بحوث في الملل والنحل - ج6

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
689 /
3

-

4

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه وآله

وعلى رواة سنته وحملة أحاديثه وحفظة كلمه

5

الحمد للّه الّذي علا بحوله ، ودنى بطوله ، والصلاة والسلام على سيّد رُسله وخاتم أنبيائه ، الذي بعثه لإنجاز عدته ، وإتمام نبوّته ، وعلى آله الّذين هم موضع سرّه ، وملجأ أمره ، وعيبة علمه ، وموئل حكمه ، صلاة دائمة مادام الفرقدان ، وكرّ الجديدان.

أمّا بعد : فهذا هو الجزء السادس من موسوعتنا في دراسة تاريخ المذاهب الإسلامية وقد درسنا الفِرَق المشهورة ، ولم تبق إلاّ الشيعة بفرقها الثلاث المنتشرة في العالم : الإمامية ، والزيدية ، والإسماعيلية.

نسأل اللّه سبحانه أن يوقّفنا في دراسة مذهب الشيعة ، الّذين جنى عليهم كثير من المؤرخين و كُتّاب المقالات والفرق ، وكتبوا عنهم أشياءً كثيرة هم برآء منها. ولم يرجعوا عند البحث عن عقائد هذه الفرقة إلى مؤلّفاتهم وكتبهم وآثارهم ، وإنّما اعتمدوا على أفواه الرجال ونقلة الأخبار ، فصاروا كحاطب ليل يجمع في حزمته كلّ رطب ويابس ، والحقّ كما يقول بعض الأساتذة : « إنّه تطوّر كلّ شيء إلاّ الكتابة عن الشيعة ، ولكلّ بداية نهاية إلاّ الافتراء على الشيعة ، ولكلّ حكم مصدره ودليله إلاّ الأحكام على الشيعة » (1).

____________

1 ـ عبداللّه بن سبأ 1 / 9 ( مقدمة الطبعة الثالثة بقلم الاُستاذ المغفور له محمّد جواد مغنية ).

6

ونشكر القرّاء الكرام الذين شجّعونا برسائلهم على مواصلة بحث ودراسة هذه المواضيع الهامّة في تاريخ اُمّتنا المجيدة ، ونتقدّم بالشكر إلى العلماء الذين يقدّمون لنا النقد البنّاء ، فإنّ العصمة للّه ولمن عصمه.

قم ـ جعفر السبحاني

28 شعبان المعظم 1412 هـ

7

الشيعة لغةً واصطلاحاً

الشيعة لغة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم ، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا ، وربّما يطلق على مطلق التابع ، قال سبحانه : ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ ) (1) وقال تعالى : ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْراهيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم ) (2) فالشيعة هم الجماعة التابعة لرئيس لهم.

وأمّا اصطلاحاً فلها إطلاقات عديدة بملاكات مختلفة :

1 ـ الشيعة : من أحبّ عليّاً وأولاده باعتبارهم أهل بيت النبىّ الذين فرض اللّه سبحانه مودّتهم قال عزّوجلّ : ( قُلْ لا أسْئَلُكُم عَلَيْهِ أَجْرَاً إلاّ المَوَدَّةَ فِى القُربَى ) (3) والشيعة بهذا المعنى تعمّ كلّ المسلمين إلاّ النواصب ، بشهادة أنّهم يصلّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم ويتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً ومساءً ، وهذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله :

____________

1 ـ القصص / 15.

2 ـ الصافّات / 83 ـ 84.

3 ـ الشورى / 23.

8

يا أهلَ بيتِ رسولَ اللّهَ حبُّكُمكَفاكُمُ من عَظيم الشّأن أنّكمُ**فَرضٌ من اللّهِ في القرآن أنْزلهمن لم يُصلِّ عليكم لا صلاة لَهُ (1)

وأمّا النواصب فهم الذين نصبوا لعلي وأهل بيته العداء وتلقّوه فريضة دينية وأعانهم على ذلك مرتزقة أصحاب البلاط ، وترجع جذور هذه الفكرة إلى معاوية حيث سنّ سبّ علىّ على المنابر وتبعه أولاده وعشيرته إلى أواخر الدولة الأموية ، وكتب ابن أبي سفيان إلى عمّاله في جميع الآفاق : « اُنظروا إلى من اُقيمت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه » ثمّ كتب نسخة اُخرى إلى عمّاله وشدّد الأمر فيها وقال : « من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به و اهدموا داره ».

وعلى هذا المنشور قام الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يَلعَنون عليّاً ويبرأون منه و يقعون فيه وفي أهل بيته ... (2).

2 ـ من يفضّل عليّاً على عثمان أو على الخلفاء عامّة مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء وإنّما يقدّم لاستفاضة مناقبه وفضائله عن الرسول الأعظم ، والّتي دوّنها أصحاب الحديث في صحاحهم ومسانيدهم وهي تُلزم الإنسان الاعتقاد بأنّه أفضل الصحابة ، وعلى ذلك معتزلة بغداد وقليل من أهل الحديث ، وعلى ذلك الاصطلاح جرى أكثر من كتب في الرجال والتراجم والمقالات حيث يصفون قليلاً من الصحابة وكثير أمن التابعين بأنّه يتشيّع أو أنّه شيعي ، وربّما يعدّونه من أسباب الجرح وكأنّ حبّ أهل البيت عمل اجرامي أو أنّ تقدّم الخلفاء على عليّ أصل من اُصول الدين لا يجوز تجاوزه ، مع أنّ الإمامة من الفروع عند أهل السنّة فكيف درجات الخلفاء ورتبهم.

وربّما يختلط الأمر على من ليس له إلمام بالاصطلاح ، فلا يفرّق بينهما ،

____________

1 ـ الصواعق 148 ط 1385 الطبعة الثانية.

2 ـ وسيوافيك مصدره وبيان عداء ابن أبي سفيان للإمام وعترته وشيعته.

9

وأكثر من يستعمل هذا الاصطلاح هو الذهبي في « ميزان الاعتدال » و « سير أعلام النبلاء » فيصف بعض التابعين والمحدّثين بالتشيّع ملمّحاً بذلك إلى ضعفهم ، وقد رُمي أبو عبداللّه الحاكم النيسابوري بالتشيّع كمعتزلة بغداد ، والمقصود تفضيلهم عليّاً على سائر الخلفاء لا أنّه الإمام المنصوص بالخلافة.

3 ـ الشيعة : من يشايع عليّاً وأولاده باعتبار أنّهم خلفاء الرسول وأئمّة الناس بعده ، نصبهم لهذا المقام بأمر من اللّه سبحانه ، وذكر أسماءهم وخصوصيّاتهم ، والشيعة بهذا المعنى هو المبحوث عنها في المقام ، وقد اشتهر بأنّ عليّاً هو الوصي حتّى صار من ألقابه ، وذكره الشعراء بهذا العنوان في قصائدهم (1) وهو يقول في بعض خطبه :

« لا يقاس بآل محمّد من هذه الاُمّة أحد ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً. هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصيّة والوراثة ... » (2).

ومجمل القول : إنّ هذا اللفظ يشمل كل من قال : انّ قيادة الاُمة لعلي بعد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأنّه يقوم مقامه في كل ما يمت إليه سوى النبوة ونزول الوحي عليه. كل ذلك بتنصيص من الرسول ، وعلى ذلك فالمقوّم للتشيّع وركنه الركين هو القول بالوصاية والقيادة بجميع شؤونها للإمام (عليه السلام) فالتشيّع هو الاعتقاد بذلك ، وأمّا ما سوى ذلك فليس مقوّماً لمفهوم التشيّع ولا يدور عليه اطلاق الشيعة.

____________

1 ـ خطب الإمام أبو محمّد : الحسن السبط حين قتل أميرالمؤمنين خطبته الغرّاء فقال : أنا ابن النبي وأنا ابن الوصي أخرجه الحاكم في مستدركه 1 / 172 ، وقد ذكر ابن أبي الحديد أشعاراً وأراجيز تتضمّن توصيف الإمام بالوصاية عن الصحابة والتابعين ، لاحظ شرح النهج 1 / 143 ـ 150 باب ما ورد في وصاية عليّ من الشعر.

2 ـ نهج البلاغة ، الخطبة الثانية.

10

لا شك أنّ للشيعة عقائد وآراء في مجاري الاُصول والفروع وربّما يشاركون غيرهم فيها وربّما يخالفونهم ، ولكنّها ليست من سماتهم وأعرافهم وإنّما هي اُصول وأحكام دعاهم الدليل إلى تبنّيها من الكتاب والسنّة والعقل.

مثلا إنّ الشيعة تقول باتّحاد الصفات الذاتية للّه سبحانه معها ، وكونه سبحانه غير مرئي في الدارين ، وأنّ كلامه مخلوق له ، و أنّه لا يكلّف ما لا يطاق ، وأنّ حقيقة الأمر في أفعال العباد لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ، وأنّ الأنبياء معصومون إلى غير ذلك من الآراء ، ولكنّها آراء كلامية للشيعة لا أنّها المقوّم للتشيّع بحيث لو خالف فيها رجل منهم ، ولكنّه قال بالوصاية لعلي وبالقدوة لعترته ، لخرج عن اطار التشيّع واُصوله.

