بحوث في الملل والنحل - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
416 /
5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على النبي الخاتم وعلى آله المصطفين الأخيار.

أما بعد : فهذا هو الجزء الرابع من موسوعتنا الكلامية حول المذاهب الإسلامية ، ونستعرض فيه دراسة المذهب الوهابي الّذي نشأ في أوسط القرن الثاني عشر في إقليم « نجد » وقد غاب نجمه يوم طلوعه ، وصار خامل الذكر ، ثم أعيد الي الساحة الإسلامية في أواسط القرن الرابع عشر ، بعد استيلاء العائلة السعودية على الحرمين الشريفين ( مكة و المدينة ) ، وتبنّت الدعايات السياسية الزمنية ترويج ذلك المسلك بترغيب وإرهاب ، وقامت الدوائر الإعلامية العالمية ـ عن طريق المجلات والصحف ، والمؤلفين المأجورين الجدد ـ بنشر تعاليمه و تفاصيله. أسأل اللّه سبحانه أن يوفقنا في هذا الجزء ، ويعيننا في هذه الدراسة ، ويوصلنا إلى الحق الصواب إنه قريب مجيب.

إنّ المذهب الوهابي المفروض على الشعب المسلم في الجزيرة العربية وغيرها ، قام على الأفكار الّتي ورثها مؤسّسها محمد بن عبدالوهاب ( ت 1115 ـ م 1207 ) من أحمد بن تيمية ( ت 661 ـ م 728 ) الّذي بذر هذه الأفكار في أواخر القرن السابع ( 698 ) وأوائل القرن الثامن ، وكانت بذرته الّتي بذرها مودوعة في الكتب وزوايا المكتبات ، إلى أن أحيى محمد بن عبد الوهاب ما دثره الدهر ، واتّخذ من عقائد شيخه في المذهب ابن تيمية قاعدة

6

لمذهبه ، وحذف منها ما يمتّ إلى مسألة التشبيه والتجسيم وإثبات الجهة والفوقية بصلة ، واهتم بما يرجع من عقائده إلى مسألة التوحيد والشرك.

ولأجل أن تكون الدراسة متكاملة الأطراف ، مترامية الجوانب ، نشرع باذيء بدء دراسة حياة شيخه ابن تيمية أولا ، ثم نعقبها بدراسة مجدّد مذهبه ومسلكه في القرن الثاني عشر الهجري ، وإليك البحث عن حياة ابن تيمية وآراء معاصريه في حقّه ، وآرائه ، مع تحليل ما اعتمد عليه من الأُصول لمذهبه ، ولكن بعد تقديم مقدّمة تكشف عن الظروف العصيبة الّتي أُلقيت فيها هذه البذرة ، ونشأ فيها هذا المذهب.

قم ـ الحوزة العلمية

جعفر السبحاني

شوال المكرم / 1410.

7

تصدير

كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة

دعامتان للإسلام

بُنىّ الإسلام على كلمتين هما دعامتاه المبدئيتان : كلمة التوحيد ، وتوحيد الكلمة; أمّا الأُولى فقد دعا إليها النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله وسلم) ، بل الأنبياء والمرسلون قاطبة ، ولم يكن لهم هدف سوى إرساء قاعدة التوحيد والقضاء على الوثنية ، وما سوى ذلك من التعاليم من فروع تلك الشجرة الطيبة وأغصانها وثمارها ، ولولا هذا الأصل لما قام للدين عمود ولا اخضرّ للإسلام عود. قال سبحانه : ( و لقد بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّة رَسُولا أنِ اعبُدُوا اللّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) . (1)

وأمّا الثانية فهي الدعامة الثانية لإرساء صرح الإسلام ، بل هي الركن الركين لنشر تعاليمه وكبح جماح الجبابرة والطواغيت ، ولولا وحدة الكلمة لكان الإسلام في بدء طلوعه فريسة لمطامع الظالمين ، وقد دعا إليها الذكر الحكيم في غير مورد من آياته. قال سبحانه : ( وَ اعتَصِموا بِحَبْلِ اللّهِ جَميعاً وَ لا تَفَرَّقُوا واذكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُم إذْ كُنْتُم أعداءً فَألَّف بين قُلُوبِكُم فَأَصبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْواناً ) (2).

وقد قام النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلم) في دار هجرته بتجسيد مفهوم الاخوّة بين أصحابه ، قال سبحانه : ( إنَّما المؤْمنونَ إخوةٌ فأَصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُم ) (3) ،

____________

1 ـ سورة النحل : الآية 36.

2 ـ سورة آل عمران : الآية 103.

3 ـ سورة الحجرات : الآية 10.

8

فآخى بين الأوس و الخزرج ، وبين المهاجرين والأنصار ، وآخى بين نفسه وصنوه وصهره عليّ (صلوات اللّه عليه) (1).

ثمّ إنّ الرسول الأكرم ـ انطلاقاً من هذا المبدأ ـ شبّه المؤمنين مع كثرتهم ووفرتهم بالجسد الواحد وقال : « مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد ( الواحد ) إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » (2).

ولقد كان النبي الأكرم يراقب أمر الأُمة ، لا يشقّ عصاها منازع جاهل أو عدوّ غاشم ، وكان يقودها إلى الأمام برعايته الحكيمة ، وكلّما واجه خلافاً أو شقاقاً ونزاعاً بادر إلى ترميم صدعها بحزم عظيم وتدبير وثيق ، ولقد شهد التاريخ له بمواقف في هذا المجال انتخبنا منها ما يلي :

1 ـ انتصر المسلمون على قبيلة بني المصطلق وقتل من قتل من العدوّ وأُسر من أُسر منهم; فبينما رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلم) على مائهم ، نشب النزاع بين رجل من الأنصار ورجل من المهاجرين ، فصرخ الأنصاري فقال : يا معشر الأنصار ، وصرخ الآخر وقال : يا معشر المهاجرين ، فلما سمعها النبي ، قال : دعوها فإنّها منتنة.. يعني إنّها كلمة خبيثة ، لأنّها من دعوى الجاهلية ، واللّه سبحانه جعل المؤمنين إخوة وصيّرهم حزباً واحداً ، فينبغي أن تكون الدعوة في كل مكان وزمان لصالح الإسلام و المسلمين عامة ، لا لصالح قوم ضدّ الآخرين ، فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية يُعزّر (3).

فالنبي الأكرم يصف كل دعوى تشقّ عصا المسلمين و تمزّق وحدتهم بأنّها دعوى منتنة ، فكيف لا يكون كذلك وهي توجب انهدام الدعامة للكيان الإسلامي ، وبالتالي انقضاض صرح الإسلام.

____________

1 ـ راجع في الوقوف على مصادر الحديث كتاب الغدير. ج 3 ص 112 ـ 124.

2 ـ مسند أحمد ج 4 ص 270.

3 ـ السيرة النبويّة ، ج 3 ص 303 غزوة بني المصطلق ، ولا حظ التعليقة للسهبيلي ، وراجع مجمع البيان ، ج 5 ص 293 وغيره من التفاسير.

9

2 ـ نزل النبي الأكرم دار هجرته والتفّت حوله القبيلتان : الأوس والخزرج ، فمرّ شأْس بن قيس ـ الّذي كان شيخاً عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم ـ على نفر من أصحاب رسول اللّه من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم ، وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الّذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال : قد اجتمع ملأُ بني غيلة بهذه البلاد ، لا واللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم من قرار ، فأمر فتىً شاباً من اليهود كان معهم فقال : اعمد اليهم فاجلس معهم ، ثم اذكر يوم بعاث ، يوم اقتتلت فيه الأوس و الخزرج ، وكان الظفر فيه يومئذ للأُوس على الخزرج ، وكان على الأوس يومئذ حضير بن سماك الأشهري ، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي ، فقتلا جميعاً.

دخل الشاب اليهودي مجمتع القوم فأخذ يذكر مقاتلتهم ومضاربتهم في عصر الجاهلية ، فأحيى فيهم حميتها حتّى استعدوا للنزاع والجدال بحجة أنّهم قتل بعضهم بعضاً في العصر الجاهلي يوم بعاث ، وأخذ الشاب يُؤجّج نار الفتنة ويصب الزيت على النار حتّى تواثب رجلان من الحيّين فتقاولا.

فبلغ ذلك رسول اللّه فخرج ، إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين ، حتّى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين! اللّه ، اللّه ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ، بعد أن هداكم اللّه بالإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم من الكفر وألّف به بين قلوبكم؟

كانت كلمة النبي كالماء المصبوب على النار بشدة وقوة ، حيث عرف القوم أنّها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم ، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً ، ثم انصرفوا مع رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلم) مذعنين ، متسالمين ، مطيعين قد دفع اللّه عنهم كيد عدو اللّه شأْس بن قيس ، فأنزل اللّه تعالى في شأْس وما صنع (1) ..

____________

1 ـ السيرة النبوية ج 2 ص 250.

10

3 ـ كان لقضية الإفك في عصر الرسول دوىّ بين أعدائه ، فكان عدوّ اللّه « عبد اللّه بن أُبي » يشيع الفاحشة ويؤذي النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلم) ، فقام رسول اللّه في الناس يخطبهم ، فحمد اللّه وأثنى عليه ـ ثم قال : « أيّها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق ، واللّه ما علمت منهم إلاّ خيراً ، ويقولون ذلك الرجل ، واللّه ما علمت منه إلاّ خيراً ، وما يدخل بيتاً من بيوتي إلاّ وهو معي ـ و كان كبر ذلك الإفك عند عبد اللّه بن أُبي بن سلول في رجال من الخزرج.

فلمّا قال رسول اللّه تلك المقالة ، قال « أسيد بن حضير » وكان أوسياً : يا رسول اللّه! إن يكونوا من الأوس نكفكهم ، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك ، فواللّه إنّهم لأهل أن تضرب أعناقهم ، فقال سعد بن عبادة ـ وكان خزرجياً ـ : كذبت لعمر اللّه لا تضرب أعناقهم ، أما واللّه ما قلت هذه المقالة إلاّ أنّك قد عرفت أنّهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد : ولكنّك منافق تجادل عن المنافقين. و عندئذ تساور الناس حتّى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شرّ. وفي لفظ البخاري : فصار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همُّوا أن يَقْتَتِلوا ورسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلم) قائم على المنبر ، فلم يزل يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت (1).

هذه نماذج من مواقف النبي الأعظم حيال الخلافات الّتي كانت تنشب أحياناً بين أُمّته وهو (صلَّى الله عليه وآله وسلم) كان يصنع من الخلاف وئاماً ومن النزاع وفاقاً ، ويدفع الشر بقيادته الحكيمة ، وما هذا إلاّ لأنّ صرح الإسلام قائم على كلمتين : كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.

وهذا صنو النبي الأكرم ووصيه وخليفته ـ إذ حرم من حقّه المشروع ، وبدلت الخلافة التنصيصية إلى تداول الخلافة بين تيم وعدي ، ثم إلى أُمّية ـ قد

____________

1 ـ السيرة النبوية ج 3 ص 312 ـ 313 ، و صحيح البخاري ج 5 ص 119 باب غزوة بني المصطلق.

11

بقي حليف بيته وأليف كتاب اللّه ، وهو يرى المفضول يمارس الخلافة مع وجود الفاضل ، بل يرى تراثه نهباً ، ومع ذلك كله لم ينبس ببنت شفة إلاّ في موارد خاصة ، حفظاً للوفاق والوئام ، وهو (عليه السلام) يشرح لنا تلك الواقعة بقوله : « فواللّه ما كان يُلْقَى في رُوعي ، وَ لا يَخْطُرُ ببالي ، أنّ العَرَبَ تُزعِجُ هَذَا الأَمرَ مِنْ بَعْدِهِ (صلَّى الله عليه وآله وسلم) عَنْ أهْل بَيتِهِ ، وَ لا أنّهُمْ مُنَحُّوهُ عنّي مِنْ بَعْدِهِ ، فما رَاعَني إلاّ انثيالُ الناسِ على فُلان يُبَايِعُونَهُ فَأمْسَكْتُ يدي حتّى رأيتُ راجعة الناسِ قد رَجَعَتْ عن الإسلام يَدْعُونَ إلى مَحْقِ دينِ مُحَمّد فخَشيتُ إن لَمْ أنْصُرِ الإسلامَ و أهلَهُ أن أرَى فيه ثَلْماً أو هَدْماً تَكُونُ المُصيبَةُ بِهِ علىَّ أعْظمَ مِنْ فَوْتِ ولايَتِكُم ، الّتي إنّما هِىَ مَتاعُ أيّام قَلائِلَ ... » (1).

وعندما تسنّم سدّة الخلافة ورجع الحق إلى مداره ، قام خطيباً فقال : « والزَمُوا السّوادَ الأعظَمَ ، فإنَّ يدَ اللّهِ مَعَ الجماعَةِ و إيّاكُمْ و الفُرْقَةَ فإنّ الشّاذَّ مِنَ الناسِ للشيطانِ كَمّا أنّ الشّاذّ مِنَ الغَنَمِ للذِّئْبِ. ألا مَنْ دَعَا إلى هذا الشّعارِ فَاقْتُلُوهُ وَ لَوْ كَانَ تحتَ عِمَامَتي هَذَهَ » (2).

هذه هي سيرة النبي الاكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلم) وسيرة وصيّه وتلميذه ، وهما تعربان عن أنّ حفظ الوحدة من أهمّ الواجبات وأوجب الفرائض ، ولكن يا للأسف لم تراع الأُمّة نصح النبي الأكرم عبر القرون والأجيال ، وهذه مأساة سقيفة بني ساعدة المسرحية وما تمخّض عنها. واقرأها بدقة وإمعان ترَ أنّ الجانبين المهاجرين والأنصار تشبّثوا بدعاوي منتنة تشبه دعوى الجاهلية ، فمندوب الأنصار يجرّ النار إلى قرصه بحجة أنّهم نصروا النبي الأكرم و آووه ، كما أنّ المتكلم عن جانب المهاجرين ( و لم يكن في السقيفة منهم آنذاك إلاّ خمسة أشخاص ) يراهم أحقّ بتداول الخلافة بحجة أنّهم عشيرة النبي الأكرم ، وفي الوقت نفسه لم نجد في كلامهما ما يشير إلى ما يخدم صالح الإسلام والمسلمين ، وأنّ المصالح الكبرى تكمن ضمانتها في تنصيب من توفّرت فيه شرائط وسمات وملامح القيادة الربّانية دون سائر أفراد الأُمّة.

