الاطفال ومشاعر الخوف والقلق

- د. علي القائمي المزيد...
245 /
5

الباب الاول

تعريف علائم الخوف وانواعه

6

-

7

الفصل الاول مسألة الخوف

المقدمة :

اعتبرت مسألة الخوف واحدة من أهم المشاكل التي يتعرض لها المجتمع البشري ، لانها من الامور التي يواجهها الابوان والمربون على الدوام في ما يتعلق بابنائهم ، ولكونها مصدراً للكثير من الاضطرابات السلوكية لدى الاطفال وحتى عند الفتيان والشبان ايضاً.

ان عالم الطفل عالم طافح بالخوف ، ويظل هذا الخوف قائماً في نفسه الى ان يكتسب المعرفة الكافية والصحيحة عن المجتمع وما يعج به من ظواهر شتى ، والى ان يتفهم الامور على حقيقتها وكما هي في الواقع. ولا يعني كلامنا هذا ان الانسان يفرغ من هاجس الخوف ويضعه جانبا بمجرد نضجه وبلوغه مرحلة الشباب او الرجولة. فالتجارب اليومية تكشف لنا عن الملايين من بني الانسان الذين يعيشون فوق هذه الكرة الارضية وتترسم في ذهن كل واحد منهم مخاوف من نمط خاص تدفعه الى استشعار الخوف والانهيار والانسحاق تحت وطأة اقدام الحياة ، ولذلك فهم يرجحون العزلة والانطواء على ذواتهم.

8

-

9

خطر الخوف :

الخوف هو الخطر الاعظم الذي يعوق الانسان عن النهوض بمسؤوليته والنجاح في حياته ، ويدفعه الى الابتعاد عن الميادين التي قد يكمن فيها سر نجاحه وسعادته وتكامله في كثير من الاحيان.

من المؤكد اننا نعرف الكثير من الناس وفي اماكن مختلفة من هذا العالم قد تخلفوا عن احقاق حقوقهم وطاوعوا المذلة والخنوع استجابة لعامل الخوف من الموت واصبحوا مستعدين لتحمل ادنى صفوف الهوان طمعاً في العيش لايام معدودة واخرى ، ورغبة في الحفاظ على ما كسبوا من مال وثروة بالكد والكدح او باساليب اخرى من الاحتيال والمراوغة ، والحقيقة هي ان هذا الشعور المقيت لو خرج من حد الاتزان لصار من أسوأ عوامل الشقاء والتقهقر.

ما هو الخوف ؟

الخوف حالة انفعالية ناتجة عن الشعور بانعدام الأمن ، وهي من أهم الانفعالات الانسانية ، وكما يصفها الغزالي بقوله انها تناظر الغضب في الاهمية. وهو استجابة انفعالية تنتج عن خلل طارىء ويخرج بالانسان من مسار سلوكه الاعتيادي. ويمكن القول من وجهة اخرى بأن الخوف عاطفة تتبلور على صورة دافع يعرقل اندفاع الانسان نحو مقارعة المشاكل وازالة العوائق التي تعترض سبيله في الحياة ، فيسلبه القدرة على السعي نحو العمل الدؤوب ، وتتلاشى على اثر ذلك قدرته الارادية ، فيفقد القدرة على الفعل والحركة او حتى

10

على الكلام والدفاع عن نفسه.

وقد تستخدم كلمتي الخوف والاضطراب بشكل مترادف احياناً ، بينما يوجد هنالك تفاوت واضح بينها.

فالخوف استجابة لخطر آني وواضح من ظاهرة مشهودة او يمكن رؤيتها وتصورها ، بينما الاضطراب عبارة عن استجابة لخطر محتمل وغير واضح المصدر والمعالم. يمكن القول بعبارة اخرى بأن الخوف منبثق عن سبب خفي او ظاهر ، الا ان سبب الاضطراب غير معروف.

فالخوف ينشأ عادة من سبب خارجي ، بينما علة الاضطراب ليس لها سبب محدد.

اساس الخوف وماهيته :

ماهية الخوف وهو انه استجابة لتهديدات واقعية او وهمية ، ومرده الى الانفعالات الممتزجة بحالة الانتظار عند الانسان ، والتي يعتبرها علماء التحليل النفسي بمثابة البذرة الاولى للتداعي الذهني عند الطفل. وتظهر لدى الانسان حينما يجد نفسه معرضا للاصابة بالضرر او الفناء ، فتشير فيه الرغبة نحو حفظ وجوده وصيانة ذاته.

فالحادثة المحتملة او الواقعة تثير لدى الانسان مشاعر الذعر وتجعله يتوجس خيفة بانها تهدد حياته بالخطر وقد يتكون لديه تصور أيضاً باحتمال وقوع ما يسيء الى شخصية الانسان وتزيحه عن المكانة التي يحظي بها حالياً.

وبناء على هذا فان ماهية الخوف تتجسد في صيانة الذات في مقابل الخطر والحفاظ عليها منه. ومن الطبيعي انه كلما تعمق هذا الشعور كانت نسبة الخوف اشد ، الى ان يصل الشعور بالخطر الى حد الموت ، وهنا يتحول الخوف الى اخطر مرحلة وتكون النتائج والاضرار التي يتمخض عنها في أعلى حد وأقصى درجة.

11

شمولية الخوف :

لا يختص الخوف بفئة دون سواها ، ولا يوجد هناك شخص او جماعة في معزل عنه او خارجين عن نطاق تأثيره ، فالخوف موجود لدى جميع الناس مع تفاوت في الشدة والضعف ، فمشاعر الخوف قد تكثر لدى جماعة من الناس وتقل عند جماعة اخرى ، وقد تخشى طائفة من الناس الامر الفلاني بينما تخشى الطائفة الاخرى امراً غيره فبعض الناس قد لا يخاف ، لانه لا يعلم ولا يدرك أهمية وعظمة الواقعة التي تنتظره كما ورد هذا المعنى في قوله تعالى : « ولانتم اشد رهبة في صدورهم من الله لأنهم قـوم لا يفقهون » (1).

فكل انسان عاقل يخشى امراً ما ، ولا بد له ان يخشاه لكي يكون على استعداد لحماية نفسه منه في ساعة الخطر ، ومواجهته بما يناسب من رد الفعل. فمن الخطأ ان نتصور أن الشخص الشجاع يجب ان لا يخشى شيئاً ؛ اذ لا بد من وجود عنصر لدى اكثرية افراد المجتمع يدفعهم نحو العمل والنشاط واداء ما عليهم من واجبات ، والسير كما يستدعي القانون الاجتماعي ، فالناس الاكثر وعياً ومعرفة هم الاكثر خشية لله ، وما الانسان الجاهل فلا يخشى الا ما يشاكله من عوامل واسباب.

ان الذي نخشاه من ذكر الخوف هو الخوف المتواصل من حلول الشقاء.

____________

1 ـ سورة الحشر : 13

12

الفصل الثاني اعراض الخوف

المقدمة :

يتمركز حديثنا في هذا الفصل حول اعراض الخوف والمؤشرات التي تساعد الأبوين على معرفة وجود الخوف عند ابنائهم كي يبادروا الى معالجته فيما اذا اقتضت الضرورة ذلك ، ومعرفة هذه الاعراض تعتبر ضرورة ملحة تسبق اتخاذ أية خطوة في هذا المجال ، وهذا ما يستدعي منا الاشارة الى بعضها كما يلي :

اولاً : الأعراض الظاهرية :

يلاحظ وجود الاعراض والظواهر التالية عند الاشخاص الذين يعتريهم الخوف والهلع وهي :

1 ـ ارتعاش في الجسم يؤدي الى شلله واعاقته حتى عن المشي.

2 ـ شحوب اللون واصفرار الوجه والذهول ، وقد يكون احياناً على هيئة احمرار فوري في الوجه وتغيير في سحناته.

13

3 ـ نضوح قطرات من العرق على الوجه والذهول ، وقد يكون احياناً على هيئة احمرار فوري في الوجه وتغيير في سحناته.

4 ـ القشعريرة ووقوف شعر الجسم بشكل يلفت انتباه من يراه ، ام حين يراه هو شخصياً.

5 ـ انفلات التحكم بالمثانة بشكل يصبح معه غير قادر على امساك ادراره أو السيطرة على عضلات المثانة فيخرج الادرار تلقائياً.

6 ـ جفاف الفم حتى يصعب على اللسان التحرك في داخله ، ويتعسر عليه النطق.

7 ـ الصراخ الا ارادي طلباً للاغاثة كما لو نظر شخص بنظرات حادة الى طفل رضيع ، فياخذه الطفل بالصراخ تلقائياً.

8 ـ انهيار القوى البدنية وفقدان القدرة على الحركة ، ونضوب كل ما لديه من طاقة حتى لا يبقى لديه رمق يعينه على الابتعاد عن ساحة الخوف ، وذلك لارتخاء عضلاته وتحلل قواه البدنية.

