قرب الإسناد (ط - الحديثة)

- عبد الله بن جعفر الحميري المزيد...
543 /
1

[قرب الإسناد عن الامام الصادق (عليه السلام)]

[في الدعاء]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ‌

1- مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: وَ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

«كَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) يَقُولُ فِي دُعَائِهِ وَ هُوَ سَاجِدٌ:

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَبْتَلِيَنِي بِبَلِيَّةٍ تَدْعُونِي ضَرُورَتُهَا عَلَى أَنْ أَتَغَوَّثَ (1) بِشَيْ‌ءٍ مِنْ مَعَاصِيكَ (2) اللَّهُمَّ وَ لَا تَجْعَلْ لِي حَاجَةً إِلَى أَحَدٍ مِنْ شِرَارِ خَلْقِكَ وَ لِئَامِهِمْ، فَإِنْ جَعَلْتَ لِي حَاجَةً إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَاجْعَلْهَا إِلَى أَحْسَنِهِمْ وَجْهاً وَ خَلْقاً وَ خُلُقاً، وَ أَسْخَاهُمْ بِهَا نَفْساً، وَ أَطْلَقِهِمْ بِهَا لِسَاناً، وَ أَسْمَحِهِمْ بِهَا كَفّاً، وَ أَقَلِّهِمْ بِهَا عَلَيَّ امْتِنَاناً» (3).

2- وَ عَنْهُ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: وَ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ قَالَ:

«اشْتَكَى بَعْضُ وُلْدِ أَبِي (عليه السلام)، فَمَرَّ بِهِ فَقَالَ لَهُ: قُلْ عَشْرَ مَرَّاتٍ:

____________

(1) غوث الرّجل: قال: وا غوثاه، و طلب المعونة، اي استعين عليها بشي‌ء من معاصيك. انظر «الصّحاح- غوث- 1: 289. و لسان العرب- غوث- 2: 174».

(2) في هامش «م»: ان اتعرض لمعصية من معاصيك.

(3) نقله المجلسيّ في البحار 86: 228/ 48.

2

(يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ) فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَطُّ إِلَّا قَالَ لَهُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: لَبَّيْكَ عَبْدِي سَلْ حَاجَتَكَ» (1).

3- وَ عَنْهُ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: وَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ:

«قَالَ أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يُذْنِبُ ذَنْباً إِلَّا أَجَّلَهُ اللَّهُ فِيهِ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإِنْ هُوَ تَابَ مِنْهُ وَ اسْتَغْفَرَ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ، وَ إِنْ لَمْ يَتُبْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ» (2).

4- وَ عَنْهُ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: وَ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

«أَتَى أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْباً إِلَّا أَجَّلَهُ اللَّهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإِنْ هُوَ تَابَ مِنْهُ وَ اسْتَغْفَرَ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ أَبِي: لَيْسَ هَكَذَا قُلْتُ، وَ لَكِنِّي قُلْتُ: مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يُذْنِبُ ذَنْباً. وَ كَذَلِكَ كَانَ قَوْلِي» (3).

5- وَ عَنْهُ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: وَ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ قَالَ:

«قَالَ أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ سَبْعِينَ مَرَّةً إِلَّا وَ أَنَا ضَامِنٌ لَهُ فِي دُنْيَاهُ وَ فِي آخِرَتِهِ. فَأَمَّا فِي دُنْيَاهُ فَتَتَلَقَّاهُ الْمَلَائِكَةُ بِبِشَارَةٍ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَ أَمَّا فِي آخِرَتِهِ فَإِنَّ لَهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ. يَقُولُ:

(يَا أَسْمَعَ السَّامِعِينَ) (4) وَ يَا أَبْصَرَ النَّاظِرِينَ، وَ يَا أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ، وَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَ يَا أَحْكَمَ الْحَاكِمِينَ» (5).

____________

(1) رواه البرقيّ في المحاسن: 35/ 29، و ابني بسطام في طبّ الائمة: 121، و ابن طاوس في محاسبة النّفس:

37 باختلاف يسير، و نقله المجلسيّ في البحار 93: 233/ 1.

(2) روى الكلينيّ في الكافي 2: 317/ 3 نحوه، و نقله المجلسيّ في البحار 71: 246/ 3.

(3) رواه الكلينيّ في الكافي 2: 318/ 9. و الأهوازيّ في الزّهد: 69/ 185. و نقله المجلسيّ في البحار 71:

247/ 4.

(4) في هامش «م»: يا اسمع السّامعين سبعين مرّة.

(5) رواه الرّاونديّ في دعواته: 215/ 580 باختلاف يسير، و نقله المجلسيّ في البحار 95: 350/ 1.

3

6- وَ عَنْهُ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: وَ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ قَالَ:

«قَالَ وَالِدِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا غَدَوْتَ فِي حَاجَتِكَ بَعْدَ أَنْ تُصَلِّيَ الْغَدَاةَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، فَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي غَدَوْتُ أَلْتَمِسُ مِنْ فَضْلِكَ كَمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ رِزْقاً حَلَالًا طَيِّباً، وَ أَعْطِنِي فِيمَا تَرْزُقُنِي الْعَافِيَةَ. تَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» (1).

7- قَالَ: وَ سَمِعْتُ جَعْفَراً (عليه السلام) يُمْلِي عَلَى بَعْضِ التُّجَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ فَقَالَ لَهُ:

«صَلِّ رَكْعَتَيْنِ مَتَى شِئْتَ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ التَّشَهُّدِ فَقُلْ:

تَوَجَّهْتُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَ قُوَّتِهِ، بِلَا حَوْلٍ مِنِّي وَ لَا قُوَّةٍ، وَ لَكِنْ بِحَوْلِكَ- يَا رَبِّ- وَ قُوَّتِكَ. أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنَ الْحَوْلِ وَ الْقُوَّةِ إِلَّا مَا قَوَّيْتَنِي. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بَرَكَةَ هَذَا الْيَوْمِ، وَ أَسْأَلُكَ بَرَكَةَ أَهْلِهِ، وَ أَسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَنِي مِنْ فَضْلِكَ رِزْقاً وَاسِعاً حَلَالًا طَيِّباً مُبَارَكاً، تَسُوقُهُ إِلَيَّ فِي عَافِيَةٍ بِحَوْلِكَ وَ قُوَّتِكَ، وَ أَنَا خَافِضٌ (2) فِي عَافِيَةٍ. تَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» (3).

8- وَ عَنْهُ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: وَ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ قَالَ:

«قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: مَا أُبَالِي إِذَا أَنَا قُلْتُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيَّ الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ، مَعَ الْقَضَاءِ بِالنُّصْرَةِ، تَقُولُ:

بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ وَ لِلَّهِ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ وَ مِنَ اللَّهِ وَ إِلَى اللَّهِ وَ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و اله)، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَ فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَ وَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَ أَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ. اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِحِفْظِ الْإِيمَانِ،

____________

(1) روى الكلينيّ في الكافي 3: 475/ 7، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) نحوه. و نقله المجلسيّ في البحار 95: 293/ 1.

(2) عيش خافض: اي في دعة و راحة «الصّحاح- خفض- 3: 1074»‌

(3) روى الكلينيّ في الكافي 3: 475/ 7، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) نحوه، و نقله المجلسيّ في البحار 91: 341/ 2.

4

مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَ مِنْ خَلْفِي، وَ عَنْ يَمِينِي، وَ عَنْ شِمَالِي، وَ مِنْ فَوْقِي، وَ مِنْ تَحْتِي. فَادْفَعْ عَنِّي بِحَوْلِكَ وَ قُوَّتِكَ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» (1).

9- وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):

«لِيَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِذَا هُوَ اشْتَكَى: اللَّهُمَّ اشْفِنِي بِشِفَائِكَ، وَ دَاوِنِي بِدَوَائِكَ، وَ عَافِنِي مِنْ بَلَائِكَ. فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ [لَا] (2) يَقُولَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى يَرَى الْعَافِيَةَ» (3).

10- قَالَ: وَ خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) مِنَ الْكَعْبَةِ وَ هُوَ يَقُولُ:

«اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ لَا تُجْهِدْ بَلَاءَنَا، وَ لَا تُشْمِتْ بِنَا أَعْدَاءَنَا، فَإِنَّكَ أَنْتَ الضَّارُّ النَّافِعُ». ثُمَّ هَبَطَ مِنَ الدَّرَجَةِ، فَصَلَّى إِلَى جَانِبِهَا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ رَكْعَتَيْنِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْكَعْبَةِ مِنْ أَحَدٍ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَنْزِلِهِ (4).

11- وَ قَالَ (عليه السلام): «مَنْ سَبَّحَ تَسْبِيحَ فَاطِمَةَ قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَ يَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ».

ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) لِحَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ: «حَسْبُكَ بِهَا يَا حَمْزَةُ» (5).

12- وَ هَذَا مِنْ مَحَامِدِهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ بِمَحَامِدِهِ كُلِّهَا عَلَى نِعَمِهِ كُلِّهَا، حَتَّى‌

____________

(1) رواه الكلينيّ في الكافي 2: 406/ 10، و الشّيخ الطّوسيّ في اماليه 1: 211، باختلاف يسير، و نقله المجلسيّ في البحار 95: 212/ 4.

(2) اثبتناه ليستقيم السّياق.

(3) روى الكلينيّ في الكافي 2: 411/ 3، و الطّبرسيّ في مكارم الأخلاق: 392 نحوه، و نقله المجلسيّ في البحار 95: 65/ 43.

(4) رواه الكلينيّ في الكافي 4: 529/ 7، و الشّيخ الطّوسيّ في التّهذيب 5: 279/ 956 باختلاف يسير، و نقله المجلسيّ في البحار 99: 368/ 1.

(5) رواه الكلينيّ دون ذيله في الكافي 3: 342/ 6، و الصّدوق في ثواب الأعمال: 196/ 4، و الطّبرسيّ في مكارم الاخلاق: 281، و نقله الحرّ في الوسائل 4: 1022/ 6، و نقله المجلسيّ في البحار 85: 328/ 2.

5

[مقدمة التحقيق]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ‌

الحمد للّه الذي علّم الانسان ما لم يعلم، برسل تترى و نذر تتلاحق، و شواهد تلوح، حتى تسنّم- بفضل هدى الحق- اقوام معالي القمم في لجج الفتن فذهبوا بالفوزين في الآخرة و الاولى.

و الصلاة و السلام على المختار من طول الدهور، النبي الامي، و الرحمة المهداة، و المنار الذي لا يخبو، و على اهل بيته سفن النجاة الفارهة، و سبل الهداية الشارعة، و المزن الذي تبعث الحياة في اوصال من يبتغي الحياة.

و بعد:

فالامر الذي آثار حفيظة من يكتنز في داخله الجهل المركب هو ما دأب عليه الشيعة الامامية من التشبث المتبصر بالتراث الضخم الذي خلفه لهم أئمة اهل البيت المعصومين (عليهم السلام) عند ما شمّر العديد من أعلام هذه الطائفة عن سواعدهم في أقدس ما يمكن للمسلم ان يتعهده من رعاية لعلوم‌

6

الشجرة المباركة، فكانت عند ذلك جملة لا تنكر من الاسفار القيمة، هي كالخزائن في بطونها تكتنز النفائس.

فبالرغم من سني الجدب العجاف التي اهتزت لها الامة الاسلامية من اقصاها الى ادناها، و ما تبع ذلك من وهن اصاب جسدها، و شروخ بانت بادية على جبينها، و ما تبعها من فرقة و تناحر، و تشتت في الآراء و المعتقدات، كان للمتسربلين بالثوب الاسلامي، و لذوي الاهواء و النزوات المريضة الفعل الكبير و الاثر الاكبر في ما طفح على الجسد الطاهر من قروح هي غريبة عنه، كالوشمة السوداء في المثوب الابيض، نقول بالرغم من كل ذلك، فقد كانت الشيعة الامامية و لا زالت تؤمن بأن نجاة الامة، و سبيل جمع شتاتها، و شفاء عللها لا يكون الا بالعودة الى المنهل الصافي، و المرفأ الامين، و الواحة الخضراء، و السبيل القويم الذي هو بنص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عدل القرآن و سبيل النجاة، و السفينة التي نجا من ركبها، و كان الغرق و الهلاك نصيب من تخلف عنها.

بلى: او ما سمعت قول العبد الصالح نوح (عليه السلام) لابنه حيث اعرض عن نصحه بالركوب معهم قائلا: سَآوِي إِلىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمٰاءِ (1).

فقال نوح: لٰا عٰاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّٰهِ إِلّٰا مَنْ رَحِمَ وَ حٰالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكٰانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (2).

فأنى لمن فطره اللّه تعالى على نور الحق و تنسم سبل النجاة من الهلكى ان يعرض صفحا عن ذي الحجج البينة و الشواخص المعلّمة، بل و انى لمن آمن بالرسول و بما جاء به من ربه ان يدير عارضيه امام الصرح المتشامخ بكلمة الهداية التي لا تخفى عن البصر الكليل، و هي كقوله تعالى: أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتٰابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلّٰا خِزْيٌ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا

____________

(1) هود 11: 43.

(2) هود 11: 43.

7

وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ (1).

فهلا توقف هنيئه البعض ليستجلي ما خفي عليه، و ان كان لا يخفى ما أوصى به اللّه عز اسمه حين قال: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (2) (3).

و قال: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ (4) (5).

و قال تعالى أيضا: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ* (6) (7).

بل و اين من لا يصيخ للحق سمعا من قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ* إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ (8) حيث قال: «إني تارك ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي احدهما اعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الأرض، و عترتي اهل بيتي، و لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض» (9).

____________

(1) البقرة 2: 85.

(2) الصافات 37: 24.

(3) قال ابن حجر في صواعقه المحرقة (89): اخرج الديلمي عن ابي سعيد الخدري ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ عن ولاية علي (عليه السلام)، (قال) و كان هذا هو مراد الواحدي بقوله: روي في قوله تعالى وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ اي عن ولاية علي (عليه السلام) و اهل البيت.

(4) التوبة 9: 119.

(5) قال السيوطي في الدر المنثور (3: 290): و اخرج ابن مردويه عن ابن عباس ... قال: مع علي بن ابي طالب (عليه السلام).

(6) النحل 16: 43، الانبياء 21: 7.

(7) روى الطبري في تفسيره بسنده عن جابر الجعفي قال: لما نزلت فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ...* قال علي (عليه السلام): نحن اهل الذكر.

(8) النجم 53: 3- 4.

(9) الحديث متواتر و مشهور و مروي بطرق و اسانيد كثيرة، مثل: سنن الترمذي 5: 662/ 3786 و 663/ 3788، مستدرك الصحيحين 3: 109 و 3: 148، مسند احمد 3: 17، و حلية الاولياء 1: 355، و 9: 64، اسد الغابة 3: 147.

8

و قال (ص): «اهل بيتي امان لأمتي» (1).

و قال (ص): «مثل اهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق» (2).

و عدا ذلك للمستزيد كثير، فقد اسهب السابقون و افاض في ذكره اللاحقون لهم، فما تركوا حجة الا و أقاموها، و لا بابا الا و طرقوه، حتى كان الامر اشد وضوحا من الشمس في غرة الصبح الابلج.

