غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع

- حمزة بن علي الحسيني الحلبي المزيد...
446 /
3

التشيع في حلب عبر القرون و ترجمة المؤلف

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

انتشر الإسلام في عصر النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله) في الجزيرة العربية، كما انتشر بعد رحيله في شتى الأقطار و ما ذلك إلا لأنه دين الفطرة، يدعو إلى عبادة رب واحد، لا شريك له، و نبذ عبادة الأصنام، و الحجر و البشر، و إلى العدل و المساواة، و كل عمل و خلق حسن، و ينهى عن كل خلق و عمل قبيح، إلى غير ذلك مما يرفع الإنسان عن حضيض الحيوانية إلى ذروة الكمال.

و والاه التشيع في الانتشار بسرعة في الأقطار الإسلامية، و ما ذلك إلا لأن أكثر المهاجرين و الأنصار كانوا يشايعون عليا (عليه السلام) و يحاربون معه، و يقفون معه في صف واحد خصوصا في الحروب التي وقعت في أيام خلافته. فبعد ما نزل الإمام بالكوفة، انتشر التشيع في العراق.

و لما غادر الإمام الصادق (عليه السلام) المدينة المنورة و نزل بالكوفة أيام أبي العباس السفاح حيث بقي فيها مدة سنتين، فعمد الإمام إلى نشر علومه، و تخرج على يديه الكثير من العلماء. فقويت شوكة التشيع و هذا الحسن الوشاء يحكي لنا ازدهار مدرسة الإمام في العراق في تلك الظروف و يقول: أدركت في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة

4

تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد (1).

و قد كان لهذه المدرسة العظيمة للإمام أكبر تأثير في انتشار التشيع في أقطار العالم و إن كانت جذوره موجودة قبل الإمام الصادق (عليه السلام) في الشام و مصر و غيرهما و قد بلغ من انتشار التشيع بواسطة مدرسة الإمام انه أصبح قسم من البلدان الإسلامية، شيعية أو يوجد فيها التشيع خصوصا في ثالث القرون و ما بعده.

و مع ان الشام كانت معقل الأمويين و دار خلافتهم نرى ان التشيع قد دب فيها دبيب الماء في الورد، فما من بلدة أو قرية إلا و فيها نجم لامع من علماء الشيعة يقتضي أثر أهل البيت و ينادي بموالاتهم التي نص القرآن الكريم عليها و قد كان لسماع كلمة أهل البيت جاذبية خاصة في قلوب المسلمين حيث يحنون إليهم حنان العاشق للمعشوق، خصوصا إنهم كانوا يصلون على أهل بيت محمد و آله و عترته في كل يوم و ليلة تسع مرات. و هذا يدل على احتلال أهل البيت مقاما كبيرا فلو كانوا أناسا عاديين لما أمر المسلمون قاطبة بالصلاة عليه و هذا الأمر يدفعهم إلى التعرف عليهم و الاعتناء بشأنهم.

و لهذا و ذاك، قوي انتشار التشيع و الموالاة لأئمة أهل البيت في أكثر الأقطار الإسلامية حتى في معاقل الأعداء و دار خلافتهم.

حلب الشهباء و جمالها الطبيعي

من المناطق التي اعتنقت التشيع من عصور قديمة هي سواحل سوريا و أخص منها بالذكر حلب الشهباء التي نبغ فيها كثير من بيوتات الشيعة، و تربى في أحضانها جيل كبير من المحدثين و الفقهاء و المتكلمين و الأدباء من الشيعة التي ستمر عليك أسماء بعضهم. و قبل التعرف عليهم، نذكر شيئا من هذه المدينة الزاهرة.

يقول ياقوت الحموي: «حلب» بالتحريك مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات

____________

(1)- النجاشي، الرجال: 1- 137، رقم 79.

5

طيبة الهواء صحيحة الأديم و الماء. (1).

و قد وصف الشعراء و الأدباء أزهارها و أثمارها، و أشاروا إلى ضواحيها و نواحيها و ما فيها من جمال الطبيعة و كمال الصنع، و كأنك ترى ماءها الفضي يجري على تراب كالذهب. و ترى فيها أنواعا من الأزهار و الفواكه كلها تسقى بماء واحد و كأن الشاعر بشعره يقصد تلك البلدة إذ يقول:

صبغت بلون ثمارها أوراقها * * *فتكاد تحسب أنهن ثمار

و للشاعر أبي بكر الصنوبري قصيدة تبلغ مائة و أربعة أبيات يصف فيها منتزهات حلب و قرأها مستهلها:

احبسا العيس احبساها * * *و سلا الدار سلاها

و من جملتها:

أنا أحمى حلبا * * *دارا و أحمى من حماها

أي حسن ما حوته * * *حلب أو ما حواها

إلى أن يقول:

حلب أكرم مأوى * * *و كريم من أواها

بسط الغيث عليها * * *بسط نور، ما طواها

و كساها حللا، أب * * *دع فيها إذ كساها

حللا لحمتها السو * * *سن و الورد سداها (2)

قال السيد الخوانساري نقلا عن كتاب تلخيص الآثار:

ان حلب مدينة عظيمة بأرض الشام كثيرة الخيرات، طيبة الهواء، صحيحة التربة، لها سور حصين، و كان الخليل (عليه السلام) يحلب غنمه، و يتصدق بلبنها يوم الجمعة،

____________

(1) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 282 و 286.

(2) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 282 و 286.

6

و لقد خص الله هذه المدينة ببركة عظيمة من حيث يزرع بأرضها القطن، و السمسم، و الدخن، و الكرم، و المشمش، و التين، يسقى بماء المطر، و هي مسورة بحجر أسود، و القلعة بجانب السور لأن المدينة في وطأ من الأرض، و القلعة على جبل مدور، لها خندق عظيم، وصل حفره إلى الماء، و فيها مقامان للخليل (عليه السلام) يزاران إلى الآن، و في بعض ضياعها بئر إذا شرب منها من عضه الكلب الكليب برأ.