9 ـ احتباس انفاسه ؛ اذ تعتريه حالة من ضيق النفس تقارب الاختناق مما يدفعه الى استنشاق نفس عميق بين الفينة والاخرى لاستعادة اتزانه.

10 ـ شدة ضربات القلب حتى تصير مسموعة ، وقد تكون هذه الشدة في الضربات سببا للسكتة القلبية في بعض الموارد ، ونحن نعرف اناساً كثيرين ماتوا بالسكة القلبية على اثر الخوف.

11 ـ اتخاذ وضع هجومي يحاول فيه حشد كل طاقته للدفاع ولقهر حالة الخوف ، وفي مثل هذه الحالة يصبح الشخص في وضع ينذر بالخطر.

12 ـ التراجع او الفرار من الساحة ، وحينها تبدو له المسافة القصيرة التي يطويها وكأنها طويلة جداً. او كما يقال : كلما اجهد نفسه بالجري لا يدرك غايته.

14

13 ـ التعب المفرط والشعور بالاعياء وكأنه قد بذل جهداً استثنائياً.

14 ـ يصاب اللسان بلكنة فيصبح عاجزاً عن اداء الكلمات بشكل صحيح أو يضطر للتحدث كالشخص الالكن ، ولفظ الكلام على علاته سواء كان مفهوماً أو غامضا.ً

15 ـ البكاء ولا سيما في حالات التي يجد فيها نفسه بلا حمى ، وهذا الشعور اكثر ما يلحظ عند الأطفال ولا سيما الأناث.

16 ـ الالتجاء الى حجر الام او اي شخص اخر يستشعر فيه المحبة والحنان املاً في اغاثته وابعاد عامل الخوف عنه.

17 ـ الارتباك فلم يعد يدري ماذا يفعل ، فتبدر منه تصرفات تنم عن اضطرابه فيبدو وكأنه يخلط الاشياء مع بعضها.

18 ـ تغطيه وجهه بيديه وخاصة اذا كان المشهد المخيف على شكل نظرات مرعبة او حين يرى عنصر الخوف قريباً من عينيه.

ثانياً : الاثار الداخلية :

يؤثر الخوف أيضاً على داخل الانسان ويحدث فيه تغيرات كثيرة. ولهذه التغيرات والحالات صور متعددة نشير الى بعضها كالاتي :

1 ـ اضطراب المزاج والذي يؤدي بدوره الى اختلاف الشهية احياناً فيشعر بالشبع مع ما فيه من جوع

2 ـ الشعور بالحيرة وانعدام الملاذ وهو ناتج من الشعور بافتقاد الأمن ، فيسعى في مثل هذه الحالة الى البحث عن ملاذ يلتجئ اليه.

3 ـ تقلص العضلات بشكل غير مشهود وهو ما يؤدي الى تبدد عامل الشجاعة والاقدام لديه ما ينتج عن ذلك من عدم دوران الدم بصورة متوازنة.

15

4 ـ تقلص الأوتار الصوتية ويمكن ملاحظة اثاره من خلال التعمق في نغمة صوتة ، فنرى صوته يتغير ويخفت ، فينطلق بكلمات واضحة الا انها ضعيفة.

5 ـ الشعور بوجود ثقل على الصدر وكأن صخرة قد استقرت عليه وهو يتهشم تحت وطأة ثقلها.

6 ـ الشعور بالم في القلب وجوانبه وهذا ناتج عن شدة ضربات القلب التي قد تؤدي الى السكتة القلبية احياناً.

7 ـ ضعف قواه العقلية الى حد يصبح فيه غير قادر على التمييز بوضوح وعدم القدرة على معرفة الصحيح من الخطأ بل وقد يفعل افعالاً مخالفة للعقل.

8 ـ عجزه عن التعلم ، فهو غائب عن الدرس عملياً حتى وان كان حاضراً في الصف.

9 ـ فقدان الحنان والعاطفة ، كما جاء في القرأن الكريم في قوله تعالى « يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى ... ».

10 ـ ظهور اختلال في فهم وادراك الامور ، وحتى الرأس نفسه لا يعود يميز بين البرد والحرارة والالم.

11 ـ وفي بعض الحالات الحادة يظهر عليه نوع من الارتباك والاختلال النفسي يؤدي به الى فقدان ارادته.

ثالثاًـ اضطرابات شديدة :

قد يكون بوسع الاطفال الاكبر سناً اخفاء ما يعتريهم من خوف وبشكل لا يتيح الاخرين الاطلاع على ما يحتلج في داخلهم. فهم وجلون والرعب يعتمل في باطنهم الا ان قدرتهم على تمالك انفسهم تعينهم على عدم ابداء أي انفعال ظاهري ، وقد يكون الدافع من وراء ذلك هو حفظ كرامتهم وكبريائهم واظهار

16

شخصياتهم. ان التكتم على الخوف أمر صعب الا ان الاطفال الاذكياء وذوي الفطنة قادرون على اداء هذا الدور بكل نجاح ؛ فهم يبذلون جهداً كبيراً للسيطرة على ارتعاش ابدانهم واخفاء تفاعلاتهم الذهنية بالاقدام او الاحجام.

الا انه من الواضح ان مثل هذا الموقف وهذا التصرف لا يكتب له الدوام والاستمرارية لافتقاده العمق والجذرية فتمر عليهم الدقائق صعبة وثقيلة ؛ وان ظلت موجبات الخوف قائمة ، فلن يمر وقت طويل حتى تنضب قدرتهم على المقاومة فيستسلمون ، الا ان زمن من الاستسلام هذا يختلف باختلاف الافراد.

ولو انهم ارادوا الافصاح عما بهم لقالوا انهم قد ارتاعوا من الامر الفلاني وانخلعت قلوبهم فرقا ، وتغيرت احوالهم وأصابهم الاضطراب و .. الخ وهذه الحالة يمكن التعبير عنها بأساليب وسبل شتى حتى وان لم يتمخض عنها اية اعراض ظاهرية ولا سيما عند الاشخاص الذين لا يترك عليهم عامل الخوف مؤثرات فسيولوجية واضحة.

رابعاً : المخاوف المزمنة :

اذا كانت عوامل الخوف دائمية وتحولت الى ضاهرة مزمنة ، فانها ستترك آثاراً واعراضا على الشخص وتنفرز عنها نتائج واضحة يمكن الاشارة الى اهمها في ما يلي :

1 ـ الانطوائية والعيش بعيدا عن بقية المجتمع.

2 ـ مص الاصابع ، وقضم الاظافر ، وعض الشفة قلقا وقلع الشعر و ... الخ.

3 ـ حب البروز والظهور والضجيج بصورها المختلفة ، بل وحتى تغيير انماطها واشكالها.

17

4 ـ الحياء والارتباك ، الدوار والانبهار ، وتتجسد هذه الصفات على هيئة قلة الكلام ، والاختفاء عن افراد المجتمع وعدم الاندكاك معهم.

5 ـ الحيرة والانكسار النفسي واليأس من الحياة والبرود في اداء الواجبات والاعمال.

6 ـ الارتباط والتعلق الشديد بالشخص الذي يجد فيه مأمناً وملاذاً.

7 ـ اضطراب النوم وهي صفة تبرز في حالات الاضطراب أيضاً.

8 ـ الميل الى الكذب والخداع وهي عادة تظهر عند الافراد في ظل تعودهم على الخوف.

وصفوة القول هي :

ان الخوف يسلب من الانسان استعداده البدني وقدرته على الحركة والعمل ويحدث نوعاً من الاختلال في جسمه والأبعاد الاخرى من حياته ، ويضعف الميول الغريزية عند الكبار الى ادنى درجة ممكنة ، إذ يؤدي الى شل حركة الشخص ويجعل منه تمثالاً لاروح فيه ولانشاط ، لا يمتلك القوة البدنية ولا الارادة ، فهو خال من القلب والشعور ، وأعماله اليومية معطلة ، والاهداف التي يسعى اليها عرضة للفناء والزوال.

18

الفصل الثالث انواع الخوف

يختلف الخوف عند الاشخاص من حيث الكيفية والمنشأ ، اذ يمكن مشاهدة الفوارق فيما بينهم بكل وضوح. وسنحاول هنا تقسيمها الى الابواب التالية لكي تتيسر دراستها ، وليلتفت اليها الوالدان والمربون ويتخذوا المواقف المدروسة ازاء كل واحد منها :

1 ـ الفطري والاكتسابي : قد تكون المخاوف فطرية ، ترافق الطفل منذ ولادته ، او قد تكون اكتسابية يتعلمها من المحيط ، ويمكن الاشارة الى نماذج من المخاوف الفطرية كالآتي :

أ ـ الخوف من عدم وجود الملاذ ، فالطفل حينما يستيقظ من نومه مثلاً ولا يرى امه الى جانبه ، ويبدأ بالتأوه والبكاء ، اما كبار السن من امثالنا فاننا حينما نشعر بعدم وجود الملاذ الذي نأوي اليه ينتابنا شعور بأننا محكومون بالموت.

