بحوث في الفقه المعاصر - ج2

- الشيخ حسن الجواهري المزيد...
465 /
5

حدود : عرفات ، مزدلفة ، منى

6

-

7

إنّ البحث الذي نريد الكتابة عنه هو بحثٌ تاريخيٌّ جغرافيّ يكون موضوعاً لأحكام شرعيّة كثيرة ، ألا وهو تحديد عرفات ، مزدلفة ، منى. وقد ذكر الفقهاء الأحكام الكثيرة الواردة على هذه الموضوعات الثلاثة ، ولئن كان الموضوع قد حدّده الشارع المقدّس في الروايات الواردة عن المعصوم (عليه السلام) إلاّ أنّ المصداق لهذا المفهوم لا بدّ من أخذه من أهل الخبرة في تعيين ما حدّده الشارع ، وعلى هذا فنحن بحاجة :

أوّلاً : إلى ما حدّده الشارع المقدّس كمفهوم لهذه الألفاظ الثلاثة.

وثانياً : إلى تعيين هذه المواضع إمّا من شياع أهل الخبرة إذا اختلفوا في تعيين المصداق ، أو لم يختلفوا حيث إنّه يفيد علماً أو اطمئناناً.

ولا يخفى أنّ القاعدة عند الشكّ في تعيين المصداق تقتضي الاقتصار على القدر المتيقّن ; لقاعدة الاشتغال اليقيني الذي يستدعي الفراغ اليقيني ، بمعنى أنّ مشكوك الموقفيّة أو الموضعيّة يوجب الشك في الامتثال الذي حدّد في هذه الأمكنة ، فتجري القاعدة.

ولا بأس بالتنبيه إلى بعض الاشكالات والأبحاث الفقهيّة التي تتعلّق بهذه الدراسة. فنقول وبالله التوفيق :

أولاً : حدود عرفات

إنّ عرفات منطقة تقع شرقيّ مكّة بحوالي 22 كم وهي سهل واسع منبسط

8

مُحاط بقوس من الجبال يكون وتره وادي عَرَفَة ، فمن الشمال الشرقي يُشرف عليها جبل أسمر شامخ وهو ( جبل سعد ) ومن مطلع الشمس يشرف عليها جبل أشهل أقلّ ارتفاعاً من سابقه ويتّصل به من الجنوب ، وهذا يُسمّى ( مِلْحه ) ، ومن الجنوب تشرف عليه سلسلة لاطية سوداء تسمّى ( اُمّ الرضوم ) ، أمّا من الشمال إلى الجنوب فيمرّ وادي عَرَفَة(1).

وقد ذكرت الروايات حدود عرفات ممّا يلي الحرم ، لأنّها هي التي تحتاج إلى تحديد ، أمّا الجهات الثلاث الأُخرى فكأنّها لا تحتاج إلى تحديد ; لوجود سلسلة الجبال التي تقطع بين عرفات وغيرها. فقالت الروايات وتبعها الفقهاء : بأنّ الحاج لو وقف « بنَمِرَة أو عَرَفَة ، أو ثوية ، أو ذي المجاز ، أو بجنب الأراك ، أو غير ذلك ممّا هو خارج عن عرفة لم يجزه » ، فمن الروايات :

1 ـ صحيحة معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « فإذا انتهيت إلى عَرَفات فاضرب خباك بنَمِرَة ، ونمرة هي بطن عُرَنَة دون الموقف ودون عرفة ... وحدّ عَرَفَة من بطن عُرَنَة وثوية ونَمِرَة إلى ذي المجاز ، وخلف الجبل موقف » (2).

2 ـ خبر سماعة عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « واتّقِ الأراك ونَمِرَة وهي بطن عُرنَة ، وثوية وذي المجاز فإنّه ليس من عَرَفَة ولا تقف فيه » (3).

3 ـ خبر إسحاق بن عمّار عن الإمام الكاظم (عليه السلام). قال : « قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ارتفعوا عن وادي عُرَنَة بعرفات » (4).

____________

(1) معالم مكة التأريخيّة والأثريّة : 182 ، البلادي ( عاتق بن غيث ) ، طبع دار مكّة ، 1980م.

(2) الوسائل : ج10 ، الباب 9 من أبواب إحرام الحاجّ ، ح1 ، وذيل ح1 من باب 10 من أبواب إحرام الحاجّ ، ح1.

(3) المصدر السابق ، الباب 10 ، ح6.

(4) المصدر السابق ، الباب 10 ، ح4.

9

أقول : إنّ هذه الأماكن الخمسة هي حدود عَرَفَة من ناحية الغرب ( الحرم ) وهي راجعة إلى أربعة كما هو المعروف من الحدود ، لأنّ نَمِرَة هي بطن عَرَفَة ، كما روي في حديث معاوية المتقدّم عن الإمام الصادق (عليه السلام).

شرح الألفاظ :

1 ـ نَمِرَة :

نَمِرَة : بفتح النون وكسر الميم وفتح الراء المهملة ( وهي بطن عُرَنَة ) كما ذكرت الروايات المتقدّمة.

وقد ذكر ابن تيمية عن نَمِرَة فقال : « ونَمِرَة كانت قرية خارجة عن عرفات من جهة اليمن ، فيقيمون فيها إلى الزوال كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) ثمّ يسيرون منها إلى بطن الوادي ، وهو موضع النبيّ (صلى الله عليه وآله) الذي صلّى فيه الظهر والعصر وخطب ، وهو في حدود عَرَفَة لبطن عُرَنَة ، وهناك مسجد يُقال له مسجد إبراهيم ، وإنّما بُني في أوّل دولة بني العبّاس ».

وقال ابن القيّم : « نَمِرَة قرية غربيّ عرفات ، وهي خراب اليوم ، نزل بها النبي (صلى الله عليه وآله) حتّى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحّلت له ، ثمّ سار حتّى أتى بطن الوادي من أرض عَرَفَة فخطب الناس ، وموضع خطبته لم يكن من الموقف ، فإنّه خطب بعُرَنَة ، وليس من الموقف ، فهو (صلى الله عليه وآله) نزل بنَمِرَة وخطب بعُرَنَة ووقف بعَرَفَة » (1).

والمُراد من المسجد الذي يسمّى مسجد إبراهيم فيما ذكره ابن تيمية هو

المسجد القديم الذي اختلف فيه أنّه من عرفات أو خارجها ؟ على ثلاثة أقوال :

1 ـ فقد ذكر إمام الحرَمَين الجويني والقاضي حسين والرافعي وجماعة من

____________

(1) هداية الناسكين ، تحقيق الدكتور الفضلي : 175 ، عن هامش كتاب الإرتسامات اللِطاف ، أرسلان ( الأمير شكيب بن حمود 1366 هـ ) ، تعليق عبد الرزّاق محمّد سعيد حسن ( الطائف : مكتبة المعارف ) : ص58 ـ 65.

10

الخراسانيّين : أنّ مقدّم المسجد القديم في وادي عُرَنَة ومؤخّره في عَرَفات ، ويتميّز ذلك بصخرات كبار فُرِشت هناك.

2 ـ قال في البحر العميق نقلا عن الطرابلسي وغيره : « إنّ جميع المسجد القديم من عَرَفَة ، وإنّ جداره الغربيّ لو سقط لسقط على بطن عُرَنَة ».

3 ـ صرّح كثيرٌ من علماء الإسلام بعدم دخول المسجد القديم في عَرَفة تبعاً للروايات المشتملة على صفة حجّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد روى معاوية بن عمّار حجّ النبي (صلى الله عليه وآله) فقال : حتى انتهى إلى نَمِرَة وهي بطن عُرَنَة بحيال الأراك ، فضرب قبّته وضرب الناس أخبيتهم عندها ، فلمّا زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية حتّى وقف بالمسجد ، فوعَظَ الناس وأمَرَهم ونهاهم ، ثمّ صلّى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتَين ، ثمّ مضى إلى الموقف فوقف به »(1).

وقد قال الشافعي ـ وهو مكّي قَرَشي ـ في الأُْمّ : « وعَرَفَة ما جاوز وادي عُرَنَة الذي فيه المسجد ، وليس المسجد ولا وادي عُرَنَة من عَرَفَة ».

وقال النووي في الايضاح : « واعلم أنّه ليس من عرفات وادي عُرَنَة ولا نَمِرَة ولا المسجد المسمّى مسجد إبراهيم ـ ويُقال له أيضاً مسجد عُرَنة ـ بل هذه المواضع خارجة عن عرفات على طرفها الغربيّ ممّا يلي مُزْدَلِفَة ».

أقول : إنّ القاعدة التي ذكرناها في أوّل البحث في خصوص ما إذا اختلف أهل الخبرة في كون المسجد من عَرَفات أو خارج عنها فإنّ المدار على الشياع الذي يفيد الاطمئنان بأنّ المسجد ليس من عَرَفَة ، على أنّ ظاهر الصحيحة المتقدّمة أنّه خارج عن موقف عرفات ، كما هو الأحوط لهذه العبادة العظيمة.

ومساحة ضلع هذا المسجد القديم من مبتدئه من الناحية الغربيّة إلى منتهاه من الناحية الشرقيّة ( مئة ذراع وثلاث وستّون ذراعاً ) كما ذكره الأزرقي في تأريخ

مكّة ، وأنّ مساحة ضلعه من ركنه الشمالي الشرقي إلى الركن الجنوبي الشرقي

____________

(1) الوسائل : 8 ، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ ، ح3.

11

( مئتان وثلاث عشرة ذراعاً ) (1).

ولكن حصلت زيادات على القدر القديم للمسجد ، فإن كانت هذه الزيادة لجهة المشرق فقد دخلت هذه الزيادة في عَرَفَة ، كما قال البعض وهو القشيري ، فقد قال : « والمسجد ـ أي القديم ـ الذي يصليّ فيه الإمام ـ اليوم ـ يوم عَرَفَة هو في بطن عُرَنَة ، فإذا خرج منه الإنسان يريد الوقوف فقد صار في عَرَفَة ».

ولكن إذا أخذنا بهذا القول الشائع والمشهور ، وقلنا : إنّ المسجد القديم ليس من عرفات ، وقد صلّى النبيّ (صلى الله عليه وآله) الظهر والعصر فيه فسوف تواجهنا مشكلة ينبغي حلّها ، وهذه المشكلة عبارة عن القول بعدم وجوب الوقوف في عَرَفَة من أوّل الزوال إلى الغروب اختياراً ، بل يكفي الوقوف بعَرَفَة بعد الزوال بمقدار ما يغتسل ويصليّ ويخطب ويذهب إلى الموقف ، بينما ذُكر : أنّ وقت الاختيار في الوقوف بعَرَفَة هو من زوال الشمس إلى غروبها ، وأنّ الركن هو المسمّى ، وكأنّ هذا من البديهيّات ، فقد ذكر الشهيد الأوّل والثاني في كتاب اللُمعة الدمشقيّة وشرحها بأنّ من الواجبات : « الوقف بمعنى الكون بعَرَفَة من زوال التاسع إلى غروب الشمس مقروناً بالنيّة المشتملة على قصد الفعل المخصوص متقرّباً بعد تحقّق الزوال بغير فصل ، والركن من ذلك أمر كلّي وهو جزءٌ من مجموع الوقت بعد النيّة ولو سائراً ، والواجب الكلّ » (2).

وقد صرّح غير واحد من الفقهاء بذلك ، بل في المدارك نسبته إلى الأصحاب ، فيجب مقارنة النيّة للزوال ليقع الوقوف بأسره بعد النيّة ، وإلاّ فات جزءٌ منه ، ثمّ لو أخّر أثِم ، إلاّ أنّه يجزي ، كما صرّح به في الدروس (3).

____________

(1) مجلّة العرب السعوديّة : ج5 ، السنة السادسة ، 1972م ، تحت عنوان تحديد عرفات ، عن هداية الناسكين : 173.

(2) المصدر السابق : ص269.

(3) جواهر الكلام : ج 19 ص 15.

12

وهذه المشكلة وإن لم تُحلّ بناءً على وجوب الوقوف من الزوال إلى الغروب إلاّ أنّها لا تعينّ القول القائل بوجوب مسمّى الوقوف في عَرَفَات فقط ، فإنّ هذا القول يدفعه وجوب البقاء إلى الغروب وحُرمة الخروج من عَرَفات قبله ، والكفّارة لِمَن تعمّد ذلك ، ووجوب العَود إلى الموقف لو خرج إذا كانت الشمس لم تغرب.