____________

1 ـ نهج البلاغة ، الرسالة 62.

2 ـ نهج البلاغة ، الخطبة 127.

12

وقد توإلى الخلاف والشقّاق ، ودارت الدوائر على المسلمين بعد مقتل عثمان وانتخاب علي (عليه السلام) للزعامة باتفاق المهاجرين والأنصار ، إلاّ من شذّ ولا يتجاوز عددهم خمسة ، وعند ذلك ثقل على الأُمّة عدل علىّ وسيرته ، فثارت الضغائن البدرية ضدّه فوقع ما وقع ، وتوالت الوقائع والأحداث ، فجاءت وقعة الجمل الّتي أُريقت فيها دماء المسلمين ، لأجل إزالة الإمام وتنحيته عن حقّه ومقامه. وبعد ما انتصر الإمام على الناكثين وعاد الحق إلى مقره ، نجم قرن آخر تمثل في وقعة صفين الّتي ذهبت ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين ، إلى أن انتهى الأمر إلى وقعة النهروان الّتي شغلت بال الإمام واستنفدت طاقات المسلمين ، واستشهد الإمام ، والمسلمون بعد لم يندمل جرحهم ، وبويع ولده الإمام الحسن السبط للخلافة ، وأخذ بزمام الأمر أشهراً قلائل ، غير أنّ ابن ابي سفيان شنّ الغارة على العراق وشيعة الحسن (عليه السلام) ومبايعيه ، فانجرّ الأمر إلى التصالح ، وأُنيخ جمل الخلافة على باب بني أُميّة يتداول كرتها واحد بعد واحد ، حتّى انتكث عليهم فتلهم وأجهز عليهم عملهم بانتفاضة الأُمة ضدّهم ، إلى أن استولى العباسيون فصاروا خلفاء الأُمة وقادتها ، ولم يكونوا بأحسن من الأمويين.

وليت عدل بني العباس في النار * * * يا ليت جور بني مروان دام لنا

كان العباسيون يتوارثون الخلافة من الآباء إلى الأولاد ، و كان للإسلام صولة وللمسلمين هيبة ، ولم تكن تجترىء القوى الكافرة في العالم عبر قرون على غزو المسلمين ، وإن كانت الفتن والحروب الداخلية دائرة بينهم. غير أنّ تلك الحروب وضعف القيادة الإسلامية أتاحت فرصة صالحة للقوى الكافر ة المتربّصة بالمسلمين لشنّ الغارة على الوطن الإسلامي وضرب الإسلام والمسلمين ضربة قاضية في أوائل القرن السادس ، حيث أنشبت مخالبها في جسد الإسلام والمسلمين ، وانقضّت عليهما بالحملات الصليبية في أوائل ذلك القرن ، وكان منطلق شنّ تلك الحملات والغارات من جانب الغرب ، عن طريق البحر تارة على سواحل الشامات ، وأُخرى عن طريق البر عبر القسطنطنية.

كانت تلك الحروب لا تزال طاحنة ومشتعلة ينتصر فيها المسلمون على

13

العدو في فترة بعد فترة ، إذ بدأت الحملات الاُُخرى من جانب الشرق على يد التتار والمغول ، فكان مختتم الحروب الصليبية مبدأ للحروب الوثنية بايدي عبدة الشمس والكواكب ، ولعلّ هذا يعرب عن اتفاق الصليب والصنم ، وبالتالي الصليبيين والصنميين على تدمير الحضارة الإسلامية ... ولسنا أول من تنبّه إلى اتفاق هاتين القوتين في ذلك العصر المظلم ، بل يظهر عن طريق الإمعان في ثنايا التاريخ أنّ ذلك كان أمراً مدبّراً ، ولو لم يكن هناك اتفاق في بدء الأمر لكن حصل الاتفاق بين الصليبي والوثني في أثناء تلك الحروب ، وفي كلام ابن الأثير المعاصر لهذه الحروب إشارة إلى ذلك حيث يقول : « وقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأُمم. منها هؤلاء التتار ـ قبحهم اللّه ـ أقبلوا من المشرق ففعلوا الأفعال الّتي يستعظمها كل من سمع بها ، ومنها خروج الإفرنج ـ لعنهم اللّه ـ من المغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر ، وملكهم ثغر دمياط منها ، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف اللّه تعالى ونصره عليهم » (1).

ثم إنّ ابن الأثير يشير إلى ضعف القيادة الإسلامية في تلك العصور ، ويزيح النقاب عنها بقوله : « يسرّ اللّه للمسلمين و الإسلام من يحفظهم ويحوطهم ، فلقد دفعوا من العدو إلى عظيم ، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه ... » (2).

ولأجل إيقاف القارىء على مدى الخسائر الفادحة الواردة على الإسلام والمسلمين ، الناجمة عن هذه الحروب الصليبية والتترية ، نذكر لمحة خاطفة من هاتين الحربين كنموذج تمثيلي ، ليعلم بذلك داء المسلمين فيه ، ثم نبحث عن الدواء الّذي كان ينبغي لعلماء الإسلام أن يقدّموه إلى المجتمع الإسلامي ، والمصل الناجع ، ونقدّم الكلام عن الحروب الصليبية أوّلا ، ثم عن التترية ثانياً ، ثم تنامي رقعة الهجمات الصليبية في الوطن الإسلامي بهجومهم على الأندلس ثالثاً ، وقد استغرقت هذه الهجمات الصليبية والتترية قرنين ، من

____________

1 ـ الكامل في التاريخ ج 12 ص 360.

2 ـ الكامل في التاريخ ج 12 ص 376.

14

أوائل القرن السادس إلى أواخر القرن السابع أو أزيد.

الحروب الصليبية ( 491 ـ 616 )

كانت النصارى بالمرصاد للمسلمين ، وكان من أُمنياتهم الاستيلاء على بيت المقدس و سلبه من أيدي المسلمين بحجّة أنّه قبلة الأُمم المسيحية ومثوى ومنتجع عواطفهم الدينية ، فشنّوا الغارة على بلاد المسلمين حوالي سنة 491 إلى أواخر القرن السابع ، وكانت للحروب الصليبية مراحل ثمان أو تسع ، فكانوا ينتصرون في بعضها ، كما تلحقهم الهزيمة في بعضها الآخر ، ومن المراحل التي انتصروا فيها على المسلمين المرحلة المعروفة التي : « ساروا فيها إلى بيت المقدس ، فحاصروه ونصبوا عليه برجين ، وملكوه من الجانب الشمالي ، وسلّط على الناس السيف ، ولبث الإفرنج في البلد أُسبوعاً يقتلون فيه المسلمين ، وقتل بالمسجد ما يزيد على سبعين ألفاً ، وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء » (1).

إنّ التواريخ الإسلامية تعرف السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ( م 589 هـ ) الفاتح الكبير والقائد الفذّ ، الّذي صمد في وجه ، الصليبيين حيث طرد الإفرنج عن الشامات ، غير أنّه لم يقض في فتوحاته على غائلة الحروب الصليبية بشكل نهائي ، بل امتدت هذه الحروب في الوطن الإسلامي بعده ايضاً. كيف وقد وقعت حرب ضروس في سنة 593 هـ بين الملك العادل ابي بكر بن ايوب وبين الإفرنج ، فأنقذ مدينة يافا من الساحل الشامي من يد الإفرنج (2) وقد ذكر ابن الأثير أيضاً في حوادث سنة 614 : « أن الإفرنج اقاموا بعكا إلى أن دخلت سنة 615 فساروا في البحر إلى دمياط ، فوصلوا في صفر ، فأرسلوا على بر الجيزة بينهم وبين دمياط النيل ... » (3).

زحف التتار إلى البلاد الإسلام

قد ذكر المؤرخون بعض الدوافع لاشتعال هذه الحرب في أوائل القرن

____________

1 ـ تاريخ مختصر الدول ، للملطي المعروف بابن العبري ، المتوفى 675 هـ.

2 ـ الكامل ج 12 ص 126 .

3 ـ الكامل ج 12 ص 323.

15

السابع بين الوثنيين والمسلمين قالوا : إنّ ملك التتار المعروف بـ « جنكيز خان » قد سيّر جماعة من التجار ومعهم شيء كثير من النقرة والقندر وغيرهما إلى ما وراء النهر ، سمرقند وبخارى ، ليشتروا به ثياباً للكسوة ، فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمّى « أوترار » وهي آخر ولاية « خوارزم شاه » وكان له نائب هناك ، فلما وردت عليه هذه الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم ، ويذكر له ما معهم من الأموال ، فبعث إليه خوارزم شاه يأمره بقتلهم وأخذ ما معهم من الأموال ، فقتلهم وسيّر ما معهم ، وكان شيئاً كثيراً ، فلما وصل إلى خوارزم شاه فرّقه على تجار بخارى و سمرقند ، وأخذ ثمنه منهم ، فبلغ الخبر إلى جنكيزخان فأرسل رسولا إلى خوارزم شاه يقول : « تقتلون أصحابي و تجاري وتأخذون مالي منهم ، فاستعدوا للحرب فإنّي واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به » (1).

ويظهر من بعض الآثار أنّ يد بعض الأساقفة كانت وراء تحريض ملك التتار على الزحف والحرب ، يقول ابن العبري : « عظم الأمر عند جنكيزخان وتأثر منه إلى الغاية وهجره النوم ، وصار يحدث نفسه ويفكر في ما يفعله ، ففي اليلة الثالثة رأى في منامه راهباً عليه السواد وبيده عكازة وهو قائم ، فذكر رؤياه للأسقف فقال الأسقف : يكون الخان قد رأى بعض قديسينا ، ومن ذلك الوقت صار يميل إلى النصارى ويحسن الظن بهم ويكرمهم ، ومن هذه السنة ( 616 ) قصد جنكيزخان البلاد الإسلامية » (2).

الداهية العظمى أو خروج التتار إلى بلاد الإسلام

إنّ عظمة الداهية بلغت حداً لا يستطيع القلم واللسان تبيينها وترسيمها ولا يستطيع المسلم أن يسمع ذكراً منها أو يقرأ فصلا من فصولها ، حتّى أنّ ابن الأثير بقي عدة سنين معرضاً عن ذكر الحادثة استعظاماً لها ، كارهاً لذكرها ، فبقي يقدّم رجلا ويؤخّر أُخرى ، ثم علّل إعراضه عن تحرير هذه الواقعة

____________

1 ـ الكامل ج 12 ص 361 ـ 362.

2 ـ تاريخ مختصر الدول ص 230.

16

بقوله : « ومن ذا الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين ، ومن ذا الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني ، ويا ليتني متّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً ، إلاّ أنّه حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ، ثم رايت أنّ ترك ذلك لا يجدي نفعاً فنقول : هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها ، عمّت الخلائق وخصّت المسلمين ، فلو قال قائل إنّ العالم مذ خلق اللّه سبحانه وتعالى آدم و إلى الآن لم يبتلوا بمثله لكان صادقاً ، فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها ولا ما يدانيها.

ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب بيت المقدس ، وما بيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد ، الّتي كل مدينة منها أضعاف بيت المقدس ، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا؟ فإنّ أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل ، ولعل الخلق لن يروا مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا ، إلاّ يأجوج ومأجوج.

وأمّا الدجال فإنّه يبقي على من اتّبعه ويهلك من خالفه ، وهؤلاء لم يبقوا على أحد ، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال ، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة ، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم ، ولهذه الحادثة الّتي استطار شررها ، وعمّ ضررها ، وصارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح ، فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين ، فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاسغون ، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبخارى وغيرهما ، فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره ، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكاً ، وتخريباً وقتلا ، ثم يتجاوزونها إلى الري ، وهمدان ، وبلد الجبل وما فيها من البلاد إلى حد العراق ، ثم يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية يخربونها ويقتلون أكثر أهلها ومن ينجو إلاّ الشريد الفارّ ( فعلوا كل ذلك ) في أقل من سنة هذا ما لم يسمع بمثله.

ثم لما فرغوا من آذربيجان وأرانية صاروا إلى دربند شروان فملكوا مدنه

17

ولم يسلم غير القلعة الّتي بها ملكهم ، وعبروا عندها إلى بلد اللان واللكز ، ومن في ذلك الصقع من الأُمم المختلفة فأوسعوهم ، قتلا ، ونهباً ، وتخريباً ، ثم قصدوا بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عدداً ، فقتلوا كل من وقف لهم ، فهرب الباقون إلى الغياض ورؤوس الجبال ، وفارقوا بلادهم واستولى هؤلاء التتر عليها في أسرع زمان ، ولم يلبثوا إلاّ بمقدار مسيرهم لا غير.

ومضت طائفة أُخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان ، ففعلوا فيها مثل ما فعل هؤلاء وأشد. وهذا ما لم يطرق الأسماع مثله. فإنّ الإسكندر الّذي اتفق المؤرخون على أنّه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة ، إنّما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحداً. وإنّما رضي من الناس بالطاعة ، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه ، وأكثره عمارة وأهلا ، وأعدل أهل الأرض أخلاقاً وسيرة في نحو سنة ، ولم يبق في البلاد الّتي لم يطرقوها إلاّ وهو خائف يتوقعهم ويترقب وصولهم إليه »(1).

