مفاهيم القران - ج8

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
394 /
3

كتاب كريم حبّره يراع الأُستاذ الفذ آية الله الشيخ محمد هادي « معرفة »

مؤلف كتاب « التمهيد في علوم القرآن » ننشره بإكبار وإجلال

التفسير الموضوعي

ضرورة رساليّة إسلاميّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.

أمّا بعد .. فممّا يبعث على اعتزاز هذه الأُمّة المرحومة اختصاصها بكتاب الله العزيز الحميد ، المضمون له السلامة والبقاء عبر القرون.

قال تعالى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (1). وقال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (2).

الأمر الّذي يستدعي خلود هذه الأُمّة بخلود كتابها المجيد .. حاملةً رسالةً إلهية إلى الأجيال عبر الأيّام والعصور ( وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (3).

إنّ هذه الأُمّة تحمل رسالة إلهيّة إلى العالمين ، وقد تضمّنها القرآن كلام رب العالمين. فكان على الأُمّة تبيينها والإيفاء بهذا الواجب بأداء ما عليها من وظيفة البلاغ والبيان ، كما كان على نبيّها الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) من واجب البلاغ والبيان ... قال

تعالى : ( وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (4) ، فقد كان عليه البيان والتفسير ، كما كان عليه البلاغ والإنذار والتبشير.

وهكذا الواجب على الأُمّة الوسطى أن تقوم بواجب البيان إلى جنب واجب البلاغ .. فيكون إلى جنب الدعوة إلى الإسلام ، تبيين أهدافه ومقاصده في إسعاد البشريّة .. والّتي تضمّنها القرآن ، الكلام الإلهي الخالد.

القرآن يحمل رسالة إلى الناس : ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلتي هِيَ أَقْوَمُ ) (5). فَعَلى نُبَهاء الأُمّة وعلماء الملة أن يبلّغوا هذا النداء الصارخ ، إلى الخافقين ، ويُسمعوهم ما يحتويه من أهداف عالية ومقاصد زاكية. لا بقراءة اللفظ وتلاوة الكلام فحسب ، بل بالشرح والتفصيل والتبيين والتفسير.

والتفسير على منهجين : ترتيبي ( حسب النظم القائم في القرآن ) وموضوعي ( حسب المسائل المطروحة في القرآن ) .. فأيّهما المطلوب بالذات ؟

لا شكّ أنّ الّذي تستدعيه طبيعة الدعوة ، والّذي يطلبه الإنسان الواعي ، الساعي وراء درك حقائق القرآن ، هي : دراسة ما في القرآن من مفاهيم ومعارف أتحف بها البشرية ، وآداب وتعاليم قدّمها للإنسان ، ليسعد بها ويتصاعد على مدارج الكمال.

إنّ البشرية الآن بحاجة ماسّة إلى الوقوف على ما في القرآن من معارف وأحكام ، وبانتظار ما يقدّمه علماء المسلمين إليهم من مسائل ومباحث أُصولية جاء بها القرآن كحقائق راهنة تُنير لها درب الحياة وتضيء للإنسان معالم السعادة وتؤمّن عليه كرامته في النشأتين.

إنّ الإنسان اليوم يتطلّع إلى معالم هذا الكتاب ، والمعارف الّتي احتضنتها هذه الرسالة الإلهية الخالدة ، الأمر الّذي استرعى انتباهه منذ حين ، ولا يهمّه أن يكون لفظه كذا أو تعبيره كذا ، إنّما يُهمّه أمر المحتوى وما تحتويه هذه الرسالة

____________

1 ـ فاطر : 32.

2 ـ الحجر : 9.

3 ـ البقرة : 143.

4 ـ النحل : 44.

5 ـ الإسراء : 9.

4

القرآنية ، من مسائل جسام.

إذن فواجب العلماء أن يلفتوا أنظار العالمَ المتحضّر إلى هذا الجانب من كتاب الله ، ويفرغوا ما بوسعهم في إبداء ما يحتضنه من مسائل ودلائل ومعارف وأحكام ، وهو جانب خطير من التفسير الأصيل نُعبّر عنه بالتفسير الموضوعي.

والتفسير الموضوعي لم يُبد وجهَه سلفاً في سوى مقطّعات كانت بصورة دراسات قرآنية ، غير مستوفاة ولا مستوعبة لكل مسائل القرآن دراسة موضوعية بحتة ، إنّما جاء الخلف ـ ولا سيما في القرن الأخير ـ ليستكملوا هذا الأمر ويستوفوا من شؤونه في عرض شامل.

وأفضل من وجدته قائماً بأعباء هذا الأمر الخطير ، مُشمّراً عن ساعد الجدّ ، في استيفاء تام ، وإحاطة علمية فائقة ، هو العلم العلاّمة والمحقّق الفهّامة ، زميلنا الأُستاذ الشيخ جعفر السبحاني ، فلا زالت معالم العلم بضياء نوره وهّاجة ، ودلائل التحقيق في ضوء دراساته فياضة.

فقد قام ـ ولله جدّ أمره ـ بدراسة مفاهيم القرآن والإفصاح عن معالمه ، والإبانة عن دلائله ومسائله المعروضة بشكل مستوعب ، وكانت عن جدارة علمية فائقة ، وعن صلاحية ذاتية لائقة ، قلّما يوجد مثيل دراساته القيمة ، ولدلائله الواضحة اللائحة.

وكنت منذ تعرّفت إلى جنابه وتشرّفت بمطالعة كتابه ، تشوّقت إلى الإزدياد من معرفة لباب تحقيقه والتشوّف إلى عباب فيض تنميقهو تنسيقه ، فما أحسنه من تأليف أنيق وما أكرم مؤلّفه من استاذ محقق واسع الآفاق.

والكتب والدفاتر الّتي تحمل عنوان « الدراسات القرآنية ـ التفسير الموضوعي » كثيرة جادت بها قرائح وقّادة من علماء معاصرين ، غير أنّ في غالبيتها خروجاً ـ بعض الشيء ـ عن اسلوب التفسير القرآني ، إلى شكل مقالات تبحث عن مسائل إسلامية عريقة ، كانت إحدى دلائلها آياتٌ من الذكر الحكيم ، الأمر

الّذي كان يبعدها عن واقع الدراسات القرآنية البحتة ، والّتي ترمي إلى فهم ما عرضه القرآن بالذات.

إنّ الدراسة القرآنية تستهدف وراء ما في القرآن من مسائل ودلائل عرضها للبشرية كودائع إلهيّة أورثها لعباده الذين اصطفى ، أمّا مجرّد الاستناد إلى آية أو آيات ، لغرض إثبات ما يرميه المقال ، فلا يمسّ هذا الجانب ، ولا يورثه هذا العنوان الزاهي.

ومن ثمّ ، فإنّ الّذي يمتاز به ، هذا المؤلَّف العظيم ، على يد هذا المؤلِّف الكريم ، هو جانب رعايته التامّة للحفاظ على كون الدراسة دراسة قرآنية ، بما يحمله هذا العنوان من جليل المعنى وفخيم المحتوى.

فقد ركّز المؤلّف الجليل دراساته ـ بشكل مستوعب ـ على أساس جمع الآيات المترابطة ، وضم بعضها إلى بعض ، ليرفع من إجمال كل بما في أُخرى من بيان وتفصيل ، وليكمل من قصور كل بما في الأُخرى من تمام وكمال ، ثمّ صبّها في قالب دراسة موضوعية شاملة ، حتّى إذا اكتمل البحث واستوفى هدفه ، أردفه بسائر الدلائل والمسائل تتميماً للفائدة ، وتكميلاً للعائدة.

والّذي يُلفت النظر في هذه الدراسات ، هو جانب دقّتها والأخذ بجانب الحيطة والحذر عن أن يكون تحميلاً على القرآن دون أن يكون تبييناً له ، الأمر الّذي ابتلي به غير واحد من المفسرين المتسرّعين ، والّذي تجنّبه بشدة هذا المؤلَّف ، في جميع مسائله ودلائله ، حسبما تعرّفت إلى أكثر مبانيه ولمست أغلب مراميه.

هذا ما يجعله فذّاً فريداً وعلماً وحيداً يهتدى به إلى معالم القرآن المجيد ، نفعنا الله به وبمؤلفه على ذمّة البقاء ، آمين.

محمد هادي معرفة

قم المقدسة

رجب الأصب 1420 هـ

5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي خلق الإنسان لغاية مُثلى ولم يخلقه عبثاً ولا سدى.

والصلاة والسلام على نبيّه محمد الذي فتح اللّه له من كنوز غيبه ، وعلى آله عيبة أسراره وحملة شرعه وحفظة سننه.

أمّا بعد ،

يوم الحشر و معاد الإنسان

لقد جُبل الإنسان على حب البقاء وكراهة الزوال و الفناء ، و هذا أمر مشهود عند كلّ إنسان حتى أنّ الّذي ينتحر فهو يعدم وجوده و بقاءه ، ولكنّه ـ في الحقيقة ـ يبغي من وراء ذلك ، الوصول إلى الراحة التامة ، لأنّ المشكلات والأزمات الحادّة ، قد ضيّقت عليه الخناق فحدت به إلى القيام بهذه العملية ، فهو بفعله هذا يدرأ خطر تلك الأزمات ليصل إلى عالم فسيح خال عنها.

وهذا الميل الفطري أوضح دليل على أنّ الموت ليس فناء للإنسان ، فلو كان الموت ملازماً لفنائه يلزم عبث ذلك الميل المشاهَد عند كل إنسان.

وصفوة القول انّ الموت عبارة عن الخروج من حياة ضيقة إلى حياة أُخرى واسعة.

6

هذا ما تقضي به الفطرة عند تحليلها ، بيد انّ الشرائع السماوية جاءت تفسر تلك الفطرة الإنسانية ، ببيان انّ الموت انتقال من دار إلى دار ، و من نشأة إلى نشأة أُخرى ، ولذلك أصبح الإيمان بالمعاد ركناً أساسياً في العقائد على وجه لو طرح ذلك الأصل ، لانهارت الشرائع قاطبة.

ولأجل تلك الأهمية ألقت بحوث المعاد بظلالها على القرآن الكريم و بلغت آيات المعاد 1400 آية أو أكثر من ذلك ، ولذلك قلما تجد سورة في القرآن الكريم ليس فيها دعوة إلى الإيمان بالمعاد بالتصريح أو بالإشارة ، ولو أخذنا تلك الآيات بنظر الاعتبار لتجاوز عددها أكثر ممّا ذكر.

