مفاهيم القران - ج7

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
568 /
3

بسم الله الرحمن الرحيم

عواطف ساخنة و مشاعر تقدير

من أرض الذكريات الإسلاميّة : الحبشة ( أثيوبيا )

وصلنا كتاب من العالم الجليل الاُستاذ محمد كمال آدم المدرس في مدرسة أهل البيت يحمل في طيّاته عواطف ساخنة ، حول « سلسلة مفاهيم القرآن » و ما فيها من بحوث في التوحيد و النبوّة ، و قد وجد فيها صاحب الرسالة ما يعالج مشاكل العصر التي تثيره الأقلّيّات الدينية في تلك الديار و إليك بعض ما ورد في الكتاب :

حضرة العالم العلاّمة و الحجّة الفهّامة ، الاُستاذ جعفر سبحاني أطال اللّه بقاءه ذخراً للاسلام و المسلمين.

السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته

يسرّني غاية السرور و مزيد الفرحة أن تصل رسالتى هذه إليكم ، و أنتم في تمام الصحّة و العافية و أتمنّى لكم النجاح و التوفيق في كل أعمالكم.

سيدي العزيز أنا أخوكم المسلم الأثيوبي محمد كمال آدم المدرس في مدرسة أهل البيت و إنّي أحد المتولّعين بمطالعة مؤلّفاتكم الكثيرة المفيدة ، و الرائعة ، التي قمتم بتأليفها لمعالجة المسائل الإسلامية معالجة جديدة و الدفاع عن حوزة الدين الإسلامي ، في جميع جهات المعركة الفكرية مع الأعداء ، فأوّل ما ظفرت به من مؤلّفاتكم هو كتاب « معالم التوحيد في القرآن الكريم » فطالعته سطراً بعد سطر فأثلج صدري بالفرح و السرور ، و الخطبة و الحبور ، و ألفيته قد انطبق على مسمّاه اسمه ، و تناسب تركيبه و رسمه.

4

حقّاً إنّ هذا الكتاب يُسحر الألباب و يجذب الأحباب ، يحقِّقُ و يبيِّن الصواب ، و يفحم المتقوّل الكذّاب ، حيث يقوم بتوضيح التوحيد الخالص ، و يفنِّد مزاعم من يشوّهون مفاهيم الدين الإسلامي و يقومون بتكفير اخوانهم المسلمين.

فقدجمع بين دفّتيه دراسات كثيرة و مناقشات عديدة ، فيا بشراكم انّكم من الذين أدركوا حقيقة الدين الإسلامي ، و حملتهم غيرتهم على دينهم إلى أن يطلعوا الآخرين على ثمرات الحقائق فجزاكم اللّه خير الجزاء.

اُستاذي الحبيب نحن في أثيوبيا نفتخر بكم و بمؤلّفاتكم القيّمة و أستشعر شعوراً بأنّكم الحجّة و البرهان للدفاع عن الدين الإسلامي في هذا الزمان ، متّعنا اللّه بكم و وفّقنا لرؤيتكم.

و أخيراً نرجوا أن تزوّدنا بمعلومات يكشف عن عدد مؤلّفاتكم لنكون قادرين على متابعتها و جمعها ، و نحن واثقون بأنّكم تحققون مطلبنا هذا في أسرع وقت ممكن ، و اللّه يجزيكم عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء و دمتم في رعاية اللّه و حفظه و تقبّلوا فائق تحيّاتنا.

أديس أبابا ـ أثيوبيا

محمد كمال آدم

28/12/1411 هـ

الموافق 10 /7/1991 م

5

تقدير و اكبار

تفضل به الاُستاذ المجاهد و الكاتب القدير : الشيخ حسن الصفار

من علماء المنطقة الشرقية في الجزيرة العربية ( قطيف ) حيّاه اللّه و بيّاه

سماحة العلاّمة الحجة الشيخ جعفر السبحاني ... (حفظه اللّه)

السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته ... و مما جاء فيه :

كما أنّ الجيش في ميدان القتال يحتاج إلى دعم و امداد بالمؤنة و العتاد « الوجستيك » كذلك الدعاة إلى اللّه و طلائع الحركة الإسلامية ، هم في أمسِّ الحاجة إلى من يرفدهم بالفكر العميق ، و الدراسات العلمية و البحوث الهادفة عن قضايا العقيدة و مفاهيم الإسلام.

فالاُمّة الإسلامية تخوض اليوم صراعاً حضارياً ، فكريّاً ضارياً حيث يخشى الإستكبار العالمي من أن تعود للاُمّة ثقتها بدينها ، و تبني صرح الحضارة الإسلامية من جديد على أنقاض الحضارة الماديّة التي ذاق الإنسان ويلاتها ، و اتّضح لدية فسادها و انحطاطها.

إنّ العدوان العسكري و الحرب المفروضة التي شنّت على الجمهوريّة الإسلاميّة و حملات الإرهاب ، و القمع الشرسة التي يواجهها المؤمنون الرساليون في كل مكان ، و أعاصير الإعلام المضلّل المناوئ للثورة و الحركة الإسلامية ... هذه كلّها مظاهر و وسائل للمعركة الرئيسية و الصراع الحقيقي بين الحضارة الإسلامية المرتقبة ، و الحضارة المادية المنحرفة.

و إذا كانت القيادة الميدانيّة ، و الإدارة اليومية لشؤون التحرّك و الصراع مع الأعداء تأخذ كل وقت و جهد العلماء و المفكّرين الإسلاميين الواعين ، فإنّ ذلك سيترتك فراغاً خطيراً في مجال الدراسات العلمية العقائدية و العطاء الفكري.

6

فلابدّ و أن تتوجّه ثلّة من العلماء و المفكّرين العارفين بأبعاد الصراع الحضاري ، و المدركين لتطلّعات الاُمّة ، ليقوموا بدور الإمداد و الدعم الفكري و العلمي ، خلف جبهة الصراع العسكري و السياسي و الإعلامي.

و سماحتكم هو في طليعة من يطمئن و يعتمد عليه لملء هذا الفراغ الكبير و سدّ هذه الحاجة الماسَّة.

إنّ اهتمامكم باصدار البحوث العقائدية و الفكرية الرائعة ليشكّل سنداً و دعماً ضرورياً لكل الرساليين المجاهدين لإعلاء كلمة اللّه و انقاذ العالم من حضيض الإنحطاط المادّي.

لقد قرأت العديد من أجزاء موسوعتكم ( التفسير الموضوعي للقرآن ) و بحثكم القيّم حول ( التوحيد و الشرك ) فوجدت فيها الضالّة المنشودة من حيث الفكر العميق ، و الشموليّة الدقيقة و الطرح الهادئ الموضوعي فشكر اللّه سعيكم و أدام توفيقكم و نفع المسلمين بفيض علمكم.

أرجو أن تتابعوا كتاباتكم و بحوثكم في مجال التفسير الموضوعي للقرآن كما أرى ضرورة الإسراع في ترجمة هذه البحوث إلى اللغات العالمية الحية ، و خاصّة اللغة الإنكليزية ، فهناك الكثيرون من المسلمين ممّن لايجيدون اللغة العربية ، يتطلّعون بفارغ الشوق إلى مثل هذه الدراسات العلمية ، كما أنّ بعض مفكّري الغرب و الشرق يهمّهم الإطّلاع على مفاهيم الإسلام من بعد ما لفتت الثورة الإسلامية المباركة أنظارهم نحو الإسلام.

أسأل اللّه لكم دوام الصحّة و النشاط و لكلّ العاملين المؤمنين التوفيق و النجاح.

و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته

حسن موسى الصفار

القطيف

7

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و سيرته

في القرآن الكريم

كانت حياة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ ولادته و نعومة أظفاره ، و حتى ساعة رحلته ، و لقائه ربّه ، طافحة بالحوادث ، زاخرة بالوقائع ، وقدلفتت تلك الحوادث و الوقائع أنظار المفكّرين و الباحثين و دفعتهم إلى ضبط كلّ جليل و دقيق منها ، و هم بين مؤمن بدينه و رسالته ، و شريعته و كتابه ، و منكر لصلته باللّه سبحانه و بعثته من قبله و لكن مذعن بشخصيته الفذَّة ، و حياته المثالية ، فلاتجد شخصية في التاريخ وقعت محطّاً للبحث و الدراسة ، و لفتت نظر الباحثين كشخصية رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم).

و لو اُتيح لإنسان أن يقوم باستقصاء ما أُلِّف حول حياته طيلة هذه القرون ، أو ما جادت به القرائح من القصائد و الأراجيز ، لعثر على مكتبة ضخمة حافلة بآلاف الكتب و الرسائل ، و الدواوين ، و لاُذعن ـ عندئذ ـ كلّ قريب و بعيد ، و كل صديق و مناوئ بأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نسيج وحده ، لم تسمع اُذنُ الدنيا بأحد مثله و لمتر عينالدهر نظيراً له.

و قدخدم المؤرخون الاُمّة الاسلاميّة بل البشريّة جمعاء بتآليفهم و تصانيفهم حول حياته و شخصيّته و جهوده و مساعيه في سبيل إنقاذ البشريّة من أغلال الوثنيّة

8

والجنوح إلى كلّ معبود سوى اللّه تعالى ، غير أنَّ نظر كلّ مؤلِّف كان إلى زاوية خاصّة من زوايا حياته ، و إلى بعد واحد من أبعاد سيرته.

فمن باحث عن أخلاقه المثاليّة ، و رأفته ، و عبادته و تهجّده ، و حسن سلوكه مع الناس ، و أمانته التي أقرَّ بها العدو و الصديق.

إلى آخر يهتمَّ ببيان كيفيّة نزول الوحي عليه ، و قيامه ـ بمفرده ـ بنشر دعوته ، والإجهار برسالته ، و الصمود في سبيل عقيدته ، و تحمّل المشقّة كالجبل الراسخ لاتحرّكه العواصف.

إلى ثالث يُلقي الضوء على الجانب السياسي من حياته ، فيجمع رسائله الموجّهة إلى الملوك و الساسة و رؤساء القبائل ، كوثائق و كتب سياسية.

إلى رابع أعجبه ذكر مغازيه و بعثه للسرايا ، و جهاده ضدّ المشركين و المنافقين و الخونة من أهل الكتاب.

إلى خامس ركّز اهتمامه على الجليل و الدقيق من حياته من دون أن يجنح لجانب دون جانب لكنّه جمع و حشّد من دون تحقيق و لاتنقيب ، فكتب كلّ ما عثر عليه في هذه المجالات.

شكر اللّه مساعي الجميع حيث خدموا البشريّة ببحثهم عن هذه الفريدة و هذه الحلقة الأخيرة من سلسلة الأنبياء و المرسلين ، الّتي خصّها اللّه سبحانه بكتابه الخاتم ، و دينه الخالد ، و شريعته الأبديّة.

و لقد استند هؤلاء في تصوير حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصف ما جرى عليه قبل البعثة ، و بعدها ، أو ما واجهه من الأحداث و الوقائع ، إلى الروايات المرويّة عن الصحابة و التابعين الذين شاهدوا نور الرسالة كما شاهدوا القضايا و الحوادث باُمّ أعينهم.

و لكن هناك طريقاً آخر أمثل و أشرف من الطريق الأوّل لم يهتم به الباحثون اهتماماً كافياً و لازماً ، و إن التفتوا إليه في بعض الأحيان ، و هو الإستضاءة ـ في

9

تدوين معالم حياته ـ بكتاب اللّه الكريم ، المنزّل على قلبه ، ففيه تصريحات بمعالم حياته ، و إشارات إلى خصوصيّاتها.

و القرآن الكريم و إن لم يكن كتاب تاريخ ، بل هو كما وصف نفسه ( هُدىً للنّاس ) أي كتاب هدي لجميع الناس إلى أن تقوم الساعة ، و لكنّه ربّما يتعرّض في بعض المناسبات لخصوصيّات حياته و أفعاله ، و جهوده و مساعيه ، ومن خلال ذلك يستطيع الإنسان المتتبّع أن يستخرج صورة وضّاءة لحياته بالتدبّر في هذا القسم من الآيات و يقف على خلقه و سلوكه و سائر شؤونه ، و بالتالي تتجلّى لناحياته من أوثق المصادر و أمتنها ، فيرى القارئ صورته في مرآة القرآن كما ترى سيرته في ثنايا الكتب و السير ، مع الفارق الكبير بين الصورتين ، و المرآتين.

و هذا ما نقوم به في هذا الجزء من موسوعتنا القرآنية « مفاهيم القرآن » و نحن نعترف بأنّ هذا عب لايقوم به إلاّ لجنة تفسيريّة تتناول الموضوع بصورة شاملة و موسّعة و معمّقة غير أنّ الميسور لايسقط بالمعسور ، و ما نقوم به عمل فردي ليس له من المزايا ما للعمل الجماعي ، و لكن « ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه ». و توخّياً للتسهيل ، خصّصنا لكلّ موضوع و ما يناسبه فصلاً.