و اذا كان ما تعاهده الشيعة الامامية من الاعتماد على ما تلقوه عن الائمة المعصومين، له الحجة الدامغة و الدليل البين، فالسبيل اوضح لقاصده، و الدرب مشرع لسالكه، و لا جدوى للجريان في المسالك المتشعبة و الدهاليز المتفرعة التي قد تقود الخطى الى ما لا تحمد عقباه.

فاذا كان الشرع المقدس يلزم باتباع النور الذي مشكاته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و يقرن الفوز باتباعه، فلا لوم و لا تثريب على من كان حاثا لخطإه في هذا السبيل القويم.

بلى ما كان اللّه تعالى ليهمل هذا الامة دون ان يوضح لها ما تلتزم به، فاذا فرّط المكلف بذلك الامر، لم يكن في ذلك معذورا، بل و لن تسقط عنه الحجة، و كان مقصرا في ذلك بلا خلاف.

و هكذا ... فلما اعتقده الشيعة من احقية سبيل اهل البيت- و كما ذكرنا ابتداء- عمدوا الى جمع تراث هذه العترة الطيبة في اسفار جليلة يقتنص منها علماء هذه الطائفة الدر و الجوهر كما يقتنص الصياد الماهر الصيد الثمين.

و الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم سفر جليل و اثر نفيس، مضى‌

____________

(1) مستدرك الصحيحين 3: 149، ذخائر العقبى: 17.

(2) مستدرك الصحيحين 2: 343، حلية الاولياء 4: 306، تأريخ بغداد 12: 91، ذخائر العقبى: 20.

9

عليه قرابة الالف و مائتا عام بين النسخ الخطية و الحجرية تتنازعه الحاجة الملحة، و الظروف المتيسرة، حتى شاء اللّه تعالى ان يخرج بحلته الجديدة هذه بعد جهد تجاوز الثلاثة اعوام بين البحث عن مخطوطاته و تحقيقه و طباعته، سائلين الباري جل اسمه ان ييسر السبل لإخراج ما افنى عليه علماؤنا السابقون شطرا كبيرا من حياتهم في جمعه و تأليفه و ترتيبه انه الموفق للصواب.

و اخيرا ...

ففي الفترة التي كانت المؤسسة عاكفة على تحقيق هذا الكتاب عثرت على بحث علمي ابدع يراع احد الفضلاء المعروفين في كتابته و هو سماحة الشيخ الفاضل محمد باقر الكرماني (رحمه اللّه)، و تقديرا من ادارة المؤسسة للجهد الرصين الذي بذله في هذا العمل، و احياء له، ارتأت ان تجعلها المقدمة العلمية للكتاب و بشي‌ء من التصرف في بعض عباراتها و استدلالاتها.

* * *

10

نبذة عن كتاب قرب الإسناد‌

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، و صلّى اللّه على خير خلقه محمد و آله الطاهرين (عليهم السلام)، و لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين.

أما بعد:

فهذه وجيزة وضعتها في تحقيق مؤلف كتاب قرب الإسناد، و أرجو من اللّه الإمداد، مع قلة الاستعداد، فانه الكريم الجواد، و لا يخفى لأولي الألباب مما في مثل ذلك السؤال في هذه الاوان من الاشكال، مع متروكية علم الرجال، و قلة اساتيذه و كتبه، بترك البحث عنه، و لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، و لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰا.

فبالجملة اتمام الكلام فيما قصدته من وضع هذه الوجيزة موقوف على بيان امور اربعة:

الاول: تحقيق شخص المؤلف بهويته.

و الثاني: في حال المؤلف.

و الثالث: في ثبوت انتساب الكتاب الى المؤلف.

و الرابع: في بيان حال اخباره.

فنقول و باللّه التوفيق: اما الاول: [فانه] يظهر لمن تتبع في كلمات الاصحاب انهم مختلفون فيه على اقوال:

الاول منها و هو الاشهر بين اهل الرجال انه: عبد اللّه بن جعفر بن‌

11

الحسين بن مالك بن جامع الحميري، و ذلك يستفاد من كلام جماعة كالنجاشي حيث قال: عبد اللّه بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع الحميري ابو العباس القمي شيخ القميين و وجههم، قدم الكوفة سنة نيف و تسعين و مائتين، و سمع اهلها منه فاكثروا، و صنف كتبا كثيرة منها كتاب الامامة، كتاب الدلائل، كتاب العظمة و التوحيد، كتاب الغيبة و الحيرة- الى ان قال:- كتاب قرب الاسناد الى الرضا (عليه السلام) و كتاب قرب الاسناد الى ابي جعفر ابن الرضا (عليهما السلام)، كتاب ما بين هشام بن الحكم و هشام بن سالم- الى ان قال:- كتاب قرب الاسناد الى صاحب الامر (عجل اللّه تعالى فرجه) ... الى اخر ما قال (1).

و قال العلامة (رحمه اللّه) في الخلاصة: عبد اللّه بن جعفر بن الحسين بن مالك ابن جامع الحميري- بالحاء المهملة- ابو العباس القمي شيخ القميين و وجههم قدم الكوفة سنة نيف و تسعين و مائتين، ثقة من اصحاب ابي محمد العسكري (عليه السلام) (2).

و قال الشيخ (رضي اللّه عنه) في الفهرست: عبد اللّه بن جعفر الحميري القمي يكنى ابو العباس، ثقة له كتب منها كتاب الدلائل، و كتاب الطب، و كتاب الامامة، و كتاب التوحيد و الاستطاعة، و كتاب الافاعيل، و كتاب البداء، و كتاب قرب الاسناد (3).

و قال ابن شهر آشوب في معالم العلماء: عبد اللّه بن جعفر الحميري القمي ابو العباس ثقة، من كتبه الدلائل: الطب، الامامة و التوحيد، و الاستطاعة، و الافاعيل، و البداء، و قرب الاسناد ... الى آخره (4).

____________

(1) رجال النجاشي: 219/ 573.

(2) الخلاصة: 106/ 20.

(3) الفهرست: 102/ 439.

(4) معالم العلماء: 73/ 493.

12

و كذا يقتضي كلام السيد السند صاحب المدارك عند كلامه (رحمه اللّه) في نجاسة المسكرات ما هذا لفظه: و ما رواه عبد اللّه بن جعفر الحميري في كتابه قرب الاسناد ... الى آخره (1).

و صريح كلام المحدث البحراني في الحدائق أيضا يقتضي ذلك انه (رحمه اللّه) قال في جواز العدول من سورة الى اخرى: ان الواجب اولا نقل الاخبار المتعلقة بالمسألة فاقول: فالاول- الى ان قال:- و السابع: ما رواه عبد اللّه بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد اللّه بن الحسين، عن جده، عن علي بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) ... الى آخر ما قال في الحدائق (2) و سنتلو عليك أيضا ما يظهر من كلام العلامة السبزواري في ذخيرته، و المحقق المدقق الخونساري في المشارق.

و ثاني الاقوال: انه تصنيف ولده محمد بن عبد اللّه بن جعفر كما يقتضيه كلام الفاضل الحلي (رحمه اللّه) في مستطرفات السرائر، فانه قال: و كتاب قرب الاسناد تصنيف محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري (3).

و كذا صاحب المعالم و المنتقى كما سيأتي ان شاء اللّه، و بهذا صرح صاحب مطالع الأنوار غير مرة.

