مفاهيم القران - ج10

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
192 /
5

بسم اللّه الرحمن الرحيم

القرآن والآفاق اللامتناهية

الحمد للّه الذي علّم بالقلم ، علّم الاِنسان مالم يعلم ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبيّنا محمّد خير من طاف الأرض وحكم ، وعلى آله الأئمّة السادة هداة الأُمّة إلى الطريق الأقوم.

نزل القرآن الكريم على قلب سيد المرسلين هادياً للاِنسان ومنيراً له طريق السعادة ، وقد وضع علماء الاِسلام علوماً جمة لفهم حقائقه وكشف أسراره ومعانيه ، وعلى الرغم من ذلك ، لم يزل المفسرون في كلّ عصر يستخرجون منه حقائق غفل عنها الأقدمون ، وكأنّ الاِنسان أمام بحر موّاج بالحقائق العلمية لا يُدرك غوره ولا يتوصل إلى أعماقه ، ولا يمكن لأحد الاِحاطة بأسراره وعجائبه.

وكأنّ القرآن هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة الذي لم يزل يبحث عن أسراره الباحثون ، وهم بعد في الأشواط الأُولى من الوقوف على حقائقه الكامنة. ولا غروَ أن يكون الكتاب العزيز كذلك أيضاً ، لأنّه كتاب صدر من لدن حكيم عليم لا نهاية لوجوده وعلمه ، فيجب أن يكون كتابه المنزّل رشحة من رشحات وجوده.

وهذا هو متكلّم قريش وخطيبهم الوليد بن المغيرة المخزومي لمّا جلس إلى النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) وسمع شيئاً من آيات سورة غافر ، ذهب إلى

6

قومه ليبيّن موقفه من الكتاب ، وقال : واللّه قد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الاِنس ولا من كلام الجن ، وانّ له لحلاوة ، وانّ عليه لطلاوة ، وانّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وانّه ليعلو وما يعلى عليه. (1)

فقد أدرك مُنطيق قريش بصفاء ذهنه ما يحتوي عليه القرآن من أسرار وكنوز.

نعم ، قد سبقه رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) في ذلك حيث عَرّف القرآن ، بقوله :

« له ظهر وبطن ، وظاهره حُكْم ، وباطنُه عِلْم ، وظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم ، لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة ». (2)

وقد أفاض الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) في بيان أبعاد القرآن غير المتناهية ، وقال في خطبة يصف فيها القرآن بقوله : « أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه ، وسراجاً لا يخبو توقّده ، وبحراً لا يدرك قعره ـ إلى أن قال : ـ و ينابيع العلم و بحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافي الاِسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه المنتزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ». (3)

وقد أثبت توالي التأليف حول القرآن الكريم على مختلف الأصعدة ، انّه كتاب القرون والأعصار ، وحجّة خالدة للناس إلى يوم القيامة ، وقد استحوذ الكتاب العزيز على اهتمام بالغ لم يَحظ به أي كتاب آخر.

____________

1 ـ مجمع البيان : 10/387.

2 ـ الكافي : 2/599 ، كتاب القرآن.

3 ـ نهج البلاغة : 2/202 ، طبعة عبده.

7

إلماع إلى بعض آفاقه اللا متناهية

إنّ من آفاق القرآن و معانيه السامية هو أقسامه ، فقد أقسم القرآن الكريم بأُمور مختلفة ربما يبلغ عدد أقسامه إلى أربعين حلفاً أو أكثر ، وتمتاز عن الأقسام الرائجة في العصر الجاهلي بأنّها انصبت على ذوات مقدسة أو ظواهر كونية ذات أسرار عميقة ، في حين امتاز القسم في العصر الجاهلي بالحلف بالمغاني والمدام (1).

وجمال النساء ، إلى غير ذلك من الأُمور المادية الساقطة.

حلف سبحانه في كتابه مضافاً إلى ذاته ، بالقرآن ، الملائكة ، النفس ، الشمس ، القمر ، السماء ، الأرض ، اليوم ، الليل ، القلم ، و غير ذلك من الموضوعات التي تحتوي على أسرار مكنونة ، ويصحّ في حقّها ، قوله سبحانه : ( وَانّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظيم ). (2)

ينقل السيوطي انّ أوّل من أفرد أقسام القرآن بالتأليف هو شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية ( المتوفّى 751 هـ ) ولم يذكر كتاباً غيره ، ثمّ جمع السيوطي أقسام القرآن و جعله نوعاً من أنواع علومه ، فبحث عنها بحثاً موجزاً لا يتجاوز عن خمس صفحات. (3)

وقال الكاتب الچلبي في « كشف الظنون » ـ بعد سرد ما قام به السيوطي ـ : وتبعه صاحب مفتاح الكرامة حيث أورده من فروع علم التفسير. (4)

ولم نقف على كتاب مفرد حول أقسام القرآن في الأوساط الشيعية مع ما

____________

1 ـ المدام والمدامة : الخمر.

2 ـ الواقعة : 78.

3 ـ الاِتقان في علوم القرآن : 4/46 ـ 51.

4 ـ كشف الظنون : 1/137 ـ 138.

8

فيها من بحوث هامة سوى ما ألّفه ولدي العزيز الروحاني الحائز على مقام الشهادة الشيخ أبو القاسم الرزاقي (1) تحت عنوان « سوگندهاى قرآن » ، و هو كتاب قيّم حافل بنقل الآراء حول القسم في القرآن ، وقد طبع في حياته بتقديم منّا تغمده اللّه برحمته وأسكنه فسيح جناته.

ثمّ إنّ ابن قيم الجوزية وإن كان أوّل من ألّف ـ حسب ما نعلم ـ ولكن كتابه يعوزه المنهجية في البحث حيث لم يذكر الأقسام الواردة واحداً تلو الآخر حسب حروف التهجّي أو حسب سور القرآن ، وإنّما ذكر أقسام كلّسورة في فصل واحد.

لكن ما ألّفه الشيخ الرزاقي خال من هذه النقيصة ، فانّه ألّف كتابه على نمط التفسير الموضوعي ، فجعل لكلّ حلف فصلاً خاصاً ، وذكر جميع الآيات الواردة في خصوص ذلك الحلف ، مثلاً ذكر الآيات التي أقسم اللّه فيها بنفسه في فصل خاص ، كما جمع ما أقسم اللّه فيه بالليل في سور و آيات مختلفة في مكان واحد.

ولما كان ما ألّفه ابن قيم غير خال عن النقيصة ، كما أنّما ألّفه ولدنا البار لا ينتفع به القارىَ العربي لأنّه أُلّف باللغة الفارسية ، عزمت على تأليف مفرد في هذا الصدد بغية تعميم الفائدة.

وأردفه إن شاء اللّه بالبحث عن أمثال القرآن.

____________

1 ـ استشهد مع مجموعة من العلماء أثر إسقاط الطائرة التي كانت تقلّهم أثناء رحلة داخلية خلال الحرب العراقية الاِيرانية من قبل النظام البعثي الغاشم عام 1408 هـ / 1367 هـ.ش.

9

بحوث تمهيدية في أقسام القرآن

إنّ البحث عن الأقسام الواردة في القرآن الكريم رهن استعراض أُمور في معنى القسم و ما يتبعه من المقسم به والمقسم عليه وأبحاث أُخرى ، فنقول :

1. تفسير القسم

إنّ لفظة القسم واضحة المعنى تعادل الحلف واليمين في لغة العرب ، ولها معادل في عامة اللغات وإنّما يوَتى به لأجل تأكيد الخبر والمضمون ، قال الطبرسي : القسم جملة من الكلام يوَكد بها الخبر بما يجعله في قسم الصواب. (1)

قال السيوطي : القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده ، حتى جعلوا مثل : ( وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقينَ لَكاذِبُون ) (2) قسماً ، وإن كان فيه إخبار بشهادة ، لأنّه لمّا جاء توكيداً للخبر سمّي قسماً. (3)

ولذلك نقل عن بعض الأعراب ، انّه لما سمع قوله تعالى : ( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالأَرْضِ انّهُ لحَقّ ).(4)

صرخ وقال : من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين. (5)

____________

1 ـ مجمع البيان : 5/225.

2 ـ المنافقون : 1.

3 ـ الاِتقان : 4/46.

4 ـ الذاريات : 22 ـ 23.

5 ـ الاِتقان : 4/46.

10

2. أركان القسم

إنّ القسم من الأُمور ذات الاِضافة وهو فعل فاعل مختار له إضافة إلى أُمور أربعة :

أ. الحالف ، ب. ما يحلف به ، ج. ما يحلف عليه ، د. الغاية من القسم.

أمّا الأوّل : فالحلف عبارة عن فعل الفاعل المختار ، فلا يصدر إلاّ منه سواء أكان واجباً كاللّه سبحانه أم ممكناً كالاِنسان وغيره.

والذي يتناوله بحثنا في هذا الكتاب هو القسم الذي صدر عن الواجب في كتابه العزيز دون سواه.

فلا نتعرض لما حلف به الشيطان في القرآن وقال : ( فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعين ). (1)

ثمّ إنّ أدوات القسم عبارة عن الأُمور الأربعة ، أعني : الباء والتاء والواو واللام ، وأمثلة الكل واضحة ، وأمّا الأخير فكقول الشاعر :

للّهِ لا يبقى على الأيام ذُو حيَدٍ* * *بمُشمَخر به الطيّانُ والآسُ (2)

وسيوافيك انّ حرف الباء يجتمع مع فعل القسم دون سائر الأدوات ، إذ يحذف فيها فعله ، أعني : أقسم.

وأمّا الثاني ـ أي ما يحلف به ـ : فانّ لكلّ قوم ، أُموراً مقدّسة يحلفون بها ، وأمّا القرآن الكريم فقد حلَفَ سبحانه بأُمور تجاوزت عن الأربعين مقسماً به.

وأمّا الثالث ـ أي ما يحلف عليه ـ : والمراد هو جواب القسم الذي يراد منه

____________

1 ـ ص : 82.