و في الختام نتقدّم بالشكر الجزيل ، إلى العالم الجليل و الكاتب القدير ، الشيخ محسن آل عصور ـ (حفظه اللّه) ـ حيث ساعدنا في تأليف هذه الجزء و تحريره وترصيفه و تقريره حتى خرج بهذه الصورة البهيّة. شكر اللّه مساعيه الجميل.

نسأله سبحانه أن يوفّقنا في هذا السبيل و يصوننا عن الزلل و الخطأ في فهم كتابه إنّه مجيب الدعاء.و يكتب التوفيق لكلّ مجاهد في سبيل القرآن ، و مخلص في خدمة الذكر الحكيم.

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

جعفر السبحاني

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

(1) بشائره في الكتب السماويّة

لقد تعلّقت مشيئة اللّه الحكيمة ببعث رجال صالحين لإنقاذ البشرية من الجهالة و الضلالة ، و سوقهم إلى مرافئ السعادة ، و أنزل عليهم شرائع فيها أحكامه و تعاليمه ، و هذه الشرائع و إن كانت تختلف بعضها عن البعض الآخر ، لكنّها تتّحد جوهراً و حقيقة ، و لو أنّها تفترق صورة و شكلاً كما يشير إليه قوله سبحانه : ( اِنَّالدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) ( آل عمران/19 ). و قوله : ( مَاكَانَ اِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَنَصْرَانِيّاً وَ لَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ( آل عمران/67 ) (1).

فالدين النازل من اللّه سبحانه إلى كافّة البشر في جميع الأجيال و القرون أمر واحد ، و هو الإسلام ، و قد اُمر بتبليغه جميع رسله و أنبيائه من غير فرق بين السالفين و اللاّحقين.

هذا و قديتفنّن القرآن الكريم في التعبير عن وحدة الشرائع من حيث الاُصول والمبادئ و اختلافها شكليّاً بتصوير الدين نهراً كبيراً يجري فيه ماء الحياة المعنويّة ، و الاُمم كلّها قاطنة على ضفَّة هذا النهر يردونه و يصدرون عنه ، و ينهلون منه حسب حاجاتهم و اقتضاء ظروفهم ، و كل ظرف يستدعي حكماً فرعيّاً خاصّاً.

قال سبحانه :

( لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجَاً وَ لَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً ) ( المائدة/48 ).

فالحقيقة ماء عذب ، و الاختلاف في المشرعة و المنهل ، و الطريقة والمنهاج.

____________

1 ـ لاحظ سورة البقرة/132 و الزخرف/28.

12

إنّ وحدة الشرائع جوهراً ، و اختلافها شكلاً و عَرْضا ، لاتعني ما يلوكه بعض الملاحدة من جواز التديّن بكلّ شريعة نازلة من اللّه سبحانه إلى اُمّة من الاُمم في العصور السابقة حتى أنّه يسوغ التديّن بشريعة إبراهيم في زمن بعثة الكليم ، أو التمسّك بشريعة اليهود في عهد المسيح ، أو التديّن بالشرائع السابقة في عهد بعثة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل المفروض على كلّ اُمّة أن تتمسّك بالشريعة التي جاء بها نبيّها ، فلايجوز لليهود سوى تطبيق التوراة ، و لاللنصارى سوى العمل بما جاء به المسيح ، و لاللاُمّة المتأخّرة عنهما إلاّ العمل بالقرآن و السنّة النبويّة ، و ذلك لأنّ للشكل و العَرْض سهماً وافراً في إسعاد الاُمّة و رقيّها ، فلكلّ اُمّة قابليات و مواهب فلا تسعدها إلاّ الشريعة التي تناسبها و تتجاوب معها.

فربّ اُمّة متحضّرة تناسبها سنن و أنظمة خاصّة لاتناسب اُمّة اُخرى لم تبلغ شأنها في التكامل و التحضّر.

و هذا هو السبب في إختلاف الشرائع السماويّة في برامجها العباديّة و الإجتماعيّة و السياسيّة و الإقتصاديّة ، فكانت كلّ شريعة كاملة بالنسبة إلى الأمّة التي نزلت لهدايتها و إسعادها ، و لكنّها لاتتجاوب مع حاجات الاُمم المتأخّرة و لاتكفي لإحياء قابلياتها و ترشيد مواهبها ، فكأنَّ الاُمم التي خُصّت بالشرائع الالهيّة تلاميذ صفوف مدرسة واحدة ، و كلّ شريعة برنامج لصفّ خاصّ ، فمازالت البشريّة ترتقي من صفّ إلى صفّ ، و تتلقّى شريعة بعد شريعة ، حتّى تنتهي إلى الصفّ النهائي و الشريعة الأخيرة التي لاشريعة بعدها ، و قدأوضحنا حقيقة ذلك الأمر عند البحث عن الخاتمية (1).

أخذ الميثاق من النبيين على الإيمان به و نصره

إنّ وحدة الشرائع في الجوهر و الحقيقة أدَّت إلى أخذ الميثاق من النبيين بأنّه سبحانه مهما آتاهم الكتاب و الحكمة ، و جاءهم رسول مصدّق لما معهم ، يجب

____________

1 ـ لاحظ مفاهيم القرآن ج3 ص 119 ـ 123.

13

عليهم الإيمان به و نصره ، بل أخذ الإصر من اُممهم على ذلك ، فكان من وظائف كل رسول تصديق النبي اللاحق و الإيمان به ، و نصره ، عن طريق التبشير به و أمر اُمّته بالتصديق به و مؤازرته ـ إذا أدركوه ـ فعلى ذلك أخذ سبحانه من إبراهيم الخليل ذلك العهد بالنسبة إلى الكليم ، و من الكليم بالنسبة إلى المسيح ، و منه على النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و من جهة اُخرى أخذ الميثاق من الجميع على الإيمان بنبوّة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و نصره ، و التبشير به ، ودعوة اُممهم إلى تصديق دعوته و الإقرار بها.

و المعاصرون للأنبياء السابقين و إن لم يدركوا عصر النبي الأكرم غير أنّ ذلك الهتاف العالمي وصل إلى أخلافهم و أولادهم فوجب عليهم تلبية النبي الخاتم بوصيّة من أنبيائهم ، و هذا هو المتبادر من قوله سبحانه :

( وَ اِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيْثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَ حِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌّ مُصَدَّقٌّ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَ اَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ اِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَ اَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) ( آل عمران/81 ).

ظهور الآية فيما ذكرناه من أخذ الميثاق من كلّ متقدّم للمتأخّر ، و من الجميع للأخير يتوقّف على تفسير الآية و تحليلها جملة بعد جملة :

1 ـ قوله : ( وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيْثَاقَ النَّبِيِّينَ ).

إنّ المراد من النبيين هم المأخوذ منهم الميثاق ، و يدلّ على ذلك قوله : ( ءَأَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ اِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَ اَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ).

غير أنّ النبي الواقع في أوّل السلسلة يتمحّض في أنّهُ من أخذ منه الميثاق كنوح (عليه السلام) فإنّه من بُدء به نزول الشريعة ، و هداية الناس و تعريفهم بوظائفهم و تكاليفهم السماوية ، كما أنّ النبي الواقع في آخر السلسلة يتمحّض في أنّه ممّن اُخذ له الميثاق لأنّ المفروض أنّه لانبيّ بعده.

14

و أمّا الأنبياء الواقعون في ثنايا السلسلة فهم من جهة أخذ منهم الميثاق ومأخوذ لهم الميثاق.

فالكليم مأخوذ منه الميثاق للمسيح و مأخوذ له الميثاق من الخليل و هكذا.

2 ـ قوله سبحانه : ( لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَ حِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌّ مُصَدِّقٌّ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ ).

إنّ « ما » في هذه الجملة أشبه بالشرطيّة من الموصولة لوجود « اللام » في جزائها و المعنى : مهما آتيتكم من كتاب و حكمة ثُمَّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنّن به و لتنصرنّه.

والآية تهدف إلى أنّ اللّه سبحانه أخذ من الأنبياء الميثاق بأنّه لو جاء رسول إليهم مصدّق لدعوتهم إلى التوحيد ورفض الوثنيّة والإقرار بعبوديّة الكلّ للّه تعالى يلزم عليهم أمران :

الأوّل : الإيمان بهذا الرسول المُقْبِل.

الثاني : نصره.

فكأنّ إيتاء الكتاب والحكمة يلازم ـ عند تطابق الدعوتين ـ الإيمان بالداعي اللاحق ونصرته ، و على ذلك فالضمير المجرور والمنصوب في قوله : ( لتؤمننّ به ولتنصرنّه ) عائدان إلى الرسول المُقبِل.

3 ـ قوله سبحانه : ( ءَاَقْرَرْتُمْ وَاَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُم إصْري ).

يعرب هذا عن أنّه سبحانه لم يأخذ الميثاق من النبيّين وحدهم بل فرض عليهم أخذ الميثاق من اُممهم على ذلك ، ولأجل ذلك يخاطبهم بقوله : ( ءأقررتم ) أنتم يامعشر النبيين ، وهل أخذتم على ذلك عهدي ؟ فأجابوا بالإقرار.

وإنّما اقتصر في الجواب بإقرار الأنبياء فقط ، ولم يذكر أخذ الإصر من اُممهم للإكتفاء بقوله : ( فَاشْهَدُوا و َانَا مَعَكُم مِنَ الشَّاهِدِينَ ) لظهور الشهادة في أنّها على

15

الغير ، فإذا كان اللّه سبحانه مع أنبيائه شهوداً فيجب أن يكون هناك مشهوداً عليهم وهو اُممهم.

فظهر أنّ الآية تهدف إلى أخذ العهد والإصر من الأنبياء ، واُممهم على الإيمان والنصرة.

فإذا راجعنا ا لقرآن الكريم نرى أنّ ا لمسيح قام بمسؤوليته الكبيرة حيث بشّر بالنبيّ وقال ـ كما حكى عنه سبحانه : ( واذْ قَالَ عيْسَى ابْنُ مَريمَ يَا بَني إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ اِليْكُم مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيَّ منَ التَّورَاةِ ومبشِّراً برسُول يَأتِي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أحْمدُ فلَمَّا جَاءَهُم بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحرٌ مُبينٌ ) ( الصف/6 ).

وليس المسيح نسيج وحده في هذا المجال بل الأنبياء ا لسابقون قاموا بنفس هذه الوظيفة ، يقول سبحانه : ( الَّذينَ ا تَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كمَا يَعْرِفُونَ أَبنَاءَهُمْ وإِنَّ فرِيقاً مِنْهُمْ ليَكْتُمُونَ الحَقَّ وهُمْ يَعلَمُونَ ) ( البقرة /146 ).

والضمير في « يعرفونه » يرجع إلى النبيّ الأكرم وهو المفهوم من سياق الآية بشهادة تشبيه عرفانهم إيّاه بعرفان أبنائهم.

وما زعمه بعض المفسّرين من أنّ الضمير راجع إلى الكتاب الوارد في الآية لايناسب هذا التشبيه ، والآية بصدد بيان أنّهم يعرفون النبيّ بما في كتبهم من البشارة به ، ومن نعوته وأوصافه وصفاته التي لا تنطبق على غيره ، وبما ظهر من آياته وآثار هدايته ، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولّون تربيتهم وحياطتهم حتّى لا يفوتهم من أمرهم شيء ، قال عبد اللّه بن سلام ـ وكان من علماء اليهود وأحبارهم ـ : أنا أعلم به منّي با بني (1).

فالمراد من أهل الكتاب هم اليهود والنصارى ، وكانت الأغلبية في المدينة اليهود ، والآية تعرب من أنّ الكليم قام بنفس ما قام به المسيح من التعريف بالنبيّ الخاتم حتّى عرّفهم ا لنبىّّ الخاتم بعلائم واضحة عرفته به اُمّتهُ عرفانَها بأبنائها.

____________

1 ـ المنار ج2 ص20.

16

وعلى ضوء ذلك فالدّين السماوي دين موحّد ، والمبلِّغون له رجال صالحون ، متلاحقون ، موحّدون في الهدف والغاية ، مختلفون في الشريعة والمنهل ، والجميع يبشّرون بالحلقات التالية بأمانة وصدق وإخلاص.

وهذه الآية و إن كانت تركّز على أخذ الميثاق من السابقين على اللاحقين ولكن الآية التالية تعرب بفحوى الكلام على أنّ المتأخّر أيضاً كان مأموراً بتصديق السابق ، و لأجل ذلك قال المسيح عند بعثته :

( مُصدِّقاً لِمَا بَينَ يدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ) ( الصف/6 ).

وقد أمر النبيّ اُمتّه بالإيمان بما اُنزل على من سبقه من الأنبياء ، وقال سبحانه :

( قُلْ آمنَّا باللّهِ ومَا اُنزلَ عَليْنَا ومَا اُنزِلَ علَى إبرَاهيمَ وإسْمَاعِيلَ وَ إسحَاقَ وَيَعْقُوبَ والاَسبَاطَ ومَا أُوتِيَ مُوسَى وعيِسَى والنَّبيُّونَ منْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بينَ أَحَد مِنْهُمْ ونَحْنُ لهُ مُسْلِمُونَ ) ( آل عمران/84 ).