فها نحن نخصّ هذا الجزء من كتاب مفاهيم القرآن بالبحث عن المعاد من منظار القرآن الكريم ، ضمن فصول :

7

الفصل الأوّل : أسماء القيامة في القرآن الكريم

إنّ الإيمان بالمعاد يشكِّل إجابة على أحد الأسئلة التي تراود الذهن الإنساني ، وهي عبارة :

1. من أين جِئتُ ؟ ، 2. لماذا جئتُ ؟ ، 3. إلى أين أذهب ؟

وكلّ إنسان ميّال بطبعه إلى الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة ، وقد عجزت المناهج البشرية عن الإجابة عليها فلم يجد الإنسان بغيته فيها ، فالإنسان في تلك المناهج ككتاب خطي سقط أوّله و آخره ، فإذا سألتها عن مبدأ الإنسان والغاية المنشودة من وراء خلقته ومصيره بعد الموت لاعترفت بالعجز عن الإجابة ، فكأنّه خلق لأن يعيش في هذه الدنيا كسائر الدواب يأكل و يشرب ثمّ يفنى.

وأمّا المناهج السماوية فقد أجابت عن تلك الأسئلة بأجوبة واضحة رصينة.

فتجيب عن السؤال الأوّل بقوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَة ). (1)

كما أنّها تجيب عن السؤال الثاني بأنّ من وراء خلق الإنسان غاية تعدّ كمالاً

____________

1 ـ الملك : 23.

8

له ، يقول سبحانه : ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُون ). (1)

كما أنّها تجيب عن السؤال الثالث بأنّ الحياة الدنيويّة قنطرة للحياة الأُخروية ، وليس الموت فناء للإنسان ، بل انتقال من نشأة إلى أُخرى ، تبتدأ بموته وتستمر بحياته البرزخية ثمّ الأُخروية حتى يبلغ مصيره في تلك النشأة.

ولأجل الإشارة إلى أنّ الحياة الأُخروية أكمل من الحياة الدنيوية ، سمّى بداية تلك النشأة بأسماء مختلفة ، وهي بين ما عبّر عنها بلفظ اليوم مضافاً أو موصوفاً ، بوصف من أوصاف ذلك اليوم ، أمّا الأوّل فكالتالي :

1. يوم القيامة ، 2. يوم الدين ، 3. يوم الآخر ، 4. يوم عظيم ، 5. يوم كبير ، 6. يوم محيط ، 7. يوم الحسرة ، 8. يوم عقيم ، 9. يوم عليم ، 10. يوم الوقت المعلوم ، 11. يوم الحق ، 12. يوم مشهود ، 13. يوم البعث ، 14. يوم الفصل ، 15. يوم الحساب ، 16. يوم التلاق ، 17. يوم الأزفة ، 18. يوم التناد ، 19. يوم الجمع ، 20. يوم الوعيد ، 21. يوم الخلود ، 22. يوم الخروج ، 23. يوم عسير ، 24. يوم التغابن ، 25. اليوم الموعود ، 26. يوماً عبوساً ، 27. يوم معلوم ، 28. يوم لا ريب فيه ، 29. يوم الفتح. (2)

فقد أُضيف اليوم في هذه الأسماء إلى شيء يومئ إلى حال من أحوال ذلك اليوم ، وأمّا الثاني أي تسميته بشيء من أوصافه ، وهي أيضاً كالتالي :

____________

1 ـ الذاريات : 56.

2 ـ « يوم الفتح » ( قُلْ يَوم الفَتْح لا يَنْفَعُ الَّذينَ كَفَرُوا ايمانَهُمْ وَلا هُمْ ينظرون ). ( السجدة : 29 ).

والمراد من الفتح هو الحكم بالثواب والعقاب يوم القيامة ، وكان المشركون يسمعون المسلمين يستفتحون باللّه عليهم ، فقالوا لهم : متى هذا الفتح ، أي متى هذا الحكم فينا ؟ فأُجيبوا بما في الآية ويؤيده قوله سبحانه : ( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبّنا ثُمَّ يفتَح بَيْننا بِالحَق وَهُوَ الفَتّاحُ العَليم ) ( سبأ : 26 ).

9

1. « الساعة » : ( يَسْأََلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها ). (1)

2. « الآزفة » : ( أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللّهِ كاشِفَة ). (2)

و « الازف » في اللغة بمعنى القرب ، و كأنّه يشير إلى أنّ الساعة قريبة وليست ببعيدة و إن كان الناس يتخيّلون خلافه.

3. « الحاقة » : ( الحاقَّةُ * مَا الْحاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحاقَّة ). (3)

والحاقّة مؤنث الحق يطلق على شيء حتمي الوقوع.

4. « القارعة » : ( القارِعَةُ * ما القارِعَةُ * و ما أَدْراكَ مَا القارِعَة ). (4)

والقرع بمعنى الضرب المبرح ، وكأنّ القيامة تهزّ القلوب هزاً شديداً.

5. « الطامة الكبرى » : ( فَإِذا جاءَتِ الطامَّةُ الكُبْرى ). (5)

الطامّة في اللغة بمعنى المصيبة ، وكأنّ المصيبة التي يواجهها الإنسان ذلك اليوم ، تُنسِي سائر المصائب التي مرّت به ، و لذلك وصفت بالكبرى.

6. « الواقعة » : ( إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَة ). (6)

والواقعة هي الحادثة ، والاسم كناية عن عظمها وهولها.

7. « الصاخّة » : ( فَإِذا جاءَتِ الصّاخَّة ). (7)

والصاخّة هي الصوت المرعب ، ولعلّها كناية عن نفخ الصور الذي سيوافيك تفصيله بإذن اللّه.

8. « الغاشية » : ( هَلْ أَتاكَ حَديثُ الْغاشِيَة ). (8)

____________

1 ـ الأعراف : 187.

2 ـ النجم : 57 ـ 58.

3 ـ الحاقة : 1 ـ 3.

4 ـ القارعة : 1 ـ 3.

5 ـ النازعات : 34.

6 ـ الواقعة : 1.

7 ـ عبس : 33.

8 ـ الغاشية : 1.

10

الغاشية هي المحيطة ، وكأنّ الحوادث المرعبة تحيط بجميع الناس.

9. « الآخرة » : ( وإنّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُون ). (1)

وسمّيت بالآخرة لأنّها متأخّرة عن الدنيا.

10. « الميعاد » : ( إِنَّ اللّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعاد ). (2)

وثمة آيات أُخرى تصف يوم القيامة وتذكر شيئاً من أحوالها وأهوالها ، قال سبحانه : ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْب سَلِيم ). (3)

وقال سبحانه : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوء ). (4)

و قال سبحانه : ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه ). (5)

ونظائر هذه الآيات كثيرة في الذكر الحكيم لم نذكرها في عداد أسماء يوم القيامة لأنّها بصدد التوصيف لا التسمية.

____________

1 ـ المؤمنون : 74.

2 ـ آل عمران : 9.

3 ـ الشعراء : 88 ـ 89.

4 ـ آل عمران : 30.

5 ـ آل عمران : 106.

11

الفصل الثاني : المعاد في الشرائع السماوية

الإيمان بالمعاد يَرسم هدفَ الخلقة ويبيّن حكمتها على نحو لو طرح الإيمان بالمعاد جانباً لأصبح الإيجاد بلا غاية والخلق عبثاً ، ولذلك ذهبت جماعة من منكري المعاد إلى أنّ خلق الإنسان أمر عبث كصانع الكوز يصنعها من طين و يطبخها ثمّ يَكسرها ، فحياة الإنسان كصنع الكوز ، وموته ككسرها ولهم في ذلك كلمات معروفة.

وأمّا الشرائع السماوية فقد فنّدت تلك الشبهة ودَحَضْتها بأنّ الغاية من الخلقة هي الحياة الأُخروية المستمرّة التي لا تتحقق إلاّ بالتجرّد عن المادة وآثارها ، قال سبحانه :

( أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وأَنّكُمْ إِلَيْنا لا تُرجَعُون ). (1)

وهذا النداء ليس هو نداء الإسلام فحسب ، بل نجد مضمونه في جميع الشرائع السماوية التي جاءت قبل الإسلام حتى في قصة آدم (عليه السلام) ، و لأجل الوقوف على أنّ العقيدة بالمعاد كانت ركناً أساسياً في جميع الشرائع السماوية نعكس ما ورد في الذكر الحكيم نقلاً عن لسان الأنبياء الماضين.

____________

1 ـ المؤمنون : 115.

12

1. آدم (عليه السلام) والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

عندما هبط آدم ( على نبيّنا وآله و (عليه السلام) ) البسيطةَ خُوطِب هو وذرّيتُه في الآيات التالية :

1. قال سبحانه : ( قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقرٌ وَمَتاعٌ إِلى حين ). (1)

وفي قوله : ( وَمتاعٌ إِلى حين ) إشارة إلى أنّ الإنسان يتمتع في البسيطة إلى أجل محدود ، و لعلّ الأجل المحدود كناية عن وقوع القيامة.

2. قال سبحانه : ( قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُون ). (2)

3. قال سبحانه : ( يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّار هُمْ فِيها خالِدُونَ ). (3)

وهذه الآيات الواردة في سورة الأعراف التي تحكي خطاباته سبحانه في بداية الخلقة تدلّ على أنّ الإيمان بالمعاد من البلاغات العامة التي بلّغها سبحانه إلى الناس كافة ، من قبل آدم (عليه السلام) إلى خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم).

والنبي آدم (عليه السلام) وإن لم يكن ذا شريعة ، ولكنّه كان نبيّاً مبعوثاً لدعوة الناس إلى الإيمان باللّه واليوم الآخر ، وقد تضمّنت الآيات تصريحاته سبحانه في ذلك المضمار إليه و إلى الناس أجمعين.

____________

1 ـ الأعراف : 24.

2 ـ الأعراف : 25.

3 ـ الأعراف : 35 ـ 36.

13

2. نوح (عليه السلام) والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

إنّ نوحاً (عليه السلام) شيخ الأنبياء أوّل من نزلت عليه الشريعة السماوية وتحمّل أعباءها ، وكان يذكّر الناس بالمعاد في خطاباته ودعواته ، يقول سبحانه حاكياً عنه :

1. ( وَاللّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ). (1)

2.و في آية أُخرى : ( رَبّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرينَ ). (2)

والآية الأُولى تصرّح بعود الإنسان إلى الحياة الأُخرى ، و في الآية الثانية إيماء إليها ، والمراد من خسرانه هو خسرانه يوم القيامة.

3. إبراهيم (عليه السلام) والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

جاءت الدعوة إلى الإيمان بالمعاد في خطابات إبراهيم (عليه السلام) أكثر ممّا جاءت في كلمات آدم و نوح (عليهما السلام) ، ويعلم ذلك من خلال سرد الآيات التي تحكي عن دعوته :

1. قال سبحانه : ( مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِر ). (3)

2. قال سبحانه : ( رَبَّنا اغْفِر لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِساب ). (4)

____________

1 ـ نوح : 17 ـ 18.