إنّ التشيّع بهذا المعنى عبارة عن الاعتقاد باستمرار القيادة الإسلامية في قالب الوصاية لعلي وعترته ، والشيعة تدّعي أنّ هذه الفكرة غرست بيد النبي في أيّام حياته ، وتبنّاها لفيف من المهاجرين في عصره ، وبقوا عليها بعد حياته واقتدى بهم لفيف من التابعين لهم بإحسان وتواصل الاعتقاد به من تلك العصور إلى زماننا الحاضر ، وهذا هو الّذي تدّعيه الشيعة وعليه بُني صرح التشيّع ونحن في غنى عن الاتيان بنصوص أعلامهم وأكابرهم في المقام التي تدل على أنّ الوصاية للإمام بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فالأولى طرح الموضوع على بساط البحث وعرضه على المرتكزات العقلية ، ولأجل تسليط الضوء على المسائل المهمة نبحث عن الجهات التالية وكل واحدة منها في فصل خاص بها :

1 ـ في تبيين متطلّبات الظروف في عصر النبي ، فهل كانت تقتضي أن تكون صيغة الحكم هي التنصيص أو كانت تقتضي تفويض الأمر إلى اختيار الاُمّة لتنتخب الحاكم والقائد عليها ؟

2 ـ ما هو المرتكز في الأذهان في عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعده في أمر القيادة ؟

11

3 ـ ما هو مقتضى الكتاب والسنّة في القيادة بعد الرسول ؟

4 ـ ما هو السر في مخالفة الجمهور لنصّ الرسول وتصريحه ؟

5 ـ مبدأ التشيّع وتاريخه ورواد التشيّع في عصر الرسول والصحابة والتابعين.

6 ـ افتراضات وهميّة حول تاريخ الشيعة.

7 ـ صيغة الحكومة الإسلامية عند أهل السنّة.

8 ـ نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع.

9 ـ الشيعة في عصر الدولتين الأموية والعبّاسية.

10 ـ عقائد الشيعة الامامية الاثنا عشرية.

11 ـ أئمّة الشيعة الاثنا عشر ونبذة عن حياتهم.

12 ـ دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية وتطوير العلوم.

13 ـ دول الشيعة وبلدانهم عبر التاريخ.

14 ـ مصادر علوم الشيعة.

فالذي نعتقد أنّ تحليل هذه الجهات يكشف الواقع للمحقّق ولا يُبقي له شكاً في أصالة التشيّع وأنّه استمرار للإسلام عبر الحقب والأعوام.

12

-

13

الفصل الأول

بيان متطلبات الظروف في عصر الرسول

في مجال القيادة الإسلامية

14

-

15

لاشك أنّ الدين الإسلامي دين عالمي ، وشريعة خاتمة ، وقد كانت قيادة الاُمّة من شؤون النبي الأكرم مادام على قيد الحياة ، ثمّ إنّه وقع الاختلاف بين أصحاب المقالات والفرق في صيغتها بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهل كانت متبلورة في صيغة النص أو في انتخاب الاُمّة.

الشيعة ترى أنّ القيادة منصب تنصيصي والذي ينصّ على خليفة الرسول هو اللّه سبحانه عن طريقه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، بينما يرى أهل السنّة غير ذلك ولكل من الاتّجاهين دلائل وبراهين ، و المقصود هنا دراسة متطلّبات الظروف وتقييمها في عصر الرسالة ، فهل كانت المصالح تكمن في تعيين القائد أو كانت تكمن في خلافه ؟ فدراستها تُسلّط الضوء على البحث الثالث و هو وجود النص من الرسول وعدمه ، وإليك بيان ذلك :

إنّ الظروف السياسية التي كانت سائدة في المنطقة كانت توجب على الرسول أن يعيّن القائد ، وكانت المصلحة الإسلامية تقتضي ذلك ، لأنّ المجتمع الإسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثُلاثي ، الروم ، الفرس ، المنافقين ، وخطرهم يتمثّل بشنّ هجوم مفاجىء كاسح أو إلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين.

فمصالح الاُمّة كانت توجب توحيد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر

16

الخارجي والداخلي ، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده ، وبذلك يسد الطريق على نفوذ العدو في جسم الاُمّة الإسلامية والسيطرة عليها ، وعلى مصيرها ، وبذلك يخسر الذين كانوا يتآمرون على ضرب الإسلام بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

أمّا العدوّ الأوّل فقد كان الامبراطورية الرومانية التي كانت تشكّل إحدى أضلاع الخطر المثلّث الذي كان يحيط بالكيان الإسلامي ويهدّده من الخارج.

وكانت هذه القوّة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية ، وكانت تشغل بال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الدوام ، حتّى انّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتّى لحظة الوفاة ، والالتحاق بالرفيق الأعلى.

وكانت أوّل مواجهة عسكرية بين المسلمين والجيش المسيحي الرومي في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين ، وقد أدّت هذه المواجهة إلى مقتل القادة العسكريين البارزين الثلاثة وهم « جعفر الطيار » و « زيد بن حارثة » و « عبداللّه بن رواحة ».

ولقد أدّى انسحاب الجيش الإسلامي بعد مقتل القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش القيصري المسيحي ، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرّض عاصمة الإسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش.

من هنا خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في السنة التاسعة للهجرة ( غزوة تبوك ) على رأس جيش كبير جدّاً إلى حدود الشام ليقود بنفسه المواجهة العسكرية ، وقد استطاع الجيش في هذه الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد للاُمّة الإسلامية هيبتها من جديد.

غير أنّ هذا الانتصار المحدود لم يُقنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فأعدّ قبيل ارتحاله جيشاً كبيراً من المسلمين. وأمّر عليهم « اُسامة بن زيد » وكلّفهم بالتوجّه إلى حدود الشام والحضور في تلك الجبهة.

17

أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الذي كان يهدّد الكيان الإسلامي ، فكان الامبراطورية الايرانية ( الفارسية ) وقد بلغ غضب هذه الامبراطورية على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ومعاداتها لدعوته ، أن أقدم امبراطور إيران ، « خسرو پرويز » على تمزيق رسالة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وتوجيه الاهانة إلى سفيره باخراجه من بلاطه ، والكتابة إلى واليه وعميله في اليمن بأن يوجّه إلى المدينة من يقبض على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أو يقتله إن امتنع.

و « خسرو » هذا و إن قتل زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلاّ أنّ استقلال اليمن ـ التي رزحت تحت استعمار الامبراطورية الايرانية ردحاً طويلا من الزمن ـ لم يغب عن نظر ملوك إيران آنذاك ، وكان غرور اُولئك الملوك وتجبّرهم وكبرياؤهم لا يسمح بتحمّل منافسة القوّة الجديدة ( القوّة الإسلامية ) لهم.

والخطر الثالث وهو الأعظم ( لأنّ القلعة الحصينة لا تهزم إلاّ من داخلها ) كان هو خطر حزب النفاق الذي كان يعمل بين صفوف المسلمين كالطابور الخامس ، على تقويض دعائم الكيان الاسلامي من الداخل ، إلى درجة أنّهم قصدوا اغتيال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في طريق العودة من تبوك إلى المدينة.

فقد كان بعض عناصر هذا الحزب الخَطِر يقول في نفسه : إنّ الحركة الاسلامية سينتهي أمرها بموت رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ورحيله ، وبذلك يستريح الجميع (1).

ولقد قام أبو سفيان بن حرب بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بمكيدة مشؤومة لتوجيه ضربة إلى الاُمّة الإسلامية من الداخل ، وذلك عندما أتى عليّاً (عليه السلام) وعرض عليه أن يبايعه ضدّ عُيِّن في السقيفة ، ليستطيع بذلك

____________

1 ـ الطور / 30.

18

شطر الاُمّة الإسلامية الواحدة إلى شطرين متحاربين متقاتلين ، فيتمكّن حينها من الصيد في الماء العكر.

ولكنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) أدرك بذكائه المفرط نوايا أبي سفيان الخبيثة فرفض مطلبه وقال له كاشفاً عن دوافعه ونواياه الشريرة :

« واللّه ما أردت بهذا إلاّ الفتنة ، وإنّك واللّه طالما بغيت للإسلام شرّاً. لاحاجه لنا في نصيحتك » ومع أنّ الإمام ردّه خائباً لكنّه استمرّ في فتنته لشقّ عصا الاُمّة فأخذ يتردّد في أزقّة المدينة منادياً :

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكمفما الأمر إلاّ فيكم وإليكم**ولا سيما تيم بن مرّة أو عديوليس لها إلاّ أبو حسن علي (1)

ولقد بلغ دور المنافقين الهدّام في الشدة بحيث تعرّض القرآن الكريم لذكرهم في سور عديدة هي : سورة آل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنفال ، والتوبة ، والعنكبوت ، والأحزاب ، ومحمّد ، والفتح ، والمجادلة ، والحديد ، والمنافقون ، والحشر.

فهل مع وجود مثل هؤلاء الأعداء الأقوياء الذين كانوا يتربّصون بالإسلام الدوائر ، ويتحيّنون الفرص للقضاء عليه ، يصحّ أن يترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) اُمّته الحديثة العهد بالإسلام ، الجديدة التأسيس من دون أن يعيّن لهم قائداً دينياً سياسياً ؟

إنّ المعطيات الاجتماعية توحي بأنّه كان من الواجب أن يدفع رسول الإسلام ـ بتعيين قائد للاُمّة ـ ظهور أيّ اختلاف وانشقاق فيها من بعده ، ويضمّن بذلك استمرار وبقاء الاُمّة الإسلامية وإيجاد حصن قوي وسياج دفاعي متين حولها.

