الفصول المهمة في تأليف الأمة

- السيد عبد الحسين شرف الدين المزيد...
204 /
5

تنبيه أول :

توسعنا بالفصول المهمة في هذه الطبعة ، أكمالا لفوائدها ، وأتماما لمقاصدها ، فظهرت اليوم بغير مظهرها أمس حتى كأنها غير الأولى ، فننبه المطلعين على تلك الى أنها لا تغنيهم عن هذه ( وفي الحمية معنى ليس في العنب ).

وما أحق كتابي هذا بأن أخاطبه بقول ولي الدين يكن :

فما بــك من أكذوبة فأخافها * * * ولا بك من جهل فيزري بك الجهل

تنبيه ثاني :

لما كانت الكتب المتكرر طبعها مختلفة في عدد الصفحات لم نقتصر في مقام النقل عنها في هذا الكتاب وغيره على تعيين الصفحة فقط بل عينا معها الباب أو الفصل مثلا ، ليرجع اليه من لم تكن صفحات النسخ التي عنده موافقه لصفحات النسخ التي عندنا ، فأحفظ هذه الجملة وانتبه.

6

-

7

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الميامين (1).

لا تنسق أمور العمران ولا تستتب أسباب الارتقاء ولا تنبث روح المدنية ولا تبزغ شموس الدعة من أبراج السعادة ولا نرفع عن أعناقنا نير العبودية بيد الحرية إلا باتفاق الكلمة واجتماع الأفئدة وترادف القلوب واتحاد العزائم والاجتماع على النهضة بنواميس الأمة ورفع كيان الملة ، وبذلك تهتز الأرض طربا وتمطر السماء ذهبا وتتفجر ينابيع الرحمة من قلب المواساة فتجري في سهوب الترقي وتتفرق في بيد (2) العمران وأخاديد الحنان والاتحاد ، فتنشر روح الانسانية من أجداثها وتحشر الملة الفطرية من رفاتها ويتبلج القسط بازغة أنواره ويستوسق نظام العدل خافقة بنوده ويتفقد الحاكم أمر رعيته تفقد الوالد العطوف أمر ولده ، وعندها تجب مؤازرته في إحياء مواتها وعمارة فلواتها ورتق ما انفتق واصلاح ما فسد وارشاد من ضل وجهاد من بغى وأعانة من ضعف وتعليم من جهل.

____________

(1) بسم الله الرحمن الرحيم. يقول ناظم عقد هذه الفصول عبدالحسين شرف الدين الموسوي : لما نفدت الطبعة الاولى من هذا الكتاب التمس مني من لا تسعني مخالفتهم من المؤمنين من أهل سوريا والعراق وغيرهما أن أعيد طبعه وان اتوسع فيه ليتضاعف نفعه ، فأجبتهم الى ذلك وعلقت في أسفل صفحات الكتاب تعليقة نافعة جدا ، والله نسأل أن يكون الكتاب وتعليقته خالصين لوجهه الكريم انه الرؤوف الرحيم.

(2) جمع بيداء كبيض جمع بيضاء.

8

أما إذا كانت الأمة أوزاعا متباينة وشيعا متباغضة لاهية بعبثها غافلة عن رقيها لتكونن حيث منابت الشيح ومهافي الريح أذل الأمم دارا وأجدبها قرارا ، مذقة الشارب ونهزة الطامع وهدف السهام وقبسة العجلان ، في باحة ذل وحلقة ضيق وعرصة موت وحومة بلاء ، لا تأوي الى جناح دعوة ، ولا تعتصم بظل منعة ، فحذا حذار من بقاء الفرقة وتشتت الألفة واختلاف الكلمة وتنافر الأفئدة « ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم » ، « واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا » ، « ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء انما أمرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ».

إلا وانا في عصر العلم ودور الذكاء والفطنة ، قد تفجر لذوي العصر ينبوع الحكمة وتقشعت عن أبصارهم غياهب العشوة ، فزهر كهرباء النور من أفكارهم وأشرقت شموس الفضل من وجوههم ، فهلا شرعوا خطي أقلامهم وجردوا صوارمها ووتروا قسي أفكارهم وناضلوا بثواقبها فأزهقوا نفس العصبية ومحقوا آثارها وصدعوا بوظائف الأنسانية ورفعوا منارها وهتفوا بدعوة التمدن واعتنوا باتحاد التشيع والتسنن بخطابة تملأ مسمع الدهر وملامة تفلل جلاميد الصخر ، فمتى يطلقون عنان براعتهم ويحملون على جيوش التوحش بيراعتهم ، وينهضون باجتماع الاملاء ويصدعون بأسباب التمدن والارتقاء ويحذرون الأمة مما يصطلم حوزتها ويفرق جماعتها ، فان الله سبحانه يقول : « ولا تنازعوا فتفشلوا ».

واني صادع بهذه المقالة شارع بعون الله تعالى في تصنيف رسالة سميتها ( الفصول المهمّة في تأليف الأمّة ). « ان اريد الاّ الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب ».

9

الفصل الأول

في نبذة مما جاء في الكتاب العزيز

والسنـة المقدسة من الترغيب في

الاجتماع والالفة.

قال الله تبارك وتعالى : « انما المؤمنون أخوة » ، « والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض » ، « محمد رسول الله والذين معه » إلى ان قال عز اسمه في وصفهم : « رحماء بينهم » ، «ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم » ، « واعتصموا بحبل الله جيمعا ولا تفرقوا » ، « إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء انما أمرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون » ، « يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا » إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون حتى تحابوا ، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : الدين النصحية. قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم ، والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

10

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم يد على من سواهم ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مؤمنا ستره الله يوم القيامة.

وقال الصادق (عليه السلام) : المسلم أخو المسلم ، وهو عينه ومرآته ودليله لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يكذبه ولا يغتابه.

وقال (عليه السلام) لجماعة من شيعته : اتقوا الله وكونوا أخوة بررة متحابين في الله متواصلين متواضعين متراحمين ، تزاوروا وتلاقوا وأحيوا أمرنا.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : المؤمن ألف مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.

وفي حديث آخر : ان أحبكم الى الله الذين يألفون ويؤلفون ، وان أبغضكم الى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الاخوان.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : المتحابون في الله على عمود من ياقوتة حمراء ، رأس العمود سبعون ألف غرفة يشرفون على الجنة يضيء حسنهم كما تضيء الشمس ،

11

عليهم ثياب سندس خضر مكتوب على جباههم : المتحابون في الله.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع الناس وهم لا يفزعون ويخاف الناس وهم لا يخافون ، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فقيل : من هم يا رسول الله ؟ فقال : هم المتحابون في الله.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ان الله تعالى يقول : حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أن الله تعالى يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي.

وعن باقر علوم النبيين عن آبائه الخلفاء الراشدين عن جدهم سيد المرسلين (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين) من حديث طويل قال : إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين جيران الله جل جلاله في داره ؟ فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون لهم : ماذا كان عملكم فصرتم به جيران الله في داره ؟ فيقولون : كنا نتحاب في الله ونتباذل في الله ونتزاور في الله عز وجل. قال : فينادي مناد صدق عبادي خلوا سبيلهم لينطلقوا الى جوار الله بغير حساب.

وعن عبد المؤمن الانصاري قال : دخلت على الإمام أبي الحسن ( الكاظم ) (عليه السلام) وعنده محمد بن عبدالله الجعفري ، فتبسمت اليه فقال (عليه السلام) : أتحبه ؟ قلت : نعم وما أحببته الا لكم. فقال (عليه السلام) : هو أخوك ، والمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه ، ملعون ملعون من اتهم أخاه ، ملعون ملعون من غش أخاه ، ملعون ملعون من لم ينصح أخاه ، ملعون ملعون من استأثر على أخيه ملعون ملعون من اغتاب أخاه.

12

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الثناء على الأخوة في الدين : من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا ان نسي ذكره أو ذكر أعانه ، ومثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل احداهم الأخرى ، وما التقى مؤمنان قط إلا أفاد الله أحدهما من صاحبه خيرا.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : عليكم بالأخوان فانهم عدة في الدنيا والآخرة ، الا تسمعون الى قول أهل النار : « فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم ».

وعن جرير بن عبدالله قال : بايعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على إقام الصلاة وايتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.

والأخبار في هذا متواترة والصحاح متظافرة ، وإذا راجعت حديث الفريقين رأيت الصبح قد أسفر لذي عينين ، وفي هذا كفاية لمن له من الله هداية.

13

الفصل الثاني

في بيان معنى الاسلام والايمان اللذين بهما

ينال العهد غاية الرضوان ، وعليهما يكون

المدار وبوجودهما تترتب الاثار.

دعاني الى بيانهما اقناع أهل العصبية والتنديد بهؤلاء المرجفين على حمية الجاهلية ، فاقول : أجمع اخواننا أهل السنة على أن الاسلام والايمان عبارة عن الشهادتين ، والتصديق بالبعث ، والصلوات الخمس الى القبلة ، وحج البيت ، وصيام الشهر ، والزكاة والخمس المفروضين (1). وبهذا تعلن الصحاح الستة وغيرها.

ففي البخاري بسنده قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم.

____________

(1) وربما بعضهم فرق بين الاسلام والايمان بفارق اعتباري ، والذي يظهر من قوله تعالى : « قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا » أن الاسلام عبارة عن مجرد الدخول في الدين والتسليم لسيد المرسلين وان الايمان عبارة عن اليقين الثابت في قلوب المؤمنين مع الاعتراف به في اللسان ، فيكون على هذا أخص من الاسلام ، ونحن نعتبر فيه الولاية مضافا الى ذلك ـ فافهم.