2 ـ والحيد كعنب جمع حيدة وهو القرن فيه عقد ، والمشمخر الجبل العالي ، والطيّان الياسمين الصحرائي والآس شجر معروف.

11

التأكيد عليه وتثبيته وتحقيقه ، وهذا ما يقال القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده.

ففي الآية التالية تتجلّى الأركان الثلاثة ، وتقول : ( وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَمُوت ). (1)

فقوله : ( وأقسموا ) فهو الركن الأوّل.

وقوله : ( باللّه ) هو المقسم به.

وقوله : ( لا يبعث اللّه من يموت ) هو المقسم عليه

وكثيراً ما يحذف الفعل وذلك لكثرة تردّد القسم في كلامهم ويكتفى بالواو أو التاء في أسماء اللّه.

نعم ، يلازم الاِقسام بالباء ذكر الفعل ، كما في الآية السابقة ، وقوله : ( يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرضُوكُمْ وَاللّهُ وَرسولُهُ أَحَقُّ أن يُرْضُوهُ). (2)

وعلى ضوء ذلك فباء القسم يلازم مع ذكر فعله ، كما أنّواو القسم وتاءه يلازم مع حذفه ، فيقال : أقسم باللّه ، ولا يقال : أقسم تاللّه أو أقسم واللّه بل يقتصر على قوله : تاللّه ، واللّه ، يقول سبحانه : ( وَتَاللّهِ لأَكِيدَنّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَن تُولُّوا مُدْبِرِين ) (3) ، وقوله : (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أنْ قالُوا وَاللّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكين ).(4)

____________

1 ـ النحل : 38.

2 ـ التوبة : 62.

3 ـ الأنبياء : 57.

4 ـ الأنعام : 23.

12

وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي أنّ أكثر المفسرين حينما تطرّقوا إلى الأقسام الواردة في القرآن الكريم ركّزوا جهودهم لبيان ما للمقسم به من أسرار و رموز كالشمس والقمر في قوله سبحانه : ( والشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمرِ إِذا تَلاها ) (1) أو قوله : ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون ) (2) ولكنّهم غفل والعلاقة بين المقسم به والمقسم عليه لاحظ مثلاً قوله سبحانه : ( وَالضُّحى * وَالليلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) (3) فالضحى والليل مقسم بهما وقوله : ( ما ودَّعك ربّك وما قلى ) هو جواب القسم الذي نعبّر عنه بالمقسم عليه ، فهناك صلة في الواقع بين المقسم به والمقسم عليه ، وهو أنّه لماذا لم يقسم بالشمس ولا بالقمر ولا بالتين ولا بالزيتون بل حلف بالضحى والليل لأجل المقسم عليه أعني قوله : ( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) ؟

وصفوة القول : إنّ كلّ قسم جدير لتحقيق الخبر ، ولكن يقع الكلام في كلّقسم ورد في القرآن الكريم أنّه لماذا اختار المقسم به الخاص دون سائر الأُمور الكثيرة التي يقسم بها؟ فمثلاً : لماذا حلف في تحقيق قوله : ( ما ودّعك ) بقوله : ( والضحى والليل ) ولم يقسم بالشمس والقمر؟ وهذا هو المهم في بيان أقسام القرآن ، ولم يتعرّض له أكثر المفسرين ولا سيما ابن قيم الجوزية في كتابه « التبيان في أقسام القرآن » إلاّ نزراً يسيراً.

ثمّ إنّ الغالب هو ذكر جواب القسم ، وربما يحذف كما يحذف جواب لو كثيراً ، أمّا الثاني فكقوله سبحانه : ( وَلَو أَنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ

____________

1 ـ الشمس : 1 ـ 2.

2 ـ التين : 1.

3 ـ الضحى : 1 ـ 3.

13

الأَرْضُ أَوْكُلِّمَ بِهِ الْمَوتى ) (1) فانّ الجواب محذوف ، وهو نظير قوله : « لما آمنوا ».

وأمّا الأوّل ، فكقوله سبحانه : ( ص والقُرآنِ ذِي الذِّكر ) (2) ، فانّ الحلف بالقرآن الكريم المعرب عن تعظيمه ووصفه بأنّه مذكِّر للعباد يدل على جوابه وهو انّه منزّل من عنده سبحانه غير مفترى ، وما أشبه ذلك.

وعلى كلّحال ، فالغالب هو الأوّل أي الاِتيان بالجواب.

إلى هنا تمّ بيان أركان القسم الثلاثة ، وثمة ركن رابع ، وهو الغاية المتوخّاة من القسم ، فنقول : إنّ الغاية إمّا هي تحقيق الخبر ودعوة المخاطب إلى الاِيمان والاِذعان به ، كما هو الغالب ، أو إلفات النظر إلى عظمة المقسم به ، وما يكمن فيه من أسرار ورموز ، أو لبيان قداسته وكرامته ، كما في قوله : ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون ). (3)

ومن خلال هذا البيان ، يتضح الجواب على ما ربما يقال من أنّ حلفه سبحانه إن كان لأجل الموَمن فهو يصدقه بلا حلف ، وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده.

والجواب : انّ إيمان الموَمن بصدق إخباره سبحانه لا ينافي تأكيده بالحلف ، مضافاً إلى ما عرفت من أنّ حلفه سبحانه بشيء إشارة إلى كرامته وقداسته أو إلى عظمته وما يكمن فيه من أسرار ورموز.

____________

1 ـ الرعد : 31.

2 ـ ص : 1.

3 ـ الحجر : 72.

14

3. جواز الحلف بغير اللّه سبحانه

تضافر الحلف بغيره سبحانه في الكتاب العزيز والسنّة النبوية ، أمّا الكتاب فسيوافيك حلفه بأشياء كثيرة ، وأمّا السنّة فقد حلف النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » في غير مورد بغير اسم اللّه.

1. فقد أخرج مسلم في صحيحه : أنّه جاء رجل إلى النبي ، فقال : يا رسول اللّه أي الصدقة أعظم أجراً؟ فقال : « أما ـ و أبيك ـ لتنبئنَّه أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء ». (1)

2. أخرج مسلم أيضاً : جاء رجل إلى رسول اللّه ـ من نجد ـ يسأل عن الاِسلام ، فقال رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) : « خمس صلوات في اليوم والليل ».

فقال : هل عليَّ غيرهنّ؟

قال : « لا ... إلاّ أن تطوع » ، وصيام شهر رمضان ».

فقال : هلّ عليَّ غيره؟

قال : « لا ... إلاّ تطوّع ، وذكر له رسول اللّه الزكاة.

فقال الرجل : هل عليّ غيره؟

قال : « لا ... إلاّ أن تطوّع ».

فأدبر الرجل وهو يقول : واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص منه.

فقال رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) : « أفلح ـ وأبيه ـ إن صدق ».

أو قال : « دخل الجنة ـ و أبيه ـ إن صدق ». (2)

____________

1 ـ صحيح مسلم : 3/94 ، باب أفضل الصدقة من كتاب الزكاة.

2 ـ صحيح مسلم : 1/32 ، باب ما هو الاِسلام.

15

وقد حلف غير واحد من الصحابة بغيره سبحانه ، فهذا أبو بكر بن أبي قحافة على ما يرويه مالك في موطّئه : أنّ رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر فشكا إليه أنّ عامل اليمن قد ظلمه ، فكان يصلي من الليل ، فيقول أبو بكر : « وأبيك ما ليلك بليل سارق ». (1)

وهذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد حلف بغيره سبحانه في غير واحد من خطبه :

1. « ولعمري ما عليّمن قتال من خالف الحق وخابط الغي من إدهان ولا إيهان ». (2)

2. « ولعمري ما تقادمت بكم ولا بهم العهود ». (3)

إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في كلامه (عليه السلام) وسائر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

نعم ثمة أحاديث استدل بها على المنع عن الحلف بغير اللّه ، غير أنّها ترمي إلى معنى آخر كما سيوافيك.

الحديث الأوّل

إنّ رسول اللّه سمع عمر ، وهو يقول : وأبي ، فقال : « إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، ومن كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت ». (4)

والجواب : انّالنهي عن الحلف بالآباء قد جاء لأنّهم كانوا ـ في الغالب ـ مشركين وعبدة للأوثان فلم يكن لهم حرمة ولا كرامة حتى يحلف أحد بهم ،

____________

1 ـ شرح الزرقاني على موطأ مالك : 4/159 برقم 580.

2 ـ نهج البلاغة : الخطبة 23 و 85.

3 ـ نهج البلاغة : الخطبة 23 و 85.

4 ـ سنن ابن ماجة : 1/277 سنن الترمذي : 4/109.

16

ولأجل ذلك نرى أنّالنبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) جعل آباءَهم قرناء مع الطواغيت مرّة ، وبالأنداد ـ أي الأصنام ـ ثانية ، وقال : « لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت ». (1)

وقال أيضاً : « لا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمهاتكم ولا بالأنداد ». (2)

وهذان الحديثان يوَكدان على أنّ المنهي عنه هو الحلف بالآباء الكافرين الذين كانوا يعبدون الأنداد والطواغيت ، فأين هو من حلف المسلم بالكعبة والقرآن والأنبياء والأولياء في غير القضاء والخصومات؟

الحديث الثاني

جاء ابنَ عمر رجل فقال : أحلف بالكعبة؟ قال له : لا ، ولكن إحلف بربِّ الكعبة ، فانّ عمر كان يحلف بأبيه ، فقال رسول اللّه له : « لا تحلف بأبيك ، فانّ من حلف بغير اللّه فقد أشرك ». (3)

إنّ الحديث يتألف من أمرين :

أ : قول النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) : « من حلف بغير اللّه فقد أشرك ».

ب : اجتهاد عبد اللّه بن عمر ، حيث عدّ الحلف بالكعبة من مصاديق حديث النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم).