2 ـ هود : 47.

3 ـ البقرة : 126.

4 ـ إبراهيم : 41.

14

3. قال سبحانه : ( وَلا تُخزِني يَوْمَ يُبْعَثُون ). (1)

4. قال سبحانه : ( وَاشْكُروا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُون ). (2)

5. يقول سبحانه : ( وَإِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيي الْمَوتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعلَمُ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكيم ). (3)

وقد انفردت الآية الأخيرة بالاشارة إلى انّ دعوة إبراهيم إلى المعاد قد ارفقها بالدليل والبرهان بوحي من اللّه سبحانه ، دون أن نرى له أثراً في كلمات آدم ونوح (عليهما السلام).

4. موسى (عليه السلام) والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

الدعوة إلى الإيمان بالمعاد وإن كانت غير شائعة في التوراة ، ولعلّ يد التحريف حذفت ما يرجع إلى الإيمان بهذا اليوم ، ولكن القرآن الكريم يحفل بخطابات موسى (عليه السلام) التي تعبّر عن الدعوة إلى الإيمان بالمعاد بوفرة ، ونذكر منها ما يلي :

1. انّه سبحانه يندّد بقوم موسى ويخاطبه بقوله : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقّ ... ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلين * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الآخِرَة حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّما كانُوا يَعْمَلُونَ ). (4)

____________

1 ـ الشعراء : 87.

2 ـ العنكبوت : 17.

3 ـ البقرة : 260.

4 ـ الأعراف : 146 ـ 147.

15

2. يدعو موسى (عليه السلام) على آل فرعون بقوله : ( وَاشدُدْ عَلى قُلُوبِهِم فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الأَلِيم ). (1)

3. انّه (عليه السلام) يحتج على من يصف آياته بالسحر ، ويقول : ( وَقالَ مُوسى رَبّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالهُدى مَنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ). (2)

4. لما هدّد فرعون الملأ وقومه بقوله : ( إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ في الأَرْضِ الفساد ) أجابه موسى بقوله : (وَقالَ مُوسى إِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبّر لا يُؤْمِنُ بِيَومِ الحِساب ). (3)

5. إنّ مؤمن آل فرعون ـ الذي كان يُخفي إيمانه ويظهر كفره ـ كان يحتج على فرعون وملئه بالإيمان إلى المعاد كما في الآيات التالية : ( وَيا قَوْم إِنّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّناد ). (4)

وقال : ( وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ القَرار ). (5)

وقال : ( وَأَنَّ مَرَدّنا إلى اللّه ). (6)

وهذه الآيات تعرب عن أنّ الإيمان بالمعاد كان متفشياً في مصر ، و إنّ مؤمن آل فرعون كان يستدل به ليخفّف من وطأة جور فرعون على موسى (عليه السلام).

6. انّ بني إسرائيل كانوا ولم يزالوا أُمّة لجوجة عنيدة تُصيغ كلّ شيء غيبي في قالب الحس ، ولتلك الغاية خاطبوا موسى (عليه السلام) ، بقولهم : ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَة ) (7) كما أنّهم طلبوا رؤية إحياء الموتى بأُمّ أَعينهم ، وقد شاهدوها في

____________

1 ـ يونس : 88.

2 ـ القصص : 37.

3 ـ غافر : 27.

4 ـ غافر : 32.

5 ـ غافر : 39.

6 ـ غافر : 43.

7 ـ البقرة : 55.

16

البقرة التي حكاها سبحانه بقوله : ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارأتُمْ فِيها وَاللّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلَنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحيِي اللّهُ الْمَوتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ). (1)

وقد ورد في شأن نزولها : أنّه قُتل إنسان من دون أن يعلم قاتله ، فأمر سبحانه بذبح البقرة وضرب بعض المقتول ببعض البقرة ليحيا ويخبر عن قاتله ، وبذلك رأوا بأُمّ أعينهم إحياء الموتى.

5. المسيح (عليه السلام) والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

الإيمان بالمعاد والدعوة إليه كان مرّفقاً بلسان المسيح (عليه السلام) منذ ولادته إلى أن رفعه اللّه إليه :

1. يقول سبحانه حاكياً عنه : ( وَالسَّلامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدتُ وَيَومَ أَموتُ وَيَومَ أُبعَثُ حَيّاً ). (2)

2. وقال سبحانه : ( إِذْ قالَ اللّهُ يا عِيسَى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذينَ كَفَرُوا إِلى يَوْم القِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ). (3)

إلى غير ذلك من الآيات الواردة التي تعرب عن دعوة الأنبياء إلى الإيمان بالمعاد ، وفيما ذكرنا غنى وكفاية.

____________

1 ـ البقرة : 72 ـ 73.

2 ـ مريم : 33.

3 ـ آل عمران : 55.

17

المعاد في العهد العتيق

إنّ العهدين وإن عبث بهما الزمان و مع ذلك يوجد فيهما تصريحات وإيماءات إلى المعاد ، ففي العهد العتيق : الرب يميت و يحيي.(1)

تحيى أَمواتك يوم تقوم الجثث ، استيقظوا ترنَّموا ياسكان التراب. (2)

المعاد في العهد الجديد

على الرغم من قلة التصريح بالحياة الأُخروية في العهد العتيق نجد التصريح بها بوفرة في العهد الجديد في موارد كثيرة ، منها ما يلي :

1. « فانّ ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه ، وملائكته ، وحينئذ يجازي كلّ واحد حسب عمله ». (3)

2. « هكذا يكون في انقضاء العالم ، يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من بين الأبرار ، ويطرحونهم في أتون النار هناك يكون البكاء ، وصرير الاسنان ». (4)

3. « في ذلك اليوم جاء إليه حدقيون ، الذين يقولون ليس قيامه ، فسألوه * قائلين : يا معلم ، قال موسى ان مات أحد وليس له أولاد ، يتزوج أخوه بامرأته ، ويقيم نسلاً لأخيه * فكان عندنا سبعة اخوة وتزوج الأوّل ومات ، وإذ لم يكن له نسل ترك امرأته لأخيه ، وكذلك الثاني و الثالث إلى السبعة * وآخر الكل ماتت المرأة أيضاً * ففي القيامة لمن من السبعة تكون الزوجة فانّها كانت للجميع * فأجاب يسوع ، وقال لهم : تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة اللّه* لانّهم في

____________

1 ـ صموئيل الأوّل : الاصحاح الثاني : الجملة6 ، ط دار الكتاب المقدس.

2 ـ اشعيا : الاصحاح26 : الجملة 19 ، ط دار الكتاب المقدس.

3 ـ انجيل متى : الاصحاح16 : الجملة 27 ، ط دار الكتاب المقدس.

4 ـ انجيل متى : الاصحاح13 : الجملتان 49 و50 ، ط دار الكتاب المقدس.

18

القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة اللّه في السماء ». (1)

وهذا يعرب عن كون المعاد عند كاتب الإنجيل روحانياً محضاً ، لا جسمانياً وروحانياً كما عليه الذكر الحكيم.

4. « و إن أعثرتك رجلك ، فاقطعها ، خير لك أن تدخل الحياة أعرج ، من أن تكون لك رجلان وتطرح في جهنم في النار التي لا تطفأ * حيث دُوْدُهم لا يموت والنار لا تطفأ * وإن أعثرتك عينك فاقلعها خير لك أن تدخل ملكوت اللّه أعور من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار * حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ ». (2)

5. « وهذه مشيئة الأب الذي أرسلني ، انّ كلّ ما أعطاني لا أتلف منه شيئاً بل أقيمه في اليوم الأخير * لأنّ هذه هي مشيئته الذي أرسلني انّ كلّ من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير ». (3)

هذا ، وفي العهدين جمل أُخرى تصرح أو تشير إلى يوم القيامة ، وقد اقتصرنا على ما ذكرنا روماً للاختصار.

وثمة نكتة جديرة بالاشارة وهي عدم اهتمام اليهود ، والنصارى ، بالبعث ويوم القيامة و ما فيها من الحساب والجزاء ، وهذا هو الذي جرّأهم على اقتراف المعاصي ، والمجون ، و الانحلال من كلّ القيم الأخلاقية ، أعاذنا اللّه من ذلك.

____________

1 ـ انجيل متى : الاصحاح22 : الجملات 23 ـ 31 ، ط دارالكتاب المقدس.

2 ـ انجيل مرقس : الاصحاح9 : لاحظ الجملات 42 ـ 49 ، ط دار الكتاب المقدس.

3 ـ انجيل يوحنا : الاصحاح6 : الجملتان39 ـ 40 ، ط دار الكتاب المقدس.

19

الفصل الثالث : الدلائل الجلية على لزوم المعاد

يستدلّ القرآن الكريم على ضرورة إحياء الناس بعد موتهم ـ التي هي سنّة قطعية لا مناص عنها ـ بطرق مختلفة :

1. المعاد ، رمز الخلقة.

2. المعاد ، مظهر العدل الإلهي.

3. المعاد ، مجلى الوعد الإلهي.

4. المعاد ، مظهر رحمته الواسعة.

5. المعاد ، نهاية السير التكاملي للإنسان.

6. المعاد ، مظهر ربوبيته.

1. المعاد : رمز الخلقة

من الأسئلة المثارة عند كلّ إنسان هو السؤال عن أصل الخلقة وانّه لماذا خلق ، وماذا أُريد من خلقه ؟

والناس أمام هذا السؤال على صنفين :

فصنف يرى أنّ حظ الإنسان هو علّتان من العلل الأربع :

20

الف. العلّة المادية.

ب. العلة الصورية.

وكأنّ العالم بجزئياته وذراته تفاعلت فيما بينها وشكّلت صورة الإنسان ، وليس وراء هاتين العلتين علّة أُخرى ، فهم ينكرون العلة الفاعلية ( الخالق ) والعلّة الغائية ويقتصرون على العلّة المادية والصورية ، وبذلك أراحوا أنفسهم من عناء الإجابة ، بل أذعنوا بأنّه ليس وراء خلق الإنسان هدف ولا غاية.

وصنف آخر يرى أنّ وراء العلّتين الماضيتين ، علّتين أُخريين : أحدهما : العلّة الفاعلية ، والأُخرى : العلة الغائية ، والمراد من الأُولى ما يخرج المادة والصورة إلى الوجود ، كما أنّ المراد من الثانية الغرض المترتب على الفعل ، و حيث إنّ الفاعل موجود حكيم لا يفعل عبثاً دون غرض ، فلفعله غرض مترتب عليه ، وليس هو إلاّ العبور من قنطرة الدنيا إلى الآخرة وانتقاله إلى نشأة أُخرى يُعد غرضاً أسمى لفعله سبحانه.