14

وفيه أيضا بالاسناد الى أنس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ، فلا تخفروا (2) الله في ذمته.

وفيه بالاسناد الى طلحة (3) بن عبيد الله قال : جاء الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل من أهل نجد ناثر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الاسلام فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : خمس صلوات في اليوم والليلة. قال : هل عليّ غيرها ؟ (4) قال : لا. إلا أن تطّوع. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : وصيام رمضان. قال : هل عليّ غيره ؟ قال : لا. إلا أن تطّوع. قال : وذكر له الزكاة قال : هل عليّ غيرها ؟ قال : لا. إلا أن تطّوع. قال : فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفلح إن صدق.

وفي صحيح البخاري أيضا بالاسناد الى نافع أن رجلا أتى ابن عمر فقال يا أبا عبدالرحمن ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما وتترك الجهاد في سبيل الله وقد علمت ما رغّب الله فيه ؟ قال : يا ابن أخي بُني الاسلام على خمس : إيمان بالله ورسوله ، والصلاة والخمس ، وصيام رمضان ، وأداء الزكاة ، وحج البيت.

وفيه أيضا بالاسناد الى أبي هريرة قال : كان النبي (صلى الله عليه وآله) بارزا

____________

(2) الاخفار نقض العهد. وهذا الحديث والذي قبله مقيدان بما يدل على اشتراط الصوم والزكاة والحج كما لا يخفى.

(3) هذا الحديث موجود في صحيح مسلم بهذا الاسناد أيضا.

(4) يعني من جنسها ، وكذلك المراد من قوله « هل علي غيرها » بعد ذكر الصيام والزكاة.

15

يوما للناس ، فأتاه رجل فقال : ما الايمان ؟ قال (صلى الله عليه وآله) : الايمان أن تؤمن بالله وملائكته وتؤمن بالبعث. قال : ما الاسلام ؟ قال (صلى الله عليه وآله) : الاسلام أن تعبد الله ولا تشرك به ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ـ الحديث. وآخره ثم أدبر ( يعني السائل ) فقال (صلى الله عليه وآله) : ردوه ، فلم يروا شيئا ، فقال : هذا جبرائيل ، جاء يعلم الناس دينهم.

قلت : وأخرج هذا الحديث مسلم أيضا في صحيحه بطرق مختلفة وأسانيد متعددة ، بعضها عن عمر بن الخطاب ، وبعضها عن ابنه عبدالله ، وبعضها عن أبي هريرة ، وفيه شيء ما من زيادة أو نقصان.

وأخرج البخاري في عدة مواضع من صحيحه بالاسناد الى ابن عباس ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لوفد عبدالقيس ( لما أمرهم بالايمان بالله وحده ) : أتدرون ما الايمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وأيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وان تعطوا من المغنم الخمس ـ الحديث (5).

والأحاديث في هذا المعنى لا تكاد تحصى ، فمن أرداها فعليه بمظانها من الصحاح الستة وغيرها ، ولا سيما كتاب الايمان من صحيح مسلم ، فان فيه أبوابا كثيرة تفيد القطع بأن الاسلام والايمان عند أهل السنة ليس إلا ما ذكرناه ، على أن ما سنورده في الفصلين الآتيين صريح في ذلك أيضا ، فتدبر ولا تذهل.

____________

(5) وأخرجه مسلم أيضا في عدة مواضع من صحيحه. ولا يخفى ما فيه من الدلالة على ان الخمس ركن من أركان الاسلام كالصلاة والزكاة ، فيكون هذا الحديث مقيدا لجميع الاحاديث المطلقة بالنسبة الى الخمس ، ولا غرو فان الكتاب والسنة يقيد بعضهما بعضا.

16

الفصل الثالث

في نبذة مما صح عند أهل السنة والجماعة من

الاحاديث الدالة على أن من قال « لا إله إلا الله

محمد رسول الله » محترم دمه وماله وعرضه

أوردناها لينتبه الغافل ويقنع الجاهل ، وليعلما ان أمر المسلمين ليس كما يزعمه اخوان العصبية ، وابناء الهمجية ، وحلفاء الحمية ، حمية الجاهلية ، الذين شقوا عصا المسلمين وأضرموا نار الفتن بينهم ، حتى كانوا اوزاعا وشيعا ، يكفر بعضهم بعضا ، ويتبرأ بعضهم من بعض ، من غير أمر يوجب ذلك ، إلا ما نفخته الشياطين ، أو نفثته أبالسة الأنس الذين هم انكى للاسلام من نسل آكلة الأكباد ، وهذا عصر العلم ، عصر الانصاف ، عصر النور ، عصر التأمل في حقائق الامور ، عصر الاعراض عن كل تعصب ذميم ، والأخذ بكتاب الله العظيم ، وسنة نبيه الكريم ، واليك منها ما عقد الفصل لذكره :

أخرج البخاري في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لمعاذ بن جبل حين بعثه الى اليمن : انك ستأتي قوما أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم الى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمد رسول الله ، فان هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم ان الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فان هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم ان الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فان هم أطاعوا لك

17

بذلك ، فاياك وكرائم أموالهم ـ الحديث (1).

وتراه ينادي بثبوت الاسلام لهم بمجرد طاعتهم له بذلك ، بحيث تكون أموالهم حينئد فضلا عن أعراضهم ودمائهم محترمة كغيرهم من أفضل أفراد المؤمنين.

ومثله في باب فضائل علي (عليه السلام) من الجزء الثاني من صحيح مسلم (2) قال : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : لاعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله ( وفي رواية أخرى هي في الصحاح أيضا ويحبه الله ورسوله ) يفتح الله على يديه. قال عمر بن الخطاب : ما أحببت الامارة إلا يومئذ ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. قال : فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب فأعطاه اياها وقال : امش وال تلتفت. قال فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت ، فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس ؟ قال : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم.

وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فكفّ الانصاري

____________

(1) وأخرجه مسلم في صحيحه بالاسناد الى ابن عباس ايضا. ولا يخفى تقييده بما دل على اشتراط طاعتهم له في الصوم والحج والخمس من الصحاح الاخر.

(2) وهو موجود في باب غزوة خيبر من الجزء الثالث من صحيح البخاري ، وفي باب مناقب علي (عليه السلام) من الجزء الثاني منه ايضا بنوع ما من التغيير في الالفاظ.

18

عنه فطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا بلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك فقال : يا اسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ قلت : كان متعوذا. قال : فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.

قلت : ما تمنى ذلك حتى اعتقد أن جميع ما عمله قبل هذه الواقعة ( من ايمان وصحبة وجهاد وصلاة وصوم وزكاة وحج وغيرها ) لا يذهب عنه هذه السيئة ، وأن أعماله الصالحة بأجمعها قد حبطت بها. ولا يخفى ما في كلامه من الدلالة على انه كان يخاف ان لا يغفر له ، ولذلك تمنى تأخر اسلامه عن هذه الخطيئة ليكون داخلا في حكم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « الاسلام يجب ما قبله ». وناهيك بهذا دليلا على احترام لا إله إلا الله وأهلها ، وإذا كانت هذه حال من يقولها متعوذا فما ظنك بمن انعقدت بها نطفته ثم رضعها من ثديي أمه ، فاشتد عليها عظمه ونبت بها لحمه وامتلأ من نورها قلبه ودانت بها جميع جوارحه ، فلينته أهل العناد عن غيهم وليحذروا غضب الله تعالى وسخط نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي الصحيحين بالاسناد الى المقداد بن عمرو أنه قال : يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب احدى يدي بالسيف فقطعها ، ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله ، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تقتله ، فان قتلته فانه بمنزلتك قبل أن تقتله (3) وانك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال (4).

قلت : ليس في كلام العراب ولا غيرهم عبارة هي أدل على احترام الاسلام وأهله من هذا الحديث الشريف ، وأي عبارة تكايله في ذلك أو توازنه ، وقد

____________

(3) يعني انه يكون من عدول المؤمنين ، لان المقداد كان كذلك.

(4) يعني انه يكون بمنزلة الكافر الحربي ، لان المقتول كان كذلك قبل ان يقول كلمته التي قالها.

19

قضى بأن المقداد على سوابقه وحسن بلائه لو قتل ذلك الرجل لكان بمنزلة الكافرين المحاربين لله ولرسوله ، وكان المقتول بمنزلة واحد من أعاظم السابقين وأكابر البدريين الأحديين ، وهذه أقصى غاية يؤمها المبالغ في احترام أهل التوحيد ، فليتق الله كل مجازف عنيد.

وأخرج البخاري في باب بعث علي (عليه السلام) وخالد الى اليمن : أن رجلا قام فقال : يا رسول الله اتق الله. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله. فقال : خالد يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا ، لعله أن يكون يصلي (5).

قلت : أعظم بهذا الحديث ودلالته على احترام الصلاة وأهلها ، وإذا كان احتمال كونه يصلي مانعا من قتله ، وقد اعترض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جهرة وكاشفه علانية ، فما ظنك بمن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم الشهر ويحج البيت ويحلل الحلال ويحرم الحرام ، ويتعبد بقول النبي (صلى الله عليه وآله) وفعله وتقريره ، ويقترب الى الله تعالى بحبه وبموالاة أهل بيته ويرجو رحمة الله عز وجل بشفاعته متمسكا بثقليه معتصما بحبليه ، ويوالي وليه

____________

(5) وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث أبي سعيد الخدري في صفحة 4 من الجزء الثالث من مسنده. ومثله ما نقله العسقلاني في الاصابة في ترجمة سرحوق المناطق من أنه لما أتى به ليقتل قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : هل يصلي ؟ قالوا : أذا رآه الناس. قال : اني نهيت ان اقتل المصلين ا هـ. وكذلك ما أخرجه الذهبي في ترجمة عامر بن عبدالله ابن يساف من ميزانه بسند ضعيف عن انس قال : ذكر عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل فقيل ذلك كهف المنافقين فلما أكثروا فيه رخص لهم في قتله ثم قال : هل يصلي ؟ قالوا : نعم لا خير فيها. قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : اني نهيت عن قتل المصلين. قلت : اذا كانت هذه حاله مع المنافقين المرائين بصالتهم فما ظنك بالمحافظين عليها والخاشعين المخلصين لله فيها.