وقد تحلّ هذه المشكلة بأحد حلَّين :

الحلّ الأوّل : ( بناءً على وجوب الوقوف ما بين الحدَّين ) بقولنا : إنّ المراد من الوقوف في عَرَفَة هو الوقوف العرفي الذي تكون مقدّماته المشرفة على الوقوف محسوبة منه ، وعلى هذا تكون مقدّمات الوقوف المشتملة على الغسل والصلاة والخطبة والتهيّؤ للوقوف من الوقوف.

الحلّ الثاني : عدم وجوب دليل يثبت وجوب الوقوف ما بين الحدَّين ، بل ذكر ذلك بعض الفقهاء ، وأمّا الدليل الذي ذكر لنا حجّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) فهو يدلّ على أنّ الوقوف يكون بعد الظهر بساعة ـ مثلا ـ إلى غروب الشمس ، وهذا الحلّ الثاني هو الأوفق ، إذ أنّ الحلّ الأوّل وإن كان يثبت أنّ مقدّمات الوقوف من الوقوف إلاّ أنّه لم يثبت أنّ الوقوف كان في عرَفات.

قرائن على أنّ نَمِرة من عَرَفَات :

وإلى هنا كنّا نؤيّد القول القائل بأنّ نَمِرَة هي خارجة عن حدود عَرَفَات كما ذكرت ذلك الروايات ، ولكن هناك قولٌ آخر يبيِّن أنّ نَمِرَة من عَرَفَات لكنّها خارج موقف الدعاء وسنذكر بعض القرائن على ذلك :

1 ـ ما قاله في القاموس : « إنّها ـ أي نَمِرة ـ موضعٌ بعَرَفات ، أو الميل الذي

عليه أقطاب الحَرَم » وحينئذ يكون المراد بُمضيّه الرواح إلى الموقف ميسرة الجبل الذي يستحبّ الوقوف به.

2 ـ إطلاق عَرَفات في بعض الأخبار على ما يشمل نَمِرَة ـ أيضاً ـ كما ورد في

صحيح معاوية بن عمّار وأبي بصير جميعاً عن الإِمام الصادق (عليه السلام) ، حيث قال :

13

« وحدّ عَرَفَات من المأزمَين إلى أقصى الموقف » (1).

وهذا الحديث صريحٌ في أنّ ما بعد المأزمَين إلى أقصى الموقف اسمه عرفات ، ونَمِرَة داخلةٌ في عرفات ، حيث إنّها واقعةٌ على يمين مَن خرج مِن المأزمَين وأراد الموقف ، وعلى هذا فيكون إطلاق عرفات على ما بعد نَمِرَة في بعض الأخبار لأجل أفضليّة هذه القطعة ، أو لكونها محلاًّ للاعتراف بالذنوب ، لا أنّ عرفات هي هذه القطعة فقط.

3 ـ ما ذُكر من استحباب الجمع بين الصلاتَين بعَرَفَة ، قال في التذكرة : « ويجـوز الجمع لكلّ مَن بعَرَفَـة من مكّي وغيره ، وقد أجمع علماء الإسلام على أنّ الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعَرَفَة » (2).

وعلى هذا يظهر أنّ صلاة النبي (صلى الله عليه وآله) كانت بعَرَفَة ، ويشهد لهذا ما رُويَ في دعائم الإسلام عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن عليّ (عليه السلام) : « أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) غدا يوم عَرَفَة من منى فصلّى الظهر بعَرَفَة ، لم يخرج من منى حتّى طلعت الشمس » (3).

كما يظهر من خبر جذاعة الأزدي معروفيّة إيقاع الصلاتَين بعَرَفَة في ذلك

الزمان ، حيث قال : قلت للإمام الصادق (عليه السلام) : رجلٌ وقف بالموقف فأصابته دهشة الناس فبقي ينظر إلى الناس ولا يدعو حتّى أفاض الناس ، قال (عليه السلام) : « يجزيه وقوفه. ثمّ قال : أليس قد صلّى بعرفات الظهر والعصر وقنت ودعا ؟ ! قلت : بلى. قال (عليه السلام) : فعرفات كلّها موقف ، وما قرب من الجبل فهو أفضل » (4).

4 ـ لقد ذكر بعض الفقهاء : أنّ نَمِرَة من عَرَفَة ، فقد قال الصدوق في المقنع :

____________

(1) الوسائل : ج10 ، الباب 10 من أبواب الإحرام بالحجّ والوقوف بعرفة ، ح8.

(2) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ، للمحقّق صاحب الجواهر : ج19 ، ص23.

(3) مستدرك الوسائل : ج10 ، الباب 7 من أبواب إحرام الحجّ ، ح1.

(4) وسائل الشيعة : ج10 ، باب 16 من أبواب احرام الحج ، ح2.

14

« ثم تلبّي وأنت مارٌّ إلى عرفات ، فإذا ارتقيت إلى عرفات فاضرب خباءَك بنَمِرَة ، فإنَّ فيها ضَرَب رسول الله (صلى الله عليه وآله) خباءه وقبّته ، فإذا زالت الشمس يوم عَرَفَة فاقطع التلبية ، وعليك بالتهليل والتحميد والثناء على الله ... ثمّ قال : إيّاك أن تفيض منها قبل غروب الشمس ... ».

وقال ابن بابويه في الفقيه : « فإذا أتيت إلى عرفات فاضرب خباءَك بنَمِرَة قريباً من المسجد ، فإن ثمَّ ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) خباءه وقبّته ... ».

وفي المقنعة : « ثمّ لِيُلَبّ وهو غاد إلى عرفات ، فإذا أتاها ضرب خباءه بنَمِرة قريباً من المسجد ، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضرب قبّته هناك ... » (1).

وقد ذكر عن بعض الحنفيّة : أنّه قيل : حدّ عرفات ما بين الجبل المشرف على بطن عرنة إلى الجبال المقابلة لعرنة ممّا يلي حوائط بني عامر وطريق الحضّ.

وعن الأزرقي : عن ابن عبّاس : أنّ حدّ عرفات من الجبل المشرف على بطن عرنة ـ بالنون ـ إلى جبال عرفات إلى وصيق إلى ملتقى وصيق ووادي عرنة.

وعن بعضهم : أنّ مقدّم مسجد إبراهيم (عليه السلام) أوّله ليس من عُرَنَة ، ومقتضاه أنّ ما عدا الأوّل من عرفات ، فيمكن أن تكون صلاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيما كان منه من

عرفات ، ويشهد لذلك ما يُحكى عنهم من الجواب لأبي يوسف ( عن إشكاله بمنافاة الصلاة للوقوف من أوّل الوقت إلى الزوال ) بأنّه لا منافاة ، فإنّ المصليّ واقف. وهذا كالصريح في كَون المسجد من عرفة. وقد تقدّم منّا عن الرافعي الجزم بذلك مع شدّة تحقيقه واطّلاعه (2).

أقول : إذا أخذنا بهذه القرائن على أنّ نَمِرَة التي فيها المسجد الذي يُقال عنه : إنّه مسجد إبراهيم ، وقُلنا : إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد صلّى فيه الظهر والعصر جمعاً فيجب أن

____________

(1) جواهر الكلام : ج19 ، ص20 و23 ـ 24.

(2) المصدر السابق : ص26 ، 27.

15

نفسّر الروايات القائلة بذهاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى الموقف بعد الصلاة بإرادة موقف الدعاء في ميسرة الجبل الذي يُستحبّ فيه الوقوف أو التشاغل بما يقتضيه من الدعاء والتحميد والتمجيد والتهليل والتكبير لنفسه ولغيره ممّا جاءت به النصوص في ذلك الموقف.

والتحقيق : أنّ هذه القرائن كلّها لا تقف في وجه الروايات القائلة بأنّ الوقوف في نَمِرَة ـ التي هي بطن عرنة ـ لا يجزي.

ولا بأس بالتنبيه في آخر كلامنا عن نَمِرَة ، بأنّ في حدود عرفات يوجد جبل اسمه ( جبل نَمِرَة ) وهو غير قرية نَمِرَة التي هي بطن عرنة ، وإنّما عرّفه البلادي : « بأنّه جبلٌ صغير بارز تراه غربك وأنت واقفٌ بعرفة بينك وبينه سيل وادي عرنة ، وإذا كنت تؤمّ عرفة عن طريق ضبّ تمرّ بسفحه الشمالي » (1).

وهذا الجبل خارج عن حدود عرفة كما هو واضح.

2 ـ عُرَنَة :

عُرَنة : بضمّ العين المُهملة وفتح الراء المهملة وفتح النون ـ هي وادي ما بين عرفات والحرم عرضاً ، وهو حدّ عرفات من الناحية الغربيّة ، حيث يبتدئ من الجهة الشماليّة من مُلتقى وادي وصيق بوادي عُرَنَة ، وينتهي من الجهة الجنوبيّة عندما يُحاذي أوّل سفح الجبل الواقع بين طريق المأزمين وطريق ضبّ ، والذي بطرفه الشمالي قرية نَمِرَة من الجهة الشرقيّة غربيّ الواقف هناك وغربيّ سفح الجبال التي في منتهى عَرَفَة من الجهة الجنوبيّة الشرقيّة بخطٍّ مستقيم ، وقد قُدِّرت المسافة بين وصيق بوادي عُرَنَة من الجهة الشماليّة إلى مُنتهاه من الجهة الجنوبيّة بخمسة آلاف متر (2).

وبين وادي عُرَنَة المذكور وبين الموقف عَلَمان كبيران يقعان شمالي شرقي

____________

(1) معجم معالم الحجاز : ج9 ، ص92.

(2) جاء ذلك في قرار اللجنة الحكومية السعوديّة المنشور في مجلّة العرب السعودية : ج5 ، السنة السادسة ، 1972م ، من الصفحات 375 ـ 384 ، تحت عنوان : تحديد عرفات ، عن هداية الناسكين : ص172.

16

مسجد إبراهيم ، وهما الحدّ الفاصل بين وادي عُرَنَة وبين عَرَفَة ، كما ذكر ذلك تقيّ الدين الفاسي في كتابه ( شفاء الغرام ) حيث قال : « وكانت ثمّة ثلاثة أعلام سقط أحدها ، وهو الذي إلى جهة المغمّس وأثره بيّن ، ورأيت عنده حجراً مُلقىً مكتوباً فيه : أمر الأمير الأصفهسلار الكبير مظفّر الدين صاحب إربل حسان أمير المؤمنين بإنشاء هذه الأعلام الثلاثة بين منتهى أرض عَرَفَة ووادي عُرَنَة ، لا يجوز لحاجّ بيت الله العظيم أن يجاوز هذه الأعلام قبل غروب الشمس ، وفيه كان ذلك بتاريخ شعبان من شهور سنة ( 605 هـ ) ، ورأيت مثل ذلك مكتوباً في حجر مُلقىً في أحد العَلَمين الباقيَين ، وفي هذَين العَلَمين مكتوب : أمَرَ بعمارة علَمَي عرفات ، وأضاف كاتب ذلك : هذا الأمر للمستظهر العبّاسي ، ثمّ قال : وذلك في شهر ... سنة أربع وثلاثين وستمائة » (1)

وقد تقدّم منّا ذكر الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في خبر إسحاق الذي يقول : « ارتفعوا عن وادي عرنة بعرفات » وهو يدلّ دلالة واضحة على أنّ عرنة ليس

من موقف عرفة ، للأمر بالارتفاع عنه الذي لازمه النهي عن الإتيان بالوقوف به.

وبعبارة اُخرى : أنّ وادي عُرَنَة لمّا كان ملاصقاً لموقف عَرَفَة ، بل ومشابهاً له احتاج إلى أن يُنبَّه على عدم إجزاء الوقوف فيه والأمر بالوقوف حين الارتفاع عنه.

أقول : إنّ الأحاديث المتقدّمة التي ذكرت أنّ عُرَنَة ليست من عرفات قد شخّصت منذ قديم الزمان بأعلام تفصل بين عَرَفَة ووادي عُرَنَة ، وبهذا التحديد وبيان المصداق تخلّصنا من مشكلة التعيين التي لابدّ فيها من الرجوع إلى أهل الخبرة التي يضعف الاعتماد عليها كلّما تمادى الزمان.

إشكال في تعيين صُغرى عَرَفات :

قلنا فيما تقدّم : إنّ الروايات التي ذكرت بأنّ عُرَنَة ليست من عرفات قد

____________

(1) المصدر السابق.