____________

1 ـ الكامل 2 / 325 ، العقد الفريد 2 / 249.

19

إنّ تحصين الاُمّة وصيانتها من الحوادث المشؤومة والحيلولة دون مطالبة كل فريق الزعامة لنفسه دون غيره وبالتالي التنازع على مسألة الخلافة والزعامة ، لم يكن متحقّقاً إلاّ بتعيين قائد للاُمّة وعدم ترك الاُمور للأقدار.

إنّ هذه المحاسبة الاجتماعية تهدينا إلى صحّة نظرية « التنصيص على القائد بعد الرسول » ولعلّ لهذه الجهة ولجهات اُخرى طرح الرسول مسألة الخلافة في بدء الدعوة واستمر بذلك إلى آخر ساعة من عمره الشريف كما ستوافيك نصوصها.

ثمّ إنّي بعد ما حرّرت ذلك في سالف الأيّام وأوردته في بعض محاضراتي الكلامية (1) وقفت على تقرير للمحقّق الشهيد السيد الصدر المغفور له فقد بيّن متطلّبات الظروف في تقديمه على كتاب تاريخ الشيعة للدكتور عبداللّه فياض بنحو آخر وهو تقرير رصين نقتطف منه ما يلي :

كان النبي الأكرم يدرك منذ فترة أنّ أجله قد دنى وأعلن ذلك بوضوح في حجّة الوداع ولم يفاجئه الموت مفاجأة ، وهذا يعني أنّه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة ، وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أنّه كانت أمام النبي ثلاثة طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة.

الطريق الأوّل : أن يقف من مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الاُمّة وتوجيهها فترة حياته ويترك مستقبلها للظروف والصدف ، وهذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لأنّها انّما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه.

____________

1 ـ الإلهيات 2 / 554 ـ 584 ، لولدنا الفاضل الروحاني الشيخ حسن مكّي العاملي ـ حفظه اللّه ـ.

20

1 ـ « الاعتقاد بأنّ هذه السلبية والاهمال لا تؤثّر على مستقبل الدعوة ، وأنّ الاُمّة قادرة على التصرّف بالشكل الذي يحمي الدعوة ، ويضمن عدم الانحراف ».

وهذا الاعتقاد لا مبرّر له من الواقع اطلاقاً ، لأنّ الدعوة الإسلامية بما أنّها كانت تغييراً انقلابياً في بدايته ، تستهدف بناء اُمّة ، واستئصال كل جذور الجاهلية منها ، تتعرّض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها ، وتركها دون أي تخطيط. فهناك الأخطار تنبع عن طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط سابق ، فإنّ الرسول إذا ترك الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة ، فسوف تواجه الاُمّة لأوّل مرّة ، مسؤولية التصرّف بدون قائدها ، تجاه مشاكل الدعوة وهي لا تملك أي مفهوم مسبق بهذا الصدد. وسوف يتطلّب منها الموقف تصرّفاً سريعاً آنيّاً بالرغم من خطورة المشكلة ، لأنّ الفراغ لا يمكن أن يستمر.

فلم تكن إذن خطورة الموقف بعد وفاة النبي شيئاً يمكن أن يخفى على أي قائد مُمارس للعمل العقائدي فضلا عن خاتم الأنبياء.

2 ـ الذي يمكن أن يفسّر سلبية القائد تجاه مستقبل الدعوة ومسيرها بعد وفاته ، أنّه بالرغم من شعوره بخطر هذه السلبية لا يحاول تحصين الدعوة ضدّ ذلك الخطر ، لأنّه ينظر إلى الدعوة نظرة مصلحيّة فلا يهمّه إلاّ أن يحافظ عليها مادام حيّاً ليستفيد منها ويستمتع بمكاسبها ولا يعني بحماية مستقبلها بعد وفاته.

وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي حتّى لولم نلاحظه بوصفه نبيّاً ومرتبطاً باللّه سبحانه وتعالى في كل ما يرتبط بالرسالة ، وافترضناه قائداً رسالياَ كقادة الرسالات الاخرى ، لأنّ تاريخ القادة الرساليين لا يملك نظيراَ للقائد الرسول ، في اخلاصه لدعوته ، وتفانيه فيها ، وتضحيته من أجلها إلى آخر لحظة من حياته ، وكل تاريخه يبرهن على ذلك.

الطريق الثاني : أن يخطّط الرسول القائد لمستقبل الدعوة بعد وفاته ويتّخذ

21

موقفاً إيجابياً فيجعل القيمومة على الدعوة ممثّلة على أساس نظام الشورى الذي يضم مجموع المهاجرين والأنصار ، فهذا الجيل الممثّل للاُمّة هو الذي سيكون قاعدة للحكم ومحوراً لقيادة الدعوة في خط نُمُوّها. وفيما يلي ما يرد تلك الفكرة :

1 ـ لو كان النبي قد اتّخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً ايجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة ، واسناد زعامة الدعوة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام ، لكان من أبده الأشياء التي يتطلّبها هذا الموقف الايجابي ، أن يقوم الرسول القائد بعملية توعية للاُمّة والدعاة ، على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله واعطائه طابعاً دينياً مقدّساً ، واعداد المجتمع الإسلامي اعداداً فكريّاً وروحيّاً لتقبّل هذا النظام ، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام وضعاً سياسياً على أساس الشورى وانّما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبليّة وعشائريّة تتحكّم فيها القوّة والثروة وعامل الوراثة إلى حدّ كبير.

ونستطيع بسهولة أن نُدرك أنّ النبيّ لم يمارس عمليّة التوعية على نظام الشورى وتفاصيله التشريعية أو مفاهيمه الفكرية لأنّ هذه العملية لو كانت قد اُنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسّد في الأحاديث المأثورة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وفي ذهنية الاُمّة وعلى أقل تقدير في ذهنية الجيل الطبيعي منها ، الذي يضمّ المهاجرين والأنصار بوصفه ، وهو المكلّف بتطبيق نظام الشورى ، مع أنّنا لانجد في الأحاديث المأثورة عن النبي أيّ صورة تشريعية محدّدة عن نظام الشورى ، وأمّا ذهنية الاُمّة أو ذهنية الجيل الطبيعي منها فلا نجد فيها أي ملامح أو انعكاسات محدّدة لتوعية من ذلك القبيل.

ثمّ إنّه (رحمه الله) استشهد بفعل الخليفة الأوّل حيث لم يمارس نظام الشورى في حال حياته وقام بتنصيب عمر مكانه ، كما فعل ذلك أيضاً الخليفة الثاني في نطاق

22

خاص فجعله محصوراً في ستّة أشخاص ، وسيوافيك تفصيل ذلك في الفصل الثاني.

الطريق الثالث : وهو الطريق الوحيد الذي بقى منسجماً مع طبيعة الأشياء ومعقولاَ على ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبيّ. وهو أن يقف النبي من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً ايجابياً فيختار بأمر من اللّه سبحانه وتعالى شخصاً يرشّحه عمق وجوده في كيان الدعوة ، فيعدّه اعداداً رسالياً وقيادياً خاصّاً تتمثّل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية ، وليواصل بعده ( بمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار ) ، قيادة الاُمّة وبناءها عقائدياً وتقريبها باستمرار نحو المستوى الذي يؤهّلها لتحمّل المسؤوليات القيادية.

وهكذا نجد أنّ هذا هو الطريق الوحيد الذي كان بالامكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة وصيانة الحكم من الانحراف في خط نموّها وهكذا كان (1).

وعلى ذلك فالقول بالتشيّع عبارة عن القول بوجود ضمان لاستمرار الدعوة بتعيين الوصيّ من جانب الرسول بأمر من اللّه ، وقد عرفت أنّ طبيعة الظروف في عصر الرسول كانت تقتضي ذلك على الوجه الكلّي ، أي كان يتطلّب تعيين القائد وأن لا يترك الأمر إلى الاُمّة ، وعدم اهماله وتركه للصدف ، وستعرف في الفصل الثالث أنّه قد صدّق الخبرُ الخبرَ ، وأنّ الرسول قد قام بتلك الوظيفة التي تضمن استمرار الدعوة وسلك هذا الطريق سلوكاً واضحاً.

وهناك بيان ثالث يعطي نفس ما أعطاه الوجهان وهو دراسة طبيعة الحكم من زاوية طرؤ الفراغ الهائل بعد رحلة الرسول فيما يمت إلى صلب الدين وهداية الاُمّة إلى الحق والحقيقة :

____________

1 ـ مقدّمة تاريخ الامامية 5 / 16 بتلخيص.

23

لقد درسنا متطلّبات الظروف ومقتضيات عصر النبي في مجال القيادة وإدارة دفّة الحكم ووصلنا إلى أنّ مصالح المسلمين كانت تكمن في تعيين القائد دفعاً للأخطار المحدقة بالإسلام والمسلمين بوفاة النبيّ ، ومفاجأة الاُمّة بفراغ مكانه القيادي.