أمّا الحديث فنحن نذعن بصحته ، والقدر المتيقن من كلامه ما إذا كان المحلوف به شيئاً يعد الحلف به شركاً كالحلف بالأنداد والطواغيت والآباء الكافرين. فهذا هو الذي قصده النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) ولا يعم الحلف بالمقدسات كالقرآن وغيره.

____________

1 ـ سنن النسائي : 7/7 سنن ابن ماجة : 1/278.

2 ـ سنن النسائي : 7/9.

3 ـ سنن النسائي : 7/8.

17

وأمّا اجتهاد ابن عمر حيث عدّالحلف بالكعبة من مصاديق الحديث ، فهو اجتهاد منه وحجّة عليه دون غيره.

وأمّا انّ الرسول عدّحلف عمر بأبيه من أقسام الشرك فلأجل أنّ أباه كان مشركاً ، وقد قلنا إنّ الرواية ناظرة إلى هذا النوع من الحلف.

ومجمل القول : إنّ الكتاب العزيز هو الأُسوة للمسلمين عبر القرون ، فإذا ورد فيه الحلف من اللّه سبحانه بغير ذاته سبحانه من الجماد والنبات والاِنسان فيستكشف منه أنّه أمر سائغ لا يمت إلى الشرك بصلة ، وتصوّر جوازه للّه سبحانه دون غيره أمر غير معقول ، فانّه لو كان حقيقة الحلف بغير اللّه شركاً فالخالق والمخلوق أمامه سواء.

نعم الحلف بغير اللّه لا يصحّ في القضاء وفضّ الخصومات ، بل لابدّمن الحلف باللّه جلّ جلاله أو بإحدى صفاته التي هي رمز ذاته ، وقد ثبت هذا بالدليل ولا علاقة له بالبحث.

وأمّا المذاهب الفقهية فغير مجمعين على أمر واحد.

أمّا الحنفية ، فقالوا : بأنّ الحلف بالأب والحياة ، كقول الرجل : وأبيك ، أو : وحياتك وما شابه ، مكروه.

وأمّا الشافعية ، فقالوا : بأنّ الحلف بغير اللّه ـ لو لم يكن باعتقاد الشرك ـ فهو مكروه

وأمّا المالكية ، فقالوا : إنّفي القسم بالعظماء والمقدسات ـ كالنبي و الكعبة ـ فيه قولان : الحرمة والكراهة ، والمشهور بينهم : الحرمة.

18

وأمّا الحنابلة ، فقالوا : بأنّ الحلف بغير اللّه وبصفاته سبحانه حرام ، حتى لو كان حلفاً بالنبي أو بأحد أولياء اللّه تعالى.

هذه فتاوى أئمّة المذاهب الأربعة (1) ولسنا الآن بصدد مناقشتهم.

وكان الحري بفقهاء المذاهب الأربعة ولا سيما في العصر الراهن فتح باب الاجتهاد والرجوع إلى المسألة والنظر إليها بمنظار جديد إذ كم ترك السلف للخلف.

على أنّ نسبة الحرمة إلى الحنابلة غير ثابتة أيضاً ، لأنّ ابن قدامة يصرّح في كتاب « المغني » ـ الذي كتبه على غرار فقه الحنابلة ـ : أنّ أحمد بن حنبل أفتى بجواز الحلف بالنبي ، وأنّه ينعقد لأنّه أحد ركني الشهادة.

وقال أحمد : لو حلف بالنبي انعقد يمينه ، فإن حنث لزمته الكفارة. (2)

إكمال

قد ذكر السيوطي في كتاب « الاِتقان » ، وقال : كيف أقسم بالخلق وقد ورد النهي عن القسم بغير اللّه؟

ثمّ ذكر أجوبة ثلاثة ، وهي :

الأوّل : انّه على حذف مضاف ، أي وربّ التين وربّ الشمس ، وكذا الباقي.

الثاني : انّ العرب كانت تعظم هذه الأشياء وتقسم بها فنزل القرآن على ما يعرفون.

____________

1 ـ انظر الفقه على المذاهب الأربعة : 2/75 ، كتاب اليمين ، مبحث الحلف بغير اللّه تعالى.

2 ـ المغني : 11/209.

19

الثالث : انّ الاِقسام إنّما تكون بما يعظمه المقسم أو يُجلُّه وهو فوقه واللّه تعالى ليس شيء فوقه ، فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته ، لأنّها تدل على بارىَ وصانع.

وقال ابن أبي الاصبع في « اسرار الفواتح » : القسم بالمصنوعات يستلزم القسم بالصانع ، لأنّ ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل ، إذ يستحيل وجود مفعول بغير فاعل

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن ، قال : إنّ اللّه يقسم بما شاء من خلقه ، وليس لأحد أن يقسم إلاّ باللّه. (1)

ولا يخفى ضعف الأجوبة.

أمّا الأوّل : فانّ معنى ذلك إرجاع الأقسام المختلفة إلى قسم واحد وهو الرب ، مع أنّه سبحانه تارة يقسم بنفسه ، ويقول : (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطين ) (2) ، وأُخرى بالتين والزيتون والصافات والشمس ، فلو كان الهدف القسم بالرب فما فائدة هذا النوع من الأقسام حيث يضيف نفسه إلى واحد من مخلوقاته؟ فانّ العظمة للّه لا للمضاف إليه ، ولو كانت له عظمة فإنّما هي مقتبسة من الرب.

وأمّا الثاني : فمعنى ذلك أنّه سبحانه جرى على ما كان عليه العرب في العصر الجاهلي ، وقد هدم بعمله ما شرعه من النهي عن القسم بغير اللّه.

وأمّا الثالث : فيكتنفه كثير من الغموض ، ولا يعلم كيفية رفع الاِشكال ، وأمّا ما نقله عن ابن أبي الاصبع فيرجع إلى المعنى الأوّل ، وهو أنّ القسم بالمخلوق قسم بالخالق.

____________

1 ـ الاِتقان : 4/47.

2 ـ مريم : 68.

20

وما نقله عن ابن أبي حاتم ، من أنّ اللّه يقسم بما شاء من خلقه وليس لأحد أن يقسم إلاّ باللّه ، أمر غير واضح ، لأنّ إقسام المخلوق بغير اللّه لو كان من مقولة الشرك فالقاعدة لا تقبل التخصيص ، فيكون قسمه سبحانه بغير اللّه أيضاً شركاً وعبادة.

وإن كان قسمه سبحانه لأجل بيان قداسته وعظمته أو الأسرار المكنونة فيه ، فهو أمر مشترك بين الخالق والمخلوق.

والجواب : انّ النهي عن الحلف بغير اللّه مختص بالطواغيت والأنداد والمشركين من الآباء ، وأمّا غيرهم فلم يرد فيهم نهي.

منهجنا في تفسير أقسام القرآن

إنّه سبحانه تبارك و تعالى حلف بذوات مقدسة بما يربو على الأربعين مرة ، فتفسيرها يمكن أن يتم باحدى الصور التالية :

أ : أن نتناول تلك الأقسام بالبحث طبق حروف التهجي ككتاب اللغة.

ب : أن نتناولها بالبحث حسب أفضلية المقسم به ، فنقدم الحلف باللّه أو الرب على الحلف بعمر النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) وحياته ، وهو على الحلف بالملائكة ، وهكذا ، وعلى ذلك يجب عقد واحد وأربعين فصلاً على النحو التالي :

1. الحلف بلفظ الجلالة وفيه فصلان :

أ. الحلف بلفظ الجلالة.

ب. الحلف بالرب.

21

2. الحلف بالنبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) ، وفيه فصلان :

أ.بعمر النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم)

ب. شاهد

3. الحلف بالقرآن ، وفيه فصلان :

أ. بالقرآن

ب. بالكتاب

4. الحلف بالملائكة ، وفيه أربعة فصول :

أ. الصافات ، الزاجرات ، التاليات.

ب. الذاريات ، الحاملات ، الجاريات ، المقسمات.

ج. المرسلات ، العاصفات ، الناشرات ، الفارقات ، الملقيات

د. النازعات ، الناشطات ، السابحات ، السابقات ، المدبرات.

5. الحلف بالقلم وفيه فصلان :

أ.القلم

ب. وما يسطرون

6. الحلف بالقيامة ، وفيه ثلاثة فصول :

أ. القيامة

ب. اليوم الموعود

ج. مشهود

22

7. الحلف بالنفس

8. الحلف بالشفع والوتر

9. الحلف بالولد والوالد.

10. الحلف بالأمكنة ، وفيه ثلاثة فصول :

أ. الحلف بالبلد الأمين

ب. الحلف بطور سينين

ج. الحلف بالبيت المعمور

11. الحلف بالأزمنة ، وفيه ثمانية فصول :

أ. الحلف بالصبح

ب. الحلف بالفجر

ج. الحلف باليوم

د. الحلف بالضحى

هـ. الحلف بالنهار

و. الحلف بالشفق

ز. الحلف بالليل

ح. الحلف بالعصر

12. الحلف بالأرض والأجرام السماوية ، وفيه ثمانية فصول :

أ. الحلف بالشمس وضحاها

23

ب. الحلف بالكواكب.

ج. الحلف بالنجم

د. الحلف بمواقع النجوم

ه ـ. الحلف بالأرض

و. الحلف بالقمر

ز. الحلف بالخنس الجوار

ح. الحلف بالطارق

13. الحلف بالظواهر الجوية ، وفيه أربعة فصول :

أ. الحلف بالسماء

ب. الحلف بالذاريات

ج. الحلف بالحاملات

د. الحلف بالجاريات

ج : أن نتناولها حسب السور القرآنية ، فنفسر ما ورد من الأقسام في سورة الشمس مرة واحدة ، أو نفسر ما ورد في سورة الفجر أو البلد في مكان واحد ، وعلى ذلك يجب عقد عدة فصول حسب عدد السور التي ورد فيها الحلف.

وقد سلك ابن قيم الجوزية ( المتوفّى 751 هـ ) هذا المنهج ، فراح يبحث عن أقسام القرآن حسب السور.