17

شخّصها المتقدّمون علينا بزمن ليس بالقليل ، فقد ارتفع إشكال تحديد معنى عرفات من ناحية المصداق ، ولكن مع هذا بَقي إشكال واحد هو : إذا كانت عُرَنَة هي وادي بين عرفات والحرم عرضاً فينبغي أن يكون بانتهاء الوادي العرضي موقف عرفات ، ولكنّنا نرى الآن بين العَلَمينَ الذين وضَعَهُما ملك إربل في عام ( 605 هـ ) وبين مجرى وادي عُرَنَة مسافة لا يقلّ عرضها عن مائة متر وهي مرتفعة عن وادي عُرَنَة ، فكيف لا تكون داخلة في موقف عرفة ؟ !

الجواب : أنّه لابدّ من الرجوع إلى أهل الخبرة ، فقد ذكروا : أنّ مجرى وادي عُرَنَة آنذاك هو بداية وضع الأعلام ، ولكن بما أنّ سهول عَرَفَة كلّها رمال تنتقل فقد تراكمت الرمال في هذا الجانب من الوادي ، وقد ذكر القاطنون في تلك الأماكن بأنّ سيل الوادي قد يشتدّ في بعض الأحيان فيعلو على هذه الأتربة ويُزيلها (1).

وعلى هذا فيبقى أنّ حدّ عَرَفَة هو ما اُثبت بواسطة الأعلام منذ قديم الزمان ، وأنّ الأحكام الشرعيّة لا تتبدّل ولا تتغيّر بتراكم الأتربة في أحد جانبيَ الوادي.

3 ـ ثَويَّة :

ثوية : بفتح الثاء وتشديد الياء :

لقد ذكر الطريحي في مجمع البحرين قول : « والثويّة : حدٌّ من حدود عَرَفَة ، وفي الحديث : ليست منها ».

وقد ذكر في كتاب المجاز بين اليمامة والحجاز ما نصّه : « عرفات : إذا ترك الطريق ثنية ( الجُليلة ) خلفه ووادي نعمان يساره دلف إلى منطقة عرفات مارّاً بجنوبيّها غربيّها » (2).

وقال البلادي في ( معجم معالم الحجاز ) معرّفاً الجُليلة ـ وهي بالتصغير وتشديد الياء المثنّاة ـ شِعْب يسيل من جبل ملحة فيصبّ في عرفة من الجنوب

____________

(1) هكذا جاء في قرار اللجنة الحكوميّة السعوديّة المنشور في مجلة العرب ، عن هداية الناسكين.

(2) المجاز بين اليمامة والحجاز ، ابن خميس : ص290.

18

الشرقي مجتمعاً مع الأحموم ، في رأسه ريع ( يعني ثنية ) بهذا الاسم يطلعك من عرفة على نعمان » (1).

وقد ذكر محقّق كتاب هداية الناسكين هذا الاستنتاج : « وهذا يعني أنَّ هذه الثنية أو الريع حد من حدود عَرَفَة ، وعليه فمن المظنون قويّاً أنّ كلمة ( ثنية ) دخلها تحريف النسخ فعادت ثَويَّة » (2).

أقول : إذا كانت ثويّة أو ثنية هي حدّ عَرَفَة من ناحية الجنوب الغربي فإنّ جنوب عَرَفَة جبالٌ ممتدّةٌ من المشرق إلى الجنوب ، وقد اخترق فيها قبل فترة طريقٌ للسيّارات الذاهبة إلى الطائف ، فما أدخله هذا الحدّ من حوائط ابن عامر وقرية عَرَفَة داخلٌ في عرفات.

وقد نقل الطبري في القرى نقلا عن البلخي في معرفة حائط بني عامر فقال : « حائط بني عامر غير عُرَنَة ، وبقربه المسجد الذي يجمع فيه الإمام الظهر والعصر ،

وهو حائط نخل وفيه عين تُنسب إلى عبد الله بن عامر بن كريز ، قلت : وهي الآن خراب ». وقد شوهد أخيراً الآثار لتلك الحوائط من الجهة الجنوبيّة عندما كشفت الرياح من آثار المصانع والبرك الكبار والأساسات القويّة التي تشير إلى أنّه كان في الموضع المذكور قصورٌ وحوائط وجوابي واسعة تليق بمكانة هذا الرجل الشهير ، والذي قال ابن الأثير عنه : « إنّه أوّل مَن اتّخذ الحياض بَعَرَفَة وأجرى فيها العين » (3).

وقال ياقوت في ( معجم البلدان ) نقلا عن البشاري : « قرية عرفة : قرية فيها مزارع وخضر ومطابخ وبها دورٌ حسنة لأهل مكّة ينزلونها يوم عَرَفَة والموقف منها على صيحة » (4). فإذا كانت قرية عَرَفَة داخلةً في حدود عرفة فالمراد

____________

(1) معجم معالم الحجاز ، البلادي : ج2 ، ص166.

(2) هداية الناسكين ، للدكتور الفضلي : ص169.

(3) راجع مجلّة العرب السعوديّة : ج5 ، السنة السادسة : ص375 ـ 384.

(4) المصدر السابق.

19

من الموقف هنا هو الوقوف في سفح الجبل للدعاء الذي يكون مستحبّاً.

4 ـ ذو المجاز :

قال الأزرقي في أخبار مكّة : « وذو المجاز : سوقٌ لهُذيل عن يمين الموقف مِن عَرَفَة قريب كبكب على فرسخ من عَرَفَة » (1).

وقال حمد الجاسر : « يسمّى المجاز الآن ، وهو واد عظيم يحفّ كبكب من غربيّه ثمّ يمرّ بعرفات ، وفيه مياه ومزارع على المطر ، وسكّانه هذيل » (2).

وقد اختصره صاحب الجواهر بقوله : « وهو سوق كانت على فرسخ من عرفة بناحية كبكب » (3).

وفي الوافي : « وفي النهاية : ذو المجاز موضعٌ عند عرفات كان يُقام فيه سوقٌ من أسواق العرب في الجاهليّة ، والمجاز موضع الجواز والميم زائدة ، سمّي به لأنّ إجازة الحاج كان فيه » (4).

أقول : إذا كان ذو المجاز هو السوق فهو بعيدٌ من عرفات وليس حدّاً لها ، وإذا كان هو الوادي العظيم الذي يمرّ بعرفات فتكون إحدى جهاته حدّاً لعرفات ، وهي الجهة الملاصقة لعرفات منه ، ولمّا كان هذا الوادي شبيهٌ بعرفات نهى الشارع المقدّس عن الوقوف فيه.

5 ـ الأراك :

والمقصود به نعمان الأراك.

____________

(1) أخبار مكّة ، الأزرقي : ج1 ، ص191.

(2) راجع المجاز بين اليمامة والحجاز ، لابن خميس : ص284.

(3) جواهر الكلام : ج19 ، ص18.

(4) كتاب الوافي للفيض الكاشاني : ج13 ، ص1021.

20

قال البلادي : « واد فحل من أودية الحجاز التهاميّة ... وينحدر غرباً ، فيمرّ جنوب عرفات عن قرب ، ثمّ يجتمع بعُرَنَة فيطلق عليه اسم عُرَنَة ، يمرّ بين جبلَي كُساب وحَبَشي جنوب مكّة على أحد عشر كيلا ، ويكون هناك حدود الحرم الشريف ، ويتّسع الوادي بين كبكب والقرضة فيسمّى خبت نعمان لفياحه وسعته » (1).

وقال الجاسر : « ونعمان : واد عظيم يقطعه القادم من الطائف إلى مكّة من طريق كرا إذا أقبل على عرفات ، وهو يحفّ جنوب عرفات ، فيه مزارع ومياه كثيرة » (2).

وقال في مجمع البحرين : « الأراك كسحاب شجر يُستاك بقضبانه ، له حمل كعناقيد العنب يملأ العنقود الكفّ ، والمراد به هنا موضعٌ بعرفة من ناحية الشام قرب نَمِرَة » (3).

أقول : يبدو ـ كما ذكرنا سابقاً ـ أنّ الأراك ليس من حدود عرفة ; لعدم ملاصقته للحدود ، وإنّما نُهي عن الوقوف فيه وصرّح بعدم الإجزاء ; لاحتمال الاشتباه في الوقوف فيه.

وقد ذكر الدكتور الفضلي : أنّ عين زبيدة الشهيرة تنبع منه (4).

والخلاصة : فعرفة من جهة الشمال الشرقي حدّها جبل سعد ( جبل عرفات ).

ومن جهة الشرق سلسلة جبال. وكذا من جهة الجنوب. ومن الغرب وادي عُرَنَة.

وعلى هذا فسيكون ذو المجاز ـ إذا لم يكن هو السوق ـ حدّها من جهة الشمال الغربي.

____________

(1) معجم معالم الحجاز : ج9 ، ص69.

(2) انظر المجاز لابن خميس : ص287.

(3) مجمع البحرين للطريحي ، مادّة أرك.

(4) هداية الناسكين : 169.

21

وأمّا الأراك فهو ليس حدّاً لعَرَفَة ، كما هو واضح.

وجوه الجبال المحيطة بعَرَفَات داخلة في الموقف :

قد يقال : إنّ الجبال المحيطة بعرفات بما أنّها حدّ لعرفات فهي خارجةٌ عن الحدود ، فلا يجوز الوقوف بها ، مثلها مثل الحدود التي ذكرت في الرواية لعرفة فإنّها خارجةٌ عن الحدود.

ولكن نقول : إنّ الروايات التي ذكرت حدود عَرَفَة مثل ( نَمِرَة وعُرَنة وثَويَّة وذي المجاز والأراك ) قد صرّحت بخروجها عن عَرَفَة ; للنهي الذي ورد في الوقوف بها أو الأمر بالاتّقاء.

أمّا الجبال المحيطة بعرَفَة فالمفهوم الارتكازي أنّ واجهاتها من عَرَفَة ، بالإضافة إلى وجود القرائن الكثيرة الدالّة على دخول واجهات الجبال في عرفة ، منها :

1 ـ موثّقة إسحاق بن عمّار ، قال : « سألت الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحبّ إليك أم على الأرض ؟ فقال : على الأرض » (1).

وواضح أنّ فوق الجبل يكون محبوباً إليه ، إلاّ أنّ الأرض أحبّ إليه ، وهو معنى الجواز.

2 ـ صحيح معاوية بن عمّار ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث قال : « وحدّ عَرَفَة من بطن عُرَنَة وثَويَّة ونَمِرَة إلى ذي المجاز ، وخلف الجبل موقف » (2). ومراده خلف الجبل الذي يكون وجهه إلى عرفات ، وهو يشمل كلّ ما يكون خلفه حتّى جهته التي تكون إلى عرفات.

____________

(1) الوسائل : ج10 ، الباب 10 من أبواب إحرام الحجّ والوقوف بعرفة ، ح5.

(2) المصدر السابق ، ح1.

22

3 ـ استحباب الوقوف في ميسرة الجبل : ومعنى ذلك ـ على أكثر تقدير ـ كراهة الوقوف على واجهة الجبل وهو معنى الجواز ، فقد روى معاوية بن عمّار في الصحيح عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « قف في ميسرة الجبل ، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقف بعرفات في ميسرة الجبل ، فلمّا وقف جعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته فيقفون إلى جانبه ، فنحّاها ، ففعلوا مثل ذلك ، فقال : أيّها الناس ، إنّه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف ، ولكن هذا كلّه موقف ، وأشار بيده إلى الموقف » (1).

4 ـ عدم وجود أيّ رواية ولو ضعيفة في النهي عن الصعود على واجهة الجبال ، سواء كانت في عَرَفَة أو المُزْدَلِفة أو منى ، وما ذاك إلاّ لأوضحيّة جواز الوقوف عليها ودخولها في الحدّ.

5 ـ ما قاله الماوردي عن الشافعي : « حيث وقف الناس من عرفات في جوانبها ونواحيها وجبالها وسهولها وبطاحها وأوديتها ... إلخ » فإنّ هذا الكلام إذا ثبت تتمّ دليليّته بعدم الردع من قبل الإمام (عليه السلام).

فتبيّن من هذه الأدلّة إجزاء الوقوف على واجهة الجبل المطلّة على عرفات أو منى أو مزدلفة على كراهيّة فيها.

ثانياً : حدود المزدلفة

ويقال لها : جُمَع ( كما في بعض مناسك الحجّ ). ويقال لها : المشعر الحرام ، أو المشعر اختصاراً ، أخذاً بقوله تعالى : ( فإذا أفَضْتُمْ مِنْ عَرَفات فاذْكُروا الله عِنْدَ المَشْعَرِ الحرام ) ولكن يُطلق المشعر على نفس المسجد القائم في المزدلفة ، ويؤيّده العنديّة المذكورة في الآية ، كما يطلق على جبل قُزَح أيضاً ، فقد ورد استحباب وطئ

____________

(1) المصدر السابق : الباب 11 ، ح1.

