إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج4

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
549 /
3

-

4

مقدمة المحاضر :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي أوضح لعباده سبل معرفته ، وسهّل عليهم طاعته ببعث أنبيائه وسفرائه ، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وسيد أصفيائه محمد وعترته الطاهرة ، والنجوم الزاهرة والحجج اللاّمعة.

أمّابعد :

فقد سرحت النظر في الجزء الثاني من كتاب « إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول » لولدنا الروحي العلاّمة الحجة الفاضل الشيخ محمد حسين الحاج العاملي ( حفظه الله ) فوجدته كالجزء الأوّل حاوياً لما ألقيناه ، وجامعاً لما أوضحناه ، كيف وقد حضر بحوثنا الأُصولية والفقهيّة مدة لايستهان بها ، فأشكره لما بذل من جهود مضنية في جمع شتات البحث ، وترصيف أطرافه ، ببيان رائق من غير إيجاز مخلّ ولاإطناب مملّ ، فأسأله سبحانه أن يسدّد خطاه ، ويوفِّقَه لما يحبُّه ويرضاه ، ويجعله ذخراً للإسلام والمسلمين بفضله ومنّه.

جعفر السبحاني

8 ذي الحجة الحرام / 1420 هـ

5

مقدمة المؤلّف :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله كلّما وقب ليل ووسق ، والحمدلله كلّما لاح نجم وخفق ، والحمد لله غير مفقود الانعام ولامكافأ الافضال.

والصلاة والسلام على أفضل سفرائه وأشرف بريتّه محمّد ، الّذي بعثه لإنجاز عدته ، وإتمام نبوّته وآله الذين هم موضع سرّه ، وملجأ أمره ، وعيبة علمه ، وموئل حكمه ، صلاة تامّة ، مادامت السماء ذات أبراج ، والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد ؛ فلا شكّ في حاجة الفقه إلى الأُصول ، لأنّ استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة رهن قواعد كلّية يستند إليها الفقيه ، وهذه القواعد لايبحث عنها إلاّ في علم الأُصول ، ولأجل ذلك بادر علماء الأمصار وفضلاء الأعصار في كلّ دور من الأدوار ، إلى تمهيد قواعده وتقييد شوارده ، وتبيين ضوابطه ، وترتيب فصوله ، ليستسهل الأمر على المستنبط في مختلف المجالات.

وممّن خاض غمار هذا العلم ، وسبر أغواره شيخنا الأُستاذ العلاّمة الحجّة آية الله الشيخ جعفر السبحاني ( مدّ ظله ) فقد جدّ وأجاد ، وصنّف وأفاد ، حتى تخرّج على يديه جيل كبير من روّاد العلم.

وكنت ممّن يتردّد على أندية دروسه للانتهال من نمير علمه ، حتى حالفني

6

التوفيق بتحرير ما أفاده في الدورة الأُصولية الرابعة ، فجاء ما أفاده فيما يُسمّى بالأُصول العقليّة متمثّلاً في هذين الجزءين ، وقد سمّيته « إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول » .

وهذا هو الجزء الثاني يزفّه الطبع إلى الطلاّب الكرام من بغاة الفضيلة والاجتهاد ، وقد أشرف شيخنا الأُستاذ ( مدّ ظله ) على ما حررته وكتبته ، فجاء الجزءان كصحيفة كاملة في المباحث العقلية.

وفي الختام أتقدّم إليه بالشكر الجزيل وابتهل إلى الله سبحانه أن يطيل عمره ، ويسدّد خطاه في سبيل نشر العلم والهدى ، فانّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

محمد حسين الحاج العاملي

26 / رمضان المبارك من شهور عام 1420 هـ

7

الأصل الرابع من الأُصول العملية

الاستصحاب

قد تقدّم أنّ حصر الأصول العملية الكلية في الأربعة حصر استقرائي ؛ وقد تقدّم الكلام في الأُصول الثلاثة : البراءة ، والاشتغال ، والتخيير ؛ وبقي الكلام في الاستصحاب ، ومجراه هو وجود الحالة السابقة ولحاظها واعتبارها. (1)

ونذكر أُموراً تمهيدية :

الأمر الأوّل : في تعريف الاستصحاب

عرّف الاستصحاب بوجوه مختلفة ، نذكر منها ما يلي :

أ : ما ذكره الشيخ بهاء الدين العاملي : إثبات الحكم في الزمان الثاني تأويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل. (2)

وقد أشار في تعريفه إلى ركني الاستصحاب ، أعني : اليقين والشك ، بقوله : « تأويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل » حيث إنّ ثبوته في الزمان الأوّل ، لأجل قيام

____________

1. قيد اللحاظ أو الاعتبار لأجل انّه ربّما تكون هناك حالة سابقة ولاتكون ملحوظة ومعتبرة كما في الشكّ في المقتضي عند الشيخ ، أو الحكم الشرعي الكلي عند المحقّق النراقي ومن تبعه كالسيد المحقّق الخوئي.

2. زبدة الأُصول : 87.

8

الحجّة عليه أي « اليقين » ، وإثباته في الزمان الثاني تأويلاً عليه ، يدل على عدم الدليل عليه فيه سوى ثبوته في الزمان الأوّل وهو يلازم الشك. فما أورد على هذا التعريف بأنّه لم يُشر إلى ركني الاستصحاب كما ترى.

ب : ما ذكره المحقّق القمي : كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق ، مشكوك البقاء في الآن اللاحق. (1)

ج : ما أفاده الشيخ الأعظم : إبقاء ما كان. وقال : بأنّه أسدّ التعاريف وأخصرها. (2)

وأورد عليه المحقّق النائيني ، بأنّ لليقين والشك دخلاً في حقيقة الاستصحاب ، ولو باعتبار كون اليقين طريقاً إلى المتيقن ، كما أنّ للشكّ في البقاء دخلاً فيه.

د : ذكره المحقّق النائيني : عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر والجري العملي بالشك في بقاء متعلّق اليقين. (3)

يلاحظ عليه : أنّه تعريف للشيء بنتيجته ، فانّ عدم الانتقاض نتيجة الاستصحاب لانفسه ، فحكم الشارع بحرمة نقضه يُنتج عدمَ الانتقاض.

هـ : ما ذكره به المحقّق الخراساني : الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه. (4)

والحقّ انّ تعريف الاستصحاب يختلف حسب اختلاف المباني في حجية الاستصحاب ، فانّ في كيفية حجيته آراء ثلاثة :

____________

1. قوانين الاصول : 2/53.

2. الفرائد : 318 ، ط رحمة اللّه.

3. فوائد الأُصول : 4/307.

4. كفاية الأُصول : 2 / 273.

9

1. انّه أمارة عقلائية لكشف حال الشيء في الآن اللاحق ، واليقين السابق أمارة ظنية لبقائه في ظرف الشك. وليس المراد من الشكّ هو تساوي الطرفين حتى ينافي الظن بالبقاء ، بل المراد احتمال الخلاف الجامع مع الظن ، وبعبارة أُخرى المراد الشك الأُصولي لاالشكّ المنطقي.

2. انّه أصل عملي اعتبر لصيانة الواقع وحفظه ، فكما أنّ المولى يحتفظ بمطلوبه بإيجاب الاحتياط في أطراف الشبهة المحصورة تحريمية كانت أو إيجابية ، فهكذا يحتفظ به في إيجاب العمل على وفق الحالة السابقة ، لأنّ الغالب على ما كان ، هو البقاء.

3. انّه أصل عملي تعبدي محض كأصالتي الطهارة والحلية وليس ناظراً إلى صيانة الواقع.

فعلى الرأي الأوّل ، يدخل الاستصحاب في عِداد الأمارات العقلائية التي تفيد الاطمئنان بمفاده ، وليست الأمارة إلاّ كون حكم أووصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق ، فعندئذ يصبح تعريفُ المحقّق القمي أحسنَ التعاريف ، وإن وصفه الشيخ بأنّه من أزيفها. ويكون تعريفه بالإبقاء تعريفاً بعيداً عن حقيقة الاستصحاب. وتسمية كون الشيء « يقيني الحصول » بالاستصحاب من باب تسمية الشيء بنتيجته فانّه إذا عمل بالأمارة فكأنّه استصحب شيئاً من الماضي إلى الآن اللاحق.

وأمّا على الرأيين الأخيرين ـ أعني : كونه أصلاً شرعياً صيانة للواقع ، أو تعبدياً محضاً ـ فأحسن التعاريف ما ذكره المحقّق الخراساني ، ولكن أقربها إلى النص هو « النهي عن نقض اليقين السابق المتعلّق بالحكم الشرعي أو بموضوع ذي أثر ، بالشك اللاحق نقضاً تشريعياً لاتكوينياً » .

10

الأمر الثاني : الاستصحاب مسألة أُصولية لاقاعدة فقهية

ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية ، والجاري في الموضوعية ـ كعدالة زيد ونجاسة ثوبه ـ قاعدة فقهية كأصالة الطهارة وقاعدة الفراغ.

وجهه : هو اختصاص تطبيق المسألة الأُصولية على صغرياتها بالمجتهد دون القاعدة الفقهية ، فانّ تطبيقها يعمّ المجتهد والمقلّد. والاستصحاب في الشبهات الحكمية رهن شروط كالفحص عن الدليل الاجتهادي وغيره ، ولايقوم به إلاّ المجتهد ، دون الشبهات الموضوعية ، واختاره المحقّق النائيني وقال : إنّ نتيجة المسألة الأُصولية إنّما تنفع المجتهد ولاحظّ للمقلِّد فيها ، وإنّ النتيجة في القاعدة الفقهية تنفع المقلِّد. (1)

وما ذكره من التفصيل وإن كان صحيحاً ، ولكن الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية أمر آخر ، لانتقاض ما ذكراه بكثير من القواعد الفقهية التي لايقوم بتطبيقها إلاّ المجتهد ، نظير : قاعدة ما يُضمن وما لايُضمن ، وقاعدة الإلزام ، وقاعدة الخراج بالضمان ، إلى غير ذلك من القواعد التي لايستفيد منها إلاّ المجتهد.

ويمكن التفريق بين المسألة الأُصولية والقاعدة بوجهين :

1. ما قدمناه في صدر الجزء الأوّل وهو أنّ المحمول في المسألة الأُصولية ليس حكماً شرعياً عملياً كقولنا : خبر الواحد حجّة ، والظواهر حجّة ، والأمر يدل على المرة أو التكرار. وهذا بخلاف القواعد الفقهية فالمحمول فيها حكم شرعي

____________

1. فوائد الأُصول : 4/309.