ثم إنّ ابن الأثير تتبّع مسير التتار وهجماتهم الوحشية ، فذكر الحوادث المفجعة سنة بعد سنة ، إلى أن وصول إلى حوادث ( 628 هـ ) وبعدها بقليل.

و أظنّ أنّ فيما ذكره على وجه الإجمال غنى وكفاية ، ولا يحتاج إلى سرد التفاصيل الّتي جاءت بعد هذا الإجمال ، ولكنّه لم يدرك الهزيمة النكراء الّتي أصابت المسلمين عند سقوط بغداد ، ولكن المؤرخين الذين جاءوا بعده ذكروا سقوط العاصمة في أيدي أولئك الوحوش الضواري ، وقد ارتكبوا جرائم لا تغسل عن ساحة الذاكرة الإنسانية بماء المحيط ، فضلا عن البحر والنهر ، ولاجل إيقاف القارىء على مدى الخسائر الفادحة الروحية والجسدية الواردة على المسلمين ، نذكر من تلك الهجمات العديدة هجومهم على بغداد ، فإنّه يوقفنا على حقيقة ما جرى في غيرها ، معتمدين في ذلك على ما سطره ابن كثير في تاريخه.

____________

1 ـ الكامل لابن الأثير ج 12 ص 358 ـ 361.

18

سقوط الخلافة العباسية بأيدي وحوش التتار

لم تستهل هذه السنة إلاّ وجنود التتار قد أحاطت ببغداد بصحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار ، هولاكوخان ، وقد جاءت إليهم أمداد صابح الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه ، وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار ، ومصانعة لهم قبّحهم اللّه تعالى ، وقد سترت بغداد ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات الممانعة الّتي لا ترد من قدر اللّه سبحانه وتعالى شيئاً ، كما ورد في الأثر « لن يغني حذر عن قدر » و كما قال تعالى : ( إنَّ أجَلَ اللّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ) (1) وقال تعالى : ( إنَّ اللّهَ لا يُغيِّرُ ما بِقَوم حتّى يُغيِّروا ما بأنفُسِهم وَإذا أرادَ اللّهُ بِقوم سُوءاً فَلا مَردَّ لَهُ وَمَا لَهم مِن دُونِهِ مِن وَال ) (2). وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه ، وكانت من جملة خطاياه ، وكانت مولدة تسمى عرفة ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً ، وأحضر السهم الّذي اصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب : « إذا أراد اللّه إنفاذ قضائه وقدره أذهب عن ذوي العقول عقولهم » فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز ، وكثرت الستائر على دار الخلافة وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها ـ وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل ـ إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة.

ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة ، ممن لا يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر ، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية ، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة ، لا يبلغون عشرة آلاف فارس ، وهم بقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتّى استعطى كثير منهم في الأسواق وعلى أبواب المساجد ، و أنشد فيهم الشعراء قصائد يرثونهم ويحزنون على الإسلام وأهله.

ولما فتحوا البلد ، قتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء

____________

1 ـ سورة نوح : الآية 4 .

2 ـ سورة الرعد : الآية 11.

19

والوالدان والمشايخ والكهول والشبان ، ودخل كثير من الناس في الآبار و أماكن الحوش ، وقني الوسخ ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون ، وكان الجماعة من الناس يجتمعون في الخانات ويغلقون عليهم الأبواب ، فتفتحها التتار إمّا بالكسر و إمّا بالنار ، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة ، فيقتلونهم بالأسطحة ، حتّى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون. وكذلك في المساجد والجوامع والربط ، ولم ينج منهم سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم ... وطائفة من التجار أخذوا لهم أماناً ، وبذلوا عليه أموالا جزيلة حتّى سلموا وسلمت أموالهم ، وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلّها ، كأنّها خراب ليس فيها إلاّ القليل من الناس ، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة.

وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريب مما جرى على أهل بغداد ، كما قصّ اللّه تعالى ، علينا ذلك في كتابه العزيز ، حيث يقول : ( وَ قَضَينا إلى بَني إسرائيلَ في الكتابَ لَتُفْسِدُُنَّ في الأرضِ مَرَّتَينِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كبيراً * فإذا جاءَ وَعدُ أولاهُما بَعَثْنا عَليكُم عَباداً لَنا أُولي بَأْس شَديد فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ وَكَانَ وَعْداً مَفعولا ) (1).

وقد قتل من بني إسرائيل خلق من الصلحاء ، وأسر جماعة من أولاد الأنبياء ، وخرب بيت المقدس بعد ما كان معموراً بالعباد والزهاد والأحبار والأنبياء ، فصار خاوياً على عروشه واهي البناء.

وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة. فقيل ثمانمائة ألف ، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف ، وقيل بلغت القتلى ألفي نفس ، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلىّ العظيم ، وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم ، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوماً.

ولما انقضى الأمر المقدور وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على

____________

1 ـ سورة الإسراء : الآية 4 ـ 5.

20

عروشها ليس بها أحد إلاّ الشاذّ من الناس ، القتلى في الطرقات كأنّها التلول ، وقد سقط عليهم المطر فتغيّرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد ، وتغيّر الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد ، حتّى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام; فمات خلق كثير من تغيّر الجو وفساد الريح ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والطعن والطاعون فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.

ولما نودي ببغداد الأمان ، خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنّهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم ، وقد أنكر بعضهم بعضاً فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى ، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الّذي يعلم السرّ وأخفى اللّه لا إله إلاّ هو له الأسماء الحسنى ، وكان رحيل السلطان المسلّط هولاكوخان عن بغداد في جمادي الأُولى من هذه السنة ( 666 هـ ) إلى مقر ملكه (1).

ثم امتدّت الهجمات بعد سقوط بغداد حتّى وصل جيش العدو إلى عين جالوت وغزة في فلسطين ، وكانت الأُمنية الكبرى للعدو هي الاستيلاء على الشامات ثم مصر ، ولكن الزحف توقف بتدبير الملك الظاهر بيبرس ( 659 ـ 676 هـ ) ولكن العدو حاول الاستيلاء ثانياً على الشامات ... (2) .

وهذا اليافعي يتتبّع مسير التتار وهجومهم ، فيقول في حوادث عام 700 هـ :

« حصلت أراجيف بالتتار وجاء غازان بجيشه الفرات وقصد حلب فتشوشت الخواطر ... ».

ويقول في حوادث عام 702 هـ : « طرق غازان الشام ولكن انهزم عند سور دمشق وتفرّقت جيوشه ، ثم جهّز غازان جيوشه فصاروا إلى مرج دمشق وتأخر المسلمون وبات أهل دمشق في بكاء واستغاثة وخطب شديد ، وقدم

____________

1 ـ البداية والنهاية ، ج 13 ، ص 200 ـ 213.

2 ـ فيليب حتي. تاريخ العرب المترجم إلى الفارسية ، ج 2 ص 883 ، 851 ، 828.

21

السلطان وانضمّت إليه جيوشه ... » (1).

هذا قليل من كثير مما جنت يد التتار على الإسلام والمسلمين ، وقد امتدّ الدمار والهلاك بعد هذه السنة حتّى تجاوز القرن السابع إلى أواخر القرن الثامن. فابتدأت الحروب التترية من عام 603 هـ وانتهت عام 807 هـ بموت تيمورلنك الّذي تظاهر هو بالإسلام وبعض من قبله ، ولكن لمن تزل القلوب مضطربة باستيلاء هؤلاء على المناطق الإسلامية.

إبادة المسلمين في الأندلس

انتهت الحروب الصليبية والتترية في مختتم القرن الثامن ، ولكن نار الحرب بين المسلمين والمسيحيين كانت مشتعلة في الوطن الإسلامي « الأندلس » عن طريق إبادة المسلمين وإجلائهم عن وطنهم والتنكيل بهم.

إنّ المسلمين بفضل المجاهدين الإسلاميين وصلوا إلى تلك البلدة الخصبة عام 92 هـ واستمرّوا في الفتح إلى أن وصلوا إلى قلب فرنسا عند مدينتي « تور » و « بواتييه » عام 112 هـ (2) وهناك توقفت الفتوحات بسبب ضعف القيادة الإسلامية في بغداد ، وقطع صلة الحكام بالأندلس عنها ، وعند ذلك طمع الصليبيون في سلب تلك البلدة من أيدي المسلمين ، فبدأوا بالحروب ضدهم ، وكانت الأندلس في نهاية القرن الخامس الهجري قد انقسمت إلى عدة ممالك صغيرة ، عرف حكامها بملوك الطوائف ، وكان نصارى الشمال يهددون هذه المنطقة » (3).

إلى أن حلت الهزيمة بالمسلمين في موقعة العقاب في 15 صفر 609 هـ أي في نفس الوقت الّذي كان التتار قد بدأوا بشنّ الغارة على المسلمين من الشرق إلى الغرب وبالتالي زال سلطان « الموحدين » وسقطت هذه البلاد في يد

____________

1 ـ مرآة الجنان ج 4 ص 234 ـ 235.

2 ـ دائرة المعارف الإسلامية ، مادة « أندلس ».

3 ـ تاريخ الإسلام ، تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن ، ج 4 ص 537.

22

« الإسبان » ولم يبق في أيدي المسلمين سوى منطقة جبلية في جنوب شرقي إسبانية حيث قامت مملكة « غرناطة » الإسلامية على أيدي بني نصر ( بني الأحمر ) الذين بايعوا الخليفة الحفصي أقوى حكام المغرب في ذلك الحين (1).

ولكن العدو لم يرض بما اكتسب من الفتوح فشنّ الغارة عليهم حتّى أبادهم عام 898 هـ فصار الأندلس كله للإسبان.

ثم إنّ التاريخ يحكي لنا تعامل الإفرنج مع المسلمين معاملة سوء ، حيث أجبروهم على التنصّر وعلى خروج النساء مكشوفات ، فهرب المسلمون إلى الجبال فصاروا يطاردونهم كما تطارد الفرائس. وقد عدّ بعض المؤرخين عدد العرب المطرودين في قرن واحد ( أي من عام 791 إلى عام 898 هـ ) نحواً من ثلاثة ملايين كانوا نخبة المسلمين وأعظمهم صناعة وعلماً.

و أنت إذا قرأت التاريخ وقلبت صفحاته تقف على أنّ هذه القرون الأربعة أي من بداية 500 إلى 900 هـ شرّ القرون وأسوأها بالنسبة إلى المسلمين ، فقد حلت بهم عقوبات وضحايا لم يسجّل التاريخ لواحد من الأُمم مثلها ، وإليك مبدأ هذه الحروب ومختتمها :

1 ـ الحروب الصليبية. بدأت من عام 489 هـ واستمرت إلى عام 660 هـ.

2 ـ الحروب التترية ، ابتدأت من عام 603 وانتهت عام 807 هـ بموت تيمور لنك الّذي تظاهر بالإسلام.

3 ـ إبادة المسلمين في الأندلس و إجلاؤهم بعد انحصار سلطانهم في منطقة صغيرة في غرناطة ، ابتدأت من عام 609 إلى 898 هـ.

حصيلة البحث

نحن نستنتج من هذا البحث الضافي أنّ الخلافة العباسية وملوكها وسلاطينها بلغوا من الفساد والانحلال إلى حدّ غاب عنهم معه ما كان يجري

____________

1 ـ المصدر نفسه ، ص 318.

23

خارج قصورهم ، فقد كانت القوى الكافرة محيطة بدار الخلافة ، والخليفة كان غافلا عمّا يجري خارج القصر ، وكانت تلعب بين يديه جاريته فلم يوقظه من الغفلة أو السكرة إلاّ إصابة نبل الخصم لجاريته ، فإذا كان هذا هو الإسلام وهذا خليفته ، وهذا شعوره وإحساسه ، فعلى الإسلام السلام ، وعلى تلك الخلافة العفاء.

وقد عرفت أنّ ابن الأثير كان من المشاهدين للقضايا عن كثب ، ويعرف الخلفاء وسلاطينهم بأنّهم بلغوا من العقلية إلى درجة لا يهمّهم إلاّ ما يهمّ البهيمة من إشباع بطنها و إرضاء فرجها (1).

ومن المعلوم أنّ الفساد لم يكن مقتصراً على بلاط الخلفاء ، بل الانحلال الخلقي والانحطاط المعنوي كان سائداً على الغالبية العظمى من المجتمع ، إذ الناس على دين ملوكهم ، ومن العجب أنّ المؤرخين الأباعد يحملون وزر سقوط الخلافة العباسية على عاتق الوزير الشيعي مؤيّد الدين ابن العلقمي ، الّذي يصفه ابن الكثير بقوله : « وكان عنده فضيلة في الإنشاء وليديه فضيلة في الأدب » ويضيف أيضاً : « إنّه أشار على الخليفة بأن يبعث إلى هولاكو بهدايا سنية ليكون ذلك مدارة له عمّا يريده من قصد بلادهم ، فخذّل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير « أيبك » وغيره ، وقالوا إنّ الوزير إنّما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال ، وأشاروا بأن يبعث بشيء يسير ، فأرسل شيئاً من الهدايا فاحتقرها هولاكوخان » (2).

ومن الظلم إلقاء جريرة سقوط بغداد على عاتق هذا الوزير مع كون الخليفة على الحال الّتي سمعتها من ابن الكثير ، وكون الملوك والسلاطين لا يهمّهم إلاّ بطنهم وشهوتهم ، مع اشتعال نار الخلاف بين الرؤساء والقادة الشاغلين منصّة قيادة المجتمع الإسلامي ، فلا تنتج تلك المقدمات إلاّ هذا الوضع الوبيل ، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.

____________

1 ـ الكامل في التاريخ ج 12 ص 375.

2 ـ البداية والنهاية ج 13 ص 214.