فابتدأ بتفسير الأقسام الواردة بالنحو التالي :

1. القيامة ، 2. الشمس ، 3. الفجر ، 4. البلد ، 5. التين ، 6. الليل ، 7. الضح ـ ى ، 8.

24

العاديات ، 9. العصر ، 10. الب ـ روج ، 11. الطارق ، 12. الانشقاق ، 13. التكوير ، 14. النازعات ، 15. المرسلات ، 16. القيامة ، 17. المدثر ، 18. الحاقة ، 19. المعارج ، 20. القلم ، 21. الواقعة ، 22. النجم ، 23. الطور ، 24. الذاريات ، 25. ق ، 26. يس ، 27. الصافات ، 28. الحجر ، 29. النساء.

فقد عقد 29 فصلاً حسب عدد السور التي ورد فيها الأقسام ، وهذا المنهج لا يخلو من مناقشة ، لأنّه سبحانه ربما حلف بالرب في سور مختلفة ، فلو كان محور البحث هو السور يلزم عليه تكرار البحث حسب تعدد وروده في السور المختلفة ، وهذا بخلاف ما إذا جمع الآيات التي حلف فيها القرآن بربوبيته ، ويبحث فيها دفعة واحدة ، فهذا النوع من البحث يكون خالياً عن التكرار والتطويل.

مضافاً إلى أنّه لم يراع ترتيب السور حتى فيما اختاره من ذكر السور القصيرة متقدمة على السور الطويلة.

والعجب أنّه بحث عن الحلف الوارد في سورة القيامة مرّتين. (1)

د : وهناك منهج رابع سلكه ولدنا الروحاني الشهيد الشيخ أبو القاسم الرزاقي ( قدس اللّه سره ) فقد أفرد لكلّ قَسَمٍ فصلاً خاصاً.

ويوَخذ على هذا المنهج أنّه سبحانه حلف في بعض السور بموضوعات مختلفة ، كسورة الشمس حيث حلف فيها بالشمس والقمر وفي الوقت نفسه بالنفس الاِنسانية وجعل للجميع جواباً واحداً.

وبما انّمن البحوث المهمة في أقسام القرآن هو بيان الصلة بين المقسم به

____________

1 ـ تارة في ص 35 من كتابه المعروف « التبيان في أقسام القرآن » تحت عنوانفصل « القسم في سورة القيامة » ، وأُخرى بنفس العنوان في ص 147 ، فلاحظ.

25

والمقسم عليه ، فعلى ذلك المنهج يجب أن يتكرر البحث في أكثر الفصول بالنسبة إلى أُمور حلف بها سبحانه مرّة واحدة وذلك كالشمس و القمر والنفس الاِنسانية ، وهذا مستلزم للاِطناب.

ومن أجل أن نتلافى هذه المشكلة ، نقول :

إنّ أقسام القرآن على قسمين :

الأوّل : ما نطلق عليه الحلف المفرد ، والمراد منه ما إذا حلف سبحانه بشيء مفرد و لم يضم إليه حلفاً آخر ، سواء تكرر في سور أُخرى أو لا ، مثلاً : حلف بعمر النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) وحياته مرة واحدة ولم يقرن به حلفاً آخر ، بخلاف لفظ الرب فقد حلف به مفرداً ولكنّه تكرر في بعض السور.

الثاني : ما نطلق عليه الحلف المتعدد ، والمراد منه ما إذا حلف سبحانه بأُمور مختلفة جمعها في آية واحدة أو آيتين ، وجعل للجميع جواباً واحداً ، كالحلف بالشمس والقمر إلى أن يصل إلى النفس الاِنسانية.

فنعقد لكلّ حلف مفرد فصلاً على حدة ، سواء تكرر بهذا النحو في سور أُخرى أو لا ، مراعين في ذلك الأفضل فالأفضل فنقدم الحلف باللّه والرب على حياة النبي وعمره وهو على الملائكة.

وأمّا الحلف المتعدد فنعقد لكلّ سورة تضم ذلك الحلف فصلاً ، كما عقدنا لسورة الشمس فصلاً ، ولسورة الليل فصلاً آخر ، وإن تكرر فيه المحلوف فيه أعني الليل ، و بذلك يمتاز هذا المنهج عن سائر المناهج المذكورة ، ويجمع كافة محاسنها ، ويصان عن الموَاخذات التي ربما تطرح على المنهجين الأخيرين.

وأخذنا بتقسيم الكتاب إلى قسمين وخصصنا القسم الأوّل بالأحلاف المفردة ، والثاني بالأحلاف المتعددة ، وإليك إجمال فصول القسمين :

26

القسم الأوّل ، وفيه فصول :

الفصل الأوّل : القسم بلفظ الجلالة.

الفصل الثاني : القسم بالربِّ.

الفصل الثالث : القسم بعمر النبي.

الفصل الرابع : القسم بالقرآن الكريم.

الفصل الخامس : القسم بالعصر.

الفصل السادس : القسم بالنجم.

الفصل السابع : القسم بمواقع النجوم.

الفصل الثامن : القسم بالسماء ذات الحبك.

القسم الثاني ، وفيه فصول :

الفصل الأوّل : القسم في سورة الصافات

الفصل الثاني : القسم في سورة الذاريات.

الفصل الثالث : القسم في سورة الطور.

الفصل الرابع : القسم في سورة القلم.

الفصل الخامس : القسم في سورة الحاقة.

الفصل السادس : القسم في سورة المدثر.

الفصل السابع : القسم في سورة القيامة.

الفصل الثامن : القسم في سورة المرسلات.

27

الفصل التاسع : القسم في سورة النازعات.

الفصل العاشر : القسم في سورة التكوير.

الفصل الحادي عشر : القسم في سورة الانشقاق.

الفصل الثاني عشر : القسم في سورة البروج.

الفصل الثالث عشر : القسم في سورة الطارق.

الفصل الرابع عشر : القسم في سورة الفجر.

الفصل الخامس عشر : القسم في سورة البلد.

الفصل السادس عشر : القسم في سورة الشمس.

الفصل السابع عشر : القسم في سورة الليل.

الفصل الثامن عشر : القسم في سورة الضحى.

الفصل التاسع عشر : القسم في سورة التين.

الفصل العشرون : القسم في سورة العاديات.

28

-

29

القسم الأوّل : القسم المفرد

وفيه فصول :

الفصل الأوّل القسم بلفظ الجلالة

حلف سبحانه تبارك و تعالى بلفظ الجلالة مرّتين ضمن آيتين من سورة النحل ، وهو أعظم قسم ورد في القرآن الكريم.

قال سبحانه :

أ : ( وَيَجْعَلُونَ لما لا يَعْلَمُونَ نَصيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُون ). (1)

ب : ( تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ أَعْمالُهُمْ فَهُوَ وَليُّهُمُ الْيَومَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ ). (2)

تفسير الآية الأُولى

دلّت الآية الأُولى على جهل المشركين ، حيث كانوا يجعلون نصيباً مما رزقوا للأصنام التي لا تضر ولا تنفع ويتقربون بذلك إليهم ، وقال سبحانه : ( وَيَجْعَلُونَ لما لا يَعْلَمونَ نَصيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللّهِ لتسئلنَّ عَمّا كُنْتُمْ تفتَرون ).

____________

1 ـ النحل : 56.

2 ـ النحل : 63.

30

وقد حكى سبحانه عملهم هذا في سورة الأنعام ، وقال : ( وَجَعَلُوا للّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا للّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلى اللّهِ وَما كانَ للّهِ فَهُو يَصِلُ إِلى شُركائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُون ). (1)

فالكفار لأجل جهلهم بمبدأ الفيض كانوا يتقرّبون إلى الآلهة الكاذبة ـ أعني : الأصنام والأوثان ـ بتخصيص شيء مما رزقوا لها ، مع أنّه سبحانه هو الأولى بالتقرّب لا غير ، لأنّه مبدأ الفيض و ما سواه ممكن محتاج في وجوده وفعله ، فكيف يتقربون إليه؟!

والعجب أنّهم يجعلون نصيباً للّه ونصيباً لشركائه ، فما كان للّه فهو يصل إلى شركائهم ، وما كان لشركائهم لا يصل إلى اللّه سبحانه ، وقد حكاه سبحانه في سورة الأنعام ، وقال : ( وَجَعَلُوا للّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا للّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلى اللّهِ وَما كانَ للّه فَهُو يَصِلُ إِلى شُركائِهِمْ ساءَما يَحْكُمُون ). (2)

وحاصل الآية : أنّهم كانوا يجعلون من الزرع والمواشي حظاً للّه وحظاً للأوثان ، وقد أسماها سبحانه ( شركائهم ) ، لأنّهم جعلوا الأوثان شركاءهم ، حيث جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونه عليها فشاركوها في نعمهم.

وقد ذكر المفسرون في تفسير قوله تعالى ( فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلى اللّهِ وَما كانَ للّه فَهُو يَصِلُ إِلى شُركائِهِم ) وجوهاً :(3)

أوّلها : انّهم كانوا يزرعون للّه زرعاً وللأصنام زرعاً ، فكان إذا زكا الزرع الذي

____________

1 ـ الأنعام : 136.

2 ـ الأنعام : 136.

3 ـ لاحظ مجمع البيان : 2/370.

31

زرعوه للّه ولم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه إليها ، ويقولون إنّ اللّه غنيّ والأصنام أحوج وإن زكا الزرع الذي جعلوه للأصنام ولم يزك الزرع الذي زرعوه للّه لم يجعلوا منه شيئاً للّه ، وقالوا : هو غني وكانوا يقسمون النعم فيجعلون بعضه للّه وبعضه للأصنام فما كان للّه أطعموه الضيفان ، وما كان للصنم أنفقوه على الصنم ، وهذا هو المرويّ عن الزجاج وغيره.