ثمّ إنّ القرآن الكريم يذكر ذلك الميثاق في آية اُخرى على وجه الاختصار ويقول : ( وَإِذْ اخَذْنَا منَ النَّبيِّينَ ميْثَاقَهُمْ وَمنْكَ (1) وَمِنْ نُوح وابرَاهِيمَ ومُوسَى وَعيسَى ابن مَريَمَ واَخَذَنا مِنْهُم مِيثَاقاً غَليِظاً ) ( الأحزاب/7 )

____________

1 ـ و قد ذكر سبحانه النبيين بلفظ عام يشمل الجميع ثمّ سمّى خمسة منهم بأسمائهم بالعطف عليهم ، و لم يخصّهم بالذكر إلاّ لعظمة شأنهم و رفعة مكانتهم ، فإنّهم أصحاب الشرائع ، وقدعدّهم على ترتيب زمانهم لكن قدّم النبي و هو آخرهم زماناً لفضله و شرفه ، و تقدّمه على الجميع ، و سمّى هذا الميثاق بالميثاق الغليظ ، إذ به تستقر كلمة التوحيد و رفض الوثنية في المجتمع البشري ، فلو لم يؤمن نبي سابق باللاحق و لم ينصره ، كما أنّه لم يصدّق نبي لاحق النبي السابق لفشلت الدعوة الإلهية من الإنتشار و سادت الفوضى في الدين. و في الآية إحتمال آخر ، و هي إنّها ناظرة إلى ميثاق آخر مأخوذ من الأنبياء و هو أخذ الوحي من اللّه وأدائه إلى الناس من دون تصرّف ، و يشهد على ذلك قول الإمام عليّ (عليه السلام) في حقّهم : « و اصطفى سبحانه من ولده أنبياء ، أخذ على الوحي ميثاقهم ، و على تبليغ الرسالة أمانتهم ».نهج البلاغة ، الخطبة/1.

17

إنّ إضافة الميثاق إلى النبيّين ( ميثاقهم ) يعرب عن كون المراد الميثاق هو الميثاق الخاص بهم ، كما أنّ ذكرهم بوصف النبوّة مشعر بذلك فهناك ميثاقان :

ميثاق مأخوذ من عامّة البشر وهو الذي يشير إليه قوله : ( وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ منْ بَني آدمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمَ وَاشْهَدَهُمْ عَلَى اَنْفُسِهِمْ اَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلَى ) ( الأعراف/172 ).

وميثاق مأخوذ من النبيّين خاصّة بما أنّهم أنبياء وهو الذي تدل عليه الآية وهي وإن كانت ساكتة عن متعلّق الميثاق لكن تبيّنه الآية السابقة ، وهو أخذ الميثاق من النبيّين عامّة على أنّه إذا جاءهم رسول مصدّق لما معهم ، يفرض عليهم الإيمان به والنصرة له.

هذا وإنّ الهدف الأسمى من فرض الإيمان والنصرة هو تأييد بعضهم ببعض حتّى تستقرّ في ظل وحدة الكلمة ، كلمة التوحيد في المجتمع البشري ويكون الدّين كلّه للّه سبحانه كما قال : ( اِنَّ هَذهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدةً وَانَا رَبُّكُمْ فَاعْبدُونِ ) ( الأنبياء/92 ). وقال : (شَرَعَ لَكُمْ منَ الدِّينِ ما وَصَّى بِه نُوحاً والَّذي أَوْحَيْنَا إِليكَ و مَا وَصَّينَا بهِ إِبْرَاهِيمَ ومُوسَى وَعِيْسَى أَنْ اَقِيْمُوا الدِّينَ وَلاتَتَفَرَّقُوافِيْهِ ... ) ( الشورى/13 ).

ولأجل اتّفاق الأنبياء في الهدف والغرض يعدّ سبحانه قوم نوح مكذّبين للمرسلين ، وقال : ( كذَّبَتْ قَوْمُ نُوح المُرسلِينَ * اِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ اَلاَ تتَّقُونَ ) ( الشعراء/105 و 106 ).

مع أنّهم لم يكذّبوا إلاّ واحد منهم وهو نوح (عليه السلام) ، وذلك لأجل أنّ دعوتهم واحدة وكلمتهم متّفقة على التوحيد ، فيكون المكذّب للواحد منهم ، مكذّباً للجميع ، ولذا عدّ اللّه سبحانه الإيمان ببعض رسله دون بعض ، كفراً بالجميع ، قال تعالى : ( إِنَّ الَّذينَ يَكفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلهِ وَيُرِيدُونَ اَنْ يُفرِّقُوا بينَ اللّهِ ورسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤمِنُ بِبَعْض وَنْكفُرُ ببَعْض وَيُرِيْدونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلكِ سَبيلاً * اُولئِكَ هُمُ الكافِرونَ

18

حَقّاً ) ( النساء/150 ـ 151 ) (1).

وبما أنّ رسالة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) رسالة عالميّة خاتمة لجميع الرسالات اُخذ من جميع الأنبياء الميثاق على الايمان به ، ونصرته ، والتبشير به ليسدَّ باب العذر على جميع الاُمم حتّى يتظلّل الكلّ تحت لواء رسالته ويسيّر البشر عامّة تحت قيادته إلى السعادة.

ويشهد على ما ذكرنا ما روي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : « إنّ اللّه أخَذَ الميثاق على الأنبياء قَبْلَ نبيّنا أن يخبروا اُممهم بمبعثه ورفعته ويبشّروهم به ويأمروهم بتصديقه » (2).

ورويا الطبري والسيوطي عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال : « لم يبعث اللّه نبيّاً آدم فمن بعده إلاّ أخذ عليه العهد في محمّد ، لئن بعث وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه ، وأمره بأن يأخذ العهد على قومه ، ثمّ تلى هذه الآية : ( وَإِذْ اَخَذَ اللّهُ ميثَاقَ النَّبيِّينَ لَمَاآتيْتُكُم مِنْ كتاب وَحِكْمة.. ) (3).

ويظهر من بعض الروايات أنّه أخذ الميثاق منهم على وصيّ النبيّ الخاتم.

روى الحديث المحدّث البحراني عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : لميبعث اللّه نبيّاً ولا رسولاً إلاّ وأخذ عليه الميثاق لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوّة ولعليّ (عليه السلام) بالإمامة (4).

وتخصيص ا لميثاق في هذه الروايات بالإيمان بالنبي الخاتم لا ينافي ما ذكرنا من عموميّة مفاد الآية ، وأنّها تعمّ جميع الأنبياء فالمتقدّم منهم كان مفروضاً عليه التبشير بالمتأخّر عن طريق الإيمان به ودعوة ا ُمّته إلى نصرته ، واقتفائه كائناً من كان ،

____________

1 ـ الميزان ج19 ص321.

2 ـ مجمع البيان ج2 ص 468 ( طبع صيدا ).

3 ـ تفسير الطبري ج3 ص237 ، و الدر المنثور ج2 ص27 ، و رواه الرازي في مفاتيح الغيب ج2 ص507 ( طبع مصر ) ، و الطبرسي في مجمعه ج2 ص468.

4 . تفسير البرهان ج1 ص294.

19

لكن وجه التخصيص في تلك الروايات بالنبي الخاتم ، لأجل وقوعه آخر السلسلةوبه ختم باب وحي السماء إلى الأرض ، فكأنَّ الكلّ بعثوا للتبشير به والدعوة إلى الإيمانبه ونصرته.

بشائر النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتب السماويّة

لا تجد إنساناً سالماً في نفسه وفكره يقبل دعاوي الآخرين بلا دليل يثبتها ، وهذا أمر بديهي فطري جُبِل الإنسان عليه ، يقول الشيخ الرئيس : « من قبل دعوى المدّعي بلا بيّنة وبرهان فقد خرج عن الفطرة الإسلامية » (1).

على هذا فيجب أن تقترن دعوى النبوّة بدليل يثبت صحّتها وإلاّ كانت دعوى فارغة غير قابلة للإذعان والقبول ، لكن طرق التعرّف على صدق ا لدعوى ثلاث :

1 ـ التحدّي بالأمر الخارق للعادة على الشرائط المقرّرة في محلّه ( الإعجاز ).

2 ـ تصديق النبيّ ا لسابق بنبوّة النبيّ ا للاحق.

3 ـ جمع القرائن والشواهد من حالات المدّعي ، و المؤمنين به ومنهجه والأداة التي استعان بها في نشر رسالته ، إلى غير ذلك من القرائن التي تفيد العلم بكيفيّة دعوى المدّعي صدقاً وكذباً.

وقد استدلّ القرآن على صدق النبي الخاتم بتنصيص أنبياء الاُمم على نبوّته ، وقد عرفت تنصيص المسيح عليه بالاسم والتبشير به (2) كما عرفت انّ سماته الواردة في العهدين كانت في الكثرة والوفور إلى درجة كانت الاُمم تعرفه على وجه دقيق كما تعرف أبناءها (3).

وقد صرّح القرآن بأنّ أهل الكتاب يجدون اسم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

____________

1 ـ نقله سيدنا الاُستاذ الإمام القائد الراحل في درسه و لم يذكر مصدره.

2 ـ الصف/6.

3 ـ البقرة/46.

20

مكتوباً في التوراة و الإنجيل ، قال عزّ من قائل :

( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الاُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِى التَّورَاةِ وَالاِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ) ( الأعراف/157 ).

و قد آمن كثير من اليهود و النصارى بنبوّة النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته و مماته لصراحة البشائر الواردة في التوراة و الإنجيل ، بل لم يقتصر سبحانه على ذكر اسمه و سماته في العهدين ، بل ذكر سمات أصحابه و قال :

( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ اَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجََّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِنْ اَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِى الإِنْجِيلِ كَزَرْع اَخْرَجَ شَطْئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوْقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ اَجْراً عَظِيماً ) ( الفتح/29 ).

كما لم يقتصر على أخذ العهد من النبيين ببيان البشائر به ، بل أخذ الميثاق من أهل الكتاب على تبيين بشائره للناس و عدم كتمانها ، قال سبحانه :

( وَ اِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ اُوتُو الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لاَتَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) ( آل عمران/187 ).

و هذه الآية تؤيّد ما استظهرناه من قوله سبحانه : ( وَ اِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَ حِكْمَة ... وَ أَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ اِصْرِى ... ) و إنّ أخذ الميثاق لم يكن مختصّاً بالأنبياء ، بل أخذ سبحانه الميثاق من اُممهم بواسطتهم ، و ممّا أخذ منهم الميثاق عليه هو تبيين سمات الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم كتمانها.

و قد كان ظهور النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الاُمّيين على وجه كان اليهود يستفتحون به على مشركي الأوس و الخزرج ، و كانوا يقولون لمن ينابذهم : هذا نبيّ قد أطلّ زمانه ينصرنا عليكم ، قال سبحانه :

21

( وَ لَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِاللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَاعَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الكَافِرِينَ ) ( البقرة/89 ).

روى الطبرسي عن معاذبن جبل ، و بشربن البراء : إنّهما خاطبا معشر اليهود وقالا لهم : اتّقوا اللّه وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد و نحن أهل الشرك ، وتصفونه و تذكرون أنّه مبعوث ، فقال سلام بن مسلم أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، ما هو بالذي كنّا نذكر لكم ، فنزلت هذه الآية (1).

و عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه لما كثر الحيّان ( الأوس والخزرج ) بالمدينة ، كانوا يتناولون أموال اليهود ، فكانت اليهود تقول لهم : أمّا لو بعث محمد لنخرجنّكم من ديارنا و أموالنا ، فلمّا بعث اللّه محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) آمنت به الأنصار ، و كفرت به اليهود ، و هو قوله تعالى :

( وَ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) (2).

و بالرغم من أخذ الميثاق من الاُمم ، و بالرغم من تعرّف تلك الاُمم على النبي الخاتم ، عمد أصحاب الأهواء منهم إلى كتمان البشائر به ، و إخفاء علائمه ، وسماته الواردة في كتبهم كما يقول سبحانه : ( اِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا اَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الكِتَابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً اُولئكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ اِلاَّ النَّارَ وَ لاَيُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَ لاَيُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌّ اَلِيمٌّ ) ( البقرة/174 ).

و قال سبحانه :

( اِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا اَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَ الهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَاهُ لِلنَّاسِ فِى الكِتَابِ اُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) ( البقرة/159 ).

و المعنيّ بالآية نظراء كعب بن الأشرف و كعب بن أسد و ابن صوريا و غيرهم

____________

1 ـ مجمع البيان ج1 ص158.

2 ـ تفسير العياشي ج1 ص 50.

22

من علماء اليهود و النصارى الذين كتموا أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونبوّته و هم يجدونه مكتوباً في التوراة و الإنجيل مثبّتاً فيهما.