وتدل على تلك الغاية طائفتان من الآيات :

الأُولى : ما تدل على أنّ إنكار المعاد يلازم العبث.

الثانية : ما تصف فعله سبحانه ( الإيجاد ) بالحق المطلق الذي لايدانيه الباطل ، وما هو كذلك يمتنع أن يكون عبثاً بلا غرض.

أمّا ما يدل على الطائفة الأُولى فلفيف من الآيات :

1. ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ). (1)

ولأجل انّ العبث لا يدبُّ إلى فعله ولا يتسرب إلى إيجاده ، يصفه بعد تلك الآية بالملك الحق ، ويقول : ( فَتَعالَى اللّهُ المَلِكُ الحَقُّ لاإِلهَ إِلاّهُوَ رَبُّ العَرْشِ

____________

1 ـ المؤمنون : 115.

21

الْكَرِيم ). (1)

2. ( وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ ). (2)

والآية تعرب عن أنّ نفي الغاية لخلق السماوات والأرض وما بينهما كان شعار الكافرين بل ربما أنكر البعضُ العلةَ الفاعلية ، قال سبحانه : ( وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاّالدَّهْر ). (3)

تجد انّهم كانوا ينسبون الإحياء والإماتة إلى الدهر والزمان.

3. ( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبين * ما خَلَقْناهُما إِلاّبِالحَقِّوَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ ميقاتُهُمْ أَجْمَعين ). (4)

وهذه الآية تصف فعله سبحانه بالحقّ ، وانّ الخلق كان فعلاً موصوفاً بالحقّ المحض ، وما هو كذلك يلازم الغرض ويفارق العبث وإلاّ لم يكن حقّاً مطلقاً.

4. ( عَمّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَبَأِ الْعَظيم * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ ). (5)

والمراد من النبأ العظيم هو يوم القيامة ، ويصفه بكونه نبأً قطعياً لا ريب فيه.

إنّه سبحانه يذكر في الآيات التالية النظام السائد في الكون ، و يقول : ( أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهاداً * وَالجِبالَ أَوتاداً * وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً * وَجَعَلْنا نَومَكُمْ سُباتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً * وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً * وَبَنَيْنا فَوقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً * وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَباتاً * وَجَنّات

____________

1 ـ المؤمنون : 116.

2 ـ ص : 27.

3 ـ الجاثية : 24.

4 ـ الدخان : 38 ـ 40.

5 ـ النبأ : 1 ـ 5.

22

أَلْفافاً ). (1)

ثمّ إنّه سبحانه يردف هذه الآيات بآيات القيامة التي يصفها بيوم الفصل ، ويقول : ( إِنَّ يَومَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ). (2)

والنظم المنطقي بين هذه الطوائف الثلاث من الآيات في سورة واحدة عجيب جداً ، ففي الطائفة الأُولى يذكر المعاد بما أنّه أمر مفروغ عنه.

وفي الطائفة الثانية يذكر شيئاً من النظام السائد في الكون.

وفي الطائفة الثالثة يذكر يوم القيامة مشعراً بأنّه لولا هذا اليوم لعاد خلق النظام السائد فيه أمراً عبثاً.

وبذلك تظهر الصلة بين الآيات.

وأمّا ما يدل على الطائفة الثانية ـ أعني : انّ الحقّ المطلق يلازم الهدف وليس هو إلاّ استمرار الحياة في النشأة الأُخرى ـ فلفيف من الآيات :

1. ( ذلِكَ بأَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ وأَنَّهُ يُحيِي الْمَوْتى وأَنّهُ عَلى كُلّ شَيْء قَدير ). (3)

ترى أنّه سبحانه يصف نفسه ب ـ ( هُوَ الحَقّ ) ويردفه بقوله : ( وانّه يحيي الموتى ) مشعراً بأنّ الحقّ المطلق لا ينفك عن إحياء الموتى لاستمرار الحياة وصون الفعل عن اللغوية.

وبعبارة أُخرى : انّ الموجود لا يوصف بكونه حقاً على الإطلاق إلاّ إذا كانت

____________

1 ـ النبأ : 6 ـ 16.

2 ـ النبأ : 17 ـ 18.

3 ـ الحج : 6.

23

ذاته و صفاته وفعله نزيهة عن النقص ، ولا يكون فعله كذلك إلاّ إذا كان مقروناً بالغاية.

ثمّ إنّه سبحانه يؤكد على كونه حقّاً مطلقاً ويقول : ( وَانّ السّاعَة آتِيَةٌ لا رَيْبَ فيها وَانّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور ). (1)

2. وعلى ذلك المنوال جرى كلامه سبحانه في الآية التالية :

( ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنّ اللّهَ هُوَ العَلِيُّ الْكَبِير ). (2)

فالذكر الحكيم يصفه بأنّه الحقّ وانّ ما يدعونه من دونه هو الباطل والحقّ المطلق ما يكون نزيهاً من النقص في ذاته ووصفه وفعله ، ولما كانت نزاهته في الأوّلين أمراً لا غبار عليه ، برهن على نزاهة فعله بالآية التالية وقال :

( وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنّ الإِنْسانَ لَكَفُور ). (3)

3. وربما يتفنّن القرآن فيذكر إحياء الموتى واستمرار الحياة أوّلاً ، ثمّ يذكر برهانه بأنّ وعد اللّه حقّ على خلاف ما مضى في الآيات السابقة ، ويقول :

( ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّكَنَفْس واحِدَة إِنّ اللّهَ سَميعٌ بَصير ). (4)

ثمّ يذكر في آية أُخرى قوله : ( ذلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وانّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الّباطِل وَانّ اللّهَ هُوَ العَلِيُّ الْكَبير ). (5)

ثمّ يعقبها قوله : ( يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبّكُمْ وَاخْشَوا يَوماً لا يجزي والِدٌ عَنْ وَلدِهِ وَلا مولُودٌ هوَ جاز عَنْ والِدِهِ شَيئاً إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا

____________

1 ـ الحج : 7.

2 ـ الحج : 62.

3 ـ الحج : 66.

4 ـ لقمان : 28.

5 ـ لقمان : 30.

24

يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ الغَرُور ). (1)

والإمعان في تلك الآيات يورث الإعجاب ، فهو يذكر بعث النفوس أوّلاً ، ثمّ يردفه في آية أُخرى بأنّه سبحانه هو الحقّ.

ثمّ يطرح في آية أُخرى مسألة الجزاء وانّه لا يجزي والد عن ولده ، ويصف وعد اللّه بالحقّ ، ففي كلا المقامين جاء المدّعى مرفقاً بالدليل ، فوصفه بالحقّ كوصف وعده به آية صحّة المدعى وانّه لا مناص من إحياء الموتى وإلاّ لعاد الحقّ المطلق حقّاً نسبياً.

وهذا النوع من الكلام من إنسان أُمّي لا يجيد القراءة والكتابة دليل على أنّ كتابه ليس وليد فكره ونتاج عقله ، بل هو وحي إلهي نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المنذرين.

ثمّ إنّ الذكر الحكيم يحثّ المؤمنين على التفكير في خلق السماوات والأرض واختلاف اللّيل والنَّهار وغيرها من الأنظمة السائدة في الكون حتّى يعلموا أنّ فعله سبحانه لم يكن باطلاً ولا عبثاً. قال سبحانه : ( إِنّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآيات لأُولي الأَلباب * الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّار ). (2)

وقد نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : « الدنيا مزرعة الآخرة ».

وكأنّ الإنسان يزرع في هذه الحياة الدنيا ويحصد ما زرعه في الآخرة ، وهو يشير إلى وجود الغاية لخلق الإنسان والعالم.

____________

1 ـ لقمان : 33.

2 ـ آل عمران : 190 ـ 191.

25

الإمام علي (عليه السلام) وهدف الخلقة

وقد نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب وكلمات تشير إلى سرّ الخلقة وهدفها وانّها لا تتحقق إلاّ بالبعث بعد الموت والنشأة بعد النشأة ، وها نحن نسرد بعض كلماته :

1. قال (عليه السلام) : « وإنّ الخلق لا مقصر لهم عن القيامة ، مُرقِلين في مضمارها إلى الغاية القصوى ». (1)

2. ويقول (عليه السلام) أيضاً في نفس تلك الخطبة : « قد شخصوا من مستقر الأجداث ، وصاروا إلى مصائر الغايات ». (2)

3. ويقول (عليه السلام) : « فانّ الغاية القيامة ، وكفى بذلك واعظاً لمن غفل ، و معتبراً لمن جهل ، وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الارماس ، وشدّة الإبلاس ، وهول المطلع ». (3)

4. وفي وصية كتبها لولده الإمام الحسن (عليه السلام) يقول : « واعلم يا بنيّ أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ، وأنّك في قلعة ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ». (4)

2. المعاد مظهر العدل الإلهي

القول بالعدل وانّه يلزم على اللّه سبحانه أن يتعامل مع عباده بالعدل ، من فروع القول بالتحسين والتقبيح العقليين. وقد ذهبت العدلية إلى أنّ العقل له

____________

1 ـ نهج البلاغة : الخطبة 156.

2 ـ نهج البلاغة : الخطبة 156.

3 ـ نهج البلاغة : قسم الخطب ، الخطبة 190.

4 ـ نهج البلاغة : قسم الرسائل ، الرسالة 31.

26

قابلية إدراك الفعل الحسن أو القبيح واقعاً ، فالموضوع لحكمه هو فعل الفاعل المختار وانّه ينقسم إلى حسن وقبيح.

وبذلك يظهر انّ حكمه على الموضوع بأحد الوصفين حكم عام يعمّ فعل الواجب والممكن دون مدخلية لوجود الفاعل وجوباً أو إمكاناً ، فالفعل بما هو صادر عن فاعل عالم مختار إمّا حسن يجب العمل به ، وإمّا قبيح يجب الاحتراز عنه. إلاّ أنّ اللّه سبحانه لا يقوم إلاّ بالفعل الحسن ، وبالتالي لا يتعامل مع عباده إلاّبالعدل ، يقول سبحانه :

( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولو العِلْمِ قائِماً بالقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّهُوَ الْعَزيزُ الحَكيم ). (1)

وقال سبحانه : ( إِنَّ اللّهَ لا يظلِمُ النّاسَ شَيْئاً ). (2)

بل هو لا يظلم ولا ينسب إليه الظلم أبداً ، قال سبحانه : ( وَما رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبِيد ). (3)

أي لا ينسب الظلم إليه ، نظير قول القائل في النيل من خصمه : « وليس بنبّال » أي لا صلة بينه و بين رمي النبل.