20

وان كان قاتل ابيه ويعادي عدوه وان كان خاصته وأهليه.

وأخرج البخاري في باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان ، حيث ذكر مقتل عمر « رض » والحديث طويل ، وفيه : يابن عباس انظر من قتلني ؟ فجال ساعة ثم جاء فقال : غلام المغيرة. قال : الصنع ؟ قال : نعم. قال قاتله الله لقد امرت به معروفا ، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الاسلام ، قد كنت أنت وابوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة. فقال : ان شئت قتلناهم. قال : كذبت بعد ان تكلموا بلسناكم ( اي اقروا بالشهادتين ) وصلوا قبلتكم وحجوا حجتكم.. الحديث.

والظاهر من قوله « الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الاسلام » ـ بقرينة ما ستسمعه من رواية ابن قتيبة وابن عبدالبر ـ انه كان يخشى أن يكون قاتله مسلما فيغفر له بسبب اسلامه ، فلما عرف أنه ممن لا يدعي الاسلام علم أن الله آخذ بحقه على كل حال ، وفي هذا من الدلالة على حسن عواقب المسلمين ما لا تسعه عباره.

ثم إذا نظرت الى انكاره على ابن عباس ، وقوله له مع جلالته « كذبت » الى آخر كلامه ذلك دلك على احترام أهل الشهادتين والصلاة والحج كيف كانوا.

وفي صفحة 26 من كتاب الامامة والسياسة للإمام المجمع على فضله ابن قتيبة المتوفى سنة مائتين وسبعين : ان عمر لما أخبر ان قاتله غلام المغيرة قال : الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا إله إلا الله يوم القيامة.

وروى الحافظ أبو عمرو يوسف بن عبدالبر القرطبي في ترجمة عمر من الاستيعاب أنه قال لولده عبدالله : الحمد لله الذي لم يجعل قتلي بيد رجل يحاجني بلا إله إلا الله .

21

قلت : إذا كان صاحب لا إله إلا الله بحيث لو قتل عمر بن الخطاب وهو الخليفة الثاني لحاجه بها فأمر أهل التوحيد اذن سهل يسير ، فليتق الله أهل الشقاق ولينهض رجال الاصلاح بأسباب الوئام والوفاق ، فقد نصب الغرب لنا حبائله ووجه نحونا قنابله وأظلّنا منطاده بكل صاعقة وأقلنا نفقه بكل بائقة وأحاط بنا أسطوله وضربت في أطلالنا طبوله ، ولئن لم يعتصم المسلمون بحبل الاجتماع ويبرأوا الى الله من هذا النزاع ليكونن أذلاء خاسئين وأرقاء صاغرين ( أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ).

وأخرج البخاري عن أنس « رض » قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم .

قلت : هل بقي بعد هذه الأحاديث الصحيحة والنصوص الصريحة ملتمس لشغب المشاغب أو مطمع يتشبث به الناصب ؟ كلا ورب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ان دين الاسلام بريء مما يزعمه المرجفون ، مناقض لما يحاوله المجحفون ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ).

وفي الصحيحين بالاسناد الى ابن عمر « رض » قال : قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بمنى ـ قد أشار الى مكة المعظمة ـ : أتدرون أي بلد هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : فان هذا بلد حرام ، أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : انه يوم حرام ، أتدرون اي شهر هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : شهر حرام. قال : فان الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا .

والصحاح الستة وغيرها مشحونة من هذه الأخبار ، وهي أشهر من الشمس في رائعة النهار.

22

فليت شعري اي عذر لمن اعتمد عليها ، وانحصر رجوعه في أحكام الدين اليها ، ثم خالف في ذلك أحكامها ونبذ وراء ظهره كلامها (6) بلى انهم مرجفون والأمر على خلاف ما يظنون.

____________

(6) كالشيخ نوح الحنفي حيث أفتى ـ مع وجود هذه الصحاح وأمثالها ـ بتكفير الشيعة ، وأوجب قتالهم ، وأباح قتلهم وسبي ذراريهم ونساءهم ، سواء تابوا أم لم يتوبوا ، فراجع فتواه هذه في باب الردة والتعزير ، من كتاب الفتاوي الحامدية الشهير ، وسنذكرها بعين لفظه في الفصل التاسع من هذه الفصول ، مزيفين لها بالادلة القاطعة والبراهين الناصعة ، فراجع ذلك الفصل واعلم ان الفصول الثمانية التي قبله انما هي مقدمة للرد على هذه الفتوى القاسية ، وما ألفنا هذا الكتاب الا لهذه الغاية ، اذ لم اجد أحدا قام بهذا الواجب ، والحمد لله على التوفيق لادائه كما يجب.

الفصل الرابع

في يسير من نصوص أئمتنا (عليهم الصلاة والسلام)

في الحكم باسلام أهل السنة وانهم كالشيعة في كل

اثر يترتب على مطلق المسلمين.

وهذا في غاية الوضوح من مذهبنا لا يرتاب فيه ذو اعتدال منا ، ولذا لم نستقص ما ورد من هذا الباب ، إذ ليس من الحكمة توضيح الواضحات وهاك ما عقد الفصل للاشارة اليه :

قال الإمام أبو عبدالله الصادق (عليه السلام) في خبر سفيان بن السمط : ـ الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واقامة الصلاة وايتاء الزكاة ، وحج البيت وصيام شهر رمضان ـ الحديث.

وقال (سلام الله عليه) في خبر سماعة : الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله ، والتصديق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبه حقنت الدماء ، وعليه جرت المناكح والمواريث ، وعلى جماعة الناس ـ الحديث.

وقال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) في صحيح حمران بن أعين من جملة

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

حديث : والاسلام ما ظهر من قول أو فعل ، وهو الذي عليه جماعة من الناس من الفرق كلها ، وبه حقنت الدماء ، وعليه جرت المواريث ، وجاز النكاح ، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فخرجوا بذلك عن الكفر واضيفوا الى الايمان .

إلى آخر ما هو مأثور عنهم في هذا المعنى مما لا يمكنني استيفاؤه ولا يسعني استقصاؤه ، وهذا القدر كاف لما أردناه موضح لما قصدناه.

25

الفصل الخامس

في طائفة مما صح عند أهل

السنة من الأحاديث الحاكمة

بنجاة مطلق الموحدين.

أوردناها ليعلم حكمها بالجنة على كل من الشيعة والسنة ، والغرض بعث المسلمين على الاجتماع والتنديد بهم على هذا النزاع والتنبيه لهم على أن هذا التدابر بينهم عبث محض وسفه صرف بل فساد في الأرض وأهلاك للحرث والنسل ، ضرورة انه متى كان الدين حاكما على كل منهما بالايمان معلنا بفوزهما في أعلى الجنان لا يبقى لنزاعهما غرض تقصده الحكماء أو أمر يليق بالباب العقلاء ، لكن مني المسلمون بجماعة ذهلوا عن صلاحهم وغفلوا عن حديث صحاحهم ، واليك منه ما عقد الفصل لذكره :

اخرج البخاري (1) في صحيحه عن أبي أيوب الأنصاري « رض » ان رجلا

____________

(1) وفي صحيح مسلم من هذا النوع أحاديث وافرة ، فراجع منه باب الايمان الذي يدخل به الجنة في الجزء الاول منه ، وباب من لقى الله بالايمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار ، وهو في الجزء الاول أيضا تجد فيه من البشائر ما تقر به عين المؤمن بالله واليوم الآخر.

26

قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : اخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال القوم : ماله ماله. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( إرب ماله ) فقال : تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ذرها. قال : كأنه كان على راحلته واخرج ايضا بسنده ان اعرابيا أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال (صلى الله عليه وآله) : تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان. قال : والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : من سره أن ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا .

قلت : ظهر لي من أخبار أخر أن هذا الأعرابي انما هو مالك بن نويرة بن حمزة التميمي (2).

وفي صحيح البخاري بالاسناد الى عبادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه

____________

(2) وكان رجلا سريا نبيلا يردف الملوك ، وهو الذي يضرب به المثل فيقال « مرعى ولا كالسعدان وماء ولا كصداء وفتى ولا كمالك ». وكان فارسا شاعرا مطاعا في قومه ، وكان فيه خيلاء وتقدم ، وكان ذا لمة كبيرة ، وكان يقال له الجفول ، قدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأسلم وحسن اسلامه فولاه (صلى الله عليه وآله وسلم) صدقة قومه وحج معه حجة الوداع وشهد خطبته يوم غدير خم بالولاية لعلي فكان بعدها من المتفانين في ولايته. قتله خالد بن الوليد يوم البطاح ونكح زوجته وكانت زوجته وكانت في غاية الجمال وجعل رأسه أثفية لقدر فكانت القدر على رأسه حتى نضج الطعام وما خلصت النار اليه ، نص على ذلك وثيمة بن موسى بن الفرات كما في ترجمته من وفيات ابن خلكان ، وذكره الواقدي وكثير من أهل السير والأخبار وعللوا عدم خلوص النار الى شواه بكثرة شعر رأسه وهو كما ترى. وقد أشرنا الى هذه القضية حيث ذكرنا خالد بن الوليد في فصل المتأولين وهو الفصل الثامن من هذه الفصول فراجع.