قال (1) العلاّمة الطباطبائي : المراد بالكتمان و هو الإخفاء أعمّ من كتمان أصل الآية و عدم إظهارها للناس ، أو كتمان دلالتها بالتأويل ، أو صرف الدلالة بالتوجيه كما كانت اليهود تصنع ببشارات النبوّة ذلك فما يجهله الناس لايظهرونه ، و ما يعلم به الناس يؤوّلونه بصرفه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) (2).

و قال سبحانه :

( وَ إِذْ اَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ اُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لاَتَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ).

و الضمير في « لتبيّننّه » إمّا عائد إلى النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) المفهوم من سياق الآية ، أو إلى الكتاب المذكور قلبه ، و على كل تقدير يدخل في الآية ، بيان أمر النبي لأنّه في الكتاب ، و الظاهر أنّ الآية مطلقة تعمّ كل ما يكتمونه من بيان الدين و الأحكام و الفتاوى و الشهادات.

النبي الأكرم و دعاء الخليل

أمر سبحانه إبراهيم الخليل بتعمير بيته ، و قدقام الخليل بما اُمر ، و بمساهمة فعليّة من ابنه « إسماعيل » و قدحكى سبحانه دعاءه عند قيامه بهذا العمل و قال :

( وَ إِذْ يَرْفَعُ اِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَ اِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا اِنَّكَ اَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * رَبَّنَا وَ اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ وَ مِنْ ذُرِيَّتِنَا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ اَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا اِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ اِنَّكَ اَنْتَ العَزِيزُ

____________

1 ـ مجمع البيان ج1 ص195.

2 ـ الميزان ج1 ص 394.

23

الحَكِيمُ ) ( البقرة/127 ـ 129 ).

فقد دعا إبراهيم لذرّيته من نسل إسماعيل القاطنين في مكّة و حواليها ، ولميبعث سبحانه من تتوفّر هذه الأوصاف الواردة في الآية من تلاوة الآيات و تعليم الكتاب و الحكمة و التزكية سوى النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

و الآية تدلّ على أنّ إبراهيم و إسماعيل دعيا لنبيّنا بجميع شرائط النبوّة لأنّ تحت التلاوة الاداء ، و تحت التعليم البيان ، و تحت الحكمة السنّة ، و دعوا لاُمّته باللطف الذي لأجله تمسّكوا بكتابه و شرعه فصاروا أزكياء ، و بما أنّ المرافق والمشارك في الدعاء مع إبراهيم هو ابنه ، فيجب أن يكون النبي من نسل إبراهيم من طريق ابنه ، و لم يكن في ولد إسماعيل نبيّ غير نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) سيّدالأنبياء.

و قداستجاب اللّه سبحانه دعاء الخليل و ابنه إذ بعث في ذرّيته رسولاً و قال :

( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ اِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ اَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ وَ اِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلاَل مُبِين ) ( آل عمران/164 ).

و قال تعالى : ( هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ وَ اِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلاَل مُبِين ) ( الجمعة/2 ).

و لقد نقَّب علماء الإسلام في العهدين ( التوراة و الإنجيل ) و جمعوا البشارات الواردة فيهما على وجه التفصيل ، و من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى الكتب المعدّة لذلك (1). و نحن نعرض عن نقل تلكم البشائر في هذه الصحائف لأنّ نقلها يوجب الاسهاب في الكلام و الخروج عن وضع المقال.

____________

1 ـ مثل أنيس الأعلام في نصرة الإسلام لفخر الاسلام الشيخ محمد صادق ، في ستة أجزاء واظهار الحق تأليف الشيخ رحمة اللّه الهندي و هو كتاب ممتع ، و الهدى إلى دين المصطفى تأليف الشيخ العلاّمة محمد جواد البلاغي ، و في كتاب بشارات العهدين غنى و كفاية.

24

-

25

(2) ثقافة قومه و حضارة بيئته

إنّ الإنسان مهما بلغ من الكمال لايستطيع أن يجرّد نفسه و فكره ، و منهجه الإصلاحي عن معطيات بيئته ، فهو يتأثّر عن لاشعور بثقافة قومه ، و حضارة موطنه ، و لكن إذا راجعنا تفكير إنسان و شخصيته فوجدناها منقطعة عن تأثيرات الظروف التي نشأ فيها ، و مباينة لمقتضياتها ، بل كانت على النقيض منها ، فتكشف أنّ لماجاء به من التشريع و التقنين و لما قدّمه إلى اُمّته من مبادئ الإصلاح خلفيّة سماويّة غير خاضعة لثقافة قومه ، و تقاليد قبيلته.

و هذا نجده في ما حمله رسول الإسلام إلى قومه و إلى البشرية جمعاء من عقائد و أخلاق و تشريعات.

و للوقوف على هذه الحقيقة نقدّم عرضاً خاطفاً عن حياة العرب في عصره قبل ميلاده و بعده ، و من المعلوم أنّ الإسهاب في ذلك يتوقّف على الغور في التاريخ والسيرة و هو خارج عن هدفنا ، بل نقدّم موجزاً ممّا يذكره القرآن عن حياتهم المنحطّة البعيدة عن الحضارة ، و ستقف أيّها القارئ الكريم من خلال ذلك على أنّ الذي جاء به رسول الإسلام الكريم ، من عقائد و أخلاق و سنن ، تضاد مقتضيات ظروفه ، فهو بدل أن يؤكّد تفكير قومه و طقوس قبيلته و تقاليد وسطه الذي كان يعيش فيه ، بدأ يكافحها و يفنّدها بالإسلوب المنطقي.

لقدنشأ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين قومه و قد كانوا منقطعين عن الأنبياء و برامجهم حيث لم يبعث فيهم نبيّ ، قال سبحانه في هذا الصدد :

26

( وَ لَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكرُونَ ) ( القصص/46 ).

يقول تعالى :

( اَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا آتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْقَبْلِكَلَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) ( السجدة/3 ).

و قال سبحانه :

( لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) ( يس/6 ).

و هذه الآيات تعرب من أنّ اُمّ القرى و ما حولها لم يبعث فيها أي بشير أو نذير ، و الآيات تعني هذه المناطق و القاطنين فيها ، و لاتعني العرب البائدة التي بعث فيها أنبياء عظام كهود و صالح و شعيب ، و لاعامّة المناطق في الجزيرة العربيّة و لاعامّة القبائل من القحطانيين و العدنايين ، و قدكان فيهم بشير و نذير كخالدبن سنان العبسي و حنظلة على ما في بعض الروايات و الأخبار.

و من المعلوم أنّ الاُمّة البعيدة عن تعاليم السماء خصوصاً في العصور البعيدة التي كانت المواصلات فيها ضعيفة بين الاُمم ، و كانت عقلية البشر في غالب المناطق قاصرة عن تنظيم برنامج ناجح للحياة الإنسانية ، فحياتهم لاتتعدّى عن حياة الحيوانات بل الوحوش في الغابات ، ولايكون لهم من الإنسانية شيء إلاّ صورتها ، ولا من الحضارة إلاّ رسمها.

و هذا هو القرآن يصفهم بأنّهم كانوا على شفا حفرة من النار ، ولم يكن بين سقوطهم واقتحافهم فيها إلاّ خطوات ودقائق بل لحظات لولا أنّ النبيّ الأكرم أنقذهم من النار ، قال تعالى :

( وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نعمَةَ اللّهِ علَيْكُم اِذْ كُنْتُمْ اَعداءً فَاَلَّفَ بيْنَ قُلُوبِكُمْ فَاَصْبَحْتُمْ بِنِعْمتهِ إِخْوانَاً وَكُنتُمْ علَى شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ فَاَنْقَذكُمْ مِنْهَا ) ( آل عمران/103 ).

27

وقد تضمّن قوله سبحانه : ( وَاعْتصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ ) استعارة بليغة حيث صوّر قوم النبيّ كالساقطين في قعر هوَّة سحيقة لا يقدورن على الخروج ، وفي يد النبيّ حبل ألقاه في قعر تلك الهوّة يدعوهم إلى التمسّك به حتّى يستنقذهم من الهلكة.

هذا ما يصف به القرآن الكريم بيئة النبيّ وعقلية عشيرته ، على الوجه الكلّي ، ولكنّه يصفهم في الآيات الأُخر بالإنحطاط والإنهيار بشكل مفصّل.

وإليك بيان ذلك في ضوء الآيات القرآنية.

1 ـ الشرك أو الدين السائد

كان الدين السائد في العرب في الجزيرة العربية عامّة ، ومنطقة أُمُ القرى خاصّة ، هو الشرك باللّه سبحانه ، فهم وإن كانوا موحّدين في مسألة الخالقيّة ، وكان شعارهم هو أنّ اللّه هو الخالق للسماوات والأرض ، ولكنّهم كانوا مشركين في المراحل الاُخرى للتوحيد.

أمّا كونهم موحّدين في مجال الخالقيّة فلقوله سبحانه : ( وَلئنْ سأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأَرضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ ) ( لقمان/25 )(1).

وأمّا كونهم مشركين في المراتب الاُخرى للتوحيد فيكفي في ذلك كونهم مشركين في أمر الربوبية ( تدبير العالم ) هو أنّ الوثنية دخلت مكّة وضواحيها ، بهذا اللون من الشرك ( الشرك في الربوبية ).

روى ابن هشام عن بعض أهل العلم أنّه قال : « كان عمرو بن لحى أوّل من أدخل الوثنية إلى مكّة ونواحيها ، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام اُناساً يعبدون الأوثان وعندما سألهم عمّا يفعلون ، قالوا : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها ، فتمطرنا ، ونستنصرها ، فتنصرنا ، فقال لهم : أفلا تعطونني منها فأسير بها إلى أرض

____________

1 ـ و لهذا المضمون آيات اُخر لاحظ العنكبوت/61 ، الزمر/38 ، و الزخرف/9و78.

28

العرب فيعبدوه ، فاستصحب معه إلى مكّة صنماً باسم « هبل » ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعى الناس إلى عبادتها »(1).

وأمّا الشرك في العبادة : فقد كان يعمّهم قاطبة إلاّ أُناساً لا يتجاوز عددهم عن عدد الأصابع ، فالأغلبيّة الساحقة كانوا يعبدون الأصنام مكان عبادته سبحانه زاعمين أنّ عبادتهم تقرّبهم إلى اللّه ، قال سبحانه :

( والَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ اَوليَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبونَا اِلى اللّهِِ زُلفى ا ِنَّ اللّهَ يَحُكمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فيهِ يَختلِفُونَ ) ( الزمر/3 ).

والقرآن شدّد النكير على فكرة الشرك أكثر من كل شيء ، وفنّدها بأساليب علميّة وعقليّة ، ولقد صوّر واقع الشرك ووضع المشرك ببعض التشبيهات البليغة التي تقع في النفوس بأحسن الوجوه قال سبحانه :

( مثَلُ الَّذينَ اتَّخذُوا منْ دُونِ اللّهِ اَولياَء كَمثَلِ الَعنكَبُوتِ اتَّخذَتْ بيْتاً واِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكبوتِ لوْ كانُوا يَعلمُونَ ) ( العنكبوت/41 ).

وقال تعالى :

( ومَنْ يُشرِكْ باللّهِ فَكَأنَّما خَرَّ منَ السَّماءِ فَتَخْطفُهُ الطَّيرُ اَوْ تَهْوِى بهِ الرِّيحُ في مَكان سَحيق ) ( الحجّ/31 ).

فالمعتمد على الحجر ، والخشب الذي لا يبصر ، ولا يسمع ، ولا ينفع ، ولايضرّ ، كالمعتمد على بيت العنكبوت الذي تخرقه قطرة ماء ، وتحرقه شعلة نار وتكسحه هبّة ريح.

2 ـ إنكار الحياة بعد الموت

الإعتقاد بالحياة بعد الموت هو الرصيد الكامل للتديّن ، وتطبيق العمل على الشريعة ، ولكن العرب كانت تنزعج من نداء الدعوة إلى الإيمان بها ، لأنّ الإيمان

____________

1 ـ السيرة النبويّة لابن هشام ج1 ص79.

29

بالحياة المستجدة ، يستدعي كبح جماح الشهوات ، ووضع السدود والعوائق دون المطامح و المطامع ، وأين هذا من نزعة الاُمّة المتطرّفة التي لا تهمّها إلاّ غرائزها الطاغية ورغباتها الجامحة.