ثانيها : انّه كان إذا اختلط ما جُعل للأصنام بما جُعل للّه تعالى ردّوه ، وإذا اختلط ما جعل للّه بما جُعل للأصنام تركوه ، وقالوا : اللّه أغنى ، وإذا تخرق الماء من الذي للّه في الذي للأصنام لم يسدُّوه ، وإذا تخرق من الذي للأصنام في الذي للّه سدّوه ، وقالوا : اللّه أغنى. عن ابن عباس وقتادة ، وهو المروي عن أئمتنا « عليهم السلام ».

وثالثها : انّه كان إذا هلك ما جعل للأصنام بدَّلوه مما جعل للّه ، وإذا هلك ما جعل للّه لم يبدّلوه مما جعل للأصنام. عن الحسن والسدي. (1)

وفي الحقيقة انّ هذا النوع من العمل ، أي توزيع القربان بين اللّه والآلهة ، كان تزييناً من شركائهم وهم الشياطين أو سدنة الأصنام حيث زينوا لهم هذا العمل وغيره من الأعمال القبيحة ، قال تعالى : ( وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِكَثيرٍ مِنَ الْمُشْرِكينَ قَتْلَ أَولادِهِمْ شُركاوَُهم لِيُرْدُوهُمْ ( أي ليهلكوهم بالاِغواء ) وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَو شاءَ اللّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ ). (2)

تفسير الآية الثانية

يقول سبحانه : ( تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزيّنَ لَهُمُ الشَّيطان

____________

1 ـ مجمع البيان : 2/370.

2 ـ الأنعام : 137.

32

أَعمالَهُمْ ) فهوَلاء كفروا وضلّوا وكذّبوا الرسل وقد زيّن الشيطان أعمالهم ( فهو وليّهم اليوم ) أي الشيطان الذي زين لهم أعمالهم فهو أيضاً يقوم بنفس هذا العمل فالولي واحد وإن كان المتولى عليه مختلفاً ، وبالتالي انّ الشيطان وليهم اليوم في الدنيا يتولونه ويتبعون إغواءه ( ولهم عذاب أليم ).

إلى هنا انتهينا من تفسير الآيتين ، فلنذكر المقسم به ، وجواب القسم ، وما هي الصلة بينهما.

المقسم به

المقسم به في الآيتين هو لفظ الجلالة الذي جاء ذكره في القرآن الكريم حوالي 980 مرة.

وقد ذهب غير واحد من أصحاب المعاجم إلى أنّ أصله ، إله ، فحذفت همزته وأدخل عليه الألف واللام فخص بالباري تعالى ، قال تعالى : ( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادتِهِ هَل ْتَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ). (1)

ثمّ إنّ « إله » إما من أله يأله فهو الاِله بمعنى المعبود ، أو من أله ـ بالكسر ـ أي تحير ، لتحير العقول في كنهه.

أقول : سيوافيك بأنّالاِله ليس بمعنى المعبود ، وأنّ من فسره به فقد فسره بلازم المعنى ، وعلى فرض ثبوته فلفظ الجلالة علم بالغلبة وليس فيه إشارة إلى هذه المعاني من العبادة والتحيّر ، وقد كان مستعملاً دائراً على الألسن قبل نزول القرآن تعرفه العرب في العصر الجاهلي ، يقول سبحانه : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ

____________

1 ـ مريم : 65.

33

لَيَقُولُنَّ اللّه ). (1) فقد أشار بلفظ الجلالة إلى خالق السماوات والأرض دون تبادر مفهوم العبادة أو التحير منه.

وممّا يدل على كونه علماً انّه يوصف بالأسماء الحسنى وسائر أفعاله المأخوذة من تلك الأسماء من دون عكس ، فيقال اللّه الرحمن الرحيم ، أو يقال علم اللّه ورزق اللّه ، ولا يقع لفظ الجلالة صفة لشيء منها ، ولا يوَخذ منه ما يوصف به شيء منها ، وهذا يدل على أنّه علم وليس بوصف ، فيكون اسماً للذات الواجبة الوجود المستجمعة لجميع صفات الكمال ، ولهذا اللفظ في جميع الألسنة معادل كلفظة ( خدا ) في لغة الفرس و ( حراً ) في لغة الافرنج و ( تاري ) في لغة الترك. (2)

جواب القسم

أمّا جواب القسم في الآية الأُولى ، فهو عبارة عن قوله : ( لتسئلن عمّا كنتم تفترون ).

كما أنّجوابه في الآية الثانية ، هو قوله : ( لَقَدْ أرْسلنا إِلى أُمم من قَبْلك ).

فقد أقسم سبحانه في هاتين الآيتين بلفظ الجلالة لغاية التأكيد على أمرين :

أ : انّهم مسوَولون يوم القيامة عن افترائهم الكذب.

ب : انّه سبحانه لم يترك الخلق سدى بل أرسل إليهم رسلاً ، لكن الشيطان حال بينهم و بين أُممهم ، وتشهد على ذلك سيرة عاد و ثمود بل اليهود والنصارى والمجوس.

____________

1 ـ الزخرف : 87.

2 ـ انظر الميزان : 1/18.

34

ما هي الصلة بين المقسم به والمقسم عليه؟

هذا هو المهم في أقسام القرآن ، وقد أُهمل في كثير من التفاسير ، ويمكن أن يقال :

أمّا الآية الأُولى ، فالقسم بلفظ الجلالة لأجل أنّ المشركين كانوا يجعلون للّه نصيباً مما زرعوا من الحرث والأنعام ، وكانوا يقولون : هذا للّه ، فناسب أن يقسم به لأجل أنّه افتراء عظيم.

وأمّا الآية الثانية ، فلأنّه جاء في ذيل جواب القسم ولاية الشيطان ، كما قال : ( فهو وليّهم اليوم ) وبما انّ الولاية للّه سبحانه كما قال تعالى : ( هنالِكَ الولايةُ للّهِ الحق ) (1) يس ناسب الحلف باللّه الذي هو الوليّ دونَ الشيطان ، كما عليه المشركون.

____________

1 ـ الكهف : 44.

35

الفصل الثاني القسم بالربِّ

أقسم سبحانه بلفظ « رب » بصور مختلفة :

تارة حلف به بلفظ « فلا وربك »

وأُخرى حلف به مقروناً بلفظ ( لا ) وقال : « فلا أُقسم ».

وثالثة حلف به بلفظ « فوربّك ».

ورابعة بلفظ « بلى و ربّي ».

وخامسة بلفظ « اي وربي ».

وسادسة بلفظ « فوربّالسماء والأرض ».

وعلى أية حال فالمقسم به هو الرب ، وإليك الآيات :

1. ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْليماً ). (1)

2. ( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب إِنّا لَقادِرُونَ * عَلى أَنْنُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحنُ بِمَسْبُوقينَ ). (2)

3. ( فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطين ). (3)

____________

1 ـ النساء : 65.

2 ـ المعارج : 40 ـ 41.

3 ـ مريم : 68.

36

4. ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُون ). (1)

5. ( وَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَربّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِم الْغَيب ). (2)

6. ( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْلَنْ يُبْعَثُوا قُلْبلى وَربّي لَتُبعثُنّ ثُمَّ لَتُنَبَّوَنَّ بما عَمِلْتُمْوَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير ). (3)

7. ( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إي وَرَبّي انّهُ لحقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزين ). (4)

8. ( فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالأَرْضِ إنّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنّكُم ْتَنْطِقُون ). (5)

تفسير الآيات

تشير الآية الأُولى إلى مقام من مقامات النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) ، فانّ له ـ حسب ما دلّ عليه الكتاب و السنة في إدارة رحى المجتمع ـ مقامات ثلاثة :

أ : السياسية وتدبير الأُمور : يقول سبحانه : ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاة وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمور ). (6) ويقول في حقّ النبي خاصة : ( النَّبِيُّ أَولَى بِالْمُوَْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (7) وليس الأولى بالموَمنين من أنفسهم فضلاً عن أموالهم غير السائس الحاكم العام.

____________

1 ـ الحجر : 92 ـ 93.

2 ـ سبأ : 3.

3 ـ التغابن : 7.

4 ـ يونس : 53.

5 ـ الذاريات : 23.

6 ـ الحج : 41.

7 ـ الأحزاب : 6.

37

ب : القضاء وفضُّ الخصومات : يقول سبحانه في حقّ داود : ( يا داوُدُ إِنّا جَعلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبيل ِاللّهِ إِنّ الّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ بِما نَسُوا يَومَ الْحِساب ) (1) وفي حقّ النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) بقوله : ( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطينَ ). (2)

ج : الاِفتاء وبيان الأحكام : يقول سبحانه : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَة ) (3)

س وقد كان الرسول ـ بنص هذه الآيات ـ جامعاً لهذه المقامات الثلاثة فكان سائساً وحاكماً ، وقاضياً وفاضّاً للخصومات ، ومفتياً ومبيّناً للأحكام.

ومن الواضح بمكان أنّ فضّ الخصومات لا يتحقق إلاّ بقضاء قاض مطاع رأيه ونافذ فصله ، وقد كان بعض المنتمين إلى الاِسلام لم يعيروا أهمية لقضائه ، فنزلت الآية تأمر أوّلاً بإطاعته وانّ كلّرسول واجب الطاعة.يقول سبحانه : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاع بِإِذْنِ اللّه ). (4)

ثمّ تشير الآية التالية إلى أنّ الاِيمان لا يكتمل إلاّ بالانصياع والتسليم القلبي لما يقضي به النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) ، فمن شهد الشهادتين وأذعن بهما ، ومع ذلك يجد في نفسه حرجاً في قضاء النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) وأمره فليس بموَمن ، يقول سبحانه : ( فَلا وَرَبّكَ لا يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْليماً ). (5) فالآية تدل على أنّ الاِيمان لا يكتمل بنفس الاِذعان واليقين بالتوحيد والرسالة مالم ينضم إليه

____________

1 ـ ص : 26.

2 ـ المائدة : 42.