11

مأخوذ من نفس الشرع كقوله (عليه السلام) : « إذا شككت ودخلت في غيره فشكّك ليس بشيء » ، أو حكم شرعي منتزع من الأحكام الشرعية الكلية كما في قولنا : « ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده » ، فإنّه حكم شرعي كلّي منتنزع من الحكم بالضمان في أبواب البيع والإجارة والمزارعة والمساقاة ، والدليل على الضمان في هذه الموارد هو قاعدة الإقدام ، أو قاعدة على اليد ، فهذه القاعدة الكلية منتزعة من حكم الشرع في كلّ من هذه الموارد بالضمان.

ومن هنا يعلم أنّ نتيجة المسألة الأُصولية ـ بعد التطبيق ـ لاتكون حكماً شرعياً بل تكون حكماً جزئياً من سنخ المسألة الأُصولية كقولنا : هذا قول الثقة ، وقول الثقة حجّة ، فينتج هذا حجّة.

بخلاف القاعدة الفقهية فانّ نتيجتها تكون حكماً شرعياً ، كقولنا : هذا مشكوك الطهارة ، وكلّ مشكوك الطهارة طاهر ، فينتج هذا طاهر.

2. انّ إعمال المسألة الأُصولية من قبيل الاستنباط ، بخلاف القاعدة الفقهية فانّ إعمالها من قبيل التطبيق ، والفرق بين الاستنباط والتطبيق واضح ، وهو أنّ الأوّل يكشف عن حكم شرعي مجهول لم يكن معلوماً له قبل الإعمال ، لا إجمالاً ولا تفصيلاً ، بخلاف الثاني فليس فيه كشف عن حكم شرعي مجهول غير معلوم ، بل تبديل للعلم الإجمالي إلى التفصيلي ، ولنذكر مثالاً :

قول الثقة حجّة مطلقاً ، مسألة أُصولية ، فإذا طبّق على مورده ، يقف الإنسان على حكم شرعي لم يكن معلوماً لا إجمالاً ولا تفصيلاً وهو وجوب السورة في الصلاة ، أو حرمة ذبيحة الكافر الكتابي ، إذ ليس الحكمان مندرجين في الكبرى الأُصولية « قول الثقة حجّة » لا إجمالاً ولا تفصيلاً بخلاف القاعدة الفقهية ، أعني : كلّ شيء طاهر ، فقد كان العلم بطهارة الثوب المشكوك مندرجاً فيه إجمالاً

12

لا تفصيلاً ، وليس للتطبيق دور سوى انّه ينحل به العلم الإجمالي إلى التفصيلي.

والحاصل : انّ الحكم الشرعي المستنبط لم يكن موجوداً في الكبرى الكلية الأُصولية لا إجمالاً ولا تفصيلاً ، بخلاف الحكم الشرعي في القاعدة الفقهية ، فانّه كان موجوداً إجمالاً في الكبرى الكلية الفقهية غير انّه يبدل بالتطبيق إلى العلم التفصيلي.

وبذلك يعلم أنّ قوله : « لاتنقض اليقين بالشك » مسألة أُصولية ، لأنّ النتيجة بعد التطبيق على المورد ـ أعني : وجوب صلاة الجمعة ، أو نجاسة الماء المتغيّر الذي زال تغيّره بنفسه ـ لم تكن مندرجة في الكبرى.

وهذا هو الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية.

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ الاستصحاب من المسائل الأُصولية ، أمّا إذا قلنا بأنّه من الأمارات العقلائية ، فلأنّ مآل البحث إلى حجّية الظن وعدمها. ومن الواضح أنّ المحمول حكم غير شرعي ويحصل من تطبيقه على مورده علم جديد بالنسبة إلى الحكم الشرعي.

وأمّا إذا قلنا بأنّه من الأُصول الشرعية لحفظ الواقع ، أو للتعبّد ، فهو أيضاً من المسائل الأُصولية ، لأنّ المحمول ـ أعني : حرمة نقض اليقين بالشك ـ ليس حكماً شرعياً نظير الأحكام الخمسة ، وآية ذلك أنّ الإنسان إذا خالف الاستصحاب ولم يعمل بمقتضى الوجوب في الزمان السابق لايعاقب مرّتين ، وهذا يكشف عن أنّ حرمة النقض أشبه بإعطاء الحجية لليقين السابق حتى في زمان الشك ، كما أنّه لايلازم العلم به العلم بالنتيجة لا تفصيلاً ولا إجمالاً.

هذا كلّه إذا كان المورد حكماً شرعياً كلياً ، وأمّا إذا كان المورد موضوعاً جزئياً

13

كطهارة ثوب زيد أو عدالته ، فعلى ما ذكره الشيخ من اشتراط كون النتيجة حكماً كلياً يصبح قاعدة فقهية ، لأنّ النتيجة حكم جزئي.

وأمّا على ما ذكرنا فالشرطان ـ كون المحمول حكماً غير شرعي ، والنتيجة غير مندرجة في الكبرى ـ وإن كانا موجودين ، لكن شأن المسألة الأُصولية وقوعها مقدمة لاستنباط الحكم الشرعي الكلي ، وبما انّ النتيجة حكم جزئي ، فلايقع في عداد المسائل الأُصولية بل في عداد القواعد الفقهية التي ربما تكون نتيجتها أمراً جزئياً.

الأمر الثالث : أركان الاستصحاب

يشترط في الاستصحاب من حيث اليقين والشكّ أُمور ثلاثة :

1. اجتماع اليقين والشكّ سواء اجتمعا في النفس معاً ، أو كان اليقين متقدماً والشكّ متأخراً ، أو بالعكس.

فإن قلت : كيف يجتمع اليقين والشكّ في زمان واحد ، مع أنّ الشكّ ينقض اليقين تكويناً ، فلايقين مع الشكّ ؟

قلت : هذا إذا كان متعلّق اليقين والشكّ واحداً بالذات ، والزمان ، وأمّا إذا كان متعلّقهما واحداً بالذات ، مختلفاً زماناً فلا مانع من اجتماعهما ، كما إذا أذعن بعدالة زيد يوم الجمعة ، وشكّ في عدالته يوم السبت ، فالمسوغ لاجتماعهما هو اختلاف المتعلّقين زماناً ، وإن كانا متحدين ذاتاً.

2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك ، وهو مورد الروايات لاالعكس ، كما يأتي في الاستصحاب القهقري.

14

3. وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة ذاتاً ، كأن تكون العدالة بما هي هي متعلّقاً لليقين والشكّ معاً ، وإلاّ فلو كان المتعلّق مختلفاً لكان خارجاً عن الاستصحاب وداخلاً تحت قاعدة المقتضي والمانع كما ستوافيك ، وبذلك علم أنّه يشترط في الاستصحاب أُمور ثلاثة :

1. اجتماع اليقين والشكّ أو فعليتهما. (1)

2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك. (2)

3. وحدة متعلّق الشك واليقين. (3)

وكلّ واحد من هذه القيود الثلاثة يميز الاستصحاب عن القواعد الثلاث التي سنبيّنها.

الأمر الرابع : في القواعد الثلاث

قد عرفت حقيقة الاستصحاب وتعريفه ، وهناك قواعد أُخرى يجب التعرّف عليها ، وبيان الفرق بينها وبين الاستصحاب.

أ : قاعدة اليقين أو الشكّ الساري

إنّ قاعدة اليقين أو الشكّ الساري تقارب قاعدة الاستصحاب ، وإنّما يختلفان في أمرين :

الأمر الأوّل : انّ متعلّق اليقين والشكّ يتّحدان ذاتاً ويختلفان زماناً في

____________

1. خرجت قاعدة اليقين.

2. خرج الاستصحاب القهقري.

3. خرجت قاعدة المقتضي والمانع ، كما سيوافيك تفصيله.

15

الاستصحاب ، بخلاف قاعدة اليقين فيتحدان ذاتاً وزماناً. مثلاً إذا كان متيقّناً بعدالة زيد يوم الجمعة وشكّ في بقائها يوم السبت ، فهذا ينطبق على الاستصحاب ؛ وأمّا إذا شكّ في نفس عدالته يوم الجمعة على وجه سرى الشك إلى اليقين فتنطبق عليه قاعدة اليقين.

الأمر الثاني : لمّا كان الحدوث في الاستصحاب أمراً متيقّناً ، والبقاء مشكوكاً ، يكون الشكّ واليقين فعليّين لعدم التزاحم بينهما ، وهذا بخلاف قاعدة اليقين حيث إنّ المتعلّقين كانا متّحدين ذاتاً وزماناً يزول اليقين بعد عروض الشك. ويقع الكلام في صحّة الأعمال التي أُتي بها في ظرف اليقين بعد طروء الشك. وإلى هذا يرجع كلامهم : الشكّ في الاستصحاب شكّ في البقاء بعد الفراغ من ثبوته حدوثاً ، وفي قاعدة اليقين شكّ في الحدوث دون نظر إلى البقاء على فرض الحدوث.

وبذلك يعلم أنّ اليقين والشكّ من الحالات النفسية التي لاتجتمع في النفس أبداً ولكن المسوِّغ اجتماعهما في المقام هو اختلاف متعلّقي اليقين والشكّ من حيث الزمان في الاستصحاب ، واختلاف ظرفي اليقين والشكّ في قاعدة اليقين ، فالذي يزيل المشكلة هو وجود المغايرة إمّا في المتعلّق أو في ظرف حدوث اليقين والشكّ.

ويترتب على ذلك أنّ اللازم في الاستصحاب تقدم متعلّق اليقين على متعلّق الشك ، وأمّا اليقين والشكّ فيمكن أن يحصلا معاً ، أو لايحصلا إلاّ بالترتب سواء قُدِّم اليقين أو قُدّم الشك ، فالمعيار التغاير بين المتيقّن والمشكوك من حيث الزمان ، وتقدّم الأوّل على الثاني ، وأمّا قاعدة اليقين فبما أنّ حلّ المشكلة كان رهن اختلاف اليقين والشكّ زماناً فلامناص من تقدّم زمان اليقين على زمان الشكّ وحصولها مترتبين.

16

ب : قاعدة المقتضي والمانع

إذا تعلّق اليقين بشيء والشكّ بشيء آخر يغايره ذاتاً وزماناً ، كما إذا أيقن بصب الماء على اليد ، وشكّ في وجود المانع عن وصول الماء إلى البشرة ، فهذا هو مورد القاعدة المعروفة بقاعدة المقتضي والمانع ، فالمقتضي هو صبّ الماء الذي يقتضي غسلَ البشرة ، والمانع هو احتمال وجود عائق عن وصول الماء إلى البشرة ، كاللون ، ففي المقام اختلف متعلقا اليقين والشكّ لازماناً بل جوهراً.

وعلى ضوء ذلك تقف على الفرق الواضح بين الاستصحاب والقاعدتين المذكورتين في ناحية المتعلّق.

ما يتّحد متعلّقا اليقين والشكّ ذاتاً وزماناً ، فهو مجرى لقاعدة اليقين.

ما يتّحد متعلّقا اليقين والشكّ ذاتاً لازماناً ، فهو مجرى لقاعدة الاستصحاب.