ب ـ الخوف من الاصوات المرعبة بحيث ان الطفل يهب من نومه فزعاً حين سماعه لصوت مرعب وهو يصرخ وعلائم الهلع مرتسمة على عينيه.

ج ـ الخوف من فقدان الإتزان ، فلو اننا سحبنا الوسادة من تحت رأس الطفل نراه يصاب الذعر الشديد.

19

د ـ الخوف من السقوط ، او الوقوع ، والخوف من الألم ومن الأشخاص الغرباء ومن الاماكن العميقة والحفر والآبار. وقال البعض ان هذا الخوف يعد من انواع الخوف الفطري.

ويمكن الاشارة الى انواع أخرى من الخوف الاكتسابي ( سوى ما يتخذ طابعاً مرضياً وينبثق من اعماق الانسان ) ونحن على ثقة من ان الطفل قد أخذها عن أمه وابيه والاشخاص المحيطين به ... الخ. وهذا الصنف الاخير من الخوف يمكن معالجته بنسبة كبيرة.

2 ـ المنطقي والوهمي : بعض انواع الخوف له اساس منطقي والبعض الآخر وهمي لا اساس له.

أ ـ وتطلق هنا كلمة الخوف المنطقي على الخوف الذي يقره العقلاء كالخوف من الوحش الكاسر حين يكون جائعاً وهائجاً ونقابله بأيدٍ عزلاء لا وسيلة لنا في الدفاع ولا قدرة لنا على الفرار. فهذا الخوف عقلائي من حيث كونه بمثابة الانذار الذي يحذر الانسان من العواقب الوخيمة ويدفعه لصيانة نفسه ، والعثور على سبيل للنجاة في الوقت المناسب.

ب ـ اما الخوف الوهمي فهو مانصطلح عليه بالاوهام والخيالات المتأصلة في الانسان فمن الطبيعي اننا لانعتبر امثال هذه المخاوف منطقية او معقولة ؛ لان العقل لايقرها حتى وان كانت لدى الشخص الخائف ادلة وتبريرات يبرهن بها صحة هواجسه ، لقد ظهر من نتائج التحقيقات التي اجراها المتخصصون ان 80 ـ 90 % من مخاوف الاشخاص وهمية وليس لها اساس ولايؤيدها المنطق ولا العقل. ويمكن الاشارة الى امثلة منها في ما يلي :

الخوف من الاشياء المرتفعة ، الخوف من الاماكن المفتوحة ، الخوف من الامراض المعدية ، الخوف من الازدحام ، الخوف من التسمم ، الخوف من عدم

20

الوصول الى المكان الذي يريد الوصول اليه ، الخوف من الريح والمطر ، الخوف من الوحدة ، الخوف من الوقوف في الاماكن الخالية من الناس ، الخوف من الصعود في المصعد الكهربائي ، الخوف من دخول المناجم ، الخوف من الدخول في الميادين الواسعة لكي لا يخوض في ما قد يحصل فيه من اضطرابات ، الخوف من بلوغ طريق مسدود و ... الخ وقد أشار فريق من علماء النفس الى نوع من الخوف الوهمي يدعى فوبي او العصاب ( سنبحثه لاحقاً ).

ان امثال هذه المخاوف تعد بمثابة السد الذي يقف في طريق سعادتنا ويغلق امامنا سبل التكامل ويمهد النفوس للوقوع في المسكنة والذلة ، ويزعزع الارادة ، فلا بد اذن من اتخاذ موقف التصدي لها والعمل على ازالتها.

3 ـ الخوف العادي والمرضي : وقد تكون للامراض من وجهة نظر اخرى صورة عادية او مرضية :

أ ـ فالخوف العادي هو ما يظهر لدى اغلب الناس نتيجة لسوء التربية ، وتجارب الحياة وسوابقها وما واجه من فشل وصدمات. فالطفل الذي أرعبته قطة او سببت له الفزع فليس من المستبعد اذا ظل يخشاها ، والطفل الذي هاجمه كلب او تعرض لصعقة التيار الكهربائي اثناء ملامسة يده للسلك الكهربائي ، من الطبيعي ان يخاف امثال هذه المشاهد.

وعلى هذا الاساس فالاشخاص الذين تعرضوا لحوادث مخيفة في الماضي ، لهم الحق ـ الى حد ما ـ في ان يخافوا ؛ بل ويعد هذا أمراً طبيعياً من امثال الطفل الذي سقط في حوض الماء يوماً او لامست يده النار فاكتوى بها.

ب ـ اما الخوف الذي نسميه بالخوف المرضي فهو المنبثق عن نوع من المرض او الاختلال في الجهاز العصبي او الاضطراب النفسي. ومن الامثلة الواضحة على هذه الحالة يمكننا الاشارة الى ما يلي : ـ

21

أولاً : المخاوف غير الطبيعية المسماة بالرهاب اوالفوبيا وعرفوها بأنها اسلوب من أساليب الفرار من الصراعات. ( وهذا ما سنشرحه بالتفصيل فيما بعد ).

ثانياً : المخاوف الناتجة عن الوسوسة كالخوف من التلوث ، والخوف من التماس مع الآخرين ، والخوف من الأنفاس الملوثة بالجراثيم والخوف من ان يدفعه شخص اخرمن فوق سطح مرتفع و ..

ثالثاً : الخوف من الاشياء الخطيرة كالخوف من المدية خشية ان تفتح وتجرحه.

رابعاً : الخوف من الحوادث المؤلمة كخوفه من الإصابة بمرض السرطان.

خامساً : الخوف من الوساوس الجنسية ، فهو يتوجس خيفة لئلا يكون ملوثاً جنسياً.

سادساً : المخاوف العصبية او ما يسمى بالفزع الذي قد يهجم على القلب على حين غرة فيسلبه هدوءه واستقراره. وقد يتحول مثل هذا الخوف الى عادة تهيمن على كل وجوده من غير سبب واضح ... الخ.

وقد وصف علماء النفس مايقارب الثلاثين نوعاً من هذه المخاوف وقدموا لها تعريفات محددة وواضحة ، ونبهوا الى ان غالبيتها ناشئة عن جذور من اللاوعي الذي ترسب في النفس منذ فترة الطفولة وحتى منذ ساعة الولادة ، ولا يمكن العثور على اسباب شخصية لها. وليس في استطاعة المرضى التغلب على مثل هذه الامراض ، ولهذا يصاب معظمهم بالقلق والاضطراب ، وقد تكون بعض أنواع الخوف ناتجةعن انعدام الجرأة ، وهو ما يمكن العثور على مصاديق له عند الكبار كالخوف من الجنون والخوف من الزواج والخوف من الصراعات والخوف من الفشل.

4 ـ الخوف الواقعي والوهمي : بعض انواع الخوف واقعي اما بعضها الآخر فهو وهمي ونقدم في ما يلي شرحاً مختصراً لكل منها :

22

أ ـ الخوف الواقعي هو ذلك الخوف الناتج عن رؤية او سماع او لمس الاشياء الخطيرة كالخوف من الذئب او الحيوان المفترس ، وقد تكون لهذه المخاوف صورة منطقية او وهمية اوعادية وغير عادية.

ب ـ اما الخوف الوهمي فهي التسمية التي تطلق على الخوف الذي تنسجه قدرة التخيل عند الطفل ، وربما يتحول بعض انواع هذا الخوف الى مرض يبقى ملازماً لشخصيته ، ومن انواعه المعروفة الخوف من الظلام. والكوابيس ، والخوف من الزواج ، ومن علائمه الاستجابة الانفعالية الشديدة فقد يتصور الطفل البالغ من العمر ست سنوات بأن شخصاً يختفي تحت سريره ، او يتوهم الطفل وهو في سن الخامسة ان حيواناً مفترساً يوشك على الانقضاض عليه.

اما السبب الذي من أجله يسمى هذا الخوف بالخيالي فهو عدم وجود اسبابه ومبرراته الحقيقية بل هو ناتج عن مرض او هواجس نفسية اوغير منفصل في الحقيقة عن بقية العوامل ، بل لا بد من وجود عوامل تثيره عند الاشخاص ؛ من جملة ذلك : التخمة والتحدث مع الاطفال الشديدي الخوف ومواجهتهم في حياتهم اليومية لمشاهد غريبة ومستعصية على اذهانهم.

5 ـ المخاوف الليلية والنهارية : الخوف بعضه نهاري وبعضه ليلي ، فالخوف الذي يراود الانسان في النهار يتعلق بصميم حياته العادية اليومية كالخوف من العقوبة ، والخوف من فقدان المحبوبية ، والخوف من الاستهزاء ، والخوف من حلول الاذى به ، والخوف من سوء التفاهم ، والخوف من التعرض للانتقاد ، والخوف من هيمنة الآخرين عليه ، والخوف من فقدان ماله او حياته او كرامته.