3 ـ النساء : 176.

4 ـ النساء : 64.

5 ـ النساء : 65.

38

التسليم القلبي ، ولذلك ترى أنّ أمير الموَمنين علياً (عليه السلام) يصف الاِسلام بالنحو التالي ، ويقول : « لأنسبنّ الاِسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي : الاِسلام هو التسليم ». (1)

وتشير الآية الثانية إلى أنّه سبحانه قادر على أن يهلك المشركين ويأتي بقوم آخرين ( خيراً منهم ) ، من دون أن يكون مغلوباً ، قال : ( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب إِنّا لَقادِرُونَ * عَلى أَنْنُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحنُ بِمَسْبُوقينَ ).

فجواب القسم قوله ( إِنّا لَقادِرُون ) وقوله ( وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقين ) عطف على جواب القسم ، والمراد بالسبق الغلبة ، أي وما نحن بمغلوبين ويمكن أن يكون السبق بمعناه والمراد : وما نحن بمسبوقين بفوت عقابنا إياهم فإنّهم لو سبقوا عقابنا لسبقونا.

والتعبير بالمشارق والمغارب لأجل أنّ للشمس في كل يوم من أيام السنة الشمسية مشرقاً ومغرباً لا تعود إليهما إلى مثل اليوم من السنة القابلة ، كما أنّه من المحتمل أن يكون المراد بها مشارق جميع النجوم ومغاربها.

ومن عجيب الأمر أنّ في الآية على قصرها وجوهاً من الالتفات.

ففي قوله : ( فلا أُقْسِم ) التفات من التكلم مع الغير الوارد في قوله : ( إِنّا خَلَقْناكُمْ ) إلى التكلم وحده ، والوجه فيه تأكيد القسم باسناده إلى اللّه نفسه.

وفي قوله : ( بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب ) التفات من التكلم وحده إلى الغيبة ، و الوجه فيه الاِشارة إلى صفة من صفاته تعالى هي المبدأ في خلق الناس جيلاً بعد جيل ، وهي ربوبيته للمشارق و المغارب ، فانّ الشروق بعد الشروق ، والغروب بعد الغروب ، يلازم مرور الزمان الذي له مدخلية تامّة في تكوّن الاِنسان

____________

1 ـ نهج البلاغة : قسم الحكم ، الحكمة 125.

39

جيلاً بعد جيل وسائر الحوادث العرضية المقارنة له.

وفي قوله : ( إِنّا لَقادِرُون ) التفات (1) من الغيبة إلى التكلم مع الغير ، والوجه فيه الاِشارة إلى العظمة المناسبة لذكر القدرة ، وفي ذكر ربوبيته للمشارق والمغارب إشارة إلى تعليل القدرة ، وهو أنّ الذي ينتهي إليه تدبير الحوادث في تكوّنها لا يعجزه شيء من الحوادث التي هي أفعاله ، عن شيء منها ، ولا يمنعه شيء من خلقه من أن يبدله بخير منه ، وإلاّ شاركه المانع في أمر التدبير ، واللّه سبحانه لا شريك له في أمر التدبير. (2)

وأمّا الآية الثالثة : فلما ذكر سبحانه الوعد والوعيد والبعث والنشور أردفه بقول منكر البعث ورد عليهم بأوضح بيان وأجلى برهان ، وقال : ( أوَ لا يَذْكُرُ الاِِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ) (3) والمراد أو لا يذكر أنّ النشأة الأُولى دليل على إمكان النشأة الثانية ، ثمّ أكده بقوله : « فوربك » يا محمد « لنحشرنّهم والشياطين » أي لنجمعنهم ولنبعثنهم من قبورهم مقرنين بأوليائهم من الشياطين.

وأمّا الآية الرابعة : فسياق الآية يندد بالمقتسمين ، ويقول : ( كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمين ) (4) ثمّ يصفهم بقوله : ( الّذِينَ جَعَلُوا الْقُرآنَ عِضِين ) (5) والعضين

____________

1 ـ الالتفات في علم البيان عبارة عن الانتقال من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ، ومن الغيبة إلى التكلم كما في قوله سبحانه : ( مالِكِ يَوم الدِّين * إِيّاكَ نَعْبُد ) وقوله سبحانه : ( حَتّى إِذا كُنْتُمْ في الفلك و جرين بهم ) وقوله سبحانه : ( وَاللّهُ الذي أَرسل الرياح فتثير سَحاباً فَسُقْناهُ) ففي الآية الأُولى عدول من الغيبة إلى الخطاب ، وفي الثانية من الخطاب إلى الغيبة ، وفي الثالثة من الغيبة إلى التكلم.

2 ـ الميزان : 20/22.

3 ـ مريم : 67.

4 ـ الحجر : 91.

5 ـ الحجر : 90.

40

جمع عضّة والتعضية التفريق ، فهم الذين جزّأوا القرآن أجزاء فقالوا تارة : سحر ، وأُخرى : أساطير الأوّلين ، وثالثة : مفترى ، وبذلك صدّوا الناس عن الدخول في دين اللّه ، وعلى ذلك يكون المراد من المقتسمين هم كفار قريش.

ويحتمل أن يكون المراد هم اليهود والنصارى الذين فرّقوا القرآن أجزاء وأبعاضاً ، وقالوا : نوَمن ببعض ونكفر ببعض.

وعلى أيّة حال الذين كانوا بصدد إطفاء نور القرآن بتبعيضه أبعاض ليصدوا عن سبيل اللّه فهوَلاء هم المقصودون ، ثمّ حلف سبحانه وقال : ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُون ) من تبعيض القرآن و صد الناس عن الاِيمان به.

وأمّا الآية الخامسة : فتذكر إنكار المشركين لاِتيان الساعة ويوم القيامة ، وهم ينكرونه مع ظهور عموم ملكه سبحانه وعلمه بكلّ شيء.

وقد كان سبب إنكارهم هو زعمهم أنّ الاِنسان يبلى جسده بعد الموت وتختلط أجزاوَه بأجزاء أبدان أُخرى على نحو لا تتميز ، فكيف يمكن إعادته؟ فأجاب سبحانه في الآية مشيراً إلى علمه الواسع ، ويقول : ( وَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا الساعَةُ قُلْ بَلى وَرَبّي لتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الغَيْبِ لا يَعزبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ وَلا فِي الأَرْضِ ولا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ في كِتابٍ مُبين ). (1)

فقوله : ( لا تَأْتِينَا السّاعَة ) حكاية لقول المشركين.

وقوله : ( قل بلى وربّي ) أمر للنبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) بأن يجيبهم بأنّ إتيان الساعة أمر قطعي.

____________

1 ـ سبأ : 3.

41

وأمّا ما تشكّكون به من اختلاط أجزاء الأموات بعضها ببعض فهو أمر سهل أمام سعة علمه سبحانه بالغيب ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، فهو يعلم بذرات بدن كلّ إنسان ويميّزه عن غيره ، ومع علمه سبحانه فالأجزاء ثابتة في كتاب مبين لا تتغير ولا تتبدل.

وأمّا الآية السادسة : يقول سبحانه : ( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أن ْلَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبّي لَتُبعَثُنّ ثُمْ لتُنَبَّوَُنّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير ). (1)

تشير الآية إلى إنكار الوثنيين الذين كانوا ينكرون البعث ، فأمر النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » بالاِجابة على إنكارهم بإثبات ما نفوه من الكلام مقروناً بأصناف التأكيد بالقسم واللام والنون وقال : ( وَرَبّي لَتُبعَثُنّ ثُمْ لتُنَبَّوَُنّّ ).

وأشار في ذيل الآية إلى أنّ البعث أمر يسير عليه تعالى ، وانّما طرحوه من شبهات حول البعث فهي ـ في الواقع ـ شبهات لا تصمد أمام قدرة اللّه وعلمه الواسع.

وأمّا الآية السابعة : أعني قوله سبحانه : ( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إي وَرَبّي إنّهُ لحقّ وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِين ). (2)

سياق الآية يوحي إلى أنّ المشركين كانوا يستخبرون النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » عن نزول العذاب أو وقوع البعث ، فأمره سبحانه بأن يجيب موَكداً ، فقال : ( قل إي وربّي انّه لحقّ ) وقد أكد الكلام بالقسم والجملة الاسمية ، و « انّ » المشبهة و « اللام ، » ثم أشار إلى أنّ الكافرين لا يعجزونه سبحانه عمّا أراد ، وقال : ( وَما أَنْتُمْ بِمُعجِزين ) ، وفي سورة المعارج قال مكانه : ( وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقين ).

____________

1 ـ التغابن : 7.

2 ـ يونس : 53.

42

وأمّا الآية الثامنة : ( فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالأَرْضِ انّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنّكُمْ تَنْطِقُون ). (1)

فالضمير في قوله : « إنّه » يعود إلى الرزق والوعد الواردين في الآية المتقدّمة ، قال سبحانه : ( وَفِي السَّماءِ رِزْقكُمْ وَما تُوعَدُون) والمراد من الوعد هو الجنة.

ثمّ أشار ( انّه لحقّ مثل ما أنّكم تنطِقُون ) وكما أنّ العلم بهذا الأمر ـ أي النطق ـ أمر ملموس لا شبهة فيه ، فهكذا الرزق والوعد من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس.

حكى الزمخشري عن الأصمعي قال : أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له ، فقال : ممن الرجل؟ قلت : من بني أصمع ، قال : من أين أقبلت؟ قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن ، فقال : اتل عليّفتلوت « والذاريات » فلمّا بلغت قوله : ( وَفِي السَّماءِرزْقكُمْ ) قال : « حسبك » ، فقام إلى ناقته ، فنحرها ووزّعها على من أقبل وأدبر وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولّى ، فلما حججت مع الرشيد ، طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق ، فالتفتّ فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفرّ فسلّم عليَّ و استقرأ السورة ، فلمّا بلغت الآية ، صاح وقال : قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقّاً ، ثمّ قال : وهل غير هذا؟ فقرأت : ( فوربّ السّماء والأرض انّه لحقّ ) فصاح ، وقال : يا سبحان اللّه من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجوَه إلى اليمين ، قالها ثلاثاً ، وخرجت معها نفسه. (2)

إلى هنا تمّ تفسير الآيات التي أقسم فيها سبحانه بربوبيّته ، وإليك الكلام في المقسم به ، والمقسم عليه.