ما يختلف متعلّقا اليقين والشكّ ذاتاً ، فهو مجرى لقاعدة المقتضي والمانع.

فعلى حجّية قاعدة المقتضي والمانع إذا شككنا في وجود العائق عن وصول الماء ، نقول : المقتضي موجود والمانع مرفوع بالأصل.

ج : الاستصحاب القهقري

الاستصحاب القهقري نفس الاستصحاب الرائج ، غير أنّ الفرق بينهما تقدّم زمان المتيقن على زمان المشكوك في الاستصحاب المتعارف ، وأمّا إذا انعكس فصار زمان المتيقن متأخراً زماناً ، والمشكوك متقدماً زماناً ، فهذا مورد للاستصحاب القهقهري ، كما إذا علمنا أنّ الصلاة والصوم كانا حقيقة في لسان الصادقين في الماهيات العبادية ، وشككنا في كونهما كذلك في عصر الوصي أو

17

النبي ، فهل يصحّ لنا إطالة عمر اليقين وجره تعبّداً إلى الزمان السابق حتى يثبت بذلك كونهما حقيقتين في الماهيات العبادية في عصرهما أيضاً ، على وجه لو وردا في كلامهما يحمل على هذه المعاني الشرعية لكونهما حقيقة في لسانهما في المعنى الذي صار حقيقته فيه في عصر الصادقين (عليهما السلام) ؟

وبما أنّ أدلّة الاستصحاب ظاهرةً فيما إذا كان المقتضي متقدماً زماناً والمشكوك متأخراً زماناً على عكس الاستصحاب القهقري فلاتشمله أدلّته.

نعم ربّما يتمسك في إثبات وحدة المعنى في العصرين بوجه آخر غير الاستصحاب القهقهري وهو أصالة عدم النقل وهو من سنخ الاستصحابات الدارجة ، فتثبت بها وحدة المعنى في العصرين ، وإلاّ يلزم النقل وهو منفيّ بالأصل.

وسيوافيك الكلام في حجّية الأُصول اللفظية ولوازمها عند البحث في الأصل المثبت.

وأمّا شمول أدلّتها القاعدة المقتضي والمانع ، فالمتبادر من الأدلّة وحدة المتعلّقين ذاتاً ، على خلاف مورد قاعدة المقتضي والمانع.

الأمر الخامس : في تقسيمات الاستصحاب

ينقسم الاستصحاب ، حسب المستصحب تارة ، والدليل الدال على حكمه أُخرى ، ومنشأ الشك ثالثة ، وإليك بيان الجميع على وجه الإيجاز.

أمّا التقسيم باعتبار المستصحب : فإنّه تارة يكون أمراً وجودياً ، وأُخرى أمراً عدمياً.

18

وعلى التقدير الأوّل قد يكون حكماً شرعياً ، وأُخرى موضوعاً لحكم شرعي.

ثمّ الحكم الشرعي قد يكون كلياً ، وقد يكون جزئياً ، وعلى كلا التقديرين قد يكون من الأحكام التكليفية ، وأُخرى من الوضعية ، وأمثلة الكل واضحة.

وأمّا التقسيم باعتبار الدليل الدال عليه : فتارة يكون دليله نقلياً كالكتاب والسنّة ، وأُخرى لبيّاً كالإجماع والعقل.

وأمّا التقسيم من جهة الشكّ المأخوذ فيه : فالشكّ تارة يكون في مقدار استعداد المستصحب للبقاء ، ويسمى بالشكّ في المقتضي كالحيوان المردّد بين طويل العمر وقصيره ، وكنجاسة الماء المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه ، فمرجع الشكّ إلى استعداد المستصحب للبقاء ، ونظيره استصحاب الليل والنهار ، فالشكّ في بقاء النهار يرجع إلى الشكّ في قابلية بقائهما في الفترة المشكوكة.

وأُخرى يكون استعداده للبقاء أمراً محرزاً لكن يحتمل طروء رافع يرفع المقتضي ، كالطهارة فهي قابلة للبقاء ما لم يعرض هناك عارض ورافع كالنوم والبول. أو كعقد النكاح فالعلقة المنشأة قابلة للبقاء ما لم يطرأ رافع. فإذا شككنا في أنّ قولنا : « أنت خلية » رافع لحكم المقتضي أو لا ، يكون الشكّ من قبيل الشكّ في الرافع.

ثمّ إنّ الشكّ في الرافع على أقسام ، لأنّ الشكّ تارة يتعلّق بأصل وجود الرافع كالحدث بعد الوضوء ، وأُخرى برافعية الأمر الموجود ، وهو على أقسام لأنّ منشأ الشكّ في رافعية الأمر الموجود أحد الأُمور التالية :

1. تردّد المستصحب بين ما يكون الموجود رافعاً له ، وما لايكون رافعاً له ، كشغل الذمّة المستصحب يوم الجمعة بعد الإتيان بصلاة الظهر ، فانّ الشكّ في

19

رافعية الأمر الموجود ( صلاة الظهر ) لأجل عدم تعيّن المستصحب وتردّده بين كون الواجب هو الظهر أو الجمعة ، فعلى الأوّل ارتفع الاشتغال بالذمّة دون الثاني.

2. الجهل بحكم الموجود ، كالمذي الخارج عن الإنسان ، فهل هو رافع شرعاً للطهارة مثل البول ، أو لا ؟

3. الجهل بمصداقيته لرافع معلوم المفهوم كالبول ، كالبلل المردّد بين البول والوذي.

4. أو الجهل بمصداقيته لرافع مجهول المفهوم كالتيمّم على الحجر ، المجهول كونه مصداقاً للصعيد المجهول المفهوم.

وقد وقع الخلاف في حجّية الاستصحاب في هذه الموارد.

هذه التقسيمات الرئيسيّة ذكرناها تمهيداً.

20

حجّية الاستصحاب

استدلّ على حجّية الاستصحاب بوجوه :

الأوّل : بناء العقلاء

استقرّ بناء العقلاء على العمل على وفق الحالة السابقة ، وحيث لم يردع عنه الشارع كان ماضياً ، والاستدلال مبني على ثبوت أمرين :

1. استكشاف بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة تعبّداً ، أو لأجل الدواعي الأُخر ، كما سيوافيك.

2. عدم الردع من جانب الشارع.

أمّا الأوّل : فغير ثابت ، إذ لايبعد أن يكون عملهم عليه لأجل وجود الاطمئنان ، أو الظن ببقاء الحالة السابقة ، أو لغفلتهم عن الشك إن كان موجوداً في خزانة النفس.

فعلى الأوّل والثاني : يختص جواز العمل بحصول الاطمئنان أو الظن ببقاء الحالة السابقة ، لا مطلقاً ، كما هو المطلوب.

وعلى الثالث : لايجوز العمل به عند الشكّ مع الالتفات ، لأنّ بناء العقلاء على الجري على الحالة السابقة ، إنّما هو في صورة الغفلة عن الشكّ ، والمجتهد

21

المستصحِب ملتفت إلى شكّه.

نعم لو ثبت كونه أصلاً تعبدياً عندهم وانّهم يعملون به لحفظ النظام ، كان دليلاً على حجّية الاستصحاب ، ولكنّه غير ثابت.

وهناك مشكلة أُخرى وهي أنّهم إنّما يعملون به في الأُمور الحقيرة لاالخطيرة بل يتوقّفون حتى يحصل لهم الاطمئنان.

وأمّا الثاني : فقد أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه يكفي في الردع ما دلّ في الكتاب والسنّة على النهي عن اتّباع غير العلم ، أو ما دلّ على البراءة والاحتياط في مورد الشبهات.

وأورد عليه المحقّق النائيني : بأنّ ما ذكره هنا ينافي ما تقدّم منه في باب حجّية الخبر الواحد حيث قال هناك : بأنّ ما دلّ من الكتاب والسنّة على النهي عن اتباع غير العلم لايكون رادعاً لبناء العقلاء على العمل بخبر الواحد لاستلزامه الدور ، ولكنّه سلّم في المقام بأنّها صالحة لردع بناء العقلاء على العمل بالاستصحاب مع أنّ بناء العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة لو لم يكن أقوى من بنائهم على العمل بالخبر الواحد فلاأقلّ من التساوي بين المقامين.

يلاحظ على هذا الإشكال : بوجود الفارق بين قول الثقة والأخذ بالحالة السابقة ، فإنّ الأوّل عند العرف مساوق للعلم بمعنى الاطمئنان ، وهذا بخلاف الأخذ بالحالة السابقة ، إذ لايفيد إلاّ الظن دون الاطمئنان.

وعلى ضوء ذلك فلاينتقل العرف من قوله سبحانه : ( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (1) إلى قول الثقة المفيد للعلم العرفي ، بخلاف الاستصحاب فبما أنّه مفيد

____________

1. الإسراء : 36.

22

للظن الضعيف ينتقل إليه من هذه الآية ونظائرها إلى أنّها بصدد الرد على العمل بهذا الظن.

والأولى أن يجاب بأنّ الآيات الناهية عن العمل بالظن أو العمل بغير العلم ناظرة إلى ما كان عليه العرب في العصر الجاهلي ، حيث كان ديدنهم العمل ، وفق الخرص والتخيّل ، ولذلك يقول سبحانه : (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظّنَّ وَما تَهْوَى الأَنْفُسُ ) (1) ، وقوله سبحانه : ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّيَخْرُصُون ) (2). ففي الآية الأُولى عطف ( وما تهوى الأنفس ) ، على الظن ، كما أنّه في الآية الثانية فسّر ( الظن ) بالخرص ، كلّ ذلك شاهد على أنّ الآيات الناهية بصدد نفي ما كان عليه العرب في العصر الجاهلي من العمل بموازين موهومة ، فكانوا يقولون : بأنّ الملائكة بنات اللّه ، أو انّ عيسى ابن اللّه ، إلى غير ذلك وأين هذا من بناء العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة الذي يدور عليه نظام الحياة في غالب الأُمور ؟ فبناء العقلاء خارج عن مدلول الآيات تخصصاً وموضوعاً.

الثاني : الاستقراء

قال الشيخ : إنّا تتبّعنا موارد الشكّ في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع فلم نجد مورداً إلاّ وقد حكم فيه الشارع بالبقاء ، إلاّ مع أمارة توجب الظن بالخلاف. وهي لاتتجاوز عن موارد ثلاثة :

أ : الحكم بنجاسة البلل الخارج قبل الاستبراء ، فانّ الحكم بها ليس لعدم اعتبار الحالة السابقة ، وإلاّ لوجب الحكم بالطهارة لقاعدة الطهارة ، بل لغلبة بقاء

____________

1. النجم : 23.

2. يونس : 66.

23

جزء حتى البول أو المني في المخرج فرجّح الظاهر على الأصل ، وهو أصالة الطهارة.