24

الحواضر الإسلامية آنذاك ، دواؤها وذواوها

قد تعرّفت على الأوضاع المؤسفة السائدة في الحواضر الإسلامية ، وما آلت إليه من الدمار والهلاك والمذابح الفظيعة ، والمجازر الرهيبة الّتي تعرّض لها سكانها الأبرياء ، بسبب تلك الحملات العدوانية ، وعندئذ نسأل كل مسلم حر الضمير عن دواء هذا الداء الّذي ألمّ بالمسلمين ، وعلاج تلك المأساة الّتي وقع فيها الإسلام ؟

ولا أشك في أنّ دواءها الوحيد كان هو إحياء التعاليم الإسلامية ـ آنذاك ـ في مجال الجهاد والمقاومة ، وإعادة الثقة إلى النفوس ، والعمل على تقوية المعنويات ورفع المستوى العسكري لدى المسلمين عملا بقوله تعالى : ( وَ أعِدُّوا لهم مَا استَطَعْتُم مِن قُوَّة وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَ عَدُوَّكُم ) (1).

ثم السعي في توحيد ما تفرّق وتشتّت من صفوف المسلمين ، وحثّهم على تعمير ما تهدم من حضارة الإسلام ، وإحياء شتى مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ممّا انهارت تحت ضربات الأعداء من الشرق والغرب.

ولا يكون ذلك إلا بإعادة العلم الناجع إلى الساحة ، وتناسي الخلافات الفرعية ، والدعوة إلى التمسّك بمبادىء الوحدة ، وتجسيد قوله سبحانه : ( إنَّما المُؤمنُونَ إخوةٌ ) (2) ورفض البحث عن الخلافات الّتي تثير النزاع ، وتوجد الفرقة وتمزق الصفوف.

هذا ما يحكم به ضمير كل إنسان حر ، فلو وجدنا في مثل هذه الظروف العصيبة من يثير نار الخلافات الطائفية والمذهبية ، وبالتالي يضرب المسلم بالمسلم ويشغلهم بالبحث عن فروع ليس لها من الأهمية بالقياس إلى علاج الدمار الرهيب الّذي حلّ بالمسلمين ـ لو وجدنا رجلا بهذا الوصف والنعت ـ فلا نشك أنّ نعرته نعرة جاهلية ، وحركته حركة مشبوهة ، ودعوته دعوة منتنة

____________

1 ـ سورة الانفال : الآية 60.

2 ـ سورة الحجرات : الآية 10.

25

حسب تعبير النبي ، ومن الظلم والجناية على الإسلام والمسلمين تلقيب هذا الداعي بـ « شيخ الإسلام » أو « محيي الشريعة » أو « محيي السنة » أو غير ذلك من ألفاظ الثناء الوافر الّذي يوصف به هذا الرجل في هذا القرن ، بترغيب وترهيب من أصحاب الثراء والسلطة ، بعد أن كان معروفاً بغيرها في القرون الغابرة ، كما ستوافيك كلمات معاصريه ومن جاء بعدهم إلى هذه الأعصار .

إنّ طرح الخلافات الكلامية والفقهية ـ في العصر الّذي كانت القوارع تنصبّ فيه على رؤوس المسلمين من الشرق والغرب ، وتهدم الديار وتقتل النفوس البريئة ، وتشقّ بطون النساء والأطفال ، ويرفع الرجال على أعواد المشانق وتخضب الأراضي بدماء المسلمين ـ ما هو إلاّ من قبيل صب الزيت على النار ، وتعميق الجرح غير المندمل.

إنّ طرح المسائل على ضوء العقل إذا كان لغاية التعرّف على الحقائق أمر يستحسنه العقل ويقبله الشرع في جميع الحالات ولكن طرح هذه المسائل على وجه يتضمن تكفير الفرق الإسلامية واتهامهم بالشرك ، وتجويز قتلهم وإهدار دمائهم ، في الوقت الّذي غمس العدو يده في دمائهم إلى مرفقه ، وقتل منهم الملايين ، لا يصحّ تفسيره إلاّ بأحد وجهين : إمّا أن يكون رجلا غبياً لا يعرف الداء ولا الدواء ، أو رجلا مُعقّداً مغرماً بالشهرة وحبّ العظمة.

وما هذا الرجل إلاّ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ( ت 661 ـ م 728 هـ ) فقد ولد في شر القرون وعاش في أجوائها الصعبة على المسلمين ، ومات في ظروف الهزيمة الّتي حلت بالمسلمين ، لعلل تعرّفت عليها ، فقد أثار في تلك الظروف العصيبة مسائل خلافية لا تزيد في الطين إلاّ بلّة ولا في الجرح إلاّ تعميقاً ، فهو بدل أن يعيد إلى الساحة الإسلامية الأخلاق والعمل بالإسلام ، ويعظ الملوك والساسة بالقيام بالوظائف وفتح معسكرات لإعداد الشباب وتدريبهم ، وإيجاد روح الكفاح ، تجده يرفع عقيرته بالمسائل الّتي لا تعود على المسلمين في تلك الظروف العصيبة بشيء سوى تعميق الخلاف وتعكير الصفو ، وتشديد النزاعات المذهبية والطائفية.

ورؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام

26

للمسلمين ـ ولأجل ذلك اعتقل ونفي إلى مصر ـ هي الأُمور التالية :

1 ـ يجب توصيفه سبحانه بالصفات الخبرية بنفس المعاني اللغوية من دون تصرّف ، كالاستواء على العرش ، و أن له يداً ووجهاً ، وأن له نزولا وصعوداً.

2 ـ يحرم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك.

3 ـ يحرم التوسّل بالأولياء والصالحين.

4 ـ تحرم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم.

5 ـ يحرم بناء القبور وتعميرها.

6 ـ لا يصح أكثر الفضائل المنقولة في الصحاح والسنن في حقّ علىّ وآله.

إلى غير ذلك من المسائل الفرعية في أبواب الطلاق وغيرها كما ستقف عليها عند عرض آرائه. هب أيّها القارىء لما أنّ تبنّاه من الآراء مسحة من الحق ـ وليست آراء ساقطة تضاد القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة المسلمين ـ هب أنها آراء صحيحة ـ ولكنّها هل كانت مفيدة في تلك الظروف ، هل كانت دواءً لداء الأُمة الإسلامية؟ أو كانت أموراً غريبة عمّا يجب القيام به ، بل كانت مؤيدة لما يتوخاه العدو من تشتيت الشمل وتمزيق الصفوف؟!!

إنّ من البداهة بمكان أنّ هذه المسائل لم تكن مما يخشاه العدو ، فإنّ هذا النوع من المسائل الجدلية لا تفضح نوايا العدو ولا تعرقل خططه ، لأنّها لا تعيد إلى المسلمين روح الوثبة والمقاومة والاستبسال ، بل من شأنها أن تستنفد طاقاتهم من دون جدوى ، و تفني قواهم من دون أثر يتّصل بالواقع.

فلو كان ابن تيمية « شيخ الإسلام » حقاً لكان عليه أن يدع ما يلهي المسلمين عن مصيرهم ، بل ما يعمّق محنتهم ، ويتصدّى لمواجهة العدو بإعادة الروح الجهادية إلى نفوسهم ، وبث المعنويات في قلوبهم ، وتوجيه همم

27

المسلمين ، إلى إعادة بناء كيانهم العسكري والصناعي والعلوم الناجعة ، حتّى يستعيدوا بذلك مجدهم المندثر الّذي تألق في القرن الرابع الهجري.

ويا للأسف إنّه بدل القيام بوظائف شيخوخة الإسلام الحقيقية انصرف إلى مسائل اجتهادية ليست ناجعة في ذلك العصر ولا بعده.

ابن تيمية لم يكن سلفياً

إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية ، ويتقولون فيه بأنّه محيي مذهب السلف. هب أنّ السلفية مسلك ومذهب ، ولكن السلفي عبارة عمَّن لا يتخطّى عمّا سلكه السلف الصالح طيلة قرون سبعة ، ولكن أراءه وأفكاره على طرف النقيض من أراء السلف. إنّ المسلمين طيلة قرون كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه ، ولم تقع الزيارة في تلك العصور ولو مرة واحدة ذريعة إلى الشرك ، بل كان الداعي إلى زيارته في كل فترة من الفترات ، كونه نبىّ الإسلام نبىّ التوحيد ، ومكافح الشرك ومنابذه ، فيجب احترامه وتكريمه وحفظ آثاره وقبره ، وآثار أصحابه وزوجاته وأبنائه انطلاقاً من هذا المبدأ ( أي كونه نبىّ التوحيد ، مشيد بنائه الشامخ ) ولكنّا نرى أنّ ابن تيمية يخالف هذه السيرة الموروثة من الصحابة إلى زمانه ، ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته تمسكاً بحديث غير دال على ما يرتئيه ، كما سيوافيك.

إنّ المسلمين طيلة القرون الغابرة إلى ميلاد ابن تيمية كانوا يتبرّكون بالنبي وآثاره ، ولا يرون ذلك شركاً ولا ذريعة إليه ، حتّى أنّ الشيخين أوصيا بمواراتهما في جوار النبي ، لما استقرّ في قرارة ضميرهما بأنّ للمكان شرافة ومكانة بالغين ، وأنّ المواراة في ساحة النبي لها كرامة ، ولم ينبس أحد من الصحابة ببنت شفة بأنّ ذلك ذريعة إلى الشرك ، إلى أن ألقى الشر بجرانه إلى الأرض بميلاد ابن تيمية وآرائه الساقطة ، فجعل ينكر هذا العمل ويخالف السلف.

إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يستغيثون بالنبي لما له من كرامة عند اللّه ، لما أمرهم اللّه سبحانه بالمجيء إليه وطلب الاستغفار منه ، ولم يخطر ببال أحد أن الاستغاثة بالملخوق شرك أو ذريعة إلى الشرك ، وكان هذا

28

ديدن السلف في جميع القرون ، فجاء ابن تيمية ينكر الاستغاثة والتوسل ، ثم يصف نفسه سلفياً ، فما معنى هذه السلفية؟ ( ما هكذا تورد يا سعد الإبل ) .

تقييم إنجازات ابن تيمية

إنّ قيمة كل امرىء بما يقدّمه إلى الأُمة من خدمات وخيرات ، فإمّا أن يشيد بناء ثقافتهم ويضمن تقدمهم في ميادين العلم والعمل ، ويرفع من مستوى أخلاقهم وسلوكهم الإنساني والإسلامي ، وإمّا أن يرفع مستوى معيشتهم و يسعى في ترفيههم بمشاريع البرّ و الإحسان ، من بناء المدارس ومراكز التعليم والمستشفيات والمستوصفات ، ودعم الكفاح بالتدريب العسكري وغيره مما يرجع إلى دعم البنية المادية للمجتمع.

هلم معي نطرح إنجازات ابن تيمية على طاولة النقاش والمحاسبة ، فهل قام بأحد الأمرين؟

أمّا من جانب المعنى فلم نر أنّه قدم إلى المجتمع ، دراسة نافعة في الحقوق والسياسة والاقتصاد أو الاجتماع ، أو ألف جامعاً حديثياً يكون هو المرجع للمسلمين كما قام بعض معاصريه بهذا الأمر ، فلم يبق منه إلاّ التركيز على المسائل الّتي قدمنا رؤوسها والّتي كفّر بها مخالفيه ، وبالتالي كفّر جمهور المسلمين الذين عاشوا طيلة سبعة قرون.

هب أنّه قدم إلى المسلمين دراسات توحيدية ، ولكن ما كانت نتيجة تلك الدراسات ، فغاية ما أنجز وأتى ـ بعد ما تصوب وتصعد ـ أنّه يجب توصيفه سبحانه بنفس الصفات الخبرية بمعناها اللغوي ، فصار معناه هو التجسيم والتشبيه وإثبات الجهة والفوقية للّه سبحانه ، وقد فهم الكل هذا المعنى من دراساته. هب أنّه لم يقصد من إثبات هذه الصفات ما نسب إليه من الجسمية ، ولكنّه صبّ ما رآه في قوالب أذْعَنَ الكُلُّ ـ الداني منهم والنائي ـ بأنّه مُجسّم مشبّه مُثْبت للّه سبحانه الجهة والفوقية ، مع أنّه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ، و أنَّهُ ليس كمثله شيء.

ما معنى هذه الدراسات العميقة الّتي لم تورث إلاّ هذه الأفكار الباطلة ،

29

وسوف يوافيك أنّ الرجل مجسّم وإن كان لا يتفوه به ، ولكن جُمَلَهُ وألفاظه وعباراته وما أصرّ عليه لا تنتج إلاّ ذلك.

وقس عليه سائر إنجازاته من جانب المعنى ، فقد منع شدّ الرحيل إلى زيارة النبي الأكرم ، مع أنّ قبور الأنبياء لم تزار تزل من عصر النبي وقبله وبعده ، وليست الغاية من زيارتهم إلاّ التوقير والتكريم و عقد الميثاق مع ما جاءوا به من أُسس التوحيد ، فكيف يكون ذلك ذريعة إلى الشرك؟

وحصيلة البحث هي أنّنا لم نجد في جميع إنجازاته شيئاً بديعاً يرفع به رأسه ويفتخر به على من سواه ، سوى ما في كلامه من الغلظة والأذى.

اللسان والقلم مرآتان للضمير

إنّ اللسان والقلم مرآتان لضمير صاحبهما يعربان عن نفسيته الخبيثة أو الطيبة ، الشريرة أو الخيّرة ، فاللسان البذيء يكشف عن نفسيته المستهترة المريضة ، كما أنّ اللسان و مثله القلم النزيهين يكشفان عن ملكة فاضلة. ومن رجع إلى كتب ابن تيمية يعرف أنّه ما كان يملك لسانه وقلمه عن التقوّل على المسلمين والتهجّم عليهم فجاءت كتاباته مليئة بالقول البذيء و إساءة الأدب ، الّذي هو على طرف النقيض من الإسلام والعلم.