اما الخوف الليلي فجذوره نابعة من الاوهام والتخيلات والهواجس وهو وان كان انعكاساً لحوادث الحياتية اليومية ، الا انه يجسد نفسه ليلا على صورة كوابيس مرعبة. فاذا ما شعر في بعض الاوقات بالحياء او تأنيب الضمير يبقى

23

طوال الليل يعاني من ذلك حتى يسلبه الراحة والاستقرار ، شأنه في ذلك شأن خوف الطفل من حالة الصراع بين والديه وقلقه من احتمال ابتعاده عنهما ، او مثل الهواجس التي تنتابه حين يرتكب مخالفة فيظل خائفاً يترقب الحساب او العقوبة.

6 ـ الخوف الخاص والعام : قد يكون الخوف خاصاً حيناً ، وعاما أحيانا اخرى.

أ ـ الخوف الخاص هو الذي يتعلق بمسألة خاصة دون سواها فنعرف على سبيل المثال ـ أشخاصا شجعان نسبياً إلا انهم يخافون من الصرصر أو الفأرة. ورغم عدم امتلاكهم الدليل المنطقي على خوفهم هذا ، الا انهم لايستطيعون نسيانه او التخلص منه. ولا شك ان السبب الرئيسي لخوف هؤلاء الاشخاص هو التجربة المؤلمة او الانعكاسات التربوية المغلوطة.

ب ـ الخوف العام ويشمل الخوف من عوامل خارجية كثيرة والقلق منها وغالباً ما يلاحظ هذا على الاشخاص الجبناء فهم يخشون الكثير من الأشياء كالرعد والبرق مثلاً ، ويخافون كذلك من الجن والعفاريت ومن الحيوانات والاشخاص الغرباء و ... الخ.

7 ـ الخوف العلني والخفي : وقد يكون الخوف علنيا او خفياً.

أ ـ فالخوف العلني يمكن مشاهدة آثاره بكل وضوح على الكثير من الناس اطفالاً وصبياناً وشباناً ، ونواجه يومياً عشرات الاشخاص الذين يخافون من اشياء وأشخاص وظروف مختلفة. فيظهر عليهم الارتعاش او الشحوب نتيجة لوجود هذا الخوف.

ب ـ اما الخوف الخفي فهو الذي يعاني منه الاشخاص من ذوى الغرور والكبرياء ويحاولون جهد استطاعتهم كتمانه لكي لاتطفو مؤشراته على

24

ملامحهم ؛ فالاضطراب يعصف في اعماقهم الا انهم يضغطون على انفسهم حتى لايتسرب شيء منهم الى الخارج.

يعاني مثل هؤلاء الاشخاص عادة الاضطراب وعدم السكينة اثناء النوم ويتجسد خوفهم على هيئة أحلام مزعجة وحركات عصبية وتبول غير ارادي.

8 ـ الخوف النافع والخوف الضار : واخيراً لابد من التنويه الى ان بعض انواع الخوف مفيد وبعضه الآخر مضر.

أ ـ فالخوف المفيد هو ما يدفع الانسان للحركة والنشاط ويحثه على توفير الارضية التي تضمن بقاء الانسان وصيانة وجوده .. وهذا الخوف مفيد من حيث كونه بمثابة الانذار والتنبيه الذي يحذر الانسان من الاخطار التي قد يتعرض لها ، ولا بد لنا من التحلي بمثل هذا الخوف لنستطيع بواسطته حفظ سلامتنا وعزتنا وبقائنا.

ب ـ وفي مقابل الخوف المفيد المضر ، وتكمن مضرته في كونه يمثل خطراً على الانسان وينأى به عن الواقع ويبعده عن حقائق الامور ، ويبعث في نفسه مزيداً من القلق والاضطراب والمتاعب. وحتى الخوف من الامتحان هو من نوع الخوف المضر وذلك لأن الانسان لابد وان يتعرض له شاء ذلك أم ابى ، لكي تتكشف حقيقة حاله له وللآخرين ، اذن فعليه ان لايخافه بل وعليه الاستعداد لمواجهته أيضاً ، وعدم التساهل في ذلك او الميل نحو الكسل والخمول.

25

الباب الثاني

الخوف في مراحل العمر

26

-

27

الخوف في مراحل العمر

لاشك ان الخوف لايتخذ طابعاً واحداً في جميع مراحل العمر ، بل له صورة وشكل في كل مرحلة من المراحل وهذا ماسنبحثه في الفصلين التاليين :

يختص الفصل الأول بتعريف الخوف في المراحل المختلفة وبحثه خلال تلك المراحل إذ أننا سندخل بعد ذكر المقدمة في بحث الخوف عند الأطفال حتى سن الثالثة ، ثم في السن المحصورة مابين ( 4 ـ 7 ) سنوات ، ثم في فترة ( 7 ـ 12 ) عاما ، ومن بعد ذلك في مرحلة المراهقة ، ومن بعده في مرحلة البلوغ ، ثم الشباب ، واخيرا في مرحلة النضوج ، لننتهي الى تقديم خلاصة للموضوع.

وسنحاول في الفصل الثاني تبيان السمات البارزة لخوف الاطفال ، حيث سنخصص قسما منه لدراسة المخاوف المنتشرة بين الاطفال ، والقسم الآخر يتحدث عن اكثرها شيوعا وتأثيرا ، وسنتطرق فيه ايضا الى شرح الخصائص التي يتميز بها خوف الاطفال ، ثم نختتم الفصل بطرح الخلاصة الاجمالية في ذلك.

28

الفصل الرابع الخوف في مختلف مراحل العمر

المقدمة :

قلنا بوجود مخاوف يكتسبها الانسان من الصغر ، وتبقى عالقة به الى آخر حياته ، ولهذه المخاوف طابع فطري ، من أمثال الخوف من الجوع والفقر والمرض والفشل ؛ وكل واحدة منها تعترض طريق الانسان بشكل من الاشكال وتعيقه عن النشاط والحركة ، وتحول بينه وبين بلوغ غاياته المنشودة ، وتختلف هذه المخاوف من حيث الكيفية والنوعية بين مرحلة واخرى من مراحل العمر ، فلها في سنوات الطفولة شكل بينما تتخذ في سنوات الشباب و النضوج شكلا آخر ، وسنحاول في ما يلي تتبع مسار الخوف منذ نشوئه عند الطفل وحتى غلبته واستفحاله في المراحل المتقدمة من العمر.

1 ـ الخوف حتى سن الثالثة

متى يبدأ الخوف عند الانسان ؟ والجواب هو منذ حصول أي محفز شديد يثير الخوف في نفس الطفل. وهو مايلاحظ على الطفل منذ سن الثلاثة أشهر

29

وعلى شكل استجابة عكسية ، ومنذ سن الستة اشهر تظهر على الطفل علائم الخوف من الاشخاص الغرباء.

وعندما يبلغ العام الاول من العمر تظهر عليه معالم الخوف من الحيوانات. وبما ان هذه المخاوف لاتتسم بالطابع الغريزي فإنها تضمحل تدريجيا في ظل التجربة واللمس والمعاينة ، الا ان هناك انواعاً اخرى تبقى مترسبة في شخصيته من امثال الخوف من الاشخاص الغرباء ، ومن الشعور بالوحدة وافتقاد الملاذ الذي يأويه.

وفي سن الثانية من عمره يبدأ الطفل يخاف من كل شيء ومن كل حيوان مثل الكلب والسيارة والمرافق الصحية والظلام. كما وينشأ لديه في هذا العمر خوف من السقوط والضجيج والحركات الفجائية والوحدة والألم والأذى والحيوانات ومن الاشخاص المشلولين والعجزة.

اما في سن الثالثة فتظهر لدى الطفل مخاوف عجيبة وغريبة وحادة ؛ الا انها مرحلة سريعة وعابرة ؛ والمخاوف التي نشأ فيها جديدة وغير واضحة المصدر فلا يدرى ان كانت غريزية ام تلقينية وبصورة عامة يمكن تلخيص انواع الخوف الرئيسية التي يعاني منها الطفل حتى هذه السن في الانواع التالية : الخوف من الظلام ، الخوف من الانفصال عن اهله وخاصة الام وهو ما يثير الخوف هلعه ، الخوف من تأخر الام في الوصول الى البيت ، الخوف من الألم ، الخوف من الصراع والتناحر ، الخوف من الشعور بالقضايا المريرة ، الخوف من الظلام ويستمر مع الطفل حتى سن العاشرة ؛ الا انه يبدأ بالاضمحلال اعتباراً من سن الخامسة فصاعداً ، الخوف من الاشكال غير المألوفة ، الخوف من الناس الغرباء ، الخوف من فقدان المكان الذي يشعر فيه بالأمن ، الخوف من صوت الرعد ، الخوف من اصوات الاطلاقات النارية والخوف حتى من صوت المكنسة

30

الكهربائية ، الخوف من الالوان المعتمة ، الخوف من الاجسام الكبيرة ، الخوف من استبدال الموضع الذي هو فيه ، الخوف من الريح والمطر ، الخوف من البحر وامواجه ... الخوف من الظلام وهو اكثر انواع الخوف شيوعاً واكثرها تأثيراً.