ب : غسالة الحمام عند بعض ، فانّ مقتضى الاستصحاب أو قاعدة الطهارة ، طهارة الماء ، إلاّ أنّ الظاهر هو انفعال هذه المياه القليلة بالنجاسة ، فقدّم الظاهر على الأصل.

ج : ظهور فعل المسلم في الصحّة ، حيث يقدّم على أصالة الفساد التي هي مفاد الاستصحاب.

يلاحظ عليه : أنّ الاحتجاج بالاستقراء على حجّية قاعدة يتوقف على تتبع الأحكام الشرعية من الطهارة إلى الديات حتى يعلم بعلم قطعي أنّه يحكم بالأخذ وفق الحالة السابقة في مورد الشك ، وتحصيل هذا العلم أمر مشكل.

والاستدلال على الاستقراء بما ورد في الحديث : « يستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة » ، وقوله (عليه السلام) : « صم للرؤية وأفطر للرؤية » لايكون استقراء ناقصاً ، فكيف استقراء كاملاً ؟

نعم حَكَم الشارع في مسألة استظهار الحائض قبل تجاوز العشرة ، أو يوم الشكّ على وفق الاستصحاب وهما موردان لايفيان بالمقصود.

الثالث : الاستصحاب مفيد للظن

إنّ الثبوت السابق مفيد للظن به في اللاحق ، وإليه استند شارح المختصر الحاجبي ، فقال : معنى استصحاب الحال : انّ الحكم الفلاني قد كان ولم يظن عدمه ، وكلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء.

24

يلاحظ عليه : بعدم ثبوت الكبرى أوّلاً ، لمنع إفادته للظن في كلّ مورد ، وبعدم الدليل على حجّية هذا الظن ثانياً.

الرابع : الإجماع المنقول

استدل صاحب المبادئ على حجية الاستصحاب بالإجماع ، فقال : الاستصحاب حجّة لإجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم وقع الشكّ في أنّه طرأ ما يزيله أو لاوجب الحكم ببقائه على ما كان أوّلاً ، ولولا القول بأنّ الاستصحاب حجّة لكان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح. (1)

يلاحظ عليه : أنّه لم يثبت إجماع العلماء على الحجية ، وعلى فرض ثبوته لعلهم اعتمدوا على أحد هذه الوجوه المذكورة من سيرة العقلاء ، أو الاستقراء ، أو كونه مفيداً للظن ، ومعه لايبقى اعتمادعليه ، لأنّ مدارك حكمهم عندنا ضعيفة.

الخامس : الأخبار المستفيضة

تضافرت الأخبار على عدم جواز نقض اليقين بالشك ، وهي أوضح الوجوه في المقام ، وقد استمرّ الاستدلال بها من عصر الشيخ الجليل حسين بن عبد الصمد ( 918 ـ 984 هـ ) والد الشيخ بهاء الدين العاملي (قدّس سرّهما) إلى يومنا هذا ، واستدل بها في كتاب « العِقْد الطهماسبي » ، وإليك الروايات :

1. مضمرة زرارة الأُولى

روى الشيخ في التهذيب باسناده عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن

____________

1. مبادئ الوصول في علم الأُصول : 56 ، ط طهران.

25

حريز ، عن زرارة قال : قلت له : الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال : « يا زرارة قد تنام العينُ ولاينام القلب والأُذن ، فإذا نامت العين والأُذن والقلبُ وجب الوضوء » .

قلت : فإن حُرِّك الى جنبه شيء ولم يعلم به ؟ قال : « لا ، حتى يستيقن أنّه قد نام ، حتى يجيء من ذلك أمر بيّن ، وإلاّ فانّه على يقين من وضوئه ، ولاتنقض اليقين أبداً بالشك وإنّما تنقضه بيقين آخر » . (1)

والاستدلال يتوقف على صحّة السند ، والدلالة.

أمّا السند ، فقد أخذ الشيخ الطوسي الحديث عن كتاب الحسين بن سعيد الأهوازي الثقة ، وهو يروي عن حمّاد ، أي حمّاد بن عيسى ( المتوفّى عام 209 ، أو 208 هـ ) المعروف بغريق الجحفة ، صاحب الرواية التعليميّة في الصلاة لا عن حمّاد بن عثمان ( المتوفّى عام 190 هـ ) لعدم رواية الحسين بن سعيد عنه ، وهويروي عن حريز بن عبد اللّه السجستاني الثقة ، عن زرارة ، عن أحدهما.

وأمّا سند الشيخ إلى سعيد ، فهو صحيح في المشيخة والفهرست ، فقد ذكر في الأُولى إلى كتبه أسانيد مختلفة منها : انّه يرويها عن مشايخه الثلاثة : المفيد ، الغضائري ، وابن عبدون ، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد. (2) وكلّهم ثقات على الأظهر ، والطريق صحيح.

وأمّا الإضمار فلايضر بالاستدلال لجلالة زرارة ، فهو لايصدر إلاّ عن

____________

1. الوسائل : الجزء 1 ، الباب 1 من أبواب الوضوء ، الحديث 1 ، والخطاب في قوله : « ولاتنقض » من قبيل الالتفات ، حيث عدل من الغيبة إلى الخطاب.

2. التهذيب : 10/386.

26

أحاديث الأئمّة المعصومين ، ومشاركة هذه الرواية مع سائر الروايات في التعبير ، ومع ذلك فقد رواه المحدّث الاسترآبادي وصاحب الحدائق والفصول عن الإمام الباقر (عليه السلام) ، ولعلّهما وقفاً على ما لم نقف عليه. (1)

وأمّا الدلالة فيتوقف البحث فيها على عدّة أُمور :

أ : ما هو محور السؤال ؟

لا شكّ انّ قوله : « فإن حرّك في جنبه شيء ، ولم يعلم به » ، سؤال عن شبهة موضوعية ، والشكّ في تحقّق النوم وعدمه بعد الوقوف على الحدّ الناقض منه.

إنّما الكلام في السؤال الأوّل ، أعني قوله : « أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ » ففيه احتمالات ثلاثة :

1. أن يكون السؤال عن مفهوم النوم ، لا عن مفهومه الإجمالي بل عن مفهومه الدقيق ، فحاول التعرّف عليه حتى يطبقه على مورد الشبهة ، فتكون الشبهة عندئذ ، شبهة مفهوميّة.

2. أن يكون عارفاً بمفهوم النوم ، إجمالاً وتفصيلاً ، وكان السؤال عمّا هو الموضوع للناقضية ، فهل هو مطلق تعطيل حاسّة من الحواس كالعين ؟ أو المرتبة الوسطى منه ، لتحصيل العين والسمع أو المرتبة العليا منه ؟ فأجاب الإمام بأنّ الموضوع هو المرتبة العليا ، أعني : إذا تعطّلت الحواس الثلاث.

3. أن يكون السؤال عن ناقضية الخفقة ، مع العلم بعدم دخولها في النوم ، ولكن يحتمل أن تكون ناقضة برأسها.

____________

1. الفوائد المدنية : 142 ، مبحث التمسّك بالاستصحاب ؛ الحدائق : 1/143 ، المقدمة الحادية عشرة ؛ وحكي عن رسال المحقّق البهبهاني انّه أيضاً أسندها إلى الإمام الباقر (عليه السلام).

27

والثالث غير مراد قطعاً ، لأنّ النواقض محدودة ومن البعيد أن لايعرف زرارة نواقض الوضوء ، مع أنّ جواب الإمام لايوافق هذا الاحتمال ، فدار الأمر بين الأوّل حيث تكون الشبهة عندئذ مفهومية تستعقب شبهة حكمية ، والثاني فتكون الشبهة شبهة حكمية محضة ، ولعلّه المتعيّن حيث إنّ الإمام بشرحه مفهوم النوم ، عيّن الناقض ، وانّه عبارة فيما إذا نامت فيه الحواس الثلاثة.

ب : ما هو الجزاء لقوله : وإلاّ فإنّه على يقين ؟

إنّ قوله « وإلاّ » قضية شرطية ، أي « وإن لم يجئ من ذلك بأمر بيّن » فيحتاج إلى الجزاء. فما هو الجزاء ؟ هنا احتمالات ثلاثة :

1. أن يكون الجزاء محذوفاً : أي فلايجب الوضوء.

2. أن يكون الجزاء قوله : « فإنّه على يقين من وضوئه » .

3. أن يكون الجزاء قوله : « ولاتنقض اليقين أبداً بالشكّ » .

أمّا الاحتمال الأوّل ، فهو أوضح الوجوه حيث حذف الجزاء وأُقيمت العلّة المركبة من صغرى وكبرى مكانه ، أعني قوله (عليه السلام) : « فإنّه على يقين من وضوئه ولاتنقض اليقين أبداً بالشك » وله نظائر في التنزيل مثل قوله سبحانه : ( إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ) (1) ، وغير ذلك.

وأورد عليه المحقّق النائيني : إنّ فرض الجزاء مقدّراً كقوله : « فلايجب الوضوء » يستلزم التكرار لسبق نظيره في قوله : « لا حتى يستيقن » ، أي لايجب الوضوء حتى يستيقن.

____________

1. يوسف : 77.

28

يلاحظ عليه : أنّ نكتة التكرار هو التركيز على عدم الوجوب ، مضافاً إلى أنّه إنّما يستهجن لو كان الجزاء مذكوراً لامحذوفاً مقدّراً.

وأمّا الاحتمال الثاني أي كون الجزاء ، قوله : « فإنّه على يقين » ، فهولا يخلو إمّا أن يكون باقياً على ظاهره من الإخبار عن كونه على يقين من وضوئه ، أو غير باق بل يكون مؤوّلاً إلى الإنشاء ، أي « وليكن على يقين من وضوئه » ، فالأوّل لايصلح أن يقع جزاء ، لعدم الصلة عندئذ بين الشرط والجزاء ، وعدم ترتّبه على الشرط ؛ والثاني بعيد عن ظاهر الكلام حيث أطلق الجملة الخبرية وأُريد بها الإنشاء بلا قرينة.

وأمّا الاحتمال الثالث بأن يكون الجزاء قوله : « ولاتنقض اليقين أبداً بالشك » ، ويكون قوله : « فهو على يقين » توطئة للجزاء فهو أبعد ، إذ لايدخل حرف العطف على الجزاء.

نعم الجزاء عند الأُدباء هو قوله : « فانّه على يقين » لكنّهم يدرسون الظاهر وإلاّ فالجزاء محذوف.

ج : دلالة الرواية على حرمة النقض في جميع الأبواب

إذا قلنا بكون الجزاء محذوفاً تكون الجملة الواقعة بعده تعليلاً مركباً من صغرى وكبرى ، أعني :

1. انّه على يقين من وضوئه ، 2. ولاتنقض اليقين أبداً بالشك.

فدلالة التعليل على حرمة نقض اليقين في باب الوضوء لاغبار عليه ، إنّما الكلام في دلالته على حرمته مطلقاً في جميع الأبواب.