نعم ربما يقال بعجز العقل عن إدراك محاسن الأفعال ومساويها وبالتالي لا يمكن الوصول إليها إلاّ من خلال تنصيص الشرع. وقد أوضحنا وهن ذلك القول في بحوثنا الكلامية ، وذكرنا انّ لازمه عدم إمكان الحكم بالحسن والقبح مطلقاً لا عقلاً ولا شرعاً. (4)

____________

1 ـ آل عمران : 18.

2 ـ يونس : 44.

3 ـ فصلت : 46.

4 ـ لاحظ كشف المراد : 59 ، الفصل الثالث ، المسألة الأُولى في إثبات الحسن والقبح العقليين عند قول الماتن : « ولانتفائهما مطلقاً لو ثبت شرعاً ».

27

فخلاصة القول : إنّ فعله سبحانه يوصف بالعدل لا بالجور والظلم ، وعليه فمقتضى حكمته أن يتعامل مع العباد بالعدل.

هذا من جانب ، ومن جانب آخر انّ عباده أمام تكاليفه على صنفين ، مطيع وعاص ، فيتصور بادئ الأمر أربعة احتمالات :

الف. أن يُثيب الجميع.

ب. أن يُعاقب الجميع.

ج. أن يغض النظر عن إثابتهم أو عقابهم.

د. أن يثيب المطيع ويعاقب العاصي.

والاحتمالات الثلاثة الأُول من الوهن بمكان ، لأنّها تناقض العدل ، فالتسوية بين المطيع والعاصي سواء أكانت بإثابة الجميع أو عقابهم كذلك أو تركهم سدى يعد ظلماً وجوراً ، وهو أمر قبيح ، وفعله سبحانه نزيه عنه ، فيتعيّن الاحتمال الرابع.

وبتعبير آخر : انّ التسوية بين العباد سواء أكانت بشكل إثابة الجميع أو عقوبتهم أو تسويتهم إنّما يتجه إذا كان الجميع سالكاً طريقاً واحداً من سبيلي الإطاعة والعصيان ، فلو أطاع الجميع لكانت إثابتهم نفس العدل ، ولو عصوا لكانت عقوبتهم كذلك ، كما أنّ له سبحانه أن يتركهم سدى ، وأمّا إذا كانوا مطيعين فلأنّ الثواب تفضّل من اللّه سبحانه فله أن لا يتفضل وليس بحقّ عليه ، كما أنّ عقوبتهم حقّ فله أن يتغاضى عن حقّه.

إنّما الكلام فيما إذا كان العباد على صنفين بين مطيع وعاص ، فالتسوية في هذه الصورة سواء أكانت بصورة إثابة الجميع أو عقوبتهم ، أو تركهم سُدى ظلم قبيح على اللّه سبحانه ، فلا محيص عن التفريق بإثابة المطيع ومعاقبة العاصي.

28

وحيث إنّ الحياة الدنيا يتساوى في الانتفاع بنعمها المطيع والعاصي ، فلابدّ من يوم آخر يكون مجلى لعدله سبحانه ومظهراً له ، وليس هو إلاّ يوم القيامة.

يقول سبحانه : ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالْفُجّار ). (1)

ويقول أيضاً : ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ * مالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون ). (2)

ويقول أيضاً : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُون ). (3)

وهذه الآيات تثبت انّ التسوية بين المطيع والعاصي لا يليق بساحته سبحانه. وثمة آيات أُخرى تعيّن اليوم الذي يكون مظهراً لعدله.

1. يقول سبحانه : ( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيم وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُون ). (4)

2. ( يَوْمَ تُبدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا للّهِ الواحِدِ القَهّار * وَتَرَى الْمُجْرِمينَ يَومَئِذ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفادِ * سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِران وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ * لِيَجزيَ اللّهُ كُلَّ نَفْس ما كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِساب ). (5)

____________

1 ـ ص : 28.

2 ـ القلم : 35 ـ 36.

3 ـ الجاثية : 21.

4 ـ يونس : 4.

5 ـ إبراهيم : 48 ـ 51.

29

3. ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ... * لِيَجْزيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْز أَلِيم ). (1)

4. ( إِنّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُأُخفِيها لِتُجزى كُلُّ نَفس بِماتَسْعى ). (2)

5. ( يَومَئِذ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لَيُرَوا أَعمالَهُمْ ). (3)

وممّا يلفت النظر انّه سبحانه بعدما يطرح الحياة الأُخروية وقيام القيامة ، يعقبها بقوله : « لتجزى » أو « ليجزى » أو « ليروا » مشعراً بأنّ الهدف الإلهي من حشر الناس في ذلك اليوم هو إثابة المطيع ومعاقبة العاصي.

وأنت إذا قارنت هذه الطائفة من الآيات التي تصرّح بأنّ الهدف من الحشر هو الجزاء مع ما مضى في الطائفة الأُولى من الآيات تجد انّ التسوية لا تتماشى مع عدله وانّ الجزاء هو مقتضى العدل الإلهي.

ما ذكرناه هو المستفاد من الآيات الكريمة ، وثمة كلمات منقولة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وفيها إشارة إلى انّ يوم الجزاء مجلى لعدله سبحانه :

1. « وذلك يوم يجمع اللّه فيه الأوّلين والآخرين لنقاش الحساب وجزاء الأعمال ». (4)

2. « فجدّدهم بعد إخلاقهم ، وجمعهم بعد تفرّقهم ، ثم ميّزهم لما يريده من مسألتهم عن خفايا الأعمال وخبايا الأفعال وجعلهم فريقين : أنعم على هؤلاء وانتقم من هؤلاء ... ». (5)

____________

1 ـ سبأ : 3 ـ 5.

2 ـ طه : 15.

3 ـ الزلزلة : 6.

4 ـ نهج البلاغة : الخطبة102.

5 ـ نهج البلاغة : الخطبة109.

30

3. المعاد مجلى الوعد الإلهي

وعد سبحانه المطيعَ بالثواب والعاصيَ بالعقاب ، فله أن يغضَّ النظر عن عقاب العاصي لأنّه حقه ، ولكن ليس له غض النظر عن الوعد للفرق بين الوعد والوعيد.

أمّا الأوّل فيجب العمل به ويعدُّ خُلْفه قبيحاً ، بخلاف الوعيد فلا يعدُّ خُلفه إخلالاً بالعدل ، وقد صبّ الشاعر المفلق هذا المعنى في قالب شعريّ وقال :

وانّي إذا أوعدته أو وعدته * * * لمخلف ميعادي و منجز موعدي

وقال الآخر :

إذا وعد السّراء انجز وعده * * * وإن أوعد الضرّاء فالعفو مانع

وإن شئت قلت : الخلف في الوعد إسقاط لحقّ الغير. وإمساك عن أداء ما عليه من الحقّ ، وأمّا الوعيد فانّه إسقاط لحقّ نفسه ، والعقل يستقل بقبح الأوّل دون الثاني.

وعلى ضوء ذلك فله سبحانه أن يغضَّ النظر عن العاصي دون العمل بوعده للمطيع فلابدّمن يوم يكون مجلى لإنجاز وعده وإظهار عدله.

وهذا البرهان يمتاز عمّ ـ ا سبقه ، بأنّ السابق بصدد بيان انّ التسوية بين المطيع والعاصي أمر قبيح سواء أكان هناك وعداً ووعيداً أم لا ، ولذلك قلنا : إنّه لو كان الجميع مطيعين فلا يضرّ عدم الإثابة بعدله ، أو كانوا عاصين فلا يخلُّ العفو كذلك ، وإنّما المخل هو التسوية بين المطيع والعاصي.

وأمّا هذا البرهان ، فهو مبني على مقدمة شرعية وحكم عقلي.

31

أمّا المقدمة فقد أرشدنا القرآن إليها ، إذ وعد فيها المؤمنين كما أوعد الكافرين والمنافقين.

وأمّا الحكم العقلي فهو انّ غضّ النظر عن عقاب العاصي لا يخلُّ بالعدل ، ولكن الخلف بالوعد قبيح عند العقل.

وليس لإنجاز وعده وقت سوى حشر الناس بعد الموت.

وأمّا الآيات الواردة في هذا المضمار فهي على أصناف :

فصنف يدل على أنّ قيام القيامة وعد من اللّه سبحانه ، وصنف آخر يدل على أنّه ظرف لمجلى وعده ووعيده.

وصنف ثالث يدلّ على أنّ هذا الوعد قطعيّ الوقوع والتحقق ، وإليك البيان :

أمّا الصنف الأوّل فيدل عليه الآيتان التاليتان :

قال سبحانه : ( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْق نُعيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلين ). (1)

وقال سبحانه : ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَومَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ). (2)

وأمّا الصنف الثاني فقد وردت فيه الآيات التالية :

قال سبحانه : ( وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعيد * هذا ما تُوعَدُون ). (3)

وقال سبحانه : ( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لمَوعِدُهُمْ أَجْمَعين ). (4)

____________

1 ـ الأنبياء : 104.

2 ـ الزخرف : 83.

3 ـ ق : 31 ـ 32.

4 ـ الحجر : 43.

32

وقال سبحانه : ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزابِ فَالنّارُ مَوعِدُهُ ). (1)

وهناك صنف ثالث يدل على أنّ هذا الوعد قطعي الوقوع والتحقّق.

قال سبحانه : ( رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوم لا رَيْبَ فيهِ إِنَّ اللّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعاد ). (2)

وقال سبحانه : ( وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنِّكَ لا تُخْلِفُ الْميعاد ). (3)

ثمّ إنّ المتكلّمين استدلوا على لزوم المعاد بأمرين ، أشار إليهما المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد ، بقوله : « ووجوب إيفاء الوعد والحكمة تقتضي وجوب البعث ». (4)

ففي هذه العبارة إشارة إلى دليلين :

الأوّل : وجوب إيفاء الوعد ، وهذا هو الذي مرّ بيانه آنفاً.

الثاني : الحكمة ، ولعلّها إشارة إلى ما مرّ من أنّ الحشر هو رمز الخلقة.

4. المعاد مظهر رحمته الواسعة

يستفاد من بعض الآيات انّ حشر الناس يوم القيامة من مظاهر رحمته سبحانه وانّه التزم على نفسه أن ينظر إلى العباد بعين الرحمة ولذلك حشرهم يوم القيامة ، قال سبحانه :

( قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ قُلْ للّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ

____________

1 ـ هود : 17.

2 ـ آل عمران : 9.

3. آل عمران : 194.

4 ـ كشف المراد : المقصد السادس ، المسألة الرابعة.