وبما أنّ ذكر الموت والحياة بعده يلازمان الحساب والجزاء ، لهذا كان العرب يقابلون النبيّ بالسبّ والشتم واتّهامه بالجنون ، لأجل إنبائه عن أمر غير مقبول ، وحادث غير معقول ، قال سبحانه :

( وَقَالَ الَّذينَ كَفرُوا هَلْ ندُلُّكُمْ عَلى رجُل يُنبِّئكُم إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمزَّق إِنَّكُم لَفِي خَلْق جديد * افتَرَى عَلى اللّهِ كذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بل الَّذينَ لا يُؤمِنُونَ بالآخِرَةِ فِي العَذَابِ والضَّلالِ البَعِيدِ ) ( سبأ/7 ـ 8 )

3 ـ عقيدتهم في الملائكة والجنّ

ومن عقائدهم : إنّ الملائكة بنات اللّه سبحانه ، وفي الوقت نفسه كانوا يكرهون البنات لأنفسهم ، يقول سبحانه :

( اَلِرَبِّكَ البنَاتُ وَلَهمُ البَنُون * اَمْ خلَقْنَا الملاَئكَةَ إنَاثاً وَهُمْ شَاهِدونَ * اَلا إنَّهُمْ منْ اِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَد اللّهُ وإنَّهُمْ لكَاذِبُون * اصْطَفَى البَنَاتِ عَلَى البَنينَ * مَا لَكُم كَيْفَ تَحكُمُونَ ) ( الصافّات /149 ـ 154 ).

والآية ترد عليهم وتفنّد عقيدتهم بوجوه :

1 ـ إنّ تصوير الملائكة بناتاً للّه سبحانه يستلزم تفضيلهم عليه سبحانه ـ حسب عيقدتهم ـ لأنّهم يفضلّون البنين على البنات ، ويشمئزون منهنّ ، ويئدونهنّ ، فكيف تجعلون البنات للّه وإليه أشار بقوله سبحانه :

( اَلِرَبِّكَ البَنَاتُ وَلَهُمُ البَنُونَ ) ؟.

2 ـ إنّهم يقولون شيئاً لم يشاهدوه ، فمتى شاهدوا الأُنثويّة للملائكة ؟ وإليه

30

يشير بقوله : ( اَمْ خَلَقْنَا المَلائِكَةَ إناثَاً وَهُمْ شَاهِدُونِ ) ؟.

3 ـ إنّ توصيف الملائكة بناتاً للّه يستدعي أنّه سبحانه ولدهنّ وهو منزّه عن الإيلاد والاستيلاد ، وإليه يشير قوله : ( لَيقُولُونَ ولَدَ اللّهُ واِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ).

ثمّ إنّهم كانوا يتخيّلون وجود نسب بين اللّه والجنّ ، والوحي يحكي ذلك على وجه الإجمال قوله سبحانه :

( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبيْنَ الجنَّةِ نَسَباً ولَقدْ عَلِمَتْ الجنَّةُ إنّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) ( الصافات/158 ).

وقد ذكر المفسّرون وجوهاً مختلفة لتبيين ذلك النسب أظهرها بالاعتبار أنّهم قالوا : صاهر اللّه الجنّ فوجدت الملائكة تعالى اللّه عن قولهم. (1)

4 ـ سيادة الخرافات

إنّ الأمّة البعيدة عن تعاليم السماء ، وهداية الأنبياء يعيشون غالباً في خِضمِّ الخرافة ، ويستسلمون في مجال العقيدة إلى الأساطير والقصص الخرافية ، وكذلك كانت الأمّة العربية عصر نزول القرآن ، فقد كانت غارقة في الخرافات والأساطير ، وقدجمع « الآلوسي » تقاليدهم الإجتماعية ، وطقوسهم الدينيّة في كتابه « بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب » حيث يجد القارئ فيها تلاًَّ من الأوهام والخرافات ، وقد ذكر القرآن الكريم نماذج من عقائدهم ، ونحن نشير إلى بعض ما وقفنا عليه في القرآن.

أ ـ كانت العرب في عصر حياة النبي قبل البعثة تحكم على بعض الأصناف من الأنعام بأحكام خاصّة تنشأ عن نيّة التكريم وقصد التحرير لها ، غير أنّ تلك الأحكام كانت تؤدِّي إلى الإضرار بالحيوان ، وتلفه وموته عن جوع وعطش ، وقد حكى سبحانه تلك الأحكام عنهم وقال : ( مَا جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَة ولا سَائِبَة وَلا وصِيْلة وَلا حِام ولَكنَّ

____________

1 ـ مجمع البيان ج4 ص46.

31

الَّذينَ كَفرُوا يَفتَرُونَ علَى اللّهِ الكَذِبَ وَاكْثرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) ( المائدة/103 ).

والآية تعرب من أنّهم كانوا ينسبون أحكامهم في هذه الحيوانات والأنعام الأربعة إلى اللّه سبحانه ، ولأجل ذلك وصف سبحانه تلك النسبة بالإفتراء عليه ، وثلاثة منها أعني « البحيرة » و « السائبة » و « الحامي » من الإبل ، و الوصيلة من الشاة ، وقد اختلف المفسّرون في تفسير هذه الكلمات ، ولكن الجميع يشتركون في أنّ الأحكام المترتبة عليها كانت مبنية على تحريرها والعطف عليها ، ونحن نذكر تفسيراً واحداً لهذه الكلمات ، ومن أراد التبسّط والتوسّع فليرجع إلى كتب التفسير.

1 ـ البحيرة : هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، وكان آخرها ذكراً ، شقُّوا اُذنها شقّاً واسعاً وامتنعوا من ركوبها ونحرها ، ولا تطرد عن ماء ، ولا تمنع عن مرعى ، فإذا لقيها المعيي لم يركبها.

2 ـ السائبة : وهي ما كانوا يسيبونه من الإبل ، فإذا نذر الرجل للقدوم من السفر أو للبرء من علّة أو ما أشبه ذلك ، قال : ناقتي سائبة ، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ، ولا تطرد عن ماء ولا تمنع عن مرعى.

3 ـ الحامي : وهو الذكر من الإبل كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن ، قالوا : قد حمى ظهره ، فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى.

4 ـ الوصيلة : وهي في الغنم ، كانت الشاة إذا ولدت اُنثى فهي لهم ، وإذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم ، فإن ولدت ذكراً واُنثى ، قالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم (1).

وقد أشار القرآن إلى أنّ الدافع لإتّباع هذه الأحكام حتّى بعد نزول الوحي هو تقليد الآباء ، وقد أشار إليه بقوله : ( وَإذا قِيْلَ لَهُمْ تَعَالَوُا إلى مَا أنْزَلَ اللّهُ وَإلى الرَّسولِ

____________

1 ـ مجمع البيان ج2 ص352 ، و لم نذكر سائر التفاسير لاشتراك الجميع في أنّ الأحكام كانت مبتنية على تسريحها و إظهار العطف لها.

32

قَالُوا حَسبُنَا مَا وجَدنَا عَلَيهِ آباءَنَا أوَلَوْْ كانَ ا باؤُهُمْ لاَ يَعْلَمونَ شَيئاً ولاَيَهْتَدونَ ) ( المائدة/4 ).

ثمّ إنّ هذه الأحكام وإن كانت لغاية تسريحها وإظهار العطف عليها لكنّها كانت تؤدّي بالمآل إلى موتها وهلاكها عن جوع وعطش ، لأنّ تسريحها في البوادي والصحاري من دون حماية راع ولا رائد كان ينقلب إلى هلاكها.

ب ـ إنّ القرآن الكريم يحكي عن العرب المعاصرين لنزول الوحي خرافة أُخرى في مجال الأطعمة إذ قال سبحانه :

( وَجَعَلُوا للّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَ الاَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَيَصِلُ اِلَى اللّهِ وَ مَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ اِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) ( الأنعام/136 ).

و الآية تحكي من أنّ المشركين كانوا يخرجون من الزرع و المواشي نصيباً للّه ونصيباً للأوثان ، فما كان للأصنام لايصل إلى اللّه ، وما كان للّه فهو يصل إلى الأصنام.

و قد إختلف المفسّرون في كيفيّة هذا التقسيم الجائر فنذكر تفسيراً واحداً.

قالوا : إنّهم كانوا يزرعون للّه زرعاً ، و للأصنام زرعاً ، و كان إذا زكى الزرع الذي زرعوه للّه ، و لم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام ، جعلوا بعضه للأصنام و صرفوه إليها ، و يقولون : إنّ اللّه غني ، و الأصنام أحوج ، و إن زكى الزرع الذي جعلوه للأصنام ، و لم يزك الزرع الذي زرعوه للّه ، لم يجعلوا منه شيئاً للّه ، و قالوا : هو غنيّ ، وكانوا يقسّمون النعم فيجعلون بعضه للّه ، و بعضه للأصنام ، فما كان للّه أطعموه الضيفان ، و ما كان للصنم أنفقوه على الصنم (1).

ج ـ و من تقاليدهم : إنّه إذا ولدت الأنعام حيّاً يجعلونه للذكور و يحرمون النساء منه ، و إذا ما ولد ميّتاً أشركوا النساء و الرجال ، و إليه يشير قوله سبحانه :

____________

1 ـ مجمع البيان ج2 ص370.

33

( وَ قَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَ مُحَرَّمٌ عَلَى اَزْوَاجِنَا وَ اِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ اِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) ( الأنعام/139 ).

و على ضوء الآية فأجنّة البحائر و السيب كانت مختصّة بالرجال إذا ولدت حيّة ، و إذا ولدت ميّتةً أكله الرجال و النساء ، فما وجه هذا التقسيم غير التفكير الخرافي ؟

د ـ كانوا يقسّمون الأنعام إلى طوائف ، فطائفة يجعلونها لآلهتهم و أوثانهم ، وطائفة يحرّمون الركوب عليها ، و هي السائبة و البحيرة و الحامي ، و طائفة لايذكرون اسم اللّه عليها.

كل ذلك تقاليد باطلة ردّها الوحي الإلهي بقوله : ( وَ قَالُوا هذِهِ اَنْعَامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ لاَيَطْعَمُهَا اِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَ اَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَ اَنْعَامٌ لاَيَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) ( المائدة/138 ).

و الحجر بمعنى الحرام و هو ما خصّوه بآلهتهم و لايطعمونه إلاّ من شاؤوا.

هذا بعض ما وقفنا عليه من تقاليد العرب الخرافية الباطلة قبل الإسلام و حين ظهوره ممّا جاء ذكره في القرآن الكريم.

5 ـ ثقافة قومه

يصف القرآن الكريم قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل القاطنين في اُمّ القرى و من حولها بالاُمّية و يقول :

( هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الاُمِّيِّينَ رُسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ ) ( الجمعة/2 ).

و قال : ( ... وَ قُلْ لِلَّذِينَ اُوتُوا الكِتَابَ وَ الاُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَاِنْ اَسْلَمُوا

34

فَقَدِاهْتَدَوْا ... ) ( آل عمران/20 ).

و قدبلغت الاُمّيّة عند العرب إلى حد اشتهروا بذلك حتّى وصفهم أهل الكتاب بها كما يحكي عنه سبحانه بقوله :

( ... وَ مِنْهُمْ مَنْ اِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَار لاَيُؤَدِّهِ إِلَيْكَ اِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الاُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) ( آل عمران/75 ).

و الاُمّيّون جمع الاُمّي و هو المنسوب إلى الاُم ، قال الزجّاج : الاُمّي الذي هو على صفة اُمّة العرب ، قال عليه الصلاة و السلام : إنّا اُمّة اُمّيّة لانكتب ولانحسب (1).

فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون و لايقرؤن و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان كذلك ، فلهذا السبب وصفه بكونه اُمّيّاً (2).

و قال البيضاوي : الاُمّي من لايكتب و لايقرأ.

قال ابن فارس : الاُمّي في اللّغة ، المنسوب إلى ما عليه جبلّة الناس لايكتب فهو في أنّه لايكتب على ما ولد عليه (3).

و الزمخشري يفسّر قوله تعالى : ( وَ مِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الكِتَابَ اِلاَّ أَمَانِىَّ وَاِنْ هُمْ اِلاَّ يَظُنُّونَ ) ( البقرة/78 ). بأنّهم لايحسنون الكتاب فيطالعوا التوراة و يتحقّقوا ما فيها.

هذا هو معنى الاُمّي و قدأصفقت عليه أئمّة اللّغة في جميع الأعصار إلى أن جاء الدكتور عبد اللطيف الهندي فزعم للاُمّي معان اُخرى لاتوافق ما اتّفقت عليه أئمّة اللّغة ، و سنذكر أراءه الساقطة في معنى « الأُمّي » عند البحث عن أوصاف النبي ، و منها أنّه « اُمّي » فانتظر.

____________

1 ـ ايعاز إلى ما رواه البخاري في صحيحه ج1 ص327 عن النبي أنّه قال : إنّا اُمّة ...

2 ـ مفاتيح الغيب ج4 ص309.

3 . مقاييس اللغة ج1 ص218.

35

و العرب في اُمّ القرى و ما حولها كانت اُمّيّة لاتقرأ و لاتكتب ، و قدنشأ النبيّ بينهم ، و يؤيّد ذلكَ ما ذكره الإمام البلاذري في « فتوح البلدان » حيث أتى بأسماء الذين كانوا عارفين بالقراءة و الكتابة فما تجاوز عن سبعة عشر رجلاً في مكّة ، و عن أحد عشر نفراً في يثرب (1).

وعلى ضوء ذلك فالسائد على تلك المنطقة كانت هي الاُمّيّة المطلقة إلاّ من شذّ.