29

فربما يحتمل اختصاص التعليل بباب الوضوء حيث إنّ اليقين في الصغرى تعلّق بالوضوء حيث قال : « وإلاّ فانّه على يقين من وضوئه » ، وعندئذ يكون الحدّ الوسط في الكبرى هو أيضاً اليقين بالوضوء ، أي ولاتنقض اليقين بالوضوء أبداً بالشكّ ، فلايعمّ الحديث عامة الأبواب.

وبعبارة أُخرى : تكون « اللام » في الكبرى للعهد لاللجنس.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ قوله : « من وضوئه » ، في الصغرى ليس من متعلّقات اليقين حتى يكون اليقين مقيداً به ، بل هو ظرف مستقر متعلّق بلفظ مقدّر ، أي هو من طرف وضوئه على يقين فيكون الحدّ الأوسط في الصغرى كالكبرى هو نفس اليقين.

ولكنّه بعيد عن الذوق العربي إذ المتبادر من العبارة تعلّق الظرف باليقين ، والأولى أن يجاب بأنّ العرف يساعد على إلغاء التقيّد به ، وذلك للوجوه التالية :

أ : انّ التعليل بأمر ارتكازي غير مختص بباب دون باب ، ومفاده : انّ اليقين أمر مبرم مستحكم لاينقض بالأمر الرخو.

ب : قوله : « أبداً » يناسب عدم اختصاصه بباب.

ج : ورود الكبرى في غير باب الوضوء أيضاً ، كما سيوافيك.

وبذلك يعلم أنّه لو قلنا : إنّ الجزاءمحذوف تكون الجملتان أظهر في العموم والشمول ، بخلاف ما لو قلنا : إنّ الجزاء هو الصغرى ، أو الجزاء هو الكبرى ، فإنّ استفادة الشمول يكون أمراً مشكلاً كما لايخفى.

2. الصحيحة الثانية لزرارة

روى في « علل الشرائع » في الباب الثمانين تحت عنوان « علّة غَسْلِ المنيّ إذا

30

أصاب الثوب » عن أبيه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : ...

ورواه الشيخ في « التهذيب » مضمرة عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة قال : قلت له ...

وعلى ذلك فلاغبار على الرواية سنداً ، أضف إليه ما ذكرناه في المضمرة السابقة في حقّ زرارة ، والرواية مشتملة على ستة أسئلة ، وسبعة أجوبة ، فإنّ للسؤال السادس شقين في كلام الإمام بهما صارت الأجوبة سبعة ، وإليك الأسئلة والأجوبة واللفظ للتهذيب.

1. أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره ، أو شيء من مني ، فعلّمتُ أثره إلى أن أصيب له من الماء ، فأصبتُ وحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً وصلّيتُ ، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك.

قال : « تعيدُ الصلاة وتغسله » .

2. قلت : فإنّي لم أكن رأيتُ موضِعَه ، وعلمتُ أنّه قد أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلما صلّيت وجدته ؟ قال : « تغسله وتعيد »

3. قلت : فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك فنظرتُ فلم أر شيئاً ثمّ صليتُ فرأيت فيه ؟

قال : « تغسله ولاتعيد الصلاة » .

قلت : لم ذلك ؟

قال : « لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً » .

4. قلت : فإنّي قد علمتُ أنّه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله ؟

31

قال : « تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك » .

5. قلت : فهل عليّ إن شككتُ في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه ؟

قال : « لا ، ولكنّك إنّما تريد أن تُذْهِبَ الشكَ الذي وقع في نفسك » .

6. قلت : إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ؟

فأجاب الإمام بأنّ له صورتين.

أ : قال : « لاتنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته » .

ب : « وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة ، لأنّك لاتدري لعلّه شيء أوقع عليك ، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك » . (1)

إنّ الكلام في مقامات :

الأوّل : في سند الحديث

إنّ سند الرواية صحيح ، فقد رواه الشيخ بسنده الماضي ، عن الحسين بن سعيد الأهوازي ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، قال قلت له : ... وهي أيضاً كسابقتها مضمرة ، ولكن لايضر الإضمار كما مر.أضف إليه انّ الصدوق نقله مسنداً.

الثاني : في توضيح الأسئلة الواردة فيها

إنّ الرواية مشتملة على أسئلة وأجوبة ستة غير انّ للسؤال السادس شقّين ـ

____________

1. التهذيب : 1/ 446 ح 1335 ، باب تطهير البدن والثياب من النجاسات ؛ الوسائل : 2/1053 و1061 و1605 ، ح1 و2 ، الباب 41 و44 و37 من أبواب النجاسات.

32

كما يظهر من جواب الإمام ـ والفرق بين الأسئلة واضح.

فالأوّل من الأسئلة يركز على وجود العلم التفصيلي بإصابة النجس الثوبَ مع العلم بمحله مشخصاً ، لكنّه صلّى فيه نسياناً.

والثاني منها يركز على العلم الإجمالي بإصابة النجس الثوبَ مع عدم العلم بمحله مشخصاً ، فقد حكم الإمام بالإعادة في كلتا الصورتين ، وانّ النسيان ليس بعذر مع سبق العلم تفصيلاً أو إجمالاً.

والثالث منها ناظر إلى الظن بوجود النجاسة دون العلم حيث ظن ونظر ولم ير شيئاً ، ثمّ صلّى فرأى فيه النجاسة. وفي السؤال احتمالان كما سيوافيك.

والرابع منها ناظر إلى كيفية تحصيل البراءة اليقينية إذا علم بإصابة النجس الثوب ولم يعرف مكانه مشخصاً ، فأجاب الإمام بأنّه تغسل الناحية التي قد أصابها.

والخامس ناظر إلى وجوب الفحص عن إصابة النجاسة وعدمه ، فأجاب الإمام بعدمه ، مع أنّ مقتضى القاعدة هو وجوب الفحص لسهولة تحصيل العلم بالواقع ، لكن الجواب حاك عن وجود السهولة في باب النجاسات.

وأمّا السؤال السادس بكلا شقيه فسيوافيك الكلام فيه.

الثالث : في إيضاح السؤال الثالث

جاء في السؤال الثالث قول الراوي : « فإن ظننت انّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أرَشيئاً ، ثمّ صلّيت فرأيت فيه » فقد فسر بوجهين :

1. انّه ظن الإصابة دون أن يتيقّن ، وبعد الفراغ عن الصلاة رأى فيه

33

النجاسة التي ظن بها قبل الصلاة ، وهذا هو أحد الاحتمالين عند الشيخ حيث قال : أن يكون مورد السؤال إن رأى بعد الصلاة نجاسة يعلم أنّها هي التي خفيت عليه قبل الصلاة ، فالمراد من اليقين هو اليقين قبل ظن الإصابة ، ومن الشك هو الشكّ حين إرادة الدخول في الصلاة ، فيكون ظرف الاستصحاب هو قبل الدخول في الصلاة.

2. أن يكون مورد السؤال رؤيةَ النجاسة بعد الصلاة مع احتمال وقوعها بعدها ( لامع العلم بوجودها قبل الصلاة كما في الاحتمال الأوّل ) فالمراد أنّه ليس ينبغي ـ بعد الفراغ عن الصلاة ـ أن تنقض اليقين بالطهارة بمجرّد احتمال وجود النجاسة حال الصلاة ، فالعلم بطهارة الثوب قبل الصلاة ، لايُنقض بالشك إلى الفراغ منها. نعم لايثبت بالأصل ، تأخّرها عن الصلاة ، فيكون ظرف الاستصحاب هو بعد الصلاة ، بخلافه على الاحتمال الأوّل فانّ ظرفه هو قبلها.

يلاحظ عليه : انّه مخالف لقول السائل : « فصلّيت فيه فرأيت فيه » أي رأيت النجاسة التي ظننت إصابتها للثوب قبل الدخول في الصلاة.

الرابع : في كيفية الاستدلال بالفقرة الثالثة

إذا كان المراد هو ما اخترناه ، فالمراد انّه كان قبل ظن الإصابة على يقين من طهارة ثوبه ، فإذا شكّ حين الدخول في الصلاة فليس له أن ينقض اليقين بالطهارة ، بالشك في الإصابة حين الدخول.

وهنا إشكال واضح : انّ عدم جواز نقض اليقين بالشكّ حين الدخول ، صالح لتجويز الدخول في الصلاة المشروطة بالطهارة ، حيث إنّ الامتناع عن الدخول فيها نقض لآثار تلك الطهارة المحرزة قبل الدخول ، ولايصلح علة

34

لعدم الإعادة إذ ظرف الإعادة إنّما هو بعد الصلاة ، ولو حكم بها يكون من قبيل نقض اليقين بالطهارة ، باليقين بالنجاسة حيث إنّ المفروض أنّه رأى بعد الصلاة نفس النجاسة التي خفيت عليه حين الدخول.

وحاصل الإشكال : انّ كلام الإمام ـ أعني : « فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً » ـ راجع إلى إحدى الحالتين :

أ : حالة ما قبل الدخول في الصلاة ، وهناك يقين بالطهارة وشكّ في طروء النجاسة ، فأركان الاستصحاب موجودة ، لكنّه يصلح أن يكون علّة لجوازالدخول في الصلاة. وليس هناك موضوع للإعادة.

ب : حالة الفراغ من الصلاة ، فهناك تبدّل اليقين بالطهارة إلى اليقين بالنجاسة ، فلايصحّ تعليل عدم الإعادة باستلزامه نقض اليقين بالشكّ ، لأنّ المفروض تبدّل يقينه إلى يقين آخر فأركان الاستصحاب مختلّة.

وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه :

1. ما نقله الشيخ الأعظم عن بعضهم : أنّ عدم الإعادة بملاحظة اقتضاء الأمر الظاهري للاجزاء ، فتكون الصحيحة من حيث تعليلها دليلاً على القاعدة وكاشفة عنها.

يلاحظ عليه : أنّ الرواية لاتعلّل الصحة بالقاعدة وهو انّ ثوب المصلّي حين الدخول كان محكوماً بالطهارة وكان المصلي مأموراً بالصلاة معها ، وامتثال الأمر الظاهري مجز عن امتثال الأمر الواقعي ، بل تعلل بأنّه لو أعاد الصلاة لكان هذا نقضاً لليقين بالشكّ مع أنّه لو حكم بالإعادة لزم نقض اليقين بالطهارة باليقين بالنجاسة.

35

2. انّ ظاهر قوله : « صلّ في الثوب الطاهر » هو لزوم إيقاع الصلاة في الطاهر الواقعي ، فلو تبيّن الخلاف وانّ الثوب كان نجساً ، تبيّن فقدُ الصلاة ، الشرط اللازم.