و ثالث الاقوال: ان تصنيف الكلام من الوالد عبد اللّه، و يرويه ولده محمد ابن عبد اللّه، كما عليه العلامة المجلسي في الفصل الاول من اول مجلدات بحار الأنوار من الفصول التي وضعها في بداية الكتاب، قال اعلى اللّه مقامه الشريف:

كتاب قرب الاسناد للشيخ الجليل الثقة ابي جعفر محمد بن عبد اللّه بن جعفر ابن الحسين بن جامع بن مالك الحميري القمي، و ظني ان الكتاب لوالده، و هو‌

____________

(1) مدارك الاحكام 2: 292.

(2) الحدائق 8: 207.

(3) مستطرفات السرائر: 123.

13

راو له كما صرح به النجاشي، و ان كان الكتاب له كما صرح به ابن ادريس (رحمه اللّه)، فالوالد متوسط بينه و بين ما اوردنا من اسانيد كتابه (1). تم كلامه رفع مقامه و كأنه اراد جمعا بين القولين.

و الى هذا ذهب المحدث الحر طاب مضجعه في اخر الوسائل في الفائدة الرابعة و قال: كتاب قرب الاسناد للشيخ الثقة المعتمد عبد اللّه بن جعفر الحميري رواية ولده محمد (2) ... الى آخره. و قال ما يقرب من ذلك في صدر الكتاب على ما ببالي (3).

و الاقرب بالقبول عندي ان الكتاب لعبد اللّه بن جعفر كما سمعت بشهادة جمع من فحول المتقدمين كالنجاشي و الشيخ، و المتاخرين كالعلامة و نظائره عليهم الرحمة، و لكن فيه ان الكتاب المزبور ينقسم الى ثلاثة اجزاء، و يظهر من عنوان الجزء الاول بالصراحة انه تصنيف محمد ولد عبد اللّه بن جعفر.

و ان اردت تفصيل الحال فنقول و عليه التكلان: اعلم ان كتاب قرب الاسناد يعنون بقوله محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن ابيه، عن هارون ابن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال ... و يورد جملة من الاخبار تنتهي اسانيدها الى مولانا الامام الصادق (عليه افضل الصلاة و السلام)، و في بعض منها: عنه عن الباقر (عليه السلام)، في حين ان البعض الاخر: عنه، عن ابيه، عن علي (عليهم السلام)، و قد يروي عنه، عن ابيه، عن النبي (عليهم افضل الصلاة و السلام) و يختتم هذا الجزء مبتدءا بجزئه الثاني قائلا: كتاب قرب الاسناد الى ابي ابراهيم من موسى بن جعفر (عليهما الصلاة و السلام).

____________

(1) بحار الأنوار 1: 7.

(2) وسائل الشيعة 20: 40.

(3) وسائل الشيعة 1: 5.

14

حدثنا عبد اللّه بن الحسن العلوي، عن جده علي بن جعفر (عليه السلام) قال: سألت اخي موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل عليه الخاتم العقيق (و ساق الخبر الى آخره) ثم قال: و سألته عن المرأة عليها السوار و الدملج (و ساق الخبر) و قال أيضا: و سألته عن المضمضة و الاستنشاق (و ذكر الخبر) و بهذا السياق ذكر الاخبار.

ثم عنون بابا آخر بقوله: باب صلاة المريض، ثم باب صلاة الجمعة و العيدين. فقال: و سألته (و ذكر شطرا من الروايات) و بعد ذلك يقول: باب صلاة المسافر فقال: عبد اللّه بن الحسن العلوي، عن جده علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، و حدّث احاديث الباب، و بهذا المنوال كالكتب الفقهية لسائر الاصحاب (رضوان اللّه عليهم).

ثم ذكر ابواب متعددة تتضمن جملة كبيرة من الاخبار المتفرقة و باسانيد مختلفة، كلها تنتهي الى مولانا أبي ابراهيم موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام).

ثم يختتم الجزء الثاني و يشرع في الجزء الثالث من كتابه، و يفتتح بقوله:

كتاب قرب الاسناد عن الرضا عليه آلاف التحية و الثناء.

حدثني الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول ...

و ذكر روايات كثيرة باسانيد مختلفة كلها تروى عن ثامن الائمة.

فلا محيص عن نسبة الجزء الاول من الكتاب الى محمد بن عبد اللّه.

و التفصيل بين الجزءين الاخيرين و الاول لا يخلو عن بعد؛ لأنه ملازم لالتباس الامر على مثل النجاشي و شيخ الطائفة، و الالتباس بهذه المثابة بعيد جدا، فما جرى عليه العلامة المجلسي و الحر العاملي رضي اللّه عنهما بملاحظة الامرين لا يخلو عن وجاهة، و لكن الخطب سهل، لان الوالد و الولد كليهما ثقتان كما ستطلع ان شاء اللّه.

15

و مما القينا عليك ظهر اشكال على النجاشي، و هو: ان ما ذكر من ان له قرب الاسناد الى الرضا و الى ابن الرضا ابي جعفر الجواد، و الى صاحب الامر (عليهم السلام)، فقد عرفت ان قرب الاسناد هذا المعروف ينتهي جزؤه الاول الى جعفر الصادق (عليهما السلام)، و جزؤه الثاني ينتهي الى موسى بن جعفر (عليه السلام)، و جزؤه الثالث ينتهي الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام)، فاما ان كان مراد النجاشي هذا الكتاب الذي وقف عليه جل الاصحاب و رووا عنه فاشتبه عليه ذكر اسامي الائمة الذين روى عنهم، و ذلك بعيد جدا، و اما ان نقول: انه يريد بكلامه ان له قرب الاسناد الى الرضا، و الى ابي جعفر، و الى صاحب الامر عليهم الصلاة و السلام كتابا غير هذا المعروف بين اظهرنا، بل ثلاث كتب متفرقة مستقلة يسمى كل منها بقرب الاسناد، و جزء من هذا القرب الاسناد- اعني مسندات الجزء الثاني منه- واحد من الثلاث التي لم نقف عليه و اطلع النجاشي عليها، فهذا أيضا ابعد من الاول، لان عدم اطلاع مثل شيخ الطائفة و ابن شهر آشوب و نظائرهما من الاعلام، مع طول باعهم و كمال تتبعهم و قرب عهدهم بزمان المؤلف و ولده، مما لا تحكم العادة بوقوعه من هؤلاء الاعلام و الفحول، و لا يركن الخبير بقبوله، و ان كان احد الاحتمالات، و لكن في فن الرجال قد وقع زلل كثير من الاعلام، و اشتبه على بعض الاكابر اسماء بعض معاريف الرواة من اجلاء الفن كمحمد بن احمد بن عيسى، و احمد بن محمد بن عيسى، و كما لا يلائم عبارة النجاشي في رجاله حيث قال في ترجمة صاحب قرب الاسناد ما سمعت: من انه عبد اللّه بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع الحميري، و قد قال في ترجمة محمد ولده: محمد بن عبد اللّه بن جعفر بن الحسين بن جامع بن مالك الحميري، و لا يخلو احدهما من سهو، و نظائر هذا وقع مرارا عن النجاشي يطول الكلام بذكرها، و ان اردت الوقوف عليها فعليك بكتاب زلات الاقدام للشيخ المعاصر الرجالي ابن ابي المعالي الحاج ميرزا هدى (رحمه اللّه) على ما افاد في بعض‌

16

مجالساتنا معه، و لسنا بصدد النقد على الاعلام.

و قد نقل ابن داود في رجاله هاتين العبارتين عن النجاشي من دون التفات الى اختلاف الواقع بينهما، و امره سهل لان مثل هذا بالنسبة الى ما وقع من الاشتباهات لنفسه (رحمه اللّه تعالى) مما ليس بشي‌ء.