و من عجائبها سوق الزجاج لكثرة ما فيها من الظرائف اللطيفة، و الآلات العجيبة. (1)

التشيع في حلب عبر القرون

دخل التشيع في حلب قبل عهد الحمدانين (293- 392) و لكنه انتشر و قوى فيها على عهدهم و ذلك لان الدولة الحمدانية كانت من الدول الشيعية، يجاهرون بالتشيع و ينصرونه و كانوا يكرمون الأدباء و الشعراء و العلماء و المحدثين، و خصوصا الذين يجاهرون منهم بالتشيع و ولاء أهل البيت. و من أبرز شعراء الحمدانين أبو فراس الحمداني (320- 357) و له القصيدة الميمية الطائرة الصيت التي مستهلها:

الحق مهتضم و الدين مخترم * * *و فيء آل رسول الله مقتسم

إلى أن قال:

قام النبي بها يوم الغدير لهم * * *و الله يشهد و الأملاك و الأمم

حتى إذا أصبحت في غير صاحبها * * *باتت تنازعها الذؤبان و الرخم

و صيروا أمرهم شورى كأنهم * * *لا يعلمون ولاة الحق أيهم

تالله ما جهل الأقوام موضعها * * *لكنهم ستروا وجه الذي علموا

ثم ادعاها بنو العباس ملكهم * * *و لا لهم قدم فيها و لا قدم

____________

(1)- السيد الخوانساري، روضات الجنات: 2- 115.

7

و لأجل تلك المناصرة، و وجود المناخ المساعد، أصبح التشيع مذهبا بارزا في تلك البلدة الخصبة ممتدا إلى ضواحيها كالموصل و تشهد بذلك نصوص كثير من المؤرخين.

يقول ياقوت الحموي و هو يذكر حلب: و الفقهاء يفتون على مذهب الإمامية. (1)

2- و قال ابن كثير الشامي في تاريخه: كان مذهب الرفض فيها في أيام سلطنة الأمير سيف الدولة بن حمدان رائجا رواجا تاما.

3- و قال مؤلف نهر الذهب: لم يزل الشيعة بعد عهد سيف الدولة في تصلبهم حتى حل عصبتهم و أبطل أعمالهم نور الدين الشهيد (543) و من ذلك الوقت ضعف أمرهم غير أنهم ما برحوا يجاهرون بمعتقداتهم إلى حدود (600) فأخفوها.

ثم ذكر أن مصطفى بن يحيى بن حاتم الحلبي الشهير ب«طه زاده» فتك بهم في حدود الألف فاخفوا أمرهم، و ذكر بعض ما يفعله الحلبيون مع الشيعة من الأعمال الوحشية و المخازي و القبائح التي سودت وجه الإنسانية و يخجل القلم من نقلها.

و قال القاضي المرعشي: «أهل حلب كانوا في الأصل شيعة و إلى أواخر زمان الخلفاء العباسية كانوا على مذهب الإمامية، و قد أجبروا في زمان انتقال تلك الولاية إلى حكم السلاطين العثمانية على ترك مذهبهم» و ما مر من فعل (طه زاده) يؤيد ذلك فإن استيلاء العثمانيين على حلب كان في أوائل المائة العاشرة.

و قال مؤلف نهر الذهب: انه لم يزل يوجد في حلب عدة بيوت معلومة يقذفهم بعض الناس بالرفض و التشيع و يتهابون الزواج معهم مع ان ظاهرهم على كمال الاستقامة و موافقة أهل السنة. (2)

4- و قال ابن كثير:

لما سار صلاح الدين إلى حلب فنزل على جبل جوشن، نودي في أهل حلب بالحضور في ميدان باب العراق فاجتمعوا فأشرف عليهم ابن الملك نور الدين فتودد

____________

(1)- ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج 2، ص 273.

(2)- السيد الأمين، أعيان الشيعة: ج 1، ص 201.

8

إليهم و تباكى لديهم و حرضهم على قتال صلاح الدين و ذلك عن إشارة الأمراء المقدمين فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كل أحد و شرط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان بحي على خير العمل، و أن يذكر في الأسواق و أن يكون لهم في الجامع، الجانب الشرقي، و أن يذكر أسماء الأئمة الاثني عشر بين يدي الجنائز، و أن يكبروا على الجنازة خمسا، و أن تكون عقود أنكحتهم إلى الشريف أبي طاهر أبي المكارم حمزة بن زاهر (1) الحسيني فأجيبوا إلى ذلك كله، فأذن بالجامع و سائر البلد بحي على خير العمل. (2)

و نقل السيد الأمين عن أعلام النبلاء عن كتاب الروضتين، عن ابن أبي طي انه قال: فأذن المؤذنون في منارة الجامع و غيره بحي على خير العمل، و صلى أبي في الشرقي مسبلا و صلى وجوه الحلبيين خلفه و ذكروا في الأسواق و قدام الجنائز أسماء الأئمة و صلوا على الأموات خمس تكبيرات و اذن للشريف- ابن زهرة- أن يكون عقود الحلبيين من الإمامية إليه و فعلوا جميع ما وقعت الأيمان عليه. (3)

5- قال ابن كثير:

ان بدر الدولة أبا الربيع سليمان بن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب لما أراد بناء أول مدرسة للشافعية بحلب لم يمكنه الحلبيون، إذ كان الغالب عليهم التشيع.

ان ابتداء إمرة سليمان هذا في حلب نيابة عن عمه «ايلغاري» بن ارتق، كان سنة 515 هو انتهاؤها 517 و إن تلك المدرسة تسمى «الزجاجية» و انه كلما بنى فيها شيء نهارا خربة الحلبيون ليلا إلى أن أعياه ذلك، فاحضر الشريف زهرة بن علي بن إبراهيم الإسحاقي الحسيني و التمس منه أن يباشر بناءها فكف العامة عن هدم ما

____________

(1)- كذا في المصدر و الصحيح «زهرة».

(2)- ابن كثير: البداية و النهاية: الجزء 12- 309 حوادث سنة 570 و في غير واحد من المعاجم، كالرياض 2- 208. تبعا لمجالس المؤمنين 1- 63 ط مكتبة الإسلامية، و قد صحف فيهما لفظ السبعين بسبع فلاحظ.