23

الصرورة المَشْعَر برجله.

فقد حُكي عن الشهيد الأوّل في الدروس : « والظاهر أنّه المسجد الموجود الآن » ، وورد استحباب الصعود على قُزَح ( بضمّ القاف وفتح الزاي المعجمة ) ، قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) : « هو المشعر الحرام ، وهو جبلٌ هناك يستحبّ الصعود عليه وذكر الله عليه » (1).

وعلى هذا الذي تقدّم يكون إطلاق المشعر على المزدلفة كلّها إطلاقاً مجازيّاً من باب تسمية الشيء باسم الجزء.

وأمّا جُمَع التي ضُبِطَت في بعض مناسك الحجّ بضمّ الجيم وفتح الميم ، فقد ضُبِطَت عند الجغرافيّين والبلدانيين وأهل اللغة والمعاجم ، بفتح الجيم وسكون الميم ، فقد قال الشريف الرضي :

اُحِبُّكَ ما أقامَ منى وجَمْع**وما أرسى بمكّة أخشباها

وقد سمّيت بذلك لاجتماع الحجّاج فيها بعد الإفاضة من عرفات.

وأمّا تسميتها بالمزدلفة : وبدون أل على صيغة اسم الفاعل على زِنَة ( مُفْتَعِل ) فقد جاءت هذه التسمية من الازدلاف بمعنى التقدّم والإفاضة كما جاء في حديث معاوية بن عمّار ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « وإنّما سُمّيت مزدلفة لأنّهم

ازدلفوا إليها من عرفات » (2). ومقتضى مفاد هذا الحديث أن يكون لفظها بصيغة اسم المفعول ( مزدلَفة ) بفتح اللام لأنّها اسم مكان.

وأمّا حدود المزلفة : فقد ذكرت الروايات حدود المزدلفة « بما بين المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسِّر » (3).

وفي صحيح زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : « حدُّها ما بين المأزمين إلى

____________

(1) شرح اللمعة الدمشقيّة : ج2 ، ص276.

(2) الوسائل : ج10 ، الباب 4 من أبواب الوقوف بالمشعر ، ح5.

(3) المصدر السابق ، ح1.

24

الجبل إلى حياض محسِّر » (1).

وقال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير : « حدّ المزدلفة من وادي محسِّر إلى المأزمين » (2).

وفي خبر إسحاق بن عمّار ، عن أبي الحسن (عليه السلام) : قال : « سألته عن حدّ

جَمْع ؟ قال : ما بين المأزمين إلى وادي محسِّر » (3).

وفي صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث قال : « ولا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة » (4).

شرح الحدود :

1 ـ المأزمان ـ بكسر الزاء وبالهمز ، ويجوز التخفيف بالقلب ألفاً ـ ، وهما جبلان بينهما مضيق يدلف إلى عرفات ، وهو حدّ المزدلفة من الشرق ، فقد ذكر الجوهري : « أنّ المأزم كلّ طريق ضيّق بين جبلَين ، ومنه سمّي الموضع الذي بين جمع وعرفة مأزمَين ».

وفي القاموس : « المأزم ، ويقال له : المأزمان مضيق بين جمع وعرفة ، وآخر بين مكّة ومنى ». وظاهرهما : أنّ المأزم اسمٌ لموضع مخصوص وإن كان بلفظ التثنية.2 ـ حياض مُحَسِّر ( وادي محسِّر ) : محسِّر ـ بضمّ الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة وتشديدها ـ على زِنَة اسم الفاعل.

قال البلادي : « محسِّر : واد صغير يمرّ بين منى ومزدلفة وليس منها ، يأخذ من سفوح ثبير إلى الأثبرة الشرقيّة ، ويدفع إلى عرفة مارّاً بالحسينيّة ، ليس به

____________

(1) المصدر السابق ، ح2.

(2) المصدر السابق ، ح4.

(3) المصدر السابق ، ح5.

(4) المصدر السابق ، ح3.

25

زراعة ولا عمران ، والمعروف منه ما يمرّ فيه الحاجّ على طريق بين منى ومزدلفة ، وله علامات هناك منصوبة » (1).

وقال ابن خميس في مجازه : « ومحسِّر : واد يُقبل من الشمال إلى الجنوب من

فج يفصل بين منى وجبالها وبين مزدلفة وجبالها ، وهو منخفض يسيل عليه ما والاه منهما ، وما يسيل من منى أكثر ، وعرض وادي محسِّر خمسمئة وأربعون ذراعاً » (2) ، أي ما يساوي ( 270 ) متراً تقريباً.

وذكر في وجه تسميته بمحسِّر من التحسير ، أي الإيقاع في الحسرة ، أو الإعياء ، سُمّي به لأنّه قيل : إنّ أبرهة أوقع أصحابه في الحسرة أو الإعياء لمّا جهدوا أن يتوجّه إلى الكعبة فلم يفعل » (3).

ثمّ إنّ الظاهر أنّ المراد من الحياض هي وادي محسِّر ، لا أنّه مكانٌ آخرٌ من المزدلفة ، وأنّ الحياض جمع حوض وهو الوادي الذي قد يكون فيه مجموعة

حياض ، وقد تقدّم من الروايات التعبير ( بحياض محسِّر ) فيكون التعبير بوادي محسِّر بعد كلمة « الحياض » في بعض الروايات لبيان معنى الحياض.

ووادي محسِّر هو حدود مزدلفة من ناحية الغرب ، فضفّة وادي محسِّر الشرقيّة هي الحدّ الفاصل بين مزدلفة ومنى.

أقول : هذا التحديد الذي ذُكر هو تحديد للمزدلفة من ناحية طولها.

أمّا تحديد مزدلفة العرضي فيوجد جبلان كبيران مطلاّن على المزدلفة : أحدهما من الجهة الشماليّة يقال له جبل المزدلفة ، والآخر من الجهة الجنوبيّة ، وقد ذكرتهما صحيحة زرارة المتقدّمة عن الإمام الباقر (عليه السلام) بقولها : « إلى الجبل » ، والمراد به جنس الجبل هناك فيشمل الشمال والجنوب.

____________

(1) معجم معالم الحجاز ، البلادي : ج8 ، ص42.

(2) المجاز لابن خميس : ص301.

(3) جواهر الكلام : ج19 ، ص21.

26

إذن تبيّن أنّ ما بين حدَّي مزدلفة طولا وما بين حدَّيها عرضاً من الشعاب والهضاب والقلاع والروابي ووجوه الجبال كلّها تابعةٌ لمشعر مزدلفة وداخلةٌ في حدودها ، فعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : « ووقف النبيّ (صلى الله عليه وآله) بجمع ، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته ، فأهوى بيده وهو واقفٌ فقال : إنّي وقفت ، وكلّ هذا موقف » (1).

وعلى هذا التحديد لمزدلفة فلا يجوز الوقوف في المأزمَين وقبلها إلى عرفات ، ولا في وادي محسِّر وبعده إلى منى ، فإنّ هذه الحدود ليست من مزدلفة ، فلا يجزي الوقوف فيها ، وقد ورد في صحيح هشام بن الحكم عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال في حديث : « ولا تجاوز وادي محسِّر حتّى تطلع الشمس » (2).

وصحيح الحلبي ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال في حديث : « ولا تجاوز الحياض في ليلة المزدلفة » (3).

وقد جوّزت الروايات الارتفاع إلى المأزمَين الذي هو حدّ لمزدلفة خارجٌ عن المحدود عند الضرورة ; لازدحام الناس وضيق مزدلفة عليهم ، فقد روى سماعة في الموثّق قال ، قلت للإمام الصادق (عليه السلام) : « إذا كثر الناس بجمع وضاقت عليهم كيف يصنعون ؟ قال : يرتفعون إلى المأزمَين » (4).

ثالثاً : حدود مِنى

منى : ـ بكسر الميم والتنوين ـ ، سُمّيت بذلك لما يُمنى فيها من الدماء.

____________

(1) الوسائل : ج10 ، الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر ، ح7.

(2) المصدر السابق ، الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر ، ح2.

(3) المصدر السابق ، الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر ، ح3.

(4) المصدر السابق ، الباب 9 من أبواب الوقوف بالمشعر ، ح1.

27

وقيل : إنّها سُمّيت لما يُمنى فيها من الدعاء.

وقيل : لِما رُويَ عن ابن عبّاس : « أنّ جبرئيل (عليه السلام) لمّا أراد أن يُفارق آدم (عليه السلام)

قال له : تَمَنَّ ، قال : أتَمنَّى الجنَّة ، فُسُمِّيت بذلك لاُمنيته » (1).

وقيل : « سميت منى لأنّ جبرئيل أتى إبراهيم (عليه السلام) فقال له : تمنَّ على ربِّك ما شئت ». فسُمِّيَت مِنى ، واصطلح عليها الناس ، وفي الحديث : « أنّ إبراهيم تمنّى هناك أن يجعل الله مكان ابنه كبشاً يأمره بذبحه فديةً له » (2). فأعطاه الله مُناه.

وقد اتّفقت الروايات على أنّ حدّ مِنى من جهة الطول من العقبة إلى وادي

محسِّر ( على صيغة اسم الفاعل ) ، فقد ذكر في صحيح معاوية ، عن أبي بصير ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « حدّ منى من العقبة إلى وادي محسِّر » (3).

وجمرة العقبة هي حدّ منى من جهة مكّة ، ووادي محسِّر حدّها من جهة مزدلفة ، وهذا الحدّ قد ذكره المؤرّخون والجغرافيّون أيضاً.

فقد قال الأزرقي في أخبار مكّة بسنده عن ابن جريح : « قال : قُلت لعطاء ابن أبي رباح أين مِنى ؟ قال : من العقبة إلى محسِّر ، قال عطاء : فلا أحبّ أن ينزل أحد إلاّ فيما بين العقبة ومحسِّر ... » (4).

أقول : هذا الذي تقدّم هو حدّ لمِنى من ناحية الطول ، أمّا حدّها من ناحية العرض فهو ما بين الجبَلَين الكبيريَن بامتدادهما من العقبة حتّى وادي محسِّر ، وقد ذكر الفاسي في شفاء الغرام : « أنّ ما أقبل على مِنى من الجبال المحيطة بها من كِلا جانبَيها فهو منها ، وما أدبر من الجبال فليس منها » (5).

____________

(1) جواهر الكلام : ج19 ، ص100.

(2) راجع مجمع البحرين ، مادّة مِنى.

(3) الوسائل : ج10 ، الباب 6 من أبواب إحرام الحجّ ، ح3.

(4) مجلّة العرب ، السنة الثامنة : ج1 ، ص78 ـ 80 ، عن هداية السالكين : ص164.

(5) المصدر السابق ، عن هداية السالكين : ص163.

28

وقد قال النووي في المجموع : « واعلم أنّ منى شِعبٌ ممدودٌ بين جبلَينَ : أحدهما ثبير ، والآخر الصابح قال الأصحاب : ما أقبل على مِنى من الجبال فهو منها ، وما أدبر فليس منها » (1).

أقول : كأنَّ مِنى لا تحتاج إلى أن تحدّد من ناحية العرض ; لوجود هذَين الجبلَين الكبيرين المفروض أنّهما حدٌّ للمنطقة ، فكأنّ السؤال في الروايات عن حدٍّ خاصٍّ من ناحية مكّة ومزدلفة فذكرته الروايات.

العقبة هل هي من مِنى ؟

الجواب : بقرينة اتّفاقهم على أنّ ( محسِّراً ) ليس من مِنى ، وإنّما هو حدّ لها فكذلك العقبة ، لاقترانها هي الأُخرى بأداة التحديد وهي ( من ) ، ولكن حكى عن بعض الفقهاء : أنّ العقبة من مِنى وليست حدّاً لها.

وسُمّيت بالعقبة لأنّها مدخل مِنى من الغرب ، وسُمّيت الجمرة هنا بجمرة العقبة.

مشكلة الذبح :

وعلى ما تقدّم من حدود مِنى تواجهنا مشكلة حاليّة بناءً على ما اتّفقت عليه الإماميّة من وجوب الذبح في مِنى ، لأنّ المذبح الذي أوجدته الحكومة السعودية يكون خارج مِنى حسب العلامات التي نصبت هناك ، وتمنع الحكومة الذبح في غير هذه الأماكن التي أعدّتها للذبح حتّى في الأيّام الأُخرى بعد يوم النحر وأيّام التشريق ، فهل من مخرج لهذه المشكلة العويصة ؟

وتشتدّ هذه المشكلة على الناس فيما إذا علمنا أنّ الذبح خارج مِنى لا يجزي ، إذ ليس المورد من موارد التقيّة ، فإنّ مورد التقيّة فيما إذا كان المكلّف غير معروف

المذهب ، فلا يعمل بما هو الحقّ عنده خوفاً من الظالم ، والواقع القائم الآن بخلافه

____________

(1) المصدر السابق ، عن هداية السالكين : ص164.