;ويمكن لنا دراسة طبيعة الحكم من زاوية اُخرى وهي ملاحظة الفراغات الهائلة الحاصلة بعد رحلة القائد ، لا من جهة القيادة السياسية والاجتماعية ، بل في جانب حاجة الاُمّة إلى قائد رسالي يسد تلك الفراغات المعنوية فيما يمت إلى صلب الدين وأمر هداية الاُمّة في مجال تفسير الكتاب وشرح مقاصده أوّلاَ ، وتبيين ما لم يبيّنه الرسول في مجال الأحكام ثانياً ، وصيانة الدين الحنيف من محاولات التحريف ثالثاً فالاُمّة تواجه وتفاجئ هذه الفراغات الثلاثة ، فمن الذي يسدّها ، فهل الاُمّة جميعاً أو المهاجرون والأنصار أو أهل الحل والعقد ؟ والجواب : لا ، لأن المفروض ـ كما سيأتي ـ قصورهم عن ملء الفراغ ، فما هو الحل لهذا المشكل ؟ وهذا هو الذي يستهدفه هذا البحث. فنقول :

إنّ الرسول الأكرم لم تقتصر مسؤولياته علي تلقّي الوحي الإلهي وابلاغ الآيات النازلة عليه بل كانت تتجاوز عن ذلك كثيراً فقد كانت وظائف ثلاث تقع على عاتقه بالاضافة إلى ما يقوم به من سائر الوظائف :

1 ـ كان النبي الأكرم يفسّر الكتاب العزيز ويشرح مقاصده ويبيّن أهدافه ويكشف رموزه وأسراره.

2 ـ وكان يبيّن أحكام الحوادث الجديدة الطارئة على المجتمع الاسلاميّ عن طريق القرآن الكريم وسنَّته.

3 ـ وكان يصون الدين من التحريف والدس ، فكان وجوده مدار الحق وتميزه عن الباطل ، وكانت حياته ضماناً لعدم تطرّق الدس والترحيف إلى دينه.

24

ولا شك أنّ موت النبيّ وفقدانه سيوجدان فراغات هائلة في المجالات الثلاثة فيجب اعداد قائد له القابلية والصلاحية في سد تلك الفراغات ، ولا يقوم به إلاّ من كان يتمتّع بما كان يتمتّع به الرسول عدا خصيصة النبوّة وتلقّي الوحي ، فيكون وعاء علم النبي ومخزن أسراره ، ومودع حكمته ، حتّى يقوم بتلك الوظيفة العظيمة.

ومن الواضح أنّ هذه الكفاءات والمؤهّلات المعنوية لاتحصل لشخص بطريق عادي ولا بالتربية البشرية المتعارفة ، بل لابدّ من إعداد إلهي خاص وتربية إلهية خاصّة هذا من جانب ، ومن جانب آخر لا يمكن للاُمّة أن تتعرّف بنفسها على هذا الشخص وتكتشف من تتوفّر فيه تلك المؤهّلات والكفاءات بالطرق العادية.

كل ذلك يثبت نظرية التنصيص وأنّه لا محيص عن تعيين القائد بتنصيص الرسول بأمر من اللّه سبحانه ، أي تنصيب من يتّصف بتلك الكفاءات التي لا يكتسبها إلاّ من تربّى في حضن الرسالة والرسول. وإليك تفاصيل هذه الفراغات ، ونكتفي في كل مورد بموجز القول :

1 ـ القرآن الكريم والابهامات الطارئة :

إنّ اللّه سبحانه يصف القرآن بأنّه نزل إلى النبيّ ليبيّن للناس ما نزل إليهم فيقول : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ للِنّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ ) (1) وقال : ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (2) فقد وصف النبي في هاتين الآيتين بأنّه مبيّن بما في الكتاب لا قارئ فقط ، فكم فرق بين أن يقول : « لتقرأ

____________

1 ـ النحل / 44.

2 ـ النحل / 64.

25

للناس » وبين : ( لتبيّن لهم ).

إنّ هذه الآيات تكشف لنا عن أنّ القرآن رغم وضوحه من حيث اللفظ والمعنى ورغم أنّه منزّه عن مشابهة كتب الألغاز والطلاسم ، يحتاج إلى مبيّن ومفسّر بسببين :

1 ـ وجود المجملات في أحكام العبادات والمعاملات الواردة في آياته.

2 ـ غياب القرائن الحالية التي كانت الآيات محفوفة بها حين النزول ، وكانت معلومة للمخاطبين في ذلك الوقت.

وقد كان النبيّ بنفسه يقوم بتفسير القرآن الكريم وتبيين مجمله وتقييد مطلقه وما أشبه ذلك. وكانت القرائن الحالية معلومة وواضحة لدى الأصحاب. ولمّا ارتحل النبيّ الأكرم إلى الرفيق الأعلى وحصل الفصل الطويل بينه وبين اُمّته ، حدث هناك فراغ هائل في تفسير القرآن فلاترى آية من الآيات إلاّ وفي تفسيرها آراء متضاربة إلى حدّ اختلفوا في تفسير الآيات التي تتعلّق بأعمالهم اليومية :

1 ـ قال سبحانه في آية الوضوء : ( فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَاَيْدِيَكُمْ إِلى المَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُسِكُمْ وَاَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبِيْنِ ) (1) وقد تضاربت الآراء في فهم هذه الآية وصارت الاُمّة إلى قولين : فمن عاطف لفظ « أَرجلكم » على الرؤوس فيحكم على الأرجل بالمسح ، ومن عاطف له على الأيدي فيحكم على الأرجل بالغسل.

ومن المعلوم أنّ إعراب القرآن الكريم إنّما حدث بعد النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فأيّ الرأيين هو الصحيح ؟

2 ـ لقد حكم اللّه تعالى على السارق والسارقة بقطع الأيدي حيث قال :

____________

1 ـ المائدة / 6.

26

( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) (1) وقد اختلفت الاُمّة في مقدار القطع وموضعه : فمن قائل إنّ القطع من اُصول الأصابع دون الكف وترك الابهام كما عليه الإمامية ، وجماعة من السلف. ومن قائل إنّ القطع من الكوع ، وهو المفصل بين الكف والذراع كما عليه أبو حنيفة ومالك والشافعي. ومن قائل إنّ القطع من المنكب كما عليه الخوارج (2).

3 ـ سئل أبوبكر عن الكلالة في قوله تعالى : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الكَلالَةِ إنِ امْرُؤاٌْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) (3) فقال : إنّي سأقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن اللّه وإن يكن خطأً فمنّي ومن الشيطان ، واللّه ورسوله بريئان ، أراه ما خلا الولد والوالد. فلمّا استخلف عمر قال : إنّي لأستحيي اللّهَ أن أردّ شيئاً قاله أبوبكر.

4 ـ أمر اللّه سبحانه الورثة باعطاء السدس للكلالة في قوله سبحانه : ( وَإنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ ) (4) وفي الوقت نفسه يحكم سبحانه باعطاء الكلالة النصف أو الثلثين كما قال : ( إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ

____________

1 ـ المائدة / 38.

2 ـ راجع الخلاف للطوسي ( كتاب السرقة ) 184. أحكام القرآن للجصاص 421 : روي عن أبي هريرة انّ رسول اللّه قطع يد سارق من الكوع. ونقل ابن قدامة الخلاف إذا سرق ثانياً : فعن عطاء وربيعة وداود أنّه تقطع يده اليسرى ، وعن الآخرين : تقطع رجله اليسرى. المغني 10 / 264 ـ 265.

3 ـ النساء / 176.

4 ـ النساء / 12.

27

يَكُن لَهَا وَلَدٌ فَإنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمّا تَرَكَ ) (1).

فما هو الحل وكيف الجمع بين هاتين الآيتين ؟ لا شك انّه لم يكن ثمّة ابهام في مورد هاتين الآيتين ، بل حدث الابهام في ذلك فيما بعد.

ألا يدل هذا على ضرورة من يخلف النبي حتّى يرفع الستار عن وجه الحقّ بما عنده من علوم مستودعة.

2 ـ الرسالة الإسلامية والحوادث المستجدّة :

إنّ اتّساع رقعة الدولة الإسلامية ومخالطة المسلمين للشعوب والأقوام المختلفة جعلهم أمام موضوعات مستجدّة ومسائل مستحدثة ، لم تكن معهودة ولا معروفة في عهد النبي الأكرم الذي لم تكن فيه الدولة الإسلامية قد توسّعت كما توسّعت بعد وفاته ، والتحاقه بالرفيق الأعلى.

وكان من الأمر المشكل أن يتحدّث النبي عن أحكام موضوعات لم يعرف المسلمون شيئاً من ماهياتها وتفصيلاتها ، ولم يشاهدوا لها نظيراً في حياتهم ، ولأجل ذلك كانوا يجهلون أحكام الموضوعات المستجدّة من دون أن يجدوا لها حلولا وأجوبة ، هذا من جانب.

ومن جانب آخر أنّ الأحاديث التي رواها الصحابة والتابعون عن النبي الأكرم في مجال الأحكام لاتتجاوز عن خمسمائة حديث (2) حتّى قال الإمام الرازي : إنّ المنصوص حكمه من الموضوعات قليل جدّاً (3) ولنذكر للموضوع نماذج :

____________

1 ـ النساء / 176.

2 ـ الوحي المحمدي 212 الطبعة السادسة.

3 ـ المنار 5 / 189.