فبالجملة: قد سمعت توثيق جماعة من الاعلام للولد- اعني عبد اللّه بن جعفر (رحمه اللّه)- كالنجاشي و شيخ الطائفة و العلامة و ابن شهر آشوب (رحمهم اللّه تعالى)، و صرح به العلامة المجلسي في الوجيزة و قال: عبد اللّه بن جعفر الحميري ثقة (1). كما هو مقتضى كلام النجاشي بناء على دلالة لفظة «وجه» على الوثاقة.

هذا مضافا الى رواية الصدوق (رضي اللّه عنه) بوساطة ابيه (رحمه اللّه) و رواية كل من الراوي و المروي عنه امارة للوثاقة، فانه يقول في كتابه عيون اخبار الرضا (عليه الصلاة و الثناء): حدثني ابي (رضي اللّه عنه)، قال: حدثنا عبد اللّه بن جعفر بن جامع الحميري، فما صدر من ابن داود (رحمه اللّه) في عدم توثيقه (2) لا عبرة به كما نبه عليه السيد التفرشي (رحمه اللّه) في النقد (3).

و اما ما يبقى ان مقتضى راي العلامة انه من اصحاب العسكري (عليه السلام) اعني ابا محمد (عليه السلام) خاصة (4)، و قد عده الشيخ (رحمه اللّه) من اصحاب الهادي (عليه السلام) و العسكري (عليه السلام) بقوله: عبد اللّه بن جعفر الحميري قمي ثقة من اصحاب كل من موالينا علي النقي و الحسن‌

____________

(1) الوجيزة: 29.

(2) رجال ابن داود: 117/ 845.

(3) نقد الرجال: 196/ 67.

(4) رجال العلامة: 106/ 20.

17

العسكري (عليهما الصلاة و السلام) (1)، مما لا يضر فيما نحن بصدده من الوثاقة.

تذنيب: و لا يخفى على الخبير ان الهادي و العسكري (عليهما السلام) كانا مشتهرين بالعسكري، كما ان الجواد و ابنه الهادي (سلام اللّه عليهما) كانا يدعيان بابن الرضا، و حتى انه اطلقت هذه الكنيه على العسكري (اعني ابا محمد (صلوات اللّه عليه)) و امثال هذه الاطلاق‌ات صارت سببا لتلك الاختلافات بين الشيخ و العلامة و رجال الرجال احيانا فتأمل.

و اما الولد فقد صرح بوثاقته جماعة منهم النجاشي حيث قال: محمد بن عبد اللّه بن جعفر بن حسين بن جامع بن مالك الحميري ابو جعفر القمي، كان ثقة وجها، كاتب صاحب الامر (عليه السلام) سأله مسائل في ابواب الشريعة (2) ... الى آخر ما قال. و قال في الوجيزة محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري ثقة (3).

و يكفي في جلالة قدره و علو شانه ما ذكره الشيخ الجليل الطبرسي في احتجاجه بما هذا لفظه: و مما خرج عن صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) من جوابات المسائل الفقهية أيضا مما سأله محمد بن عبد اللّه الحميري فيما كتب اليه و هو:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

اطال اللّه بقاك، و ادام اللّه عزك و تأييدك، و سعادتك و سلامتك، و اتم نعمته عليك، و زاد في احسانه إليك، و جميل مواهبه لديك، و فضله عندك، و جعلني من السوء فداك، و قدمني قبلك.

الناس يتنافسون في الدرجات، فمن قبلتموه كان مقبولا، و من دفعتموه‌

____________

(1) رجال الشيخ: 419/ 23 و 432/ 2 بتصرف.

(2) رجال النجاشي: 354/ 949.

(3) الوجيزة: 48.

18

كان وضيعا، و الخامل من وضعتموه و نعوذ باللّه من ذلك ... الى آخر التوقيع (1).

و فيما سمعت كفاية لتوثيقه، بل التوقيع يعظم قدره و يسمو شأنه.

الثالث: في ثبوت انتساب الكتاب الى المؤلف.

فاقول: الظاهر ثبوت النسبة بالتواتر و صحة انتسابه، كما ينكشف ذلك عند التتبع في كلمات الاصحاب، لأنا نراهم يروون اخبار الكتاب عن المؤلف من دون تأمل و ارتياب، و تزلزل و اضطراب، بشهرة عظيمة من قديم الايام و حديثها كما قال العلامة المجلسي رفع اللّه درجته: و كان قرب الاسناد من الاصول المعتبرة المشهورة، و كتبناه من نسخة قديمة مأخوذه من خط شيخنا محمد بن ادريس، و كان عليها صورة خطه هكذا: الاصل الذي نقلته منه كان فيه لحن صريح و كلام مضطرب، فصوّرته على ما وجدته خوفا من التغيير و التبديل (2). انتهى.

اقول: ما يظهر من كلام ابن ادريس ان النسخة التي وقف عليها كان يوجد فيها اللحن و الاضطراب، الا ان هذا لا ينافي صحة الكتاب، لأنا لم نقف الآن على اضطراب في قرب الاسناد غير ما في سائر كتب احاديث الاصحاب من اختلاف الروايات في بعض الاحكام، هذا اذا حملنا كلامه على اضطراب اخباره، و اما ان كان مراده- رفع اللّه مقامه- من نسبة اجزاء الكتاب الى واحد من المعصومين من دون تعرض للراوي- اعني المؤلف- و نسبة الجزء الاول الى محمد بن عبد اللّه، فقد وقفت على ما اجاب عنه العلامة المجلسي- رفع اللّه مقامه.

مضافا الى انه لا يبعد ان يكون المراد من لفظ قرب الاسناد معناه اللغوي، يعني: مجموع اخبار لراو من الرواة باقرب اسانيده الى واحد من المعصومين (عليهم السلام)، و لم يصل إلينا الا جزءان من عبد اللّه الحميري، و جزء من ولده‌

____________

(1) الاحتجاج: 481.

(2) بحار الأنوار 1: 26.

19

محمد بن عبد اللّه الحميري (رحمهما اللّه تعالى) كما رايت و ترى في كتاب قرب الاسناد المعروف.

و يظهر الحكم بصحة اخباره من بعض الاعلام كما قال المحقق الخونساري (رحمه اللّه تعالى) في المشارق عند الكلام في طهارة ما يوكل لحمه و روثه فانه بعد ما ذكر من انه وجد رواية في كتاب قرب الاسناد لعبد اللّه بن جعفر الحميري فذكر الرواية ثم قال: و هذه الرواية مع صحة سندها واضحة الدلالة على المطلوب، ... الا ان يناقش فيها بعدم ثبوت انتساب الكتاب الى مؤلفه، و لا يخلو من بعد (1). انتهى كلامه (رحمه اللّه).

اقول: لا يخفى على الخبير المتتبع ان الامر اوضح و اجلى من ذلك؛ لان مثل ابن ادريس النقاد الخبير البصير على الاصول المعروفة و مؤلفيها قد استطرف نبذة من اخبار هذا الكتاب في آخر سرائره، عند استطرافه لاخبار أخر من الاصول و الكتب، و مثله يجل ان يروي ما يرويه و يسنده من غير القطع في نسبته الى مؤلفة؛ لأنا نرى انه يروي استطرافا عن غير واحد من الاصول مثل: نوادر البزنطي، و ابان بن تغلب، و حريز السجستاني، و جميل بن دراج، و من لا يحضره الفقيه لشيخنا الصدوق، و التهذيب للشيخ الطوسي، و الرواية من قرب الاسناد في ضمن الرواية من الكتب و الاصول التي سميناها، فمع التصريح على الاعتماد و التعويل عليها لا يبقى ريب للخبير بصحة الاستناد عنده (رضي اللّه عنه).

هذا و لم ينكر احد من اجلاء اهل الرجال و الاخبار اسناد الكتاب الى المؤلف، نعم اختلفوا في انه من الولد او والده، و هذا لا يضر، لان اهل الرجال وثقوا كليهما، فالخطب سهل.