نعم ، ما ذكرنا من سيادة الاُمّيّة على العرب لاينافي وجود الحضارة في عرب اليمن حيث كانوا على أحسن ما يكون من المدنيّة ، فقدبنوا القصور المشهورة ، وشيّدوا الحصون ، و كانت لهم مدن عظيمة ، قال في كتابه الكريم :

( لَقَدْ كَانَ لِسَبَأ فِى مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جنَّتَانِ عَنْ يَمِين وَ شِمَال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ ) ( سبأ/15 ).

و كان لهم ملوك و اقيال دوّخوا البلاد ، و استولوا على كثير من أقطار الأرض ، و لكن تلك الحضارة زالت و بادت بسيل العرم ، قال سبحانه :

( فَاَعْرَضُوا فَاَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَ بَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ اُكُل خَمْط وَ اَثْل وَ شَىْء مِنْ سِدْر قَلِيل * ذلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَ هَلْ نُجَازِى اِلاَّ الكَفُورَ ) ( سبأ/16و17 ).

و أمّا بنو عدنان و من جاورهم من عرب اليمن فقد اختلّ أمرهم و تغيّر حالهم بعد أن فرّقهم حادث سيل العرم ، فمن ذلك اليوم فشى الجهل بينهم ، و قلّ العلم فيهم ، و أضاعوا صنائعهم و تشتّتوا في الأطراف و الأكناف ، و وقع التنازع و التشاجر بين القبائل ، و تكاثرت البغضاء بينهم ، فلم يبق عندهم علم منزل ، و لاشريعة موروثة من نبي ، و لا العلوم كالحساب و الطب ، و انحصر عملهم بما سمحت قرائحهم من الشعر و الخطب ، أو ما حفظوه من أنسابهم و أيامهم ، أو ما احتاجوا

____________

1 ـ فتوح البلدان ص457.

36

إليه في دنياهم من الأنواء و النجوم و صنع آلات الحرب و غير ذلك. (1)

فالمثقّف عندهم من جادت قريحته بالشعر ، أو قدر على إلقاء الخطب والوصايا إرتجالاً ، أو من عرف أنساب الناس ، أو عرف أخبار الاُمم و بالأخص أيام العرب.

نعم كان عند بعض العرب علم الفراسة و الكهانة و العرافة ، و يراد من الأوّل من يستدل بهيئة الإنسان و أشكاله و ألوانه و أقواله على أخلاقه و سجاياه و فضائله ورذائله ، و لعلّه إليه يشير قوله سبحانه :

( تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ) ( البقرة/273 ).

( وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القَوْلِ ) ( محمد/30 ).

و يراد من الثاني من يتنبّأ بما سيقع من الحوادث في الأرض.

و العرّافة هو قسم من الكهانة ، لكنّها تختصّ بالاُمور الماضية و كأنّه يستدل ببعض الحوادث الغابرة على الحوادث القادمة.

هذا هو عرض خاطف عن ثقافة قوم النبي عصر نزول القرآن أتينا به ليكون دليلاً واضحاً على انقطاع شريعة النبي عن تعاليم بيئته وتقاليدها.

والقرآن الكريم يصف ذلك العصر في غير واحد من الآيات بالجاهليّة ، يقولسبحانه : ( اَفَحُكمَ الجَاهِليَّة يَبغُونَ ) ( المائدة/50 ).

ويقول سبحانه : ( يظُنُّونَ بِاللّهِ غيرَ الحَقِّ ظَنّ الجَاهِليَّة ) ( آل عمران/154 ).

ويقول سبحانه : ( وَلاَ تَبرَّجنَ تَبَر ُّجَ الجَاهِليَّة الأُولَى ) ( الأحزاب /33 ).

ويقول تعالى : ( إِذْ جَعَلَ الَّذينَ كَفَروا فِي قُلُوبِهِمُ الحَميَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِليَّةَ ) ( الفتح/26 ).

____________

1 ـ بلوغ الارب ج3 ص80 ـ 81 ، و من أراد أن يقف على ثقافة العرب عامّة ، قحطانيهم وعدنانيهم ، فليرجع إلى ذلك الكتاب.

37

وأغلب المفسّرين يفسّرون الجاهليّة بفساد العقيدة في جانب الدين فقط ، ولكنّه تخصيص بلا جهة ، فكان القوم يفقدون العلم الناجع كما يفقدون الدين الصحيح.

6 ـ الإنهيار الخلقي

طبيعة العيش في الصحراء تفرض على الإنسان نزاهة خاصّة في الخلق ، تصون نفسه عن الإنهيار الخلقي ، و لأجل ذلك نرى أنّ الفساد في المناطق المتحضّرة أكثر منها في البدو وسكّان الصحاري.

وقد كان من المترقّب من سكنة أُمّ القرى وما حولها النزاهة عن المجون والفساد ، غير أنّ في الآيات القرآنية أخباراً عن شيوع الفساد الخلقي بينهم.

فهذا القرآن الكريم يركّز على النهي عن الفحشاء ظاهره وباطنه ، والفحشاء وإن فسّر بما عظم قبحه من الأفعال والأقوال الذميمة ولكنها منصرفة إلى الزنا وكناية عنها ، قال سبحانه :

( إلاّ اَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَة مُبيَّنة ) ( النساء/19 ).

وقال سبحانه : ( وَاللاَّتِى يأْتينَ الفَاحِشةَ مِنْ نسائكُمْ ) ( النساء/ 15 ).

وقال سبحانه : ( وَلاَ يَخرجْن إلاّ أنْ يأْتينَ بِفَاحِشة مُبَيِّنَة ) ( الطلاق/1 ).

وكل هذا يعرف عن شيوع هذا العمل الشنيع المنكر بينهم.

فإنّنا نرى أنّ اللّه سبحانه ينهي عن إتخاذ الخدن ويقول :

( وَأْتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمعَرُوفِ مُحصنَات غَيْرَ مُسافِحَات وَلا مُتَّخِذَاتِ اَخدان ... ) ( النساء/25 ).

ويقرب منها قوله في سورة المائدة ، الآية 5.

و « الأخدان » جمع « خدن » وهو يطلق على الصاحب و الصاحبة بأن يكون

38

للمرأة صاحب أو خليل يزني بها سرّاً ، وهكذا في جانب ا لرجل ، فالخدن يطلق على الذكر والأُنثى ، وكان الزنا في الجاهلية على قسمين : سرّ وعلانية ، عامّ وخاصّ.

فالخاص السري هو أن يكون للمرأة خدن يزني بها سرّاً ، ولا تبذل نفسها لكلّ أحد.

والعام الجهري هو المراد بالسفاح كما قال ابن عبّاس وهو البغاء.

وكان البغاء من الإماء وكنّ ينصبن الرايات الحمر لتعرف منازلهن وبيوتهن.

روى ابن عبّاس : إنّ أهل الجاهلية كانوا يحرّمون ما ظهر من الزنا ، ويقولون : إنّه لوم ، وييستحلّون ما خفي ويقولون : لا بأس به ، ولتحريم القسمين يشير قوله سبحانه :

( ولاَ تَقْرَبُوا الفَواحِشَ مَا ظَهر منْهَا ومَا بَطَن ) ( الأنعام/151 ) (1).

وممّا يعرب عن رسوخ الإنحلال الخلقي فيهم ما نقله « تميم بن جراشة » وهو ثقفي ، قال قدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وفد ثقيف ، فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط ، فقال : اكتبوا ما بدالكم ، ثمّ ائتوني به ، فسألناه في كتابه أن يحلّ لنا الربا والزنا ، فأبى عليّ ( رضي الله عنه ) أن يكتب لنا ، فسألناه خالد بن سعيد بن العاص ، فقال له عليّ : تدري ما تكتب ؟ قال : اكتب ما قالوا ورسول اللّه أولى بأمره ، فذهبنابالكتاب إلى رسول اللّه ، فقال للقارئ إقرأ ، فلمّا انتهى إلى الربا ، فقال : ضع يدي عليها في الكتاب ، فوضع يده ، فقال : ( يَا ايُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَروا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ... ) ( البقرة/278 ). ثمّ محاها ، وألقيت عليها السكينة فما راجعناه ، فلمّا بلغ الزنا ، وضع يده عليها ، وقال :

____________

1 ـ المنار ج5 ص22 ، و زاد في المصدر قوله : و هذان النوعان معروفان الآن في بلاد الافرنج والبلاد التي تقلّد الافرنج في شرور مدنيّتهم كمصر و والاستانة و بعض بلاد الهند ، و يسمّي المصريون الخدن الرفيق ، و من هؤلاء الافرنج و المتفرنجون من هم كأهل الجاهلية يستحسنون الزنا السريّ ، و يستقبحون الجهري.

39

( ولاَ تَقرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) ( الاسراء/32 ).

ثمّ محاها وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا (1).

وممّا يدل على الإنحلال الخلقي في أمر النساء قوله سبحانه :

( وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ علَى البِغَاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبَتَغَوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيَا ... ) ( النور/33 ).

فالآية تعرب عن الإنهيار الخلقي الذي كان يعاني منه بعضهم حتّى بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة ، وقد رووا : إنّ عبد اللّه بن أُبي كان له ستّ جوار كان يكرههنّ على الكسب عن طريق الزنا ، فلمّا نزل تحريم الزنا ، أتين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكين إليه ، فنزلت الآية (2).

7 ـ معاقرة الخمور وإرتياد نواديها

كان الاستهتار بمعاقرة الخمور رائجاً بين العرب منذ زمن بعيد ، وقد بلغ شغفهم بها حتّى أنّهم جعلوها أحد الأطيبين مع أنّ النبي الأكرم كان قد حرّم الخمر حتّى قبل هجرته إلى المدينة ، ولكنّه لم يتحقّق ما أمر به إلاّ بعد مضي سنوات من هجرته ، ونزول آيات مختلفة الاُسلوب متنوّعة البيان وإليك بيان هذا التدرّج :

1 ـ قال سبحانه : ( وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخيلِ وَالأعنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُُ سَكَراً ورِزْقاً حَسَناً إنّ فِي ذَلكَ لاََيَةً لَقوم يَعْقِلُونَ ) ( النحل/67 ) والآية مكّيّة نزلت في ظروف قاسية لا تتحمّل إنذاراً أكثر وأشد من هذا ، ولهذا اكتفى فيه بعد اتّخاذ السكر ضد الرزق الحسن.

____________

1 ـ اُسد الغابة ج1 ص216 ترجمة تميم بن جراشة.

2 ـ مجمع البيان ج4 ص141.

40

2 ـ قال سبحانه : ( يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمرِ والمَيْسرِ قُلْ فِيْهِمَا إثْمٌ كَبيِرٌ وَمَنافِعُ للِنَّاسِ وَإِثمُهُما أكبَرُ مِن نَفعِهمَا ) ( البقرة/ 219 ).

فالآية تشير إلى أنّه لو كان هناك لذّة وطرب لشارب الخمر ، أو مال للاعب الميسر حيث يفوز به من غير كدّ ولا مشقّة ، ولكن إثمهما أكبر من نفعهما.

فلأجل ذلك يجب ترك النفع القليل في مقابل الضرر الكبير ، والآية مدنيّة كافية في التحريم ، وذلك لأنّها تصرّح بوجود الإثم في الخمر والميسر ، وقد حرّم الوحي الإلهي الإثم على وجه القطع واليقين قبل هجرة النبي ، قال سبحانه :

( إنّمَا حرَّمَ ربِّيَ الَفواحِشَ مَا ظَهرَ مِنْهَا وَما بَطنَ والإثْمَ وَالبَغْيَ ) ( الأعراف/33 ).

وأي بيان أوضح لتحريم الخمر إذا قرنت الآيتان : الواحدة إلى الأُخرى ؟ فالآية الأُولى تحقّق الصغرى وهو أنّ الخمر إثم ، والآية الثانية تصرّح بالكبرى ، وهي أنّ اللّه سبحانه حرّم الإثم ، فيستنتج منهما أنّه سبحانه حرم الخمر.

والعجب إنّ القوم ( مع أَنَّ الآية الثانية التي تحرّم الإثم على وجه الحتم والبت نزلت بمكّة ) ، لم يتنزّهوا من هذا العمل المزيل للعقل ، والمضاد للكرامة الإنسانية ، فكانوا يشربون الخمر في نواديهم حتّى وافاهم الوحي الإلهي بتحريم الصلاة وهم في حال السكر ، إذ قال سبحانه :

( يَا أيُّها ا لَّذينَ آمَنُوا لاَ تَقْربُو ا الصّلاة وأنتُم سُكارى حَتَّى تَعْلمُوا مَاتَقولُونَ ) ( النساء /43 ).

وهذه الآيات الثلاث التي تعرّفت عليها تلقّاها بعض الصحابة بأنّها ليست بياناً وافياً ، فظلّ يترصّد البيان الأوفى حتّى وافى الوحي الإلهي ، وقال سبحانه : ( اِنَّما الخَمْرُ والمَيسرُ والاَنصَابُ وَالازلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيطانِ فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفلِحونَ * اِنَّمَا يُريدُ الشَّيطانُ اَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الَعداوَةَ وَالبغْضاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسرِ ويَصدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَن الصَّلاةِ فَهَلْ اَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) ؟ ( المائدة/90 و91 ).