28

1 ـ شغلت مسألة العول بال الصحابة فترة من الزمن وكانت من المسائل المستجدّة بعد الرسول التي واجهها جهاز الحكم ، ويعنى منه قصور التركة عن سهام ذوي الفروض. مثال ذلك : إذا ترك الميّت زوجة وأبوين وبنتين ، ولمّا كان سهم الزوجة ـ حسب نص القرآن ـ الثمن وفرض الأبوين الثلث ، وفرض البنتين الثلثين ، والتركة لا تسع للثمن والثلث والثلثين ، فلمّا عرضت المسألة على عمر ابن الخطاب قال : واللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه وأيّكم أخّر ما أجد شيئاً هو أوسع لي من أن اُقسّم المال عليكم بالحصص ، وأدخل على كلّ ذي حقّ ما أدخل عليه من عول الفريضة (1).

رجل طلّق امرأته قبل الإسلام مرّتين وفي الإسلام مرّة فهل تحرم عليه أو لا ؟ فقال عمر بن الخطاب للسائل : لا آمرك ولا أنهاك ، وقال عبدالرحمان بن عمر : ولكنّي آمرك ليس طلاقك قبل الإسلام بشيء (2).

2 ـ إنّ الجيل المعاصر للرسول لم يكن يملك تصوّرات واضحة محدّدة حتّى في مجال القضايا الدينية التي كان يمارسها النبي مئات المرّات وعلى مرأى ومسمع من الصحابة ونذكر على سبيل المثال لذلك ، الصلاة على الميّت ، فإنّها عبادة ، كان النبي قد مارسها عادة مئات المرّات وأدّاها في مشهد عام من المشيّعين والمصلّين وبالرغم من ذلك يبدو أنّ الصحابة كانوا لا يجدون ضرورة لضبط صورة هذه العبادة مادام النبي يؤدّيها وماداموا يتابعون فيها النبي فصلاً بعد فصل ، ولهذا وقع الاختلاف بينهم بعد وفاة النبي في عدد التكبيرات في صلاة الميّت ، فقد أخرج الطحاوي عن إبراهيم قال : قبض رسول اللّه والناس مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلا يقول : سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)

____________

1 ـ أحكام القرآن للجصاص 2 / 109 ، مستدرك الحاكم 4 / 340.

2 ـ كنز العمال 5 / 161.

29

يكبّر سبعاً ، وآخر يقول : سمعت رسول اللّه يكبّر خمساً ، وآخر يقول : سمعت رسول اللّه يكبّر أربعاً ، فاختلفوا في ذلك حتّى قبض أبوبكر ، فلمّا ولّى عمر ورأى اختلاف الناس في ذلك شقّ عليه جدّاً فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول اللّه ، فقال : إنّكم معاشر أصحاب رسول اللّه متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه فانظروا أمراً تجتمعون عليه ، فكأنّما أيقظهم ، فقالوا : نعم ما رأيت يا أميرالمؤمنين الخ (1).

و لأجل هذا القصور ترى أنّ الخلفاء و من بعدهم تمسّكوا بمقاييس لاتمت إلى الكتال و السنّة ، فروى ميمون بن مهران أنّه : إذا ورد الخصم على أبي بكر نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به ، فإن أعياه أن يجد فيه سنّة عن رسول اللّه ، جمع رؤوس الناس و خيراهم فاستشارهم ، و إذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به (2).

فقد لمس الخليفة أنّ الكتاب والسنّة النبوية غير وافيين بالحاجات الفقهية ولهذا كان يعمد إلى الأخذ بالرأي والمقاييس المصطنعة لاستنباط حكم الموضوع.

فهذه تكشف بوضوح عن أنّ الصحابة يواجهون وقائع وحوادث جديدة لا يجدون لها حلولا في الكتاب والسنّة أو فيما تلقّوه من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ولذلك كانوا يحاولون استنباط قواعد ومقاييس لاتستند على أىّ دليل ، فهل يصحّ هذا ؟ مع أنّه سبحانه يصرّح بأنه أكمل دينه ، وأتمّ نعمته فكيف يجتمع هذا الفراغ الفقهي في المسائل المستجدّة مع الإكمال ؟

____________

1 ـ عمدة القارىء 4 / 129 ، ولاحظ مقدمة السيد الصدر على كتاب تاريخ الإمامية ، للدكتور عبداللّه فيّاض.

2 ـ دائرة المعارف لفريد وجدي 3 212 (مادة جهد).

30

3 ـ المسلمون وصيانة الدين من التحريف :

إنّ أبرز ما كان يتمتّع به المسلمون في عصر الرسول هو صيانة الدين من الدسّ والتحريف وهو الخطر الذي تعرّضت له جميع المذاهب السالفة ، قال سبحانه : ( مِنَ الَّذِيَنَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَللِمَ عَن مَواضِعِه ) (1).

إنّ الاُمّة الإسلامية قد وصلت عند رحلة الرسول بفضل جهود صاحب الدعوة إلى درجة مرموقة من الوعي حفظت كتابها عن محاولات الزيادة والنقصان ، نرى أنّ الصحابي الجليل أُبي بن كعب له موقف عظيم من عثمان في كيفيّة كتابة آية الكنز أعني قوله : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَليم ) (2) فإنّ عثمان اراد اثبات الآية في المصحف بلا واو فقال أُبي : « لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي » ، فألحقوها (3).

ومع هذه المقدرة لم تستطع حفظ مفاهيمه وصيانة دينها عن الدس والتحريف فتفرّقت إلى مشبّهة ، تتخيّل أنّ لربّها أعضاءً كأعضاء الإنسان ، إلى جبري يرى الإنسان مسيّراً لامخيّراً ، ويصوّر بعث الأنبياء أمراً لاجدوى فيه ، إلى مرجئة لا ترى للعمل قيمة وتعطي للإيمان تمام القيمة ، إلى ناصبيّ ينصب العداء للعترة الطاهرة ، إلى إلى ... ، حتّى تفرّقت اُمّة النبي الأكرم كتفرّق الاُمم السالفة ، وهذا دليل واضح على أنّ الاُمّة الإسلامية ما بلغت يومذاك في الكفاءة والمقدرة العلمية إلى المستوى الذي يؤهّلها لحفظ الإسلام أصله ولبّه ، وقد مرّ في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة أنّ الوضّاعين والدجّالين من الأحبار والرهبان ، والمغترّين بهم

____________

1 ـ النساء / 46.

2 ـ التوبة / 34.

3 ـ الدر المنثور 3 / 232.

31

دسّوا بين المسلمين أحاديث موضوعة واسرائيليات ومسيحيات ومجوسيات كثيرة ، ولقد عرفت الموضوعات الهائلة في عصر البخاري وشيوخه وتلاميذه ، حتّى انّه أخرج صحيحه من ستمائة ألف حديث (1).

جاء في مسند أحمد ثلاثون ألف حديث وقد انتخبها من سبعمائة وخمسين ألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث (2).

نحن نفترض أنّ متوسّط عدد الكلمات في الحديث عشرون كلمة فيكون مجموع ما صدر عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عشرين مليون كلمة في هذه الفترة القصيرة أي العشرة أعوام بالاضافة إلى ما كان لديه من أعمال ووظائف ، وحروب وغزوات ، واتفاقيات مع شيوخ القبائل ، وارتياد إلى الأرياف ، وتسيير دفّة الحكم ، فهل كان بإمكانه أن يتكلّم بهذا العدد من الكلمات ، سبحان اللّه ، ما أجرأهم على البهتان! ولو رجعت أنت إلى قائمة الموضوعات والمقلوبات الّتي عرضناها لك في الجزء الأوّل (3) لجزمت بعدم كفاءة الاُمّة لصيانة الدين من الدس والتحريف.

هذه هي الفراغات الحاصلة بعد وفاة النبي الأكرم ، فمقتضى الحكمة وتجسيد اكمال الدين الذي جاء به الكتاب الكريم في قوله : ( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً ) (4) أن تعالج هذه المشاكل أي تفسير الكتاب العزيز برفع الستار والابهامات الطارئة على مفاهيمه ، والإجابة على المسائل المستجدّة ، والدفاع عن حمى الشريعة ولاتحل عقدة المشكلة ولا

____________

1 ـ الهدى الساري ، مقدمة فتح الباري 54.

2 ـ طبقات الذهبي 9 / 17.

3 ـ الجزء الأوّل من هذه الموسوعة / 74.

4 ـ المائدة / 3.

32

تسدّ تلك الفراغات إلاّ بإمام تمتّع بتربية إلهية ، وإعداد غيبي ، ولا تصل إليه الاُمّة إلاّ بتعيين الرسول أو بتعيين من عيّنه كما في الأئمة الباقين ، فعندئذ يتجسّد قوله سبحانه ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً ) وإلاّ لبقيت تلك الفراغات الهائلة وجرّت على الاُمّة الويل والويلات كما جرّتها ـ وللأسف ـ لأجل اعراض الاُمّة عن الإمام المنصوب.

هذا هو الذي نفهمه من معنى الإمام وهو ميزان الحق والباطل وأنّه يرجع إليه في التعرّف على الصحيح والزائف.