(3)- السيد الأمين: أعيان الشيعة: ج 6، ص 250، ترجمة ابن زهرة.

9

يبنى، فباشر الشريف البناء ملازما له حتى فرغ منها. (1)

و خرج من حلب عدة من علماء الشيعة و فقهائهم منهم الشيخ كردي بن عكبري بن كردي الفارسي الفقيه الثقة الصالح، كان يقول: بوجوب الاجتهاد عينا و عدم جواز التقليد قرأ على الشيخ الطوسي و بينهما مكاتبات و سؤالات و جوابات. (2)

و منهم الفقيه المقدام أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي 374- 447 مؤلف الكافي، و التهذيب و المرشد و تقريب المعارف،- و قد طبع الأول و الأخير- و غيرها.

و قد كانت الصلة بين شيعة حلب و شيعة الكوفة وثيقة جدا و لأجل ذلك نرى ان بعض البيوت العراقية ينتسب إلى حلب و ما ذلك إلا لوجود الصلة التجارية أو العلمية بين البلدين فهذا هو عبيد الله بن علي بن أبي شعبة المعروف بالحلبي و ما هو إلا أنه كان يتجر هو و أبوه و إخوته إلى حلب فاشتهروا بالحلبيين. و عبيد الله هذا من فقهاء الشيعة في القرن الثاني و له كتاب يرويه أصحابنا عنه (3) و رواياته مبثوثة في المعاجم الحديثية.

هذا بعض ما كان للشيعة من الشأن في تلك التربة الزاهرة و أما مصيرهم في القرون فقد حدث عند المؤرخون و قد مر تصريح بعضهم بما جرى على شيعة آل البيت من المجاز فيها. و لنشر إلى النزر اليسير منها و نترك الكثير إلى مجال آخر.

ان تاريخ الشيعة تاريخ دموي حيث إنهم عاشوا بين الخوف و الرجاء، و بين الحجر و المدر و قد تعامل معهم الأمويون و العباسيون بشكل يندي له جئن البشرية فلم يكن السبب للفتك بهم إلا عدم تحالفهم مع الظالمين و مع ذلك فبقاء الشيعة اليوم يعد من أكبر المعاجز و من خوارق العادات إذ لم يشهد التاريخ أمة أصابتهم النوائب و المظالم و القتل الذريع مثل ما أصابت شيعة أهل البيت و مواليهم، و لو انك وقفت على

____________

(1)- السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة: ج 7- 69، و زهرة المذكور جد المؤلف فيعرب عن مكانة المؤلف في عصره حيث كان رئيسا مطاعا.

(2)- الخوانساري: روضات الجنات ج 2، ص 115.

(3)- النجاشي، الفهرست ترجمة عبيد الله، رقم 640.

10

ما في غضون التاريخ و أغواره لضقت ذرعا و لملئت مما جاء فيها رعبا.

6- قال كرد علي في خطط الشام:

كان أهل حلب سنة حنفية، حتى قدم الشريف أبو إبراهيم الممدوح- في عهد سيف الدولة- فصار فيها شيعة و شافعية، و أتى صلاح الدين، و خلفاؤه فيها على التشيع، كما أتى عليه في مصر، و كان المؤذن في جوامع حلب الشهباء يؤذن بحي على خير العمل، و حاول السلجوقيون مرات، القضاء على التشيع، فلم يوفقوا إلى ذلك، و كان حكم بني حمدان و هم شيعة، من جملة الأسباب الداعية إلى تأصل التشيع في الشمال، و لا يزال على حائط صحن المدفن الذي في سفح جبل «جوشن» بظاهر حلب ذكر الأئمة الاثني عشر، و قد خرب الآن. (1)

7- و قال ابن جبير: للشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة، و هم أكثر من السنيين بها، و قد عموا البلاد بمذاهبهم. (2)

دخل صلاح الدين الأيوبي إلى حلب عام 579 و حمل الناس على التسنن و عقيدة الأشعري و لا يقدم للخطابة و لا للتدريس إلا من كان مقلدا لأحد المذاهب الأربعة، و وضع السيف على الشيعة فقتلهم و أبادهم مثل عمله في مصر، إلى حد يقول الخفاجي في كتابه: «فقد غال الأيوبيون في القضاء على كل أثر للشيعة». (3)

و بما انه سبحانه شاء أن يبقى التشيع في حلب، نرى أن الدولة الأيوبية لم تتمكن من القضاء على التشيع فيها تماما بل بقي مع ما أصابه من الكوارث و المحن.

8- هذا هو ياقوت الحموي يكتب عن حلب عام 636 هأي بعد دخول الأيوبي لها بسبع و خمسين سنة ما لفظه: و عند باب الجنان مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رؤي فيه في النوم، و داخل باب العراق مسجد غوث، فيه حجر عليه

____________

(1)- كرد علي خطط الشام: 6- 258.

(2)- ابن جبير، الرحلة، ص 250 ط مصر. قام برحلته هذه عام 581 و استغرقت ثلاث سنوات.

(3)- الخفاجي: الأزهر في ألف عام: 1- 58.

11

كتابة زعموا انها خط علي بن أبي طالب (عليه السلام) و في غربي البلد في سفح جبل جوشن قبر المحسن بن الحسين يزعمون انه سقط لما جيء بالسبي من العراق ليحمل إلى دمشق، أو طفل كان معهم بحلب فدفن هنا لك، و بالقرب منه مشهد مليح العمارة تعصب الحلبيون، و بنوه أحكم بناء، و أنفقوا عليه أموالا، يزعمون أنهم رأوا عليا (عليه السلام) في المنام في ذلك المكان. (1)

هكذا استمر التشيع في حلب رفيع البناء، لم يقلعه تلك الهزات العنيفة، و لم تقوضه تلك العواصف الشديدة، إلى أن أفتى الشيخ نوح الحنفي (2) بكفر الشيعة و استباحة دمائهم و أموالهم، تابوا أو لم يتوبوا، فزحفوا على شيعة «حلب» و أبادوا منهم أربعين ألفا أو يزيدون، و انتهبت أموالهم، و أخرج الباقون منهم من ديارهم إلى «نبل» و «النغاولة» و «أم العمد» و «الدلبوز» و «الفوعة» و غيرها من القرى، و اختبأ التشيع في أطراف حلب في هذه القرى و البلدان.