41

ولمّا أخبر النبي عن نزول الوحي وتلا الآيتين إرتفعت أصواتهم بقولهم : اتنهينا. اتنهينا.

وكلّ هذا يعرف عن رسوخ هذه العادة الشنيعة وهذا العمل القبيح في المجتمع العربي آنذاك إلى درجة إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستطع ـ تحت ضغط الظروف ـ أن يقطع مادة ا لفساد منذ هبوطه أرض المدينة دفعة واحدة ، بل تدرّج في تحقيق التحريم ، وترسيخه في أذهانهم ونفوسهم.

رووا أصحاب السنن والمسانيد أنّه لمّا نزل تحريم الخمر قال عمر : اللّهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً ، فنزلت الآية التي في البقرة : ( يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسرِ ) قال فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللّهمّ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً ، فنزلت الآية التي في سورة النساء : ( يَا ايُّها ا لَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَانْتُم سُكَارى ) فكان منادي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا اُقيمت الصلاة ينادي ألا يقربنّ الصلاة سكران ، فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللّهمّ بيّن لنا بياناً شافياً ، فنزلت : ( اِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ ا َنْ يُوْقِعَ بَيْنَكُمْ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ فِي الَخمْرِ والمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ ا للّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ اَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ).

قال عمر : اتنهينا. اتنهينا (1).

ويظهر ممّا رواه ابن هشام عن بعض أهل العلم : إنّ نهي الرسول عن الخمر كان مشهوراً عندما كان مقيماً بمكّة بين ظهراني قريش ، وخرج الأعشى إلى رسول ا للّه يريد الإسلام ومعه قصيدته المعروفة في مدح النبي التي مستهلّها :

الم تغتمض عينك ليلة أرمدا * * * وبتّ كما بات السليم مسهّدا

وما ذاك من عشق النساء و إنّما * * * تناسيت قبل اليوم صحبة مَهددا

____________

1 ـ سنن أبي داود ج2 ص128 ، مسند أحمد ج1 ص 153 ، سنن النسائي ج8 ص187 ، مستدرك الحاكم ج2 ص278 ، إلى غير ذلك من المصادر.

42

إلى أن قال :

فإيّاك و الميتات لاتقربنها * * * تأخذن سهماً حديداً لتفصدا

و لاتقربنَّ حرّة كان سرها * * * عليك حراماً فانكحن أو تأبّدا (1)

فلمّا كان بمكّة أو قريباً منها إعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنّه يريد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) للسلم فقال له : يا أبا بصير إنّه حرّم الزنا ، فقال الأعشى واللّه إنّ ذلك لأمر ما لي فيه من ارب ، فقال له يا أبا بصير :

فإنّه يحرّم الخمر ، فقال الأعشى :

أمّا هذه فو اللّه إنّ في النفس منها لعلالات ، ولكنّي منصرف فاتروى منها عامي هذا ، ثم آتيه فاُسلم ، فانصرف فمات في عامه هذا ، ولم يعد إلى رسول اللّه (2).

وببالي إنّه جاء في بعض المصادر أنّه قيل له : إنّه يحرّم الأطيبين والمراد بهما الخمر والزنا ، وقد عرفت أنّه مع ما رأى من نور النبوّة ودخل عليه من بصيص الإيمان لم يتحمّل ترك الخمر ، فعاد ليتروّى منها ، ليعود بعد عام إلى المدينة ، ولكن وافاه الأجل قبل أن يسلم.

وهذا مَثل آخر يعرب عن ترسّخ هذه العادة القبيحة في ذلك ا لمجتمع.

8 ـ وأد البنات

أوّل من لطّخ يده بدم البنات البريئات هم العرب الجاهليّون ، فقد كانوا يئدون بناتهم لأعذار مختلفة واهية ، فتارة يتذرّعون بخشية الإملاق ، والاُخرى يتجنّون بحجّة

____________

1 ـ الأرمد : الذي يشتكي عينيه من الرمد ، و السليم : الملدوغ ، و المسهّد : الذي منع من النوم ، و المهدد ـ على وزن معلل ـ : اسم امرأة ، و تأبّد : أي تعزّب و ابتعد عن النساء.

2 ـ السيرة النبوية ج1 ص386.

43

الاجتناب عن العار ، وقد حكى سبحانه عقيدة العرب في بناتهم ووأدهنّ في آيات نذكر ما يلي :

( وَإذا بُشِّرَ اَحَدُهُمْ بالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يتَوَارَى مِنَ الَقْومِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بهِ اَيُمْسكُهُ عَلَى هُونِ اَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ اَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) ( النحل/58 و59 ).

والآية تصوّر احساس القوم وإنفعالهم عندما كان أحدهم يبشّر بولادة أُنثى له ، فكان يتجهّم وجهه ويتغيّر إلى السواد ، ويظهر فيه أثر الحزن والكراهة ، والقوم يكرهون الاُنثى مع أنّهم جعلوها للّه سبحانه (1) ، ثمّ لم يزل الحزن يتزايد فيمتلئ الشخص غيظاً ، وعند ذلك يستخفي من القوم الذي يستخبرونه عمّا ولد له ، إستنكافاً منه ، وخجلاً ممّا بشّر به من الاُنثى ، ثمّ هو ينكر في أمر البنت المولودة له أيحفظها على ذل وهوان ، أم يخفيها في التراب ، ويدفنها حيّة وهذا هو الوأد ( اَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمونَ ) أي في قتل البنات البريئات المظلومات.

ثمّ إنّه سبحانه يحارب بشدّة هذا العمل الإجرامي في بعض الآيا ت ويقول :

( وَلاَ تَقْتُلُوا اَوْلادَكُمْ خَشيَةَ اِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقهُمْ واِيَّاكُمْ اِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطَأكَبِيراً ) ( الإسراء/31 ).

فاللّه سبحانه هو المتكفّل برزقهم ورزق أولادهم وقتلهم خطأ عظيم عند اللّه.

وقال سبحانه : ( وَلاَ تَقْتُلُوا اَوْلادَكُمْ مِنْ اِمْلاق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ واِيَّاهُمْ ) ( الأنعام/151 )

ويؤكّد القرآن على تحريم قتل هذه البنات المظلومات بأنّ المؤودة سيسأل منها يوم القيامة ، قال سبحانه : ( وإذَا الموْءُوْدَةُ سُئِلَتْ ) ( التكوير/8 ).

____________

1 ـ إشارة إلى قوله سبحانه : ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الاُنْثَى * تِلْكَ إِذَاً قِسْمَةٌ ضِيزَى ) ( النجم/21و22 ).

44

وقد ذكر أصحاب السير بعض الدوافع التي دفعت العرب إلى اتّخاذ مثل هذا الموقف الظالم بشأن تلك البريئات لا يسع المجال لنقلها ، ولكن يظهر ممّا نقله صعصعة بن ناجية ـ جد الفرزدق ـ : إنّ ذلك العمل الإجرامي كان شائعاً ورائجاً في غير و احدة من القبائل آنذاك ، وإليك البيان :

إنّ صعصعة بن ناجية بن عقال كان يفدّي ا لمؤودة من القتل ، ولمّا أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : يا رسول اللّه إنّي كنت أعمل عملاً في الجاهلية ، أفينبغي ذلك اليوم ؟ قال : وما عملك ؟ فقال : إنّه حضر ولادة امرأة من العرب بنتاً ، فأراد أبوها أن يئدها ، قال فقلت له : أتبيعها ؟ قال : وهل تبيع العرب أولادها ؟ قال : قلت إنّما أشتري حياتها ولا أشتري رقّها ، فاشتريتها منه بناقتين عشراوين و جمل ، وقد صارت لي سُنَّة في العرب على أن أشتري ما يئدونه بذلك فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا مؤودة وقد أنقذتها.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لك أجره إذ منّ اللّه عليك بالإسلام (1).

وقد ذكر الفرزدق احياء جدّه للمؤودات في كثير من شعره كما قال :

ومنّا الذي منع الوائدات * * * وأحيى الوئيد فلم يؤدد (2)

ويعرب عن شيوع هذه العادة الوحشيّة والمروّعة قوله سبحانه :

( وَكَذلَك زُيِّنَ لِكَثِيرِ مِنَ المُشْرِكيِنَ قَتْلَ اَوْلادِهِمْ شُركَاؤهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَليَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِيْنَهُمْ وَلَو شَاءَ اللّه مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفتَرُونَ ) ( الأنعام /137 ).

وكذا قوله : ( قَدْ خَسِرَ الَّذيِنَ قَتَلُوا اَوْلاَدَهُمْ سَفَهَاً بِغَيْرِ عِلْم وَحرَّمُوا مَا رَزَقهُمُ اللّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهتَديِنَ ) ( الأنعام/140 ).

____________

1 ـ بلوغ الارب ج3 ص44.

2 ـ المصدر نفسه.

45

9 ـ أكل الخبائث من الدماء والحشرات

كانت العرب تأكل لحوم الأنعام وغيرها من الحيوانات كالفأر والضب الوزغ ، وتأكل من الأنعام ما قتلته بذبح ونحوه ، وتأكل الميتة بجميع أقسامها أعني المنخنقة ، والموقوذة ، والمتردّية والنطيحة ، وما أكل السبع ، و كانوا يملؤون الأمعاء من الدم و يشوونه و يطعمونه الضيف وكانوا إذا أجدبوا جرحوا إبلهم بالنصال وشربوا ما يسيل منها من الدماء.

هذا ورغم أنّه مضى على ظهور التشريع الإسلامي إلى الآن أربعة عشر قرناً كثيراً من الاُمم غير المسلمة تأكل أصناف الحيوانات حتّى الكلب والهر ، بل والديدان والأصداف ، وقد إتّخذ الإسلام بين هذا وذاك طريقاً وسطاً ، فأباح من اللحوم ما تستطيبه الطباع المعتدلة من بني الإنسان ، فحلّل من البهائم الضأن والمعز والبقر والإبل ، وكرّه أكل لحوم الفرس والحمار ، وحلّل من الطيور غير ذات الجوارح ممّا له حوصلة ودفيف ولا مخلب له ، كما حلّل من لحوم البحر بعض أنواع السمك ، واشترط في كل واحدمن هذه اللحوم نوعاً من التذكية.

والإمعان في الآية التالية يقودنا إلى أنّ العرب كانت تفقد نظام التغذية ، أو كانت تتغذّى من كلّ ما وقعت عليه يدها من اللحوم ، كما أنّها كانت تفقد الطريقة الصحيحة لذبح الحيوان ، فكانوا يقتلونه بالتعذيب بدل ذبحه ، وإليه يشير قوله سبحانه :

( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المِيتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخْنزير وَمَا اُهِلَّ لِغَيرِ اللّهِ بهِ وَالُمنخَنِقَةُ وَالموْقُوذَةُ وَالُمتَردِّيةُ وَالنَّطِيْحَةُ وَمَا اَكَلَ السَّبُعُ اِلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ و َمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصبِ وَأَنْ تَستقْسِمُوا بالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) ( المائدة/3 ).

فقد كانوا ينتفعون من الميتة والدم ولحم الخنزير والمذبوح باسم الأصنام والأوثان.

كما كانوا يستفيدون من « المنخنقة » وهي التي تدخل رأسها بين شعبتين من

46

شجرة فتختنق فتموت أو تخنق بحبل الصائد ، « والموقوذة » وهي التي تضرب حتّى تموت ، « والمترديّة » وهي التي تقع من جبل أو مكان عال أو تقع في بئر ، « والنطيحة » وهي التي ينطحها غيرها فتموت.

10 ـ التقسيم بالأزلام

كان التقسيم بالأزلام ميسّراً رائجاً بينهم ، وكان لهذا العمل صبغة الدين ، وقدإختلفوا في تفسيره على قولين :

1 ـ قالوا : المراد طلب قسم الأرزاق بالقداح التي كانوا يتفائلون بها في أسفارهم ، وابتداء أُمورهم ، وهي سهام كانت في الجاهليّة مكتوب على بعضها : « أمرني ربّي » ، وعلى بعضها « نهاني ربّي » ، وبعضها غفل لم يكتب عليه شيء ، فإذا أرادوا سفراً أو أمراً يهتمّون به ، ضربوا على تلك القداح ، فإن خرج السهم الذي عليه « أمرني ربّي » ، مضى الرجل في حاجته ، وإن خرج الذي عليه « نهاني ربّي » لميمض ، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعاد.

2 ـ روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين كيفيّة التقسيم بالأزلام بشكل آخر ، فقال :

إنّ الأزلام عشرة ، سبعة لها انصباء وثلاثة لا انصباء لها ، فالتي لها انصباء : الفذ ، التوأم ، المسبل ، النافس ، الحلس ، الرقيب ، المعلى. فالفذ له سهم ، والتوأم له سهمان ، والمسبل له ثلاثة أسهم ، والنافس له أربعة أسهم ، والحلس له خمسة أسهم ، والرقيب له ستّة أسهم ، والمعلى له سبعة أسهم.