وأمّا إذا كان الرجل على حدّ يقول : ولّيتكم ولست بخيركم فإن استقمت فأعينوني وإن زِغْت فقوّموني فلا يصلح أن يكون إماماً بل يكون مأموماً فتصبح الرعية إماما ، والامام ماموما ، ونعم ما يقول الشاعر الشيعي ابن حماد العبدي :

وقالوا رسول اللّه ما اختار بعدهأقمنا إماماً إن أقام على الهدىفقلنا إذا أنتم إمام إمامكمولكنّنا اخترنا الذي اختار ربّنا

إماماً ولكنّا لأنفسنا اخترناأطعنا وإن ضلّ الهداية قوَّمنابحمد من الرحمن تُهْتم وما تُهْنالنا يوم خم ما اعتدينا ولا جُرنا

وهناك كلمة قيّمة للفيلسوف ابن سينا تشير إلى فائدة تنصيب الإمام فيقول : « ثمّ إنّ هذا الشخص الذي هو النبي ليس ممّا يتكرّر وجود مثله في كل وقت ، فإنّ المادّة الّتي تقبل كمال مثله يقع في قليل من الأمزجة ، فيجب لا محالة أن يكون النبي قد دبّر لبقاء ما يسنّه ويشرّعه في اُمور المصالح الإنسانية تدبيراً عظيماً (1) ـ إلى أن قال ـ والاستخلاف بالنص أصوب ، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب (2) والتشاغب

____________

1 ـ اشارة إلى سدّ الفراغات الحاصلة بعد وفاته.

2 ـ اشارة إلى أنّ مصالح الإسلام تكمن في النص.

33

والاختلاف » (1).

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة : انّ مصالح الإسلام والمسلمين كانت تكمن في تعيين الإمام ، لا تفويض الأمر إلى الاُمّة ، وترك الأمر للظروف والصدف لترسيه على أي شاطىء تختاره.

____________

1 ـ الشفاء 2 ( الفن الثالث عشر من الالهيات الفصل الثالث والخامس ) 558 ـ 564 طبع ايران.

34

-

35

الفصل الثاني

ماهو المرتكز في أمر القيادة في

ذهن الرسول والاُمّة

36

-

37

قد عرفت أنّ مقتضيات الظروف ومتطلّباتها كانت تستدعي تعيين الإمام من جانب الرسول ، كما أنّ كمال الدين في أبعاده الثلاثة المختلفة المذكورة آنفاً تستدعي ذلك أيضاً ، فهلمّ معي ندخل في الموضوع الثاني الذي ألمحنا إليه في بداية البحث ضمن الاُمور الّتي لا مناص للمحقّق إلاّ دراستها ، وهو تبيين المرتكز في الأذهان في أمر الزعامة يوم بعث الرسول وبعده.

إنّ النصوص التاريخية تشهد بأنّ الرسول الأكرم خيّب آمال الطامحين في تولّي الخلافة من بعده وقال بأنّه بيد اللّه ، يعني لابيدي ولا بيد الناس ، ويكفي في ذلك ما نتلوه :

1 ـ لمّا عرض الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) نفسه على بني عامر في موسم الحج ودعاهم إلى الإسلام قال له كبيرهم : « أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ » فقال النبي : « الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء » (1).

____________

1 ـ السيرة النبوية لابن هشام 2 / 424 فلو كان الأمر ملقىً على عاتق الاُمّة فما معنى كون الأمر إلى اللّه ؟

38

ولم يكن ذلك الأمر مختصّاً بالنبي الأكرم ، بل الامعان في تاريخ أصحابه والخلفاء الذين تعاقبوا على مسند الحكومة بعد النبي يدلّ على أنّهم انتهجوا أيضاً نهج تنصيب الخليفة ، لا تفويض أمره إلى الاُمّة. فلو أغمضنا النظر عن خلافة أبي بكر وما جرى حولها من لغط وشغب ، وضرب وشتم وارعاب وارهاب وغير ذلك من الاُمور الّتي تجعلها بعيدة كل البعد عن الشورى والانتخاب النزيه ، فلنا في انتخاب الخليفتين الآخرين دليل واضح على أنّ المتصوّر من الخلافة عندهم هو تعيين الخليفة شخصاً لا تفويض أمر انتخابه للظروف والاُمّة.

2 ـ قال ابن قتيبة : دعا أبوبكر عثمان بن عفّان فقال : اكتب عهدي ، فكتب عثمان وأملى عليه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد به أبوبكر بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا نازحاً عنها و أوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها ، انّي أستخلف علكيم عمر بن الخطاب ... (1).

ويظهر من ابن الأثير في كامله أنّه غشي على الخليفة أثناء الاملاء وانّما أكمله عثمان وكتب فيه استخلاف عمر من عند نفسه ، ثم أفاق أبوبكر فقال : اقرأ عليّ ، فقرأ عليه فكبّر أبوبكر وقال : أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي (2).

فهل يمكن للخليفة أن يلتفت إلى الخطر الكامن في ترك الاُمّة دون خليفة ، ولا يلتفت إليه النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم).

3 ـ وأمّا استخلاف عثمان ، فقد اتّفقت كلمة المؤرّخين على أنّ عمر طلب ستة أشخاص من أصحاب النبي وهم : علي بن أبي طالب ، وعثمان بن عفان ، وطلحة بن عبيداللّه ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقّاص ،

____________

1 ـ الامامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 18 طبع مصر.

2 ـ الكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 292 ، الطبقات الكبرى 3 / 200 طبع بيروت.

39

وعبدالرحمان بن عوف ، وكان طلحة غائباً.

فقال : يا معشر المهاجرين الأوّلين ، انّي نظرت في أمر الناس فلم أجد فيهم شقاقاً ولا نفاقاً ، فإن يكن بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم ، فتشاوروا ثلاثة أيّام فإن جاءكم طلحة إلى ذلك ، وإلاّ فأعزم عليكم باللّه أن لا تتفرّقوا في اليوم الثالث حتّى تستخلفوا (1). حتّى قال لصهيب : « صلّ بالناس ثلاثة أيّام وأدخل هؤلاء الرهط بيتاً وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف ، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ... وإن رضى ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا ، فحكّموا عبداللّه بن عمر فإن لم يرضوا بحكم عبداللّه بن عمر ، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمان بن عوف ، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع فيه الناس » (2).

وهناك كلمات صدرت من الصحابة في ثنايا خلافة الخلفاء وبعدهم تعرب عن أنّ الرأي السائد والمرتكز في أذهانهم هو تعيين الخليفة وانّ مسألة نظام الشورى شعار رفعه معاوية مقابل علي (عليه السلام) على الرغم من أنّه استخلف عندما مات ، ولم يعتدّ بمنطقه وإنّما جرّده سلاحاً على عليّ ، وإن كنت في ريب من هذا الأمر نتلو عليك كلماتهم الّتي صدرت عفواً وارتجالاً عند موت الخليفة وارتحاله :

4 ـ نقل أنّ عمر بن الخطاب لمّا أحسّ بالموت قال لابنه عبداللّه : اذهب إلى عائشة وأقرأها منّي السلام ، واستأذن منها أن اُقبر في بيتها مع رسول اللّه ومع أبي بكر ، فأتاها عبداللّه بن عمر فأعلمها ... فقالت : نعم وكرامة. ثمّ قالت : يا بنيّ أبلغ عمر سلامي فقل له : لا تدع اُمّة محمّد بلا راع ، استخلف عليهم ، ولا تدعهم

____________

1 ـ الامامة و السياسة 1 / 23 ـ

2 ـ الكامل لابن الأثير 3 / 35.

40

بعدك هملا ، فإنّي أخشى عليهم الفتنة (1) فأتى عبداللّه ( إلى أبيه ) فأعلمه (2).

5 ـ نقل الحافظ أبو نعيم الاصفهاني المتوفّى عام 430 انّ عبداللّه بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته فقال : إنّي سمعت الناس يقولون مقالة ، فآليت أن أقولها لك ، وزعموا أنّك غير مستخلف ، وأنّه لو كان لك راعي إبل ـ أو راعي غنم ـ ثم جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيع ، فرعاية الناس أشد (3).

6 ـ قدم معاوية المدينة ليأخذ من أهل المدينة البيعة ليزيد ، فاجتمع مع عدّة من الصحابة إلى أن أرسل إلى ابن عمر فأتاه و خلا به فكلّمه بكلام وقال : إنّي كرهت أن أدع اُمّة محمّد بعدي كالضأن لاراعي لها (4).

هذه النصوص تدل بجلاء على أنّ ادّعاء انتخاب الخليفة عن طريق الاستفتاء الشعبي أو بمراجعة أهل الحلّ والعقد ، أو اتّفاق الأنصار والمهاجرين لم يكن له أصل ولا ذكر في دراسات المتقدّمين من أعلام التاريخ وكتّاب السيرة وعلماء المسلمين ، وسيوافيك الكلام في استخلاف الصحابة بعضهم لبعض.

ولو دلّ هذا الأمر على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الأصل الذي كان يعتقد به جميع الصحابة والخلفاء في مسألة الخلافة والقيادة كان هو التنصيص والتعيين وعدم ترك الأمر إلى نظر الاُمّة وانتخابها.

____________

1 ـ وهل يمكن أن تلتفت اُمّ المؤمنين إلى هذه النكتة ولا يلتفت إليها النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) !

2 ـ الامامة و السياسة للدينوري 1 / 32.

3 ـ حلية الأولياء 1 / 44.

4 ـ الامامة والسياسة 1 / 168 طبع مصر.