لكن بعد ضمِّ قاعدة الطهارة أو الاستصحاب إلى الدليل المذكور ، تتسِّع دائرةُ الشرطِ ويكون المأخوذ في صحّة الصلاة ، هو إحراز الطهارة من حين الدخول إلى الفراغ عنها ، كان الثوب طاهراً في الواقع أم لا.

وعلى ضوء هذا فلو صلّى الرجل في ثوب كان محكوماً بالطهارة بحكم الأصل أو القاعدة ، فقد صلّى في ثوب جامع لشرط الصحة ، وبذلك يعلم أنّ ظرف الاستصحاب إنّما هو حالة الدخول في الصلاة لاالفراغ عنها.

إذا علمت هذا فنرجع إلى فقه الرواية فنقول :

إنّ الإمام (عليه السلام) فرّق بين الصورتين الأُوليين والصورة الثالثة ، فحكم بالبطلان في صورة نسيان النجاسة والصحة في صورة الجهل بها ، مع اشتراك الصور في شيء واحد ، وهو إيقاع الصلاة في ثوب نجس ، ولذلك تعجب زرارة عن التفريق ، فصار الإمام بصدد الجواب بوجود الفرق بين الأُوليين والثالثة ، وذلك بعدم الاستصحاب المحرز فيهما ، لسبق العلم بالنجاسة وإن عرض له النسيان ، ومعه لا موضوع للاستصحاب ، بخلاف الصورة الثالثة فانّ الأصل المحرِز كاف في إحراز الشرط ( الطهارة المحرِزة ) ولايلزم الطهارة الواقعية ، فلو وجبت الإعادة يلزم عدم حجّية الاستصحاب وجواز نقض اليقين بالطهارة بالشكّ فيها والمفروض عدم جوازه.

وبعبارة أُخرى : انّ لازم الأخذ باليقين السابق هو كون الصلاة مشتملة على الشرط اللازم ، ومعه لا وجه للإعادة ، والحكم بها يعد دليلاً على عدم الاعتبار.

36

ثمّ إنّ صاحب الكفاية بعد الإشارة إلى هذا الجواب بوجه موجز أعقبه بذكر إشكالين وجوابين بما لاحاجة إليهما.

3. انّ صحة الصلاة وعدم وجوب الإعادة رهن أمرين حاصلين :

أ : كون الثوب محكوماً بالطهارة شرعاً ، بفضل الاستصحاب الجاري حين الدخول فيها.

ب : امتثال الأمر الظاهري المتعلّق بإقامة الصلاة فيه مقتضياً للإجزاء وسقوط الأمر الواقعي به.

وعلى هذا ، يصحّ تعليل صحّة الصلاة بالأمر الأوّل ، وحده ، وبالثاني كذلك ، وبهما مجموعاً كما في تعليل حدوث العالم ، فتارة يعلّل بأنّه متغيّر ، وأُخرى بأنّ كلّ متغيّر حادث ، وأُخرى يؤتى بكليها. والإمام (عليه السلام) اقتصر في المقام بالأمر الأوّل وانّ المصلي كان حين الدخول محرزاً لها ، والصلاة جامعة للشرط ، وكان مأموراً بإقامة الصلاة معه ، ولو ضُمَّ إليه الأمر الثاني وهو أنّ امتثال الأمر الظاهري موجب للإجزاء ، يكون التعليل كاملاً مركباً من صغرى وكبرى.

ولعلّ هذا مراد من قال بدلالة الرواية على إجراء الأمر الظاهري.

الخامس : دراسة الفقرة السادسة بكلا شقيها

إنّ زرارة تابع الأسئلة الخمسة المتقدمة بسؤال سادس ، وهو :

قلت : إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ؟

فأجاب الإمام بأنّ له صورتين :

أ : « تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته » .

37

ب : « وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة ، لأنّك لاتدري لعلّه شيء أوقع عليك ، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك » . يقع الكلام في موضعين :

الأوّل : ما هو المقصود من الشقّ الأوّل ؟

هل المراد منه السؤال عمّا سبق العلم الإجمالي بالنجاسة ، بأن علم طروء النجاسة على ثوبه إجمالاً ، ثمّ عرض النسيان ؟ أو السؤال عن الشكّ البدوي ، وانّه شكّ قبل الدخول في الصلاة ولم ير شيئاً ، ثمّ رآه في أثناء الصلاة ؟ الظاهر هو الأوّل ، بالقرائن التالية :

أ : تعبيره في الشقّ الثاني بقوله : « وإن لم تشك » الظاهر في أنّ الفرق بين الشقين هو وجود الشكّ في الأوّل دون الثاني ، لاسبق العلم الإجمالي في أحدهما دون الآخر.

ب : ظاهر الرواية أنّ الحكم بالإعادة لأجل رؤية النجاسة في أثناء الصلاة دون العلم الإجمالي المتقدّم ، ولو كان هناك علم إجمالي متقدّم لكان البطلان مستنداً إليه كما في السؤال الثاني حيث قال : قلت : فإنِّي لم أكن رأيت موضعه ، وعلمت أنّه أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلمّا صلّيت وجدته ؟

ج : انّ السؤال السادس ترتب على السؤال الخامس ، وكان السؤال في الخامس عن الشبهة البدوية حيث قال : قلت : فهل عليّ إن شككتُ في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه ؟ فقال : « لا » .

فعندئذ خطر بباله أنّه لو كان الوضع كذلك فلو شكّ قبل الدخول ، ولم يجد شيئاً ودخل في الصلاة فرآه في أثنائها فما هو واجبه ؟ فأجاب الإمام : لو علم

38

بأنّ المرئي ، هو المشكوك الذي احتمله قبل الدخول فيها ولايحتمل أنّه شيء أُوقع عليه في الأثناء ، فيعيد وإلاّ فلا.

وهذا الوجه يقتضي حمل الفقرة الأُولى من الجواب على الشكّ البدئي حين الدخول في الصلاة ثمّ تبدّله إلى العلم في أثنائها.

الثاني : ما هو الفرق بين هذا الشق ومورد السؤال الثالث ؟

إنّ الشقّ الأوّل من السؤال السادس يشارك مورد السؤال الثالث في أمر ويفارقه في آخر.

يشاركه في الدخول في الصلاة مع الشكّ في كون الثوب نجساً أو لا.

ويفارقه في أنّ الشكّ تبدّل إلى اليقين بعد الفراغ في مورد السؤال الثالث ، وفي الأثناء في هذا الشق.

وعندئذ يتوجّه إشكال على الجواب بوجوب الإعادة في هذا الشقّ وعدمه في مورد السؤال الثالث مع اشتراكهما في وقوع الصلاة في النجس إمّا كلاً أو بعضاً مع أنّ الثاني أولى بالصحة.

الجواب عن الإشكال

إنّ بين الصورتين وراء اختلافهما في وقوع جميع الصلاة أو بعضها في النجس ، فرقاً آخر ، وهو أنّ من المحتمل أن يكون المانع عن صحة الصلاة هو النجاسة المعلوم حالها ، وهو موجود في الصورة الأُولى دون هذا الشقّ.

وبعبارة أُخرى : ادّعاء الأولوية ممنوعة ، إذ من الممكن أن تكون النجاسة المكشوفة حال الصلاة ، المقترنة معها من أوّلها إلى زمان الوقوف عليها ، مانعة ، دون

39

ما إذا لم تنكشف إلاّ بعد الصلاة.

بقي الكلام في الشقّ الثاني من السؤال السادس ، أعني : ما إذا دخل في الصلاة ، متيقناً بطهارة ثوبه فإذا رأى الدم الرطب في ثوبه ، فقال الإمام : « قطعت الصلاة وغسلته ، ثمّ بنيت على الصلاة ، لأنّك لاتدري لعلّه شيء أُوقع عليك ، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك » .

فظرف الاستصحاب في هذا الشق إنّما هو حالة عروض الشك ، لاقبله فتستصحب طهارة ثوبه إلى زمان الرؤية فلم يثبت كون الصلاة مقرونة بالمانع ، فلا وجه للبطلان والإعادة ، فله أن يقطع الصلاة ويغسل الثوب على وجه لايكون العمل ماحياً لصورتها ويبني على ما مضى.

ويبقى اقتران جزء صغير من الصلاة بها ولعلّه لصغرها معفو عنه ، واللّه العالم.

السادس : الرواية تهدف إلى الاستصحاب

قد عرفت الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين ، وأنّ اليقين محفوظ في ظرفه حين الشكّ في الاستصحاب دونه في قاعدة اليقين ، فانّ الشكّ يسري إليه في ظرفه.

وبعبارة أُخرى : انّ في الاستصحاب في ظرف الشكّ يقيناً فعلياً وشكاً كذلك ، بخلاف قاعدة اليقين إذ ليس في ظرف الشكّ أي يقين.

فعلى هذا فلابدّ لنا من دراسة قوله : « لاتنقض » في السؤال الثالث والشقّ الثاني من السؤال السادس ، فهل ينطبق على الاستصحاب أو على قاعدة اليقين ؟

40

واعلم أنّ الكبرى الكلية وردت في الصحيحة في موردين : أحدهما : جواب السؤال الثالث ، والأُخرى : جواب الشقّ الثاني من السؤال السادس ، فنقول :

أمّا الوارد في جواب السؤال الثالث من قوله : « لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت » فهنا احتمالان :

1. اليقين الحاصل قبل ظن الإصابة.

2. اليقين الحاصل بعده ، وبعد الفحص وعدم الرؤية شيء.

فقال المحقّق الخراساني : لو كان المراد من اليقين هو الوجه الأوّل لانطبق على الاستصحاب ، وأمّا لو كان المراد اليقين الحاصل بعد الفحص ، فينطبق على قاعدة اليقين لزواله بعد الرؤية.

الظاهر هو الوجه الأوّل ، لما قلنا من أنّ ظرف الاستصحاب إنّما هو قبل الدخول في الصلاة ، لما مرّ عند بيان كون الاستصحاب سبباً لعدم الإعادة ، من أنّ المصلّي في تلك الحالة مخاطب بعدم نقض اليقين بالشك ، وليس هذا اليقين ، إلاّ اليقين قبل ظن الإصابة.

أضف إلى ذلك ، عدم حدوث اليقين بعد الفحص غاية الأمر عدم رؤية شيء بعد الفحص ، لاالإذعان بالعدم كما هو واضح.

وأمّا الوارد في الشقّ الثاني من السؤال السادس ، أعني : قوله : « وإن لم تشك ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ، ثمّ بنيت على الصلاة لأنّك لاتدري لعلّه شيء أُوقع عليك ، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك أبداً » ، فلا شكّ أنّه ليس فيه إلاّ يقين واحد ، لافتراض أنّه لم يشكّ إلى زمان رؤية الدم في ثوبه أثناء الصلاة ، لكنّه يحتمل طروءه قُبَيل الصلاة ، أو أثناءها ، فيستصحب اليقين السابق ، لأنّه كان

41

متيقِّناً بطهارة ثوبه في زمان ، لكنّه يشكّ انتقاضه قبيل الدخول في الصلاة ، والأصل بقاؤه فينطبق على الاستصحاب.