27

وآله وسلم : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله وان عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل(3).

وفي البخاري أيضا عن جنادة مثله إلا انه زاد فيه « من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء دخل ».

وفيه عن أبي ذر « رض » قال : أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه ثوب أبيض وهو نائم ، ثم أتيته وقد استيقظ ، فقال : ما من عبد قال : لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك الا دخل الجنة. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق ؟ قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق على رغم أنف أبي ذر.

وفيه عن أبي ذر أيضا قال لي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : قال جبرائيل : من مات من امتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة أو لم يدخل النار. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال وان .

وفيه عنه أيضا قال : خرجت ليلة من الليالي فاذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمشي وحده وليس معه انسان. قال : فظننت انه يكره أن يمشي معه أحد فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال : من هذا ؟ قلت : أبو ذر جعلني الله فدك. قال : يا أبا ذر تعال. قال فمشيت معه ساعة فقال : ان المكثرين في الدنيا هم المقلون يوم القيامة الا من أعطاه الله خيرا ، فنفخ فيه

____________

(3) اي مع ما كان منه من الاعمال سواء كانت مرضية لله تعالى أو غير مرضية.

28

يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا. قال : فمشيت معه ساعة فقال لي : اجلس ها هنا حتى أرجع اليك. قال : فانطلق في الحرة حتى لا أراه ، فلبث عني فأطال اللبث ثم اني سمعته وهو مقبل وهو يقول : وان سرق وان زنى. فلما جاء لم أصبر حتى قلت له : يا نبي الله جعلت فداءك من تكلم في جانب الحرة ما سمعت احدا يرجع اليك شيئا ؟ قال : ذلك جبرائيل عرض لي في جانب الحرة فقال : بشر امتك انه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت : يا جبرائيل وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم. قلت : وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم. قلت وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم وان شرب الخمر .

قلت : الظاهر ان الزنا والسرقة وشرب الخمر هنا كناية عن مطلق الكبائر ، فيكون المراد ان من مات على التوحيد دخل الجنة أو لم يدخل النار وان ارتكب الكبائر ، على حد قوله في الحديث السابق أعني حديث عبادة « على ما كان من العمل ».

تنبيه :

يجب ان يعلم ان عصاة المؤمنين يعذبون يوم القيامة على قدر ذنوبهم ثم ينالون الكرامة في دار المقامة ، على ذلك اجتماع اهل البيت وشيعتهم بل هو من الضروريات عندهم.

فالأخبار الحاكمة بنجاة اهل القبلة على ما كان من العمل ليست ناظرة الى ان العصاة منهم لا يرون العذاب اصلا ، وانما المراد انهم لا يخلدون كما يخلد الكفار ، وبهذا لا يبقى لهم تمسك بهذه الأحاديث ونحوها ، وليس لهم بما اجترحوا إلا التوبة والندم أو العذاب في جهنم على قدر ما يستحقون أو يتداركهم الله بعفوه وغفرانه وشفاعة الشافعين (عليهم السلام).

29

وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل قال : بينا انا رديف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بيني وبينه الا آخرة الرحل قال : يا معاذ. قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال. يا معاذ. قلت لبيك رسول الله وسعديك. ثم قال يا معاذ. قلت لبيك رسول الله وسعديك. قال : هل تدري ما حق الله على عباده ؟ قلت : الله ورسوله اعلم. قال : حق الله على عباده ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ثم سار ساعة فقال. يا معاذ بن جبل. قلت : لبيك رسول الله وسعديك. قال : هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه ؟ قلت : الله ورسوله اعلم. قال : حق العباد على الله ان لا يعذبهم.

وفي يصحيح البخاري عن عتبان قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لن يوافي عبد يوم القيامة بقول « لا إله إلا الله » يبتغي به وجه الله الا حرم عليه النار.

وفيه عن عتبان بن مالك الانصاري أيضا أنه أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأله أن يأتي بيته فيصلي فيه ليتخذه مصلى (1) قال عتبان : فغدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصلى بنا ركعتين وحبسناه على حريرة... الى أن قال ، فثاب في البيت رجال ذوو عدد فقال قائل منهم : اين مالك بن الدخشن ؟ (2) فقال بعضهم : ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تقل ذلك ، ألا تراه قد قال « لا إله إلا الله » يريد بذلك وجه الله. قال : فإنا نرى وجهه ونصيحته الى المنافقين. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : فان الله قد حرم على النار من قال « لا إله إلا الله » يبتغي بذلك وجه الله.

____________

(1) ما يقول الوهابية في هذا الحديث الصحيح ومنافاته لمذهبهم ؟

(2) هكذا في النسخة التي تحضرني من صحيح البخاري ، والظاهر انه ابن الدخشم بالميم ابن مالك بن الدخشم بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف شهد بدرا وما بعدها ، وهو الذي اسر يوم بدر سهيل بن عمرو ، ومع هذا فقد كان معروفا بالنفاق. والله أعلم بحاله.

30

وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه بطرق متعددة ، وآخره عنده : أليس يشهد أن لا إله إلا الله واني رسول الله. قالوا : انه يقول ذلك وما هو في قلبه. قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يشهد أحد انه لا إله إلا الله واني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه. قال أنس : فأعجبني هذا الحديث فقلت لابني اكتبه فكتبه .

قلت : اي عبارة أدل على نجاة كافة الموحدين من هذه العبارة ؟ وأي بشارة في الجنة لمطلق الملسمين أعظم من هذه البشارة ؟ والعجب ممن لا يرتاب في صحتها وهو مع ذلك يحكم بنقيض دلالتها ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ).

وأخرج البخاري في الصحيح عن أنس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يقول الله تعالى ـ لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة ـ : لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به ؟ فيقول : نعم. فيقول الله تعالى : أردت منك أهون من هذا وانت في صلب آدم ان لا تشرك بي شيئا فابيت إلا أن تشرك بي.

قلت : ظاهر هذا أنه انما ابتلي بعذاب النار لانه ابى الا أن يشرك ولولا ذلك لنجا ، فعلم ان أهل التوحيد ناجون.

وايضا دل الحديث على ان اهون اهل النار عذابا هذا المشرك فعلم ان ليس فيها موحد ، اذ لو كان هناك موحد لكان أهون عذابا من هذا المشرك (3) وهذا خلاف صريح الحديث.

وفي الصحاح الستة ومسند احمد وكتب الطبراني وغيرها من هذا كثير ،

____________

(3) لان الموحد من المسلمين وان جاء باعظم الجرائم لا يعذب عذاب المشرك وان لم يأت بغير الاشراك من الذنوب.

31

ولا سيما أحاديث الشفاعة حتى يقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ( فيما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين ) : أخرج من النار من في قلبه أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان.

ولو اردنا ايراد ما في الصحيحين من أحاديث الشفاعة المشتملة على أعظم البشائر لطال المقام ، لكنا أشرنا اليها ليراجعها من أرادها. على أن الشيخين ( البخاري ومسلما ) أخرجا في صحيحيهما عن عثمان بن عفان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : من مات وهو يعلم ان لا إله إلا الله دخل الجنة. وهذا ظاهر بأن مجرد العلم بالوحدانية موجب لدخول الجنة. ومثله ما أخرجه الطبراني في الكبير عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من علم أن الله ربه واني نبيه صادقا عن قلبه حرم الله لحمه على النار.

وهذه الأخبار أجلى من الشمس في رائعة النهار وصحتها أشهر من نار على علم ، فيها من البشائر ما ربما هون على المسلم موبقات الكبائر ، فدونك أبوابها في كتب أهل السنة لتعلم حكمها عليك وعليهم بالجنة (4) وكلما ذكرناه شذر من بذر ، ونقطة من لجج بحر ، اكتفينا منها بما ذكره البخاري في كتابه وكرره بالأسانيد المتعددة في كثير من أبوابه ، ولم نتعرض لما في باقي الصحاح ، اذ انشق بما ذكرناه عمود الفجر واندلع لسان الصباح ، وان عندنا صحاحا أخر فزنا بها من طريق أئمتنا الاثني عشر :

روتهــا هداة قولــهم وحديثهم * * * روى جدنا عن جبرئيل عن الباري

____________

(4) لان كلا من الامامية والسنية يؤمنان بالله ، ويصدقان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويقيمان الصلاة ، ويؤتيان الزكاة ، ويحجان البيت ، ويصومان الشهر ، ويوقنان بالبعث ، ويحللان الحلال ، ويحرمان الحرام ، كما تشهد به أقوالهما وأفعالهما وتحكم به الضرورة من كتبهما القديمة والحديثة مختصرة ومطولة.

32

فهي السنة التالية للكتاب ، وهي الجنة الواقية من العذاب ، واليكها في اصول الكافي وغيره تعلن بالبشائر لأهل الايمان بالله ورسوله واليوم الآخر لكنها تخصص ما سمعته من تلك العمومات المتكاثرة بولاية آل الرسول الله وعترته الطاهرة ، الذين قرنهم بمحكم الكتاب ، وجعلهم قدوة لأُولي الالباب ، ونص على أنهم سفن النجاة إذا طغى زخار الفتن ، وامان الأمة إذا هاج اعصار المحن ، ونجوم الهداية إذا ادلهم ليل الغواية ، وباب حطة لا يغفر إلا لمن دخلها ، والعروة الوثقى لا انفصام لها.