والتي لا انصباء لها : السفيح والمنيح والوغد.

وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزّئونه أجزاء ، ثمّ يجتمعون عليه فيخرجون السهام ، ويدفعونه إلى رجل ، وثمن الجزور على من تخرج له « التي لا انصباء لها »

47

وهو القمار ، فحرّمه اللّه تعالى (1).

والتفسير الثاني أنسب لكون البحث في الآية عن اللحوم المحرّمة.

11 ـ النسي في الأشهر الحرم

لقد شاع في الألسن إنّ العرب لمّا كانوا أصحاب غارات وحروب وكان استمرار الحروب والغارات مانعاً عن إدارة شؤون المعاش ، عمدوا إلى تحريم القتال والحرب في الأشهر الأربعة المعروفة بالأشهر الحرم أعني : « رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرّم ».

والظاهر من بعض الآيات أنّ التحريم هذا كان مستنداً إلى تشريع سماوي ، كما هو المستفاد من قول اللّه تعالى :

( اِنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا اَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ انْفُسَكُمْ ) ( التوبة/36 ).

فإنّ قوله ( ذلِكَ الدَّينُ القيّم ) إشارة إلى أنّه جزء من الدّين ا لقيّم لا من طقوس العرب الجاهلي ، و لعلّه كان سنّة من سنن النبي إبراهيم ورثتها عنه العرب.

وعلى كلّ تقدير فقد كان العرب يتدخّلون في هذا التشريع الإلهي فيؤخّرون الحرمة من الشهر الحرام إلى بعض الأشهر غير المحرّمة.

وبعبارة اُخرى كانوا يؤخّرون الحرمة ، ولا يبطلونها برفعها من أساسها و أصلها حفاظاً على السنّة الموروثة عن أسلافهم عن النبي إبراهيم (عليه السلام) .

فمثلاً كانوا يؤخّرون تحريم محرّم إلى صفر ، فيحرّمون الحرب في صفر

____________

1 ـ مجمع البيان ج2 ص158 و ما أشبه التقسيم بالأزلام بالعمل المعروف في عصرنا بـ « اليانصيب الوطني ».

48

ويستحلّونها في محرّم فيمكثون على ذلك زماناً ثمّ يزول التحريم عن صفر ويعود إلى محرّم ، وهذا هو المعنى بالنسي ( أي التأخير ).

وكان الدافع وراء هذا النسي هو انّهم أصحاب حروب وغارات ، فكان يشقّ عليهم أن يمتنعوا عن القتال ثلاثة أشهر متوالية وهي : ذو القعدة وذو الحجة ومحرّم ، ولا يغزون فيها ، ولهذا كانوا يؤخّرون تحريم الحرب في محرّم إلى شهر صفر ، قال سبحانه :

( اِنّما النَّسِيءُ زيَادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُو عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ ) ( التوبة/37 ).

روى أهل السير أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في خطبة حجّة الوداع :

« ألا وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ، ذو القعدة وذو الحجّة ومحرّم ورجب مضربين جمادى وشعبان » (1).

والحديث يعرب عن شكل آخر للنسي غير ما ذكرناه فإنّ ما ذكرناه كان مختصاً بتأخير حكم الحرب من محرّم إلى صفر ، ولكن النسي المستفاد من الحديث على وجه آخر وهو انّ المشركين كانوا يحجّون في كل شهر عامين فحجّوا في ذي الحجة عامين ، وحجّوا في محرّم عامين ، ثمّ حجوا في صفر عامين ، وكذا في بقيّة الشهور اللاحقة حتّى إذا وافقت الحجّ التي قبل حجّة الوداع في ذي القعدة ثمّ حجّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في العام القادم حجّة الوداع ، فوافقت في ذي الحجة ، فعند ذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « ألا إنّ الزمان قداستدار كهيئته ».

____________

1 ـ مجمع البيان ج3 ص22.

49

12 ـ الربا ذلك الاستغلال الجائر

كان العرب الجاهليّون يرون البيع والربا متماثلين ، ويقولون : « إنّما البيع مثل الربا » فيضفون الشرعيّة على الربا كإضفائها على البيع ، ولكن شتّان ما بين البيع والربا ، فإنّ الثاني ينشر القسوة والخسارة ، ويورث البغض والعداوة ، ويفسد الأمن والاستقرار ، ويهيء النفوس للانتقام بأية وسيلة ممكنة ويدعو إلى الفرقة والاختلاف سواء كان الربا مأخوذاً من قبل الفرد أو مأخوذ من جانب الدولة.

وفي الثاني من المفاسد ما لا يخفى إذ أدنى ما يترتّب عليه تكديس الثروة العامّة ، وتراكمها في جانب ، وتفشّي الفقر والحرمان في الجانب الآخر ، وظهور الهوّة السحيقة بين المعسرين والموسيرين بما لا يسدّه شيء.

ولسنا هنا بصدد بيان هذه المفاسد والمساوئ ، لكن الهدف هو الإشارة إلى أنّ الربا كان من دعائم الاقتصاد الجاهلي ، والقرآن نزل يوبّخ العرب على ذلك بوجه لا مثيل له ، ويقول سبحانه :

( يَا اَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرَّبَا اِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ * فإنْ لَمْتَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ واِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ اَمْوالِكُمْ لاَ تَظلِمُونَ وَلاَتُظْلَمُونَ ) ( البقرة/278 و279 ).

ويقول سبحانه : ( الَّذينَ يأْكُلُونَ الرِّبا لاَ يَقُومُونَ إلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذي يَتخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلكَ بِانّهُمْ قَالُوا اِنّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) ( البقرة/275 ).

والآية تشبّه آكل الربا بالممسوس المجنون ، فكما أنّه لأجل اختلال قوّته المميّزة لا يفرّق بين الحسن والقبح ، والنافع والضار ، والخير والشر ، فهكذا حال المرابي عند أخذ الربا ، فلأجل ذلك عاد لا يفرّق بين الربا والبيع ، ويقول : « اِنّمَا البَيَعُ مِثْلُ الرِّبَا » مع أنّ الذي تدعو إليه الفطرة وتقوم عليه الحياة الإجتماعية للإنسان ، هو أن يعامل بمعاوضة ما عنده من المال الذي يستغني عنه ، بما عند غيره من المال الذي يحتاج إليه.

50

وأمّا إعطاء المال وأخذ ما يماثله بعينه ، مع زيادة فهذا شيء يخالف قضاء الفطرة وأساس المعيشة ، فإنّ ذلك يؤدِّي من جانب المرابي إلى إختلاس مال المدين ، وتجمّعه عند المرابي وهذا المال لا يزال ينمو ويزيد ، ولا ينمو إلاّ من مال الغير ، فهو في الانتقاص والانفصال من جانب ، وفي الزيادة والانضمام من جانب آخر ، ونتيجة ذلك هو ظهور الاختلاف الطبقي الهائل الذي يؤول إلى انقسام المجتمع إلى طبقتين : طبقة ثريّة تملك كل شيء ، وطبقة فقيرة تفقد كل شيء ، والأُولى تعاني من البطنة ، والثانية تتضرر من السغب.

خاتمة المطاف

ونختم البحث بما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره من أنّه قدم أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس ـ وهما من الخزرج ـ وكان بين الأوس والخزرج حرب قد بغوا فيها دهوراً طويلة ، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار ، وكان آخر حرب بينهم يوم بعاث ، وكانت الأوس على الخزرج ، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكّة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس ، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعُتبة بن ربيعة ، فنزل عليه فقال له : إنّه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناكم نطلب الحلف عليهم. فقال عتبة : بعدت دارنا عن داركم ولنا شغل لا نتفرّغ لشيء.

قال : وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم ؟

قال له عتبة : خرج فينا رجل يدّعي أنّه « رسول اللّه » سفَّه أحلامَنا وسبَّ آلهتنا ، وأفسد شبابنا ، وفرّق جماعتنا.

فقال له أسعد : من هو منكم ؟

قال : ابن عبد اللّه بن عبد المطلب من أوسطنا شرفاً وأعظمنا بيتاً.

وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بيينهم : النضير وقريظة وقينقاع ، إنّ هذا أوان نبيّ يخرج بمكّة يكون مهجره المدينة لنقتلنّكم به يا معشر العرب.

51

فلمّا سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود.

فقال : فأين هو ؟ قال : جالس في الحجر وإنّهم لا يخرجون من شعبهم إلاّ في الموسم فلا تسمع منه ولا تكلَّمه فإنّه ساحر يسحرك بكلامه ، وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب.

فقال له أسعد : فكيف أصنع وأنا معتمر ؟ لابدّ أن أطوف بالبيت ، فقال له : ضع في أُذنيك القطن.

فدخل أسعد المسجد وقد حشّى اُذنيه من القطن ، فطاف بالبيت ورسوله اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم فنظر إليه فجأة.

فلمّا كان الشوط الثاني قال في نفسه : ما أجد أجهل منّي أيكون مثل هذا الحديث بمكّة فلا أعرفه حتّى أرجع إلى قومي فأخبرهم ، ثمّ أخذ القطن من اُذنيه ورمى به ، وقال لرسول اللّه : « أنعم صباحاً » فرفع رسول اللّه رأسه إليه وقال : قد أبدلنا اللّه به ما هو أحسن من هذا ، تحيّة أهل الجنّة : السلام عليكم.

فقال أسعد : إنّ عهدي بهذا لقريب ، إلى ما تدعو يا محمّد ؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إلى شهادة اَن لاَ إلَه إلاّ اللّه وإنّي رسولُ اللّهِ وأدعوكم :

1 ـ أنْ لاَ تُشْركُوا بهِ شيئاً.

2 ـ وبِالوَالِدَينِ إحْسَاناً.

3 ـ وَلاَ تَقْتُلُوا أوْلاََدَكُمْ مِنْ اِمْلاَق نَحْنُ نَرْزقُكُمْ و َاِيّاهُمْ.

4 ـ وَلاَ تَقْربُوا الفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَما بَطَنَ.

5 ـ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّنفسَ ا لَّتي حَرَّمَ ا للّهُ إلاّ بالحَقِّ ذَلِكُمْ وصَّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ.

6 ـ وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاّ بِالَّتي هِيَ أحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ.

7 ـ وَاَوفُوا الكَيْلَ والمِيْزانَ بِالقِسْطِ.

52

8 ـ لانُكَلِّف نَفسْاً إلاّ وُسْعَهَا.

9 ـ وَإذا قُلْتُم فَاعْدِلُوا وَلوْ كَانَ ذَا قُرْبى.

10 ـ وَبِعَهْدِ اللّهِ أوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّروُنَ ( الأنعام/151و152 ).

فلمّا سمع أسعد هذا قال : أشهد أنْ لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وإنّك رسول اللّه ، يا رسول اللّه بأبي أنت وأُمّي ، أنا من أهل يثرب من الخزرج ، بيننا وبين إخواننا من الأوس حبال مقطوعة ، فإن وصلها اللّه بك ، فلا أحد أعزّ منك ، ومعي رجل من قومي فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن ينعم اللّه لنا أمرنا فيه ، واللّه يا رسول اللّه لقد كنّا نسمع من اليهود خبرك ، كانوا يبشّروننا بمخرجك ويخبروننا بصفتك وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك ، وعندنا مقامك ، فقد أعلمنا اليهود ذلك ، فالحمد للّه الذي سا قني إليك ، واللّه ما جئت إلاّ لنطلب الحلف على قومنا ، وقد آتانا اللّه بأفضل ممّا أتيت له .... (1).

إنّ هذا النص التاريخي يدفعنا إلى القول بأنّ رئيس الخزرج كان قد وقف على داء قومه العيّاء ، ودوائه الناجع ، وإنّ قومه لن يسعدوا أبداً بالتحالف مع هذا وذاك وشن الغارات وإن انتصروا على الأوس ، وإنّما يسعدون إذا رجعوا إلى مكارم الأخلاق ، وتحلّوا بفضائلها التي جاءت أُصولها في هاتين الآيتين اللتين تلاهما رسول ا للّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجر إسماعيل.

عرف وافد الخزرج على أنّ مجتمع يثرب ومن والاه قد أشرفوا على الدمار والإنهيار ، لأجل أنّهم غارقين في غمرات ا لشرك ، ووأد البنات ، واقتراف الفواحش ، وقتل النفس المحترمة ، وأكل مال اليتيم ، وبخس الأموال عند الكيل والتوزين ، وترك العدل والقسط في القول والعمل ، ونقض عهود اللّه إلى غير ذلك من الأعمال السيئة فلا يصلحهم إلاّ إذا خرجوا عن شراك هذه المهالك والموبقات.

____________

1 ـ أعلام الورى بأعلام الهدى ، ص57 ، و للقصة ذيل جدير بالمطالعة و قدأخذنا منها موضع الحاجة.