33

لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فيه الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ). (1)

تجد انّه سبحانه يردف قوله : ( كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَة ) بقوله : ( لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ القِيامَة ) مشعراً بأنّ جمع الناس يوم القيامة من مظاهر رحمته.

وثمة سؤال وهو انّه كيف يكون حشر الناس من مظاهر رحمته مع أنّ الكفّار و المنافقين معذّبون في الدرك الأسفل من النّار ؟

والإجابة عنها واضحة.

إذ انّ الهدف من وراء البعث و النشور إيصال كلّ ممكن إلى كماله المطلوب ، ونيل الرحمة الإلهية وهو غاية طبيعية للحشر ، فلو تخلّف الكافر عن نيل ذلك الكمال والرحمة فلا يضرّ بالهدف المتوخّى من البعث.

وهذا نظير الامتحان ، فانّ الغاية منه إظهار ما في كنه الممتَحن من الكمال على نحو لولاه لما ظهر ، فمثلاً ابتلاء إبراهيم بذبح إسماعيل كان سبباً لظهور الكمالات الكامنة فيه كالاخلاص للّه.

وعلى ضوء هذا فانّ رسوب شخص لا يضرّ بالغاية المتوخاة منه ، مادام التقصير يعود إلى الراسب لا غير.

ونظيره المقام ، فالغرض من خلق الإنسان وبعثه شيء واحد ، وهو إيصاله إلى الكمال المطلوب ، فلو قصر الكافر فيكون هو المسؤول في ذلك المجال فحسب.

____________

1 ـ الأنعام : 12.

34

5. المعاد نهاية السير التكاملي للإنسان

قالت الحكماء : إنّ الحركة تتوقف على أُمور ستة :

1. المقولة ، أي ما يقع فيه الحركة كالكيف.

2. العلّة الفاعلية التي يعبر عنها بالمحرّك.

3. العلّة المادية التي تقبل الحركة.

4. الزمان أي مقدار الحركة.

5. المبدأ.

6. المنتهى ( العلّة الغائية ).

فهذه الأُمور ممّا لا تنفك عن الحركة ومنها الغاية التي تتحرك المقولة إليها وتسكن عندها ، و الإنسان منذ نشوئه في رحم أُمّه لم يزل متحركاً من صورة إلى صورة ومن حالة إلى حالة ، وتستمرّ الحركة معه حتى بعد ولادته فلا تزال تتوارد عليه الصور ، فلا ترى له قراراً وثباتاً مادام في عالم الطبيعة.

وحيث إنّ الغاية من لوازم الحركة فيجب أن تكون لحركة الإنسان غاية تُعد الكمال المطلوب لحركته ، وهذه الغاية غير متحققة في عالم الطبيعة بل في الآخرة ليصل المتحرك إلى كماله المطلوب.

وهذا البرهان الفلسفي يثبت وجود النشأة الأُخرى التي تعد غاية وهدفاً لحركة الإنسان من النقص إلى الكمال.

ويمكن استظهار ذلك البرهان من طوائف من الآيات :

1. الآيات التي تتكفل لبيان المراحل التي مرّت على خلقة الإنسان وانتهت إلى بعثه يوم القيامة.

35

قال سبحانه : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَونَا العِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأَناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنَ الْخالِقينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُون * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَة تُبْعَثُونَ ). (1)

فالمراحل التي مرّت على الإنسان منذ أن كان خلية في رحم أُمّه إلى أن صار بشراً سوياً تحكي عن عدم ثباته وقراره وحركته وتحوله المرافق لعدم تحقق الغاية وإنّما يستقر بانتقاله من هذه النشأة إلى نشأة أُخرى وبعثه يوم القيامة.

فالآيات الآنفة الذكر إلى قوله : ( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُون ) تُبيّن حركة الإنسان وتحوله المستمر ، وقوله : ( ثُمَّ إِنَّكُمْ ... ) تبيّن حصول الغاية التي تلازم قراره وثباته واستقراره.

2. الآيات التي تتكفّل لبيان خلق الإنسان من نطفة ثمّ يحكم عليه بالنشأة الأُخرى إيماء إلى ذلك البرهان ، قال سبحانه : ( وَأَنّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ وَالأُنْثى * مِنْ نُطْفَة إِذا تُمنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَشْأَةَ الأُخرى ). (2)

وكأنّ النشأة الأُخرى غاية لحركة الإنسان من الصورة المنوية إلى الصورة الإنسانية.

3. الآيات التي تصف يوم القيامة بأنّه المنتهى والمستقر والمساق والرجعى ودار القرار.

قال سبحانه : ( وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إِلاّ ما سَعى * وَانّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأَوفَى * وَانّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ).(3)

____________

1 ـ المؤمنون : 12 ـ 16.

2 ـ النجم : 45 ـ 47.

3 ـ النجم : 39 ـ 42.

36

وقال سبحانه : ( إِلى رَبّكَ يَومَئِذ الْمُسْتَقَر ). (1)

وقال سبحانه : ( إِلى رَبِّكَ يَومَئِذ الْمَساق ). (2)

وقال تعالى : ( إِنّ إِلى رَبّكَ الرُّجْعى ). (3)

وقال عزّ من قائل : ( إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنّ الآخرَةَ هِيَ دارُ الْقَرار ). (4)

وكأنّ وجود الإنسان في خِضمِّ بحر متلاطم تسوقه الأمواج العاتية من جانب إلى آخر فلم يزل في حركة وسيلان وتصرم حتى انتقاله إلى النشأة الأُخرى ، فعندئذ يصل إلى غايته المنشودة وتكون منتهى حركته واستقرار ذاته ووجوده ونهاية سيره إلى ربّه.

وفي كلمات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمحات إلى هذا البرهان لمن تأمل فيها وأمعن النظر ، قال : « وإنّ الخلق لا مقصر لهم عن القيامة ، مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى ». (5)

وقد اعتمد على ذلك البرهان صدرالمتألهين وقرره بوجه واضح وقال :

الآيات التي فيها ذكرت النطفة وأطوارها الكمالية وتقلّباتها من صورة أنقص إلى صورة أكمل ومن حال أدون إلى حال أعلى ، فالغرض من ذكرها إثبات انّ لهذه الأطوار والتحوّلات غاية أخيرة ، فللإنسان توجه طبيعي نحو الكمال ودين إلهي فطري في التقرب إلى المبدأ الفعال ، والكمال اللائق بحال الإنسان المخلوق

____________

1 ـ القيامة : 12.

2 ـ القيامة : 30.

3 ـ العلق : 8.

4 ـ غافر : 39.

5 ـ نهج البلاغة : الخطبة156.

37

أوّلاً من هذه المواد الطبيعية ، والأركان لا يوجد في هذا العالم الأدنى ، بل في عالم الآخرة التي إليها الرجعى وفيها الغاية والمنتهى ، فبالضرورة إذا استوفى الإنسان جميع المراتب الخلقية الواقعة في حدود حركته الجوهرية الفطرية من الجمادية والنباتية والحيوانية وبلغ أشدّه الصوري وتمّ وجوده الدنيوي الحيواني فلابدّ أن يتوجّه نحو النشأة الآخرة ، ويخرج من القوة إلى الفعل ، ومن الدنيا إلى الأُخرى ، ثمّ المولى وهو غاية الغايات منتهى الأشواق والحركات. (1)

6. المعاد ، مظهر ربوبيته

الربّ في اللغة بمعنى الصاحب ، يقال : « ربّ الدار » و « رب الضيعة » وشأن الرب هو تدبير المربوب وإيصاله إلى الكمال وصيانته عن الزوال كما هو حال صاحب الدار والضيعة ، وبذلك يعلم انّ الربوبية غير الخالقية ، فالثانية هي مرحلة الإيجاد والإنشاء ، وأمّا الأُولى فهي مرحلة المحافظة على المُنشأ وتربيته وسوقه إلى الكمال.

وحيث إنّ حقيقة الربوبية والمربوبية في الإنسان تتجلّى في كونه عبداً للّه تبارك وتعالى ، وشأن العبد هو الإطاعة بما أمر ونهى عنه والتجنّب عن معصيته ومخالفته ، ولا ينفك ذلك عن يوم يحاسب فيه العبد حتى يتجلّى مدى إطاعته وامتثاله ، ولذلك نرى أنّه سبحانه حينما يخبر عن لقاء الإنسان يوم القيامة يؤكد على ربوبيته ويقول : ( يا أَيُّهَا الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقيهِ ) (2)فكأنّ مقتضى الربوبية مثول العبد أمام اللّه تبارك وتعالى في يوم يحاسب فيجزى حسب ما عمل ، وقال سبحانه : ( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجبٌ قَولُهُمْ أإِذا كُنّا تُراباً أءِنّا لَفِي

____________

1 ـ الأسفار : 9/159.

2 ـ الانشقاق : 6.

38

خَلْق جَدِيد أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ). (1)

فكأنّ منكر المعاد يكفر بربوبية اللّه تبارك و تعالى ولو أذعن بها لما أنكر المعاد ، إذ هو اليوم الذي يحشر فيه جميع العباد للسؤال بمقتضى الربوبية.

الدوافع والشبهات لإنكار المعاد

إنّ الإيمان بالمعاد كالتوحيد أصلان لا ينفكان ، وقد أُمر الأنبياء بتبليغهما وتعليمهما للناس ليؤمنوا بأنّ الربَّ واحد وانّ اللّه يبعث من في القبور.

وقد كان الإيمان بالمعاد شديد الوقع على أكثر الناس في العهود السابقة لا سيما في العهد النبوي فراحوا ينكرونه بشدة ، ودفعهم إلى ذلك أمران :

الأمر الأوّل : الدوافع النفسية التي تدفعهم إلى إنكار المعاد وعدم قبوله.

الأمر الثاني : الشبهات الطارئة على أذهانهم.

وقد ذكر القرآن شيئاً من الدوافع والشبهات ، فها نحن نستعرض الدوافع أوّلاً ، ثمّ نعقبه ببيان الشبهات :

الدوافع النفسية لإنكار المعاد

إنّ الإيمان بيوم الحساب وانّ الإنسان سيجزى بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، يفرض بحسب طبيعته ، قيوداً وحدوداً لا ينبغي تجاوزها هذا من جانب ، ومن جانب آخر فالإنسان بطبعه ميّال إلى الدعة والراحة و إرضاء الغرائز الحيوانية بأي أُسلوب أمكن ، وهذان الأمران لا يجتمعان ولذلك وقفوا أمام دعوة الأنبياء بإنكار المعاد ، وقد أُشير إلى ذلك في القرآن الكريم ، قال سبحانه :

____________

1 ـ الرعد : 5.