3. الصحيحة الثالثة لزرارة

روى الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن هاشم ، عن حمّاد ابن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة قلتُ له : مَنْ لم يدرِ في أربع هو أم في ثنتين ، وقد أحرز الثنتين ؟ قال : « يركع بركعتين ، وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شيء عليه ؛ وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع ، وقد أحرز الثلاث ، قام فأضاف إليها أُخرى ولا شيء عليه ، ولاينقض اليقين بالشك ، ولايُدخل الشكَّ على اليقين ، ولايُخْلِطْ أحدهما بالآخر ، ولكنّه يَنقُض الشكّ باليقين ويُتمُّ على اليقين ، فيَبني عليه ، ولايَعتدُّ بالشكّ في حال من الحالات » . (1)

وتحقيق المقام يتوقف على البحث في أُمور :

1. صحّة السند

رواها الكليني تارة بالسند المذكور ، عن حمّاد بن عيسى ؛ وأُخرى بسند آخر ، أعني : عن محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن حمّاد بن عيسى. وقد ذكرنا في محله أنّ المراد من محمد بن إسماعيل الذي يروي عنه الكليني ويروي هو عن الفضل ، هو محمد بن إسماعيل النيسابوري الثقة ، فالرواية على كلا السندين صحيحة.

____________

1. الوسائل : الجزء 5 ، الباب 13 من أبواب الخلل الحديث 4 ؛ والباب 10 منها ، الحديث 3.

42

2. كيفية الاستدلال

الاستدلال مركّز على بيان متعلّق اليقين في قوله : « ولاينقض اليقين بالشك » في الفقرة الثانية ، فقد استظهر غير واحد أنّ المتعلّق عبارة عن عدم الإتيان بالأكثر ، أو اليقين بالأقلّ ، الملازم لليقين بعدم إتيان الأكثر ، فعندئذ ينطبق على الاستصحاب ، وتكون الكبرى المذكورة دليلاً لقوله المتقدّم عليه ، أعني : « قام وأضاف إليها أُخرى ولا شيء عليه » وكأنّ قائلاً يقول لماذا ؟ فقال : لأنّه لاينقضُ اليقين بعدم الإتيان بالشكّ فيه.

وقد أُشكل على الاستدلال بوجوه أربعة :

الأوّل : الحمل على الاستصحاب لايوافق المذهب

إنّ مقتضى الاستصحاب عندئذ الإتيان بالمشكوك موصولاً ، مع أنّ المذهب المتفق عليه هو الإتيان به مفصولاً ، فتكون الرواية معرضاً عنها ، ويؤيد الاتصال لفظا : « الإضافة » و « النقض » فانّ مقتضاهما هو الاتصال ، فانّ الأوّل يدل على أنّ المضاف من جزء المضاف إليه ، ومقتضى الجزئية الإتيان به موصولاً كما أنّ كلمة النقض حاك عن الاتصال ، قال تعالى : ( وَلاتَكُونُوا كَالّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنكاثاً ) (1) ، فلو قلنا : إنّ معناه لاتنقض المتيقّن بالمشكوك ، تكون النتيجة ضمه إلى المتيقّن.

وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه :

1. ما أجاب به المحقّق الخراساني : انّ أصل الإتيان بالمشكوك هو مقتضى

____________

1. النحل : 92.

43

الاستصحاب ، غاية الأمر إتيانه موصولاً ، لاينافي الاستصحاب بل ينافي إطلاق النقض ، وقد قام الدليل على أنّ المشكوك لأنّه أن يؤتى بها مفصولاً.

2. ما أجاب به المحقّق النائيني ، حاصله : انّ الاتصال مقتضى إطلاق الاستصحاب وليس مقتضى مدلوله قال : إنّ الموجب لتوهّم عدم انطباق الرواية على الاستصحاب ليس إلاّ تخيّل أنّ الاستصحاب في مورد الرواية يقتضي الإتيان بالركعة الموصولة ، وذلك ينافي ما عليه المذهب ، ولكن هذا خطأ ، فانّ اتصال الركعة المشكوكة ببقية الركعات إنّما يقتضيه إطلاق الاستصحاب ، لا انّ مدلول الاستصحاب ذلك ، بل مدلول الاستصحاب إنّما هو البناء العملي على عدم الإتيان بالركعة المشكوكة ، وأمّا الوظيفة بعد ذلك هو الإتيان بها موصولة فهو ممّا لايقتضيه عدم نقض اليقين بالشك. (1)

والفرق بين الجوابين واضح : فانّ الاستصحاب على الأوّل لايمس كرامة المذهب ، وإنّما ينافيه لفظ النقض ، بخلاف الثاني فانّه يمس كرامته ، لكن المنافي إطلاقه ، لاأصل مدلوله.

يلاحظ على كلا الجوابين : أنّ الاستصحاب من الأُصول التنزيلية ، أي تنزيل الشاك في الإتيان ، بمنزل المتيقّن بعدمه ، والتنزيل التشريعي رهن ترتّب أثر عليه وإلاّ يكون لغواً ، وليس الأثر إلاّ ما يقوم به المتيقّن وهو الإتيان به موصولاً ، فيكون الحكم بالإتيان مفصولاً مخالفاً لمدلوله.

نعم يمكن توجيهه بالنحو الثاني.

إنّ لتنزيل الشاك منزلة المتيقن أثرين :

____________

1. فوائد الأُصول : 4/362.

44

1. الحكم بعدم الإتيان بالمشكوك أصلاً.

2. الحكم بالإتيان به موصولاً.

فنأخذ بالأثر الأوّل ونرفع اليد عن الأثر الثاني بحكم ضرورة المذهب ، وعلى كلّ تقدير فالإتيان موصولاً كنفس الإتيان من آثار الاستصحاب.

3. ما أجاب به الشيخ الأنصاري ، وحاصله : انّه ربما يتوهم ورود الرواية تقيّة ، لأنّ مقتضى الاستصحاب هو الإتيان بالمشكوك موصولاً ، ولكن التقية في تطبيق الكبرى على المورد لا في نفس الكبرى ، وكم لها من نظير في الفقه.

منها قوله (عليه السلام) لمنصور الدوانيقي : « ذلك إلى الإمام إن صمتَ صُمنا وإن أفطرتَ أفطرنا » (1) فالحكم بوصفه الكلي صحيح ، وليس فيه التقية ، وإنّما التقية في تطبيقه على الحاكم السائد آنذاك.

ومنها : قوله (عليه السلام) في صحيحة البزنطي ، في الرجل يُستَكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة مايملك ، أيلزمه ذلك ؟ فقال : « لا ، قال رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : وُضِعَ عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه ، وما لم يُطيقوا ، وما أخطأوا » . (2)

فانّ الحلف بالطلاق ، وماعطف عليه باطل في كلتا الحالتين اختياراً واضطراراً ، والإمام استدل على البطلان بحديث الرفع ، إذ لم يكن في وسعه ، القول ببطلان الحِلْف مطلقاً فتطرق إلى بيان الحكم عن طريق قاعدة مسلمة ، وتطبيقها على المورد تقية.

إلى هنا تمّ الإشكال الأوّل مع أجوبته الثلاثة ، وإليك الكلام في سائر الإشكالات المتوجهة إلى تطبيق الحديث على الاستصحاب.

____________

1. الوسائل : الجزء 7 ، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 5.

2. الوسائل : الجزء16 ، الباب 12 من أبواب الايمان ، الحديث 12.

45

الثاني : الحمل على الاستصحاب يستلزم التفكيك

إنّ لازم حمل قوله : « لاتنقض » على الاستصحاب لزوم التفكيك في الفقرات الست أو السبع حيث انّه يحمل اليقين والشك في قوله (عليه السلام) « لاينقض اليقين بالشك » وقوله : « ولكن ينقض الشكّ باليقين » على نفس معانيهما ، أعني : الحالة النفسانية ، ولكنّهما في سائر الفقرات تُحمل على الركعات المتيقّنة والمشكوكة ، أعني :

« ولايدخل الشكّ في اليقين ، ولايُخلِطُ أحدهما بالآخر ، ويُتمّ على اليقين ، فيبني عليه ـ أي الركعة المتيقّنة ـ ولايعتد بالشك ـ بالركعة المشكوكة ـ » وهذا النوع من التفكيك ، يوجب القدح في ظهور الرواية.

ويمكن الجواب عنه : بأنّه لمّا كان الإمام بصدد بيان أمرين :

1. البناء على عدم الإتيان بالركعة المشكوكة.

2. الإتيان بها مفصولة لاموصولة.

أوجب ذلك استعمال اللفظين ( اليقين والشك ) تارة في الحالة النفسانية ، وأُخرى في الركعات المتيقّنة والمشكوكة.

الثالث : الصحيحة مختصة بباب المشكوك

إنّ الصحيحة لو تمّت دلالتها على حجّية الاستصحاب ، تختص بباب شكوك الصلاة وأين مفادها من إثبات قاعدة كلية في عامّة الأبواب ؟

وربما يقال بتوجّه الإشكال إذا قرئت الأفعال بصيغة المعلوم الظاهرة في

46

كون الموضوع هو اليقين المتعلّق بالركعة ، لافيما إذا قرئت بصيغة المجهول الظاهرة في أنّ الموضوع هو ذات تعلّق اليقين والشكّ وأنّ ذكر المتعلّق لأجل بيان حكم المورد.

والأولى أن يجاب بأنّ المتبادر من الرواية أنّ الحكم ثابت لنفس اليقين ، لاللمتيقّن ، وذلك لأنّ اليقين لاستحكامه وإبرامه ، لاينقض بمثل الشكّ الذي هو شيء رخو غير صلب.

ويؤيد ذلك قوله : « ولايعتد بالشكّ في حال من الحالات » مضافاً إلى ورود الكبرى المذكورة في غير واحد من الروايات التي هي صريحة في بيان الاستصحاب.

الرابع : الاستصحاب مثبت

وهذا آخر الإشكالات على هذا التفسير وحاصله : أنّ استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة لايُثبت كون ما يأتي به ركعة رابعة حتى يترتب عليها أثرها الشرعي ، أعني : وجوبَ التشهد والتسليم ، إذ يشترط في وجوب الإتيان بهما إحراز وقوعهما في تلك الركعة.

والحاصل : انّ بين المستصحب ، وهو عدم الإتيان بالرابعة ، وأثرها الشرعي ، أعني لزوم الإتيان بالتشهد والتسليم ، واسطة ، وهي كون ما يأتيه بحكم الاستصحاب هو الركعة الرابعة.

يلاحظ عليه : ــ مضافاً إلى خفاء الواسطة عند العرف وإنّما تتوجّه إليه الأذهان الدقيقة ـ أنّ الموضوع لوجوب الإتيان بالتشهد والتسليم ليس هو الركعة الرابعة ، بل الموضوع الإتيان بهما بعد الفراغ عن الركعات ، والمفروض أنّه محرز بالوجدان.