الرابع: في وصف اخبار الكتاب.

____________

(1) مشارق الشموس: 299.

20

فنقول: ان اخباره ليس على نهج واحد، فالجزء الثاني منه المروي كله عن عبد اللّه بن الحسن العلوي، عن جده علي بن جعفر، عن اخيه موسى (عليه السلام) يوصف بالضعف لمجهولية عبد اللّه المذكور بعدم ذكره في الرجال، كما ان صاحب الذخيرة روى عنه الرواية عند الكلام في نجاسة المسكرات و لم يوصفها بصحة و لا غيرها (1)، و هذا ظاهر في التضعيف، فان قيل: عدم تعرضه لا يدل على التضعيف اقول: كثيرا ما يذكرون الخبر غير الصحيح، بل واضح الضعف من دون التضعيف و لا سيما في مقام الاستدلال، بل قد اصر المحدث البحراني (رحمه اللّه) في الحدائق في مقام الرد على صاحب المدارك بانه كلما يذكر حديث عمار بن موسى الساباطي في مقام استدلاله على ادعائه يعبر عنه بموثق عمار، و كلما يذكره في مقام رده يعبر عنه برواية عمار، و الدعوتان و ان لم تكونا تامتين على الاطلاق بل قد ثبت خلافهما، و لكن المتتبع لا يجد بد من التصديق بصحتهما في المدارك في الجملة، و ان اردت بسط الكلام فعليك بكتب الرجال المفصلة عند تعرضهم لترجمة عمار الساباطي.

هذا، و لكن يمكن ان يقال ان اخبار هذا الجزء تعد من الحسان، اما لدلالة رواية الثقة عنه اعني رواية محمد او والده عن عبد اللّه المجهول عندنا؛ لان الظاهر ان رواية الثقة الجليل عن شخص يدل على كونه موثقا معتمدا عليه عند ذلك الثقة، و ان جهلنا حاله، بل على شاذ القول على ما ببالي كشف الوثاقة المروي عنه اذا روى عنه ثقة جليل، و ليس هذا ببعيد سيما في الروايات المدونة في الكتب الموضوعة للرجوع اليها، لأنها كانت في الاوائل كالرسائل العملية عندنا اليوم، و لا يخفى اهتمام المؤلفين من الشيعة في امثال روايات هذه الكتب، لان مدارهم في الصدر الاول ما كان الا على كتب الرواية و الاصول المدونة،

____________

(1) ذخيرة المعاد: 154.

21

اللهم الا ان يدعى ان عادة كثير من اكابر السلف كانت على الرواية عن العدل و غيره.

و الانصاف ان هذا التسامح قد وقع عن اكثر الاجلاء و الاكابر، بل يمكن ان يقال ان العادة جارية بالرواية عمن لو سئل عن عدالته لتوقف فيها. فتأمل جيدا.

و اما لكثرة روايته عن جده، فان كثرة الرواية تدل على حسن حال الراوي عند جماعة كما روي عن مولانا ابي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال:

«اعرفوا منازل الرجال على قدر رواياتهم عنا».

و عنه (عليه السلام) أيضا: اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا.

و اما ما استظهره المجلسي الاول (رضي اللّه عنه) من ان المراد بقدر الرواية علو مفاد الاخبار التي لا تصلها عقول الاكثرين كما تواتر عنهم (عليهم السلام): ان حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان. فبعيد لظهور ظاهر الرواية في الرواية بلفظها، و لا ينصرف من الظاهر الى غيره بغير قرينة ظاهرة، و الى هذا اشار صاحب المطالع (رحمه اللّه) عند الكلام في جواز العدول من السورة عند بلوغ النصف فانه قال: و يدل على المختار ما اوردناه عن قرب الاسناد- الى ان قال- و قد عرفت ان الثقة الجليل محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري رواه عن عبد اللّه ابن الحسن العلوي، عن جده علي بن جعفر، و لا كلام في هذا السند الا من جهة عبد اللّه بن الحسن، فان علماء الرجال لم يتعرضوا له، لكن يظهر من كثرة رواية الحميري الثقة الجليل عنه تعويله عليه، و منه يظهر حسن حاله ككثرة روايته عن جده علي بن جعفر، فلا يبعد ان تعد احاديثه من الحسان.

و قريب من ذلك ما ذكره عند الكلام في تصرف الوالد في مال الولد، فانه ذكر بعد نقل روايته عن قرب الاسناد: و ليس في سنده من يتأمل في شأنه الا‌

22

عبد اللّه بن الحسن، و كثرة روايته عن جده علي بن جعفر تدل على حسن حاله.

انتهى كلامه (رحمه اللّه).

و اما ما ترى من الاصحاب من تصحيح ما يروونه عن علي بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، حتى انه ربما جعل ما رواه عنه في المنتقى من الصحاح، فهو بملاحظة رواية المحمدين الثلاثة عنه بوسائطهم ظاهرا كما وقع التصريح بذلك في كلماتهم، منه ما ذكره المحقق الشيخ حسن (رحمه اللّه) في فقه المعالم عند احتجاجه على نجاسة اهل الكتاب قال: و احتجوا لنجاسة اهل الكتاب أيضا بعموم الآيتين- الى ان قال- فمنها: ما رواه الشيخ عن علي ابن جعفر في الصحيح- الى ان قال- و روى الكليني عن علي بن جعفر في الصحيح أيضا عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) قال: سألته عن مواكلة ...

- الى ان قال- و منها: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن علي بن جعفر أيضا، عن اخيه موسى (عليه السلام) انه سأله ... الحديث. و نظائره لا تخفى على الخبير باقوال العلماء (رضي اللّه عنهم). نعم قدح هذا التصحيح المحقق الخونساري (رحمه اللّه) في المشارق عند الكلام في حرمة مس المحدث للقرآن الكريم نظرا الى ان للشيخ (رضي اللّه عنه) الى علي بن جعفر ثلاث طرق على ما نقل: احدها ما ذكره في آخر التهذيب: من ان ما ذكرته فيه عن علي بن جعفر فقد اخبرني به الحسين بن عبيد اللّه، عن احمد بن محمد بن يحيى، عن ابيه محمد بن يحيى، عن العمركي النيسابوري البوفكي، عن علي بن جعفر. و هذا الطريق ليس بصحيح و ان وصفه العلامة في الخلاصة، لان فيه حسين بن عبيد اللّه الغضائري، و لم ينص الاصحاب على توثيقه.

و الآخران ما نقلهما في فهرسته، و هذان الطريقان و ان كانا صحيحين الا انه قال في الفهرست في اثناء ذكر علي بن جعفر كلاما بهذه العبارة: و له كتاب المناسك، و مسائل لأخيه موسى الكاظم بن جعفر (عليهما السلام) سأله عنها‌

23

اخبرنا بذلك، و في بعض النسخ اخبرنا به جماعة ... الى آخر ما ذكره من الطريقين.

و هذه العبارة كما ترى ليست ظاهرة في ان كل ما يرويه الشيخ عن علي ابن جعفر انما هو بهذين الطريقين، اذ يجوز ان تكون تلك المسائل مسائل خاصة مجتمعة في كتاب مستقل مثلا و لم يكن كل ما يرويه عنه داخلا فيها (1).

و هذا الاحتمال مع انه خلاف الظاهر بعيد عن مثل الشيخ، لأنه نحو تدليس، مضافا الى ان بعض الاعلام قد صرحوا بان كتاب مسائل علي بن جعفر مندرج في قرب الاسناد، و عبارة اخبرني جماعة ظاهرة بل نص لركون نفس الراوي الى ما يرويه عموما.