29

تماماً ، لأنّ المكلّف معروف المذهب ، ومعلوم أنّه لا يعتقد صحّة الذبح خارج مِنى ، وأنّه يريد الذبح في مِنى ، إلاّ أنّ المنع الحكومي الناشئ من أنّ من يخالف ويشقّ عصا طاعة وليّ الأمر لا يجوز إقراره على مخالفته من أيِّ مذهب كان.

وعلى هذا يكون المورد إذا كان هناك إجبار على الذبح في المسلخ على المكلفّ من باب ارتكاب أخفّ المحظورَين وأقلّ الضررَين ( يُريدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُريُد بِكُمُ العُسْرَ ) ، ( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَج ) ، فهو من باب قوله (عليه السلام) :

« لَئِن أفطر يوماً ثمّ أقضيه أحبّ إليَّ من أن تضرب عنقي » ، وأمّا إذا لم يكن إجبارٌ على الذبح وذَبَحَ خارج مِنى فهو لا يجزي أيضاً.

وعلى هذا فيجب القضاء على المكلف لهذا النسك إذا تمكّن بعد ذلك في بقيّة أيّام ذي الحجة ، أو أن يخلف ثمنه عند عدل ليشتري له هدْياً ويذبحه في شهر ذي الحجّة.

فهل توجد طريقة للتخلّص من هذه المشكلة وتقول بالاكتفاء بالذبح في المذبح الحالي الذي هو خارج مِنى ؟

الجواب : توجد عندنا روايات معتبرة تقول : إذا ازدحمت مِنى بالناس ارتفعت إلى وادي محسِّر ، فيكون وادي محسِّر حكمه حكم مِنى ، وحينئذ يكون الذبح في المذبح الحالي مجزياً.

ففي معتبرة سماعة قال : « قلت للصادق (عليه السلام) : إذا كثر الناس بمِنى وضاقت عليهم كيف يصنعون ؟ فقال : يرتفعون إلى وادي محسِّر ... » (1).

فهل يمكن الاكتفاء بهذه الرواية للذبح خارج الحدّ والوقوف كذلك ؟

إذا كان الجواب بالإيجاب فتنحلّ مشكلة مهمّة.

خلاصة لكلّ البحث :

الخلاصة هي : أنّ نَمِرَة ـ التي هي بطن عُرَنَة ـ هل من عرفات أولا ؟ وكذا مسجد

____________

(1) الوسائل : ج10 ، الباب 11 من أبواب إحرام الحجّ ، ح4.

30

إبراهيم القديم الذي يكون في نَمِرَة ؟

فإن قلنا : إنّها خارجةٌ من عرفات ـ كما هو ظاهر الروايات التي شرحت لنا حجّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وكذا بقيّة الروايات التي أخرجت نَمِرَة عن حدود عرفات ـ تواجهنا مشكلة أنّ الوقوف في عُرَنَة ليس من الزوال إلى الغروب.

وإن قلنا : إنّ نَمِرَة من عرفات ـ كما هو رأي يقال ـ تخلّصنا من هذه المشكلة ، ولكن تبقى مشكلة ثانية ، وهي مخالفة ظاهر الروايات ، بل صريح بعضها ، وأقوال أهل الخبرة الذين حدّدوا عرفات بإخراج نَمِرَة من عرفات ; لأنّها بطن وادي عُرَنَة ، وهذا الوادي كلُّه حدّ عرفات من جهة الغرب ، وقد صرّحت الروايات بالارتفاع عنه.

أقول : ألا نحتمل وجود منطقة في داخل عرفات كانت تسمّى نَمِرَة قد صلّى النبي (صلى الله عليه وآله) فيها ووضع رحله ؟ وأمّا قرية نَمِرَة التي هي بطن عُرَنَة فهي خارجةٌ عن حدّ عرفات ، فإن ثبت ذلك انحلّت مشكلة عدم وجوب الوقوف من أوّل الزوال إلى الغروب في عُرَنَة. ويكون حكاية حجّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) مطابقة لوجوب الوقوف في عرفة من أوّل الزوال إلى الغروب ، وأمّا الموقف الذي يُذكر في الروايات فالمراد به الوقوف في سفح الجبل الذي يستحبّ فيه الدعاء والوقوف.

وإن لم يثبت ذلك فلابدّ من القول بعدم وجوب الوقوف من الزوال إلى الغروب ، بل الواجب هو الوقوف بعد الظهر بساعة إلى الغروب.

وأمّا بالنسبة للمزدلفة فلا يوجد خلاف في حدودها ، وقد وقع تعيين هذه الحدود طبقاً لما قرّره الشارع المقدّس بين المأزمين ووادي محسِّر ، وأمّا التحديد العرضي فهو الجبلان المطلاّن عليها من الجبهة الشماليّة والجنوبيّة.

وأمّا مِنى فأيضاً لا يوجد خلاف في حدّها الذي هو من وادي محسِّر إلى العقبة طولا وما بين الجبلين المطلّين عليها عرضاً ، وقد تعرّضنا لمشكلة الذبح التي هي مشكلة معاصرة ; لوجود المذابح خارج مِنى ، والحكومة السعودية تمنع من الذبح في مِنى ، وأوجدنا حلاًّ قد يكون مقبولا من الناحية الفنّيّة.

31

أدنى الحِلِّ

32

-

33

إنّ المقصود بأدنى الحِلِّ : هو أقرب الأماكن الى حدود الحرم من خارج الحدود ; ولهذا تعرف المنطقة التي تقع داخل حدود الحرم بـ ( الحرم ) ، لما لها من أحكام خاصة تقديساً لمكّة.

وتعرف المنطقة التي تقع خارج الحدود بـ ( الحِلّ ) ; لأنّ الله تعالى حلّل فيها ممارسة ما حرّم داخل الحدود.

وقد انعكس ذكر ( الحلّ والحرم ) في الشعر العربي ، كما ورد في قول الفرزدق مادحاً الإمام علي بن الحسين ( زين العابدين ) (عليه السلام) :

هذا الذي تعرفُ البطحاء وطأته**والبيتُ يعرفه والحلّ والحرم

وقد جعل الشارع المقدّس أدنى الحِلِّ ميقاتاً للعمرة المفردة على نحو الرخصة بالتفصيل الآتي :

لقد ذكر الفقهاء (رضوان الله عليهم) : أنّ القارن أو المفرِد أو المتمتّع بعد إتمام حجّة التمتع ، أو مَنْ كان بمكّة ليس بحاجٍّ ، أو مَنْ تعدَّى المواقيت ـ التي وقَّتَها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للإحرام وأراد الدخول الى مكّة ـ إذا أراد إتيان العمرة المفردة فميقاته أدنى الحِلّ بلا خلاف في ذلك.

ومعنى ذلك : هو أن يخرج المعتمر ـ مثلا ـ الى خارج حدود الحرم المحدّد في الروايات بأنّه : « بريد في بريد » فيحرم منه.

وقد ذكر الفقهاء استحباب أن يحرم المعتمر من الجعرانة أو الحديبيّة أو

34

التنعيم ، للتصريح بها في الروايات ، وللتأسّي ، فمن الروايات :

1 ـ ما عن معاوية بن عمار في الصحيح عن الإمام الصّادق (عليه السلام) قال : « اعتمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاث عمر متفرقات : عمرة ذي القعدة ، أهلّ من عسفان وهي عمرة الحديبية ، وعمرةٌ أهلَّ من الجحفة وهي عمرة القضاء ، وعمرة من الجعرانة بعدما رجع من الطائف من غزوة حنين » (1).

وقد نقل عن طريق أبناء السنّة ، عن ابن عباس : « أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتمر أربع عمر : عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء من قابل ، والثالثة من الجعرانة ، والرابعة التي مع حجّته » (2).

أقول : وظاهر الروايتين جواز الإحرام من عسفان ، وهو يبعد عن مكّة مرحلتين ( 48 كيلومتراً ) تقريباً ، وهو ليس ميقاتاً ، وليس من أدنى الحِلّ.

ولكن الإمام الخوئي (رحمه الله) ذكر ما يلي : « أنّ الذي يظهر من الروايات الصحيحة والتواريخ المعتبرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما اعتمر بعد الهجرة عمرتين ، وإنّما عبّر في الصحيحة المتقدمة بثلاث عمر باعتبار شروعه في العمرة والإحرام لها ، ولكنّ المشركين منعوه من الدخول الى مكّة ، فرجع (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما صالحهم في الحديبية ، واعتمر في السنة اللاحقة قضاءً عما فات عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن أصحابه ، فسُمّيت بعمرة القضاء ، كما صرّح بذلك في صحيحة أبان ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « اعتمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمرة الحديبية وقضى الحديبية من قابل ، ومن الجعرانة حين أقبل من الطائف ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة » (3).

وفي صحيحة صفوان أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أحرم من الجعرانة (4).

____________

(1) وسائل الشيعة : ج10 ، باب 2 من أبواب العمرة ، ح2.

(2) وسائل الشيعة : ج10 ، باب 2 من أبواب العمرة ، ح6.

(3) وسائل الشيعة : ج10 ، باب 2 من أبواب العمرة ، ح3.

(4) وسائل الشيعة : ج8 ، باب 9 من أقسام الحجّ ، ح6.

35

فالذي يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحرم من مسجد الشجرة للعمرة ، ورفع صوته بالتلبية من عسفان ( وهو معنى أهلّ ) وهي العمرة التي منعه المشركون من الدخول الى مكة وصالحهم في الحديبيّة ، ورجع من دون إتيان مناسك العمرة ، ثم في السنة اللاحقة اعتمر وأحرم من مسجد الشجرة ، وأهلّ ورفع صوته بالتلبية من الجحفة فسُميت بعمرة القضاء ، وأمّا الجعرانة فالظاهر من الصحيحة أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أحرم منها لظهور قوله : « وعمرة الجعرانة » في أن ابتداء العمرة كان من الجعرانة ، لا أنه أحرم قبل ذلك ورفع صوته بالتلبية من الجعرانة ، كما صرح بذلك في صحيحة أبان المتقدمة. فالمستفاد من الصحيحة جواز الإحرام للعمرة المفردة من الجعرانة اختياراً وإن لم يكن من أهل مكّة كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه ، كما يجوز الإحرام من أدنى الحِلّ ، ولكن يختص ذلك بمن بدى له العمرة في الأثناء » (1).

أقول : وعلى هذا الذي تقدم فستكون هذه الرواية دليلا على جواز الإحرام من الجعرانة ، التي هي أقرب الحلِّ الى الحرم فقط.

2 ـ ما عن جميل بن دراج في الصحيح ، قال : « سألت الإمام الصادق (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكّة يوم التروية ؟ قال (عليه السلام) : تمضي كما هي الى عرفات فتجعلها حجة ، ثم تقيم حتى تطهر فتخرج الى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة ، قال ابن أبي عمير : كما صنعت عائشة » (2).

وكان صُنْعُ عائشة ، كما ذكره ابن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب معاوية بن عمار ، فقال :

« ... إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نزلها ـ البطحاء ـ حين بعث عائشة مع أخيها عبد الرحمان إلى التنعيم ، فاعتمرت لمكان العلّة التي أصابتها ; لأنّها قالت

____________

(1) مستند العروة الوثقى : ج2 ، ص391 - 392 ، كتاب الحج ، تقريرات الإمام الخوئي ، بقلم السيد رضا الخلخالي.

(2) وسائل الشيعة : ج8 ، باب 21 من أقسام الحجّ ، ح2.

36

لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ترجع نساؤك بحجّة وعمرة معاً ، وأرجع بحجّة ؟ فأرسل بها عند ذلك ... » (1).

3 ـ روى ابن بابويه في الصحيح ، عن عمر بن يزيد ، عن الإمام الصّادق (عليه السلام) : « مَنْ أراد أن يخرج من مكّة ليعتمر فليعتمر من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبههما » (2).

وهذه الرواية تشمل جميع مواضع الحرم لقوله (عليه السلام) : « أو ما أشبههما » ، كما أنها مطلقة من حيث كون العمرة مسبوقة بالحجّ أم لا ، فحينئذ لا ينبغي الريب في هذا الحكم.