ابن تيمية في مرآة الرأي العام

ولقد كانت ثورة الرأي العام الإسلامي عليه من جانب الفقهاء والحكام والمتكلمين والمحدثين أدلّ دليل على انحرافه عن الخط المستقيم والطريق المهيع ، فليس من القضاء الصحيح تخطئة جمهور المسلمين وتصويب رجل واحد ، فمنذ نشر الرجل رأيه حول الصفات الخبرية عام 698 هـ في « الرسالة الحموية » جاءت الاستنكارات تترى من جميع الطوائف ، وكلما تعرض الرجل للعقائد الإسلامية الّتي اطبقت عليها الأُمة في جميع القرون ، تعالى الاستنكار ، حتّى أُلقي عليه القبض ونفي من بلد إلى بلد ، وتعرض لاعتقال بعد اعتقال ، إلى أن منع من القرطاس والكتابة ، حتّى مات في السجن ممنوعاً من كل شيء.

ولو كان الرجل شيخ الإسلام ورائده وناصحه ، لما ضاق عليه المجال من

30

جانب أبناء جلدته من قضاة وحكام : شوافع وأحناف .

نعم الأسف كلّه على الناشئة الجدد الذين وقعوا فرائس في أحابيل الدعاية الوهابية الّتي يقودها النظام السعودي ويغذيها بثروته الواسعة ، ويدعمها الاستعمار الغاشم لغاية إضعاف المسلمين بالخلافات وإشغالهم بقضايا ومسائل لا تمتّ إلى الحياة بصلة.

ولأجل ذلك نضع حياة الرجل وشخصيته أولا ، وآراء معاصريه ومن جاء بعده في القرون اللاحقة في حقه في ميزان النقد والقضاء ثانياً ، ثم نبحث عن آرائه و أفكاره ونعرضها على الكتاب والسنة ثالثاً ، حتّى يتبين الحق ويظهر ، ويزهق الباطل.

31

ابن تيمية : حياته والرأي العام فيه

هو أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي ، ولد في العاشر من شهر ربيع الأول سنة 661 هـ ، بعد خمس سنوات من سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد ، وانغمار المسلمين في مشاكل كثيرة.

كان مولده بمدينة حران مهد الصابئة والصابئين من أقدم عصور الإسلام ، وقد نشأ النشأة الأُولى إلى أن بلغ السابعة من عمره ، فلما أغار عليها التتار ، فرّ سكانها منها ، وكان ممن هاجر أُسرة ابن تيمية ، حيث هاجرت إلى دمشق ، وقد اتّجه إلى العلم منذ صغره ، وكان يدرس الفقه الحنبلي ويتتبّع سير ذلك المذهب ، وكان أبوه من شيوخ هذا المذهب ، ففي المدارس الحنبلية تخرج ابن تيمية ، ودرس في كنف ابيه وتوجيهه ولم ير منه بادرة إلاّ بعد ما كتب رسالة في جواب سؤال أهل حماة ، سألوه بقولهم : « ما قول السادة العلماء أئمة الدين ـ أحسن اللّه إليهم أجمعين ـ في آيات الصفات ، كقوله تعالى : ( الرّحمنُ عَلىَ العَرْشِ اسْتَوى ) وقوله : ( ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّماء ) إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات ، وأيضاً كقوله ( صلى الله عليه و آله ) : « إنّ قلوب بني آدم بين اصبعين من أصابع الرحمن » وقوله : « يضع الجبّار قدمه في النار » إلى غير ذلك ، وما قالت العلماء فيه ، وليبسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء اللّه؟ » (1).

____________

1 ـ الرسالة الحموية ، ص 425 ـ طبعت في ضمن مجموعة الرسائل الكبرى ج 1.

32

فأجاب بما هو نصّ في التجسيم ، وإن ذيّل كلامه بشيء يريد به الستر على عاره ، ولكنّه لا يسمن ولا يغني من جوع ، وسيوافيك نصّه عند تبيين عقائده ، فاوجد الجواب ضجة كبرى ، وعرف بالشذوذ والانحراف ، وكان ذلك عام 698 هـ.

يقول تلميذه « ابن كثير » في حوادث تلك السنة : « قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي « جلال الدين الحنفي » فلم يحضر ، فنودي في البلد في العقيدة الّتي كان قد سأله عنها أهل حماة ، المسماة بالحموية ... » (1).

وقد كانت له محنة أُخرى في عام 705 هـ يذكره ابن كثير في حوادث تلك السنة ويقول : « وفي يوم الإثنين ثامن رجب حضر القضاء وفيهم « الشيخ تقي الدين ابن تيمية » عند نائب السلطنة بالقصر ، وقرأت عقيدة الشيخ تقي الدين ( الواسطية ) ، وحصل بحث في أماكن منها ، وأُخّرت مواضع إلى المجلس الثاني ، فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور ، وحضر الشيخ صفي الدين الهندي وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلاماً كثيراً ، ثم اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين الزملكاني هو الّذي يحاققه من غير مسامحة ، فتناظرا في ذلك وشكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين الزملكاني ، وجودة ذهنه ، وحسن بحثه ، حيث قاوم « ابن تيمية » في البحث وتكلم معه ...

ثم عقد المجلس في يوم سابع شعبان بالقصر ، واجتمع الجماعة على الرضى ، إلى أن صدر القرار بنفي الشيخ إلى مصر إن لم يعزف عن بوادره وعقائده ، فأدى به الأمر إلى انتدابه في مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة ، وانتدب للبحث معه شمس بن عدنان ، وادّعى عليه عند « ابن مخلوف » المالكي أنّه يقول : إنّ اللّه فوق العرش حقيقة ، وإنّ اللّه يتكلم بحرف وصوت ، فحكم عليه القاضي بالحبس في برج أياما ، ثم نقل منه إلى الحبس المعروف بالجب ، وكُتِبَ

____________

1 ـ البداية والنهاية ج 14 ص 4 و 26.

33

كتاب نودي به في البلاد الشامية والمصرية ، وفيه الحط على الشيخ تقي الدين ، فانضمّ إلى صفّه جماعة كثيرة من الفقهاء والفقراء ، وجرت فتن كثيرة منتشرة ، وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة (1).

بقي الشيخ في السجن بسبب عقيدته الّتي لا تجتمع مع عقيدة جمهور المسلمين حتّى مطلع سنة ( 706 هـ ) .

يقول ابن كثير : وفي ليلة عيد الفطر من تلك السنة ، أحضر الأمير سيف الدين سلار نائب مصر ، القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء ، فالقضاة : الشافعي والمالكي والحنفي ، والفقهاء : الباجي ، والجزري ، والمنواري ، وتكلموا في إخراج الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الحبس ، فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطاً في ذلك منها أنّه يلتزم بالرجوع عن بعض عقائده ، فأرسلوا إليه ليحضر ليتكلموا معه في ذلك ، فامتنع عن الحضور.

استهلّت سنة ( 707 هـ ) والشيخ معتقل في قلعة الجبل بمصر ، إلى أن أُطلق سراحه يوم الجمعة 23 من ربيع الأول ، وخيّر بين الإقامة بمصر أو الروح إلى موطنه الشام ، وقد اختار هو الإقامة بمصر ، ولكنّه لم يبرح في غلوائه وأفكاره إلى أن واجهته محنة ثالثة ، وقد ذكرها ابن كثير ايضاً في تاريخه.

المحنة الثالثة

وفي شوال عام 707 هـ ، شكي منه أيضاً ، فردّ الأمر إلى القاضي الشافعي ، فعقد له مجلس ، وادّعى له ابن عطاء بأشياء ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أنّ في آرائه قلة أدب بساحة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلم) فحضرت رسالة إلى القاضي إلى أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة ، فتمّ الأمر بحسبه في سجن القضاة ، ودخل السجن ، وأُفرج عنه في مستهل سنة 708 هـ وبقي في القاهرة إلى أن توجّه منفياً إلى الإسكندرية في ليلة سلخ صفر في عام 709 هـ وأقام هناك ثمانية أشهر إلى أن تغيرت الظروف ، فعاد

____________

1 ـ المصدر نفسه.

34

الشيخ منها إلى القاهرة يوم عيد الفطر سنة 709 هـ فاقام بها إلى سنة 712 هـ ثم رجع إلى الشام (1).

وشغل الشيخ منصة التدريس والإفتاء إلى سنة 718 هـ. وقد صدر منه فتاوى شاذة ، وكان مصرّاً عليها ، فعقد له يوم الخميس ثاني رجب من شهور سنة 820 هـ مجلس بدار السعادة ، فحضر نائب السلطنة ، وحضر القضاة والمعنيون من المذاهب ، وحضر الشيخ وعاتبوه ، ثم حبس في القلعة خمسة أشهر ، إلى أن ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الإثنين يوم عاشوراء ، سنة 721 هـ .

وظل الشيخ بعد خروجه من الحبس مستمراً في التدريس إلى عام 726 هـ.

يقول جمال الدين يوسف بن تغري الأتابكي : « ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة 726 بأن يجعل في قلعة دمشق ، فاقام فيها مدة مشغولا بالتصنيف ، ثم بعد مدة منع من الكتابة والمطالعة ، وأخرجوا ما كان عنده من الكتب ، ولم يتركوا عنده دواتاً [دواةً] ولا قلماً ولا ورقاً » (2).

وقال اليافعي : « مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير ، تقي الدين أحمد ، بن تيمية ، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر عن الدواة والورق » (3).

هذا ، وقد لفظ الرجل نفسه ومات في قلعة دمشق عام 728 هـ وبذلك طويت صحيفة حياته ، وبقيت آثاره ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر.

إنّ ما تلوناه عليك من حياته يعرب :

أولا : إنّه لم يكن رجلا موضوعياً يهمّه ما كان يعاني منه المسلمون في تلك الظروف العصيبة ، الّتي كانت الدعوة إلى الوحدة فيها أحوج ما يحتاج إليه

____________

1 ـ البداية والنهاية ج 14 ص 52 ، وكانت إقامته بمصر سبع سنين.

2 ـ المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي ، ص 340.

3 ـ مرآة الجنان ج 4 ص 277.

35

الناس ، فكان يبثّ بذور الخلاف فترة بعد فترة ، ويشغل الحكومات والقضاة عن القيام بالواجب بنقل الشيخ من مقام إلى مقام.

وثانياً : إنّ جماهير الفقهاء والقضاة كانوا يخالفونه فيما يبديه من الآراء الشاذة ، في مجال الأُصول والفروع ، وإنّ آراءه كانت مخالفة لما هو المشهور المجمع عليه بين العلماء.

وثالثاً : إنّ الرجل كان معروفاً بالقول بالتجسيم والتشبيه والجهة ، وكان اعتقاله لأجل التفوّه بها ، فكلّ من أراد تنزيهه عن هذه التهمة ، خالف الرأي العام في حقّه وما عرف منه يوم حياته.

نعم إنّ هناك أُناساً ترجموا للرجل ترجمة وافية ، فأثنوا عليه الثناء البالغ ، وذكروا ذكاءه وتوقّد ذهنه ، وإحاطته بالكتاب والسنّة ، كما ذكروا آثاره العلمية من كتب ورسائل ، ولكن يؤخذ عليهم بأنّه لماذا ركّزوا على جانب واحد من حياته ، ولم يشيروا إلى الجانب السلبي منها ، فإنّه لا يمكن لأحد تخطئة أولئك العلماء الذين ناظروه ، وباحثوه ، وأصدروا أرائهم فيه ، وهم كثيرون ، ولأجل ذلك نشير إلى المصادر الّتي أخذتها العصبية العمياء فجاءوا كأنّهم يعرفون رجلا أطبق علماء عصره على نزاهته وصفاء فكره ، فمن أراد أن يقف عليها فليرجع إلى المصادر التالية :

1 ـ تذكرة الحفاظ للذهبي 4/ 1496 ، بالرقم 1175. وإن استدرك زلّته هذه ببعث رسالة مستقلة إلى ابن تيمية يستنكر فيها عليه أعماله وأقواله كما ستوافيك.

2 ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاح عبد الحي بن عماد الحنبلي ( م 1098 ) 6/80.

3 ـ طبقات الحفاظ ، لجلال الدين السيوطي ، ( ت 911 هـ ) ، ص 52.

4 ـ الذيل على طبقات الحنابلة ، لابن رجب زين الدين ، أبي الفرج ، عبدالرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي ، ( 736 ـ 795 هـ ) 2/ 387 ، بالرقم 495.

36

5 ـ الوافي بالوفيات ، لصلاح الدين ، خليل بن أيبك الصفوي 7/15 ـ 33 بالرقم 2964.

6 ـ طبقات المفسرين ، للحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي ( م 945 هـ ) ، ص 45 ـ 49 بالرقم 42.

7 ـ تاريخ الشيخ زين الدين عمر ، الوردي ، المعروف بتاريخ ابن الوردي ج 2 ص 406.

8 ـ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ، تاليف محمد بن علي الشوكاني ( ت 1250 هـ ) ، ج 1 ص 63 ـ 72 بالرقم 40 .

9 ـ البداية والنهاية ، للحافظ عماد الدين ، أبي الفداء ، إسماعيل بن عمر بن كثير ، ( م 744 هـ ) ، ج 14 ، في حوادث سنة ( 698 هـ ) ، وغيرها. ولكنّه أشار في مواضع آخر إلى بعض زلاته ومخالفته للرأي العام في ذلك اليوم كما عرفت.

10 ـ الأعلام للزركلي ، ج 1 ص 44.

نعم هؤلاء هم الدين ركّزوا على الجانب الإيجابي وتناسوا الجانب السلبي ، مع أنّ التقييم لا يصحّ إلاّ بملاحظة كلا الجانبين ، ولكن هناك جماعة موضوعيين واقعيين ، لم تملأ عيونهم كتب الرجل ورسائله ، فجاءوا بتقييم آرائه فيما صار سبباً لاشتهاره ، وإليك نصوص هؤلاء حتّى لا نخرج في التقييم عن حد العدل.

