فيه ما يشير إلى كونه ديناً إقليماً خاص ، أو شريعة لفئة محدودة؟ فإنّ للدين الإقليمي علائم وأمارات ، أهمها أنّه يعتمد في معارفه وتشريعاته على خصوصيات بيئية ، أو ظروف محلية ، بحيث لو انقلبت تلكم الخصوصيات إلى غيرها ، أصبحت السنن والطقوس المعتمد عليها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، وصار النافع منها ضاراً ، فهل تجد أيّها الباحث في ما جاء به الإسلام شيئاً من تلكم الأمارات.

هلم معي نحاسب بعض ما جاء به الإسلام في مجالات العلم والعمل ، ونضعها على طاولة الحساب ، فنكون على بصيرة كاملة في هذا الموضوع : فقبل كل شيء ، لاحظ كتاب الله العزيز ، ومعجزة الإسلام الخالدة ، فقد انبثق نوره منذ أربعة عشر قرناً ، حين كانت البشرية تسبح في ظلام دامس مخيف ، ضاعت فيه كرامة الانسان وحريته ، وساد العداء والتنازع بين الناس ، وكان نظام الغاب وحده ، مفزعاً للناس وملجأ إليهم.

وفي تلك الظروف جاء القرآن نوراً يستضيء به العالم ، ويعيد للانسان كرامته ومكانته وحريته ، مؤسّساً لمجتمع قائم على أساس وطيد من العدالة الاجتماعية ، سواء في ذلك انسان الجزيرة العربية أم غيرها.

هلم معي نستعرض تعاليمه ، فهل نرى آية من آياته الباهرة ، أو قانوناً من قوانينه ، أو حكمة من حكمه ومعارفه ، أو سننه من سنة ، أو فريضة من فرائضه تنفع في

____________

1 ـ سوف نرجع إليه في ختام البحث ، ونجعله دليلا مستقلا على عمومية رسالته.

51

مجتمع دون آخر؟ تفيد في إقليم دون إقليم؟ تبلغ بمجتمع خاص إلى قمّة الرقي والحضارة ، وتسف بجماعة أُخرى إلى هوة الضلال والجهل؟!

ليت شعري ماذا يريد القائل من كلمته القارصة ، أو فريته الشانئة؟ : « الإسلام دين طائفي ، أو مبدأ إصلاح إقليمي ، لا يصلح لعامة المجتمعات ، ولا يصلح لعامة القارات ، ولا تسعد به الإنسانية على اختلاف شعوبها وطبقاتها ».

ليت شعري ماذا يريد منها؟ أيريد معارفه العليا في باب الصانع وصفاته ، وما جاء في ذلك الباب من الحقائق الغيبية ، والكنوز العلمية ، التي لم تحم حولها فكرة انسان قبله ، ولم توجد في زبر الاوّلين مثلها ، أو شبهها.

فلو أراد ذلك ، فتلك فرية بيّنة ، إذ الإسلام قد أتى بفلسفة صحيحة وعرفان رصين وتوحيد خالص ، فيه دواء المجتمع البشري في الأقطار كلها.

ترى ويرى كل من له إلمام بالإسلام أنّه كافح كل لون من ألوان الشرك ، كافح عبدة الأصنام والأجرام السماوية ، كافح كل تعلّق بغيره سبحانه ، وتخضع لشيء دون الخالق ، وأنقذ المجتمع البشري من مخالب الشرك ، ومصائد الضلال ، ونهاه عن عبادة حجر لا يعقل أو شجر لا يفهم ، أو حيوان لا يدفع عن نفسه ، أو انسان محتاج مثله ، أو غيرها من الأرباب الكاذبة ، فأعاد للانسان كرامته وحريته ومكانته المرموقة سواء في ذلك انسان الجزيرة أم غيره.

أيحسب هذا القائل أنّ ذلك التوحيد ، وهذا العرفان مختصان بقوم دون قوم كيف؟ فإذا كان النبي لا يستهدف سوى الواقع ولا يتبنّى غيره ، وبعبارة صحيحة : إذا كان لا يوحى إليه سوى الحقيقة المجردة عن شوب كذب ، فلا وجه لأن يختص بأُمّة دون أُمّة.

ودونك سورة الحديد والآيات التي وقعت في صدرها ، فاقرأها بإمعان وتدبّر فهل يعلق الشك بضميرك الحر ، بأنّها تعاليم ومعارف تختص بمنطقة خاصة ولا تصلح للتطبيق في مناطق أُخرى ، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في العقائد والمعارف.

أم يريد أنّ أحكام الإسلام وتشريعاته في العبادات والمعاملات والأخلاق

52

وغيرها ، قوانين إقليمية ، لا تصلح إلاّ لظروف خاصة ، ولا تفيد إلاّ في شبه الجزيرة العربية ، ولا يسعد بها إلاّ انسانها ، دون أُناس المناطق الأُخرى ، إلاّ أنّ تلك فرية بيّنة ليست فيها مسحة من الحق أو لمسة من الصدق ، فهذه فروعه ودساتيره وفرائضه لا تجد فيها أثراً للطائفية أو أمارة للإقليمية.

ضع يدك على النظام الاجتماعي الذي جاء به الإسلام في أبواب النكاح والزواج ، وأحكام الأولاد والنشوز والطلاق والفرائض ، وإصلاح حال اليتامى وإنفاذ الوصايا ، والإصلاح بين الناس ، وأداء الأمانة ، وحسن السلوك معهم ، والتعاون والاحسان ، إلى غير ذلك ممّا يجده الباحث في النظام الاجتماعي للإسلام.

ضع يدك على النظام الأخلاقي الذي فاق به الإسلام ، كافة الأنظمة الخلقية التي كانت قبله ، أو تأسّست بعده ، فأمر بالصدق وأداء الأمانة ، والصبر والثبات وحسن الظن بالناس ، والعفو والغفران والقرى والضيافة ، والتواضع ، والشكر والتوكل ، والاخلاق في العمل إلى غير ذلك ممّا أمر به ، أو ما نهى عنه كالبخل والاختيال ، والبهتان والغضب ، والاثرة ، والحسد ، والغش والبغي والخمر والميسر ، والجبن والغيبة والكذب ، والاستكبار والرياء ، والعجب والتنابز بالألقاب والانتحار والغدر و ...

ضع يدك على نظامه السياسي في باب الحكم والسياسة ، وما أتى به في اصلاح نظام الحرب ، ودفع مفاسدها ، وقصرها على مافيه من الخير للبشر ، وايثار السلم على الحرب ، وعلى الأنظمة والقوانين التي جاء بها في أبواب العقود والمعاملات ، فأوجب حفظ المال عن الضياع والاقتصاد فيه وجعل فيه حقوقاً مفروضة ومندوبة ، وأحلّ البيع وحرّم الربا ، ونهى عن الغش والتطفيف ، إلى غير ذلك ممّا يجده المتعمّق في كتب الفقه والأحكام.

قل لي بربّك هل تجد في هذه الأنظمة ، أو في ثنايا هذه الأبواب والأحكام حكماً أو أحكاماً فيها تفكير طائفي أو نزعة اقليمية؟ وإن كنت في ريب فاقرأ الآيات التالية ومئات نظائرها ، تجدها دواء المجتمع الانساني في الأقطار كلها :