أقول : تبيّن من هذه الروايات : أنّ ثلاثة مواقيت قد فضِّلت في إحرام العمرة المفردة على بقية نقاط أدنى الحِلّ ، وهي :

1 ـ الحديبية. 2 ـ الجعرانة. 3 ـ التنعيم.

أمّا الجحفة فهي ميقات أبعد من أدنى الحِلّ بكثير ، يمرّ بها ـ الآن ـ حجّاج البحر القادمون عن طريق ميناء ينبع من مصر وغيرها ، وحجّاج البّر القادمون من الأردن عن طريق العقبة. وقد رأينا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أهلَّ منها ، وكذا عسفان التي تبعد عن مكة مرحلتين.

ولا بأس بالإشارة الى أنَّ هذه المواقيت الثلاثة هي رخصة لا عزيمة ، كما ذكر ذلك صريحاً شيخ الطائفة وصاحب الجواهر ( قدس سرهما ) (3).

وبهذا يكون من الجائز الخروج الى أحد المواقيت كالجحفة ويلملم والعقيق وغيرها للإحرام منها ، وذلك للروايات الدالة على أنَّ هذه المواقيت لأهلها ولمن

أتى عليها من غير أهلها ، فقد روى صفوان بن يحيى في الصحيح عن الإمام أبي

____________

(1) المصدر السابق ، باب3 من أقسام الحج ، ح4.

(2) المصدر السابق ، باب 22 من المواقيت ، ح1.

(3) جواهر الكلام : ج18 ، ص119.

37

الحسن الرضا (عليه السلام) فكتب : « ... أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقَّت المواقيت لأهلها ، ومن أتى عليها من غير أهلها ، وفيها رخصة لمن كانت به علة ، فلا تجاوز الميقات إلاّ من علّة » (1).

والذي نريد أن نبحثه الآن هو تفصيل المواقيت الثلاثة ، وهي : ( الحديبية ، الجعرانة ، التنعيم ) ، وما أشكل على موضع التنعيم من كونه أبعد من موضعه الحالي والجواب عنه ، فنقول :

1 ـ الحديبية

الحديبية : ـ بضمّ الحاء المهملة ، ففتح الدال المهملة ، ثمّ ياء مثنّاة تحتانية ساكنة ، ثمّ باء موحّدة ، ثم ياء مثنّاة تحتانية ، ثمّ تاء التأنيث ـ هي في الأصل اسم بئر خارج الحرم على طريق جدّة عند مسجد الشجرة ، التي كانت عندها بيعة الرضوان ، التي نزل فيها القرآن : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ... )(2).

وقال الخطّابي في أماليه : سُمّيت بالحديبية لشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع ، وبين الحديبية ومكة مرحلة وفي الحديث : « إنّها بئر ». وبعض الحديبية في الحِلّ وبعضها في الحرم وهو أبعد الحلّ من البيت ... وعند مالك بن أنس انها جميعها من الحرم (3).

ضبط الكلمة :

لقد استعملت الياء المثناة المفتوحة بالتخفيف والتشديد.

____________

(1) وسائل الشيعة ، 8 : باب 15 من ابواب المواقيت ، ح1.

(2) الفتح : 18.

(3) معجم معالم الحجاز لعاتق بن غيث البلادي : ج2 ، ص246 - 247.

38

وفي كشف اللثام : قال السهيلي : « والتخفيف أعرف عند أهل العربية ، وقال أحمد بن يحيى : لا يجوز فيها غيرُه وكذا عن الشافعي ». وقال أبو جعفر النحاس : « سألت كل من لقيت ممن أثق بعلميته من أهل العربية عن الحديبية فلم يختلفوا على أنها مخففة. وقيل : إنَّ التثقيل لم يُسمع من فصيح » (1).

وقال في الحدائق الناضرة : « قال ابن ادريس في السرائر : الحديبية اسم بئر خارج الحرم يقال : الحديبية بالتخفيف والتثقيل ، وسألت ابن العطار النوهي ؟ فقال : أهل اللغة يقولونها بالتخفيف ، وأصحاب الحديث يقولونها بالتشديد ، وخطّه عندي بذلك ، وكان إمام اللغة ببغداد » (2).

وفي تهذيب الأسماء عن مطالع الأنوار : « ضبطناها بالتخفيف عن المتقنين ، وأمّا عامّة الفقهاء والمحدّثين فيشدّدونها » (3).

وتعرف منطقة الحديبية ـ اليوم ـ بـ « الشميسي » بالتصغير ، وتقع غربي مكة المكرمة في الحِلّ على طريق مكة جدة القديم ، بينها وبين علمي الحرم المكي مسافة قليلة ، وبين العلمين ومكة حوالي اثنين وعشرين كيلو متراً.

2 ـ الجعرانة

ضبطها : « بكسر الجيم وإسكان العين المهملة وتشديد الراء المهملة المفتوحة » كما عن الجمهرة. وعن الأصمعي والشافعي : « بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء. قيل : العراقيون يثقّلونه ، والحجازيون يخفّفونه » وحكي عن ابن ادريس : بفتح الجيم وكسر العين وتشديد الراء أيضاً ، فالراء فيها تخفف وتشدّد

____________

(1) كشف اللثام.

(2) الحدائق الناضرة للشيخ يوسف البحراني : ج14 ، ص455 -ص456.

(3) عن كتاب الحج ، تقريرات آية الله العظمى السيد الشاهرودي : ج2 ، ص294.

39

لاستعمالين موثقين.

وهي موضع بين مكّة والطائف من الحِلِّ ، بينها وبين مكّة ثمانية عشر ميلا على ما ذكره الباجي ، وتقع شمال شرقي مكة المكرمة ، وفيها علما الحدّ ، ومنها أحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمرته الثالثة على ما نصت عليه الروايات ، وفيها مسجده الذي صلّى فيه وأحرم منه عند مرجعه من الطائف بعد فتح مكة ، ويقع هذا المسجد وراء الوادي بالعدوة القصوى ويعرف بالمسجد الأقصى لذلك ، ولوجود مسجد آخر بُني من قبل أحد المحسنين يعرف بالمسجد الأدنى. وبالقرب من مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بئر واسعة عذب ماؤها. وهي اليوم قرية صغيرة تبعد عن مكة في الشمال الشرقي لها بحوالي أربعة وعشرين كيلو متراً ، وفيها المسجد الذي أقامته الحكومة السعودية محرماً ، شرقي أرض المسجد القديم دونما فصل بينهما.. (1) ولكن مؤلف معجم معالم الحجاز ذكر عن الجعرانة : « ومن قال : إنها ـ الجعرانة ـ بين مكة والطائف فقد أخطأ ، فهي شمال مكة ، مع ميل إلى الشرق ولا لزوم في ذكر الطائف في تحديدها أبداً ، إذ هي لا تبعد عن مكة بأزيد من ( 29 ) كيلو متراً » (2).

الجعرانة وموقعها الجغرافي :

ذكر مؤلف مختصر معجم معالم مكّة التاريخية : أنَّ « جبل الستار يقع قُرب الجعرانة من الجنوب ، وهو الجبل الذي يُشرف على علميْ طريق نجد من الشمال ، والذاهب من مكة الى نخلة يجعل الستار على يساره عن قرب ، والجعرانة ـ اليوم ـ قرية صغيرة في صدر وادي سَرِف » (3).

____________

(1) هداية الناسكين : ص89 ، تحقيق الدكتور عبد الهادي الفضلي.

(2) معجم معالم الحجاز ( عاتق بن غيث البلادي ) : ج2 ، ص148 - 149.

(3) مختصر معجم معالم مكة التاريخية : ص15.

40

3 ـ التنعيم

التنعيم : ـ بفتح التاء الفوقانية المثناة ـ « بلفظ المصدر ، سُمي به موضع على ثلاثة أميال من مكة أو أربعة ... به مسجد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومسجد الإمام زين العابدين (عليه السلام) ومسجد اُمّ المؤمنين عائشة ، وسمي بالتنعيم لأنّ جبلا اسمه نعيم يقع عن يمينه ، وعن شماله يقع جبل آخر اسمه ناعم ، واسم الوادي نعمان ، وهو أقرب أطراف الحِلّ الى مكة ، كما هو واضح الآن » (1).

والتنعيم يقع في الشمال الغربي لمكّة المكرّمة ، بينها وبين سَرِف ـ الذي فيه قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على طريق مكة المدينة المارِّ بوادي فاطمة ( المعروف قديماً بمرِّ الظهران ).

وقد ذكر مؤلف مختصر معجم معالم مكة التاريخيّة موقع التنعيم فقال : « واد ينحدر شمالا بين جبال بشم شرقاً ، وجبل الشهيد جنوباً ، فيصب في وادي ياج وهو ميقات لمن أراد العمرة من المكّيّين ، وتسمى عمرته : عمرة التنعيم ، أي مكان الاعتمار ; وذلك تمييزاً لها عن عمرة الجعرانة ، وكان يسمى نعمان ، قال محمد بن عبد الله النميري :

خرجنَ من التنـعيم معتمـراتيـلبـين للرحمن * * * فلم تر عيـني مثل سـرب رأيتهُمررنَ بـفخ ثـمّ

مؤتجراتبه زينبٌ في نسوة عطرات (2) * * * رُحْنَ عشيةتضوَّع مسكاً بطنُ نعمان إذ مشت

____________

(1) كتاب الحج للسيد آية الله العظمى الشاهرودي : ج2 ، ص295 بتصرّف. أقول : سيأتي أنّ جبل نعيم جنوب شرق التنعيم ( مسجد العمرة ) وجبل ناعم يكون من ناحية الشرق.

(2) مختصر معجم معالم مكة التاريخية : ص9 ـ 10.

41

نعمان الأراك وهذا خطأ ، إذ أنّ من يعتمر قاصداً المسجد الحرام ليس قريباً من نعمان الأراك » (1)

أقول : لا ينبغي الريب في أن نعمان الذي يكون بعد الاعتمار من مسجد التنعيم لا ارتباط له بنعمان الأراك الذي يكون جنوب عرفات ، وذلك لأنَّ التنعيم يقع شمال غربي مكّة ، فالمعتمر منه الذي يريد مكة لا يمرّ بنعمان الأراك الذي يكون جنوب عرفات (2) ، والذي حدده البلادي بأنه « واد فحل من أودية الحجاز التهامية ... ينحدر غرباً ، فيمرّ جنوب عرفات عن قرب ، ثم يجتمع بعُرنة فيطلق عليه اسم عُرَنة ، يمرّ بين جبلي كُساب وحَبَشي جنوب مكة على أحد عشر كيلو متراً ، ويكون هناك حدود الحرم الشريف ، ويتسع الوادي بين كبكب والقرضة فيسمى خبت نعمان لفياحه وسعته » (3).

ثمّ إنّه يُعرف موضع الإحرام من التنعيم اليوم بـ « العمرة » ، وفيه مسجد يعرف بـ « مسجد عائشة » نسبة الى أمّ المؤمنين عائشة زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنَّ أخاها عبد الرحمان أحرم بها للعمرة من التنعيم امتثالا لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما أمره بذلك ، كما ذكرت ذلك الرواية المتقدّمة ، وقد شيّدت الحكومة السعودية مسجداً جنوبي علمي الحرم المكّي ، الماثلين حالياً ، وقريباً من موقع المسجد ، الذي كان قبله في هذا الموضع ، وقد أصبح المكان اليوم حيّاً من أحياء مكّة السكنيّة يُعرف بحيّ العمرة ، يبعد عن المسجد الحرام أو مكّة القديمة (6) كيلومترات.

التشكيك في ميقات التنعيم الحالي :

هذا وقد وجدت كلمات لبعض المؤرخين الجغرافيين تلمح الى أن التنعيم

____________

(1) المصدر السابق.

(2) ومعلوم أنّ عرفات تقع شرقي مكّة.

(3) معجم معالم الحجاز : ج9 ، ص69.

42

الذي : ذلك في الكلمات بعض واليك ، بالعمرة حاليّاً المعروف الموضع غير هو الإحرام موضع

1 ـ قال أبو إسحاق الحربي الخراساني ( ت285 ) في كتابه المناسك ص467 : « والتنعيم وراء القبر ( قبر ميمونة ) بثلاثة أميال قبل مسجد عائشة ، وهو موضع الشجرة ، وفيه مسجد وأبيات ، ومنه يحرم مَنْ أراد أن يحرم ».

والشجرة التي أشار اليها هي شجرة هليلجة كانت في المسجد المعروف بمسجد الهليلجة ثمّ سقطت.