39

( أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ). (1)

ففي هذه الآية يذكر القرآن الشبهة الطارئة على أذهانهم ويجيب عنها كما يأتي ، ولكنّه سبحانه يتعرض بعد هاتين الآيتين إلى الدافع الحقيقي من وراء إنكار المعاد ، وهو انّ الإنسان يريد أن يتحرّر عن كلّ قيد وحاجز ، والإيمان بالمعاد يكبّله بالقيود ، يقول سبحانه :

( بَلْ يُرِيدُالإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْأَلُ أَيّانَ يَومُ القِيامَة ). (2)

فالفجر في اللغة بمعنى الشق ، فكأنّ الإنسان العاصي يريد أن يشقَّ القيود والحدود ويرفع الموانع أمام غرائزه الجامحة ويكون إنساناً متحرراً عن كلّ التزام وشرط.

الدوافع السياسية لإنكار المعاد

وهناك دافع آخر ، وهو انّ المنكرين كانوا أصحاب قدرة ونفوذ وكبر ونخوة ، والعقيدة بالمعاد تنازع سلطتهم وتحدّمن نفوذهم ، وهؤلاء هم الذين يعبّر عنهم القرآن الكريم بالملأ ، يقول سبحانه :

( وَقالَ المَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّبَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأَكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلُكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُون * أَيَعِدُكُمْ أَنّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً

____________

1 ـ القيامة : 3 ـ 4.

2 ـ القيامة : 5 ـ 6.

40

وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّحَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثين * إِنْ هُوَ إِلاّرَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤمِنينَ ). (1)

إنّ الإمعان في هذه الآيات يثبت انّ المنكرين للمعاد كانوا من الأشراف والأعيان الذين يعبّر عنهم القرآن بالملأ ، وكانوا ينكرون المعاد لدافعين :

الأوّل : الدافع النفسي ، وهو الترف و الرفاه كما يعرّفهم قوله سبحانه : ( وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ) ومن الواضح انّ الإيمان بالمعاد يحدَّ من ترفهم ويضع قيوداً لروحهم ورواحهم.

الثاني : الدافع السياسي ، وهو توطيد سلطانهم وحفظ نفوذهم فراحوا يخاطبون من يخضع لسياستهم ونفوذهم بالقول (أَيَعِدكُمْ أَنّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُون ).

ويشير في آية أُخرى إلى أنّ ما يطرحه هؤلاء من الشبهات تعد واجهة لما يكنّون من الدوافع ، وهو تكذيب الأنبياء ، ولولا التكذيب لخضعوا للحق ، يقول سبحانه :

( أإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رجْعٌ بَعيد * قَدْ عَلِمنا ما تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ في أَمْر مَريج ). (2)

فالآية تطرح شبهاتهم في صدرها ( وسيوافيك بيانها ) ولكن تعود وتؤكد على أنّ الدافع الحقيقي شيء آخر وهو ( بَلْ كَذّبوا بِالحقّ لمّاجاءَهم ).

وقد تكرّر ذلك في آية أُخرى ، قال سبحانه : ( وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرضِ

____________

1 ـ المؤمنون : 33 ـ 38.

2 ـ ق : 3 ـ 5.

41

أءِنّا لَفِي خَلْق جَديد بَلْ هُمْ بِلقاءِ رَبِّهِمْ كافِرونَ * قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ المَوتِ الَّذي وُكّل بِكُمْ ). (1)

والآيتان تتعرضان لأُمور ثلاثة :

الأوّل : الشبهة العالقة في أذهانهم ، وهو قوله : ( أإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْض ... ).

الثاني : الجواب عن الشبهة ، أعني قوله : ( قُلْ يَتَوَفّاكُمْ ) وسيوافيك بيانها في البحث التالي.

الثالث : بيان الدافع الحقيقي للإنكار ، وانّه ليس هو الشبهة كما يدّعون ، بل الدافع هو انّهم كفروا بلقاء اللّه وأنكروه.

إلى هنا تبيّنت الحوافز التي كانت تدفعهم إلى إنكار المعاد.

نعم كانت لهم شبهات عقيمة طرأت على عقولهم وأذهانهم حالت دون الإيمان بالمعاد ، وهذا ما سنقوم باستعراضه في البحث التالي :

الشبهات حول المعاد

قد تعرض الذكر الحكيم إلى شبهاتهم في آيات عديدة ، ونحن نذكر منها ما يربو على عشر شبهات على وجه الإيجاز.

1. لا دليل على المعاد

كان المنكرون للمعاد يتظاهرون بعدم توفر الدليل عليه ، يقول سبحانه :

( وَإِذا قيلَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فيها قُلْتُم ما نَدْرِي ما السّاعَةُ

____________

1 ـ السجدة : 10 ـ 11.

42

إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنّاً وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنينَ ). (1)

فقوله : ( وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنين ) أي ليس هناك دليل يجرنا إلى الإذعان به وإلاّاتّبعناه ، ونظيره قوله سبحانه : ( فَإِنْ تَعْجَب فَعَجَبٌ قَولُهُم أإِذا كُنّا تُراباً أءِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد ). (2)

فانّ الاستفهام الإنكاري الذي يتضمنه قوله : ( أإِذا كُنّا تُراباً ) يحكي عن أنّ المعاد أمر مبهم لا يمكن الإذعان به.

2. الإيمان بالمعاد أُسطورة

كان المنكرون للمعاد يعتقدون انّه أُسطورة تاريخية حيكت في القرون الغابرة وليس أمراً جديداً ، يقول سبحانه حاكياً عنهم : ( لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِن هذا إِلاّ أَساطِيرُ الأَوّلِين ). (3)

ولم يكن المعاد نسيجَ وحده في ذلك الاتهام المزعوم بل شاركه الدين ومعارفه ، يقول سبحانه ، حاكياً عنهم : ( وَقالُوا أَساطِيرُ الأَوّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ). (4)

وكأنّهم ماعقلوا انّ التجدّد ليس آية الحقّ ولا التقدم آية البطلان ، والحقائق تابعة لبراهينها.

3. الدعوة إلى المعاد : افتراء على اللّه

كانت ثلة من الناس تزعم انّ الدعوة إلى المعاد افتراء على اللّه و الداعي إليه إمّا كاذب عمداً أو مجنون لا اعتبار بقوله ، قال سبحانه : ( وَقالَ الَّذِينَ

____________

1 ـ الجاثية : 32.

2 ـ الرعد : 5.

3. المؤمنون : 83.

4 ـ الفرقان : 5.

43

كَفَرُوا هَل نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد * أَفْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّة ). (1)

فالآية تتضمن شبهتين : إحداهما : امتناع إعادة البدن البالي ، وثانيتهما : انّ القائل به إمّا كاذب أو مجنون ، وهذا التردّد منهم نابع من الخدعة والمكر وإخفاء الحقيقة ، وربما يكون في وصفه بالكذب فقط إثارة لتعصّب الآخرين.

4. الدعوة إلى المعاد : وإحياء الآباء

وربما تمسك البعض بشبهة عجيبة وهي انّ الداعي إلى المعاد لو كان صادقاً فليأت بآبائنا حتى نرى رجوعهم إلى الحياة بأُمّ أعيننا ، ونذعن بأنّه سبحانه يقدر على إحيائنا يوم القيامة ، قال سبحانه : ( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيّنات ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّأن قَالُوا ائتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِين ). (2) ولقد وقعت تلك الشبهة ذريعة لإنكار المعاد.

فلو قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإحياء أقارب الكافرين لجاءته الطلبات تترى عليه من كلّ حدب وصوب وهو أمر غير معقول ، وإلاّ لعلّق كلّ إنسان إيمانه بالمعاد بإحياء شخص من ذويه.

5. الدعوة إلى المعاد : دعوة ساحرة

وقد اتّهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه يتشبّث بالسحر والشعبذة في دعوته إلى المعاد ، قال سبحانه : ( وَلَئِنْ قُلتَ انّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِين ). (3)

____________

1 ـ سبأ : 7و8.

2 ـ الجاثية : 25.

3. هود : 7.

44

كما ونسبت سائر معجزاته إلى السحر والشعبذة ، قال سبحانه : ( وَإِذا رَأَوا آيةً يَسْتَسْخِرونَ * وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّسِحْرٌ مُبين ).(1)

6. الدعوة إلى المعاد خارجة عن نطاق القدرة

كان بعض الناس يتصورون انّ إحياء الموتى أمر محال ، وقد انعكس ذلك في الآية التالية : ( وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِي العِظامَوَهِيَ رَمِيم ) (2).وسيوافيك أجوبة تلك الشبهة.

7. إحياء الأموات أمر عسير

لقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الاعتراض وأجاب عليه سبحانه : ( إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير ). (3) وقال سبحانه : ( ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسير ) (4) ، وقال عزّمن قائل : ( وَذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير ). (5) بل انّه سبحانه يصور الإحياء بعد الإماتة من السهولة بمكان أنّه قادر عليه في زمن أدنى من لمح البصر ، قال سبحانه : ( وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَب ) (6) وفي آية أُخرى يصف المعاد بأنّه أهون من الإبداع ، قال سبحانه : ( وَهُوَ الَّذي يَبدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ) (7).

نعم وصف الإعادة بالأهونية بالنسبة إلى الإبداع إنّما هو من منظار فكر البشر ، لأنّ الإبداع خلق بلا مادة متقدمة بخلاف الإعادة فانّه تصوير لمادة

____________

1 ـ الصافات : 14 ـ 15.

2 ـ يس : 78.

3 ـ العنكبوت : 19.

4 ـ ق : 44.

5 ـ التغابن : 7.

6 ـ النحل : 77.

7. الروم : 27.

45

موجودة والثاني أهون عند البشر من الأوّل ، وأمّا بالنسبة إليه سبحانه فالجميع على حدّ سواء.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « وما الجليل واللطيف ، والثقيل والخفيف ، والقوي والضعيف في خلقه إلاّ سواء ». (1)

8. الموت فناء للإنسان

كان الناس في عصر الرسالة يتصوّرون انّ الموت فناء للإنسان وانحلال له ، فكيف يمكن إعادته ويحكيه سبحانه عنهم بقوله : (وَقالُوا أإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ أءِنّا لَفِي خَلْق جَديد ). (2) وسيوافيك الإجابة عنها في الفصل التالي.

9. فقدان الصلة بين الدنيا والآخرة

إنّ الإنسان إذا مات فقد عُدِم ولم يبق من إنسانيته شيء ، فإذا أحياه اللّه سبحانه ثانية ـ على سبيل الفرض ـ فلم يكن هناك صلة بين الحياتين ، وهذه الشبهة أجاب عنها الذكر الحكيم ، بقوله : ( قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون )(3) وحاصل الآية انّ الصلة بين الحياتين ، والتي على ضوئها يحكم بأنّ المعاد نفس المبتدى ، عبارة عن النفس الخالدة التي بها تتجلى شخصية كلّ إنسان في كلتا النشأتين.