47

التفسير الثاني للرواية

قدعرفت أنّ استفادة دلالة الرواية على حجّية الاستصحاب مبنيّة على كون متعلّق اليقين والشك هو عدم الإتيان بالركعة الرابعة ، وهناك احتمال آخر لها ـ ذكره الشيخ الأنصاري ـ وهو أنّ المراد من اليقين هو « اليقين بالبراءة » الذي هو رهن العمل في باب الشكوك بالطريقة المروية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، لا على الطريقة التي عليها أهل السنّة ، والذي يشهد بذلك أمران :

1. موثقة إسحاق بن عمّار : قال : قال لي أبو الحسن الأوّل (عليه السلام) : « إذا شككت فابن على اليقين » قال : قلت : هذا أصل ؟ قال : « نعم » . (1)

2. ما رواه عمّار بن موسى الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : « ألا أُعلّمك شيئاً إذا فعلتَه ثمّ ذكرتَ أنّك أتممت أو انقضت لم يكن عليك شيء ؟ » قلت : بلى : قال : « إذا سهوتَ فابن على الأكثر ، فإذا فرغتَ وسلّمت ، فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت ، فإن كنتَ قد أتممتَ لم يكن عليك في هذه شيء ، وإن ذكرتَ أنّك كنتَ نقضتَ كان ما صلّيتَ تمام ما نقصت » . (2)

إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على أنّ البناء على الأكثر والإتيان بالمشكوك مفصولاً هو المحصِّل لليقين بالبراءة ، وعلى ذلك فالمراد من عدم نقض اليقين ، والبناء على اليقين ، هو الأخذ باليقين والاحتياط بالبناء على الأكثر ، دون الأقل.

يلاحظ عليه : أولاً : أنّه لا دليل لحمل الأولى على باب الشكوك في الركعات ، بل هو قاعدة تعمّ جميع أبواب الفقه ، ومفاده : كلّما شكّ المكلّف في شيء فعليه

____________

1. الوسائل : الجزء 5 ، الباب 8 من أبواب الخلل ، الحديث 2.

2. الوسائل : الجزء 5 ، الباب 8 من أبواب الخلل ، الحديث 3.

48

البناء على اليقين ، غاية الأمر خرج عنه باب الشكوك حيث يبنى فيها على الأكثر ، نعم ذكره صاحب الوسائل في باب الشكوك ، وذكره في ذلك الباب لايُضفي عليها الظهورَ فيها.

وأمّا الموثقة الثانية فلا وجه للاستشهاد بها في تفسير الصحيحة لعدم الصلة بينهما.

وثانياً : وجود تلك الكبرى في غير واحد من الروايات الظاهرة في الاستصحاب يمنع عن حملها على غيرها أي على اليقين بالبراءة.

وثالثاً : لايقين بالبراءة في كلا المذهبين ، فانّ في طريقة أهل السنّة مظنّة زيادة الركوع ، وفي طريقنا ، مظنّة زيادة التشهد والسلام والتكبيرة ، وغيرها ، كقيام الركعتين جالساً مكان الركعة الواحدة ، حيث لايجوز في حال الاختيار إبدالها بهما ، نعم المحذور في طريقتنا أقلّ من طريقتهم ، إذ أين زيادة التشهد والسلام والتكبيرة ، من زيادة الركعة التامة ؟! فالطريقة المألوفة عندنا أقلّ محذوراً.

4. موثّقة إسحاق بن عمّار

روى إسحاق بن عمّار ، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال : « إذا شككت فابن على اليقين » قال : قلت هذا أصل ؟ قال : « نعم » . وسند الصدوق إلى إسحاق بن عمّار صحيح في المشيخة ، لكنّه نقل الرواية بصورة الإرسال حيث قال : روي عن إسحاق بن عمار ، وهو ظاهر في الإرسال لا أنّه أخذه من كتابه وذكر سنده إليه في آخر الكتاب.

وعلى كلّ تقدير ففي الرواية احتمالات :

1. الرواية ناظرة إلى ما عليه العامّة من البناء على الأقل ، والإتيان بالركعة

49

المشكوكة موصولة ، وعلى هذا وردت تقيّة.

يلاحظ عليه : أنّه لا دليل على أنّ الرواية واردة في باب شكوك الصلاة ، وذكرها في الوسائل في باب الشكوك لايضفي عليها الظهور في هذا المورد ، بل هي رواية عامة سارية في جميع الأبواب غير أنّه خرج عنها باب الشكوك.

2. الرواية ناظرة إلى لزوم تحصيل اليقين بالبراءة بالبناء على الأكثر ، والإتيان بالركعة المشكوكة مفصولة بناء على أنّه أكثر تحصيلاً لليقين بها ، وهوخيرة الشيخ الأنصاري.

ويرد عليه ـ مضافاً إلى ما أوردناه على الوجه الأوّل ـ : أنّ ظاهر الرواية البناء على اليقين الموجود بالفعل ، وعلى ما ذكره فليس اليقين موجوداً بالفعل بل يجب عليه أن يكتسبه.

3. الرواية ناظرة إلى الاستصحاب كما قوّيناه.

4. الرواية ناظرة إلى قاعدة اليقين.

والظاهر هو الثالث لظهورها في فعلية اليقين والشك ، وهذا متحقّق في الاستصحاب دون قاعدة اليقين ، لعدم فعلية اليقين هناك ، وما هذا لأنّ متعلّقهما في الأوّل متعدّد فيبقيان بحالهما ، بخلاف الثانية فانّ الشكّ يتعلّق بنفس ما تعلّق به اليقين فيزول.

5. حديث الأربعمائة

حديث الأربعمائة من الأحاديث المعروفة الذي علّم به أمير المؤمنين (عليه السلام) أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه ودنياه ، وقد نقله

50

الصدوق في « الخصال » في أبواب المائة فما فوقه ، وقال :

حدّثني أبي ( رضي الله عنه ) قال : حدّثنا سعد بن عبد اللّه ، قال : حدّثني محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ، عن القاسم بن يحيى ، عن جدّه الحسن بن راشد ، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وجاء في هذا الحديث قوله :

« احسبوا كلامَكم مِنْ أعمالكم ، ليقلَّ كلامكم إلاّ في خير. أنفقوا ممّا رزقكُم اللّه عزّوجل فانّ المنفِق بمنزلة المجاهد في سبيل اللّه ، فمن أيقن بالخلف جادّ ، وسخت (1) نفسه بالنفقة. من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه فانّ الشكّ لاينقض اليقين » . (2)

أمّا رجال السند فكلّهم ثقات على الأقوى.

نعم تكلّم ابن الوليد أُستاذ الصدوق في محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني فاستثناه من رجال نوادر الحكمة ، لمحمد بن أحمد بن يحيى الأشعري ، ولكن ردّ عليه من جاء بعده ، نقل النجاشي عن شيخه أبي العباس بن نوح أنّه قال : ولقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه وتبعه أبو جعفر بن بابويه (رحمه الله) في ذلك إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد ، فلاأدري ما را به فيه ، لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة. (3)

كما تكلّم ابن الغضائري في القاسم بن يحيى ، حيث قال : القاسم بن يحيى بن الحسن بن راشد مولى المنصور ، روى عن جدّه وهو ضعيف. وتبعه في ذلك العلاّمة فذكره في الخلاصة ، وابن داود في رجاله.

____________

1. من السخاء بمعنى الجود.

2. الخصال : 619.

3. رجال النجاشي : 2/242 برقم 940 ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى.

51

نعم سعى الوحيد البهبهاني في إصلاح حاله ، وقال : ما في الخلاصة مأخوذ من الغضائري ولاوثوق به ، ورواية الأجلة مثل أحمد بن محمد بن عيسى عنه تشير إلى الاعتماد عليه. (1)

وعلى كلّ حال فالحديث تعلو هامته آثار الصدق ، فمن لغير علي (عليه السلام) مثل هذا الحديث.

هذا كلّه حول السند ، وأمّا الدلالة فقد فسرت الرواية بوجهين :

الأوّل : أنها ناظرة إلى قاعدة اليقين

إنّ الرواية ناظرة إلى قاعدة اليقين ، ويدّل عليه بوجوه ثلاثة :

أ : تقدّم اليقين على الشكّ

إنّ الرواية ظاهرة في تقدّم اليقين على الشكّ ، بشهادة لفظ « كان » ، وهو يناسب قاعدة اليقين ، إذ فيها يتقدّم اليقين على الشكّ زماناً ، بخلاف الاستصحاب فلايشترط فيه التقدّم ، بل يصحّ العكس ، وربما يحصلان معاً.

ب : وحدة متعلّق اليقين والشكّ

إنّ الرواية ظاهرة في وحدة متعلّق اليقين والشكّ من جميع الجهات ذاتاً وزماناً ، وهذا ينطبق على القاعدة دون الاستصحاب لاختلافها زماناً.

____________

1. تنقيح المقال : 2/26 برقم 9618.

52

ج : زوال اليقين

إنّ قوله : « ثمّ شكّ » ظاهر في زوال اليقين وهو ينطبق على قاعدة اليقين لزوال اليقين فيه دون الاستصحاب ، ولايخفى ضعف الوجوه :

أمّا الأوّل : فلأنّ اليقين يتقدّم على الشكّ غالباً في الاستصحاب ، ودائماً في قاعدة اليقين ، فلعلّ القيد في الرواية قيد غالبي لااحترازي ، إذ قلّما يتقدّم الشكّ على اليقين أو يحصلان معاً.

فإن قلت : الأصل في القيد أن يكون احترازياً فيخرج الاستصحاب عن الرواية.

قلت : ما ذكر صحيح ، لولا وجود المشابهة بين هذه الرواية والروايات السابقة الصريحة في الاستصحاب.

وأمّا الثاني : فلأنّ الرواية ظاهرة في وحدة متعلّق اليقين والشكّ ، وهو متحقّق في الاستصحاب والقاعدة معاً ، لأنّ متعلّقهما واحد ذاتاً وجوهراً.

نعم إنّما يختلفان زماناً ، وليس في الرواية ما يدل على وحدتهما زماناً أيضاً.

وأمّا الثالث : فهو مجرّد ادّعاء لايدعمه الدليل ، إذ ليس معنى قوله : « ثمّ شك » : هو زوال اليقين من رأس بل يحتمل أن يكون زواله بقاءً لاحدوثاً.

والحاصل : انّ اليقين زائل في قاعدة اليقين حدوثاً ، وفي الاستصحاب بقاءً ، وليس قوله : « ثمّ شكّ » ناظر إلى الزوال حدوثاً ، بل يحتمل زواله بقاء.

هذا هو الوجه الأوّل وقد عرفت ضعف ما أيّد به.