9- هاجم الأمير ملحم بن الأمير حيدر، بسبب هذه الفتوى جبل عامل عام 1048 فانتهك الحرمات و استباح المحرمات يوم وقعة قرية «أنصار» فلا تسئل عما أراق من دماء، و استلب من أموال، و انتهك من حريم، فقد قتل ألفا و خمس مائة، و أسر ألفا و أربع مائة، فلم يرجعوا حتى هلك في الكنيف ببيروت.

فيا لله من هذه الجرأة الكبرى على النفوس و الأعراض، و من تلك الفتيا، التي غررت بأولئك على تلك الفظائع و الجرائم. (3)

10- و لم يكن ذلك الفتك الذريع أول تصفية جسدية للشيعة، بل صبت عليهم قوارع في دار الخلافة، قبل قرنين بالوحشية التامة يندي لها جئن الإنسانية. فقد قتل السلطان سليم في الاناضول وحدها أربعين ألفا، و قيل سبعين لا لشيء إلا انهم شيعة، و من جراء ذلك غادرت شيعة أهل البيت المراكز، نازلين الكهوف، و المناطق الجبلية،

____________

(1)- ياقوت الحموي، معجم البلدان: 2- 284.

(2)- كان مفتي قونية في عصر الخلافة العثمانية توفي عام 1070 اقرء ترجمته في الإعلام للزركلي: 8- 51.

(3)- محمد حسين المظفر، تاريخ الشيعة، ص 147.

12

و لم تزل قسم من العلويين حاليا في تركيا يعيشون تلك المناطق. (1)

ما أقبحها من عصبية و ما أقساها.

ترى أ كان يسوغ في شريعة الإنصاف أن يسأم قوم يدينون بدين الحق، و يتبعون أوصياء النبي الشرعيين الذين أوصى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بموالاتهم و محبتهم، و يمنعوا من أبسط حقوقهم الإنسانية و هي حرية الرأي و المعتقد، خاصة إذا كان ذلك المعتقد من النوع الذي يأخذ بصاحبه إلى الفضيلة و الطهر، و الإنسانية و الكمال.

ترى أ كان يسوغ أن تمنع جماعة يحترمون وصية النبي في ذريته و خلفائه الأبرار، من أداء شعائرهم النابعة من الكتاب و السنة إلا في غطاء التقية، و إذا كانت التقية أمرا قبيحا فعمل من حملهم عليها أقبح.

و هذا هو العالم الشاعر إبراهيم يحيى (2) يصف مظالم «جزار» و فظايعه على الشيعة في جبل عامل تلك المنطقة الخصبة بالعلم و الفضل، و جمال الطبيعة و كانت و لم تزل دارا للشيعة منذ عصور، تلمع كشقيقتها «حلب» في خريطة الشامات و قد صور الشاعر ما جرى عليهم في قصيدته على وجه يدمي الأفئدة و القلوب، و قد هاجر من موطنه إلى دمشق و نظم فيها القصيدة الميمية نقتطف منها ما يلي:

يعز علينا أن نروح و مصرنا * * *لفرعون مغني يصطفيه و مغنم

منازل أهل العدل منهم خلية * * *و فيها لأهل الجور جيش عرمرم

و عاثت يد الأيام فينا و مجدنا * * *و بالرغم مني أن أقول مهدم

و لست ترى إلا قتيلا و هاربا * * *سليبا و مكبوبا يغل و يرغم

و كم علم في عامل طوحت به * * *طوائح خطب جرحها ليس يلام

و أصبح في قيد الهوان مكبلا * * *و أعظم شيء عالم، لا يعظم

و كم من عزيز ناله الضيم فاغتدى * * *و في جيده حبل من الذل محكم

____________

(1)- محمد جواد مغنية، الشيعة و الحاكمون، ص 194 نقلا عن أعيان الشيعة.

(2)- اقرء ترجمته في الجزء الثاني من دائرة المعارف البنانية لرئيس الجامعة اللبنانية فؤاد البستاني.

13

و كم هائم في الأرض تهفوا بلبه * * *قوادم أفكار تغور و تتهم

و لما رأيت الظلم طال ظلامه * * *و ان صباح العدل لا يتبسم

ترحلت عن دار الهوان و قلما * * *يطيب الثوى في الدار و الجار، أرقم

تملكها- و الملك لله- فاجر * * *سواء لديه ما يحل و يحرم

عتل زنيم، يظهر الدين كاذبا * * *و هيهات أن يخفى على الله مجرم

(1) نسب المؤلف

اتفقت كلمة المترجمين على أن نسبه ينتهي إلى الإمام الصادق (عليه السلام) و لكن اختلفوا في عدد الوسائط فذكر الأفندي التبريزي نسبه بالنحو التالي:

السيد عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي، بن أبي المحاسن زهرة، بن أبي علي الحسن، بن أبي المحاسن زهرة، بن أبي المواهب علي، بن أبي سالم محمد، بن أبي إبراهيم محمد النقيب، بن علي، بن أبي علي أحمد، بن أبي جعفر محمد، بن أبي عبد الله الحسين، بن أبي إبراهيم إسحاق المؤتمن، بن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) الحسيني الحلبي، و قال:

هذا الذي ذكرناه، من نسبه هو الموجود في المواضع المعتبرة، و رأيت في أواخر بحث أصول الفقه من بعض نسخ الغنية له، نسبه هكذا:

السيد أبو المكارم حمزة، بن علي، بن زهرة، بن علي، بن محمد، بن أحمد، بن محمد، بن الحسين، بن إسحاق بن جعفر الصادق (عليه السلام) و لعل فيه اختصارا كما هو الشائع في الأنساب (2) و على ما ذكره يصل نسب المؤلف إلى الإمام الصادق (عليه السلام) باثنتي عشرة واسطة.