وهذا الكلام يتنافى مع ما هو واقع اليوم ، من أن التنعيم بين مكة وسَرِف الذي فيه قبر ميمونة ، ويتنافى مع كون التنعيم هو مسجد عائشة التي أحرمت منه بأمر الرسول الكريم حيث يقول المؤرخ : « بأن التنعيم وراء قبر ميمونة بثلاثة أميال ، وقبل مسجد عائشة ».

ثم قال أبو اسحاق الحربي الخراساني : « عن مالك بن دينار ، عن القاسم ، عن عائشة : أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أعمرها من التنعيم ، ثم مسجد عائشة بعده بنحو ميلين دون مكة بأربعة أميال ».

وهذا الكلام ـ أيضاً ـ يغاير ما هو المعروف اليوم من أن المسافة الى علمي التنعيم القائميْن حالياً لا يزيد على ستة كيلومترات أي أربعة أميال.

2 ـ وجاء في كتاب وفاء الوفاء للسمهودي ( ت911 هـ ) : « قال الأسدي : والتنعيم وراء قبر ميمونة بثلاثة أميال ، وهو موضع الشجرة وفيه مسجدٌ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيه آبار ، ومن هذا الموضع يحرم من أراد أن يعتمر ، ثمّ قال : ميقات أهل مكّة بالإحرام مسجد عائشة ، وهو بعد الشجرة بميلين ، وهو دون مكة بأربعة أميال ، وبينه وبين أنصاب الحرم غلوة ».

وهذا النص ـ أيضاً ـ يصرِّح بأن التنعيم الذي يحرم منه للعمرة ليس هو ما يكون ماثلا اليوم ، إذ يكون التنعيم بعد قبر ميمونة بثلاثة أميال ، وبينه وبين أنصاب الحرم غلوة.

43

3 ـ وقال أحمد بن عبدالحميد العباسي ـ من مؤرخي القرن العاشر الهجري ـ في كتابه عمدة الأخبار ص144 : « والتنعيم وراء قبر ميمونة بثلاثة أميال ».

4 ـ وقال المقدم عاتق بن غيث البلادي ـ مؤرخ الحجاز المعاصر ـ في كتابه على طريق الهجرة ص10 : « ويقال : إنَّ العمرة كانت في هذا المكان ( يعني عند قبر ميمونة ) وإنّ المكيّين يعتقدون أنه حدود الحرم ، ثمّ غيّرت العمرة عندما اختلَّ الأمن خوفاً على الحجَّاج والمعتمرين ».

أقول : إنّ هذه النصوص المتقدمة كلها قد اتفقت على أن التنعيم الذي اُجيز للمعتمر أن يحرم منه هو : إمّا أن يكون عند قبر ميمونة كما في النص الأخير ، وإمّا أن يكون أبعد منه بثلاثة أميال أو ميلين ، وبهذا تكون هذه النصوص قد خالفت موقع مسجد التنعيم اليوم من كونه بين مكة وسَرِف ـ الذي فيه قبر ميمونة ـ الذي يبعد عن المسجد أو مكة القديمة ستة كيلومترات تقريباً.

وهناك نصوص اُخرى صرحت بأنّ التنعيم هو أبعد من أدنى الحلِّ الى مكة بقليل ، منها :

1 ـ ما ذكره المحب الطبري المكي ( ت694 هـ ) فيما حكاه عنه محقق أخبار مكة للأزرقي رشدي ملحِسي بهامش الكتاب المذكور ، 2 : 130 : والتنعيم « أبعد من أدنى الحلِّ بقليل وليس بطرف الحلِّ ».

2 ـ وقال أبو الطيب الفاسي المكي في شفاء الغرام ، 1 : 289 : « الثاني التنعيم المذكور في حدِّ الحرم من جهة المدينة المنوّرة ، وهو أمام أدنى الحلِّ كما ذكره المحب الطبري ، قال : « وليس بطرف الحلِّ » ومَنْ فسّره بذلك تجوَّز وأطلق اسم الشيء على ما قرب منه ، وأدنى الحلِّ إنما هو من جهته ، وليس موضع في الحلِّ أقرب إلى الحرم منه ، وهو على ثلاثة أميال من مكّة ، والتنعيم أمامه قليلا ».

وهناك نص ثالث يقول : بأنَّ التنعيم يبعد عن مكّة فرسخين ، فقد قال الفاسي : « وقال صاحب المطالع : والتنعيم من الحلّ بين مكة وسَرِف على فرسخين من مكّة ، وقيل : على أربعة أميال ».

44

موقع فخ :

ومما يزيد في التشكيك موقع فخ الذي يقع غربي مكة ، على طريق مكة ـ التنعيم ـ المدينة ، وبينه وبين مكة ثلاثة أميال أي حوالي ستة كيلومترات.

وفخّ ـ بفتح الفاء الموحدة فتشديد الخاء المعجمة ـ بئر معروف على نحو فرسخ من مكة كما قيل ، وفي القاموس : « موضع بمكّة دفن فيه ابن عمر ». وفي نهاية ابن الأثير : « موضع عند مكة ، وقيل : واد دفن فيه عبد الله بن عمر ». وفي السرائر لابن إدريس الحلّي : « أنّه موضع على رأس فرسخ من مكّة ، قتل فيه

الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي أمير المؤمنين (عليهما السلام) على ما حكاه صاحب كشف اللثام.

وعلى كلّ حال فإنَّ الموقع واضح ، وهذه المعرِّفات قد تكون كلها صحيحة ، فهو واد دفن فيه ابن عمر وفيه بئر ، وقد وقعت فيه معركة فخّ التي ذكروا بأنَّها من الشدّة بحيث لم تكن مصيبة بعد كربلاء أشد وأفجعَ من فخّ (1).

____________

(1) ومنطقة فخ الآن فيها حيّان من أحياء مكة هما : « حيّ الزاهر » و « حيّ الشهداء » نسبةً الى شهداء فخ الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وأنصاره (رضوان الله عليهم) ).

وفي فخ مقبرة معروفة تُعرف بمقبرة المهاجرين ، كان يدفن فيها كلّ مَنْ جاور مكة منهم ، ولا تزال موجودة معروفة حتى الآن.

أما موضع شهداء فخ فلا أثر له الآن ، يقول السباعي في تاريخ مكة : 89 : « في هذا المكان ـ يعني فخّاً ـ تقرر مصير العلويين حيث قتل الحسين بن علي وهو محرم ، بعد أن أبلى بلاءً شديداً ، وقتل معه أكثر من مائة من أصحابه ، وكانت قبورهم معروفة هناك ، ويُشرف قبر زعيمهم الحسين على ربوة في الوادي.

وجاء في معجم معالم الحجاز ، 7 : 19 ما نصه :

«حكى شاهد عيان أنه كان في أواخر الستينات من هذا القرن الرابع عشر الهجري حدث أثناء حفر أساس قصر بالشهداء أن بدت يدُ إنسان طريّة عارية من تحت الأرض ، فحفروا عنها فإذا هي مطبقة على صدر إنسان فجذبوها ، فإذا الدم يندفع من موضعها ، فتركوها ، فاذا هي ترتدّ بسرعة الى مكان النزيف فتوقفه ».

45

وفخّ قد اختلف فقهاء الإماميّة في كونها ميقاتاً للصبيان على قولين :

الأوّل : ذهب جمع من فقهاء الإماميّة (رضوان الله عليهم) الى كون فخ ميقاتاً للصبيان ، بمعنى جواز تأخير إحرامهم الى هذا المكان من دون تعيّن ذلك عليهم ، واستدلوا لذلك بصحيح أيوب بن الحر ، قال : « سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الصبيان من أين يجرّد الصبيان ؟ قال (عليه السلام) : كان أبي يجرّدهم من فخ » (1).

هذا إذا مرّوا من طريق المدينة ، أمّا إذا مرّوا من طريق آخر فيحرمون من الميقات الذي مرّوا عليه ، فقد ذكر جماعة : أن في الرواية كناية عن جواز إحرامهم من فخ. بل ربما نسب الى الأكثر ، بل في الروضة يظهر من آخر عدم الخلاف فيه.

الثاني : ذهب آخرون الى أن إحرام الصبيان من الميقات ، ولكن رُخّص لهم في لبس المخيط الى فخ ، فإذا وصلوا الى فخ جرّدوا منه ، استناداً الى ظاهر الصحيح المتقدم في حمله على الحقيقة ، وظاهر الروايات المقتضية لزوم الإحرام من الميقات.

وإذا كان إحرام الصبيان من الميقات مطلقاً في حجّ أو عمرة ، وكان مطلقا حتى لمن كان من أهل مكة وأراد العمرة المفردة ـ كما هو ظاهر إطلاقهم ذلك ـ فحينئذ على القول الثاني يكون إحرام المعتمر من التنعيم الحالي البالغ بعده ستة كيلومترات ، مع أن الصبي يحرم من الميقات ، ولكن يجرّد من فخّ الذي يبعد ستة كيلومترات أيضاً ، وهذا فيه بعدٌ عرفيّ واضح يكون الصبي في هذا الحكم أشد حالا من البالغ ، أمّا بالنسبة إلى القول الأول فإنّ الصبي والبالغ في هذا الحكم سيّان ، مع أن العرف يرى لابدّية أن يكون إحرام الصبي أسهلَ من البالغ إذا أردنا الإرفاق به (2).

ولنا في الجواب على هذا التشكيك عدّة مسالك نستعرضها إن شاء الله تعالى :

____________

(1) وسائل الشيعة : ج8 ، باب 18 من المواقيت ، ح1.

(2) قد يقال : إنّ الرواية في تجريد الصبيان من فخّ ناظرة لمن أحرم من طريق المدينة فقط ، فلا اطلاق فيها لما نحن فيه.

46

1 ـ جواب التشكيك من الناحية الفقهية :

نقول : إنّ الأقوال المتقدمة في تقدير المسافة الى موضع الإحرام في التنعيم وإن كانت مختلفة اختلافاً غير يسير إلاّ أنّ هذا الاختلاف بين المؤرخين والجغرافيين لا يجيز لنا رفع اليد عن موضع الإحرام في التنعيم الحالي ; وذلك لعدم حجيّة هذه الأقوال في أنفسها ، إذ هي : إمّا أخبار آحاد غير معتبرة ، وإمّا متعارضة ، وحتى إذا كانت أقوال ذوي الخبرة فهي ساقطة بالتعارض ، فتبقى السيرة المتلقّاة من المسلمين في الإحرام من مسجد التنعيم الحالي الذي يبعد 6 كيلومترات عن المسجد أو حدود مكة القديمة ، وهذا خير دليل على بطلان التشكيك المتقدم ، فإنّ هذه السيرة المتلقاة يداً عن يد ممن يلتزم الشريعة الغرّاء نهجاً في حياته ، وفي زمن المعصومين (عليهم السلام) تفيد العلم في معرفة ميقات التنعيم الذي وقّته رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو كان هناك أيّ تغيير في الميقات في أي زمان لنقل الينا

بصورة واضحة ، إذ أنّ التغيير في العبادات وأماكنها التي حدَّدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مما يوجب اعتراض المسلمين قاطبةً ونقل ذلك التغيير والاعتراض لغيرهم ، مع أنّنا لم نجد في الروايات التي بين أيدينا أيّ تغيير في ميقات التنعيم.

نعم ، نقل عن بعض المؤرخين المعاصرين « تغير موضع العمرة عندما اختل الأمنُ خوفاً على الحجّاج والمعتمرين » بقوله : ويقال.

وهذا الكلام لا يعتدّ به ; لأنه لم يعتقد به حتى هذا المؤرخ المعاصر كما تقدم ، فهو عبارة عن كلام غير معتبر تردّه السيرةُ القائمة على تعيين موضع الإحرام للعمرة من مسجد التنعيم الحالي من قبل كلّ المسلمين.

هذا وقد ذكر غيرُ واحد من الأصحاب (1) هنا الاكتفاء في معرفة هذه المواقيت بالشياع المفيد للظن الغالب ، ولعلّه لصحيح معاوية بن عمار عن الإمام الصادق (عليه السلام) :

____________

(1) راجع جواهر الكلام ، 18 : 107.

47

«يجزيك إذا لم تعرف العقيق أن تسأل الناس والأعراب عن ذلك » (1).

ومعنى ذلك أن الشياع الموجود عند المسلمين هو المرجع في تحديد الميقات ، لا قول المؤرخ أو الجغرافي ، خصوصاً مع التعارض والاختلاف.