نعم اذا كان للراوي طرق متعددة صحيحة و غير صحيحة، و ارسل الخبر دون تعرض للطريق تلويحا و تصريحا، يمكن حمله عقلا على طريقة الضعيف، بل في بعض الاحيان مقتض الاحتياط التأمل في الفتيا بمضمون الخبر في مثل المقام، لكن يدفعه تصريح الشيخ بطريقه الثلاثة الى علي بن جعفر، بحيث يرفع الاحتمال الا في بعض الروايات المعدودة، فلا يتوقف في عموم ما يرويه الشيخ عن علي بن جعفر (رضي اللّه عنه).

هذا هو الكلام في الجزء الاول من هذا الكتاب- اعني قرب الاسناد- على ما يوافقه السند المذكور.

فاما الجزءين الاخيرين فاخبارهما تابعة لأسانيدهما كسائر المسندات، اعني عل الناظر في اخبارهما ان يصحح كل خبر منهما، و يحكم بصحة الخبر او سقمه حسبما يقتضيه الاسناد، و على هذا قد جرى كثير من الاعلام منهم: صاحب المطالع (رحمه اللّه) عند الكلام في اصالة العدالة في المسلم‌

____________

(1) مشارق الشموس: 13.

24

- بعد ذكر الصحيحة المروية في الكافي عن زرارة عن مولانا جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام)- قال: ان هذا الحديث رواه الثقة الجليل محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري في قرب الاسناد بسند صحيح عنه أيضا، لأنه رواه عن محمد بن احمد، عن البزنطي.

و منهم: الشيخ الفاضل الجليل سليمان البحراني في كتابه معراج اهل الكمال عند الكلام في ترجمة احمد بن محمد بن ابي نصر: ان في الاخبار المنقولة عن ائمتنا (عليهم السلام) ما يدل على الطعن عليه من وجوه ... الى ان قال (رضي اللّه عنه): ما رواه الثقة الجليل عبد اللّه بن جعفر الحميري في كتابه قرب الاسناد في الجزء الثالث منه بطريق صحيح عن احمد بن محمد بن عيسى، عن احمد بن محمد بن ابي نصر ... الى آخر ما استدل به لمراده (رحمه اللّه) (1).

و منهم: العلامة المحقق المدقق السبزواري في الذخيره عند الكلام في نجاسة المسكرات قال (رحمه اللّه): حجة القول بالطهارة صحيحة الحسن بن ابي سارة ... الى ان قال: و ما رواه الثقة الصدوق عبد اللّه بن جعفر في كتاب قرب الاسناد- في الصحيح- عن علي بن رئاب قال: سألت ابا عبد اللّه (عليه السلام) (2).

و التصحيح هو الصحيح، فان رجال السند: احمد و عبد اللّه ابني محمد بن عيسى، عن علي بن رئاب، و هم مصرحون بالتوثيق.

و من الغريب نقل السيد السند هذا لخبر في المدارك (3)، و سكوته طاب ثراه عن التصحيح، و لعله لعدم ثبوت تواتر الكتاب او تأمل في رجاله، و كل منهما في غير محله بناء على المشهور المنصور.

و منهم: النحرير القمقام صاحب كشف اللثام في مواضع:

____________

(1) معراج الكمال: 151- 153.

(2) ذخيرة المعاد: 154.

(3) مدارك الاحكام 2: 291.

25

منها: عند الكلام في جواز قتل الزنبور و عدمه، و وجه الجواز الاصل ... الى ان قال: و قول امير المؤمنين (عليه الصلاة و السلام) في خبر وهب بن وهب المروي في قرب الاسناد للحميري (1).

و منها: في استحباب الجهر في التلبية، و صحيح البزنطي المروي في قرب الاسناد للحميري عن مولانا الرضا (عليه السلام) ... الى آخره (2).

و منها: عند رمي الجمار بعد ذكر خبر البزنطي، و هو مروي صحيحا في قرب الاسناد للحميري (3).

و منها: استحباب صلاة ركعتين في المعرس، و صحيح البزنطي الذي في قرب الاسناد للحميري (4).

و منهم: صاحب الرياض (اسكنه اللّه في رياض جنته) عند الكلام في انه لا تحرم الزانية على الزاني بها و غيره ... الى ان قال: و الصحيح المروي في قرب الاسناد في المرأة الفاجرة. الحديث (5). و في كتاب التجارة عند قول المحقق: و لو كان لاثنين ديون ... الى ان قال: الصحيح المروي من كتاب علي بن جعفر و قرب الاسناد (6).

و غير ذلك مما لا يخفى على الناظر في كتب الاصحاب (رضي اللّه عنهم)، و التطويل في الاستشهاد لا طائل له، و فيما اوردناه كفاية ان شاء اللّه.

هذا و لا يخفى انه اذا صح سند خبر في قرب الاسناد او نظائره من الكتب المعتبرة يسمى الخبر صحيحا اصطلاحا، و لكن ادنى من صحاح الكتب الاربعة، و من هذا: ما ذكره بعض الاصحاب في تقرير ما جرى عليه السيد‌

____________

(1) كشف اللثام 1: 392.

(2) كشف اللثام 1: 318.

(3) كشف اللثام 1: 361.

(4) كشف اللثام 1: 383.

(5) رياض المسائل 2: 95.

(6) رياض المسائل 1: 580.

26

المرتضى و ابن طاوس طاب رمسهما من ثبوت الخيار لكل من المتبايعين في خيار بيع الحيوان خلافا للمشهور من ان صحيحة محمد بن مسلم الدالة على ثبوت الخيار على الاطلاق ارجح بحسب السند من صحيحة ابن رئاب المحكية عن قرب الاسناد، و قد صرحوا بترجيح رواية مثل محمد بن مسلم و زرارة (رحمهما اللّه)، و إضرابهما عن غيرهما من الثقات، مضافا الى ورودها في الكتب الاربعة المرجحة على غيرها مثل كتاب قرب الاسناد و الكتب و الاصول التي لم يلتفت اليها اكثر اصحابنا (رضي اللّه عنهم) من بعد غفلتهم عنها و عن مراجعتها.

و هذا الترجيح قد كان متداولا من الاعصار الماضية بين الاعلام من الفقهاء العظام من ارباب الحلل و العقد، فلا يقال: ما الفرق بين حديثين اذا كانا صحيحين؟ لان مؤلفي الكتب الاربعة قد ضمنوا صحة ما ضبطوا فيها لبا، مع ما لهم من الجلالة، مضافا الى اعتبار شخص الراوي و جلالته، مثلا لا يقاس جابر بن عبد اللّه الانصاري بغيره و لو كان ثقة عدلا اماميا، و كذلك نظراؤه كسلمان او كميل او ميثم او رشيد أو غيرهم من اصحاب امير المؤمنين، فليس عجبا اذا قلنا ان كتاب الكافي مثلا لا يقاس بقرب الاسناد، فللكتاب من حيث مؤلفه مدخلية في الجملة بالنسبة الى رواياته، و ذلك لان اعتبار الكتب تابع لاعتبار مؤلفيها، و هذا اصل عقلائي عرفي.

و من ذلك: ما وقع للمحدث الفقيه البحراني (رحمه اللّه) في الحدائق عند الكلام في وجوب الابتداء بغسل الوجه حيث انه حكم باعتبار ضعاف الاخبار نظرا الى الاصول المشهورة المعتبرة فقال: و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن احمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابي جرير الرقاشي قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) ... الى ان قال: و الكتاب المذكور من الاصول المعتبرة المشهورة فلا يضر ضعف الراوي (1). انتهى كلامه (رضي اللّه عنه).

____________

(1) الحدائق الناضرة 2: 233.