و قد ذكر شيخ الباحثين آقا بزرگ الطهراني نسبه بالنحو المتقدم و كأنه تبع

____________

(1)- محمد جواد مغنية، الشيعة و الحاكمون، ص 196.

(2)- الأفندي التبريزي، الرياض: ج 2، ص 202.

14

صاحب الرياض. (1)

و يقول السيد الخوانساري: السيد بن زهرة الحلبي ينتهي نسبه إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق باثنتي عشرة واسطة سادات أجلاء. (2)

نعم حكى السيد الأمين عن كتاب اعلام النبلاء «أنه قد أبقت أيدي الزمان قبر المترجم في تربته الكائنة في سفح جبل جوشن جنوبي المشهد، و بينها و بين التربة أذرع و قد كانت تلك التربة مردومة فاكتشفت في جمادى الأولى سنة 1297 و قد حاط جميل باشا ما بقي من هذه التربة بجدران حفظا لها، و قبر المترجم ظاهر فيها و على أطرافه كتابة حسنة الخط هذا نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم: هذه تربة الشريف الأوحد ركن الدين أبي المكارم حمزة، بن علي، بن زهرة، بن علي، بن محمد، بن محمد، بن أحمد، بن محمد، بن الحسين، بن إسحاق بن جعفر الصادق (صلوات الله عليه و على آبائه و أبنائه الأئمة الطاهرين )و كانت وفاته في رجب سنة 585 هرضي الله عنه- (3) و على ما ذكره ينتهي نسبه إلى الإمام الصادق (عليه السلام) بوسائط تسع.

و ذكر العمري نسب أبي إبراهيم محمد الذي هو الجد السادس للمؤلف إلى الإمام الصادق (عليه السلام) بالنحو التالي:

أبو إبراهيم: محمد، بن جعفر، بن محمد، بن أحمد، بن الحسين، بن إسحاق، بن جعفر الصادق (عليه السلام). (4)

و قال: و كان أبو إبراهيم لبيبا عاقلا و لم تكن حاله واسعة، فزوجه الحسين الحراني، بنته خديجة المعروفة بأم سلمة- إلى أن قال:- فأمد أبا إبراهيم، الحسين الحراني

____________

(1)- الطهراني، طبقات أعلام الشيعة القرن السادس، ص 87.

(2)- الخوانساري، روضات الجنات: ج 2، ص 374.

(3)- السيد الأمين، أعيان الشيعة: 6- 249.

(4)- العمري المجدي، ص 99.

15

بماله و جاهه، و نبغ أبو إبراهيم و تقدم و خلف أولادا سادة فضلاء، و لهم عقب منتشر بحلب. (1)

و قال الزبيدي في تاج العروس: بنو زهرة شيعة بحلب بل سادة نقباء، علماء، فقهاء، محدثون كثر الله أمثالهم و هو أكبر بيت من بيوت الحسين و هم:

أبو الحسن زهرة، بن أبي المواهب علي، بن أبي سالم محمد، بن أبي إبراهيم محمد الحراني و هو المنتقل إلى حلب و هو ابن أحمد الحجازي، بن محمد، بن الحسين، (و هو الذي وقع إلى حران) بن إسحاق، بن محمد (2) المؤتمن، ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) الحسيني الجعفري، و جمهور عقب إسحاق بن جعفر ينتهي إلى أبي إبراهيم المذكور». (3)

و لأجل التعرف على بعض الشخصيات الذين شادوا هذا البيت الرفيع نذكر شيئا من ترجمة أبيه و جده و نترك ترجمة الباقين من أجداده إلى آونة أخرى فإن الإشارة إلى حياتهم تحوجنا إلى القيام بتأليف مفرد.

1- أبوه: علي بن زهرة

قال في الرياض: و كان علي، والد السيد ابن زهرة هذا من أجلة العلماء بحلب، و يروي هو عن والده زهرة الحلبي المذكور، و يروي عنه ولده السيد ابن زهرة المذكور على ما رأيته بخط بعض الأفاضل نقله عن خط الشيخ سديد الدين يوسف والد العلامة- قدس الله سره-، و صرح بذلك محمد بن جعفر المشهدي في مزاره الكبير أيضا. و قال الكفعمي في أواخر فرج الكرب و فرج القلب: ان السيد العالم علي بن زهرة الحسيني طاب ثراه ألف في التغاير كتابا سماه آداب النفس، و مراده بالتغاير ما هو

____________

(1)- العمري المجدي، ص 99.

(2)- كذا في المصدر و الصحيح «أبو محمد»، إذ لا واسطة بين إسحاق، و الإمام الصادق (عليه السلام).

(3)- الزبيدي، تاج العروس: ج 3، ص 248 (مادة زهرة).

16

مصطلح علماء البديع أعني به ما سماه بعضهم التلطيف. ثم قال: و اعلم ان هذا السيد و أباه زهرة و أولاده يحيى و حمزة و سائر سلسلته المعروفين، كلهم من أكابر العلماء ببلاد حلب. (1)

جده أبو المحاسن [1] زهرة

قال في الرياض: كان من أكابر العلماء بحلب، و يروي عنه ولده علي المذكور، و هو يروي عن ابن قولويه على ما رأيته بخط بعض الأفاضل نقلا عن خط الشيخ سديد الدين يوسف والد العلامة(قدس سره) و به صرح الشيخ محمد بن جعفر المشهدي في المزار الكبير أيضا، لكنه قال: انه يروي عن الصدوق.

و السيد زهرة الحلبي هذا هو الذي ينسب إليه سبطه حمزة المعروف بالسيد ابن زهرة و سائر أولاد زهرة و بنو زهرة معروفون. [2]

و لو كان يروي عن ابن قولويه المتوفى عام 369 هأو الصدوق المتوفى عام 381 ه، فقد عاش (جد المؤلف) في العقد الثاني من القرن الرابع و أدرك سنين كثيرة من القرن الخامس.