41

الفصل الثالث

ماهومقتضى الكتاب والسنّة

في صيغة الخلافة بعد الرسول

42

-

43

إنّ مقتضى الكتاب والسنّة في صيغة القيادة بعد الرسول هوالتخصيص لا التفويض إلى الاُمّة ولا ترك الأمر إلى الظروف والصدف ، فنقدّم الكلام في السنّة فإنّها صريحة في التعيين وأمّا الكتاب فسيأتي البحث عنه.

فنقول : إنّ سيرة النبيّ الأكرم ونصوصه في موافق مختلفة تثبت بوضوح أنّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) غرس النواة الاُولى في أمر القيادة منذ أن أصحر بالدعوة وتعاهدها إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة.

وهذه النصوص من الكثرة والوفرة بحيث إنّه لا يمكن استيعابها ولا ذكر كثير منها ، ويكفينا مؤونة ذلك ، الموسوعات الحديثية في المناقب والفضائل والمؤلّفات الكلامية في أمر الولاية ، ونحن نكتفي بالقليل من الكثير.

1 ـ التنصيص على الخليفة في حديث بدء الدعوة :

بُعث الرسول الأكرم لهداية الناس وإخراجهم من الوثنية إلى التوحيد ، ومن الشرّ إلى الخير ، ومن الشقاء إلى السعادة ،وكانت الظروف المحدقة به قاسية جدّاً ، لأنّه بعث في اُمّة عريقة في الوثنية ، ويخاطبهم سبحانه : ( لِتُنْذِرَ قَوْماً

44

ما أُنذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) (1) ، فأخذ بالدعوة سرّاً ونشر دينه خفاءً سنوات عديدة إلى أن نزل قوله سبحانه : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (2) فعند ذلك أمر الرسول علي بن أبي طالب وهوشاب يافع يتراوح عمره بين ( 13 سنة إلى 15 ) أمره رسول اللّه أن يعد طعاماً ولبناً ثمّ دعا ( 45 ) رجلاً من سُراة بني هاشم ووجوههم ، وبعد أن فرغوا من الطعام قال رسول اللّه : « إنّ الرائد لا يكذب أهله ، واللّه الذي لا إله إلا هوإنّي رسول اللّه إليكم خاصّة وإلى الناس عامّة ، واللّه لتموتنّ كما تنامون ، ولتبعثنّ كما تستيقظون ، ولتحاسبنّ بما تعملون ، وانّها الجنّة أبداً والنار أبداً ـ ثمّ قال : ـ يا بني عبدالمطلب إنّي واللّه ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به ، انّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني اللّه عزّوجلّ أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ».

ولمّا بلغ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إلى هذا الموضع وقد أمسك القوم وسكتوا عن آخرهم ، قام علي (عليه السلام) فجأة وقال : أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك على ما بعثك اللّه ، فقال له رسول اللّه : اجلس ، ثمّ كرّر دعوته ثانية وثالثة ، ففي كلّ مرّة يحجم القوم عن تلبية دعوته ويقوم علي ويعلن استعداده لمؤازرة النبي ويأمره رسول اللّه بالجلوس حتى إذا كان في المرّة الثالثة ، أخذ رسول اللّه بيده والتفت إلى الحاضرين من عشيرته الأقربين وقال : « إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا » (3).

____________

1 ـ يس / 6.

2 ـ الشعراء / 214.

3 ـ مسند أحمد 1 / 111 ، تارخ الطبري 2 / 62 ـ 63 ، تاريخ الكامل 2 / 40 ـ 41 ، إلى غير ذلك من المصادر المتوفّرة يقف عليها من سبر كتب السيرة ـ عند سرد حوادث بدء الدعوة ـ وكتب التفسير في تفسير الآية الآنفة في سورة الشعراء.

45

نحن لا نُريد أن نحوم حول الرواية ونعرض عن الإشارة إلى ماجنى عليها بعض المؤرّخين والكتّاب الجدد (1) ولكن نذكر نكتة أنّ النبي أعلن وزيره وخليفته ووصيّه يوم أعلن رسالته وكأنّهما فرقدان في سماء الوحي لا يفترقان ، وما القيادة بعد النبي إلا استمرار لوظائف النبوّة ، وإن كانت النبوّة مختومة ولكن الوظائف والمسؤوليات كانتا مستمرّتين.

2 ـ حديث المنزلة :

روى أصحاب السير والحديث أنّ رسول اللّه خرج إلى عزوة تبوك وخرج الناس معه فقال له علي : « أخرج معك » ؟ فقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : « لا » ، فبكى علي فقال له رسول اللّه : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ بعدي ، انّه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي » ، أخرجه البخاري في صحيحه (2) والاستثناء يدل على ثبوت ما لهارون من المناصبت لعلي سوى النبوّة سيأتي توضيحه.

وروى مسلم في صحيحه انّ إمام الفئة الباغية قال لسعد بن أبي وقاص : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟ فقال : امّا ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّه فلن أسبّه لأن تكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من حمر النعم ، سمعت رسول اللّه يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه بعد ما شكى إليه علي بقوله : « يا رسول اللّه خلّفتني مع النساء والصبيان » : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه

____________

1 ـ كالدكتور حسنين هيكل في حياة النبي ، لاحظ محاضراتنا في سيرة النبي وقد طبعت باسم ( سيّد المرسلين 1 / 394 ـ 397 ).

2 ـ صحيح البخاري 5 باب فضائل أصحاب النبي باب مناقب علي 24 وغيره.

46

لا نبوّة بعدي ».

وسمعته يقول يوم خيبر : « لاُعطينّ الراية رجلاً يحبّ اللّه ورسول ، ويحبّه اللّه ورسوله » قال : فتطاولنا لها ، فقال : « اعدوا لي عليّاً ، فاُتي به أرمد العين ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح عليه.

ولمّا نزلت هذه الآية : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وَ أبْناءَكُمْ ) دعا رسول اللّه عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً ، فقال : « اللّهمّ هؤلاء أهلي » (1).

3 ـ حديث الغدير :

إنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة رواه الصحابة والتابعون والعلماء في كل عصر وجيل ، ولسنا بصدد اثبات تواتره وذكر مصادره فقد قام غير واحد من المحقّقين بهذه المهمّة ، وانّما الهدف ايقاف القارىء على نصوص الخلافة في حقّ علي حتى يقف على أنّ النبيّ الأعظم هوالباذر الأوّل لبذرة التشيّع والدعوة إلى علي بالامامة والوصاية ، وعلى أنّ مسألة التشيّع قد نشأت قبل رحلته ، ونذكر في المقام ما ذكره ابن حجر وقد اعترف بصحّة سنده ، يقول : إنّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) خطب بغدير خم تحت شجرات ، فقال : « أيّها الناس انّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله ، وانّي لأظن أنّي يوشك أن اُدعى فاُجيب وانّي مسؤول وانّكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟ » قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت وجهدت ونصحت فجزاك اللّه خيراً ، فقال : « أليس تشهدون أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله وأنّ جنّته حق وأنّ ناره حقّ وأنّ الموت حق وأنّ البعث حق بعد الموت وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ

____________

1 ـ صحيح مسلم 6 باب فضائل علي 120 ـ 121 طبعة محمّد علي صبيح.

47

اللّه يبعث من في القبور ؟ » قالوا : بلى نشهد بذلك ، قال : « اللّهمّ اشهد » ثمّ قال : « يا أيّها الناس إنّ اللّه مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولا فهذا ـ يعني عليّاً ـ مولاه اللّهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه » ثمّ قال : « يا أيّها الناس انّي فرطكم وانّكم واردون عليّ الحوض ، حوض أعرض ممّا بين بصري إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضّة » وانّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما الثقل الأكبر كتاب اللّه عزّوجلّ سبب طرفه بيد اللّه وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدلوا ، وعترتي أهل بيتي ، فإنّه نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتى يردا عليّ الحوض » (1).

وأخرجه غير واحد من أئمّة الحديث منهم الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم قال : نزلنا مع رسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بواد يقال له وادي خم ، فأمر بالصلاة فصلّاها بهجير ، قال : « فخطبنا وظُلِّل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بثوب على شجرة سمرة من الشمس ، فقال : « ألستم تعلمون ، أولستم تشهدون ، أنّي أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ » قالوا : بلى ، قال : « فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » (2).

وأخرجه الحاكم في مناقب علي من مستدركه عن طريق زيد بن أرقم من طريقين صحّحها على شرط الشيخين قال : لمّا رجع رسول اللّه من حجّة الوداع ونزل غدير خم ، أمر بدوحات فقممن ، فقال : « إنّي دعيت فأجبت ، قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب اللّه وعترتي ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ،

____________

1 ـ الصواعق 43 ـ 44 ، وأخرجه عن طريق الطبراني وغيره ، وحكم بصحّته.

2 ـ مسند الامام أحمد 4 / 372 ، وأخرجه الامام أيضاً في مسنده من حديث البراء بن عازب من طريقين ، لاحظ الجزء الرابع الصفحة 281.

48

فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ـ ثمّ قال : ـ إنّ اللّه عزّوجلّ مولاي وأنا مولى كل مؤمن ـ ثمّ أخذ بيد علي فقال : ـ من كنت مولاه فهذا وليّه ، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاده ... » (1).