ولا غرو فان ولايتهم من اصول الدين ، وقد اقمنا على ذلك قواطع الحجج وسواطع البراهين ادلة عقلية وحججا نقلية ، نلفت الباحثين الى الوقوف عليها في كتابنا ( سبيل المؤمنين ) اذ اوضحنا فيه المسالك وامطنا بقوة برهانه كل ديجور حالك ، والحمد لله رب العالمين.

33

الفصل السادس

في لمعة مما أفتى به علماء أهل السنة ،

من ايمان أهل التوحيد مطلقـا ونجـاة

أصحاب الشهادتين جميعا.

أوردناها ليعلم الناس توافق النص والفتوى في ذلك ، والغرض لم شعث المسلمين باجتماعهم ، ورتق ما انفتق بتدابرهم ونزاعهم ، لأن العاقل إذا رأى نصوص صحاحه وفتاوى علمائه تحكم بالايمان على مطلق أهل التوحيد وتعلن نجاة جميع أصحاب القبلة لا يبقى بعدها أمر يدعوه الى هذه النفرة أو يصده عن الوئام والالفة ، ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) فما بالهم ( وهم في الدين إخوة ) قد انشقت عصاهم واختلفت مذاهبهم ، فهاج بينهم قسطل الشر ، وتعلقت أهواؤهم بقواقر الفتن ، ولو رجعوا الى ما أفتى به المنصفون من علمائهم لأيقنوا أن الأمر على خلاف ما زعم المرجفون. واليك منه ما عقد الفصل لبيانه.

ذكر العارف الشعراني في المبحث 58 من اليواقيت والجواهر ، أنه رأى بخط الشيخ شهاب الدين الاذرعي صاحب القوت ، سؤالا قدمه الى شيخ الاسلام تقي الدين السبكي ، وصورته : ما يقول سيدنا ومولانا شيخ الاسلام في تكفير أهل الأهواء والبدع ؟

34

قال : فكتب اليه أعلم يا أخي أن الاقدام على تكفير المؤمنين (1) عسر جدا ، وكل من في قلبه ايمان يستعظم القول بتكفير أهل الأهواء والبدع ، مع قولهم « لا إله إلا الله محمد رسول الله » ، فان التكفير أمر هائل عظيم الخطر ـ الى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتفضيع خطره.

ودونك يواقيت الشعراني فانها تنقل الجواب عن خط السبكي على طوله ، وفي آخره ما هذا لفظه : فالأدب من كل مؤمن أن لا يكفر أحدا من أهل الأهواء والبدع ، اللهم إلا أن يخالفوا النصوص الصريحة التي لا تحتمل.

هذا كلامه ولا يخفى تصريحه بقصر التفكير على مخالف النصوص الصريحة عنادا لله وجحودا لما علم حكمه بالضرورة من دين الاسلام ، وقد دق في هذه الفتوى أصلاب المرجفين ، واستل ألسنة المتشدقين ، وقطع أمل من يبتغي تفريق المسلمين ، من كل أفاك أثيم.

وفي الصفحة العاشرة من طبقات الشعراني ما لفظه : وسئل سيدنا ومولانا شيخ الاسلام تقي الدين السبكي عن حكم تكفير غلاة المبتدعة ، وأهل الأهواء ، والمتفوهين بالكلام على الذات المقدسة ؟ فقال ( رضي الله عنه ) : اعلم أن كل من خاف الله عز وجل استعظم القول بالتكفير لمن يقول : « لا أله إلا الله محمد رسول الله » ، ثم أورد جواب السبكي وهو طويل ، جاء في آخره ما هذه ألفاظه : فما بقي الحكم بالتكفير الا لمن اختاره دينا وجحد الشهادتين وخرج عن دين الاسلام جملة ـ .

قلت : الظاهر من اختلاف عبارة السؤالين والجوابين كونهما متعددين كما لا

____________

(1) انظر كيف أطلق لفظ « المؤمنين » على أهل الهواء والبدع بدون تكلف.

35

يخفى ، وإذا كان كلام هذا الامام الكبير معلنا باختصاص الكفر بمن جحد الشهادتين ومناديا بالتنزيه لأهل الأهواء والبدع ، والمتفوهين بالكلام على الذات المقدسة من أهل القبلة ، فأي وقع بعده لكلام المرجفين وتحكم المشاغبين ، وإذا كان هذا حكمه في المتفوهين بالكلام على الله عز وجل فما ظنك بمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟

وقال الشيخ الأكبر ابن العربي في باب الوصايا من فتوحاته : اياكم ومعاداة أهل لا إله إلا الله ، فان لهم الولاية العامة ، فهم أولياء الله ، ولو أخطأوا وجاءوا بقراب الارض من الخطايا وهم لا يشركون بالله شيئا ، فان الله يتلقى جميعهم بمثلها (2) مغفرة ، ومن ثبتت ولايته حرمت محاربته. وأطال الى أن قال : واذا عمل أحدكم عملا توعد الله عليه بالنار ، فليمحه بالتوحيد ، فان التوحيد يأخذ بناصية صاحبه ، لا بد من ذلك.

هذا كلامه وفيه ما تراه من الحكم على جميع أهل التوحيد بالولاية لله عز وجل ، والبشارة للمخطئين والمجرمين منهم بالمغفرة ، والجزم بأن التوحيد يمحو الكبائر ويأخذ بناصية صاحبه. والحمد لله رب العالمين.

وقال الفاضل الرشيد في صفحة 44 من المجلد السابع عشر من مناره : ان من أعظم ما بليت به الفرق الاسلامية رمي بعضهم بعضا بالفسق والكفر مع

____________

(2) هذا مأخوذ من حديث أخرجه الترمذي وصححه ، رواه بالاسناد الى انس قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : قال الله تعالى : يابن آدم انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ، ولا أبالي. يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا بن آدم انك لو اتيتني بقراب الارض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لآتيتك بقرابها مغفرة . وهذا الحديث ذكره الفاضل النووي في أربعينه ، وهو الحديث الاخير مما انتخبه من الاحاديث الصحيحة.

36

ان قصد كل الوصول الى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده واعتقاده والدعوة اليه ، فالمجتهد وان اخطأ معذور. وقد اطال الكلام في هذا الموضوع حتى بلغ الصفحة 50 من ذلك المجلد فراجع.

وقال المعاصر النبهاني البيروتي في أوائل كتابه شواهد الحق (3) : اعلم اني لا اعتقد ولا اقول تكفير احد من اهل القبلة ، لا الوهابية ولا غيرهم ، وكلهم مسلمون تجمعهم مع سائر المسلمين كلمة التوحيد والايمان بسيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وما جاء به من دين الاسلام... إلى آخر كلامه.

وعقد العارف الشعراني في الجزء الثاني من اليواقيت والجواهر مبحثا مسهبا لثبوت الايمان لكل موحد يصلي الى القبلة ، وهو المبحث 58 ، قال في آخره : فقد علمت يا اخي مما قررناه لك في هذا المبحث ان جميع العلماء المتدينين امسكوا عن القول بالتكفير لأحد من أهل القبلة ( فبهداهم اقتده ) .

ونقل جماعة كثيرون منهم الشعراني في المبحث المتقدم ذكره عن ابي المحاسن الروياني وغيره من علماء بغداد قاطبة انهم كانوا يقولون : لا يكفر احد من المذاهب الاسلامية لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا واكل ذبيحتنا فله ما لنا وعليه ما علينا .

قلت : وقد ذكرنا في الفصول السابقة جملة من النصوص في هذا المعنى ، والصحاح مشحونة به فراجع. وقد بالغ الشيخ ابو طاهر القزويني في كتابه ( سراج العقول ) باثبات الاسلام لكل فرد من اهل القبلة ، وجزم بنجا

____________

(3) طبع هذا الكتاب وفي هامشه رسالة النبهاني ايضا في فضائل معاوية سماها البديعة في اقناع الشيعة ، وقد نقضناها بكتاب يكون بحجمها ثلاث مرات سميناه الذريعة الى نقض البديعة.

37

الجميع من كل فرق الاسلام ، واول الحديث المشهور ، اعني حديث « تفترق امتي ثلاثا وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار » بل قال انه روي في بعض طرق هذا الحديث ما نصه : « كلها في الجنة الا واحدة (4) ».

واطال في اثبات الايمان لكل مصدق بالشهادتين من أهل الأهواء والبدع كالمعتزلة والنجارية والروافض (5) والخوارج والمشبهة ونحوهم ، وحكم بنجاة الجميع يوم القيامة ، ونقل القول باسلام الجميع عن جمهور العلماء والخلفاء من أيام الصحابة الى زمنه. قال : وهم من أهل الاجابة بلاشك ، فمن سماهم كفرة فقد ظلم وتعدى... الى آخر كلامه وهو طويل نقله لي بعض مشائخي مشافهة عن سراج العقول ، وأورده الشعراني بتمامه في المبحث 58 من يواقيته نقلا عن ذلك الكتاب أيضا فراجع.

وقال ابن تيمية في أوائل رسالة الاستغاثة وهي الرسالة 12 من مجموعة الرسائل الكبرى (6) ما هذا لفظه : ثم اتفق اهل السنة والجماعة على انه (صلى الله عليه وآله وسلم) يشفع في أهل الكبائر ، وانه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد (7).

وقال ابن حزم حيث تكلم فيمن يكفر ولا يكفر في صفحة 247 من أواخر الجزء الثالث من كتاب الفصل في الأهواء والملل والنحل ما هذه ألفاظه :

____________

(4) اخرجه ابن النجار ونقل الشعراني عند ايراده في المبحث 58 من اليواقيت عن العلماء ان المراد بهذه الواحدة التي هي في النار انما هي الزنادقة..

(5) هذه عبارته نقلناها بدون تصرف.

(6) في صفحة 470 من الجزء الأول.