ولما كانت النفس في المبتدى والمعاد واحدة يحكم على الثانية بأنّها نفس الأُولى ، وسيوافيك تفصيله.

____________

1 ـ نهج البلاغة : الخطبة 185.

2 ـ السجدة : 10.

3 ـ السجدة : 11.

46

10. الدعوة إلى المعاد والأجزاء المبعثرة المختلطة

إنّ الموت عبارة عن اندثار أجزاء البدن واختلاط ذراته ، فكيف يمكن حشر جميع الناس وقد امتزجت ذرات أبدانهم الرميمة بعضها مع بعض في الدنيا ؟ وقد أشار الذكر الحكيم إلى تلك الشبهة وجوابها وقال : ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتاب مُبِين ). (1)والشبهة وإن لم تكن مذكورة صريحة لكن التأكيد على علمه سبحانه بالغيب وعدم عزوب مثقال ذرة عنه يوضح لنا حقيقة الشبهة ، لذلك نرى انّه سبحانه يؤكد في آية أُخرى على علمه بكلّ شيء ، قال سبحانه : ( وَضَرَبَ لَنا مَثلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيي الْعِظامَ وَهِيَ رَميم * قُلْ يُحْييها الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيم ). (2) والإمعان في الآية يرشدنا إلى أنّ شبهتهم تدور حول محورين :

الأوّل : امتناع تعلّق القدرة بإحياء العظام الرميمة.

الثاني : عدم إمكان تشخيص الأجزاء المتفرقة.

واللّه سبحانه يجيب عن الشبهة الثانية في الآية نفسها بقوله : ( وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيم ).

إلى هنا تمّ بيان الدوافع النفسية والسياسية والشبهات التي طرحوها والتي كانت تصدّهم عن الإيمان بالمعاد ، فلنأت بملخص شبهاتهم التي مرت عليك :

1. لا دليل على المعاد ، 2. الإيمان به أُسطورة ، 3. الدعوة إلى المعاد افتراء

____________

1 ـ سبأ : 3.

2 ـ يس : 78 ـ 79.

47

على اللّه ، 4. المعاد و إحياء الآباء ، 5. الدعوة إلى المعاد : دعوة ساحرة ، 6. المعاد : خارج عن نطاق القدرة ، 7. المعاد أمر عسير ، 8. الموت فناء مطلق فلا يبقى موضوع للإعادة ، 9. فقدان الصلة بين الدنيا والآخرة ، 10. المعاد : والأجزاء المبعثرة المختلطة.

48

الفصل الرابع : نقد الشبهات الواردة حول المعاد

قد تعرفت على الشبهات التي ساورت الكافرين حول الدعوة النبوية إلى المعاد ، وقد ناف عددها على عشر شبهات ، وأكثرها سخيفة لا تستحق الإجابة ، إنّما المهم منها هي الشبهات التالية :

الشبهة الأُولى : المعاد فوق نطاق القدرة.

الشبهة الثانية : المعاد والعظام البالية.

الشبهة الثالثة : المعاد والعلم الإلهي.

الشبهة الرابعة : الصلة بين الحياتين : الدنيوية والأُخروية.

الشبهة الأُولى : المعاد فوق نطاق القدرة

ذهب المنكرون للمعاد إلى أنّ إحياء الموتى أمر غير ممكن إمّا ذاتاً أو وقوعاً ، والفرق بينهما واضح. ففي الأوّل يكفي تصوّر الموضوع في الحكم على الامتناع ، كما هو الحال في الحكم باجتماع النقيضين أو الضدين.

وأمّا الثاني : فلا يكفي تصور الموضوع بالحكم عليه بالامتناع إلاّ أنّه ربما يمتنع لأجل عارض خارجي طرأ على ماهية الموضوع ، مثل امتناع تمييز الأجزاء

49

فلم يكن الإحياء في حدّنفسه محالاً وإنّما استحالته لأجل اختلاط ذرات الأبدان البالية بعضها ببعض.

وقد أجاب سبحانه عن تلك الشبهة بأجوبة مختلفة قالعة للشك ، وإليك بيانها :

1. سعة قدرته سبحانه

إنّ المنكر للبعث والنشور يتخذ قدرة الإنسان المحدودة مقياساً للجواز والامتناع ، مع أنّ المقياس في المعجزات والكرامات والأُمور الخارقة للعادة هو قدرته سبحانه الواسعة ، فلو كان المنكرون يقدرون اللّه تعالى حقّ قدره ويعرفون شأنه لما أنكروا إعادة المعاد ، قال سبحانه : ( وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضتُهُ يَوْمَ القِيامَة وَالسَّماواتُ مَطويّاتٌ بيَمينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاّمَنْ شاءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ ينظُرونَ ). (1)

والمراد من القدر في الآية هو الشأن أي ما عرفوا شأنه وكماله ، ومن شؤون معرفته سبحانه هو معرفة قدرته.

وبما انّ البرهان على إمكان المعاد هو سعة قدرته ، نرى أنّه سبحانه يذكر المعاد ويردفه بسعة القدرة إمّا متقدماً عليه كما في الآيتين الماضيتين ، فقد ذكر سعة قدرته ثمّ أردفه بالنفخ في الصور ، أو متأخراً عنه ، قال سبحانه : ( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِير ). (2) وقال سبحانه : ( إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِير ). (3)

____________

1 ـ الزمر : 67 ـ 68.

2 ـ البقرة : 148.

3 ـ هود : 4.

50

ففي هاتين الآيتين يذكر المدعى ثمّ يأت بدليله ، وهو قدرته على كلّ شيء ، وحيث إنّ إحياء الموتى أمر ممكن بالذات وليس محالاً فسعة قدرته شاملة لهذا المورد أيضاً.

2. البعث وخلق السماوات والأرض

إنّ الذي يبعث الموتى هو خالق السماوات والأرض ، فالقادر على الثاني أولى بأن يكون قادراً على الأوّل فخلق السماوات والأرض أكبر من خلقهنّ ، قال سبحانه : ( أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيم ) (1) بناء على انّ الضمير في ( مثلهم ) يرجع إلى خلق الإنسان واحيائه ، وقال سبحانه : ( أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادر عَلى أَنْ يُحيي المَوتى ) (2). (3)

وأساس الاستدلال في الثاني غيره في الأوّل ، فقد اعتمد سبحانه في الدليل الأوّل على سعة قدرته ، وفي الثاني استدل بالخلق الأشد والأعظم على إمكان خلق غيره قياساً أولوياً.

3. قياس المعاد بالمبدأ

إنّ من الدلائل الواضحة على إمكان الشيء وقوعه ، هذا من جانب و من جانب آخر حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد ، فهاتان القاعدتان تدلان على إمكان المعاد ، فإذا كان خلق الإنسان بدءاً أمراً ممكناً ، فهذا يدل

____________

1 ـ يس : 81.

2 ـ الأحقاف : 33.

3 ـ لاحظ سورة الإسراء : 69.

51

على أنّ ماهية الإنسان ممكنة وإلاّ لما وجد فرد واحد منه ، فإذا كان الفرد الأوّل ممكناً فالفرد الثاني والثالث وجميع الأمثال ، يسودها حكم واحد ، فاللّه سبحانه هو المبدئ وهو المعيد ، فليس الخلق الجديد أشد من الخلق القديم ، وإلى ذلك البرهان يشير قوله سبحانه : ( وَقالُوا أإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاًأءِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلقاً جَديداً ) إلى أن قال : ( فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة). (1)

ويقول عزّ من قائل : ( أَيَحْسبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيّ يُمنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسوّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ وَالأُنْثى * أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِر عَلى أَنْ يُحيِيَ الْمَوتى ) (2) ترى أنّه سبحانه يشرح خلق الإنسان والمراحل التي مرّ بها إلى أن يخرج بقوله : ( فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوجين الذَّكر والأُنْثى ) ثمّ يعقبه بقوله : ( أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِر عَلى أَنْ يُحيي الْمَوتى ) فيجعل خلق الإنسان بدءاً ، دليلاً على إمكان معاده.

إلى هنا تمت أجوبة الشبهة الأُولى وهي امتناع الإحياء ، وثبت جوازه بوجوه ثلاثة اقتبسناها من الذكر الحكيم.

الشبهة الثانية : المعاد والعظام البالية

كان المنكرون يؤكِّدون على العظام البالية وانّه كيف يمكن إحياؤها ؟ ويعبِّرون عنها بتعابير مختلفة ، فتارة يقولون : ( مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيم ) (3) ، وأُخرى : ( أإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أءِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلقاً جَديداً ) (4)

____________

1 ـ الإسراء : 49 ـ 51.

2 ـ القيامة : 36 ـ 40.

3 ـ يس : 78.

4 ـ الإسراء : 49.

52

ونظيرها في الآية 98 ، وثالثة : ( أإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً * قالُوا تِلْكَ إِذا كَرّةٌ خاسِرة ). (1)

إلى غير ذلك من الآيات التي تعبر عن شبهاتهم بأنّ العظام البالية لا يمكن إعادة الحياة فيها ، يقول سبحانه حاكياً عنهم : ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أإِذا كُنّا تُراباً وَآباؤُنا أءِنّا لَمُخْرَجُون ). (2)

وقد أجاب الذكر الحكيم عن تلك الشبهة التي ليست ـ في الواقع ـ إلا استبعاداً لا برهاناً بهدايتهم إلى خلق الإنسان والنبات من التراب.

تجلّي القيامة في خلق الإنسان والنبات

إنّ الإنسان يرى بأُمّ عينيه في كلّ يوم نموذجاً مصغراً من البعث في خلق الإنسان ونمو الأشجار وتفتح الأزهار.

أمّا الأوّل فيعطف نظر المنكر إلى أنّ بدء خلق الإنسان هو التراب ، فاللّه سبحانه بقدرته ومشيئته أضفى على ذلك التراب حياةً ونمواً وصورة إلى أن صار إنساناً ، فهو سبحانه قادر على أن يضفي على ذلك التراب أيضاً مثلما أضفى على الأوّل.

وأمّا الثاني فالإنسان طيلة حياته يرى بأُم عينيه إحياء الأرض وتفتَّح البراعم والأزهار على الأشجار ، فالأرض بحركتها تُحيي ما كان ميتاً في فصل الشتاء ، فالقادر على إحياء الأرض قادر على إحياء الموتى. ترى ذينك البيانين بوضوح في الآيات التالية :

قال سبحانه : ( يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ في رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ

____________

1 ـ النازعات : 11 ـ 12.

2 ـ النمل : 67.