2 ـ جواب التشكيك من الناحية الرياضية :

إنّ الأقوال المتقدمة في تقدير المسافة الى موضع الإحرام في التنعيم تتمثل في المسافة التالية : « 3 ميل / 4 ميل / 6 ميل / 1 فرسخ / 2 فرسخ / 6 كم / 12 كم » تقريباً. فهل يمكن أن نرجع هذا الاختلاف في المسافة الى اختلاف أسباب العدّ مع كون الموضع الذي يحرم منه هو الموضع الحالي ؟

الجواب : نعم يمكننا ذلك ; لأن تقدير المسافة يختلف لأسباب متعددة ، منها :

الأول : الاختلاف في تقدير الذراع المستعمل في العدّ ، فإنّه على ثلاثة أوجه :

أ ـ ذراع اليد الذي هو مختلف بين عدّه ( 52 سم ) أو ( 50 سم ) أو ( 48 سم ) وذلك لأنَّ الذراع ـ كما ذكر أهل اللغة ، كمجمع البحرين ـ « من المرفق الى أطراف

الأصابع ، والذراع ست قبضات ، والقبضة أربع أصابع » وبما أن الإصبع يختلف

قدره من شخص الى شخص في الإنسان المتعارف فبذلك يختلف العدّ بين الأرقام الثلاثة المتقدّمة.

ب ـ الذراع الحديدي يساوي ( 58 سم تقريباً ).

ج ـ الذراع المعماري الذي يساوي ( 75 سم تقريباً ).

الثاني : الاختلاف في تقدير الميل بالذراع ، فقد قُدر الميل بالنسبة لذراع اليد بتقديرات مختلفة :

2000 ذراع يد.

3500 ذراع يد.

4000 ذراع يد.

____________

(1) وسائل الشيعة : ج8 ، باب 5 من أبواب المواقيت ، ح1.

48

6000 ذراع يد (1).

ولهذا الاختلاف في تقدير الميل بالذراع يفهم الاختلاف في تقدير المسافة بالأميال ، ومنه يفهم اختلاف تقدير المسافة بالفرسخ أو الكيلومتر.

الثالث : أضف الى ذلك الاختلاف في مبدأ العدّ ، فإنَّ مبدأ العدِّ قد يكون باب المسجد ، كما قد يكون سور مكة.

الرابع : الاختلاف في تقدير الطريق المعدود الذي يختلف باختلاف الانحناءات في أزمان مختلفة ، فقد يكون طريق فيه تعرجات كثيرة يستوجب كثرة المسافة المطوية في زمان ، وفي زمان آخر يتبدل الطريق بإزالة هذه التعرجات أو اختصارها بما يستوجب قلة المسافة.

3 ـ جواب التشكيك من ناحية تعيين موضع التنعيم بالوصف :

إنَّ الموضع الحالي للتنعيم هو بين مكة وسَرِف ( الذي فيه قبر أم المؤمنين

ميمونة بنت الحارث زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ) ، وحينئذ يمكن أن تكون العبارات

القائلة : بأنَّ التنعيم وراء قبر ميمونة بثلاثة أميال متفقة مع الوصف الأولي ، إلاّ أنّ الوصف الأولي يكون للموضع لمن كان في مكة وأراد السير إلى الموضع.

أمّا الوصف الثاني فهو ناظر إلى الموضع لمن كان خارج مكّة أو بعيداً عنها ، فالموضع هو نفسه بين مكة والقبر لمن أراد الإتيان إليه من مكة ، وهو بعد القبر لمن أراد الوصول إليه وهو خارج مكة ، والله تعالى هو العالم بحقائق الاُمور.

ولعلّ مما يحسم الخلاف والتشكيك ما وجدته في خريطة مكة المكرمة ـ المرفقة بكتاب مكّة المكرمة في شذرات الذهب للغزاوي ، وهو دراسة وتحقيق لبعض المعالم الجغرافية ـ من وجود ثلاث مناطق للتنعيم :

الاُولى : منطقة العمرة التي هي شمال غربي جبل نعيم وغربي جبل ناعم ،

____________

(1) استندنا في ذكر هذه التقديرات الى كتاب هداية الناسكين للدكتور الفضلي : ص 93.

49

وهو مكان العمرة الحالي.

الثانية : التنعيم التي تقع شمال منطقة العمرة.

الثالثة : منطقة التنعيم التي تقع شمال جبل الواتد وجنوب منطقة الغزالة وجبل الغبير.

وحينئذ فإنَّ الخلاف في بُعد التنعيم عن المسجد الحرام أو مكة قد يكون منشؤه هذه المناطق الثلاث ، فالذي يصح منه الإحرام هو منطقة العمرة التي هي أقرب مناطق التنعيم للحرم.

هل يشكِّل الجمع بين حدود الحرم الحالية ومواقيت أدنى الحلّ مشكلة ؟

إنّ الشارع المقدّس قد حدّد الحرم المكّي كما في موثّق زرارة ، قال : سمعتُ الإمام الباقر (عليه السلام) يقول : « حرّم الله حرمه بريداً في بريد ... » (1) الذي هو عبارة عما يقارب ثلاثة وعشرين كيلومتراً.

فهل بإمكاننا أن نوفِّق بين هذا التحديد الإجمالي وما هو متلقّى من تعيين الحدود ومعرفتها بالعلامات والنصب الموجودة الآن ، المأخوذة يداً عن يد من زمن المعصومين (عليهم السلام) بحيث يكون التنعيم الحالي خارج حدود الحرم ، والى جنبه النصب الموجودة حاليّاً ؟

نقول : إنّنا إذا نظرنا الى الأدلة القائلة بأنّ المزدلفة هي من الحرم ; بقرينة جواز التقاط حصى الجمار منها ، وبأنّ الجعرانة والتنعيم والحديبية هي خارجة عن حدود الحرم ; لجواز الإحرام للعمرة المفردة منها ، للنصوص المتقدمة ، بل جواز الإحرام من أشباه الجعرانة والحديبية ـ كما في الصحيح المتقدم الذي يدلّ

____________

(1) وسائل الشيعة ، 9 : باب 87 من تروك الإحرام ، ح4.

50

على جواز الإحرام من كلّ مكان خارج الحرم ـ ، فيلزمنا أن نفسّر حدود الحرم الواردة في الموثّق بما يكون بين هذه المواقيت ، بحيث تدخل المزدلفة فيه ، وبهذا فسوف يكون الحرم مختلفة أبعاده بالنسبة الى مكة ، فمن ناحية التنعيم ( الشمال الغربي ) يكون الحرم قبل مسجد التنعيم الحالي ، كما هي علامات الحرم بالنصب الموجودة حاليّاً ، وهي لا تبعد إلاّ ستة كيلومترات. وأما من ناحية الجنوب فقد ذكروا : أنّ إضاءة لبين ( لبن ) هي حدود الحرم من الناحية الجنوبية ، وهي لا تبعد أكثر من ( 18 كم ) وبهذا فسوف يكون البريد ما بين علمي التنعيم وعلمي إضاءة لبين ( لبن ) متحققاً.

أمّا الجعرانة ( التي هي ميقات للإحرام من ناحية الشمال الشرقي ) ، وعرنة ( وهي حدود الحرم من الناحية الشرقية ) ، والحديبية ( وهي ميقات من ناحية الغرب ) فهي خارجة عن الحرم وهي تبعد ما بين ( 20 ـ 23 كم ).

وحينئذ لا يمكن تطبيق البريد في البريد ما بين هذه الأماكن الثلاثة ، ولكن لنا أن نقول : إنّ الفقهاء قد ذكروا استحباب الإحرام من الجعرانة والحديبية ، وجوّزوا الإحرام من أدنى الحلّ ، فإذا عرفنا أدنى الحلّ بصورة قطعية ـ كما فيما بعد المزدلفة ـ جاز لنا الإحرام منه ، وإذا شككنا في حدود الحرم من جهة من الجهات فالاحتياط يقتضي أن نحرم من منطقة تبعد عن الحرم كما في الجعرانة والحديبية وأمثالهما.

وبهذا فسوف تكون حدود الحرم ـ التي هي بريد في بريد ـ ليست على نسق واحد في جميع الأطراف ، كما توجد إشارة الى ذلك في بعض الأخبار.

وعلى كلّ حال فإنَّ تحديد الحرم بكونه بريداً في بريد غير مثير للإشكال في موضع التنعيم الحالي ، فإنَّ ما ذكر من كونه ميقاتاً بفعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كالحديبية والجعرانة ـ إنّما هو على نحو الاستحباب ; للتأسّي بفعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولما فيه من البعد عن مكة ، وليست هي أقرب الأماكن إلى الحرم ، وحينئذ ما قطعنا من كونه من الحرم نطبّق عليه أحكام الحرم ، وما لم نقطع فيه أنّه من الحرم لا نطبق عليه أحكام الحرم ، ولكن يلزمنا ـ أيضاً ـ الإحرام من المكان الذي نقطع فيه بأنه خارج عن حدود الحرم ، والله سبحانه هو الموفّق.

51

البيع قبل القبض

52

-

53

وردت أحاديث عديدة في النهي عن البيع قبل القبض ، وقد اختلفت الآراء حول تعميمها أو تخصيصها تبعاً لاختلاف الروايات في ذلك. وقد بادر مجمع الفقه الإسلامي في الهند بالدعوة إلى عقد الدورة التاسعة في الفترة ما بين 11 ـ 14 اكتوبر عام 1996م في جامعة الهداية لبحث مواضيع فقهية عديدة ، منها « البيع قبل القبض » بفروعه ، التي أراد لها جواباً شرعياً ينسجم مع العقود المستجدّة التي يشتبه أن تكون داخلة تحت البيع قبل القبض.

وإجابةً لتلك الدعوة الكريمة رأينا أن نوضّح ما طلب ايضاحه في تلك الأسئلة.

1 ـ أحكام القبض والإقباض

إنّ القبض الذي ورد في الروايات قد رتّب عليه أحكام عديدة ، منها :

أ ـ ارتفاع ضمان البائع عن المبيع عند تحقّق القبض ، كما في النص القائل : « كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه ».

ب ـ الوجوب التكليفي للقبض والإقباض في المعاملات ، كما في البيع الحالّ الذي يكون القبض والاقباض شرطاً ضمنيّاً ارتكازياً ، وكما في وجوب ردّ الأمانات إلى أهلها ، فإنَّ الله تعالى يقول : ( إنّ اللهَ يأمركُم أنْ تؤدّوا الأماناتِ إلى أهلِها ).

54

ج ـ الوجوب التكليفي للإقباض وإن لم يكن في معاملة ، كمافي وجوب ردّ مال الغير الذي اُخذ غصباً.

د ـ قد يكون القبض شرطاً في صحة بعض المعاملات ، كما في السلم والهبة والوقوف.

هـ ـ القبض شرط في صحة المعاملة الثانية إذا اشترى سلعةً ولم يقبضها ، للأحاديث الناهية عن البيع قبل القبض. ولكنّ هذا مخصوص بالمكيل والموزون ـ كما سيتّضح ذلك ـ فلابدّ من قبضه وبيعه.

حقيقة القبض :

ليس للقبض حقيقة شرعية ولا اتفاق من قبل علماء اللغة ، إذن فلابدّ من الرجوع إلى العرف.

قال الشيخ الأنصاري (قدس سره) (1) : اتفق العلماء على أنَّ القبض في غير المنقول هو التخلية ، واختلفوا في معنى القبض في المنقول على أقوال ثمانية ، ثم ذكر بعدها : أن القبض هو فعل القابض ( المشتري ) وهو الأخذ ، والأخذ في الأموال هو الاستيلاء

____________

(1) راجع مكاسب الشيخ الأنصاري 2 : 309.

«وأما اعتبار الكيل والوزن في القبض أو كفايته في قبض المكيل والموزون فانه تعبّد محض لأجل النصّ ، قال في صحيحة معاوية بن وهب : « سألت الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه ؟ فقال (عليه السلام) : ما لم يكن كِيل أو وزِن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه ». وسائل الشيعة : ج12 ، ب16 من أحكام العقود ح11 ، وغيرها من الروايات. ولا بأس بالتنبيه إلى أن هذا البحث إنما هو لتصحيح البيع الثاني فيما إذا اشترى ولم يكل مثلا ، لا لأجل ارتفاع الضمان عن البائع بالقبض.

والظاهر : أنّ الكيل والوزن هو كناية عن القبض لا لمعرفة المقدار المبيع; وذلك : لأنّ معرفة المقدار لا يفرق فيه بين البيع مرابحة أو تولية ، لشرطية معرفة المقدار المبيع عند كل بيع ، وحينئذ عندما جوّزت الروايات البيع تولية بغير القبض ومنعته مرابحه تبيّن أن المنع لم يكن لأجل اشتراط معرفة المقدار ، بل لأجل اشتراط القبض في صحة البيع الثاني تعبداً.