(7) فعلى هذا تكون أهل السنة مجمعة على ان مصير الشيعة الى الجنة ، ضرورة انهم من أهل التوحيد والايمان بكل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

38

وذهبت طائفة الى انه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا ، وأن كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى انه الحق فانه مأجور على كل حال ، ان أصاب فأجران وان اخطأ فأجر واحد. قال : وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي ، وهو قول كل من عرفنا له قولا في هذه المسألة من الصحابة ( رض ) لا نعلم منهم خلافا في ذلك أصلا.

قلت : هذه الفتوى من هؤلاء الأئمة تقطع دابر المشاغبين وتنقض اساس المهولين ، لأن خصومهم من أهل القبلة لم يقولوا قولا ولم يعتقدوا أمرا إلا بعد الاجتهاد التام واستفراغ الوسع والطاقة ، وبذل الجهد في الاستنباط من الكتاب والسنة وكلام أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم ، ولم يدينوا إلا بما رأوا انه الحق واعتقدوا عين الصواب ، فيكونون بحكم هؤلاء الاعلام ( وهم أئمة السلف والخلف ) مأجورين ، وان أصابوا أو اخطأوا ، على رغم من يبتغي تكفير المؤمنين ، ويدأب مجتهدا في تفريق المسلمين.

وكان احمد بن زاهر السرخسي ( وهو أجل أصحاب الامام أبي الحسن الأشعري ) يقول : ( فيما نقله الشعراني عنه في أواخر المبحث 58 من يواقيته ) لما حضرت الشيخ أبا الحسن الاشعري الوفاة بداري في بغداد أمرني بجمع اصحابه ، فجمعتهم له فقال : اشهدوا علي انني لا اكفر احدا من اهل القبلة بذنب ، لأني رأيتهم كلهم يشيرون الى معبود واحد ، والاسلام يشملهم ويعمهم. هذا كلام امام السنيين وكفى به حجة تدحض أقاويل المبطلين ، وقد تواتر القول بعدم تكفير اهل الأهواء والبدع من اهل القبلة عن الامام الشافعي ، حتى قال : ( كما في خاتمة الصواعق ) اقبل شهادة اهل البدع الا الخطابية (8).

____________

(8) الخطابية اصحاب ابي الخطاب محمد بن مقلاص الاجدع عليه

=

39

وقال شيخ الاسلام المخزومي ( فيما نقله الشعراني عنه في المبحث 58 من يواقيته ) : وقد نص الامام الشافعي على عدم تكفير اهل الأهواء في رسالته ، فقال : لا أكفر اهل الاهواء بذنب. قال وفي رواية عنه : ولا أكفر احدا من اهل القبلة بذنب. قال وفي رواية اخرى عنه : ولا اكفر اهل التأويل المخالف للظاهر بذنب .

واجمع الشافعية على عدم تكفير الخوارج ، واعتذروا عنهم ( كما في خاتمة الصواعق ) بأنهم تأولوا فلهم شبهة غير قطعية البطلان (9).

____________

=

وعليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ، كان قبحه الله مغاليا في الصادق (عليه السلام) فاسد العقيدة خبيث المذهب لا ريب في كفره وكفر أصحابه ، وقد تبرأ منه الصادق (عليه السلام) ولعنه وأمر الشيعة بالبراءة منه وشدد القول في ذلك وبالغ في التبرء منه واللعنة عليه ، ومن أراد الوقوف على كلام الصادق (عليه السلام) في شأن هذا الملعون فعليه بكتاب الكشي وغيره من كتب التراجم لاصحابنا ولهذا الكافر بدع كثيرة : منها تأخير صلاة المغرب حتى تستبين النجوم ، وقد نسب الجاهلون هذه البدعة الينا ، على انا نبرأ الى الله منها وممن ابتدعها ، والذين نذهب اليه ان اول وقت صلاة المغرب غروب الشمس من جميع افق المصلي ، ويتحقق ذلك بارتفاع الحمرة المشرقية كما لا يخفى على من راجع فقهنا.

(9) هذا مع ما أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم في الجزء الرابع من صحيحه بالاسناد الى أبي سعيد الخدري من حديث ذكر فيه الخوارج فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نصلة فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في رصافة فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل احدى يديه ، أو قال : ثدييه مثل ثدي المرأة ، أو قال : مثل البضعة تدردر ، يخرجون على حين فرقة من الناس.

=

40

وقال العلامة ابن عابدين في باب المرتد من حاشيته الشهيرة الموسومة برد المختار ما هذا لفظه : وذكر في فتح القدير أن الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويكفرون الصحابة حكمهم عند جمهور الفقهاء وأهل الحديث حكم البغاة (10) قال : وذهب بعض أهل الحديث الى أنهم مرتدون. قال قال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم. قال : وهذا يقتضي نقل اجماع الفقهاء ( على عدم تكفير الخوارج ) .

هذا مع أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نص على أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من

____________

=

قال البخاري : قال ابو سعيد : اشهد سمعت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واشهد ان عليا قتلهم ، وانا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحديث واخرجه مسلم ايضا في باب ذكر الخوارج وصفاتهم في اواخر كتاب الزكاة من الجزء الاول من صحيحيه. واخرجه أحمد من حديث أبي سعيد في مسنده ورواه كافة المحدثين. واخرج مسلم في باب الخوارج شر الخلق والخليقة من كتاب الزكاة من صحيحه بالاسناد الى أبي ذر قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ان بعدي من امتي قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم ، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه ، هم شر الخلق والخليقة ـ الحديث.

واخرج احمد بن حنبل في صفحة 224 من الجزء الثالث من مسنده عن انس بن مالك وأبي سعيد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : سيكون في أمتي حين اختلاف بينها وفرقة قوم يحسنون القيل ، ويسيؤن الفعل.. الى أن قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، لا يرجعون حتى يرتدوا على فوقه ، هم شر الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ، يدعون الى كتاب الله وليسوا منه في شيء ـ الحديث.

(10) يعني انهم خرجوا على سلطان المسلمين يجب قتالهم حتى يفيؤا الى طاعته ، فان بخعوا لاوامره كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.

الرمية ، وانهم شر الخلق والخليقة ، وانهم ليسوا من الله في شيء وان طوبى لمن قتلهم أو قتلوه. وإذا كان هؤلاء مسلمين بالاجماع فما ظنك بمن دخل باب حطة ، وركب سفينة النجاة ، واعتصم بحبل الله ، وتمسك بثقلي رسول الله ، ودخل مدينة علمه من بابها ، ولجأ الى أمان أمته من اختلافها وعذابها. وإذا كان الخوارج مسلمين فمن غيرهم من أهل القبلة يكون كافرا ، وأي ذي نحلة من أهل الإسلام ليس له كشبهتهم.

ورأيت كلاما في هذا المعنى ناجعا لشيخ السادة الحنفية محمد أمين المعروف بابن عابدين في باب المرتد من كتاب الجهاد في صفحة 302 من الجزء الثالث من رد المحتار ، يحكم قاطعا باسلام من يتأول في سب الصحابة مصرحا بأن القول بتكفير المتأولين بذلك مخالف لاجماع الفقهاء ، مناقض لما في متونهم وشروحهم ، وأن ما وقع في كلام أهل المذهب من تكفيرهم ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون ، بل من غيرهم قال : ولا عبرة بغير الفقهاء ، والمنقول عن الفقهاء ما ذكرناه.. الى آخر كلامه ، وقد اشتمل على أدلة وافية ، وشواهد كافية ، فليطلبه من أراده ، وله كلام آخر في هذا المعنى أبسط مما أشرنا اليه ، نلفت الطالبين له الى كتابه تنبيه الولاة والحكام. على أن ما في رد المحتار مقنع لأُولي الأبصار.

وقد ألف العلامة الكبير الملا علي القاري الحنفي رسالة في الرد على من يكفر المتأولين بذلك ، كما نص عليه ابن عابدين فيما تقدمت اليه الاشارة من كلامه.

وقال ابن حزم في صفحة 257 من أواخر الجزء الثالث من فصله ما هذا لفظه : وأما من سبّ أحدا من الصحابة رضي الله عنهم فان كان جاهلا فمعذور وان قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق ، وان عاند الله تعالى في ذلك ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو كافر. قال : وقد

41

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

42

قال عمر رضي الله عنه بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حاطب ـ وحاطب مهاجري بدري ـ : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا ، بل كان مخطئا متأولا .

قلت : لا يخفى انه جعل الملاك في التكفير إنما هو العناد لله ورسوله ، وهذا لا وجود له فيمن ينتحل دين الاسلام. نعم قد يكون الساب ( والعياذ بالله ) جاهلا أو ذا شبهة أوردته ذلك المورد ، فيكون معذورا.

ويدل على عدم كفر المسلم به اطلاق الأحاديث التي سمعتها في كل من الثاني والثالث والرابع والخامس من هذه الفصول فرجع.

وأيضا يدل على عدم الكفر مضافا الى ذلك ما أورده القاضي عياض في الباب الأول من القسم الرابع من كتاب الشفا نقلا عن القاضي اسماعيل وغير واحد من الأئمة أن رجلا سب أبا بكر بمحضر منه رضي الله عنه ، فقال له أبو برزة الأسلمي : يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه. فقال : اجلس ليس ذلك لأحد إلا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (11).

وفي ذلك الباب من الشفا أيضا ان عامل عمر بن عبد العزيز بالكوفة استشاره في قتل رجل سب عمر رضي الله عنه ، فكتب اليه : لا يحل قتل امرء مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلا سب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فمن سبه فقد حل دمه .