2 ـ بين سن ( 4 ـ 7 ) سنوات

يختلف الخوف في هذه المرحلة من العمرعما كان موجوداً في المرحلة السابقة وعما هو موجود في المرحلة اللاحقة ، فالخوف من الكلب والماء والحيوانات يبقى قائماً الا انه يأخذ بالتلاشي التدريجي في ظل القوة التي يشعر الطفل بأنه يمتلكها ويسعى بواسطتها الى التغلب على كل هذه المخاوف ، كأن يهش الكلاب بعصا او اية وسيلة اخرى ، فيما لو حاولت الاقتراب منه. لكن الخوف من بعض الحيوانات الاخرى يبقى ، بل قد يتضاعف لديه كالخوف من الحية مثلاً.

في سن الخامسة يصبح الطفل على درجة شديدة من الخوف حتى يمكن القول ان الخوف يتغلب عليه. ونلاحظ في سن السادسة انه يخشى الجرح والكسر والدم رغم كل مايتكون لديه من جرأة وإقدام.

وتظهر لديه في هذه السن بوادر الخوف من الأوهام والخرافات كالخوف من احتمال اختفاء شخص تحت سريره ، وهذا بحد ذاته يثير لديه الكثير من عوامل القلق والاضطرابات.

ولاتفوتنا الاشارة هنا الى قوة ملكة التخيل عند الطفل في سن ( 3 ـ 5 ) سنوات ، وهذا هو الذي يجعله يتوهم وجود كائنات وهمية ويخشاها. ويظل حتى سن السابعة يخشى الوجوه المقنعة ، والاشخاص الكريهي المنظر والعفريت ، ومن الشخص الاعمى او الاعرج ومن الشرطي وماء البحر وخاصة

31

حينما تتهادر امواجه وقد بين من دراسة استطلاعية جرت في الغرب بأن ما يقارب ( 70% ) من الاطفال بين سن الخامسة والسادسة يصيبهم الهلع الشديد من حيوان اوعدة حيوانات كالحية والاسد والدب وحتى انهم لايجرأون على الاقتراب من اقفاصها.

3 ـ سن ( 7 ـ 12 ) عاماً :

الخوف الذي ينتاب الطفل في سن ( 7 ـ 12 ) عاماً يختلف تماماً عن نوع الخوف الذي كان يشعر به قبل ذلك. فقد اضيف الآن عامل المدرسة الى كل العوامل السابقة ( وهي العائلة والاقارب ) اضافة الى عامل التخيلات والأوهام ، فيشعر الطفل نتيجة ذلك بنوع جديد من الخوف ، وأما أنواع الخوف في هذه المرحلة فيمكن تلخيصها في المظاهر التالية :

الخوف من الذهاب الى المدرسة وهو ما تلحظ اعراضه على صورة تقيؤ وألم في القلب عند الاطفال الذين يتسمون بالحساسية المفرطة ، وخاصة في الأيام الاولى من الاسبوع ، والخوف من عدم النجاح والفشل في الدراسة ، والانتقاص من شخصيته وكرامته ، والخوف من اللوم والتوبيخ ، والخوف من تدخل الأبوين والمربين في مسائله الخاصة ، والخوف من افتضاح ما يعانيه من ألم وخوف ، والخوف من المرض والموت وخاصة في سن الثامنة ، والخوف من النار والماء وخاصة في العاشرة من عمره ، والخوف من اعادة الدروس والاسئلة الدراسية ، والخوف من تعرضه للضرب أمام الآخرين.

أغلب ما تلاحظ هذه المظاهر على الأطفال النحيفين وضعفاء البنية وأولئك الذين لا يعيشون حياة عائلية طبيعية ، والكثير منها ناتج عن التفكير في العواقب ، والقلق من المستقبل ، وان كان بعضها موجوداً في سنوات الشباب او في جميع

32

مراحل الحياة ، ومن الطبيعي أن الاشخاص المصابين باختلالات نفسية أكثر عرضة من غيرهم في مكابدة الأهوال الوهمية من الاصابة بمرض او ارتكاب جريمة اوغير ذلك.

4 ـ في سنوات المراهقة :

يتخذ الخوف في هذه المرحلة طابعاً آخر ، ويتركز على جوانب اخرى أقرب الى الشخصية ؛ فمن المعروف أن الخوف ، ومنذ سن الحادية عشر ، يبدأ بأتخاذ منحىً تعميمياً أولاً ، وثانياً ان الخوف في هذه المرحلة يكون مصحوباً بالاضطراب والقلق.

تتلاشى في هذه المرحلة مخاوف مرحلة الطفولة ، لأن الطفل يبدأ باكتشاف الحقائق من خلال الاستدلال والمنطق ويتغلب عليها ، إلا في بعض الحالات الضئيلة التي لا تتاح له فيها عوامل الغلبة عليها ، فهناك أنواع من الخوف لازالت مؤثرة في شل نشاطه كالخوف من الاعاصير ، والوحدة ، والألم ، والخشية على كرامته ، اوعدم القدرة على اكتساب المحبوبية.

وفي هذه المرحلة أيضاً تبرز له انواع جديدة من الخوف ، كالخوف من خطأ معتقده والخوف من عدم النجاح في اكتشاف الحقائق التي يروم اكتشافها من تعرضه للاتهام بارتكاب الذنوب والمخالفات وينتهي به الى الانطواء احياناً أو الإعراض عن المجتمع.

ولوحظ في بعض الحالات ان الاشخاص الذين لم يفلحوا في التغلب على خوفهم يضطرون الى الفرار او الموت ، اي انهم يفضلون البقاء فارين متسكعين او الموت انتحاراً على مجابهة آلام المخاوف.

33

5 ـ في سنوات البلوغ :

يبقى بعض انواع الخوف قائماً حتى سنوات البلوغ ، والى ما بعدها أيضاً ، كالخوف من الموت والخوف من انعدام مصدر الرزق ، والخوف من القيود ، والاشفاق من الحوادث ، وكذلك الخوف من حساب الله والنار والعذاب ، وحتى خشية الظلام ، او الفرق على الوالدين من العجز والحرمان.

ومن خصائص الخوف الذي يطبع مرحلة البلوغ خوف الشاب من الاصابة بالجنون او فشل طموحاته ، او الخشية من ارتكاب خطأ فاحش.

وهنالك أيضاً انواع اخرى من الخوف الذي ينتشر في هذا المقطع الزمني من عمر الانسان من قبيل الخوف من أشياء وهمية ، وتوجسه من تعرضه للاخطار او مواجهة المواقف الخطيرة او الوقوع في مأزق عصيب ، وكذلك الخوف من الحيوانات والرهبة في المواقف المؤلمة ، والفزع من اذى الآخرين ، والاشفاق من الجوع والتعب والمرض ... الخ. وامثال هذه المخاوف تثير في نفسه الاضطراب ، وقد تجعله يعيش في حالة دائمة من الاضطراب.

6 ـ الخوف في مرحلة الشباب والنضوج :

واخيراً يجب الاشارة الى انواع الخوف الموجودة في السنين اللاحقة ، وهي أنواع مختلفة جداً ويمكن تقسيمها الى ما يلي :

1 ـ الخوف من الحياة والموت ، ومن المرض والابتلاء بأمراض صعبة العلاج ، ومن فقدان التوازن الروحي بالشكل الذي يصبح بحاجة الى الآخرين ولا يستطيع المحافظة على مكانته.

2 ـ الخوف من فقدان العمل والمهنة والخوف من رب العمل ومن فقدان

34

العمل ، والعجز والبقاء محتاجاً مما يعرض كرامته للهوان.

3 ـ الخوف على الكرامة ، والشخصية ، الناتج عن الفشل في بعض الامور حيث تزول مكانته واحترامه ، او الخوف من عدم قدرته على المحافظة على سلطته ، والخوف من الاحتقار وظهور الضعف النفسي وعدم تمكنه من الاعتماد على نفسه في النتيجة.

4 ـ الخوف من النشاطات الخاصة كالسياقة والتعامل مع الانسان والحيوان وحصول صدمة له أو للآخرين ، والخوف على العمر بسبب اداء غرامة.

5 ـ الخوف من العلاقات والمتاعب الناتجة عن ذلك ، والخوف من انقطاع العلاقات الحسنة وحصول ما يوجب استياء الآخرين بصورة متعمدة اوغير متعمدة ، وما يجب ان يدفعه من قيمة باهضة في تلك الحالة.

6 ـ الخوف من الحكم الخاطئ ، والحكم الذي يسلب حق شخص ويكون خلافاً للحقائق ؛ وفي تلك الحالة يحتمل ان يعيش العمر في اذى وانزعاج.

7 ـ الخوف من العذاب وتأنيب الضمير ، والذنب وانقطاع علاقته مع الله وعدم رعايته له.

حصيلة البحث :

تقسيم المخاوف على أساس الموضوع :

يمكن تقسيم المخاوف الى عدة اشكال من حيث الموضوع ، وفي ما يلي بعضها :

1 ـ المخاوف الفطرية التي مر بحثها في الفصول السابقة.