آراء معصاريه ومقاربي عصره في حقه

قد تعرّفت على حياة الشيخ وأنّه لم يزل ينتقل من معتقل إلى آخر ، ومن مصر إلى مصر ، وكان الرأي المتفق عليه بين القضاة والمعنيين من الحكام هو أنّه رجل يصدر عن عقائد وآراء في مجال العقائد والأحكام تخالف الرأي العام بين أهل السنة ، ولأجل ذلك كانوا يصدرون الحكم عليه بعد الحكم ، ويعاقبونه مرة بعد أُخرى; وقد علمت أنّه منع من الكتابة حتّى في نفس السجن ، فما حال من كان على طرف الخلاف من قضاة المذاهب وحكامهم و علمائهم؟

37

وبذلك تعرف أنّ الدعايات الأخيرة هي الّتي تريد أن تعرّفه بشيخ الإسلام و محيي السنة ، فما معنى هذه الشيوخة لأهل السنة مع أنّهم أجمعوا على ضَلاله وشذوذه؟

ولأجل أن يقف القارىء على آراء معصاريه في حقه ومقاربي زمانه ، نقتطف من غضون التاريخ جملا تكشف عن إطباق العلماء ، على الرد عليه ونقد آرائه ، وستوافيك في أثناء البحث رسالة الذهبي إليه بنصها.

وإليك قائمة الشخصيات الذين ردّوا عليه في عصره أو بعده بقليل :

1 ـ الشيخ صفي الدين الهندي الأرموي ( ت 715 هـ )

عرّفه السبكي بقوله : « متكلم على مذهب الأشعري ، كان من أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن وأدراهم بأسراره ، متضلّعاً بالأصلين ، ومن تصانيفه في علم الكلام « الزبدة » ، وفي أصول الفقه : « النهاية » ، وكل مصنفاته حسنة جامعة ، لاسيما « النهاية ».

مولده ببلاد الهند سنة 644 هـ ثم قدم دمشق سنة 685 هـ واستوطنها وتوفي بها سنة 715 هـ ولما وقع من ابن تيمية في « المسألة الحموية » ما وقع ، وعقد له المجلس بدار السعادة (1) بين يدي الأمير « تنكز » وجمعت العلماء ، أشاروا بأنّ الشيخ الهندي يحضر ، فحضر ، وكان الهندي طويل النفس في التقرير ، إذا شرع في وجه يقرره لا يدع شبهة ولا اعتراضاً إلاّ اشار إليه في التقرير ، بحيث لا يتم التقرير إلاّ وقد بعد على المعترض مقاومته ، فلما شرع يقرّر ، أخذ ابن تيمية يعجّل عليه على عادته ، ويخرج من شيء إلى شيء.

فقال له الهندي : ما أراك يا بن تيمية إلاّ كالعصفور حيث أردت أن أقبضه من مكان ، فرّ إلى مكان آخر.

وكان الأمير تنكز يعظم الهندي ويعتقده ، وكان الهندي شيخ الحاضرين كلّهم ، فكلّهم صدر عن رأيه ، وحبس ابن تيمية بسبب تلك المسألة ، وهي

____________

1 ـ قال المعلق : كان ذلك سنة ( 705 هـ ) ، راجع البداية والنهاية ج 14 ص 36 ـ 38.

38

الّتي تضمّنت قوله بالجهة ، ونودي عليه في البلاد وعلى أصحابه ، وعزلوا من وظائفهم (1).

2 ـ الشيخ شهاب الدين اببن جهبل الكلابي الحلبي ( ت 733 هـ )

قال « السبكي » : « درس وأفتى وشغل بالعلم مدة بالقدس ودمشق.

مات سنة 733 هـ ووقفت له على تصنيف صنفه في نفي الجهة رداً على ابن تيمية » وبما أنّ الرسالة مفصّلة نكتفي في المقام بذكر مقدمتها. يقول : « أمّا بعد فالذي دعا إلى تصدير هذه النبذة. ما وقع في هذه المدة ، مما علّقه بعضهم في إثبات الجهة واغترّ بها من لم يرسخ له في التعليم قدم ، ولم يتعلّق بأذيال المعرفة ، ولا كبحة لجام الفهم ولا استبصر بنور الحكمة فاحببت أن أذكر عقيدة أهل السنة وأهل الجماعة ثم أُبيّن فساد ما ذكره ، مع أنّه لم يدّع دعوى إلاّ نقضها ولا أطّد قاعدة إلاّ هدمها » (2).

3 ـ قاضي القضاة كمال الدين الزملكاني ( 667 ـ 733 هـ )

عرّفه السبكي بقوله : « الإمام العلاّمة المناظر ، ولد في شوال سنة 667 هـ ودرس بالشامية البرانية ـ إلى أن قال ـ : ثم ولي قضاء حلب ، وصنفّ الرد على ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة (3).

4 ـ الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي ( ت 748 هـ )

ترجمه في « تذكرة الحفاظ » غير أنّه لم يذكر مما ردّ عليه بشيء ، وهذا عجيب من الحافظ الذهبي ، ولكنّه نصحه في رسالة بعثها إليه ويذكر ما فيه ويقول :

« الحمدللّه على ذلّتي ، يا ربّ ارحمني ، وأقلني عثرتي ، واحفظ علىّ

____________

1 ـ طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 162 ـ 164.

2 ـ تاج الدين ، أبونصر ، عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي السبكي ( ت 727 ـ م 771 ) طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 34 ـ 35 ) .

3 ـ طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 190 ـ 191.

39

إيماني ، واحزناه على قلة حزني ، واأسفاه على السنة وذهاب أهلها ، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونوني على البكاء ، واحزناه على فقد أُناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات ، آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وتبّاً لمن شغله عيوب الناس عن عيبه.

إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذمّ العلماء وتتبع عورات الناس؟ مع علمك بنهي الرسول( صلَّى الله عليه [وآله] ) : « لا تذكروا موتاكم إلاّ بخير ، فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدموا » بل اعرف أنّك تقول لي لتنصر نفسك : إنّما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شمّوا رائحة الإسلام ، ولا عرفوا ما جاء به محمد ( صلَّى الله عليه [وآله] ) وهو جهاد ، بلى واللّه عرفوا أخيراً كثيراً مما إذا عمل به العبد فقد فاز ، وجهلوا شيئاً كثيراً مما لا يعنيهم ، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، يا رجل! باللّه عليك كفّ عنّا ، فإنّك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام ، إياكم والغلوطات في الدين ، كره نبيك ( صلَّى الله عليه [وآله] ) المسائل وعابها ، ونهى عن كثرة السؤال وقال : « إنّ أخوف ما أخاف على أُمّتي كل منافق عليم اللسان » وكثرة الكلام بغير زلل ، تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام ، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات الّتي تعمي القلوب ، واللّه قد صرنا ضحكة في الوجود ، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية؟.

لنرد عليها بعقولنا ، يا رجل! قد بلعت « سموم » الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات ، وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم ، وتكمن واللّه في البدن ، واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبّر وخشية بتذكّر وصمت بتفكّر. واهاً لمجلس يذكر فيه الأبرار ، فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ، بل عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة ، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما ، باللّه خلّونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب ، وجدّوا في ذكر بدع كنّا نعدّها من أساس الضلال ، قد صارت هي محض السنة وأساس

40

التوحيد ، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار ، ومن لم يكفر فهو أكفر من فرعون ، وتعدّ النصارى مثلنا ، واللّه في القلوب شكوك ، إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد ، يا خيبة من اتّبعك فإنّه معرض للزندقة والانحلال ، لاسيما إذا كان قليل العلم والدين باطولياً شهوانياً ، لكنّه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه ، وفي الباطن عدوّ لك بحاله وقلبه.

فهل معظم أتباعك إلاّ قعيد مربوط خفيف العقل؟ أو عامي كذّاب بليد الذهن ، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل ، يا مسلم اقدم حمار شهوتك لمدح نفسك ، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظمها وتصغر العباد؟ إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح ـ واللّه ـ بها أحاديث الصحيحين؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك.

بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف و الإهدار ، أو بالتأويل والإنكار ، أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى ـ واللّه ـ ما أذكر أنّك تذكر الموت ، بل تزدري بمن يذكر الموت. فما أظنك تقبل علي قولي ولا تصغي إلى وعظي ، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات ، وتقطع لي أذناب الكلام ، ولا تزال تنتصر حتّى أقول البتة سكت ، فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد ، فكيف حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك ـ واللّه ـ فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء ، عما أنّ أولياءك فيهم فجزة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر ، قد رضيت منك بأن تسبني علانية ، وتنتفع بمقالتي سراً ، فرحم اللّه امرأً أهدى إلىّ عيوبي ، فإنّي كثير العيوب ، غزير الذنوب ، الويل لي إن أنا لا أتوب ، وافضيحتي من علاّم الغيوب! ودوائي عفو اللّه ومسامحته وتوفيقه وهدايته ، والحمد للّه ربّ العالمين ، وصلّى اللّه على سيدنا محمّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين »(1).

____________

1 ـ تكملة السيف الصقيل ، للمحقّق المعاصر الكوثري ، ص 190 ـ 192 كتبه من خط ابن قاضي : شهبة ، منقولا من خط قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة وكتبه ، هو من خط الشيخ الحافظ أبي سعيد العلائي المنسوخ من خط الذهبي ، وجاء شطر منه في « فرقان القرآن » تأليف الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي في مقدمة كتاب « الأسماء والصفات » للبيهقي ص 129. وقد طبعت صورة خط ابن قاضي شهبة في تكملة السيف الصقيل ص 187 ـ 189.

41

5 ـ الشيخ الإمام صدر الدين المرحل ( ت حوالي 750 هـ )

عرّفه السبكي بقوله : « كان إماماً كبيراً ، بارعاً في المذهب والأصلين ، يضرب المثل باسمه ، فارساً في البحث ، نظاراً مفرط الذكاء ، عجيب الحافظة ـ إلى أن قال ـ : وله مع ابن تيمية ، المناظرات الحسنة ، وبها حصل عليه التعصّب من أتباع ابن تيمية ، قيل فيه ما هو بعيد عنه ، وكثر القائل فارتاب العاقل ، وكان الوالد يعظّم الشيخ صدر الدين ويحبّه ، ويثني عليه بالعلم وحسن العقيدة ومعرفة الكلام على مذهب الأشعري (1).

6 ـ الحافظ علي بن عبدالكافي السبكي ( ت 756 هـ )

ترجمهُ ولده في طبقات الشافعية ، وهو أحد من ردّ على ابن تيمية ، وألّف فيه كتاباً أسماه « شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه الصلاة والسلام » وربما سمي « شنّ الغارة على من أنكر السفر للزيارة » (2) وهو يعرّف والده ويقول : « إمام ناضح عن رسول اللّه بنضاله ، وجاهد بجداله ، حمى جناب النبوة الشريف ، بقيامه في نصره ، وتسديد سهامه للذب عنه من كنانة مصره ... إلى أن قال : قام حين خلط على ابن تيمية الأمر ، وسول له قرينه الخوض في ضحضاح ذلك الجمر ، حين سد باب الوسيلة وأنكر شدّ الرجال لمجرّد الزيارة ، وما برح يدلج ويسير حتى نصر صاحب ذلك الحمى الّذي لا ينتهك ، وقد كادت تذود عنه قسراً صدور الركائب. وتجر قهراً أعنة القلوب بتلك الشبهة الّتي كادت شرارتها تعلق بحداد الأوهام ... كيف يزار المسجد ويخفى صاحبه ، أو يخفيه الإبهام؟ ولولاه ـ عليه السلام ـ لما عرف تفضيل ذلك المسجد ، ولولاه لما قدّس الوالي ، ولا أسس على التقوى مسجد في ذلك النادي

____________

1 ـ طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 253.

2 ـ طبقات الشافعية ج 10 ص 308.

42

شكر اللّه له ، قام في لزوم ما انعقد عليه الإجماع » (1).

وكان لهذا الكتاب دوي في ذاك العصر ، حيث جابه السبكي ضوضاء الباطل بكتابه الهادي ، وصار مدار الدراسة والقراءة ، وهذا هو الشيخ صلاح الدين الصفدي قرأ الكتاب على المؤلف ، يقول السبكي ( ولد المؤلف ) : قرأ علي الشيخ الإمام ( المراد تقي الدين السبكي ) ـ (رحمه الله) ـ جميع كتاب « شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام » (2).

وقال أيضاً في خطبة كتابه « الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية » ما هذا لفظه : « أمّا بعد فإنّه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أُصول العقائد ، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد ، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنّة ، مظهراً أنّه داع إلى الحق ، هاد إلى الجنة ، فخرج عن الإتباع إلى الإبتداع ، وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع ، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة ، وإنّ الإفتقار إلى الجزء ليس بمحال ، وقال بحلول الحوادث بذات اللّه تعالى ، وإنّ القرآن محدث تكلم اللّه به بعد أن لم يكن ، وإنّه يتكلم ويسكت ، ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات ، وتعدّى في ذلك إلى استلزام قدم العالم ، والتزم بالقول بأنّه لا أوّل للمخلوقات فقال بحوادث لا أوّل لها ، فأثبت الصفة القديمة حادثة ، والمخلوق الحادث قديماً ، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل ، ولا نحلة من النحل ، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاث والسبعين الّتي افترقت عليها الأُمّة ، ولا وقفت به مع أُمّة من الأُمم همة. وكل ذلك و إن كان كفراً شنيعاً ، لكنّه تقل حملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع.

ثم إنّ السبكي لما وقف على كتاب « منهاج السنة » في الرد على « منهاج الكرامة » للعلامة الحلي ، أنشأ قصيدة ، ومما جاء فيها ناقداً لابن تيمية قوله :

____________

1 ـ طبقات الشافعية ج 10 ص 149 ـ 150 وللكلام صلة.

2 ـ المصدر نفسه ، ص 5.