____________

1 ـ الذاريات : 23.

2 ـ الكشاف : 3/169.

43

المقسم به

إنّ المقسم به في هذه الآيات الثمان هو الرب ، والربّ أصله من ربب ، يقول صاحب القاموس : ربّ كلّ شيء مالكه ومستحقه وصاحبه ، يقال : ربّ الأمر أصلحه.

يقول ابن فارس : الرب ، المالك ، الخالق ، الصاحب ، و الرب المصلح للشيء ، يقال : ربّ فلان ضيعته ، إذا قام على إصلاحها.

والربّ المصلح للشيء ، واللّه جلّثناوَه ، الرب لأنّه مصلح أحوال خلقه ، والراب الذي يقوم على أمر الربيب.

هذه الكلمات ونظائرها مبثوثة في كتب القواميس واللغة ، وهي ظاهرة في أنّ للرب معاني مختلفة ، حتى أنّ الكاتب المودودي تصوّر أنّ لهذه اللفظة خمسة معان ، وذكر لكلّ معنى من المعاني الخمسة شواهد من القرآن ، ولكن الحقّ أنّه ليس لتلك اللفظة إلاّ معنى واحد والجميع مصاديق متعددة لهذا المعنى أو صور مبسطة للمعنى الواحد ، وإليك هذه الموارد والمصاديق :

1. التربية : مثل رب الولد ، رباه.

2. الاِصلاح والرعاية : مثل رب الضيعة.

3. الحكومة والسياسة : مثل فلان قد ربّ قومه ، أي ساسهم وجعلهم ينقادون له.

4. المالك : كما جاء في الخبر ، عن النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) أرب غنم أم رب إبل.

5. الصاحب : مثل قوله : رب الدار ، أو كما يقول القرآن الكريم : ( فَلْيَعْبُدُوا رَبّهَذا الْبَيْت ). (1)

____________

1 ـ قريش : 3.

44

لا ريب انّ هذه اللفظة قد استعملت في هذه الموارد ، ولكن جميعها ترجع إلى أصل واحد وهو من فوض إليه أمر الشيء المربوب ، فلو قيل لصاحب الدار ومالكها ربّ الدار ، فلأنّ أمرها مفوض إليه ، ولو أطلق على المصلح و السائس ، فلأنّ بيد هوَلاء أمر التدبير والاِدارة والتصرف ، فلو قال يوسف في حقّ عزيز مصر : ( إِنَّهُ رَبِّي أَحسَنَ مَثْواي ) (1) ، فلأجل انّ يوسف نشأ في إحضانه وقام بشوَونه.

ولو وصف القرآن اليهود والنصارى بأنّهم اتخذوا أحبارهم أرباباً ، وقال : ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُم ْأَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ ) (2) ، فلأجل انّهم تسلّموا زمام سلطة التشريع وتصرّفوا في الأموال والأعراض كيفما شاءُوا.

إنّه سبحان وصف نفسه ، بقوله : ( ربُّ السَّماواتِ والأَرْض ) (3) وقال أيضاً : ( رَبّ الشعرى ) (4) كلّ ذلك لانّه تعالى مدبرها ومديرها ومصلح شوَونها والقائم عليها.

وهذا البيان يكشف النقاب عن المعنى الحقيقي للرب ، وهو المعنى الجامع بين هذه الموارد. أعني : من فوِّض إليه أمر الشيء من حيث الخلق و التدبير والتربية ، وبذلك يعلم ما في كلام ابن فارس من تفسيره بالخالق ، فانّه خلط بين المعنى ولازمه فالخالق ليس من معاني الرب.

نعم خالق كلّ شيء يعدّ مربياً ومدبراً.

وثمة نكتة جديرة بالاهتمام ، وهي : أنّ الوهابيين قسَّموا التوحيد إلى

____________

1 ـ يوسف : 23.

2 ـ التوبة : 31.

3 ـ الرعد : 16.

4 ـ النجم : 49.

45

التوحيد في الربوبية والتوحيد في الالوهية ، وفسَّروا الأوّل بالتوحيد في الخالقية ، بمعنى الاعتقاد بأنّ للكون خالقاً واحداً و فسروا الثاني بالتوحيد في العبادة ، بمعنى أنّه ليس في الكون إلاّ معبود واحد ولكنّهم اخطأوا في كلا الاصطلاحين.

أمّا الأوّل : فلأنّ التوحيد في الربوبية غير التوحيد في الخالقية ، فانّ الخالقية شيء والتدبير والاِصلاح شيء آخر ، واللّه سبحانه وإن كان خالقاً ومدبراً لكنّه لا يكون دليلاً على وحدة المفهومين في الخارج.

فالعرب في عصر الجاهلية كانوا موحدين في الخالقية ، وكان منطق الجميع ، ما حكاه سبحانه بقوله : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ ليقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ العَلِيم ). (1)

وفي الوقت نفسه لم يكونوا موحدين في الربوبية ، يقول سبحانه : ( وَاتَّخذوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ) (2) فكانوا يعتقدون بأنّ العزّة والتدبير من شوَون المدبر ، قال سبحانه : ( واتَّخذوا مِنْ دُونِ اللّه آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُون ) (3). فكانوا يرون أنّ النصر بيد الاِلهة ، خلافاً للموحد في أمر التدبير ، فهو يرى أنّ العزّة والنصر بيد اللّه سبحانه : قال تعالى : ( فَلِلّهِ العِزَّةُ جَميعاً ) (4) وقال تعالى : ( وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزيز الْحَكيم ) (5) إلى غير ذلك من الآيات الحاكية عن توغّلهم في الشرك في أمر التدبير.

____________

1 ـ الزخرف : 9.

2 ـ مريم : 81.

3 ـ يس : 74.

4 ـ فاطر : 10.

5 ـ آل عمران : 126.

46

وأمّا الثاني : فلأنّ التوحيد في الالوهية غير العبادة ، فهو مبني على أنّ الاِله بمعنى المعبود ، والعبادة من لوازم الاِله.

ولكنّه بعيد عن الصواب ، لأنّ ما يتبادر من لفظ الجلالة هو المتبادر من لفظ الاِله ، غير أنّ الأوّل جزئي موضوع لفرد واحد ، والثاني كلي وإن لم يوجد له مصداق آخر.

والذي يدل على أنّ الاِله ليس بمعنى المعبود هو أنّه ربما يستعمل لفظ الجلالة مكان الاِله على وجه الكلية والوصفيّة دون العلمية ، فيصحّ وضع أحدهما مكان الآخر ، كما في قوله سبحانه : ( وَهُوَ اللّهُ فِي السَّما واتِوَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْركُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُون ). (1)

فإنّ وزان هذه الآية وزان ، قوله سبحانه :

( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وِفِي الأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكيمُ الْعَليم ). (2)

( ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيراً لَكُمْ إِنَّما اللّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكونَ لَهُ وَلَد ). (3)

( هُوَ اللّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ الْمُوَْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللّهُ الْخالِقُ البارِىَُ الْمُصَوّرُ لَهُ الأَسماءُالْحُسْنى يُسَبِّحُلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيم ). (4)

ولا يخفى أنّ لفظ الجلالة في هذه الموارد وما يشابهها يراد منه ما يرادف

____________

1 ـ الأنعام : 3.

2 ـ الزخرف : 84.

3 ـ النساء : 171.

4 ـ الحشر : 23 ـ 24.

47

الاِله على وجه الكلية ( أي ما معناه أنّه هو الاِله الذي يتصف بكذا وكذا ).

ويقرب من الآية الأُولى ، قوله سبحانه :

( قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْماءُالْحُسْنى ). (1)

فإنّ جعل لفظ الجلالة في عداد سائر الأسماء ، والأمر بدعوة أيٍّ منها ، ربما يشعر بخلوّه عن معنى العلمية ، وتضمنه معنى الوصفية الموجودة في لفظ : « الاِله » وغيره ، ومثله قوله سبحانه :

( هُوَ اللّهُ الْخالِقُ البارِىَُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْماءُ الْحُسْنى ). (2)

فلا يبعد في هاتين الآيتين أن يكون لفظ الجلالة ملحوظاً على وجه الكلية لا العلمية الجزئية ، كما هو الظاهر لمن أمعن فيها.

المقسم عليه

إنّ المقسم عليه عبارة عن جواب القسم ، وهو في تلك الآيات كالتالي :

أ : الدعوة إلى تحكيم النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) والتسليم أمام قضائه. ( لا يُوَْمِنُون َحَتّى يُحكّموك ... ).

ب : التأكيد على قدرته سبحانه على أن يأتي بخير منهم : ( انّا لَقادِرُون عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً ... ).

ج : التأكيد على حشرهم وحشر الشياطين : ( لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطين ).

د : التأكيد على أنّهم مسوَولون يوم القيامة عن أعمالهم ( لنسئَلنّهم

____________

1 ـ الاِسراء : 110.

2 ـ الحشر : 24.

48

أَجْمَعين ... ).

هـ : التأكيد على إتيان الساعة : ( لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالم الغَيب ... ).

و : التأكيد على بعثهم وآبائهم : ( لتبعثن ثمّ لتنبوَنّ ... ).

ز : التأكيد على وقوع البعث : ( انّه لحقّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزين ... ).

ح : التأكيد على أنّ أمر الرزق وما توعدون من الجزاء حقّ : ( انّه لحقّ مثلَ ما أَنْتُمْ تَنْطِقُون ... ).