2 ـ المخاوف المدرسية مثل الخوف من الامتحان والمعلم والمدرسة والمنهج الدراسي والكتاب.

35

3 ـ المخاوف الصحية والحياتية كالخوف من المرض والموت والألم والدواء والغذاء الملوث والمسموم.

4 ـ المخاوف العائلية كالخوف من الانضباط والامر والنهي ، وانواع الطرد واللوم والمصائب وترك البيت والانفصال.

5 ـ المخاوف الاقتصادية مثل الخوف من الفقر والحرمان ...

6 ـ المخاوف الاجتماعية كالخوف من الاشخاص الذين لم يألفهم والناس والضغوط الاجتماعية.

7 ـ المخاوف الاخلاقية كالخوف من الذنب والانحراف الجنسي وعدم مرافقة الاشخاص الملتزمين و ...

8 ـ المخاوف النفسية والعاطفية مثل الخوف من الاحتقار وعدم الثقة بالنفس والاضطراب والقلق و ...

36

-

37

الفصل الخامس خصائص خوف الاطفال

المقدمة :

ان الخوف موجود لدى جميع الاطفال بمستويات واشكال مختلفة ويؤثر عامل التربية والبيت والمدرسة في ذلك كثيراً. وهناك تبريرات لخوف الطفل ، الا ان اياً منها لايمكن ان يكون مقنعاً تماماً ؛ لأن التعرف على الطفل أمر صعب جدا وشبه مستحيل.

الطفل لديه نمط فكري عجيب ، ولايمكن فهم مخاوفه بسبب عدم امكانية فهم لغة الطفل وما لديه من تصور وتخيل ، ولدى بعض علماء النفس آراء حول اساس ذلك سنبحثها في فصول اخرى. وتوجد نقاط مجهولة في حياته ، ومن المهم بالنسبة لنا ان نعرف كيف يعمم الطفل خوفه من الطبيب ليخاف من كل شخص يرتدي بدلة بيضاء.

الغرض ، هو ان هناك كثيراً من الاطفال ينتابهم الخوف خلال فترة النمو وهم في حالة طبيعية ، وقد يحرمون انفسهم والاخرين بعض اللذات احياناً. ومن الطبيعي انه يجب معرفة تلك المخاوف واتخاذ التصميم بشأنها بصورة جيدة.

38

المخاوف الشائعة بين الاطفال :

توجد لدى الاطفال مخاوف يمكن تقسيمها كما يلي :

1 ـ الخوف من الاشياء والحيوانات كالنار والحية وكل شيء متحرك مثل الكلب والقطة خاصة اذا أوذي من قبلها اوسمع قصة مرعبة عنها.

2 ـ الخوف من المظاهر الطبيعية كالعواصف والرعد والبرق والأصوات القوية ، والخوف احياناً من الظلام والازدحام و البحر و المكان المرتفع والاماكن المغلقة والاماكن الجديدة وموج البحر.

3 ـ الخوف من العلاقات الاجتماعية مثل الناس مكفوفي البصر والعرجان والمشلولين والاشخاص والغرباء والممازحين والذين يتكلمون بكناية ، والخوف من الطبيب والمعلم وكثرة الناس واختلاطهم و ...

4 ـ الخوف من الظروف القائمة مثل الوحدة والمرض والنقص والأصوات العالية وتغير التنفس والانهيار والانفجار الذي يؤدي الى رجفة في شفاه الطفل الصغير أحياناً وبكائه.

5 ـ الخوف من بعض المسائل كالموت والجراثيم والضرب والطرد والحرمان من الطعام والماء والإبعاد عن القضايا الاجتماعية واللعب و ... الخ.

أهمها :

يصعب الى حد ما معرفة اكثر الموضوعات إثارة للخوف لدى الطفل ولكن يمكن القول ان خوف الطفل من الكائنات الخرافية والظلام والوحدة واللص والحلم والكابوس والموت هو اشد انواع الخوف. والطفل يخاف من كل شيء

39

يهدد امنه ومن كل شيء يجهله.

وقد أثبتت التحقيقات التي قام بها الدكتور ( واتسن ) ان الطفل اكثر ما يخاف هو من الصوت العالي ومن الإلقاء حيث يشعر في تلك الحالة انه فقد الموضوع أحياناً ويأخذ بالتأوه والبكاء.

وعندما يسمع بعض الاطفال صوت تحليق الطائرة ينهارون ولا يهدأون الا بعد الملاطفة والتسكين من روعهم. ومن المسائل الاخرى المؤثرة هي الرعد والبرق والظلام ، واذا لم يروا الام الى جانبهم فقد يبكون ويصرخون.

وهناك أراء كثيرة حول اسباب هذا النوع من الخوف اهمها الشعور بعدم توازنهم البدني وحتى النفسي والعاطفي يختل نتيجة ذلك ، ويحصل لدى الطفل شعور بخطر مفاجئ وعميق.

خصائص الخوف لدى الاطفال :

يمتاز خوف الاطفال بخصائص كثيرة يفيد ذكرها في اتساع رؤية الآباء والمربين والاطلاع على اوضاع ابنائهم واتخاذ القرارات اللازمة في الحالات الضرورية :

1 ـ يتميز الخوف لدى الاطفال الصغار على الأخص بأنه فطري ويتعلق بالحالات التي ذكرناها في الفصل الثاني من هذا الكتاب كالخوف من الصوت العالي ...

2 ـ تأخذ بعض مخاوف الاطفال شكلا اكتسابياً منذ الشهور الاولى ، ويجب ان يكون الآباء اسوة لابنائهم في الشجاعة اذا ارادوا ان لا يصبحوا جبناء.

3 ـ يمكن توقع مخاوف الاطفال ، ويستطيع كل شخص معرفة المخاوف التي تنتاب الاطفال في كل مرحلة من مراحل العمر.

40

4 ـ مخاوف الأطفال غير مستمرة وثابتة ، فقد تحصل مبكراً وتزول مبكرا أيضاً.

5 ـ يمكن ان يسري الخوف لدى الاطفال بسرعة من شخص الى آخر. فعندما يخاف احد الاطفال ينتاب الخوف طفلاً آخر ولا يتمالك نفسه.

6 ـ لايتمكن الاطفال من تحمل الضرر الناتج عن الخوف ولا يستطيعون إيقاع انفسهم في خطر من اجل معرفة ماذا سيحصل.

7 ـ مخاوف الاطفال الانانيين ، اي انهم يخافون من شدة حبهم لأنفسهم ، فهم لايقلقون من موت الام حباً لها بل لفقدان الشخص الذي يلاطفهم ويعطيهم الطعام.

8 ـ الخوف لدى الاطفـال له ـ في الغالب ـ صورة تخيلية خاصـة في ( سنين 3 ـ 5 ) حيث ان قدرة التخيل لديهم قوية فيضخمون في أذهانهم مسألة صغيرة ويخافون منها.

9 ـ المخاوف احياناً لاتستند الى حقيقة ، فقد يخافون من ظلال الحيوانات التي تظهر على الجدار.

10 ـ هناك علاقة بين المخاوف وطبقة الاشخاص وسلامتهم ومرضهم ، إذ ان اطفال الطبقة الفقيرة اشجع في ما يتعلق بالطبيعة ، وأطفال الطبقة المرفهة أشجع في ما يتعلق بأفراد المجتمع وفقاً للتحقيقات ، كما ان اطفال الطبقة الفقيرة يخافون من الحيوان واللص والكلام السيء والانفصال والتخلي عنهم ؛ في حين يخاف اطفال الطبقات المرفهة من الايذاء ومن الظلام ومن الأخطار البدنية ، وذلك على اساس ما جاء في تحقيقات ( آنينو ) و ( ليز ) و ( مج ) عام 1965.

11 ـ المخاوف في فترة الطفولة آنية وملموسة لان قابلية ادراك الطفل ضعيفة ولايفهم جميع المسائل.

12 ـ ان المخاوف التي تحصل في البيئة غير المألوفة وفي اوقات نوم الاطفال هي أشد من المخاوف التي تحصل في البيئة المألوفة وفي أثناء النهار ،

41

وهذا الامر يسبب احياناً عدم تمكن الطفل من النوم.

13 ـ تؤثر القوالب والاشكال والاحجام الكبيرة في الخوف ، فالاطفال يخافون من كل الاشياء الكبيرة جداً.

14 ـ واخيراً يكون الخوف في سن الثالثة والحادية عشر اشد وان كان هناك اختلاف في النوع وفي هاتين السنتين تمتاز مسألة تعميم الخوف بأنها اكثر مما في السنين الاخرى.

تتنوع مخاوف الاطفال المختلفين ويستمر بعضها بشكل دائم لدى الشخص ، هؤلاء يخافون اكثر لانه ليس لديهم قدرة دفاعية كافية ، وقد خبروا انفسهم مرارا واستنتجوا إنهم لايستطيعون مقاومتها.