27

و مراده من الراوي ضعف الرقاشي ظاهرا.

و من العجب انه (رحمه اللّه) لا يلتزم باعتبار الحديث لكونه في اصل معتبر، و الا لكانت كل اخبار الكتب الاربعة معتبرة بجميعها، و لا يقول به نفسه، و من حكم باعتبار مجموعها حكم باعتبار شهادة مؤلفيها بصحة اخبارها، و هذا امر آخر فتأمل جيدا.

تذنيب: قد ذكر بعض الاعلام على ما استفدناه في بعض المجالس التي صادفنا فيها الحبر القمقام الرجالي كمال الدين ابا الهدى بن ابي المعالي (رحمهما اللّه): انه قد تكثر في قرب الاسناد ذكر عبد اللّه بن الحسن العلوي، عن جده علي بن جعفر، و مقتضاه ان عبد اللّه من احفاد مولانا الكاظم (عليه السلام)، لكن مقتضى الاسناد المذكور ان والد عبد اللّه هو الحسن، و النسخة معتبرة، و مقتضى كلام النجاشي كون الوالد جعفر بن الحسن، كما ان مقتضى الاسناد المذكور كون علي بن جعفر والد الحسن، و مقتضى كلام النجاشي كون والد الحسن بن مالك بن جامع او جابر، اللهم الا ان يحمل الجد على الاعلى، و لكنه بعيد لبعد رواية الشخص عن جده البعيد.

اقول: ان ما ذكره مبني على طرح الاتحاد بين عبد اللّه بن جعفر و عبد اللّه ابن الحسن، و ليس له دليل يعتمد عليه، بل الظاهر التغاير، و قد تقدم ان عبد اللّه ابن جعفر مؤلف قرب الاسناد، و يروي عن عبد اللّه بن الحسن، و المؤلف حميري كما سمعت أيضا فيما تقدم، و عبد اللّه بن الحسن علوي ينتهي نسبه الى مولانا جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام)، مع انه لم يذكر احد من علماء الرجال على ما وقفت ذلك الاتحاد، بل الظاهر من كلهم خلافه كما سمعت عن جماعة، فما تلونا عليك توثيق الحميري- اعني عبد اللّه بن جعفر- و لم نظفر بذكر عبد اللّه بن الحسن فهو مجهول، او من الحسان على رأي بعض اهل البصيرة.

28

و صلى اللّه على سيد الانام محمد و اهل بيته الميامين الاطياب و صحبه الانجاب.

قد تم بيد مؤلفه القاصر الفاني محمد باقر الكرماني.

منهجية التحقيق:

اعتمدت المؤسسة في تحقيقها لهذا الكتاب اسلوب التحقيق الجماعي الذي يحكم اعمالها التحقيقية السابقة، فشكلت جملة من اللجان المتخصصة التي انيط بكل منها جزء من المراحل الخاصة بتحقيق هذا الكتاب.

و لما كان هذا الكتاب من الاصول القديمة و القريبة العهد من عصر الائمة (عليهم السلام)، و ما له من اهمية خاصة بين المتون المختلفة، لذا عملت المؤسسة على محاولة الحصول على النسخ الخطية ذات المواصفات المتميزة قبل الشروع في تحقيق الكتاب و احالته الى اللجان المتخصصة التي تم تشكيلها.

و بالفعل فقد انتقت المؤسسة اربع نسخ لها جملة من الاعتبارات المهمة، ثم و بعد الشروع في العمل تبين ان نسختين من تلك النسخ هي افضل الجميع، و في هاتين النسختين ما يغني عن الباقي، فتم الاعتماد على هاتين النسختين وهن:

1- النسخة المحفوظة في مكتبة المرحوم آية اللّه العظمى المرعشي العامة برقم 3918، و التي تقع في 240 صفحة، و هي نسخة جيدة انتهى نسخها عام 1066 ه‍، منقولة من نسخة بخط ابن ادريس، و عليها صورة اجازة محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري مؤرخة في صفر 304 ه‍. رمزنا لها بالحرف «م».

2- النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة آية اللّه الروضاتي في اصفهان.

و تقع في 269 صفحة. منقولة عن نسخة بخط ابن مهجنار البزاز، و فيها روايته للنسخة و بعض الاجازات الاخرى. انتهى من نسخها محمد بن احمد بن ناصر الدين الحسيني في 24 شوال عام 980 ه‍، و عليها اجازة الحميري أيضا. رمزنا‌

29

لها بالحرف «ض».

و هكذا و بعد الحصول على هذه النسخ الخطية احيلت بقية الاعمال الى اللجان التالية:

1- لجنة المقابلة: و يكون عملها مقابلة النسخ الخطية مع النسخة الحجرية المطبوعة في النجف الاشرف و التي هي من اصح النسخ الحجرية المتوفرة، و تثبيت الاختلافات بين النسخ، و قد انيطت مسئولية هذه اللجنة بالاخوة الا ماجد الحاج عز الدين عبد الملك و هيثم شاه مراد السمّاك.

2- لجنة التخريج: و لما كان هذا الكتاب من الكتب القديمة جدا، فقد روعي في تخريجه اعتماد الاصول المعتمدة او اتحاد النصوص مع مراعاة الاقرب الى الروايات قدر المكان، و قد استمر العمل بهذه اللجنة زمنا طويلا توخيا للدقة و نتيجة للصعوبات المعلومة، و قد تولى هذه المسؤولية كلا من الاخوة الافاضل عزيز الخفاف و الشيخ عطاء اللّه الرسولي.

3- لجنة تقويم النص: و مسئولية هذه اللجنة انتقاء الصحيح من الاختلافات بين النسخ الخطية و الحجرية، و الحق يقال ان العمل في هذا الكتاب كان لا يخلو من مشقة لما لهذا الكتاب من اهمية معلومة و ما ظهر فيه من اختلافات، كما ان الملفت للنظر ان جميع النسخ التي حصلنا عليها و التي تفحصناها كانت لا تخلو من سقط لبعض الكلمات في نهاية الكتاب لعل سببها تلف اصاب النسخة الام فقصرت عن اثبات ما ضاع النسخ اللاحقة التي اتفقت على هذا الامر. و قد انيطت مسئولية هذه اللجنة بالاستاذ المحقق الحاج اسد مولوي.

4- لجنة تثبيت الهوامش: و عملها تثبيت ملاحظات مقوم النص، و صياغة الهوامش و كتابتها، و قام بهذا العمل الاخ الماجد علي شاه مراد السمّاك.

5- لجنة المراجعة النهائية: و انيطت مسئولية هذا العمل بسماحة حجة‌

30

الإسلام و المسلمين السيد علي الخراساني، حيث تجري ملاحظة الكتاب بجميع جوانبه قبل ارساله الى الطبع.

6- و انيطت مسئولية الاشراف على الكتاب و تثبيت الملاحظات و اللمسات الاخيرة على عاتق الاخ المحقق الفاضل علاء آل جعفر، مسئول لجنة مصادر بحار الأنوار في مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث.

مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

* * *

31

الصفحة الاولى من النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة السيد الروضاتي، و التي رمزنا لها بالحرف «ض».

32

الصفحة الاخيرة من النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة السيد الروضاتي، و التي رمزنا لها بالحرف «ض».

33

صورة الاجازات الموجودة في النسخة الخطبة المحفوظة في مكتبة السيد الروضاتي.

34

الصفحة الاولى من النسخة الخطية المحفوظة في المكتبة العامة للسيد المرعشي، و التي رمزنا لها بالحرف «م».

35

الصفحة الاخيرة من النسخة المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي العامة، و التي رمزنا لها بالحرف «م».

36

صورة الاجازات الموجودة في النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي العامة.