و لعل في هذا الإلمام العابر، غنى و كفاية للقارئ في التعرف على حياة والد المؤلف و جده بوجه موجز.

____________

[1] اختلفت كلمة أصحاب المعاجم في كنيته، فصاحب الرياض على انه «أبو المحاسن» بينما يصر السيد الأمين على ان كنيته «أبو الحسن» و ان الأول كنية «زهرة» الثاني.

[2] الأفندي التبريزي، الرياض، ج 2، ص 356 و لاحظ أعيان الشيعة، ج 7، ص 69.

أقول: نقل الجد عن الصدوق فضلا عن ابن قولويه بعيد جدا، لأن حفيده المترجم له المتوفى عام 585 هينقل عنه، فكيف يصح لشيخه أن ينقل عن الصدوق المتوفى عام 381 هأو عن ابن قولويه المتوفى عام 369 ه، إذ لازم ذلك أن يكون الجد من المعمرين و لم يذكر في عدادهم!.

____________

(1)- الأفندي التبريزي، رياض العلماء، ج 4، ص 97 و لاحظ روضات الجنات، ج 2، ص 374 و طبقات الأعلام القرن السادس، ص 181.

17

لقد ظل البيت، عامرا بالعلم و الفضل، و الفقه و الحديث، مشعا عبر القرون، حتى بعد مضي مؤلفنا الجليل الذي عاش بين 511- 585 و مع ما أصابته من نكبات و نوائب تدمى القلوب، و تهز المشاعر في أواخر القرن السادس- على ما عرفت- فما برح البيت ساعيا في تربية نوابغ العلم و إبطال الفقه و جهابذة الحديث حتى القرن السابع و الثامن و بعدهما و يكفيك ما نذكره في المقام من استجازة عدة من أعلام البيت و فقهائهم، علامة عصره و فقيه دهره الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي 648- 726، المشتهر بالعلامة على الإطلاق و هذا نص إجازته لبني زهرة نقتطف منه ما يلي قال: بعد البسملة و التحميد و المقدمة:

و بلغنا في هذا العصر، ورود الأمر الصادر من المولى الكبير، و السيد الجليل، الحسب النسيب، نسل العترة الطاهرة، و سلالة الأنجم الزاهرة، المخصوص بالنفس القدسية، و الرئاسة الإنسية، الجامع بين مكارم الأخلاق، و طيب الاعراق، أفضل أهل عصره على الإطلاق، علاء الملة و الحق و الدين، أبي الحسن علي، [1] بن أبي إبراهيم محمد، ابن أبي علي الحسن، بن أبي المحاسن زهرة، بن أبي المواهب علي، بن أبي سالم محمد، بن أبي إبراهيم محمد النقيب، بن أبي علي أحمد، بن أبي جعفر محمد، بن أبي عبد الله الحسين، بن أبي إبراهيم إسحاق المؤتمن، ابن أبي عبد الله جعفر الصادق(صلوات الله و سلامه عليه)ابن أبي جعفر محمد الباقر(صلوات الله و سلامه عليه)ابن أبي الحسن علي بن زين العابدين(صلوات الله و سلامه عليه)ابن أبي عبد الله الحسين السبط الشهيد(صلوات الله و سلامه عليه)ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب-

____________

[1]- هكذا في البحار المطبوع، الجزء 104- 61. فلو حذفنا الكنى يكون نسب المستجيز هكذا: على بن محمد بن الحسن، بن زهرة و على هذا، تكون الواسطة بينه و بين زهرة اثنين و لا يخفى بعده لأنه يصبح المستجيز ترب ولد المؤلف الذي كان يعيش في أوائل القرن السابع، و من البعيد أن يروي عن العلامة عام 723. و في البحار الجزء 26- 21 المطبوع عام 1315 «علاء الدين أبو الحسن، علي بن إبراهيم، بن محمد، بن أبي الحسن، بن أبي المحاسن زهرة فيكون نسبه بعد حذف الكنى هكذا: علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن زهرة، فتكون الواسطة بينهما ثلاثة، و لا يخلو عن بعد أيضا. أضف إليه ما فيه من الغلط فان محمدا والد إبراهيم هو الحسن لا ابن الحسن.

18

(صلوات الله و سلامه عليه).

نسب تضاءلت المناسب دونه * * * فضياؤه لصباحة في فجره

أيده الله تبارك و تعالى بالعنايات الإلهية، و أمده بالسعادات الربانية، و أفاض على المستفيدين من جزيل كماله كما أسبغ عليهم من فواضل نواله.

يتضمن سبب اجازة صادرة من العبد له و لأقاربه السادات الأماجد، المؤيدين من الله تعالى في المصادر و الموارد، و أجوبة عن مسائل دقيقة لطيفة، و مباحث عميقة شريفة، فامتثلت أمره رفع الله قدره، و بادرت إلى طاعته و إن استلزمت سوء الأدب، المغتفر في جنب الاحتراز عن مخالفته، و إلا فهو معدن الفضل و التحصيل، و ذلك غنى عن حجة و دليل.

و قد أجزت له أدام الله أيامه.

و لولده المعظم و السيد المكرم، شرف الملة و الدين أبي عبد الله الحسين.

و لأخيه الكبير الأمجد و السيد المعظم الممجد بدر الدين أبي عبد الله محمد.

و لولديه الكبيرين المعظمين أبي طالب أحمد أمين الدين، و أبي محمد عز الدين حسن عضدهما الله تعالى بدوام أيام مولانا.

أن يروي هو وهم، عني جميع ما صنفته في العلوم العقلية و النقلية أو أنشأته أو قرأته أو أجيز لي روايته أو سمعته من كتب أصحابنا السابقين، (رضوان الله عليهم أجمعين)، و جميع ما أجازه لي المشايخ الذين عاصرتهم و استفدت من أنفاسهم. إلى آخرها. (1)

و الإجازة مفصلة جديرة بالمطالعة، تعرب عن تضلع العلامة في غالب الفنون و العلوم، و اتصاله المستمر بالمشايخ و استجازته عن أساتذته العلوم و الحديث و الفقه و قد أرخها ب25 شعبان 723.