ومع ان قدرة تخيلهم تعد نعمة الا انها تسبب صدمة لهم لأنهم قد يتخيلون مسألة سهلة ويرسمون من كلمة مخيفة عالماً عجيباً وغريباً وتنتابهم الرجفة.

لاشك ان كثيراً من المخاوف ليست ذات صورة عقلانية مثل الخوف من الاشياء المدهشة والألوان القبيحة وحتى النار والماء والاشياء المتحركة ، كالحيوانات والظلال ولكن قلقهم وخوفهم حقيقي واساسي ويجب ان يعالج.

42

-

43

الباب الثالث اسباب الخوف

44

-

45

أسباب الخوف

ان المخاوف ذات بعد اكتسابي باستثناء عدة حالات ، ويعتقد بعض علماء النفس انها صورة فطرية ، وفي هذا الباب نسعى الى دراسة جذور واسباب وعوامل تقويتها.

وفي احد الفصول سنبحث اسباب وعوامل الخوف وهي عشرة عوامل : الاكتساب ، التجارب الخاصة ، زوال العادة ، التربية الخاطئة ، المرض ، الادراك والوعي ، الجهل ، العامل النفسي ، العامل العاطفي ، والشرطية ، وسنشرحها باختصار.

اما الفصل الثاني فهو حول جذور الخوف بنظر علماء النفس ، حيث ذكروا ان الخوف ناتج عن قضايا مرعبة حصلت اثر ألم وخوف الولادة وما يتعرض له الطفل من وحدة واحتقار في بداية حياته ويطرحون بعض الآراء في هذا الاطار.

والفصل الثالث هو حول العوامل التي تؤدي الى شدة الخوف ، ومن الطبيعي وجود عوامل مؤثرة في هذا المجال مثل الرؤية ، السماع ، التجارب المرة ، الاحتقار والسخرية ، السلوك الساذج ، النماذج الخاطئة ، الضغوط والتهديدات ، الصداقة غير الخالصة ، الرقابات الشديدة ، ويجب ان يهتم الآباء والمربون بهذه الناحية.

46

الفصل السادس اسباب ودوافع الخوف

المقدمة :

من النقاط المهمة للآباء والمربين ، معرفة اسباب الخوف للتمكن من اتخاذ مواقف صحيحة في الحالات الضرورية. وباستثناء المخاوف الفطرية فانه ليس ثمة خوف بدون سبب. وهناك اسباب مختلفة سنشير اليها ، ومالم يتم التعرف عليها لايمكن اصلاحها وعلاجها ، وهي كمايلي :

1 ـ الاكتساب : ان معظم مخاوف الاشخاص ، وخاصة الاطفال ، ناتجة عن التعلم والاكتساب ، بمعنى ان الطفل تعلم من الأبوين والمربين وكذلك من اصدقائه والمحيطين به الخوف من اشياء واشخاص وزمن معين ، وكذلك من أوضاع خاصة. الطفل يتعلم الخوف عن طرق مختلفة منها المشاهدة مثل مشاهدة خوف الأب او الآم حين مواجهة بعض القضايا وبعض الحالات

47

كالرعد والبرق والعاصفة ، وهو يقلد ما يراه ويسمعه احياناً ، وهذا سبب لنمو ونشوء وظهور الخوف.

احياناً يسمع ويشاهد الطفل شخصاً يقول انني اخاف من الشيء الفلاني ، فيتعلم ذلك ويعمل به ، ولهذا يمهد الأبوان المحافظان والخائفان للتعليم في هذا الصدد بشكل تلقائي ويربيان طفلاً شديد الخوف.

2 ـ التجارب الخاصة : يحصل الخوف احياناً من تجارب سيئة مؤلمة مرت به ، فالطفل الذي يلعب مع قطة وتنهشه بمخالبها وتدمي وجهه ، من حقه ان يخاف منها. ويخاف الطفل من الطبيب أحياناً لأن الطبيب قد حقنه بأبرة ذات مرة وأوجعه.

وتخيفه النافذة لأنها آلمته ذات يوم حين ضغطت يده. ويخاف من الظلام لأن شوكة وخزته ذات ليلة في غرفة مظلمة.

وهكذا يسعى الطفل الى عدم الوقوع في حالة مشابهة ، خاصة الطفل في سن الرابعة فصاعداً ، حيث تمتاز قدرة التعميم بالقوة ، ويكون الجانب التخيلي لديه في كمال الذروة. فيحاول تعميم اللحظات المريرة في الحياة ويراها في دائرة اوسع. وتمهد هذه التجارب المؤلمة الطريق امام حالات مريرة وغير مطلوبة.

3 ـ زوال العادة : يألف الطفل بسرعة اوضاعه وامكاناته ، ويصعب عليه ترك الامور المألوفة ، بل قد يؤدي ذلك الى اثارة مخاوفه. انكم تعرفون اطفالاً يتحوكون بحرية في البيت ، ولكنهم اذا دخلوا أجواء غريبة وغير مألوفة يلتجئون الى حضن الام ولايفارقونها يخاف الطفل اذا ابتعد عن امه ، اذا كان يعتمد عليها ، ويخاف من الوجوه الغريبة اذا اعتاد مشاهدة وجه أبيه وأخيه وأخته ، والطفل الذي يرتبط بمرضعة يستحوذ عليه الهلع لو فصل عنها.

48

ان الاطفال يخافون من تغيير الأوضاع والبيئة ويزعجهم الابتعاد عن الظروف المألوفة الى درجة انهم يصابون بالأرق والهواجس اذا ناموا في غير بيوتهم ليلة واحدة.

4 ـ التربية الخاطئة : وقد تنجم بعض المخاوف عن التربية الخاطئة التي يمارسها الأبوان والمربون مع الاطفال ، وبميسورنا ان نذكر في هذا الصدد بعض الحالات وهي :

1 ـ الأمر والنهي المتكرر الذي يتعب الطفل ويزعجه ، كأن يقال له : انتبه ، لا تتكلم والخ.

2 ـ اصدار الاوامر المتناقضة والاستجوابات المتكررة من قبل أشخاص مختلفين.

3 ـ تطبيق التعليمات الانضباطية القاسية على الطفل بحيث تموت فيه روح الجرأة.

4 ـ التحدث عن الجن والظواهر التي يجهلها الطفل.

5 ـ التوبيخ والصفح الشديد حتى يرى نفسه وأمنه في خطر.

6 ـ اذا كان الأبوان شديدي الخوف يؤدي ذلك الى التعليم السيء.

7 ـ فضح الطفل في حضور الناس وخاصة اصدقائه.

8 ـ كثرة النزاع بين الزوجين بحيث يخاف الطفل على أمنه.

9 ـ ممارسة اعمال مثيرة للرعب امام الطفل كالعملية الجراحية أو قلع الاسنان.

10 ـ الايحاءات المرعبة ، مثل ان يقال له سأحبسك في دهليز حتى يقتلك الجن اذا فعلت كذا.

49

11 ـ طرد الطفل بالشكل الذي يشعر بالحرمان واليأس.

12 ـ الانتقادات الحادة والبحث عن العيوب بالشكل الذي يشعر الطفل بضياع جرأته.

13 ـ حرمان الطفل من الاشياء التي يحبها كثيرا كالطعام والحلويات و ... الخ.

5 ـ المرض : وقد تكون المخاوف مرضية ؛ وللتخيل والأعصاب جذر فيها : فالخلل العصبي بأنواعه وعدم التوازن في البدن أو في الجهاز العصبي والالتزام بأوهامه وخيالاته يمكن ان تكون من عوامل الخوف. ويرى علماء النفس ان هناك مخاوف عصبية ناتجة عن الخيالات والتصورات كالخوف من الميت والمقبرة ، حيث يتصور ان الميت قد ينهض ويأخذ بردائه او يخرج من القبر ويمسك بردائه مع انه يعلم ان ذلك لايحصل.

الخوف من الظلام يولد احياناً من تصورات عجيبة وغريبة ، هذه التصورات تتجه تارة نحو المستقبل وتحصل تصورات سيئة لدى الشخص كأن يتصور وقوع الحالة الفلانية له في السنوات القادمة وهي عدم النجاح في الامتحانات او الزواج. وهكذا يجسد في ذهنه حادثة ما ويتصورها أنها حقيقة.

6 ـ الادراك والوعي : تنجم المخاوف في بعض الحالات من الادراك والوعي ، كالخوف من حيوان وحشي والخوف من شخص ثمل يحمل سكيناً بيده وهو عاجز عن المواجهة والمقابلة وعدم قدرته على انقاذ نفسه اذا هاجمه.

ان العوامل المثيرة للرعب كثيرة في الطبيعة ، والخوف منها ضروري للمحافظة على وجوده. وينجم الخوف من الذنب عن الادراك والعقل لأنه يعلم ان هناك حساباً وكتاباً وان الله لايرضى له ارتكاب المحرمات ، والخوف من سقف على وشك السقوط ناتج عن الادراك وهو معقول وينبغي ان يكون ؛ لهذا مجد الاشخاص الاكثر ذكاء اكثر تحفظاً ولديهم خوف صحيح أكثر.