قلت : أفضى بنا الكلام الى ما هو غير مقصود بالذات ، وليس الغرض إلا

____________

(11) وروى النسائي بالاسناد الى أبي برزة الاسلمي قال : أتيت ابا بكر وقد أغلظ لرجل فرد عليه ، فقلت : يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه. فقال : اجلس فليس ذلك لاحد الا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

43

تأليف المسلمين وإعلامهم بأنهم اخوان في الدين ، ولا نرتاب في ان سب رجل من عرض المؤمنين ـ فضلا عن سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ـ موبقة وفسق ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : سباب المسلم فسق وقتاله كفر.

ولنرجع الى ما كنا فيه فنقول : نقل علي بن حزم الظاهري عن الأشاعرة ما لا يتسنى معه القول بتكفير أحد أصلا ، وإليك عبارته بحروفها ، قال في أثناء شنع المرجئة في ص 206 من الجزء الرابع من فصله : وأما الأشعرية فقالوا : إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم ، وإعلان التكذيب لهما باللسان بلا تقية ولا حكاية ، والاقرار بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفرا .

وفي صفحة 204 من الجزء الرابع من الفصل ايضا : نسب الى الامام أبي الحسن الأشعري وجميع أصحابه القول بأن الايمان عقد بالقلب ، وأن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية ، وعبد الاوثان أو لزم اليهودية او النصرانية في دار الاسلام ، وعبد الصليث واعلن التثليث في دار الاسلام ، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الايمان عند الله عز وجل من أهل الجنة .

ولا يخفى انه إذا ثبت هذا عن الامام الأشعري وأصحابه ـ وهم جميع اخواننا السنيين في هذه الاعصر ـ هان الأمر في مسألتنا ، إذ لا يمكنهم حينئذ تكفير من يجاهرهم بصريح الكفر ، فكيف يتسنى لهم تكفير من انطوى ضيمره على تقديس الله عز وجل ، وانعقد قلبه على تنزيهه ، ونبضت شرايينه بتسبيحه ، ونبت لحمه واشتد عظمه على توحيده ، وخالط الايمان مخه ودمه وامتزج بجميع عناصره ، فشهد به لسانه ، وبخعت له أركانه ، واعترفت به حركاته ، وأقرت به سكناته ، مؤمنا برسوله ، موقنا بجميع ما جاء به من عند الله عز وجل ، يحيي ما أحياه الكتاب والسنة ، ويميت ما أماتاه ، لكن

44

منينا بقوم همهم تفريق المسلمين ودأبهم بث العداوة بين الموحدين ( وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ).

وعن الأوزاعي : والله لئن نشرت لا أقول بتكفير أحد من أهل الشهادتين.

وعن ابن سيرين : أهل القبلة كلهم ناجون.

وسئل الحسن البصري عن أهل الأهواء ؟ فقال : جميع أهل التوحيد من أمة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) يدخلون الجنة البتة.

وسئل الزهري عمن لابس الفتن وقاتل فيها ؟ فقال : القاتل والمقتول في الجنة ، لانهم من أهل لا إله إلا الله.

وعن سفيان الثوري : لاثل عداوة موحد وإن مال به الهوى عن الحق لأنه لا يهلك بذلك.

وعن سعيد بن المسيب : لا تعاد منتحلا لدين الاسلام وان أخطأ ، فكل مسلم مغفور له.

وعن ابن عيينة : لأن تأكل السباع لحمي أحب إليّ من أن ألقى الله تعالى بعداوة من يدين له بالوحدانية ولمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوة.

قلت : أي حكمة في عداوته الا اعلانه فيما يسيئك ومجاهرته فيما يخالفك ، وحرية بالمذاهب والأديان تخول ذلك ، ولو تحببت اليه ثم ناظرته فعسى ان يتبين له صوابك فيتبعك ، أو يريك الحق فتوافقه. على أنه ما صار الى خلافك عنادا للحق ، أو رغبة في الباطل ، ضرورة ان ذلك لا يفعله ـ في مقام التقرب الى الله تعالى ـ عاقل.

أجل سيق قسرا الى مخالفتك في بعض ما تتبره من الفروع بسياط الأدلة

45

القاطعة ، ومقارع الحجج الساطعة ، وهبها شبها ( كما تزعم ) لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه ( لأنها مع كونها من الكتاب والسنة ) افادته افادة القطع بما قادته اليه ، فإن كان مصيبا فله أجران وإلا فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول ( في غير اصول الدين ) وإن أخطأ كما تشهد به أخبارهم وتفصح عنه أسفارهم وتعلنه أفعالهم وأقوالهم.

46

الفصل السابع

في بشائر السنة للشيعــة ، وهي صحاح

متظافرة من طريق العترة الطاهرة ، وإليك

منها ما أخرجه محدثـوا أهــل السنــة

بأسانيدهم وطرقهم.

روى الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس ـ كما في صفحة 96 من الصواعق المحرقة لابن حجر (1) ـ انه قال : لما أنزل الله تعالى « ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنهم ذلك لمن خشي ربه » قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي : وهم أنت وشيعتك ، وتأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي عدوك غضابى مقمحين.

واخرج الحاكم في شواهد التنزيل عن ابن عباس أيضا : قال نزلت هذه الآية « إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية » في علي وأهل البيت ، وعدها ابن حجر في الفصل الأول من الباب 11 من صواعقه في جملة

____________

(1) راجع النسخة المطبوعة بالمطبعة الميمنية بمصر سنة 1324 هـ ، وكل ما ننقله عن الصواعق فانما ننقله عن هذه النسخة.

47

الآيات النازلة فيهم (عليهم السلام) ـ فراجع الآية الحادية عشرة من الآيات التي أوردناها هناك (2).

واخرج الحاكم في كتابه شواهد التنزيل بالاسناد الى علي قال : قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وانا مسنده الى صدري ، فقال : يا علي ألم تسمع قول الله تعالى « إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية » هم شيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض ، يُدعَون غرا محجلين.

واخرج الديلمي ـ كما في ص 96 من الصواعق المحرقة ـ قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا علي إن الله قد غفر لك ولولدك ولذريتك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك ، فابشر فإنك الأنزع البطين.

وأخرج الطبراني وغير واحد من المحدثين ان عليا اتي يوم البصرة بذهب وفضة ، فقال : أبيضاء وصفراء غري غيري ، غري أهل الشام غدا إذا ظهروا عليك ، فشق قوله هذا على الناس فذكر ذلك له ، فاذن في الناس فدخلوا عليه ، فقال : ان خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليه عدوك غضابى مقمحين. قال : ثم جمع علي يده الى عنقه يريهم الاقماح .

وقد أورد ابن حجر هذا الحديث في صفحة 92 من صواعقه وعلق عليه كلاما يضحك الثكلى ، ونحن نأخذ بما روى ونعرض عما رأى.

واخرج الطبراني ـ كما في صفحة 96 من الصواعق أيضا ـ قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي : اول اربعة يدخلون الجنة انا وانت والحسن والحسين ، وذريتنا خلف ظهورنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا.

____________

(2) في صفحة 96 من الصواعق.

48

واخرج احمد بن حنبل في المناقب ـ كما في صفحة 96 من الصواعق أيضا ـ ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي : اما ترضى انك معي في الجنة والحسن والحسين وشيعتنا عن ايماننا وشمائلنا.

واخرج الحاكم ـ كما في تفسير آية المودة في القربى من مجمع البيان ـ بالاسناد الى ابي الباهلي قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أن الله تعالى خلق الأنبياء من اشجار شتى ، وخلقت انا وعلي من شجرة واحدة ، فأنا اصلها وعلي فرعها وفاطمة لقاحها والحسن والحسين ثمارها واشياعنا اوراقها ، فمن تعلق بغصن من اغصانها نجا ، ومن زاغ عنها هوى ، ولو ان عبدا عبدالله الف عام ثم الف عام ثم الف عام حتى يصير كالشن البالي وهو لا يحبنا كبّه الله على منخريه في النار ، ثم تلا : « قل لا اسألكم عليه اجرا إلا المودة في القربى ».

تنبيه :

لا يخفى ان شيعة علي وأهل البيت هم أتباعهم في الدين وأشياعهم من المسلمين ، ونحن والحمد لله قد انقطعنا اليهم في فروع الدين وعقائده وأصول الفقه وقواعده وعلوم السنة والكتاب وفنون الاخلاق والسلوك والآداب بخوعا لامامتهم واقراراً بولايتهم ، وقد والينا أوليائهم وجانبنا أعداءهم ، عملا بقواعد المحبة وطبقا لاصول الاخلاق في المودة ، فكنا بذلك لهم شيعة وكانوا لنا وسيلة وذريعة. والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا اليه الرسول من التمسك بثقليه والاعتصام بحبليه ودخول مدينة علمه من بابها ، باب حطة وأمان أهل الأرض وسفينة نجاة هذه الأمة ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

واخرج ابن سعد ( كما في صفحة 91 من الصواعق ) عن علي : اخبرني

49

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان اول من يدخل الجنة انا وفاطمة والحسن والحسين. قلت يا رسول الله فمحبونا ؟ قال : من ورائكم.

وأخرج الديلمي ( كما في الصواعق ايضا ) مرفوعا : إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار (1).

واخرج ابن حنبل والترمذي ( كما في صفحة 91 من الصواعق ) انه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد الحسنين وقال : من أحبني واحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة (2).

واخرج الثعلبي في تفسيره الكبير بالاسناد الى جرير بن عبدالله البجلي قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من مات على حب آل محمد (3) مات

____________

(1) واخرج النسائي نحوه كما في صفحة 96 من الصواعق.

(2) وأخرجه ايضا أبو داوود ( كما في صفحة 103 من الصواعق ) وزاد فيه : « ومات متبعا لسنتي » ، وبها يعلم ان اتباع سنته لا يكون الا بمحبتهم ((عليهم السلام) ).

(3) المراد من آل محمد في هذا الحديث ونحوه مجموعهم من حيث المجموع ، باعتبار ائمتهم الذين هم خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوصياؤه. ووارثوا حكمه وأولياؤه ، وهم الثقل الذي قرنه بالقرأن ونص على انهما لا يفترقان ، فلا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي من تخلى عنهما ، وليس المراد هنا من الآل جميعهم على سبيل الاستغراق والشمول لكل فرد فرد ، لان هذه المرتبة السامية ليست الا لأولياء الله القوامين بأمره ، لخاصة بحكم الصحاح المتواترة من طريق العترة الطاهرة.

نعم تجب محبة جميع أهل بيته وذريته كافة لتفرعهم من شجرته الطاهرة (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبذلك تحصل الزلفى لله تعالى والشفاعة من جدهم بأبي هو وأمي ، وكنت أوصيت اولادي ان يكتبوا هذا الحديث على كفني بعد الشهادتين لألقى الله تعالى بذلك ، والآن اكرر وصيتي هذه اليهم ولتكن الكتابة على العمامة.

50

شهيدا ، الا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له ، الا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا ، الا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان ، الا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، الا ومن مات على حب آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها ، الا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان الى الجنة ، الا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، الا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ، الا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ـ الحديث.

وقد ارسله الزمخشري في تفسير آية المودة في القربى من سورة الشورى من كشافه ارسال المسلمات ، ورواه المؤلفون في المناقب والفضائل مرسلا مرة ومسندا تارات. وانت تعلم ان هذه المنزلة السامية إنما ثبتت لهم لأنهم حجج الله البالغة ، ومناهل ، شرائعه السائغة وأمناؤه بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على وحيه ، وسفراؤه في أمره ونهيه ، فالمحب لهم بسبب ذلك محب لله والمبغض لهم مبغض لله. ومن هنا قال فيهم الفرزدق.

من معشر حبهم دين وبغضهم * * * كفــر وقربهــم منجى ومعتصم

إن عُد أهل التقى كانوا أئمتهم * * * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

واخرج احمد « كما في أواخر الفصل الثاني من الباب 9 من الصواعق (4) » عن علي قال : طلبني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجدني في حائط فقال : قم والله لأرضينك ، أنت اخي وابو ولدي تقاتل على سنتي ، من مات على عهدي فهو في كنز الجنة ومن مات على عهدك فقد قضى نحبه ، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والايمان ما طلعت شمس أوغربت.

____________

(4) صفحة 75.

51

وأورد ابن حجر في اوائل المقصد الثاني من المقاصد التي ذكرها في آية المودة في القربى من صواعقه حديثا هذا لفظه (5) ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج على أصحابه ذات يوم ووجهه مشرق كدائرة القمر ، فساله عبدالرحمن بن عوف عن ذلك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : بشارة اتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي ، بأن الله زوّج عليا من فاطمة ، وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى فحملت رقاقا ـ يعني صكوكا ـ بعدد محبي أهل بيتي ، وأنشأ تحتها ملائكة من نور دفع الى كل ملك صكا ، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب لأهل البيت إلا دفعت اليه صكا فيه فكاكا من النار ، فصار أخي وابن عمي وابنتي فكّاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار والأخبار في هذا لا يحتملها هذا الاملاء ، وفي هذا القدر كفاية لمن كانت لله تعالى فيه عناية.

فعسى أن يعرف الشيعي بعد هذا ان أهل السنة قد انصفوا واعترفوا ، وعسى أن يعرف السني ان لا وجه بعد هذه المبشرات لشيء من الضغائن أو الهناة. والسلام على من اتبع السنن وجانب الفتن ورحمة الله وبركاته.

____________

(5) راجعه في صفحة 103 من الصواعق ورواه غير واحد ممن كتب في المناقب والفضائل.

52

الفصل الثامن

نضمنه طائفة ممن تأولوا من السلف

فخالفوا الجمهور ولم يقدح ذلك في

عدالتهم.

وغرضنا الذي نرمي اليه إنما هو إيضاح معذرة المتأولين من المسلمين ، وذلك انك إذا رأيت صالح سلفك ومن اخذت عنه دينك واتخذته واسطة بينك وبين نبيك (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يخالفك مجتهدا وينحو غير نحوك متأولا فلا جرم انك تقطع حينئذ بمعذرة من يتأول من معاصريك نحو تأوله أو يخالفك مثل خلافه.

وانا أرجوا ممن خدمتهم من إخواني المسلمين بهذه الرسالة أن ينظروا بعين الانصاف هل كان بين الله عز وجل وبين أحد من الناس قرابة فيحابيه ؟ كلا ! ما كان الله ليعاقب قوما بأمر يثيب به آخرين ، وإن حكمه في الأولين والآخرين لواحد ، وما بين الله تعالى وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين.

إن المتأولين بما يخالف الجمهور من الصحابة والتابعين وتابعيهم كثيرون لا يسعنا استقصاؤهم وإنما نذكر منهم ما يحصل به الغرض :

53

هذا أبو ثابت سعد بن عبادة العقبي البدري سيد الخزرج ونقيبهم وجواد الانصار وعظيمهم ، تخلف عن بيعة الخليفتين ، وخرج مغاضبا الى الشام فقتل غيلة بحوران سنه 15 للهجرة ، وله كلام يوم السقيفة وبعده نلفت الطالبين له الى كتاب الامامة والسياسة لابن قتيبة أو الى تاريخ الطبري أو كامل ابن الأثير أو غيرها من كتب السير والأخبار ، فاني لا اظنه يخلو من كتاب يشتمل على ذكر السقيفة ، وكل من ذكر سعدا من أهل التراجم ذكر تخلفه عن البيعة ، ومع ذلك لم يرتابوا في كونه من أفضل المسلمين وعدول المؤمنين ، وما ذاك إلا لكونه متأولا ، فهو معذور عندهم وان كان مخطئا.

وهذا حباب بن المنذر بن الجموح الانصاري البدري الاحدي ، تخلف عن البيعة أيضا كما هو معلوم بحكم الضرورة من تاريخ السلف ، فلم يقدح ذلك في عدالته ولا انقص من فضله ، وهوالقائل : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب (1) انا أبو شبل في عرينة الأسد ، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة. وله كلام آخر رأينا الاعراض عنه أولى ، ولولا معذرة المتأولين ما كان أهل السنة ليقطعوا بأن هذا الرجل من أفاضل أهل الجنة ، ومع مكاشفته للخليفتين بما هو مبسوط في كتب الفريقين.

وهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وعمه العباس وبنوه ، وعتبة بن أبي لهب ، وسائر بني هاشم ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمار ، والزبير ، وخزيمة بن ثابت ، واُبي بن كعب ، وفروة بن عمرو بن ودقة الانصاري ، وخالد ابن سعد بن العاص ، والبراء بن عازب ، ونفر غيرهم تخلفوا عن البيعة أيضا بحكم ما تواتر من الأخبار واتضح اتضاح الشمس في رائعة النهار ، وقد نص الشيخان

____________

(1) الجذيل مصغر جذل : عود ينصب للجرباء لتحتك به. والعذيق مصغر عذق : قنو النخلة. والمرجب : المبجل ، والتصغير هنا للتعظيم.

54

البخاري ومسلم في صحيحيهما (2) على تخلف علي عن البيعة حتى لحقت سيدة النساء بأبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) وانصرفت عنه وجوه الناس.

وصرح بتخلفه المؤرخون كابن جرير الطبري في موضعين من احداث السنة الحادية عشرة من تاريخه المشهور ، وابن عبد ربه المالكي في حديث السقيفة من الجزء الثاني من العقد الفريد (3) وابن قتيبة في أوائل كتابه الامامة والسياسة وابن الشحنة حيث ذكر بيعة السقيفة في كتابه « روضة المناظر » (4) وأبي الفداء حيث اتى على ذكر أخبار أبي بكر وخلافته في تاريخه الموسوم بالمختصر اخبار البشر ونقله المسعودي في مروج الذهب عن عروة بن الزبير في مقام الاعتذار عن أخيه عبدالله (5) إذ هم بتحريق بيوت بني هاشم عليهم حين تخلفوا عن بيعته ، ورواه الشهرستاني عن النظام عند ذكره للفرقة النظامية في كتابه

____________

(2) راجع أواخر باب غزوة خيبر في صفحة 36 من الجزء الثالث من صحيح البخاري المطبوع في مصر سنة 1309 وفي هامشه تعليقة السدي ، أو باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا نورث ما تركنا فهو صدقة من كتاب الجهاد والسير من صحيح مسلم في صفحة 72 من الجزء الثاني طبع مصر سنة 1327 تجد التصريح بتخلفه عن البيعة مسندا الى ام المؤمنين عائشة ( رض ).

(3) في ص 197 من النسخة المطبوعة في مصر سنة 1305 وفي هامشها زهر الآداب.

(4) هذا الكتاب ومروج الذهب مطبوعان في الهامش من كامل ابن الأثير ، أما مروج الذهب فمطبوع مع الخمس الاول من مجلدات الكامل ، وهذا الكتاب ـ أعني تاريخ ابن الشحنة ـ في هامش المجلد الأخير المشتمل على جزء 11 وجزء 12 ، وما نقلناه عنه هنا موجود في صفحة 112 من الجزء الحادي عشر فراجع.

(5) عرفت ان مروج الذهب مطبوع في هامش ابن الاثير ، وما نقلناه الآن عنه موجود في آخر صفحة 259 من الجزء السادس فراجع.