وأخرجه النسائي في خصائصه عن زيد بن أرقم قال : لمّا رجع النبي من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن ثمّ قال : « كأنّي دعيت فأجبت ، وانّي تارك فيكم الثقلين : أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب اللّه وأهل بيتي ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ، فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ـ ثمّ قال : ـ إنّ اللّه مولاي وأنا ولي كل مؤمن ـ ثمّ أخذ بيد علي فقال : ـ من كنت وليّه فهذا وليّه ، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » قال أبوالطفيل : فقلت لزيد : سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ؟ فقال : وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينه وسمعه باُذنه (2).

إنّ سؤال أبي الطفيل يعرب عن حقيقة مرّة ، وهوأنّه يرى التنافي بين مضمون الحديث وعمل الاُمّة ، فإنّ الحديث نصٌّ على ولايته وخلافته والاُمّة صرفتها عن علي ، فلأجل ذاك عاد يتعجّب ويسأل ، وليس التعجّب مختصّاً به ، فهذا هوالكميت يصرّح به في هاشمياته ويقول :

ويوم الدوح دوح غدير خمولكن الرجال تبايعوهاولم أر مثل ذال اليوم يوماً**أبان له الخلافة لواُطيعافلم أر مثلها خطراً مبيعاولم أر مثله حقّاً اُضيعا (3)

____________

1 ـ المستدرك 3 / 109. مع أنّ الذهبي في تعليقته على المستدرك يعلّق على مواضع من تصحيحات الحاكم صرّح في هذا المقام بصحّة الحديث.

2 ـ الخصائص العلوية 21.

3 ـ الهاشميات طبعت غير مرّة وشرحها غير واحد من اُدباء العصر كالرافعي المصريّ ، والاُستاذ محمّد شاكر الخياط وقد دبَّ إليها الدسّ والتحريف ، لاحظ الغدير 2 / 181.

49

ولوأردنا استقصاء مصادر الحديث ومسانيده ورواته من الصحابة والتابعين والعلماء لأحوجنا ذلك إلى تأليف مفرد ، وقد قام بحمد اللّه أعلام العصر ومحقّقوه بذلك المجهود (1).

والمهم هودلالة الحديث على الولاية العامّة والخلافة الكبرى لعلي بعد الرسول ، ويكفي في ذلك التدبّر في الاُمور التالية :

1 ـ إنّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قال في خطبته : « أنا أولى بهم من أنفسهم ـ ثمّ قال : ـ فمن كنت مولاه » وهذا قرينة لفظية على أنّ المراد من المولى هوالأولى ، فالمعنى أنّ اللّه أولى بي من نفسي ، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، ومن كنت أولى به من نفسه ، فعلي أولى به من نفسه. وهذا هومعنى الولاية الكبرى للإمام.

2 ـ ذيل الحديث وهوقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : « اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » وفي بعض الطرق « وانصر من نصره واخذل من خذله » فإنّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لمّا نصّبه إماماً على الاُمّة بعده ، كان يعلم أنّ تطبيق هذا الأمر رهن توفّر الجنود والأعوان وطاعة أصحاب الولايات والعمّال ، مع علمه بأنّ في الملأ من يحسده وفيهم من يحقد عليه ، وفي زمرة المنافقين من يضمر له العداء ، فعاد يدعولمن والاه ونصره ، وعلى من عاداه وخذله ، ليتمّ أمر الخلافة ، ولِيُعْلم الناس أنّ موالاته موالاة لله وأنّ عداءه عداؤه ، والحاصل أنّ هذا الدعاء لا يناسب إلا من نصب زعيماً للإمامة والخلافة.

3 ـ إنّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أصدر كلامه بأخذ الشهادة من الحضّار بأن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه ، ثمّ قال : إنّ اللّه مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا

____________

1 ـ العبقات للسيد مير حامد حسين ( ت 1306 ) ، والغدير للعلامة الفذ عبد الحسين الأميني ( ت 1390 ) ، وكلاهما من حسنات الدهر.

50

أولى بهم من أنفسهم ، فقال : « فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ».

4 ـ إنّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ذكر قبل بيان الولاية قوله : « كأنّي دعيت فأجبت » أوما يقرب من ذلك ، وهويعرب أنّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لم يبق من عمره إلا قليل يحاذر أن يدركه الأجل ، فأراد سد الفراغ الحاصل بموته ورحلته بتنصيب عليّ إماماً وقائداً من بعده.

هذه القرائن وغيرها الموجودة في كلامه ، توجب اليقين بأنّ الهدف من هذا النبأ في ذلك المحتشد العظيم ليس إلا إكمال الدين واتمام النعمة من خلال ما أعلن عنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) انّ علياً قائد وإمام الاُمّة ، ومن أراد التوسع في الاطلاع على هذه القرائن فليرجع إلى الأثر القيّم الغدير (1).

لا يشك من درس مضمون حديث الغدير وما حوله من القرائن يقف على أنّ المراد منه هونصب علي للامامة والخلافة وهذا هوالذي فهمه الحضّار من المهاجرين والأنصار في ذلك المحفل كما فهمه من بلغه النبأ بعد حين ممّن يُحتجّ بقوله في اللغة ، وتتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء ورجال الأدب إلى العصر الحاضر ، وهذا هوحسّان بن ثابت الحاضر مشهد الغدير وقد استأذن رسوله اللّه أن ينظم الحديث في أبيات منها قوله :

وقال له قم يا علي فانّني**رضيتك من بعدي إماماً وهاديا (2)

حتى أنّ عمروبن العاص الذي لا يخفى عداؤه لعلي على أحد يقول في قصيدته التي أرسلها إلى معاوية شاكياً إيّاه :

وكم قد سمعنا من المصطفى**وصايا مخصّصة في علي

____________

1 ـ الغدير 1 / 370 ، وقد ذكر هناك ما يقرب من عشرين قرينة على ما هوالمراد من الحديث.

2 ـ رواة غير واحد من حفاظ الفريقين لاحظ الغدير 2 / 35 ـ 37.

51

وفي يوم خم رقى منبراًفأمنحه إمرة المؤمنينوفي كفّه كفّه معلناًوقال : فمن كنت مولى له

وبلّغ والصحب لم ترحلمن اللّه مستخلف المنحلينادي بأمر العزيز العليعلي له اليوم نعم الولي (1)

شبهتان واهيتان :

وقد توالى فهم الاُدباء والعلماء على ذلك في طيّات القرون عبر النظم والنثر.

غير أنّ هناك لفيفاً من الناس ممّن يعاند الحقيقة ولا يرضى بقبولها ، أبدى شبهتين ضعيفتين نذكرهما على وجه الإجمال :

الشبهة الاُولى :

إنّ المولى يراد به معان مختلفة فمنها ، المحبّ والناصر ، فمن أين علم أنّ المراد بها المتولّي والمالك للأمر والأولى بالتصرّف ؟

يلاحظ عليه : أنّ لفظ المولى ليس له إلاّ معنى واحد وهو: الأولى. قال سبحانه : ( فَالْيَوْمَ لا يُؤخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُم النَّارُ هِي مَوْلاكُمْ وَبِئسَ المَصير ) (2) وقد فسّره غير واحد من المفسّرين بأنّ المراد أنّ النار أولى بكم ، غير أنّ الذي يجب التركيز عليه هوأنّ الاُولى هوالمعنى الوحيد للمولى

____________

1 ـ والقصيدة تربوعلى 66 بيتا ، نقل قسماً منها ابن أبي الحديد في شرحه 10 / 56 ـ 57 ونقلها برمتها الأميني في الغدير 2 / 115 ـ 117.

2 ـ الحديد / 15.

52

وانّ كلّما ذكر من المعاني المختلفة له إنّما هي من موارد استعماله ومتعلّقاته ، فقد ذكروا له من المعاني سبعة وعشرين معنى ، خلطوا فيها المتعلّق بالمعنى ، ومورد الاستعمال بالموضوع له ، فقد قيل إنّ من معانيه الرب ، والعم ، والمعتق ، والعبد ، والمالك ، والتابع ، والمحب ، والناصر وكلّها متعلّقات للمعنى ، وليس له إلاّ معنى واحد وهوالجامع لهاتيك المعاني جمعاء ، ومأخوذ في كل منها بنوع من العناية ، ولم يطلق لفظ المولى على شيء منها إلاّ بمناسبة.

1 ـ فالربّ سبحانه هوأولى بخلقه من أي قاهر عليهم ، خلق العالمين كما شاءت حكمته يتصرّف فيه بمشيئته.

2 ـ والعم أولى الناس بكلاءة ابن أخيه والعطف عليه وهوالقائم مقام والده الذي كان أولى به.

3 ـ و« المعتِق » أولى بالتفضّل على من أعتقه ، كما أنّ المعتق أولى بأن يعرف جميل من أعتقه عليه.

4 ـ والمالك أولى بالتصرّف في ماله وكلاءة مماليكه.

5 ـ والتابع أولى بمناصرة متبوعه ممّن لا يتبعه.

6 ـ والمحب والناصر أولى بالدفاع عمّن أحبّه أوالتزم بنصرته.

فإذن ليس للمولى إلاّ معنى واحد ، وتختلف هذه الأولوية بحسب الاستعمال في الموارد المختلفة.

الشبهة الثانية :

المراد أنّه أولى بالإمامة مآلاً وإلاّ كان هوالإمام مع وجود النبي ولا تعرض فيه لوقت المآل ، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له ، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمّة