الإمام محمد الجواد عليه السلام سيرة وتاريخ

- السيد عدنان الحسيني المزيد...
146 /
5

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيِمْ

مقدمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين . .

وبعد . . فإننا مع الاِمام الجواد (عليه السلام) سنعيش لاَول مرة ظاهرة مثيرة بحق ، تستوقف النظر وتستحث العقول ، ألا وهي الاِمامة المبكرة ، الظاهرة التي نصادفها لاَول مرّة في تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) ، فابن الثامنة من العمر يتولى هنا إمامة المسلمين بكل ما يتعلق بها من مسؤوليات ومهام ، وما تتطلبه من علم كامل بالشريعة وأحكامها ، ومن الصعب بل المتعذّر أن يدّعى كل هذا لمن هو في هذه السن ، إلاّ أن يكون محاطاً بعناية إلهية خاصة وقد اصطنعه الله تعالى لهذه المهمة ، وأُعدّ لها الاِعداد التام من قبل .

وهذا ما ينقلنا على الفور الى استدعاء البعد المميز لشأن المصطَفَين ودور الاصطفاء في إحداث النقلة النوعية في الذات الاِنسانية ، الاَمر الذي يجعل مقارنة المختصّ بهذا الاصطفاء مع غيره من سائر الناس حتى أصحاب المواهب الخاصة مقارنة فاقدة لموضوعها ، غير مبرَّرة بحال . . . وهذا ما يجعل ظاهرة كهذه أمراً طبيعياً ، في دائرة الاِمكان ، وبلا غرابة ، وهذا ما ينقلنا مرّة أخرى الى النماذج الاَسبق في هذه الدائرة ، والذي باصطحابه ستكون الظاهرة التي اقترنت بالاِمام الجواد (عليه السلام) إنّما هي أنموذجاً مكرّراً لظاهرة أسبق تاريخاً ، بكثير ، ففي دائرة الاصطفاء قد سبقت النبوّة لعيسى ابن مريم في السابعة من عمره بعد أن تكلم بها في مهده ، ثم سبقت بكل مهماتها ولوازمها لصبيّ ما يزال في بواكير صباه ، ذلك يحيى بن زكريا (عليهما السلام) : ( وآتيناه الحكم صبيّاً ) . . فلسنا إذن مع أمر ممكن الوقوع فحسب ، بل مع أنموذج مكرر لواقع محقق ، وضمن الدائرة ذاتها ، دائرة الاصطفاء . .

6

ثم بعد ذلك فإنّ المتقلّد لهذه المهمة سوف يعيش بين الناس عالمهم وجاهلهم ، فليس من الصعب إذن التحقق من صحّة هذا التقليد والتقدم ، وهذا ما وقع مبكراً مع الاِمام الجواد (عليه السلام) من قِبَل من استنكر شأنه ، وفي مجلس عقده المأمون وشحنه بأهل العلم ممّن هم حوله أذعن قاضي قضاته يحيى بن أكثم بأنّ ابن الثامنة ، الجواد بن الرضا (عليهما السلام) ، إن هو إلاّ إمام معلَّم ، وليس هو بفتى ملهم وحسب . . ثم عاش الاِمام الجواد (عليه السلام) تجربته كلها ومن حوله علماء فحول ، من أصحاب القرآن والحديث والكلام ، في عصر ازدهرت فيه العلوم وقعّدت قواعدها ، وأسست أصولها ، فلم يرَ منه أصحابه أو خصومه دون ما كانوا يرون من آبائه العظام من علم وحلم وحكمة ، وتلك تجربة أمّة امتدت به سبع عشرة سنة ، حتى وفاته (عليه السلام) ، وليس هناك في التاريخ قضية هي أثبت من تجربة أمّة . . فكيف إذا كانت تجربة في عصر عصيب ، يطارد الحكام أصحابها ، ومن قبل قتلوا جدّه الكاظم (عليه السلام) سجيناً ، ثم اغتالوا أباه الرضا (عليه السلام) ، ثم هم من حوله يتربّصون به وبأصحابه ؟ ! إنّ هذا لمن أهم ما يثبت عظمة تلك التجربة وعظمة رائدها الذي لو وجد فيه خصومه السياسيون وهم الحاكمون ، والدينيون وهم متوافرون ، من مغمزٍ لما توانوا في نشره ، بل لطربوا له ولنسجوا من حوله الحكايات والاَساطير . .

وفي صفحات إصدارنا هذا سنعيش مع هذه الظاهرة ، وفي رحاب رائدها الاَول في تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) ، والثالث في دائرة الاصطفاء ، مؤدّين بعض الحق لهذا الاِمام العظيم ، مستلهمين المزيد من الدروس والعبر . . وكم هو جميل أن يتزامن إصدارنا هذا مع مرور ألف ومئتي عام على وفاته (سلام الله عليه) يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً .

مركز الرسالة

7

المقدِّمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الاَمين وآل بيته الطيبين الطاهرين المنتجبين ، وصحبه الهداة المهديين .

فقد درجت الاُمم والشعوب منذ عهدها بالتدوين على تخليد قادتها ورجالاتها ، عرفاناً منها لما أسدوه لها من خدمات جليلة ، وبما زانوا مجدها وتأريخها بكل طارف وتليد . ونحن كأُمّة إسلامية لنا أعظم دين ، وأغنى تراث ، وأرقى حضارة ، ما كنّا بدعاً من الاُمم والحضارات في تخليد عظمائنا ورجالاتنا الذين شادوا مجد هذه الاُمّة ، وبنوا صرحها الشامخ . بل ، نحن أحق من غيرنا بذلك للعديد من الاعتبارات . .

وربّ تساؤل يقفز إلى ساحة الذهن ، بأنّهم كُثر أُولئك الذين كان لهم دور في عملية صياغة التاريخ ، وصناعة المجد ، وبناء الحضارة . . فمن من اولئك حقيق بالتخليد والذكر الجميل ؟ ثم ، كيف نُحيي تراثهم ، ونُعيد تأريخهم ؟ ولماذا . . ؟

وطبيعي أن يأتي الجواب بأن أي دراسة يجب أن تتناول النخبة الصالحة الرشيدة التي بذلت كل ما في وسعها من أجل أن تحيا هذه الاُمّة على مبادئ رسالتها الخالدة ، وأن تشتمل تلك الدراسة على تاريخ حياة أولئك الاَعلام المضحين ، ومناهجهم في عملية البناء والتغيير ، وجهادهم وجهودهم المضنية في هذا المجال ، كما ينبغي تناول سيرتهم العملية وأقوالهم بالدرس والتحليل .

وأما الغرض من تدارس أحوال ومواقف أولئك العظام؛ فهو لاستلهام

8

مناهجهم في الحياة ، وفي البناء الحضاري ، وللاستنارة من فيض علومهم ومعارفهم الخلاّقة ، وإسهاماتهم في تبيين معالم الدين ، وتوضيح أصول الشريعة . . أضف إلى ذلك مكافحتهم للجهل ، ومقارعة الظلم والظالمين ، ونشر العدل ، وإحقاق الحق . . بل ، واتخاذهم منارات يُسترشد بهديهم لجميع الاَجيال البشرية على رغم تعاقبها مرّ الدهور .

ولا ريب بأن الاَحقّ بهذا التدارس والتعظيم ، هو شخص النبوة الكريم ، أشرف موجود ، وسيّد الكائنات وأقدسها . وهل أحد أحق من بعده غير أهل بيته المطهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس ، واختارهم قادة رساليين يُقتدى بهم ؟ حتى صار دورهم ملموساً ومتميزاً في بناء الاِنسان وصيانته وحفظ المجتمع وكيانه . ومن هنا أصبح تسليط الضوء على حياتهم المشرقة بالعطاء ـ بعد اختلاط الاَوراق ـ وفاءً لرسالة الاِسلام الخالدة باعتبارهم (عليهم السلام) قادتها الاَُمناء الحقيقيين .

فالاَئمة المعصومون الاثنا عشر من أهل البيت (عليهم السلام) الذين نصّ عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عدة أحاديث صحاح ، هم محور الحياة الذي تدور عليه كلّ مكرمة وفضيلة ، فقد جعلهم الله حياة للاَنام ، ومصابيح الظلام ، ومفاتيح الكلام ، ودعائم للاِسلام . . ووصفهم أمير البيان (عليه السلام) بقوله : « هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم ، وصمتهم عن منطقهم ، وظاهرهم عن باطنهم . لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه ، فهو بينهم شاهد صادق » .

فدراسة حياة الاَئمة الميامين (عليهم السلام) يجب أن تنطلق من تلك الحقائق المهمة ، وينبغي التركيز على المنهج الاَصيل والدور الحقيقي والواقعي لهم (عليهم السلام) باعتبارهم وحدة متكاملة لا فرق بين القائم منهم بالسيف أو المتصدي بالدعاء أو الناشر للعلم أو غيرها من مناهج العمل والتغيير للوصول إلى الهدف المشترك للجميع . فهم (عليهم السلام) رغم تنوّع أدوارهم ، وفق

9

طبيعة المرحلة والظروف السياسية المحيطة بهم ، يحملون هدفاً مشتركاً واحداً لا يختلفون فيه ، ذلك هو حفظ الكتاب الكريم وسُنّة الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وطلب الاصلاح والهداية ، والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ونحن على أعتاب مرور اثني عشر قرناً ( 1200 عام ) على شهادة الاِمام الجواد (عليه السلام) ، فالاَمل يحدونا أن تستطيع هذه الدراسة الموجزة من سيرة تاسع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلقاء بعض الضوء على الدور الفاعل والكبير لتحرك الاِمام أبي جعفر الثاني الجواد (عليه السلام) في الاُمّة ، من خلال جسّ مواقع حركته التغييرية والاِصلاحية في الزمن القصير الذي عاشه .

ويمكن تلمّس تحرك الاِمام (عليه السلام) ، واستشفاف الحقائق الناصعة في أدوار حياته عبر الفصول الاَربعة التي اشتملتها هذه الدراسة .

فمروراً بالتعريف بظروف مولد الاِمام (عليه السلام) ، إلى التعريف بشخصه المبارك وبعض سماته ، ثم النصوص الدالّة على إمامته ، وأخيراً كان لنا بحث مقتضب حول مسألة العمر ومنصب الاِمامة ، كل ذلك تضمّنه الفصل الاَول .

أما الفصل الثاني : فقد عرض للمرحلة التالية من حياة الاِمام الجواد (عليه السلام) خاصة بعد شهادة أبيه ، وما رافق ذلك من إرهاصات انعكست مباشرة على حياة الاِمام . فكان لابدّ من استبيان الظروف والاَحداث السياسية خلال هذه الفترة الزمنية من عمر الاِمام ، خاصة ما كان من مقولة خلق القرآن ، ثم علاقة الاِمام (عليه السلام) بالجهاز الحاكم الذي كان يتربّص به الدوائر للقضاء عليه . كما استعرضنا أحداث عقد قرانه (عليه السلام) على ابنة المأمون العباسي ثم زواجه منها ، وما رافق ذينك الحدثين من حوادث كان لها انعكاسات مباشرة على حياته (عليه السلام) . وفي خاتمة الفصل كانت لنا إطلالة على بعض الثورات

10

والانتفاضات التي كانت تصبّ في خط أهل البيت (عليهم السلام) وتدعو لهم .

وأمّا الفصل الثالث : فقد حاولنا أن نستجمع فيه عطاءه الفكري ودوره الرسالي ، ونشاطه في استقطاب الاَصحاب والوكلاء وتوجيه الاُمّة نحو المسار الاِسلامي الصحيح ، وممارسة دوره العلمي في إرساء قواعد التشريع الاِسلامي ، ومناظراته واحتجاجاته في الدين والعقيدة . ولم يفتنا اقتباس شذرات من أنوار كلمه النديّة ، كي نروّي بها صحراء نفوسنا المجدبة .

وأخيراً كان لنا فصل رابع بحثنا فيه عن كيفية استدعاء المعتصم العباسي للاِمام من المدينة إلى بغداد ، والاَسباب والدواعي التي دفعت مثلث الاغتيال إلى التآمر على الاِمام وتنفيذ عملهم الدنيء بقتله بالسم وهو في غضارة شبابه ، ثم عرجنا على من أشاد بشخصية الاِمام الجواد (عليه السلام) وأقرّ بفضله وتقدمه فانتقينا منهم ما يسمح لنا به سعة الكتاب .

وقبل الوداع كان مسك الختام جولة في رحاب شعر المديح والرثاء لجواد الاَئمة (عليه السلام) .

اللهمَّ فاجعلنا به مهتدين ، وبنوره مستوضحين طريق الحق ، وببركته مستمطرين خير السماء وبركاتها ، فإنّه حجتك العليا ، ومثلك الاَعلى ، وكلمتك الحسنى . . الداعي إليك ، والدالّ عليك ، الذي نصبته علماً لعبادك ، ومترجماً لكتابك ، وصادعاً بأمرك ، وناصراً لدينك ، وحجتك على خلقك ، ونوراً تُخرق به الظلم ، وقدوة تُدرك بها الهداية ، وشفيعاً تُنال به الجنّة . .

والحمدُ لله ربِّ العالمين

11

الفصل الأول

الجواد في ظلِّ أبيه (عليهما السلام)

ظروف ما قبل الميلاد:

لو عدنا قليلاً إلى الوراء . . أي إلى ما قبل مولد أبي جعفر الثاني (عليه السلام) بسنة أو نحوها ، لوجدنا أن ظروفاً عصيبة مرّت بأبيه الاِمام الرضا (عليه السلام) ، الذي عانى في أخريات سني حياته الشريفة من أزمات حادة ، كان يثيرها بعض الواقفة والانتهازيين؛ للتشكيك بإمامته (عليه السلام) بعدم إنجابه الوَلَد . ذلك أنّه كان مركوزاً في الذهنية العامة للمسلمين أنّ من علامات الاِمام المعصوم أن يخلفه إمام من صلبه ، إذ لا تكون الاِمامة في أخ أو عمٍّ أو غيرهم ، فقد سُئل الاِمام الرضا (عليه السلام) ، أتكون الاِمامة في عمٍّ أو خالٍ ؟ فقال : « لا ، فقلت : ففي أخ ؟ قال : لا ، قلت : ففي مَن ؟ قال : في ولدي ، وهو يومئذٍ لا ولد له » (1) .

وأغلب الظنّ أنّ الاَيدي العباسية لم تكن بعيدة عن ساحة قدس الاِمام الرضا (عليه السلام) في التنقيب وافتعال الحوادث والمواقف للنيل من إمامته (عليه السلام) والطعن فيها .

نعم ، من هنا كانت معاناة الاِمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) تتزايد يوماً بعد

____________

1) اُصول الكافي | الكليني 1 : 286 | 3 كتاب التوحيد .

12

يوم ، خاصة وقد امتدّ به العمر إلى نحو الخامسة والاَربعين ، ولم يكن قد خلّف بعدُ ( الولد ) الذي يليه بالاِمامة ، ثم الذي زاد المحنة سوءاً هو تكالب بعض إخوته وعمومته وأبناء عمومته من العلويين والعباسيين عليه ، حسداً من بعضهم ، وبغضاً وكرهاً من البعض الآخر . . وثمّة تأليب الانتهازيين والسلطويين على البيت النبوي عموماً ، حيث أثاروا جميعاً حول شخصية الاِمام العظيمة غبار حسدهم وأحقادهم الدفينة .

لكنّ الاِمام (عليه السلام) كان يقف أمامهم بحزم . . ويجيبهم جواب الواثق المطمئن من نفسه بأنّ الليالي والاَيام لا تمضي حتى يرزقه الله ولداً يُفرّقُ به بين الحق والباطل . هذا الموقف نستشفّه من رواية محمد بن يعقوب الكليني ، قال : كتب ابن قياما (1) إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) كتاباً يقول فيه : كيف تكون إماماً وليس لك ولد ؟

فأجابه أبو الحسن (عليه السلام) : « وما علمك أنّه لا يكون لي ولد ؟ ! والله لا تمضي الاَيام والليالي حتى يرزقني الله ذكراً يُفرّق بين الحق والباطل ») (2) .

وينقلنا الكليني عليه الرحمة إلى مشهد آخر مع نفس هذا الواقفي ، وهو يصف حواره مع الاِمام الرضا (عليه السلام) بقوله : دخلتُ على علي بن موسى ، فقلت له : أيكون إمامان ؟ قال : «لا ، إلاّ أن يكون أحدهما صامتاً » . فقلت له : هو ذا أنت ، ليس لك صامت ! فقال لي : « والله ليجعلنَّ الله مني ما يُثبت به الحق وأهله ، ويمحق به الباطل وأهله » ولم يكن في الوقت له ولد ، فولد له أبو

____________

1) ابن قياما الواسطي : واقفي ، مخالف معروف .

2) اُصول الكافي 1 : 320 | 4 ، وعنه نقل الشيخ المفيد في الارشاد 2 : 277 بواسطة أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه . وراجع إثبات الوصية | المسعودي : 183 .

13

جعفر (عليه السلام) بعد سنة (1) .

وحتى بعد مولد أبي جعفر التقي (عليه السلام) لم يكن المشككون منفكّين من محاولاتهم تلك حتى رأوا البيّنة وأذعنوا لها صاغرين ، هم ومن جاءوا بهم من القافة أجمعين . وهنالك رقى ابن الرضا (عليه السلام) درجات منبرٍ ، وألقى خطبة قصيرة بليغة ، وصلت في مداها أقصى غاية المنى في تأنيب المشككين ، وردع ( الواقفة ) والمتصيدين في الضباب ، أو عكرٍ من الماء ، حين طعنوا في بنوّة أبي جعفر (عليه السلام) وانتسابه للاِمام الرضا (عليه السلام) . فلقد جاءوا بالاِفك ، وقول الزور . . وإنّه لكبير ما ادّعوه على قدس الاِمامة ، والشرف الباذخ للبيت النبويّ الطاهر .

مطهّـرون نقيّـات ثيـابـهم * * * تجري الصلاة عليهم كلّما ذكروا

كانت هذه لمحة ضوء خاطفة تطلّعنا من خلال أشعتها على بعض الظروف التي واكبت وسبقت ولادة الاِمام أبي جعفر الجواد (عليه السلام) . . ثم يحين اليوم الموعود . .

بشرى المولد العظيم :

« اللهمّ إنّي أسألك بالمولودين في رجب محمد بن علي الثاني ، وابنه علي بن محمد المنتجب . . . » (2) الدعاء .

هذا الدعاء أورده شيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله) ( ت | 460 هـ ) في مصباح

____________

1) اُصول الكافي 1 : 321 | 7 . والارشاد 2 : 277 ـ 278 .

2) الاِمام علي بن محمد التقي يلقّب بالنجيب أيضاً ، وأن أباه الاِمام الجواد (عليه السلام) يلقّب بالمنتجب ، فلاحظ .

14

المتهجّد (1) ، وابن عياش أحمد بن محمد بن عبدالله الجوهري صاحب كتاب ( مقتضب الاَثر ) ، وقيل هو دعاء مأثور عن صاحب الاَمر (عليه السلام) ، قال ابن عياش : خرج إلى أهلي على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه في مقامه عندهم . وبه أخذ بعض المؤرخين بناء على نقل ابن عياش من أن مولد الجواد (عليه السلام) كان في يوم الجمعة العاشر من رجب سنة ( 195 هـ ) الموافق لسنة ( 811 ) الميلادية . وهو التاريخ المعمول به عند الطائفة اليوم .

لكن العلماء ومشايخ الطائفة يذهبون إلى أن ولادته الميمونة كانت في شهر رمضان من عام ( 195 هـ ) ، وترددوا بين ( 15 ، 17 ، 18 ، 19 ) منه ، ولعلّ ثانيها (2) هو الاَرجح من بين هذه التواريخ ، لكن الاَكثر قال بالتاريخ الاَخير بناءً على نقل اللاحق عن السابق (3) .

وأما حدث المولد العظيم وساعته وما جرى فيه من الكرامة فتحكيه السيدة الكريمة حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قالت : ( لمّا حضرت ولادة الخيزران أم أبي جعفر (عليه السلام) دعاني الرضا (عليه السلام) ، فقال : « يا حكيمة احضري ولادتها » ، وأدخلني وإيّاها والقابلة بيتاً ووضع لنا مصباحاً ، وأغلق الباب علينا .

فلمّا أخذها الطلق طفئ المصباح ، وكان بين يديها طست ، فاغتممت بطفء المصباح ، فبينا نحن كذلك إذ بدر أبو جعفر (عليه السلام) في الطست ، وإذا

____________

1) مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد : 741 .

2) إعلام الورى 2 : 91 . وتاج المواليد | الطبرسي أحمد بن علي ( ت | 548 هـ ) : 52 المطبوع ضمن كتاب « مجموعة نفيسة » .

3) اُصول الكافي 1 : 492 . والاِرشاد 2 : 273 . وعيون المعجزات : 121 . ومناقب آل أبي طالب 4 : 379 . وكشف الغمة 3 : 135 .

15

عليه شيء رقيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتى أضاء البيت فأبصرناه فأخذته فوضعته في حجري ونزعت عنه ذلك الغشاء . فجاء الرضا (عليه السلام) وفتح الباب وقد فرغنا من أمره ، فأخذه ووضعه في المهد ، وقال لي : « ياحكيمة إلزمي مهده » .

قالت : فلمّا كان في اليوم الثالث رفع بصره إلى السماء ثم نظر يمينه ويساره ثم قال : « أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله » . فقمت ذعرة فزعة فأتيت أبا الحسن (عليه السلام) ، فقلت : سمعت من هذا الصبي عجباً . فقال : « وما ذاك ؟ » ، فأخبرته الخبر . فقال : « يا حكيمة ما ترون من عجائبه أكثر » (1) .

رعاية أبوية خاصة:

ليس أمراً غريباً أن يكتنف الاِمام الرضا (عليه السلام) وليده برعاية وعناية خاصتين ، بل ويحيطه بهالة من التعظيم والتبجيل وهو طفل رضيع ، ذلك أن أبا جعفر هو وحيد الاِمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) الذي رُزقه بعدما جاوز (عليه السلام) الخامسة والاَربعين من العمر ، فعليه تكون الاِمامة منحصرة بوليده الفرد . لهذا كلّه فقد كان إمامنا الرضا (عليه السلام) يوليه تربية خاصة ، وعناية زائدة ، كما كان يتوسم فيه بركة وخيراً عظيماً على شيعته ومحبيه .

فعن يحيى الصنعاني ، قال : دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وهو بمكة وهو يقشّر موزاً ويطعم أبا جعفر (عليه السلام) ، فقلت له : جعلت فداك هو المولود المبارك ؟ قال : « نعم يا يحيى ، هذا المولود الذي لم يولد في الاِسلام مثله مولود أعظم بركة على شيعتنا منه » ) (2) .

____________

1) مناقب آل أبي طالب 4 : 394 . والفصول المهمة | ابن الصباغ المالكي : 208 ـ 209 .

2) الفروع من الكافي 6 : 360 | 3 .

16

وينقل لنا الرواة والمؤرخون أيضاً كيف أنّ الاِمام الرضا (عليه السلام) كان يترقب وبشوق بالغ ، ولهفة عجلى مولد ابنه محمداً ، فلما ولد كان (عليه السلام) يلازم مهده ، وفي بعض الاَحيان كان يناغيه وهو في مهده طول ليلته (1)؛ بل إنّ علقته بطفله الرضيع بلغت حداً أنّه (عليه السلام) كان يلازم مهده لعدة ليالٍ حتى إن أحد شيعته كلمه في أن يكف عن كثرة ملازمته لمهد وليده قائلاً له : جُعلت فداك ، قد وُلد للناس أولاد قبل هذا ، فكل هذا تعوّذه ؟

لقد ظن هذا المعترض أن الاِمام أبا الحسن (عليه السلام) ، ولشدة حبّه لمولوده ، فإنّه يخاف عليه من عيون الحسّاد؛ لذلك فهو يعوّذه طوال هذه المدة . لكن الاِمام (عليه السلام) أجاب المستفهم بأن حنوّه على ولده ليس لغرض التعويذ ، بل إنّه (عليه السلام) يلقي إليه أمر الاِمامة وعلومها ، بقوله : « ويحك ليس هذا عوذة ، إنّما أغرّه بالعلم غرّاً » (2) ، كما كان يطعمه بنفسه ، وما كان يفارقه طويلاً ، حتى إنّه (عليه السلام) ليصطحبه في سفره وتنقلاته داخل المدينة وخارجها تنويهاً به (عليه السلام) ، وزيادة في إعظامه وإكرامه .

وأما تعظيم الاِمام الرضا (عليه السلام) لمولوده المبارك ، فإنّه ما كان يناديه إلاّ بكنيته منذ نعومة أظفاره ، فقد تحدّث محمد بن أبي عبّاد وكان يكتب للرضا (عليه السلام) ، ضمه إليه الفضل بن سهل ، قال : ما كان (عليه السلام) يذكر محمداً ابنه إلاّ بكنيته ، ويقول : كتب إليّ أبو جعفر . . وكنت أكتب إلى أبي جعفر . . وهو صبيّ بالمدينة ، فيخاطبه بالتعظيم ، وترد كتب أبي جعفر (عليه السلام) في نهاية البلاغة والحُسن ، فسمعته يقول : « أبو جعفر وصيي وخليفتي في أهلي من

____________

1) عيون المعجزات : 121 . وعنه بحار الاَنوار 50 : 15 | 19 .

2) إثبات الوصية : 183 .

17

بعدي » (1) ، وربما كتب إليه الاِمام الرضا (عليه السلام) : فداك أبوك !!

فقد روى العياشي عن محمد بن عيسى بن زياد . قال : كنت في ديوان أبي عباد ، فرأيت كتاباً يُنسخ فسألت عنه فقالوا : كتاب الرضا إلى ابنه (عليهما السلام) من خراسان ، فسألتهم أن يدفعوه إليّ فإذا فيه : « بسم الله الرحمن الرحيم ، أبقاك الله طويلاً وأعاذ من عدوّك يا ولد ، فداك أبوك ... » ثم يوصيه (عليه السلام) بالاِنفاق وخاصة على الهاشميين من قرابته ، ويختم كتابه بقوله : « وقد أوسع الله عليك كثيراً ، يا بنيّ فداك أبوك لا تستر دوني الاَمور لحبّها فتخطئ حظّك ، والسلام » (2) .

ويبلغ حبّ الوالد لولده مداه ويغرق فيه نزعاً ، حتى يوصله إلى امتزاج روحيهما في روح واحدة هي روح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ذلك الاغراق في الحبّ والمودّة يوقفنا عليه بنان بن نافع في خبر يرويه حول محاورة في الاِمامة جرت بينه وبين الاِمام الرضا (عليه السلام) من جهة وبين الاِمام الجواد (عليه السلام) من جهة اُخرى .

يقول ابن نافع في نهاية الخبر : ثم دخل علينا أبو الحسن ، فقال لي : « يابن نافع سلّم واذعن له بالطاعة ، فروحه روحي وروحي روح رسول الله » (3) .

وأخيراً ينقل لنا صاحب كتاب دلائل الاِمامة خبراً عن أُمية بن علي القيسي الشامي يمكننا من خلاله الوقوف على درجة العلاقة بين الوالد والولد ، وشدة حبّ الوالد لولده واهتمامه به من جهة ، ومدى تعلّق الولد

____________

1) عيون أخبار الرضا 2 : 266 باب 60 . وعنه بحار الاَنوار 50 : 18 | 2 .

2) تفسير العياشي 1 : 131 ـ 132 .

3) مناقب آل أبي طالب 4 : 388 .

18

بوالده من جهة اُخرى ، فقد نقل قول أُمية : كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) بمكة ، في السنة التي حجّ فيها ، ثم صار إلى خراسان ، ومعه أبو جعفر ، وأبو الحسن (عليه السلام) يودّع البيت ، فلمّا قضى طوافه عدل إلى المقام فصلّى عنده ، فصار أبو جعفر إلى الحجر فجلس فيه ، فأطال . فقال له موفق : قم جُعلت فداك . فقال : « ما أريد أن أبرح من مكاني هذا إلاّ أن يشاء الله » ، واستبان في وجهه الغم . فأتى موفق أبا الحسن (عليه السلام) فقال له : جُعلت فداك قد جلس أبو جعفر في الحجر ، وهو يأبى أن يقوم ، فقام أبو الحسن (عليه السلام) فأتى أبا جعفر فقال : « قم ياحبيبي » . فقال (عليه السلام) : « ما أريد أن أبرح من مكاني هذا » . قال (عليه السلام) (عليهم السلام) « بلى ياحبيبي » . ثم قال (عليه السلام) : « كيف أقوم وقد ودّعت البيت وداعاً لاترجع إليه » ؟ فقال له (عليه السلام) : « قم يا حبيبي » ، فقام معه(1) .

نسبه الشريف :

سمّي محمداً وهو بعد في الاَصلاب الشامخات والاَرحام المطهّرات ، أبوه علي الرضا (عليه السلام) ، وجدّه الكاظم موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن علي السجاد زين العابدين بن الحسين السبط الشهيد ابن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

نسب وضّاح ، وذريّة طيبة مطهّرة نقيّة . . نعم ، إنّها ( سلسلة الذهب ) باعتراف عشرين ألفاً أو يزيدون من الكتّاب أو النسّاخ ، وطلبة العلم والحديث ورواته في نيسابور ، وعلى رأسهم الحافظان أبو زرعة ، ومحمد ابن أسلم الطوسي (2) .

____________

1) كشف الغمة 3 : 155 .

2) أخبار الدول | القرماني 3 : 344 .

19

أُمّه (عليها السلام) :

أما أُمّه ، فهي أم ولد اسمها ( سبيكة ) ، نوبيّة . وقيل : سكن المريسية (1) . وقيل أيضاً : إنّ الاِمام الرضا (عليه السلام) لما اشتراها لاستيلادها أطلق عليها اسم « خيزران » ، وهي من قبيلة مارية القبطية زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وعلى كلِّ حال . . فقد كانت من الجلال والقدر أن عُدَّت في زمانها أفضل بنات جنسها ، وإليها أشار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو يذكر الاِمام محمداً التقي (عليه السلام) بقوله : « بأبي ابن خيرة الاِماء ، ابن النوبية الطيبة الفم ، المنتجبة الرحم » (2) .

ويدلُّ على مكانتها وجلالة قدرها أيضاً ، أن الاِمام الكاظم موسى بن جعفر (عليه السلام) طلب من يزيد بن سليط أن يبلغها منه السلام إن استطاع إلى ذلك سبيلاً ، فقد ورد في الخبر أن الاِمام الكاظم (عليه السلام) التقاه في طريق مكة وهم يريدون العمرة . فقال له : « إنّي أؤخذ في هذه السنة ، والاَمر إلى ابني عليّ سمي عليّ وعليّ . فأما عليّ الاَول فعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وأما علي الآخر فعلي بن الحسين . . يا يزيد فإذا مررت بالموضع ولقيته ، وستلقاه فبشّره أنه سيولد له غلام أمين مأمون مبارك ، وسيعلمك أنك لقيتني فأخبره عند ذلك أن الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من أهل مارية القبطية جارية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإن قدرت أن تبلغها مني السلام ، فافعل ذلك » . والرواية سنوردها بتمامها بعد قليل في موضوع النص على إمامة الجواد (عليه السلام) .

وفي خبر آخر أورده المحدِّث الشيخ حسين بن عبدالوهاب في « عيون

____________

1) نسبة إلى مرّيسة وهي قرية في صعيد مصر من بلاد النوبة .

2) اُصول الكافي 1 : 323 | 14 .

20

المعجزات » بسند ذكره ، عن كلثم بن عمران (1) ، قال : قلت للرضا (عليه السلام) : ادع الله أن يرزقك ولداً . فقال : « إنّما أُرزق ولداً واحداً وهو يرثني » . فلما ولد أبو جعفر (عليه السلام) قال الرضا (عليه السلام) لاَصحابه : « قد ولد لي شبيه موسى بن عمران ، فالق البحار ، وشبيه عيسى بن مريم ، تقدّست أُمٌّ ولدته ، قد خُلقت طاهرة مطهّرة » (2) .

كنيته :

وكُنّي بأبي جعفر من يوم مولده ، وما كان الاِمام الرضا (عليه السلام) يدعوه إلاّ بها ، وهي الكنية المشهور بها (3) ، ثم عرّفه الرواة والمحدِّثون بالثاني لتمييزه عن الاِمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) . ويكنّى أيضاً بأبي عليّ ، ولا يُعرف بها .

حليته :

كان (عليه السلام) شديد الاَُدْمَه (4) ، ضاوي الجسم (5) قصيره ، قطُّ الشعر مثل حلك الغراب (6) ، وطبيعي جداً أن يكون الاِمام أبو جعفر (عليه السلام) ـ وهو من بين أب حجازي وأمّ نوبية ـ حائل اللون ، ولا ريب في ذلك ، هذا وإن كان الاِمام الجواد (عليه السلام) حائل اللون إلاّ أنّه :

____________

1) وجاء في مصادر اُخرى باسم : كليم . وبأي الاسمين ورد فهما واحد .

2) عيون المعجزات : 121 . وعنه الاَنوار البهية | المحدّث الشيخ عباس القمي : 209 .

3) الكافي 1 : 320 ، 469 . وإثبات الوصية : 183 ـ 194 . وتهذيب الاَحكام 6 : 90 باب 37 وما بعده .

4) دلائل الاِمامة : 384 | 342 ، و404 | 365 .

5) مناقب آل أبي طالب 4 : 387 . ودلائل الاِمامة : 404 | 365 .

6) راجع : دلائل الاِمامة : 397 | 346 . وفي مقاتل الطالبيين : 456 جاء أيضاً ما هذا نصّه : وزوّج المأمون ابنته أم الفضل محمد بن علي بن موسى على حلكة لونه وسواده ..

21

مشتقة مـن رسول الله نبعتُهُ * * * طابت مغارسُهُ والخيمُ والشِّيمُ

وأما ما انفرد به ابن الصباغ من أن صفته أبيض معتدل ، ووافقه بعض من كتب في سيرة الاِمام الجواد (عليه السلام) ، ورجّح قوله ، استثقالاً منه أن يقول بسمرة الاِمام ، فهو خلاف المشهور من صفته (عليه السلام) (1) .

ألقابه الشريفة :

تميّز إمامنا الجواد (عليه السلام) بألقاب عديدة من أخصّها به قديماً لقب ( التقي ) (2) ثمّ بعد ذلك ( الجواد ) (3) قال ابن شهر آشوب:

فديت إمامي أبا جعفر * * * جواداً يلقّب بـالتاسعِ

وبين هذين اللقبين عدّدوا له ألقاباً اُخرى منها : المنتجب والمرتضى والزكي والقانع والرضي والمتوكل وغيرها (4) .

أولاده :

ذكر الشيخ المفيد (رحمه الله) أن الجواد (عليه السلام) ( خلّف بعده من الولد عليّاً ابنه الإمام من بعده ، وموسى ، وفاطمة ، وأُمامة ابنتيه ، ولم يخلّف ذكراً غير من

____________

1) حياة الاِمام محمد الجواد (عليه السلام) | باقر شريف القرشي : 24 .

2) عيون المعجزات : 121 . ودلائل الاِمامة : 396 . واعلام الورى 2 : 91 . وتاج المواليد | الطبرسي : 52 . والدعوات | الراوندي : 89 | 224 و 106 | 234 . ومناقب ابن شهر آشوب 4 : 379 و 410 ـ 411 .

3) دلائل الاِمامة : 396 . ومناقب ابن شهر آشوب 4 : 379 و 410 ـ 411 . وكشف الغمة 3 : 137 . والنجوم الزاهرة 2 : 321 حوادث سنة 219 .

4) راجع : الاِرشاد 2 : 295 . ودلائل الاِمامة : 396 . وإعلام الورى 2 : 91 .

22

سمّيناه ) (1) .

ونقل ابن شهرآشوب عن الشيخ الصدوق إنهنَّ : حكيمة وخديجة وأم كلثوم (2) . وزاد عليهن السيد ضامن بن شدقم في ( تحفة الاَزهار ) : فاطمة .

وفي ( الشجرة الطيبة ) للمدرس الرضوي المشهدي أن بنات الاِمام الجواد (عليه السلام) : زينب ، وأم محمد ، وميمونة ، وخديجة ، وحكيمة ، وأم كلثوم . وقال آخر : ولد الجواد (عليه السلام) عليّاً ، وموسى ، والحسن ، وحكيمة ، وبريهة ، وأُمامة ، وفاطمة (3) .

إذن ، المشهور أنّ للاِمام الجواد (عليه السلام) ابنة يقال لها ( حكيمة ) كانت جليلة القدر ، رفيعة المقام ، عالية الشأن . أوكل إليها أخوها الاِمام الهادي (عليه السلام) جاريته ( نرجس ) كي تعلمها معالم الدين ، وأحكام الشريعة ، وتؤدّبها بالآداب الاِلهية .

وزوّج الاِمام الهادي (عليه السلام) نرجس من ولده الاِمام العسكري (عليه السلام) فانجبت له الاِمام المهدي (عليه السلام) وقامت حكيمة بمهمّة القابلة لاُمّه ليلة ولادته (4) ، وصرّحت بمشاهدة الاِمام المهدي (عليه السلام) بعد مولده (5) .

وكان لحكيمة دور مهم بعد استشهاد الاِمام الحسن العسكري (عليه السلام) ، حيث كانت تقوم بدور السفارة بين الشيعة وبين الاِمام محمد المهدي (عليه السلام)

____________

1) الاِرشاد 2 : 295 . وإعلام الورى 2 : 106 .

2) مناقب آل أبي طالب 4 : 380 .

3) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : هامش ص 199 .

4) كمال الدين 2 : 424 | 1 ط2 . والغيبة | الشيخ الطوسي : 234 | 204 .

5) اُصول الكافي 1 : 330 | 3 . وكمال الدين 2 : 433 | 14 .

23

في غيبته الصغرى ، فكانت تقوم باستلام الكتب والمسائل وتوصلها إلى الاِمام (عليه السلام) ثم تستلم منه توقيعاته الشريفة وتوصلها إلى الناس (1) .

أضف إلى ذلك أنّها تروي حرز الاِمام الجواد (عليه السلام) ، وقد توفيت هذه السيدة الجليلة في مدينة سامراء ، ودفنت عند رجلي الاِمامين العسكريين (عليهما السلام) ، وقبرها مشهور معروف .

وغريب من مثل الشيخ المفيد أن يفوته التعرض لذكر اسمها ضمن تعداده لاَبناء الاِمام أبي جعفر الجواد (عليه السلام) ، مع أنّه ـ عليه الرحمة ـ ذكرها في « الاِرشاد » في ثاني خبر له في باب ذكر من رأى الاِمام الثاني عشر (عليه السلام) ، فقال : أخبرني أبو القاسم ، عن محمد بن يعقوب ـ وهو الكليني ـ ، عن محمد بن يحيى ، عن الحسين بن رزق الله ، قال : حدثني موسى بن محمد ابن القاسم ابن حمزة بن موسى بن جعفر ، قال : حدثتني حكيمة بنت محمد بن علي ـ وهي عمة الحسن (عليه السلام) ـ أنّها رأت القائم (عليه السلام) ليلة مولده وبعد ذلك (2) .

وأما ولده موسى المعروف بالمبرقع ، وإليه ينتهي نسب السادة الرضويين ، فقد عاش في المدينة ، وبعد شهادة أبيه انتقل إلى الكوفة فسكنها مدة ، ثم هاجر إلى قم فوردها سنة ( 256 هـ ) قاصداً استيطانها ، فكان أول سيد رضوي تطأ أقدامه هذه المدينة ، وكان من أهل الحديث والدراية . توفي في ربيع الآخر سنة ( 296 هـ ) ودفن في بيته .

النصّ على إمامته:

من نافلة القول معرفة أن منصب الاِمامة نص إلهي ، أبلغه تعالى نبيه

____________

1) بحار الاَنوار 102 : 79 ، وعنه رجال بحر العلوم 2 : 317 .

2) الاِرشاد 2 : 351 .

24

الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم نصّ على خلافة الاِمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) له (صلى الله عليه وآله وسلم) في منصب إمامة المسلمين؛ ثم كانت للرسول الاَعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مواقف وكلمات ـ في روايات وردتنا ـ صرّح في بعضها بأسماء الاَئمة خلفائه واحداً واحداً حتى اثني عشر إماماً ، كما أن الاَئمة (عليهم السلام) ـ باعتبار عصمتهم ـ نصوا على من يليهم بهذا المنصب ، ولم يكن الاَمر باختيارهم .

أخرج إبراهيم بن محمد الحمّوئي الشافعي في فرائده بسنده ، عن سعيد ابن جبير ، عن ابن عباس رفعه : « إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي لاِثنا عشر ، أوّلهم أخي وآخرهم ولدي » . قيل : يا رسول الله ومن أخوك ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « عليّ » . قيل : فمن ولدك ؟ قال : « المهدي الذي يملأ الاَرض قسطاً وعدلاً .. » الحديث (1) .

وفيه : عن الاَصبغ بن نباتة ، عن ابن عباس رفعه : « أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون » (2) .

وإمامنا الجواد (عليه السلام) وردت النصوص بإمامته عن جدّه النبيّ الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن آبائه (عليهم السلام) وإليك جملة من هذه النصوص:

نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :

عن جابر بن يزيد الجعفي قال : سمعت جابر بن عبدالله الاَنصاري يقول:

قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « يا جابر إن أوصيائي وأئمة المسلمين من بعدي

____________

1) فرائد السمطين 2 : 312 | 562 . وراجع : ينابيع المودة | القندوزي الحنفي 3 : 383 الباب 94 الطبعة الاُولى 1416 هـ ، تحقيق علي جمال أشرف الحسيني ، نشر دار الاُسوة ـ طهران .

2) فرائد السمطين 2 : 313 | 563 ، 564 . وراجع : ينابيع المودة 3 : 384 .

25

أوّلهم عليّ ، ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي المعروف بالباقر ، ستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام ، ثم جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي ، ثم علي ابن محمد ، ثم الحسن بن علي ، ثم القائم اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي محمد بن الحسن بن علي . . . » (1) .

ونقل صاحب الفرائد خبراً آخر يرويه ابن عباس عن يهودي يدعى نعثلاً حاجج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صفات الله ، ثم في أوصيائه وطلب من النبي تسميتهم ، فسماهم له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إثنا عشر وصيّاً (2) .

ونقل أخطب خوارزم الموفق بن أحمد في كتابه « مقتل الحسين » عن ابن شاذان قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عبدالله الحافظ حدثني علي بن علي بن سنان الموصلي عن أحمد بن محمد بن صالح عن سلمان بن محمد عن زياد بن مسلم عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر عن سلامة عن أبي سلمى راعي أبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : «ليلة أُسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ وعلا : ( آمن الرسول بما اُنزل إليه من ربّه ) ، قلت : والمؤمنون ، قال : صدقت يا محمد من خلفت في أمتك ، قلت : خيرها ، قال : علي بن أبي طالب ، قلت : نعم يا رب ، قال : يا محمد إنّي اطّلعت إلى الاَرض اطلاّعة فاخترتك منها فشققت لك اسماً من اسمائي فلا اذكر في موضع إلاّ ذكرت معي ، فأنا المحمود وأنت محمد ، ثم اطّلعت الثانية ، فاخترت عليّاً ، وشققت له اسماً من اسمائي ، فأنا الاَعلى وهو علي؛ يا محمد

____________

1) راجع : ينابيع المودة 3 : 398 الباب 94 . وكشف الغمة | الاِربلي 3 : 314 .

2) فرائد السمطين 2 : 132 | 431 ، وعنه أورده القندوزي في ينابيع المودة 3 : 281 الباب 76 .

26

اني خلقتك وخلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين والاَئمة من ولده من سنخ نور من نوري وعرضت ولايتكم على أهل السموات وأهل الاَرض فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ومن جحدها كان عندي من الكافرين ، يا محمد لو ان عبداً من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم اتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت له حتى يقرّ بولايتكم ، يا محمد أتحب أن تراهم ، قلت : نعم يارب ، فقال : لي التفت عن يمين العرش فالتفت فإذا أنا بعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والمهدي في ضحضاح من نور قياماً يصلّون وهو في وسطهم ـ يعني المهدي ـ كأنّه كوكب دري . قال : يا محمد هؤلاء الحجج وهو الثائر من عترتك ، وعزتي وجلالي انه الحجة الواجبة لاوليائي والمنتقم من أعدائي » (1) .

روى الشيخ المفيد (رحمه الله) بالاِسناد عن زكريا بن يحيى بن النعمان ، قال : سمعت علي بن جعفر بن محمد يحدّث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين ، فقال في حديثه : لقد نصر الله أبا الحسن الرضا (عليه السلام) لما بغى عليه إخوته وعمومته . . وذكر حديثاً طويلاً حتى انتهى إلى قوله : فقمت وقبضت على يد أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) ، وقلت له : أشهد أنك إمام عند الله . فبكى الرضا (عليه السلام) ثم قال : « يا عم ، ألم تسمع أبي وهو يقول : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : بأبي ابن خيرة الاِماء النوبية الطيبة ، يكون من ولده الطريد الشريد ، الموتور بأبيه وجده ، صاحب الغيبة . . . » (2) .

____________

1) مقتل الحسين | الخوارزمي : 95 ـ 96 . وعنه رواه الجويني الشافعي في فرائد السمطين 2 : 319 | 571 .

2) الاِرشاد 2 : 275 . وراجع : اصول الكافي 1 : 323 | 14 . وإعلام الورى 2 : 92 . وبحار الاَنوار 50 :

=

27

وروى الشيخ الصدوق في ( عيون أخبار الرضا ) بسنده عن محمد بن علي بن عبدالصمد الكوفي ، قال : حدثنا علي بن عاصم ، عن محمد بن علي ابن موسى ، عن أبيه علي بن موسى ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ، قال : « دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده أُبيّ بن كعب ، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : مرحباً أبا عبدالله ، يازين السموات والاَرض . . ثم ذكر حواراً طويلاً مفصّلاً بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أُبي ابن كعب ذكر له النبي أسماء الاَئمة ودعاء كل واحد منهم حتى وصل إلى إمامنا أبي جعفر الجواد (عليه السلام) ، فقال في صفته : وإنّ الله عزَّ وجلّ ركّب في صلبه ـ أي في صلب الاِمام الرضا (عليه السلام) ـ نطفة مباركة طيبة رضية مرضية ، وسمّاها محمد بن علي ، فهو شفيع شيعته ، ووارث علم جدّه . له علامة بيّنة ، وحجة ظاهرة ، إذا ولد يقول : لا إله إلاّ الله ، محمد رسول الله . . » الخبر (1) .

نصّ الاِمام الكاظم (عليه السلام) :

جاء في كتاب الغيبة لشيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله) خبر رُفع إلى محمد بن سنان ، قال : دخلت على أبي الحسن موسى (عليه السلام) من قبل أن يقدم العراق بسنة ، وعلي ابنه جالس بين يديه ، فنظر إليّ وقال : « يا محمد ستكون في هذه السنة حركة فلا تجزع لذلك . . إلى أن قال (عليه السلام) : من ظلم ابني هذا حقّه وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب (عليه السلام) إمامته وجحده حقّه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . قال : قلت : والله لئن مدّ الله لي في العمر لاُسلّمنّ له حقّه،

____________

=

21 | 7 .

1) عيون أخبار الرضا 2 : 62 | 29 .

28

ولاَقرنّ بإمامته . قال : صدقت يا محمد يمدُّ الله في عمرك وتسلّم له حقّه ، وتقرّ له بإمامته وإمامة من يكون بعده ، قال : قلت : ومن ذاك ؟ قال : ابنه محمد » . قال : قلت : له الرضا والتسليم (1) .

وهذا نصٌّ صريح بإمامته من جدّه الاِمام الكاظم (عليه السلام) . وهناك نصّ آخر في رواية طويلة ننقل منها موضع الحاجة ، يرويها يزيد بن سليط الزيدي في لقائه مع الاِمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في طريق مكة ، وهم يريدون العمرة ـ إلى أن قال : ـ . . ثم قال أبو إبراهيم (عليه السلام) : « إنّي أؤخذ في هذه السنة ، والاَمر إلى ابني عليّ سمي عليّ وعليّ ، فأما عليّ الاَول فعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وأما عليّ الآخر فعليّ بن الحسين ، أُعطي فهم الاَول وحكمته ، وبصره وودّه ودينه ، ومحنة الآخر وصبره على ما يكره ، وليس له أن يتكلم إلاّ بعد موت هارون بأربع سنين ، ثم قال : يا يزيد فإذا مررت بهذا الموضع ، ولقيته وستلقاه ، فبشّره أنه سيولد له غلام أمين مأمون مبارك ، وسيعلمك أنّك لقيتني فأخبره عند ذلك أنّ الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من بيت مارية القبطية جارية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإن قدرت أن تبلغها منّي السلام فافعل ذلك » .

ثم يرحل الاِمام الكاظم (عليه السلام) ، ويلتقي يزيد بالاِمام الرضا في نفس ذلك الموضع ويخبره ، ويقصّ عليه الخبر . فيجيبه الاِمام (عليه السلام) : « أما الجارية فلم تجيء بعد ، فإذا دخلت أبلغتها منك السلام » . قال يزيد : فانطلقنا إلى مكة ، واشتراها في تلك السنة ، فلم تلبث إلاّ قليلاً حتى حملت ، فولدت ذلك الغلام (2) .

____________

1) راجع : أُصول الكافي 1 : 319 | 16 . والغيبة | الشيخ الطوسي : 32 | 8 . و بحار الاَنوار 50 : 19 | 4 .

2) اُصول الكافي 1 : 313 ـ 319 | 14 . وإعلام الورى 2 : 50 وعنه بحار الاَنوار 50 : 25 ـ 28 | 17 .

نصّ الاِمام الرضا (عليه السلام) :

نصوص كثيرة رويت عن الاِمام الرضا (عليه السلام) بشأن إمامة أبي جعفر الجواد (عليه السلام) والنصّ عليه جمع شتاتها العلاّمة المجلسي واستوفاها في الجزء الخمسين من بحاره (1) فكانت ستة وعشرين نصّاً ، اخترنا منها النصوص التالية:

روى الكليني بسنده عن معمر بن خلاّد قوله : ذكرنا عند أبي الحسن (عليه السلام) شيئاً بعد ما ولد له أبو جعفر (عليه السلام) ، فقال : « ما حاجتكم إلى ذلك ، هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيّرته في مكاني » (2) .

وعنه بسنده ، عن الخيراني ، عن أبيه قال : كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن (عليه السلام) بخراسان ، فقال له قائل : يا سيدي إن كان كون فإلى من ؟ قال : « إلى أبي جعفر ابني » . فكأن القائل استصغر سنّ أبي جعفر (عليه السلام) ، فقال أبو الحسن (عليه السلام) : « إنّ الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم رسولاً نبيّاً ، صاحب شريعة مبتداة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر (عليه السلام) » (3) .

ونقل ابن الصباغ المالكي في فصوله المهمة عن الشيخ المفيد (قدس سره) بإسناده عن صفوان بن يحيى قال : قلت للرضا (عليه السلام) : قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر فكنت تقول : « يهب الله لي غلاماً » . فقد وهبه الله لك ، وقرَّ عيوننا به ، فلا أرانا الله يومك ، فإن كان كون فإلى مَن ؟ فأشار بيده إلى أبي

____________

1) بحار الأنوار 50 : 18 ـ 36 .

2) اُصول الكافي 1 : 321 | 6 . ونحوه في 1 : 320 | 2 . والإرشاد 2 : 276 . وإعلام الورى 2 : 93 . والفصول المهمة | ابن الصباغ المالكي : 261 .

3) اُصول الكافي 1 : 322 | 13 .

29

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

30

جعفر وهو قائم بين يديه ، فقلت له : جُعلت فداك ، وهذا ابن ثلاث سنين ؟ قال : « وما يضرُّ من ذلك ! قد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين » (1) .

كما نقل القندوزي الحنفي في ينابيعه ، عن فرائد السمطين للمحدث الجويني الخراساني الشافعي باسناده ، عن دعبل الخزاعي ، عن علي الرضا ابن موسى الكاظم (عليهما السلام) قال : « يا دعبل الاِمام من بعدي محمد ابني ، وبعد محمد ابنه علي ، وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته ، المطاع في ظهوره » (2) .

شهادات اُخرى :

وممن شهد بإمامة الجواد (عليه السلام) وأذعن لها عم أبيه : علي بن الاِمام جعفر الصادق (عليه السلام) المعروف بالعُريضي ، فقد روى الكليني (رحمه الله) بسنده ، عن محمد ابن الحسن بن عمار قال : كنت عند علي بن جعفر الصادق جالساً بالمدينة ، وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما سمع من أخيه ـ يعني أبا الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) ـ إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فوثب علي بن جعفر؛ بلا حذاء ولا رداء فقبّل يده وعظّمه ، فقال له أبو جعفر (عليه السلام) : « يا عم إجلس رحمك الله » ، فقال : يا سيدي ! كيف أجلس وأنت قائم ؟

____________

1) الفصول المهمة : 261 . وراجع : الإرشاد 2 : 276 . وإثبات الوصية | المسعودي : 185 . واُصول الكافي 1 : 321 | 10 باختلاف يسير جداً . وذكر نحوه الخزاز في كفاية الأثر : 279 .

2) ينابيع المودة 3 : 348 الباب 86 . وفرائد السمطين 2 : 337 | 591 . نقله عن عيون أخبار الرضا 2 : 296 | 35 من الباب 66 .

31

فلمّا رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه ويقولون : أنت عم أبيه ، وأنت تفعل به هذا الفعل ؟ ! فقال : ( اسكتوا ، إذا كان الله عزَّ وجلّ ـ وقبض على لحيته ـ لم يؤهل هذه الشيبة ، وأهّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه ، أُنكر فضله ؟ ! نعوذ بالله مما تقولون ، بل أنا له عبد ) (1) .

وروى الكشي بسنده عن علي بن جعفر خبراً له مع واقفي حاججه في أمر الاِمامة ، فأجابه علي بن جعفر جواباً قاطعاً بأن أبا جعفر الجواد (عليه السلام) هو الاِمام الناطق بعد أبيه علي بن موسى الرضا (2) .

كما روى الكشي في رجاله باسناده عن أبي عبدالله الحسين بن موسى ابن جعفر ، قال : كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) بالمدينة وعنده علي بن جعفر ، وأعرابي من أهل المدينة جالس ، فقال لي الاَعرابي : من هذا الفتى ؟ وأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السلام) . قلت : هذا وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . فقال : يا سبحان الله ! رسول الله قد مات منذ مئتي سنة وكذا وكذا سنة ، وهذا حدث ، كيف يكون ؟ !

قلت : هذا وصي علي بن موسى ، وعلي وصيّ موسى بن جعفر ، وموسى وصيّ جعفر بن محمد ، وجعفر وصيّ محمد بن علي . . الخبر (3) .

وهذا الخبر من جملة الاَحاديث والمرويات المستفيضة في مظانها ، الدالة على أنّه كان معروفاً آنذاك أن الاَئمة من أهل البيت (عليهم السلام) هم أوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنص عليهم واحداً بعد واحد .

____________

1) اُصول الكافي 1 : 322 | 12 .

2) رجال الكشي : 429 | 803 .

3) رجال الكشي : 429 | 804 .

32

العمر ومنصب الاِمامة :

ليس غريباً إذا قلنا : إنّه لا مدخلية للعمر في تسنّم منصب الاِمامة ، ولو أن ظاهرة الاِمام الجواد (عليه السلام) كانت الاُولى من نوعها في الاِسلام على ما هو معهود ومعروف ! إلاّ أنها لم تكن الاُولى في العالم على مستوى حركة الاَنبياء والرسل وأوصيائهم السابقين ، فذاك عيسى بن مريم آتاه الله الحكمة والنبوة وكان في المهد صبياً ، وقبله كان يحيى ، فقد آتاه الله الحكم والكتاب وهو صبي ( وآتَينَاهُ الحُكمَ صَبِيّاً ) (1) .

(فإنّ الظاهرة التي وجدت مع هذا الاِمام وهي ظاهرة تولّي شخص للاِمامة وهو بعد في سن الطفولة ، على أساس أن التاريخ يتّفق ويُجمع على أنّ الاِمام الجواد توفي أبوه وعمره لا يزيد عن سبع سنين . ومعنى هذا أنّه تولّى زعامة الطائفة الشيعية روحياً وفكرياً وعلمياً ودينياً وهو لا يزيد عن سبع سنين ، هذه الظاهرة التي ظهرت لاَول مرة في حياة الاَئمة في الاِمام الجواد (عليه السلام) ) (2) .

وقد قدّمنا في الفصل الاَول الروايات التي تنصّ على أنّ الاِمام الرضا (عليه السلام) وهو الاِمام المعصوم قد شهد بأن مولوده الصغير ـ وكان يشير إليه ـ سيكون الاِمام من بعده بالرغم من صغر سنِّه (3) ، وبذلك فقد حلَّ الاِمام الرضا (عليه السلام) إشكالية المسألة في حياته وأرجع أصحابه وشيعته وجميع

____________

1) سورة مريم : 19 | 12 .

2) من محاضرة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) في 29 ذي القعدة الحرام سنة 1388 هـ لم تنشر توجد ضمن مستندات ووثائق موسوعة الشهيد الصدر .

3) راجع النصوص المتقدمة آنفاً عن اُصول الكافي 1 : 321 | 10 و322 | 13 و383 | 2 . وإثبات الوصية : 185 .

33

المسلمين إلى ابنه الجواد (عليه السلام) .

ثم إنّ الاِمام الجواد (عليه السلام) نفسه قد أدرك الشك والحيرة من بعض أصحاب أبيه في هذا الاَمر؛ لاَنّهم لم يألفوا ذلك من قبل فأراد في بعض المواقف تبيان هذه الظاهرة ، وإلفات نظر المتردّدين إلى الحقيقة التي غابت عن أذهانهم ، فقد روى الكليني بالاِسناد عن علي بن اسباط ، قال : خرج (عليه السلام) عليَّ فنظرت إلى رأسه ورجليه؛ لاَصف قامته لاَصحابنا بمصر ، فبينا أنا كذلك حتى قعد ، فقال : «يا عليّ ، إن الله احتجّ في الاِمام بمثل مااحتجّ في النبوّة ، فقال : ( وآتينَاهُ الحُكمَ صَبيّاً ) (1) ، قال : ( ولمَّا بَلَغ أشُدَّهُ ) (2) ، ( وبَلَغَ أربعينَ سَنَةً) (3) فقد يجوز أن يؤتى الحكمة صبيّاً (4) ، ويجوز أن يُعطاها وهو ابن أربعين سنة » (5) .

وعندما يُسأل عن هذا الموضوع وهو ابن سبع سنين أو نحوها ، يجيب سائله إجابة قاطعة ليس فيها ترديد ولا تورية . . جواب واثق مطمئن من إمامته على الناس ، وهو ما رواه الكليني بالاِسناد عن محمد بن اسماعيل بن بزيع ، قال : سألته ـ يعني أبا جعفر (عليه السلام) ـ عن شيء من أمر الاِمام ، فقلت : يكون الاِمام ابن أقل من سبع سنين ؟ فقال : « نعم ، وأقلّ من خمس سنين » .

فقال سهل : فحدثني علي بن مهزيار بهذا في سنة إحدى وعشرين

____________

1) سورة مريم : 19 | 12 .

2) سورة يوسف : 12 | 22 . وسورة القصص . 28 | 14 .

3) سورة الأحقاف : 46 | 15 .

4) في الرواية الاُخرى : الحكمة وهو صبي .

5) اُصول الكافي 1 : 494 | 3 ، ومثله أيضاً 1 : 384 | 7 باب حالات الأئمة في السن .

34

ومائتين (1) .

كما أنّه (عليه السلام) يردّ على المنكرين عليه صغر سنه بشواهد قرآنية لها مصاديق من سيرة الرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو ما نقرأه في رواية الكليني الاُخرى عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : قال علي بن حسان لاَبي جعفر (عليه السلام) : يا سيدي ، إنّ الناس ينكرون عليك حداثة سنّك ، فقال : « وما ينكرون من ذلك ، قول الله عزَّ وجلَّ ؟ لقد قال الله عزَّ وجلَّ لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلي أدعُو إلى اللهِ على بَصيرَةٍ أنا وَمَن اتَّبعَني ) (2) فوالله ما تبعه إلاّ علي (عليه السلام) وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين » (3) .

من خلال التأمل في الروايات التي مرَّ ذكرها يتبيّن لنا تركيز الاَئمة (عليهم السلام) على دور الاِمامة في حياة الاُمّة ، ومقارنتها بالنبوّة . وطبيعي أن تُقرن الاِمامة بالنبوة لما بينهما من سنخية واحدة ، فالاِمام (عليه السلام) إنّما يلفت نظر الناس إلى أن العمر لا مدخلية له في منصبي النبوّة والاِمامة؛ لاَنّهما منصبان يتعينان من قبل الله سبحانه وتعالى ، والله تعالى لا يختار لرسالاته إلاّ المعصوم المتحصل لجميع الكمالات ، وعليه فهو تبارك وتعالى لايتعامل مع سن المبعوث بقدر ما يتعامل مع ظروف المرحلة التي تمر بها الرسالة والاُمّة ، ومدى الحاجة إلى الشخص المختار لتدارك حالة المجتمع في مقطع زمني معين تكون الحاجة إليه هناك ماسة وضرورية .

نعم ، فالاِمام يريد أن يقول للناس : عليكم أن تنظروا للاِمام . . أن تتعاملوا

____________

1) اُصول الكافي 1 : 384 | 5 .

2) سورة يوسف : 12 | 108 .

3) اُصول الكافي 1 : 384 | 8 .

35

مع منصب الاِمامة ، كما تنظرون إلى مقام النبوّة وتتعاملوا معها . فالاِمامة امتداد طبيعي للنبوّة ، لذلك تكتسب نفس قداستها؛ لاَنّهما ـ كما قلنا ـ من مختصات السماء ، وما ترسله السماء يجب أن يكون له قدسية خاصة ، وأنها ـ أي الاِمامة ـ « . . أجلّ قدراً ، وأعظم شأناً ، وأعلى مكاناً ، وأمنع جانباً ، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالونها بآرائهم ، أو يقيموا إماماً باختيارهم . . » (1).

ولما كان هذا حال الاِمامة والاِمام ، يجريان مجرى النبوة والاَنبياء ، فإنّه يجوز على الاِمام أن يتولى الاِمامة وهو ابن سنتين ـ مثلاً ـ أو أقل من ذلك أو أكثر ، كما جاز ذلك في النبوّة وهو ما عرفناه من قبل في مثال يحيى بن زكريا ، وعيسى بن مريم (عليهما السلام) .

والشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) في محاضرته التي أشرنا إليها قبل قليل يلفت النظر إلى أنّه لو تم دراسة ظاهرة إمامة الجواد (عليه السلام) بقانون حساب الاحتمالات لتبيّن : ( أنّها وحدها كافية للاقتناع بحقانية هذا الخط الذي كان يمثله الاِمام الجواد (عليه السلام) ) . وهو طريق عقلي آخر يضاف إلى طرق إثبات الاِمامة وحصرها بأهل البيت (عليهم السلام) ، ثم يفترض السيد الشهيد (قدس سره) عدة افتراضات يمكن أن تُثار حول إمامة الاِمام الجواد (عليه السلام) ويجيب عنها منطقياً وتاريخياً ، لكنه (قدس سره) يجيب قبل طرح الافتراضات فيقول : ( إذ كيف يمكن أن نفترض فرضاً آخر غير فرض الاِمامة الواقعية في شخص لا يزيد عمره عن سبع سنين ويتولّى زعامة هذه الطائفة في كلِّ المجالات الروحية والفكرية والفقهية والدينية ) .

____________

1) اُصول الكافي 1 : 199 | 1 .

36

-

37

الفصل الثاني

الحالة السياسية في عصر الإمام (عليه السلام)

تميّزت الفترة الزمنية التي عاشها الاِمام الجواد (عليه السلام) بعد استشهاد والده الاِمام الرضا (عليه السلام) ؛ بهدوء سياسي نسبي ، بعد أن تمّ تصفية الحساب في وقت سابق بين الاَخوين العباسيين الاَمين والمأمون بمقتل الاَول ( 25 محرم 198هـ ) ، وتفرّد الثاني بالسلطة السياسية ، وقد خلا له الجو من المنافس السياسي سوى الاِمام الرضا (عليه السلام) ، الذي كان يتصدّر الزعامة الروحية والاجتماعية للمجتمع الاِسلامي ، وسوى بعض الثورات والانتفاضات العلوية هنا وهناك ، والتي سرعان ما قُضي عليها بحنكة سياسية ، ودهاء ماكر ، وقوة عسكرية حاسمة ، ثم دُبّر أمر تصفية الاِمام الرضا (عليه السلام) في آخر صفر (1)سنة 302 هـ ، بمكيدة ودهاء تامّين ، الاَمر الذي جنّب المأمون أيّ مشكلة سياسية ذات بال تواجه استقرار الحكومة .

أما اضطرابات بغداد وانفصالها عن سلطة المأمون ، ومبايعة عمّه إبراهيم

____________

1) تاريخ الطبري 7 : 150 . والشذرات الذهبية | ابن طولون : 98 وفيه : آخر صفر سنة اثنتين ومئتين . وفي التنبيه والاِشراف | المسعودي : 303 : في أول صفر؛ لكنه في إثبات الوصية : 182 ، قال : مضى ـ صلّى الله عليه ـ في سنة اثنين ومئتين من الهجرة في آخر ذي الحجة . وروي أنّه مضى في صفر ، والخبر الاَول أصح .

38

ابن المهدي العباسي في ( 5 محرم سنة 202 هـ ) بالخلافة ، ثم مناوشاتهم وحروبهم مع ولاة دولة المأمون ، فسرعان ما أُخمدت وعادت بغداد إلى أحضان دولة الخلافة المأمونية ، بدخول المأمون مدينة السلام على رأس جيش خراساني لجب في 18 صفر سنة 204 هـ (1) .

وبعد استتباب الاَوضاع السياسية في بغداد ، واستقرار شؤون الدولة في العاصمة الجديدة ( بغداد ) ، من بناء القصور الملكية والدواوين ( الوزارات ) ، والمراكز الاَمنية وغيرها ، تتناهى إلى سمع المأمون أخبار أبي جعفر ابن الرضا (عليه السلام) واحتفاء الناس به ، وظهور كراماته ومعجزاته . .

فيتأمل المأمون ـ وهو السياسي المحنّك والخبير ـ في الاَمر ملياً ، ويرسل خلف الاِمام ابن الرضا (عليه السلام) يستدعيه من المدينة إلى بغداد في تلك السنة . وفي تقديرنا أن التحرك السياسي للاِمام الجواد (عليه السلام) يبتدئ من السنة التالية ( 205 هـ ) التي وصل فيها إلى بغداد بعد أن أدّى نسك الحج ، وعاد إلى المدينة ليجمع أهل بيته وعمومته من الهاشميين وخدمه؛ لمرافقته إلى عاصمة الدولة لاِجابة ( المأمون ) طلبه ، وكان له (عليه السلام) أول لقاء مع المأمون العباسي في التاريخ المذكور ، ومن ذلك الوقت يبدأ المسلسل التاريخي الحافل السياسي ، والاجتماعي ، والعلمي لحياة جواد الاَئمة (عليهم السلام) .

بعد هذه التقدمة الموجزة ندخل إلى رحاب الحياة السياسية للاِمام الجواد (عليه السلام) ، باستشفاف بعض ملامح موقف السلطة العباسية تجاه الاِمام (عليه السلام) من جهة ، وتجاه الشيعة عموماً من جهة اُخرى .

____________

1) راجع : التنبيه والإشراف | المسعودي : 302 ـ 304 .

39

الموقف السياسي بعد شهادة الاِمام الرضا (عليه السلام) :

كانت الفترة بين ( رمضان 201 ـ صفر 203 هـ ) (1) التي تقلّد فيها الاِمام الرضا (عليه السلام) ولاية العهد سنيّ هدوء نسبي إلاّ ما كان من اضطراب الاَمور في بغداد حنقاً على المأمون ؛ لمقتل محمد الاَمين أولاً؛ ولتوليته العهد من بعده للرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ظناً منهم أن الخلافة ستخرج من بني العباس إلى آل أبي طالب ، لكن تبيّن بعد ذلك أن المأمون كان يفكر غير ماكانوا يستعجلون تفكيره .

وأما السنوات القلائل التي أعقبت استشهاد الاِمام الرضا (عليه السلام) فكانت هي الاُخرى مشحونة بالحذر والترقب من قبل الشيعة عموماً والبيت الهاشمي خصوصاً؛ للسياسة التي اتخذها المأمون في تقريب الاِمام الجواد (عليه السلام) وإنزاله تلك المنزلة منه ، وهذا الترقب والحذر راجع إلى عدة أمور لعلّ من أهمها ما نوجزه بالنقاط التالية:

1 ـ شغف المأمون بأبي جعفر (عليه السلام) بعد أن استدعاه من المدينة المنورة إلى بغداد؛ لما رأى من غزارة علمه وهو لم يبلغ الحلم بعد ، ولم يحضر عند أحد للتلمّذ والدراسة ، ثم إنّ صغر السن وامتلاك علوم جمة والجلوس للمناظرة والحجاج مع كبار الفقهاء هي ظاهرة فريدة وغريبة في دنيا الاِسلام

____________

1) هناك نصّ نقله النجاشي في رجاله : 277 رقم 727 . وشيخ الطائفة الطوسي في أماليه : 359 | 749 يشير إلى أنّ الاِمام الرضا (عليه السلام) كان في خراسان سنة ( 198 هـ ) ، حيث يروي أبو الحسن علي أخو دعبل الخزاعي أنّه ودعبل رحلا إلى الاِمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) والتقياه في تلك السنة ، وحدّثهما إملاءً في رجب من ذلك العام ، وأقاما عنده إلى آخر سنة ( 200 هـ ) . ثم خرجا من عنده متوجهين صوب قم حيث أشار الاِمام (عليه السلام) إليهما أن يصيرا إليها وهما في طريق عودتهما إلى واسط ، بعد أن خلع عليهما وزودهما وأعطاهما من الدراهم الرضوية ما يعينهما .

40

يومذاك ، تجلب الانتباه وتأخذ بالعقول وتستهويها؛ لهذا فقد أبقاه عنده فترة طويلة .

2 ـ المأمون ، ولاَجل رفع أصابع الاتّهام عنه باغتيال الاِمام الرضا (عليه السلام) ، أراد أن يثبت ظاهرياً للعوام والخواص حبه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، من خلال بقائه على ولاء وحب البيت العلوي؛ لذلك أظهر اهتماماً زائداً ، وتكريماً متميزاً للاِمام الجواد (عليه السلام) ، بل وأقرّ له ما كان يعطي أباه الرضا (عليه السلام) من عطاء وزيادة ، فبلغ عطاؤه ألف ألف درهمٍ سنوياً (1) .

3 ـ تزويجه إياه من ابنته ( زينب ) المكناة بأم الفضل ، واسكانه قصور السلطنة .

4 ـ توليته بعد وروده بغداد عام ( 204 هـ ) عبيدالله بن الحسن بن عبيدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) مكة والمدينة . وبقي على ولايتهما حتى أواخر عام ( 206 هـ ) .

5 ـ أمره ولاة الاَقاليم والخطباء بإظهار فضائل الاِمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على المنابر في جميع المناسبات .

6 ـ تبنّيه مذهب الاعتزال وإظهار القول بخلق القرآن في ربيع الاَول سنة ( 212 هـ ) ، وكان الدافع من وراء ذلك ـ على ما يظهر لنا ـ سياسياً ، لاَجل تصفية بعض الخصوم وإبعاد البعض الآخر ، وإجبار بعض الفقهاء ، خارج المدار السلطاني ، الدخول في فلك البلاط؛ لتمرير بعض المآرب السياسية في مرحلة لاحقة . ثم لعلّه أراد من إظهار هذا الحق باطلاً كان يختبئ في

____________

1) مرآة الجنان | اليافعي 2 : 80 .

41

مطاوي نفسه التي لم تُعرف نواياها الحقيقية ، فماتت معه بموته .

كما أراد صرف الناس عن التوجه إلى أهل البيت (عليهم السلام) والتمسك بمنهجهم القويم .

بهذا الدهاء السياسي استطاع المأمون العباسي سحب البساط من تحت أرجل شيعة أهل البيت (عليهم السلام) عموماً ، والطالبيين بشكل أخص ، وفوّت عليهم فرصة أي ثورة أو انتفاضة ضد حكومته . وبذلك تمكن من أن يأمن هذا الجانب ـ وإن كان على حذر ووجل إلى فترة غير قليلة ـ استطاع خلالها ترتيب البيت العباسي ، واستحكام أمر الخلافة . ولم يكن المأمون مستعجلاً هذه المرة مع الاِمام الجواد (عليه السلام) الصبي الصغير ثم الشاب اليافع ، بشأن تصفية وجوده ، لما يشكّله (عليه السلام) من خطر على مستقبل الخلافة والوجود العباسي ككل .

ولقد انعكس ذلك الهدوء السياسي النسبي الذي أعقب تولي الاِمام الرضا (عليه السلام) عهد المأمون له بالخلافة من بعده ، على امتداد فترة إمامة أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ، إلاّ ما كان من ثورة عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في اليمن سنة ( 207 هـ ) .

كان هذا مجمل الوضع السياسي بُعيد استشهاد الاِمام الرضا (عليه السلام) ، وتسنّم الاِمام الجواد (عليه السلام) منصب الاِمامة ، واظهاره لها وهو حدث صغير ، الاَمر الذي جعل الاَنظار تتجه نحوه ، وتصطكّ عنده رُكَبُ العلماء ، وتُثنى أمامه هيبةً وإذعاناً لعلمه .

ثم ما كان من أحداث ( قم ) سنة ( 210 هـ ) . وفي سنة ( 214 هـ ) كانت حركة جعفر بن داود القمي في مصر . وسنأتي على تفصيل هذه الثورات

42

والحركات في خاتمة هذا الفصل إن شاء الله .

وفي مطلع سنة ( 215 هـ ) كان خروج المأمون لغزو الروم ، ماراً بتكريت سالكاً طريق الموصل ـ نصيبين على ما يبدو . وقد طال أمد حروبه نسبياً مع الروم فاستمرت حتى وفاته في عام ( 218 هـ )(1) تخللتها فترات هدنة عاد فيها إلى الشام .

ولعلّ آخر حدث في حياة الاِمام الجواد (عليه السلام) كان خروج محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الطالقان من بلاد خراسان عام ( 219 هـ ) يدعو للرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

القول بخلق القرآن :

في ربيع الاَول من عام ( 212 هـ ) أظهر المأمون لاَول مرة القول بخلق القرآن الكريم ، وتفضيل علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وأنّه أفضل الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . ثم بعد فترة أصدر ( مرسوماً ) ملوكياً وعممه على كافة ولايات الامبراطورية الاِسلامية يدعو فيه القضاة والمحدِّثين للقول بخلق القرآن ، وإلاّ رُدّت شهاداتهم ، وأمر بإشخاص جماعة منهم إليه ، وكان يومها في الرقة .

أما السبب الذي قاد إلى أطروحة خلق القرآن هو أن بعض المثقفين والعلماء الذين لم يكونوا ميالين إلى السلطة السياسية ، ولم يستطيعوا خوض نضال سياسي واجتماعي مكشوف مع السلطة خوفاً على استمرارية وجودهم في الحياة ، لِمَا تميّز به الدور الاَموي من طابع قمعي استبدادي .

____________

1) تاريخ الطبري 7 : 189 ـ 190 .

43

فقد انتحلوا مذهب الاعتزال الذي أخذ بدوره يطوّر الفلسفة الاِسلامية عن طريق علم الكلام الذي يغلب عليه الطابع السجالي العقلي الحر ، واعتماده الجدل المنطقي ، والقياس في مناقشة القضايا الكلامية . ثم كان من مقولاتهم : المنزلة بين المنزلتين ، وحرية الاختيار ( التفويض ) ، وأخيراً خلق القرآن .

وبوصول نوبة الخلافة إلى المأمون ودعمه مذهب الاعتزال ، حدا به الموقف ( السياسي ـ العقيدي ) إلى اتّباع وسائل إدارية قسرية لفرض وإشاعة هذا المذهب ، حتى بلغ الاَمر أن أصدر مرسومه السلطاني ـ فيما بعد ـ بعدم تقليد منصب القضاء لغير معتنقي مذهب الاعتزال والقائلين بخلق القرآن .

هذه الاَطروحة الفكرية العقائدية التي كان يُراد منها تصفية بعض المناوئين للسلطة العباسية ، أضحت سياسة رسمية للدولة أيام حكم المأمون والمعتصم والواثق ، يُعاقَب من لم يقل بها ويتّخذها مبدأً له . وفعلاً فقد شكّل هذا المقطع الزمني ( محنة ) بالنسبة لغير ( فقهاء السلطان ) . فقد وجدوا أنفسهم في مواجهة تحول الفكر والمعتقد إلى مؤسسة من مؤسسات السلطة التي أخذت تلوّح بعصا الايديولوجية؛ لسحق المعارضة السياسية ، وضرب المعارضة الفكرية في آن واحد .

والتأريخ لم يحدثنا عن موقف للاِمام الجواد (عليه السلام) من هذه القضية التي كانت مثار جدل ونقاش سنين عديدة .

الاِمام والسلطة :

قبل الحديث عن علاقة الاِمام أبي جعفر الثاني (عليه السلام) بالسلطة العباسية ،

44

والمأمون العباسي رأس السلطة بالخصوص ، ثم ما تمخض عن تلك العلاقة من إرهاصات ، لابدّ من إلقاء الضوء على بعض المقدمات التي استرعت انتباه السلطة الحاكمة ، وجعلتها تولي قضية الاِمام الجواد (عليه السلام) أهمية خاصة ، سيّما وأن إمامته (عليه السلام) وهو بهذه السن غير المعهودة من قبل ، قد طار صيتها في الآفاق ، وأخذت تجتذب إليها القلوب ، وتستهوي جماهير الاُمّة الاِسلامية ، وراح حديث خلافة أبي جعفر لاَبيه الرضا (عليهما السلام) في منصب الاِمامة ، ونبوغه العلمي وهو في هذا السن المبكر يسري شيئاً فشيئاً إلى مختلف أقطار الدولة الاِسلامية ، بعد أن أصبح حديث عامة الناس وشغلهم في مكة والمدينة .

ومرة اُخرى اختلفت كلمة الشيعة بعد استشهاد الاِمام الرضا (عليه السلام) ، ووقعوا في حيرة من أمر الاِمامة؛ لاستصغار بعضهم سنّ أبي جعفر (عليه السلام) ، رغم أن الرضا (عليه السلام) طالما أكّد لشيعته وأصحابه حال حياته بصريح العبارة ، وأبو جعفر لم يتجاوز الثلاث سنوات ، بأنّه إمامهم ومولاهم من بعده ، وقد مرّت الاِشارة إلى تلك الاَحاديث في النص على إمامته (عليه السلام) من الفصل الاَول . ولكن . . وبعد استشهاد الاِمام الرضا (عليه السلام) تحيرت الشيعة واضطرب أمرهم في كلِّ الاَمصار ، ففي بغداد مثلاً ( اجتمع الريان بن الصلت ، وصفوان ابن يحيى ، ومحمد بن حكيم ، وعبدالرحمن بن الحجاج ، ويونس بن عبدالرحمن وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبدالرحمن بن الحجاج في ( بركة زلزل ) يبكون ويتوجعون من المصيبة .

فقال لهم يونس بن عبدالرحمن : دعو البكاء ، من لهذا الاَمر ، وإلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا الصبي ؟ يعني أبا جعفر (عليه السلام) ، وكان له ست

45

سنين وشهور (1) . ثم قال : أنا ومَن مثلي !

فقام إليه الريّان بن الصلت فوضع يده في حلقه ، ولم يزل يلطمه ويقول له : أنت تظهر الاِيمان لنا وتبطن الشكّ والشرك، : إن كان أمره من الله جلّ وعلا ، فلو أنّه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه ، وإن لم يكن من عند الله فلو عمّر ألف سنة فهو واحد من الناس ، هذا مما ينبغي أن يفكّر فيه . فأقبلت العصابة عليه ( يونس بن عبدالرحمن ) تعذله وتوبّخه .

وكان وقت الموسم ، فاجتمع من فقهاء بغداد والاَمصار وعلمائهم ثمانون رجلاً ، فخرجوا إلى الحج ، وقصدوا المدينة؛ ليشاهدوا أبا جعفر (عليه السلام) فلمّا وافوا ، أتوا دار الاِمام جعفر الصادق (عليه السلام) ؛ لاَنّها كانت فارغة ، ودخلوها وجلسوا على بساط كبير ، وخرج إليهم عبدالله بن موسى ، فجلس في صدر المجلس ، وقام منادٍ وقال : هذا ابن رسول الله ، فمن أراد السؤال فليسأله .

فقام إليه رجل من القوم فقال له : ما تقول في رجل قال لامرأته أنتِ طالق عدد نجوم السماء ؟ قال : طلقت ثلاث دون الجوزاء . ثم قام إليه رجل آخر فقال : ما تقول في رجل أتى بهيمة ؟ قال : تقطع يده ، ويجلد مئة جلدة ، ويُنفى .

فورد على الشيعة ما حيّرهم وغمّهم ، واضطربت الفقهاء وقاموا وهمّوا بالانصراف ، وقالوا في أنفسهم : لو كان أبو جعفر (عليه السلام) يكمل لجواب المسائل لما كان من عبدالله ما كان ، ومن الجواب بغير الواجب ، فهم في ذلك إذ فُتح باب من صدر المجلس ، ودخل ( موفق ) وقال : هذا أبو جعفر ، فقاموا إليه بأجمعهم واستقبلوه وسلّموا عليه ، فدخل (عليه السلام) وعليه قميصان ،

____________

1) بناءً على هذه الرواية نستظهر أن شهادة الاِمام الرضا (عليه السلام) كانت سنة ( 202 هـ ) .

46

وعمامة بذؤابتين إحداهما من قدّام والاُخرى من خلف ، ونعل بقبالين (1) ، فجلس وأمسك الناس كلّهم ، ثم قام صاحب المسألة الاُولى ، فقال : يابن رسول الله ، ما تقول فيمن قال لامرأته أنتِ طالق عدد نجوم السماء ؟

فقال له : « يا هذا اقرأ كتاب الله ، قال الله تبارك وتعالى : ( الطلاقُ مرَّتانِ فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريح بإحسانٍ ) (2) في الثالثة » . قال : فإن عمّك أفتاني بكيت وكيت . فقال : « يا عم اتّق الله ولا تفتِ وفي الاُمّة من هو أعلم منك » .

فقام إليه صاحب المسألة الثانية ، فقال له : يا بن رسول الله ، ما تقول في رجل أتى بهيمة ؟ فقال : « يُعزّر ، ويُحمى ظهر البهيمة ، وتُخرج من البلد حتى لا يبقى على الرجل عارها » . فقال : إنّ عمّك أفتاني بكيت وكيت . فالتفت وقال بأعلى صوته : « لا إله إلاّ الله ، يا عبدالله ! إنّه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يدي الله فيقول لك ، لم أفتيت عبادي بما لا تعلم وفي الاُمّة من هو أعلم منك ؟ » .

فقال عبدالله بن موسى : رأيت أخي الرضا وقد أجاب في هذه المسألة بهذا الجواب .

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : « إنّما سُئل الرضا عن نبّاش نبش قبر امرأة ففجر بها ، وأخذ ثيابها ، فأمر بقطعه للسرقة ، وجلده للزنا ، ونفيه للمثلة » . ففرح القوم ، ودعوا له وأثنوا عليه ) (3) .

____________

1) القِبال : سير من الجلد طويل يربط على الرجل لشدّ النعال .

2) سورة البقرة : 2 | 229 .

3) النص أخذناه عن عيون المعجزات : 122 ـ 123 . وعنه بحار الاَنوار 50 : 99 | 12 . والزيادات فيه

=

47

نعم ، فرح القوم لِمَا عرفوا من أن الاِمامة حقاً متعيّنة في هذا الفتى المستوعب للفقه . . الحاضر الجواب . . العارف بإجابة أبيه ، وقد تركه أبوه طفلاً صغيراً في الخامسة من عمره . .

وجاء في العديد من المصادر أن القوم سألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة (1) ، ووجدنا أن البعض أخذ يلتمس وجوهاً لتبرير عدم معقولية مثل هذا العدد الهائل من المسائل في مجلس واحد (2) . وهو أمر غير معقول طبعاً ، اللهمّ إلاّ أن يستمر انعقاد المجلس لعدة أيام أو يُخفّض العدد إلى الثلاثين . والمرجّح ـ وإلى هذا الرأي ذهب آخرون ـ أن ( الألف ) زيادة من النسّاخ ، فإنّ الفيض الكاشاني؛ نقل الخبر في المحجة البيضاء وليس فيه كلمة ( ألف ) (3) .

من ثمّ ـ وبعد استتباب الاَوضاع الاَمنية داخلياً ـ بدأ يتناهى إلى سمع الدولة في بغداد ، احتفاء الناس بالاِمام وانبهارهم بعلومه على صغر سنه . ونظراً لاَنّ اللعبة السياسية لم تنته بعد . فبغياب نجم الاِمام الرضا (عليه السلام) ، برز نجم آخر لمع في دنيا الاِسلام ، أخذ يستقطب إليه الاُمّة شيئاً فشيئاً بجاذبية يندر وجودها في أكابر الشخصيات العلمية أو السياسية .

إذن فمشكلة الاِمامة ـ بالنسبة للسلطة العباسية ـ واستقطاب جماهير

____________

=

أوردناها عن رواية الطبري في دلائل الاِمامة : 388 ـ 390 . وراجع : اختصاص الشيخ المفيد : 102 طبع قم . ومناقب آل أبي طالب 4 : 382 ـ 383 .

1) اُصول الكافي 1 : 496 | 7 .

2) راجع : بحار الاَنوار 50 : 93 .

3) راجع : المحجة البيضاء 4 : 306؛ لكنه في كتاب الوافي 3 : 830 | 1440 أورد الخبر نفسه عن اُصول الكافي وفيه ثلاثون ألف مسألة ولم يعلّق عليه .

48

الاُمّة لم تزل قائمة إلى الآن ، وفصول المسلسل ( الدرامي ) الذي لم ينته بانتهاء الاِمام الرضا (عليه السلام) . . يجب أن يُعالج هذه المرة بأُسلوب أهدأ . . وطريقة طبيعية تُسقط الاِمام والاِمامة من أعين الناس ، دون استخدام العنف أو التصفية الجسدية . .

فلقد سعى المأمون الداهية المتآمر ، وهو أعظم خلفاء بني العباس خطراً . . . وأكثرهم علماً . . وأبعدهم نظراً . . وأشدهم مكراً . . وأخفاهم مكيدة . . سعى هو وحاشيته إلى الالتفاف على الاِمام أبي جعفر (عليه السلام) بالمكر والتحايل؛ لقتله وهو ما يزال حيّاً ، وذلك بإسقاطه في أعين الناس ، وكذا فعل المعتصم . ففي إحدى المرات وصل بهم خبث السريرة إلى أنهم أرادوا إيثاق الاِمام وسقيه خمراً إلى حدِّ الاِسكار ، ثم إخراجه إلى الناس على تلك الحالة مضمّخاً بخلوق الملوك . لكنّ كيدهم لم يتم بإذن الله تعالى ، إذ منعهم المأمون من ذلك قبل تنفيذ خطتهم ، حيث خاف عواقب هذا الفعل الشنيع ، قائلاً لهم : لا تؤذوا أبا جعفر . . (1) .

كما احتال المأمون على أبي جعفر (عليه السلام) بكل حيلة فلم يمكنه فيه شيء ، فلمّا اعتل وأراد أن يزفّ إليه ابنته ، قال محمد بن الريّان : ( دفع إلى مئة ) (2) وصيفة من أجمل ما يكون ، إلى كل واحدة منهنّ جاماً فيه جوهر يستقبلن أبا جعفر (عليه السلام) إذا قعد في موضع الاَختان . فلم يلتفت إليهنّ ، وكان رجل يقال له « مخارق » صاحب صوت وعود وضرب ، طويل اللحية ، فدعاه المأمون . فقال : يا أمير المؤمنين إن كان في شيء من أمر الدنيا فأنا أكفيك أمره ، فقعد

____________

1) راجع : اختيار معرفة الرجال : 560 | 1058 ترجمة محمد بن أحمد بن حماد المحمودي .

2) في الكافي : مئتي . وما أثبتناه عن ابن شهرآشوب والعلاّمة المجلسي .

49

بين يدي أبي جعفر (عليه السلام) ، فشهق مخارق شهقة اجتمع عليه أهل الدار ، وجعل يضرب بعوده ويغني ، فلما فعل ساعة وإذا أبوجعفر لايلتفت إليه لا يميناً ولا شمالاً ، ثم رفع رأسه وقال : « اتقِ الله ياذا العثنون ! » ، قال : فسقط المضراب من يده والعود فلم ينتفع بيديه إلى أن مات ، قال : فسأله المأمون عن حاله ، قال : لمّا صاح بي أبو جعفر ، فزعت فزعة لا أفيق منها أبداً ) (1) .

وعلى كلِّ حال ، فقد أرسل المأمون إلى محمد بن عبدالملك الزيات يوصيه بحمل أبي جعفر من المدينة إلى بغداد على أحسن محمل ، وأن لا يُعجّل بهم السير ، ويريحهم في المنازل . فيكلف ابن الزيات الحسن بن علي بن يقطين؛ لمنزلته ومنزلة أبيه من الاَئمة (عليهم السلام) والخلفاء والاَمراء معاً . بأن يرافق أبا جعفر وأهله وعياله في سفرهم .

ويظعن الرحل مودعاً المدينة المنورة ، متجهاً صوب بغداد . وينسى الخليفة أو يتناسى قدوم الوفد المدني ، فلقد ألهته ليالي الاُنس . . وأيام الصيد ، السؤال عن القادمين من المدينة أو أنّه فعلاً تناسى أمرهم ، وهي عادة الملوك في استصغار من سواهم ، وأراد أن يلتقي بأبي جعفر بشكل غير علني ، إمّا حياءً من البيت الهاشمي لما أحلّه بأبيهم الرضا (عليه السلام) قبل عهد قريب ، وإمّا أنفة واستعلاءً منه ـ وهو أميرالمؤمنين المسيطر على الآفاق شرقاً وغرباً ـ أن يلتقي بحدث صغير لم يبلغ الحلم . فلم يكن المأمون قد وقف بعد على علم الاِمام الجواد (عليه السلام) ونبوغه المذهل . أو إنّه لم يكن هذا ولا ذاك ، إنّما أراد أن يستريح القادمون لبضعة أيام من وعثاء السفر ، ثم يستدعي إليه التقي (عليه السلام) ليتعرّف أخباره .

____________

1) اُصول الكافي 1 : 494 | 4 . وعنه مناقب آل أبي طالب 4 : 396 .

وذكرت الاَخبار أن المأمون خرج يوماً في نزهة للصيد ، فاجتاز بطرق البلد . ولعلّه كان قاصداً لاختيار هذا الطريق ، فقد علم قبل ذلك أين نزل الوافدون . . وعلم أيضاً من هم ؟ !

وهكذا كان . . فقد تم ( اللقاء الاَول ) في الطريق على ما ينقله المؤرخون ، ويمكن أن يكون الاِمام الجواد (عليه السلام) هو الذي سعى لاَن يلتقيه المأمون في هذا المكان . فلسان الرواية يقول : اجتاز ـ المأمون ـ بطرف البلد ، وثمّ صبيان يلعبون ، ومحمد الجواد (عليه السلام) واقف عندهم . . فالاِمام (عليه السلام) ليس من شأنه الوقوف على قارعة الطريق أو التفرج على ملاعب الصبيان لقضاء الوقت ، ولا عُرف عن الاَئمة أنهم كانوا يلعبون ويلهون في الطرقات مع أقرانهم في أيام طفولتهم ، فهم أجلّ وأسمى من أن يصرفوا أوقاتهم في اللعب أو اللهو؛ لاَنّ الاِمام (عليه السلام) متعين عليه هداية الاُمّة وبنائها فكرياً واجتماعياً ، وقيادتها نحو إرساء قواعد الشريعة بما يحقق حكومة الله في الاَرض .

فالاِمام (عليه السلام) لا يلهو ولا يلعب (1) قط منذ طفولته ، فقد روي عن علي بن حسان الواسطي أنّه كان ممن خرج مع الجماعة (2) ، وهم ثمانون عالماً

____________

1) وردت أحاديث كثيرة في هذا الشأن منها ، ما رواه الكليني بسنده عن الاِمام الباقر (عليه السلام) في معرض بيانه علائم الاِمام المعصوم فقال : « طهارة الولادة ، وحسن المنشأ ، ولا يلهو ولا يلعب » .

وروى صفوان الجمّال عن الاِمام الصادق (عليه السلام) في صفات الاِمام ، فقال (عليه السلام) : « صاحب هذا الاَمر لا يلهو ولا يلعب » .

وما تعرّض له أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من خصائص وعلامات الاِمام المعصوم ، فقال : « والإمام المستحق للاِمامة له علامات فمنها : أن يعلم أنّه معصوم من الذنوب كلّها صغيرها وكبيرها ، لا يزلّ في الفتيا ، ولا يخطئ في الجواب ، ولا يسهو ، ولا ينسى ، ولا يلهو بشيء من أمر الدنيا » . راجع : مناقب آل أبي طالب 4 : 317 . وبحار الاَنوار 25 : 164 .

2) إثبات الوصية : 188 . ودلائل الاِمامة : 402 | 360 .

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

اجتمعوا في موسم عام ( 203 هـ ) من مختلف الاَقطار ، والتقوا في المدينة المنورة لمعرفة من هو المتعين للاِمامة بعد شهادة الاِمام الرضا (عليه السلام) .

قال علي بن حسان : حملت معي إليه (عليه السلام) من الآلة التي للصبيان ، بعضها من فضة ، وقلت : أُتحف مولاي أبا جعفر بها . فلما تفرّق الناس عنه بعد جواب الجميع قام فمضى إلى صريّا واتّبعته ، فلقيت موفقاً ، فقلت : استأذن لي على أبي جعفر ، فدخلتُ فسلّمت ، فردّ عليَّ السلام وفي وجهه كراهة ، ولم يأمرني بالجلوس ، فدنوت منه وفرّغت ما كان في كمي بين يديه ، فنظر إليَّ نظر مغضب ، ثم رمى يميناً وشمالاً ، ثم قال : « ما لهذا خلقني الله ، ما أنا واللعب ؟! » فاستعفيته ، فعفا عني ، فأخذتها وخرجت (1) .

إذن ، يبدو أن الاِمام أبا جعفر (عليه السلام) استغل فرصة خروج المأمون ومروره بالقرب من منازلهم ، فوقف بإزاء صبيان يلعبون في الطريق؛ ليتم هنالك اللقاء . . وخبر هذا اللقاء ينقله لنا ابن شهر آشوب ، وابن الصباغ المالكي ، والمحدّث الشيخ عباس القمي ، وغيرهم . ونحن ننقل نصّ رواية ابن شهرآشوب حيث قال : اجتاز المأمون بابن الرضا (عليه السلام) وهو بين صبيان يلعبون ، فهربوا سواه ، فقال : عليّ به ، فقال له : مالك ما هربت في جملة الصبيان ؟ قال (عليه السلام) : « مالي ذنب فأفرّ ، ولا الطريق ضيّق فأوسعه عليك ، تمرّ من حيث شئت ، فقال : من تكون ؟

قال : أنا محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

فقال : ما تعرف من العلوم ؟ قال : سلني عن أخبار السموات » . فودّعه

____________

1) المصدر السابق نفسه .

52

ومضى ، وعلى يده باز أشهب يطلب به الصيد . فلما بعد عنه نهض عن يده الباز فنظر يمينه وشماله لم ير صيداً ، والباز يثب عن يده ، فأرسله وطار يطلب الاَفق حتى غاب عن ناظره ساعة ثم عاد إليه وقد صاد حية ، فوضع الحية في بيت الطعم ، وقال لاَصحابه : قد دنا حتف ذلك الصبي في هذا اليوم على يدي ، ثم عاد وابن الرضا في جملة الصبيان .

فقال : ما عندك من أخبار السموات ؟

فقال : « نعم يا أمير المؤمنين ، حدثني أبي ، عن آبائه ، عن النبي ، عن جبرئيل ، عن ربِّ العالمين ، أنّه قال : بين السماء والهواء بحر عجاج يتلاطم به الاَمواج ، فيه حيّات خضر البطون ، رقط الظهور ، ويصيدها الملوك بالبزاة الشهب يمتحن بها العلماء » .

فقال : صدقت ، وصدق آباؤك ، وصدق جدّك ، وصدق ربك . فأركبه ثم زوّجه أُمّ الفضل (1) .

بعد ذلك اللقاء والحوار الحاسمين أدرك المأمون عظمة هذا الصبي ، وبُعد شأوه . . فاصطحبه معه إلى قصوره حيث الرفاه ونعومة العيش وطراوة الحياة باستبرقها وجواريها وقيانها . . لكن الخليفة علم أن الصبي لا تستهويه فخامة الخدمة ، وأبّهة الملوك كثيراً ، ولم يسترع انتباهه الجمال الفاتن لحظة . . فقرر ـ وفي مناورة سياسية حاذقة ـ اصطياد ثلاثة في رمية واحدة ، ورميته هي أن يزوجه من ابنته الجميلة الصغيرة ( زينب ) المكناة بأم الفضل،

____________

1) مناقب آل أبي طالب 4 : 388 ـ 389 . أما رواية ابن الصباغ في الفصول المهمة : 252 ، والشيخ المحدِّث القمي في منتهى الآمال 2 : 527 ـ 528 عن مستدرك العوالم 23 : 522 . وبحار الاَنوار 50 : 56 فهي تختلف عن هذه في بعض أحداثها ، فراجع .

53

ولا فضل لها . خاصة وهي مسمّاة له منذ سنوات خمس . أمّا صيده الذي توخّى إصابته ، فقد حسب:

أولاً : أنه سيصرف الاِمام الصبي اليافع إلى ملاذ الحياة ، وتنتشي نفسه بقرب النساء ، وسوف يشغفن قلبه شيئاً فشيئاً فيصبو إليهنّ .

وثانياً : أراد أن يجعل من ابنته وخدمها رقيباً دائمياً على كلِّ حركة للاِمام ، وعلى من يتصل به من الشيعة ، ثم إنه أسكنه بالقرب منه كي يحدّ من اتصال الناس به؛ لاَنّ القصور الملكية لا يتيسر لكلِّ أحد أن يدخلها ، ولا دخولها بالاَمر اليسير .

والهدف الاَخير الذي حاول إصابته هو أن يجعل من نفسه قريباً من البيت العلوي ، فهو عمّ ولدهم الاِمام الجواد (عليه السلام) اليوم ، والاَب الاَكبر ( جدٌّ ) لصبيهم غداً الذي هو ابن رسول الله ، وهذا مكسب سياسي واجتماعي مهم جداً . وفيما لو أصابت رمياته الثلاث هذه فسوف يكمّ أفواه الطالبيين ، ويقطع أي قيام أو تحرك لهم ، وهو العالم المتيقن بأنهم أحق بالخلافة من أي إنسان على هذه الاَرض .

وبناءً على تحقيق هذه الاَغراض وغيرها مما كان يدور في رأس المأمون ، خطى خطوته الاُولى وقرر من جانب واحد أن يتم الزواج والاقتران مهما يكن من أمر ، ورغم كل المعترضين ، ولا موافق لهذا الزواج سواه .

ثم يأتي دور المعتصم الذي لم يكن أرأف بالاِمام خاصة ، والعلويين عامّة من أخيه المأمون ، فقد احتال هو الآخر على الاِمام الجواد (عليه السلام) للوقيعة به ، وإيجاد مبرّر لسجنه ثم قتله ، بأن اتهمه بجمع السلاح ، وأنّه يريد الثورة

54

عليه ، وأشهد بذلك عليه شاهدين حلفا زوراً وكذباً أنّهما رأيا السلاح يُجمع . لكنّ الاِمام (عليه السلام) تخلّص من هذا الموقف بأن أراهم معجزة أرهبهم بها ، فخاف المعتصم سوء العاقبة فتركه لسبيله دون أن يتعرّض له مضمراً عليه حقداً دفيناً (1) .

أحداث الزواج ومراسيم عقد القران :

عند مطالعة تاريخ الاِمام الجواد (عليه السلام) تشعر أن أحداثه مقتضبة يشوبها الغموض في العديد من جنباته ومنعطفاته الحساسة ، كما يراودك إحساس بأن هناك أموراً وأحداثاً قد خفيت من صفحة التاريخ ، أو أنّها أخفيت تعمداً وحسداً وحقداً طوراً ، وخوفاً من سياط السلطان وبطشه طوراً آخر .

أحدها هو حدث زواج الاِمام ، وهو المنعطف المهم والخطير بالنسبة للبيتين العلوي والعباسي ، لم يؤرَّخ بدقة وتفصيل بحيث يقف القارئ ـ من خلال مطالعته ـ على حقائق هذه المرحلة المهمة من حياة الاِمام المباركة أو على الاَقل أن يلمّ ببعض تلك الحقائق التي بقيت خفية حبيسة الكتمان؛ لاَنّ الحياة القصيرة للاِمام أبي جعفر (عليه السلام) لم تكن طبيعية أبداً في مختلف مقاطعها الزمنية .

وعلى أي حال ، فمن خلال استقراء مراجع ومصادر ترجمة الاِمام الجواد (عليه السلام) الخاصة والعامّة نستظهر أن الزواج تمّ على ثلاث مراحل ( التسمية ، عقد القران ، الزواج ) ، وكل واحدة تمت في فترة زمنية متباعدة نسبياً عن الاُخرى .

____________

1) راجع : بحار الاَنوار 50 : 45 | 18 .