الصلة بين المقسم به والمقسم عليه

الصلة بينهما واضحة ، فانّ المقسم عليه في هذه الآيات ، كان يدور حول أحد أمرين :

أ : الدعوة إلى التحكيم إلى النبي والتسليم أمام قضائه.

ب : كون البعث والحشر والسوَال عن الأعمال ، أمراً حقّاً.

ومن الواضح أنّ كلا الأمرين من شوَون الربوبية ، فإنّ الربّ إذا كان سائساً ومدبراً فهو أعلم بصلاح المدبر فيجب أن يكون مسلماً لأمر النبيّ « صلى الله عليه وآله وسلم » ونهيه.

كما أنّ حياة المربوب من شوَون الرب دون فرق بين آجله وعاجله ، فناسب الحلف بالرب عند الدعوة إلى الحشر و النشر.

وبعبارة أُخرى : كان المشركون ينكرون التسليم أمام أمره ونهيه ، كما كانوا ينكرون البعث والنشر ، ولما كان الجميع من شوَون الربوبية حلف بالرب تأكيداً لربوبيته.

49

ثمّ إنّ المقسم به فيما مضى من الآيات هو لفظ الجلالة أو لفظ الرب ، المشيرين إلى الواجب الجامع لجميع صفات الكمال والجمال.

وثمة آيات ربما يستظهر منها أنّ المقسم به هو سبحانه تبارك وتعالى لكن بلفظ مبهم كـ « ما » الموصولة ، وقد جاء في آيات أربع :

1. ( وَالسَّماءِ وَما بَناها ).

2. ( وَالأَرْضِ وما طَحيها ).

3. ( وَنَفْسٍ وَما سَوّاها ). (1)

4. ( وما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثى ). (2)

وقد اختلفت كلمة المفسرين في تفسير لفظة « ما » ، فالأكثرون على أنّها « ما » موصولة كناية عن اللّه سبحانه ، وكأنّه سبحانه يقول : والسماء والذي بناها ، والأرض والذي طحاها ، ونفس والذي سواها ، والواو للقسم.

وهناك من يذهب إلى أنّها « ما » مصدرية ، وكأنّه يقول : أُقسم بالسماء وبنائها ، والأرض وطحائها ، والنفس وتسويتها.

ولكن الرأي الأوّل هو الأقرب لأنّ سياق الآية يوَيد ذلك ، لأنّه سبحانه يقول : ( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) (3) فالفاعل هو الضمير المستتر الراجع إلى « ما » الموصولة الواردة في الآيات الثلاث المتقدمة.والذي يصلح للفاعلية هو الموصول من « ما » لا المصدر ، وسيوافيك تفصيل ذلك عند البحث عن الحلف بما ورد في هذه الآيات.

____________

1 ـ الشمس : 5 ـ 7.

2 ـ الليل : 3.

3 ـ الشمس : 8.

50

الفصل الثالث القسم بالنبيّ (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم)

حلف القرآن الكريم بالنبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) مرَّتين ، فتارة بعمره وحياته ، وأُخرى بوصفه وكونه شاهداً ، ويقع البحث في مقامين :

المقام الأوّل : الحلف بعمر النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم)

حلف سبحانه بحياة النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) مرّة واحدة ، وقال حينما عرض قصة لوط : ( قالَ هوَلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلين * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِين ). (1)

تفسير الآيات

أخبر سبحانه في هذه السورة أنّ الملائكة لمّا خرجوا من عند إبراهيم أتوا لوطاً يبشرونه بهلاك قومه ، ولمّا حلّوا ضيوفاً عند لوط فرح الفجّار بورودهم ، فقال لهم لوط مشيراً إلى بناته ( انّ هوَلاء بناتي ) « فتزوجوهنّ إن كنتم فاعلين وكانت لكم رغبة في التزويج ، ولكن قوم لوط أعرضوا عمّا اقترح عليهم نبيّهم لوط وكانوا مصرّين على الفجور بهم ، غافلين عن أنّ العذاب سيصيبهم واللّه سبحانه يحلف بحياة النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) ، ويقول : ( لعمركَ انَّهُمْ لَفي

____________

1 ـ الحجر : 71 ـ 73.

51

سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون ) فلا يبصرون طريق الرشد ( فَأَخذتهُم الصَّيحة ) أي الصوت الهائل ( مشرقين ) أي في حال شروق الشمس.

المقسم به

المقسم به هو عبارة عن العمر ، أعني في قوله : « لعمرك » يقول الراغب : العَمر والعُمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة ، فإذا قيل طال عمره فمعناه عمارة بدنه بروحه ، إلى أن قال : والعَمر والعُمر واحد لكن خصَّ القسم بالعَمر دون العُمر ، كقوله سبحانه : (لَعَمْرُكَ انَّهُمْ لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون ).

وأما العُمُر فكما في قوله سبحانه : ( فطالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُر ) ، وفي آية أُخرى : ( لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُركَ سِنين ).

فاللفظان بمعنى واحد لكن يختص القسم بواحد منهما. (1)

المقسم عليه

هو قوله : ( انَّهُمْ لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون ) ، والمراد أقسم بحياتك وبقائك يا محمد ، انّهم لفي سكرتهم وانغمارهم في الفحشاء والمنكر متحيرين لا يبصرون طريق الرشد.

وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه.

قال ابن عباس : ما خلق اللّه عزّوجلّ وماذرأ ولا برأ نفساً أكرم عليه من محمد ، وما سمعت اللّه أقسم بحياة أحد إلاّ بحياته فقال لعمرك. (2)

____________

1 ـ المفردات : 347 ، مادة عمَر.

2 ـ مجمع البيان : 3/342.

52

وجه الصلة أنّه سبحانه بعث الأنبياء عامة ، والنبي الخاتم خاصة لهداية الناس وإنقاذهم من الضلالة وإيقاظهم من السكرة التي تعمُّ الناس ، وبما أنّ القوم كانوا في سكرتهم يعمهون وفي ضلالتهم مستمرون ، حلف سبحانه تبارك وتعالى بعمر النبي الذي هو مصباح الهداية والدليل إلى الصراط المستقيم.

المقام الثاني : الحلف بوصف النبي وأنّه شاهد

حلف القرآن الكريم في سورة البروج بالشاهد والمشهود ، وقال : ( وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُروج * وَالْيَومِ المَوعُودِ * وشاهدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصحابُ الأُخدُود ). (1)

أمّا المشهود فسيوافيك في فصل القسم في سورة القيامة انّ المراد منه يوم القيامة بشهادة ، قوله سبحانه : ( ذلِكَ يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاس وَذلِكَ يَومٌ مَشْهُود ) (2)

إنّما الكلام في الشاهد ، فالمراد منه هو النبي الخاتم (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) بشهادة أنّه سبحانه وصفه بهذا الوصف ثلاث مرّات ، وقال :

( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ). (3)

( انّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ ). (4)

( إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ). (5)

والآيات صريحة في حقّ النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) ، وفي بعض

____________

1 ـ البروج : 1 ـ 4.

2 ـ هود : 103.

3 ـ الأحزاب : 45.

4 ـ المزمل : 15.

5 ـ الفتح : 8.

53

الآيات عرّفه بأنّه ( شهيداً ) ، ويقول : ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ). (1)

( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هوَلاء ). (2)

هذه الآيات تعرب عن أنّ المقسم به هو النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) بما انّه شاهد على أعمال أُمّته وشهيداً عليها.

سئل الحسن بن علي (عليهما السلام) عن معنى الشاهد والمشهود في قوله سبحانه : ( وشاهدٍ وَمَشْهُود ) ؟ فقال : أمّا الشاهد فمحمد « صلى الله عليه وآله وسلم » ، وأمّا المشهود فيوم القيامة ، أما سمعته يقول : ( إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذيراً ) ، وقال تعالى : ( ذلِكَ يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاس وَذلِكَ يَومٌ مَشْهُود ). (3)

معنى الشهادة وكيفية شهادة النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم)

أمّا الشهادة فقد فسرها الراغب وقال : الشهود والشهادة ، الحضور مع المشاهدة امّا بالبصر أو بالبصيرة ، وقد يقال للحضور مفرداً عالم « الغيب والشهادة » وقد نقل القرآن شهادة النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) على قومه يوم القيامة ، فقال : ( يا رَبّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرآنَ مَهْجُوراً ). (4)

هذه حقيقة قرآنية في حقّ النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) وغيره ولا

____________

1 ـ البقرة : 143.

2 ـ النحل : 89.

3 ـ البحار : 1/13.

4 ـ الفرقان : 30.

54

يمكن إنكارها للتصريح بها في غير واحد من الآيات ، قال تعالى : ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئْنا بِكَ على هوَُلاءِ شَهيداً ).(1) وقال تعالى : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُوَذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُون ) (2)

وقال عزّ اسمه : ( وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداء ). (3)

والشهادة فيها مطلقة ، وظاهر الجميع ـ على إطلاقها ـ هو الشهادة على اعمال الأُمم ، وعلى تبليغ الرسل كما يومىَ إليه ، قوله تعالى : ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرسَلين ). (4)

وظرف الشهادة وإن كان هو الآخرة لكن الشهداء يتحملوها في الدنيا. قال سبحانه : ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد ). (5)

وعلى ضوء ذلك يثار هذا السوَال في الذهن ، وهو :

إنّ الشهادة من الحضور ولم يكن النبي (صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم) ظاهراً مع جميع الأُمة بل كان بمعزل عنهم إلاّ شيئاً لا يذكر ، فكيف يشهد وهو لم يحضر الواقعة أي أفعال أُمّته قاطبة؟

وهناك إشكال آخر أكثر غموضاً وهو : انّ الشهادة على ظاهر الأعمال ليست مفيدة يوم القيامة ، بل الشهادة على باطن الأعمال من كون الصلاة للّه أو للرياء

____________

1 ـ النساء : 41.

2 ـ النحل : 84.

3 ـ الزمر : 69.

4 ـ الأعراف : 6.

5 ـ المائدة : 117.