43

بمقصد الرد واستيفاء أضربهيشوبه كدراً في صفو مشربهفي اللّه سبحانه عما يظن بهرددت ما قال أقفو اثر سبسبهترك الزيارة ردّاً غير مشتبه (1)

ولابن تيمية رد عليه وفيلكنّه خلط الحق المبين بمايرى حوادث لا مبدا لأولهالو كان حياً يرى قولي ويفهمهكما رددت عليه بالطلاق وفي

إنّ الشيخ الذهبي من الحنابلة الذين يتعصّبون للمذهب الحنبلي ، ومع ذلك نرى أنّه يصف تقي الدين السبكي الّذي ولي مشيخة دار الحديث وخطابة الجامع الأموي بدمشق بقوله :

علاه الحاكمُ البحر التقىُّوأخطبهم « وأقضاهم علىُّ » * * * لِيَهْنَ المنبرُ الأموىُّ لماشيوخ العصر أحفظهم جميعاً

فإذا كان هذا مقام السبكي عند الذهبي ، فليكن حجة على الحنابلة ممن يبغض السبكي لنقده نظرية ابن تيمية في الزيارة وغيرها (2).

7 ـ محمد بن شاكر الكتبي ( ت 764 هـ )

قال في « فوات الوفيات » في ترجمته : « إنّه ألّف رسالة في فضل معاوية ، وفي أنّ ابنه يزيد لا يسب » (3).

هذه الرسالة تعرب عن نزعته الأموية ، ويكفي القول في الوالد والوالد : « ووالد وما ولد » أنّه بدّل الحكومة الإسلامية إلى الملكية الوراثية ، ودعا عباد اللّه إلى ابنه يزيد ، المتكبّر ، الخميّر ، صاحب الديوك والفهود والقرود ، وأخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهديد والرهبة ، وهو يطلع على خبثه ورهقه ، ويعاين سكره وفجوره ، ولما استتبٌ الأمر ليزيد ، أوقع بأهل الحرة الوقيعة الّتي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش ، وظن أنّه قد انتقم من أولياء اللّه فقال مجاهراً بكفره :

____________

1 ـ المصدر نفسه ج 10 ص 186 وتوفي السبكي تقي الدين والد تاج الدين عام ( 756 هـ ) وتوفي الولد عام ( 771 هـ ) .

2 ـ فرقان القرآن ص 129.

3 ـ فوات الوفيات ج 1 ص 77.

44

خبر جاء ولا وحي نزل * * * لعبت هاشم بالملك فلا

وهذا هو المروق من الدين ، وقول من لا يرجع إلى اللّه ولا إلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله ، ثم من أغلظ ما انتهك وأعظم مااخترم سفكه دم الحسين بن علىّ ، بن فاطمة بنت رسول اللّه ، مع موقعه من رسول اللّه ومكانه منه ، ومنزلته من الدين والفضل ، وشهادة رسول اللّه له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة ، اجتراءً على اللّه ، وكفراً بدينه ، وعداوة لرسوله ، ومجاهدة لعترته ، واستهانة بحرمته ، فكأنّما يقتل به وبأهل بيته ، قوماً من الكفار (1).

8 ـ أبو محمد المعروف باليافعي ( ت 768 هـ )

قال في كتابه « مرآة الجنان » في ترجمة ابن تيمية : « مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير تقي الدين أحمد بن تيمية معتقلا ، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر عن الدواة والورق ، وسمع من جماعة وله مسائل غريبة ـ أنكر عليها وحبس بسببها ـ مباينة لمذهب أهل السنة ، ومن أقبحها نهيه عن زيارة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وطعنه مشايخ الصوفية ، وكذلك ما قد عرف من مذهبه كمسألة الطلاق وغيرها ، وكذلك عقيدته في الجهة ، وما نقل فيها من الأقوال الباطلة ، وغير ذلك ما هو معروف من مذهبه ، ولقد رأيت مناماً في وقت مبارك يتعلّق بعضه بعقيدته ، ويدل على خطئه فيها ، وقد قدمت ذكره في حوادث سنة 558 هـ في ترجمة صاحب « البيان ».

وقال : كان ابن تيمية يقول : قوله : « إنّ اللّه على العرش استوى » ، استواء حقيقة ، وإنّه يتكلّم بحرف وصوت ، وقد نودي في دمشق وغيرها : من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه! (2) وقال في حوادث سنة 728 هـ : وله

____________

1 ـ مأخوذ من كتاب ( المعتضد ) الّذي تلي على رؤوس الأشهاد في أيامه. نقله الطبري في تاريخه ج 11 ص 77.

2 ـ مرآة الجنان ج 4 ص 277 ، في حوادث سنة 728 هـ وص 240.

45

مسائل غريبة أنكر عليها وحبس بسببها مباينة لمذهب ( أهل السنة ) ثم ( عدّ له ) قبائح ، قال : ومن أقبحها نهيه عن زيارة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلم) .

9 ـ أبوبكر الحصني الدمشقي ( ت 829 هـ )

يقول : « فاعلم أنّي نظرت في كلام هذا الخبيث الّذي في قلبه مرض الزيغ ، المتتبّع ما تشابه من الكتاب والسنّة ابتغاء الفتنة ، وتبعه على ذلك خلق من العوام وغيرهم ممن أراد اللّه عزّوجلّ إهلاكه ، فوجدت فيه ما لا أقدر على النطق به ، ولا لي أنامل تطاوعني على رسمه وتسطيره ، لما فيه من تكذيب ربّ العالمين ، في تنزيهه لنفسه في كتابه المبين ، وكذا الازدراء بأصفيائه ، المنتخبين وخلفائهم الراشدين ، واتباعهم الموفقين ، فعدلت عن ذلك إلى ذكر ما ذكره الأئمّة المتّقون ، وما اتّفقوا عليه من تبعيده وإخراجه ببغضه من الدين(1).

10 ـ شيخ الإسلام ، شهاب الدين ، أحمد بن حجر ، العسقلاني ( ت 852 هـ )

ترجمه ابن حجر في كتابه « الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة » وذكر حياته على وجه التفصيل وقال : « وأول ما أنكروا عليه من مقالاته في شهر ربيع الأول سنة 698 هـ قام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية ، وبحثوا معه ، ومنع من الكلام » ثم ذكر معتقلاته وسجونه إلى أن أدركته المنيّة بما لا حاجة إلى ذكره ، ونقتبس مما ذكره الجمل التالية :

أ ـ يقول : « حكم المالكي بحبسه فأُقيم من المجلس وحبس في برج ، ثم بلغ المالكي أنّ الناس يترددون عليه ، فقال : يجب التضييق عليه إن لم يقتل ، وإلاّ فقد ثبت كفره ، فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجب ، وعاد القاضي الشافعي إلى ولايته ، ونودي بدمشق : من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله ، خصوصاً الحنابلة ، وقرأ المرسوم وقرأها ابن الشهاب محمود في الجامع ، ثم جمعوا الحنابلة من

____________

1 ـ دفع شبهة من شبّه وتمرّد ، ص 216 ، طبع بمصر عام 1350 هـ.

46

الصالحية وغيرها وأشهدوا على أنفسهم أنّهم على معتقد الإمام الشافعي ».

ب ـ نقل عن جمال الدين السرمري أنّه قال : وكان ابن تيمية يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث ، فيورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدة مجالس : « ... ومن ثم نصب أصحابه إلى الغلوّ فيه ، واقتضى ذلك العجب بنفسه حتّى زها على أبناء جنسه ، واستشعر أنّه مجتهد يرد على صغير العلماء وكبيرهم ، قديمهم وحديثهم ، حتى انتهى إلى عمر فخطأه في شيء ، وقال في حق علي : أخطأ في سبعة عشر شيئاً ، ثم خالف فيها ، وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة ، حتّى أنّه سب الغزالي ، .. فعظم ذلك على الشيخ نصر المنبجي ، وأعانه عليه قوم آخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد المثيرة وقعت منه في مواعيده وفتاواه ، فذكروا أنّه ذكر حديث النزول ، فنزل عن المنبر درجتين فقال : كنزولي هذا (1) ، فنسب إلى التجسيم ، وردّه على من توسّل بالنبي ، فأشخص من دمشق في رمضان سنة ( 705 هـ ) .

ثم يقول : إنّه اختلف الناس بعد إخراجه عن بعض معتقلاته ، فمنهم من نسبه إلى التجسيم ، لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك ، كقوله إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية للّه ، وإنّه مستو على العرش بذاته ، فقيل له يلزم من ذلك التحيّز والإنقسام ، ومنهم من أنكر كون التحيّز والانقسام من خواص الأجسام (2).

ومنهم من ينسبه إلى الزندقة ، لقوله : إنّ النبي لا يستغاث به ، وإنّ في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبي ، ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علىّ

____________

1 ـ سيوافيك نص ابن بطوطة السياح المعروف في ذلك ، وأنه سمعه بأذنه ورآه بعينه ، فانتظر.

2 ـ اقرأ واضحك على عقلية القائل.

47

ماتقدم ، ولقوله إنّه كان مخذولا حيثما توجّه ، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها ، إنّما قاتل للرئاسة لا للديانة ، ولقوله إنّه كان يحب الرئاسة ، وإنّ عثمان كان يحبّ المال ، ولقوله أبوبكر أسلم شيخاً يدري ما يقول ، وعلىّ أسلم صبياً والصبي لا يصحّ إسلامه على قول (1).

11 ـ جمال الدين يوسف بن تغري الأتابكي ( 812 ـ 874 هـ )

وقد ترجمه جمال الدين في كتابه : « المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي » ومما جاء فيه : قال القاضي كمال الدين الزملكاني : « ثم جرت له محن في مسألة الطلاق الثلاث ، وشدّ الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين ، وحبّب للناس القيام عليه ، وحبس مرات في القاهرة والإسكندرية ودمشق ، وعقد له مجالس بالقاهرة ودمشق ، إلى أن ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة ( 726 هـ ) بأن يجعل في قلعة دمشق ، فاقام فيها مدة مشغولا بالتصنيف ، ثم بعد مدة منع من الكتابة والمطالعة ، وأخرجوا ما كان عنده من الكتب ، ولم يتركوا عنده دواتاً [دواةً] ولا قلماً ولا ورقة.

ومما وقع له قبل حبسه أنّه ناظر بعض الفقهاء ، وكتب محضراً ، فإنّه قال. أنا أشعري ثم أخذ خطه بما نصه :

أنا أعتقد أنّ القرآن معنى قائم بذات اللّه ، وهو صفة من صفات ذاته القديمة ، وهو غير مخلوق ، وليس بحرف ولا صوت ، وأنّ قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) ليس على ظاهره ، ولا أعلم كنه المراد به ، بل لا يعلمه إلاّ اللّه ، والقول في النزول كالقول في الاستواء ، وكتبه أحمد بن تيمية ، ثم أشهدوا عليه جماعة أنّه تاب مما ينافي ذلك مختاراً ، وشهد عليه بذلك جمع من العلماء وغيرهم » (2).

____________

1 ـ الدرر الكامنة ج 1 ص 154 ـ 165.

2 ـ « المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي » ج 1 ص 336 ـ 340 ، والزملكاني هو كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد الشافعي ، ولد سنة ( 667 هـ ) وتوفي سنة ( 733 هـ ) .

48

وترجمه أيضاً في كتابه الآخر : « النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة » بنفس النص الوارد في « المنهل الصافي » (1).

12 ـ شهاب الدين ، ابن حجر ، الهيثمي ( ت 973 هـ )

قال في ترجمة ابن تيمية : « ابن تيمية عبد خذله اللّه ، وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه ، بذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله ، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد ، أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العزّ بن جماعة ، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفيةولم يقصر اعتراضه على متأخّري السلف الصوفية ، بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلىّ بن ابي طالب رضي الله عنهما.

والحاصل أنّه لا يقام لكلامه وزن ، بل يرمى في كل وعر وحزن ويعتقد فيه أنّه مبتدع ، ضالّ ، مضلّ ، غال ، عامله اللّه بعدله ، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله. آمين! إلى أن قال : إنّه قائل بالجهة ، وله في إثباتها جزء ، ويلزم أهل هذا المذهب الجسمية والمحاذاة والاستقرار. أي فلعلّه بعض الأحيان كان يصرّح بتلك اللوازم فنسبت إليه ، وممن نسب إليه ذلك من أئمة الإسلام المتفق على جلالته وإمامته وديانته ، وإنّه الثقة العدل المرتضى المحقق المدقق ، فلا يقول شيئاً إلاّ عن تثبت ، وتحقق ، ومزيد احتياط ، و تحر ، لا سيما إن نسب إلى مسلم ما يقتضي كفره ، وردّته ، وضلاله ، وإهدار دمه » (2).

وقال أيضاً في كتابه : « الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم » : « فإن قلت : كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها ، وابن تيمية من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله ، كما

____________

1 ـ « النجوم الزاهرة ... » ج 2 ص 279.

2 ـ الفتاوى الحديثية ، ص 86. ونقله العلامة الشيخ محمد بخيت ( م 1354 هـ ) في كتابه « تطهير الفؤاد » ص 9 ط مصر.

49

رآه السبكي في خطه ، واطال ابن تيمية في الاستدلال بذلك بما تمجّه الأسماع وتنفر منه الطباع ، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً ، وأنّه لا تقصر فيه الصلاة ، وأنّ جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة ، وتبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه!.

قلت : من هو ابن تيمية حتّى ينظر إليه؟ أو يعوّل في شيء من أُمور الدين عليه؟ وهل هو إلاّ كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة ، و حججه الكاسدة ، حتّى أظهروا عوار سقطاته ، وقبائح أوهامه وغلطاته ، كالعز بن جماعة : عبد أذلّه اللّه وأغواه ، وألبسه رداء الخزي وبوّأَهُ من قوة الإفتراء والكذب ما أعقبه الهوان ، وأوجب له الحرمان ... » (1).