____________

(1)- المجلسي: البحار: 104- 61- 62. (ط بيروت).

19

و هذا الثناء العاطر الذي سمعناه عن العلامة على أبناء زهرة في القرن الثامن يوقفنا على ان ذلك البيت العلوي لم يزل باقيا على ذروة العلم و كان كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها إلى حد نرى ان العلامة الحلي، يتواضع للمستجيز، و يعد سؤاله، أمرا صادرا منه، فإذا كان هذا حال البيت في الأثمار و الإضاءة في القرن الثامن فكيف حاله في عصر المؤلف و بعده و لذلك نشير إلى شخصيات متعاصرة للمؤلف كلهم من نتاج بيته الرفيع.

أقطاب الطائفة في عصر المؤلف

1- الشريف زهرة بن علي بن زهرة بن الحسن الحسيني و هو أخو الشريف أبي المكارم مؤلفنا الجليل. قال المقريزي في خططه:

أنشد الشريف زهرة بن علي بن زهرة بن الحسن الحسيني و قد اجتاز بالمعشوق يريد الحج:

قد رأيت المعشوق و هو من المهجر * * * بحال تنبو النواظر عنه

أثر الدهر فيه آثار سوء * * * قد أدالت يد الحوادث منه

و «المعشوق» كما في معجم البلدان: قصر عظيم بالجانب الغربي من دجلة قبالة سامراء في وسط البرية عمره المعتمد. (1)

2- عبد الله بن علي بن زهرة إخوة الآخر ولد عام 531 و توفي عام 580.

و قد قرأ النهاية على أخيه أبي المكارم، و له من التأليف، التجريد لفقه الغنية عن الحجج و الأدلة، و لعله لخص كتاب أخيه «الغنية» الذي يزفه الطبع إلى القراء، و له ترجمة في غير واحد من الكتب. (2)

____________

(1)- المقريزي، الخطط: ج 3، ص 259، لاحظ أعيان الشيعة: ج 7، ص 70.

(2)- الطهراني، طبقات أعلام الشيعة القرن السادس، ص 165.

20

3- السيد محي الدين أبو حامد محمد بن عبد الله بن علي بن زهرة و هو ابن أخي المؤلف، و يروي عنه يحيى بن سعيد مؤلف الجامع للشرائع المتوفى عام 690 هو علي بن موسى بن طاوس المتوفى سنة 664 و المحقق الحلي المتوفى سنة 676 و قد قرأ مقنعة المفيد على عمه أبي المكارم سنة 584 و له من العمر أقل من العشرين فيكون من مواليد حوالي عام 565 هو له ترجمة في طبقات أعلام الشيعة. (1)

4- أحمد بن محمد بن جعفر الشريف النقيب أبو طالب أمين الدين الحسيني، يروى عنه السيد محي الدين أبو حامد، محمد بن عبد الله بن زهرة في «الأربعين» و ابن أخي السيد أبي المكارم كما مر، و قد صرح بان الشريف خال والده عبد الله بن علي بن زهرة، و الظاهر انه من السادة العلماء النقباء بحلب من بني زهرة. (2)

هؤلاء بعض الشخصيات البارزة الذين تخرجوا من هذا البيت فهم بين متقدم على المؤلف أو معاصر له أو متأخر عنه، و هناك أجلاء فقهاء نبغوا من هذا البيت عبر العصور فالقيام بترجمتهم و لو بصورة العامة عابرة يحوجنا إلى تأليف مفرد.

حياة المؤلف و أشواطه العلمية

أظن انه قد حان حين القيام بترجمة مؤلفنا الكبير أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة ترجمة تناسب التقديم.

و ننقل قبل كل شيء كلمات الأعلام في حقه و أول من ترجمه هو ابن شهرآشوب (488- 588) قال:

1- حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي، له كتاب قبس الأنوار في نصرة العترة الأخيار، و غنية النزوع حسن. (3)

____________

(1)- لاحظ الجزء المختص بالقرن السابع باسم الأنوار الساطعة في المائة السابعة، ص 160.

(2)- السيد الأمين: أعيان الشيعة: 3- 91.

(3)- ابن شهرآشوب، معالم العلماء: ص 46، برقم 303.

21

2- و قال العلامة الحلي: حمزة بن علي بن زهرة الحسيني بضم الزاي الحلبي، قال السيد السعيد صفي الدين معد (رحمه الله): ان له كتاب قبس الأنوار في نصرة العترة الأطهار و كتاب غنية النزوع. (1)

3- قال الزبيدي: فمن ولد علي، الشريف أبو المكارم حمزة بن علي المعروف بالشريف الطاهر، قال ابن العديم في تاريخ حلب: كان فقيها أصوليا نظارا على مذهب الإمامية، و قال ابن أسعد الجواني: الشريف الطاهر عز الدين أبو المكارم حمزة ولد في رمضان سنة 511 و توفي بحلب سنة 585. (2)

4- و قال في إعلام النبلاء: الشريف حمزة بن زهرة الإسحاقي الحسني (كذا) أبو المكارم السيد الجليل، الكبير القدر، العظيم الشأن، العالم، الكامل، الفاضل، المصنف، المجتهد، عين أعيان السادات و النقباء بحلب، صاحب التصانيف الحسنة و الأقوال المشهورة، له عدة كتب، و قبره بسفح جبل جوشن، عند مشهد الحسين، له تربة معروفة مكتوب عليها اسمه و نسبه إلى الإمام الصادق (عليه السلام) و تاريخ موته أيضا. (3)

5- و قال نظام الدين القرشي في كتاب نظام الأقوال: حمزة بن علي بن زهرة الحسيني، أبو المكارم المعروف بابن زهرة، عالم فاضل، متكلم من أصحابنا، له كتب:

منها غنية النزوع في الأصول و الفروع، و كتاب قبس الأنوار في نصرة العترة الأطهار، ولد في شهر رمضان في سنة إحدى عشرة و خمس مائة، و توفي سنة خمس و ثمانين و خمس مائة، و روى عنه ابن أخيه محمد بن عبد الله بن علي بن زهرة و محمد بن إدريس. (4)

6- و قال الشيخ الحر العاملي: هو فاضل عالم ثقة جليل القدر له مصنفات كثيرة، ثم ذكر تأليفه التي ستوافيك. (5)

____________

(1)- العلامة الحلي، إيضاح الاشتباه: 168- 169.