50

7 ـ الجهل : وبالعكس يخاف بعض الاشخاص لأنهم لايعرفون ماهية ومقدار وكيفية القضية. فمثلاً يرى الطفل شخصاً غريباً ويظن انه يريد إلحاق الضرر به ، ويرى جهازاً ويخشى ان يقترب منه لئلا ينفجر في وجهه.

ان الجهل والخوف يترافقان ويثيران في الطفل مشاعر الغربة والاضطراب والقلق ، ويقول أحد العلماء ان الجهل هو من حلفاء الخوف ، كما ان الامور غير المجربة هي من عوامل الخوف ، فالانسان لايقترب من الشيء الفلاني عندما لا يعلم كيف يجب استعماله مع الجهاز الفلاني. ويخاف من الشيء الذي يتحرك ولا يعلم لماذا يتحرك فيبعد نفسه عنه.

8 ـ العامل النفسي : للمخاوف احياناً سبب نفسي كالخوف من الذنب والخوف من الانتقام والمحاسبة ، والخوف من عقوبة الأمر الفلاني والاحساس بوطأة الجريمة.

وقد تكون الاضطرابات والانزعاجات النفسية والخلل النفسي والخشية من زوال فضائله وكذا من انواع الاحتقار والحرمان والشعور بعدم الاحترام له وبالحقارة والطرد من عوامل الخوف.

وقد اعتقد بعض علماء النفس نتيجة للسذاجة انه يجب البحث عن السبب الاساسي للخوف في النظام النفسي للاشخاص ، كيف ظهر وكيف انتقل اليهم. ولايوجد مبرر لاغلب المخاوف النفسية وهي تعتبر نوعاً من التغطية لآلام لا يمكن تحملها ويسعى الاشخاص الى الهرب منها.

ويمكن الاشارة الى انواع الخوف الناتجة عن التخيل والوهم والتي لها أساس طبي في كل الاحوال كأمثلة على المخاوف النفسية.

51

9 ـ العامل العاطفي : وهناك دافع عاطفي وراء بعض المخاوف ، فالاطفال الاكثر حسداً يتصفون بشدة الخوف في كثير من الحالات ، والاشخاص الخجولون ينتابهم نوع من الخوف يتعلق بالمحافظة على الوجود وصيانة الاعتبار.

أحياناً يخاف الطفل وهو في السنة الثالثة من عمره مع أنه ليس مريضا ؛ ولو تعمقنا جيداً لأدركنا ان الحسد ادى به الى هذه الحالة. وقد ينتاب الطفل الخوف اثر التهديدات كأن يقال له سأعطيك للقطة حتى تأكلك.

وأحياناً ينتج الخوف من إظهار العلاقة الشديدة والدلال. فالاطفال المدعومون اكثر لعدم توفر فرصة المواجهة لهم مع البيئة ، فاعمالهم يقوم بها الآخرون بدلاً عنهم مما يمهد لحدوث انواع القلق لدى الطفل. وقد ذكر ان المخاوف العصبية لها سبب عاطفي.

10 ـ عامل الشرطية : واخير تنجم المخاوف احياناً عن الشرطية ويعتقد المؤيدون لنظرية بافلوف.

ان الخوف الذي ليس له صورة غريزية ، ينجم عن انعكاسات شرطية ثم على شكل تداعيات ، ويعتبرون الخوف من الرعد ناتجاً عن الخوف من صياح الأب وشتمه وقيامه بالهجوم والضرب. كما ان اخذ امه الى الغرفة اثناء الرعد والبرق يمهد لشرطية الطفل بهذا الامر وهو يمثل اساس خوفه.

ويعتقد طبعاً بعض الاسباب الشرطية قد نسيت تدريجياً ولم يعد الطفل يعرفها اليوم الا ان ماهيتها وأثرها باقية حتى الآن حيث نمت واتسعت طوال فترة من الزمن.

ان العائلة والمدرسة والتجربة واصدقاء الطفل والمحيطين به والمرض هي من عوامل خوفه والمربي بحاجة الى معرفة الاسباب من اجل المعالجة.

52

الفصل السابع جذور الخوف بنظر علماء النفس

فترة الطفولة :

يتفق علماء النفس في ان منشأ الخوف هو ما انتاب الانسان من ألم وتجربة مرة في فترة الطفولة لازالت متأصلة وثابتة فيه. وهنا يمكن الاشارة الى ما ذكره ( فرويد ) حيث اعتبر ان الخوف المرضي ناتج عن تجارب مرة في فترة الطفولة.

يقول ان الطفل يتأثر اذا عضه الحيوان في فترة الطفولة ويعمم ذلك الى غيره كالحصان ، ويخاوف من الذهاب في الشارع لئلا يواجه حصاناً في الطريق ويعضه.

ويعتبر آخرون أن تهديدات الأبوين في فترة الطفولة وتجاربه في هذا الاطار هي من عوامل الخوف حتى بالنسبة للخوف المرضي كالوسواس. ويمكن الاشارة هنا الى الخوف من الجراثيم في السنين اللاحقة والخوف من الظلام.

الخوف من الألم :

قيل ان الألم سبب للمخاوف الطفولية ، ومن الطبيعي ان يبكي الانسان وينزعج من الألم ، وهذا الانزعاج يثير الخوف لدينا وتصبح بعض المواقف متأثرة بالخوف.

53

ان الخوف من الألم يتعقد في بعض الحالات بحيث لا يعود بامكان الأبوين ولا الطفل معرفة ذلك. وهو يخاف رغم انه يظهر نفسه قوياً وشجاعاً امام الألم. ويعتقد بعض علماء النفس ان هناك ارتباطاً واسعاً بين الخوف والألم وأن الخوف في الحقيقة هو احد المركبات الاساسية للألم وهو جرس لايقاظ الشخص من نوم الغفلة.

الولادة والخوف :

ذكر بعض علماء النفس ان الولادات الصعبة تعتبر سبباً أساسياً للخوف وقالوا ان لحظة الخروج من الرحم هي لحظة الانسجام الصعب مع البيئة الخارجية ، وإن على الطفل ان يؤقلم نفسه مع حالة الضغط والألم والضوء والضجيج ونوع التغذية الجديد ، وهو أمر يثير قلقه الى حد التحير إلى حين.

ويرى بعضهم ان مرحلة الولادة ، والألم الناجم عنها ، هي اساس الكابوس او الاحلام المرعبة ، ولايمكن للطفل ان يتحملها ، وتوجد في ضميره كمصدر للخوف ويقولون ان الجنون والخلل النفسي لدى الاشخاص يجب البحث عنها في هذا الاطار. ان الطفل الذي يدخل من عالم الرحم المحدود الى جو غير متناه ، لا يمكن ان تكون حالته عادية ويعيش حياة بدون خوف.

الوحدة والخوف :

يقول بعض علماء النفس ان الوحدة هي اساس الخوف في فترة الطفولة وأنها تمتد الى مرحلة الفتوة والشباب ، فالطفل يشعر بالوحدة في بعض ساعات النهار ويستغرق في نفسه وعالم خيالاته ، وتحصل لديه تصورات في الوحدة

54

فيتغلب عليه الوهم ويبدأ يخاف مما يفتعل ذهنه وخيالاته ؛ وهذا الأمر يترسخ فيه فيما بعد ويصير على هيئة خوف حقيقي.

ويقول هؤلاء ان اغلب المخاوف هي وليدة تصوراتنا ، وتظهر أغلبها من الخيالات الباطلة ومن تخيل الجن والوحوش في أوقات الوحدة. وأن المخاوف هي وليدة التصورات حتى لدى الكبار أيضاً. فقد يظن شخص كبير انه اذا حصل هذا الأمر فسيحصل ذلك الوضع ، وسيكون الضرر الفلاني حتمياً اذا حصلت الحالة الفلانية ، وينمي هذه الجوانب في ذهنه ثم يظهرها على هيئة خوف مزمن.

الخوف والاحتقار :

يعتقد بعض علماء النفس بوجود علاقة بين الخوف والاحتقار ويظنون ان الشعور بأنواع الحقارة الناجم عن فترة الطفولة والذي حدث لديهم بشكل مباشر وغير مباشر ، يمهد لكثير من المخاوف.

فلو اخذنا بنظر الاعتبار طفلاً يسمع صياح أبويه دائماً بسبب انهم عصبيون أو لديهم حالة غضب ، ويعتاد شيئاً فشيئاً على هذا الوضع ، فإنه سيشعر بأن شخصيته محتقرة ، وهذا اساس لكثير من المشاكل والمخاوف في المراحل اللاحقة وحتى في سن الشيخوخة.

آراء أخرى :

ثمة آراء اخرى في موضوع الجذور الأولية للخوف لايمكن تقديمها كلها في هذا البحث المختصر ، بل سنطرح في ما يلي بعضها مع الاشارة الى انه حتى