13 ـ ملاّ علي القارىء الحنفي ( ت 1016 هـ )

وقال ملاّ علي القارىء الحنفي في شرحه على الشفاء (2) : « وقد أفرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلم) كما أفرط غيره حيث قال : كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة. وجاحده محكومع ليه بالكفر ، ولعلّ الثاني أقرب إلى الصواب ، لأنّ تحريم ما أجمع العلماء فيه على الاستحباب يكون كفراً ، لأنّه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب ».

14 ـ أبو العباس أحمد بن محمد المكناسي ، الشهير بابن القاضي ( 960 ـ 1025 هـ )

وقد ترجمه ابن القاضي في ذيل وفيات الأعيان المسمى بـ « درة الحجال في أسماء الرجال » قال : « أحمد بن عبد الحليم مفتي الشام ومحدّثه وحافظه ، وكان يرتكب شواذ الفتاوى ، ويزعم أنّه مجتهد » (3).

____________

1 ـ فرقان القرآن ، ص 132 ـ طبع في مقدمة كتاب الأسماء والصفات للبيهقي.

2 ـ « درة الحجال في أسماء الرجال » ج 1 ص 30.

3 ـ تأليف الحافظ أبي الفضل عياض بن موسى القاضي ( ت 544 هـ ) وأسماه : « الشفا في تعريف حقوق المصطفى » وله شروح كثيرة ذكره الكاتب الحلبي في كتابه.

50

15 ـ النبهاني ( ت 1350 هـ )

قال النبهاني في تأليفه « شواهد الحق » بعد نقل أسماء عدة من الطاعنين به : « فقد ثبت وتحقّق وظهر ظهور الشمس في رابعة النهار أنّ علماء المذاهب الأربعة قد اتّفقوا على ردّ بدع ابن تيمية ، ومنهم من طعنوا بصحة نقله ، كما طعنوا بكمال عقله ، فضلا عن شدة تشنيعهم عليه في خطئه الفاحش في تلك المسائل الّتي شذّ بها في الدين ، وخالف بها إجماع المسلمين ، ولا سيما فيما يتعلّق بسيّد المرسلين (صلَّى الله عليه وآله وسلم) ».

16 ـ المحقق الشيخ محمد الكوثري المصري ( ت 1371 هـ )

إنّ الشيخ الكوثري هو أكثر الناس تتبّعاً لمكامن حياة ابن تيمية ، وقد شهره وفضحه ، بنشر كتاب « السيف الصقيل » للسبكي وجعل له تكملة ، نشرهما ، معاً فمن وقف على هذا الكتاب وما ذيّل به ، لعرف مواقع الرجل ، وإليك كلمة من الكوثري في حق الحشوية ، يقول في تقديمه لكتاب « الأسماء والصفات » للحافظ البيهقي ـ بعد ما يسرد أسماء عدة من كتب الحشوية كالاستقامة لخشيش بن أصرم ، والسنة لعبد اللّه بن أحمد « والنقض » لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسم ـ : « إنّ السجزي أول من اجترأ بالقول « إنّ اللّه لو شاء لا ستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ، فكيف على عرش عظيم » وتابعه الشيخ ابن تيمية الحراني في ذلك ، كما تجد نص كلامه في « غوث العباد » المطبوع سنة 1351 بمطبعة الحلبي » (1).

وقال ايضاً في مقدمته على السيف الصقيل :

جزى اللّه علماء أُصول الدين عن الإسلام خيراً ، فإنّ لهم فضلا جسيماً في صيانة عقائد المسلمين بادلّة ناهضة مدى القرون ، أمام كل فرقة زائفة ـ إلى أن قال ـ :

ومن طالع من ألّفه بعض الرواة على طول القرون من كتب في التوحيد

____________

1 ـ مقدمة الأسماء والصفات للبيهقي ، ص « ب ».

51

والصفات والسنة ، والردود على أهل النظر ، يشكر اللّه سبحانه على النور الّذي افاضه على عقله ، حتّى نبذ مثل تلك الطامات بأول نظرة.

وقد استمرّت فتن المخدوعين من الرواة على طول القرون مجلبة لسخط اللّه تعالى ، ولاستسخاف العقلاء ، من غير أن يخطر ببال عاقل أن يناضل عن سخافات هؤلاء ، إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق ، حرّاني تجرّد للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحشوية السخفاء ، متظاهراً بالجمع بين العقل والنقل على حسب فهمه من الكتب ، بدون أُستاذ يرشده في مواطن الزلل ، وحاشا العقل الناهض والنقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تحريف السخفاء إلاّ إذا كان العقل عقل صابئي والنقل نقل صبي ، وكم انخدع بخزعبلاته أُناس ليسوا من التأهّل للجمع بين الرواية والدارية في شيء ، وله مع خلطائه هؤلاء ، موقف في يوم القيامة لا يغبط عليه.

ومن درس حياته يجدها كلها فتناً لا يثيرها حافظ بعقله ، غير مصاب في دينه ، وأنّى يوجد نصّ صريح منقول أو برهان صحيح معقول يثبت الجهة والحركة والثقل والمكان ونحوها للّه سبحانه؟.

وكل ما في الرجل أنّه كان له لسان طلق ، وقلم سيال ، وحافطة جيدة ، قلّب ـ بنفسه بدون أُستاذ رشيد ـ صفحات كتب كثيرة جداً من كتب النحل الّتي كانت دمشق امتلأت بها بواسطة الجوافل من استيلاء المغول على بلاد الشرق ، فاغترّبما فهمه من تلك الكتب من الوساوس والهواجس ، حتى طمحت نفسه إلى أن تكون قدوة في المعتقد والأحكام العملية ، ففاه في القبيلين بما لم يفه به أحد من العالمين ، مما هو وصمة عار وأمارة مروق في نظر الناظرين ، فانفضّ من حوله أُناس كانوا تعجّلوا في إطرائه ـ بادىء بدء ـ قبل تجريبه ، وتخلّوا عنه واحداً إثر واحد على تعاب فتنة المدونة في كتب التاريخ ، ولم يبقَ (1) معه إلاّ أهل مذهبه في الحشو من جهلة المقلدة ، ومن ظن أن علماء

____________

1 ـ وقال في التعليق : وثناء بعض المتأخرين عليه لم يكن إلا عن جهل بمضلات الفتن في كلامه ، ووجوه الزيغ في مؤلفاته ، ومنهم من ظن أنه دام على توبته بعد ما استتيب فدام على الثناء ، ولا حجة في مثل تلك الأثنية ، وأقواله الماثلة أمامنا في كتبه لا يؤيدها إلاّ غاو غوى ، نسأل اللّه السلامة.

52

عصره صاروا كلهم إلباً واحداً ضدّه حسداً من عند أنفسهم ، فَلْيَتّهم عقله وإدراكه قبل اتّهام الآخرين ، بعد أن درس مبلغ بشاعة شواذه في الاعتقاد والعمل ، وهو لم يزل يستتاب استتابة إثر استتابة ، وينقل من سجن إلى سجن إلى أن افضى إلى ما عمل وهو مسجون فقير ، هو وأهواؤه في البابين ، بموته وبردود العلماء عليه ، وماهي ببعيدة عن متناول رواد الحقائق.

كلامه في حق تلميذه ابن القيم

وكان ابن زفيل الزرعي المعروف بابن القيم يسايره في شواذه حياً وميتاً ، ويقلده فيها تقليداً أعمى في الحق والباطل ، وإن كان يتظاهر بمظهر الاستدلال ، لكن لم يكن استدلاله المصطنع سوى ترديد منه لتشغيب قدوته ، دائباً على إذاعة شواذ شيخه ، متوخياً ـ في غالب مؤلفاته ـ تلطيف لهجة أُستاذه في تلك الشواذ لتنطلي وتنفق على الضعفاء ، وعمله كله التلبيس والمخادعة والنضال عن تلك الأهواء المخزية ، حتى أفنى عمره بالدندنة حول مفردات الشيخ الحراني.

تراه يثرثرفي كل واد ويخطب بكل ناد ، بكلام لا محصل له عند أهل التحصيل ، ولم يكن له حظ من المعقول ، وإن كان كثير السرد لآراء أهل النظر ، ويظهر مبلغ تهافته لمن طالع شفاء العليل له بتبصّر ، ونونيته (1) و عَزَوْه من الدلائل على أنّه لم يكن ممن له علم بالرجال ولا بنقد الحديث ، حيث أثنى فيهما على أُناس هلكى ، واستدل فيهما باخبار غير صحيحة على صفات اللّه سبحانه.

وقد ذكره الذهبي في المعجم المختص بما فيه عبرة ، ولم يترجم له الحسيني

____________

1 ـ وهي قصيدته البالغة خمسة آلاف بيت في العقائد ، وهي الّتي رد عليها السبكي بتاليف كتاب السيف الصقيل ، وأكمله محمد الكوثري وأسماه تكملة السيف الصقيل ، وها نحن ننقل هاتيك العبارات منها.

53

ولا ابن فهد ولا السيوطي في عداد الحفاظ في ذيولهم على طبقات الحفاظ ، وما يقع من القارىء بموقع الأعجاب من أبحاثه الحديثية في زاد المعاد وغيره ، فمختزل مأخوذ مما عنده عن كتب قيّمة لأهل العلم بالحديث ، كـ « المورد الهني في شرح سير عبدالغني » للقطب الحلبي ونحوه.

ولو لا محلى ابن حزم « وأحكامه » و « مصنف » ابن أبي شيبه « وتمهيد » ابن عبدالبر لما تمكن من مغالطاته وتهويلاته في « أعلام الموقعين ».

وكم استتيب وعذر مع شيخه وبعده على مخاز في الاعتقاد والعمل ، تستبين منها ما ينطوي عليه من المضي على صنوف الزيغ تقليداً لشيخه الزائغ ، وسيلقى جزاء عمله هذا في الآخرة ـ إن لم يكن ختم له بالتوبة والأمانة ـ كما لقي بعض ذلك في الدنيا.

كلام الحافظ الذهبي وغيره في حق ابن القيم

قال الذهبي في المعجم المختص عن ابن القيم هذا : « عني بالحديث بمتونه وبعض رجاله وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره ، وفي النحو ويدريه ، وفي الأصلين. وقد حبس مدة لإنكاره على شد الرحل لزيارة قبر الخليل ( إبراهيم (عليه السلام) ) ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم ، لكنّه معجب برأيه جريء على الأُمور.

قال ابن حجر في الدرر الكامنة : « غلب عليه حب ابن تيمية حتّى كان لا يخرج عن شيء من أقواله ، بل ينتصر له في جميع ذلك ، وهو الّذي هذب كتبه ونشر علمه ... واعتقل مع ابن تيمية بالقلة ، بعد أن أُهين وطيف به على جمل مضروباً بالدرة ، فلما مات أُفرج عنه ، وامتحن مرة أُخرى بسبب فتاوى ابن تيمية ، وكان ينال من علماء عصره وينالون منه ».

قال ابن كثير : « كان يقصد للإفتاء بمسألة الطلاق ، حتى جرت له بسببها أُمور يطول بسطها مع ابن السبكي وغيره ... وكان جماعاً للكتب فحصّل منها ما لا يحصر ، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلا سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم.. وهو طويل النفس في مصنفاته ، يتعانى

54

الإيضاح جهده ، فيسهب جداً ، ومعظمها من كلام شيخه بتصرف في ذلك ، وله في ذلك ملكة قوية ، ولا يزال يدندن حول مفرداته وينصرها ويحتج لها.. وجرت له محن مع القضاة ، منها في ربيع الأول طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير محلل فأنكر عليه ، وآل الأمر إلى أنّه رجع عما كان يفتي به من ذلك ».

كلام ابن الحصني في حقه

وقال التقي الحصني : كان ابن تيمية ممن يعتقد ويفتي بأنّ شدّ الرحال إلى قبور الأنبياء حرام لا تقصر فيه الصلاة ، ويصرّح بقبر الخليل وقبر النبي ( صلى اللّه عليهما وسلم ) ، وكان على هذا الاعتقاد تلميذه ابن قيم الجوزية الزرعي ، وإسماعيل بن كثير الشركويني ، فاتّفق أنّ ابن قيم الجوزية سافر إلى القدس الشريف ، ورقي على منبر في الحرم ووعظ وقال في أثناء وعظه بعد أن ذكر المسألة : وها أنا راجع ولا أزور الخليل.

ثم جاء إلى نابلس ، وعمل له مجلس وعظ ، وذكر المسألة بعينها حتى قال : فلا يزور قبر النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلم) ، فقام إليه الناس وأرادوا قتله ، فحماه منهم والي نابلس ، وكتب أهل القدس وأهل نابلس إلى دمشق يعرّفون صورة ما وقع منه ، فطلبه القاضي المالكي فتردد وصعد إلى الصالحية إلى القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي وأسلم على يديه ، فقبل توبته وحكم بإسلامه وحقن دمه ، ولم يعزّره لأجل ابن تيمية ... ثم أحضر ابن قيم الجوزية وادُّعي عليه بما قاله في القدس الشريف وفي نابلس فأنكر ، فقامت عليه البينة بما قاله ، فأُدّب وحُمل على جمل ، ثم أُعيد إلى السجن ، ثم أُحضر إلى مجلس شمس الدين المالكي وأرادوا ضرب عنقه ، فما كان جوابه إلاّ أن قال : إنّ القاضي الحنبلي حكم بحقن دمي وبإسلامي وقبول توبتي ، فأُعيد إلى الحبس إلى أن أُحضر الحنبلي فأخبر بما قاله ، فأُحضر وعزّر وضرب بالدرة ، وأُركب حماراً وطيف به في البلد والصالحية ، وردّوه إلى الحبس ـ وجرسوا ابن القيم وابن كثير ، وطيف بهما في البلد وعلى باب الجوزية لفتواهم في مسالة الطلاق.