(2)- الزبيدي، تاج العروس: ج 3، ص 249 (مادة زهرة).

(3)- السيد الأمين، أعيان الشيعة: ج 6، ص 249 نقله عن أعلام النبلاء.

(4)- الأفندي التبريزي، الرياض: ج 2، ص 206 نقله عن نظام الدين القرشي.

(5)- الحر العاملي، أمل الآمل: 2- 105 رقم 293.

22

7- و قال القاضي نور الله ما هذا خلاصته: ان السيد أبا المكارم حمزة بن زهرة كان من مجتهدي علماء الإمامية، و صاحب التصانيف الكثيرة و كان رئيسا كبيرا بحلب- ثم قال:- و كان من أفاضل المتأخرين، المناظرين و من هذه السلسلة السيد علاء الدين أبو الحسن علي بن أبي إبراهيم محمد بن أبي علي الحسن بن أبي المحاسن زهرة بن أبي علي الحسن- ثم ساق نسب علاء الدين إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). (1)

8- و قال العلامة المجلسي: و كتاب «غنية النزوع في علم الأصول و الفروع» للسيد العالم الكامل أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني. (2)

و قال في الفصل الثاني من فهرس البحار: و كتاب الغنية مؤلفه غنى عن الاطراء و هو من الفقهاء الأجلاء، و كتبه معتبرة مشهورة لا سيما هذا الكتاب. (3)

9- و قال السيد الخوانساري: السيد أبو المكارم من كبار فقهائنا الأصفياء النبلاء، و كلما أطلق السيد ابن زهرة ينصرف الإطلاق إليه و له كتاب «غنية النزوع إلى علم الأصول و الفروع» تعرض بتبيين مسائل الأصولين ثم الفقه في نحو من أربعة آلاف بيت، و هو غير «غنية» أخيه، و النزوع بضم النون بمعنى الاشتياق. (4)

10- و قال المحدث النوري: السيد عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي الفقيه الجليل المعروف صاحب الغنية و غيرها المتولد في الشهر المبارك سنة إحدى عشر و خمس مائة، المتوفى سنة خمس و ثمانين و خمس مائة، هو و أبوه و جده و أخوه و ابن أخيه من أكابر فقهائنا، و بيتهم بيت جليل بحلب. (5)

11- و قال المحدث القمي: أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي العالم الفاضل الجليل الفقيه الوجيه صاحب المصنفات الكثيرة في الإمامة و الفقه و

____________

(1)- القاضي نور الله المرعشي، مجالس المؤمنين: 1- 508.

(2)- و

(3)- المجلسي: بحار الأنوار: ج 1- 21 و 40.

(4)- السيد الخوانساري، روضات الجنات: ج 2، ص 374- 375 رقم الترجمة 225.

(5)- النوري، المستدرك، الخاتمة، 3- الفائدة الثالثة، ص 475.

23

النحو و غير ذلك. ثم ذكر تأليفه. (1)

12- و قال شيخنا المدرس في موسوعته: ابن زهرة حمزة بن علي بن أبي المحاسن زهرة، عالم فاضل جليل القدر من أكابر علماء الإمامية و متكلميهم و فقهائهم، و يروى بواسطة واحدة عن أبي علي ولد الشيخ الطوسي المتوفى سنة 515. (2)

إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة التي تعرب عن مكانة المؤلف العليا، و لعل في ما ذكرناه من الكلمات غنى و كفاية.

آثاره و تأليفه:

ان أحسن ما يستدل به على مكانة الإنسان و سعة باله و كثرة اطلاعه و رصانة تفكيره، هو الآثار التي يتركها الإنسان بعد رحيله فإنها مرآة لما كان ينطوي عليه من المواهب و الطاقات و قد ترك مؤلفنا الجليل آثارا قيمة، خالدة على جبين الدهر مشرقة عبر القرون و الأجيال لا تندرس بمر الحقب و الأيام، و ها هو أثره القيم الذي يزفه الطبع إلى القراء لم يزل مصدرا للعلم و مرجعا للفقهاء منذ تأليفه إلى يومنا هذا و قد كانت محور الدراسة في عصره و بعد رحيله حتى ان المحقق الطوسي قرأه على معين الدين المازني المصري، و كتب أستاذه إجازة له في خاتمة الكتاب و سيوافيك نصها.

و ها نذكر صورة موجزة من تصانيفه:

1- الاعتراض على الكلام الوارد من حمص [1].

2- الجواب عما ذكره مطران. [2] نصيبين.

____________

[1]- حمص بالكسر ثم السكون بلد مشهور قديم و هي بين دمشق و حلب، بناه رجل يقال له حمص بن المهر، معجم البلدان، ج 2، ص 302. و في الذريعة 5- 185 جواب الكتاب الوارد من حمص.

[2]- مطران: بفتح الميم و سكون الطاء رئيس الكهنة، و هو فوق الأسقف و دون البطريرك و الكلمة أصلها يونانية. المنجد مادة «مطر». و في الذريعة 5- 193 جواب المسألة الواردة من نصيبين.

____________

(1)- القمي، الكنى و الألقاب، ج 1، ص 294.

(2)- المدرس التبريزي، ريحانة الأدب، ج 7، ص 550.

24

3- الجواب عن الكلام الوارد من ناحية الجبل.

4- جواب الكتاب الوارد من حمص، رواها عنه ابن أخيه السيد محيي الدين محمد و غيره و يحتمل اتحاده مع الأول.

5- جواب المسائل الواردة من بغداد. (1)

6- قبس الأنوار في نصرة العترة الأخيار. و قد رد عليه بعض المخالفين من معاصري العلامة الحلي أسماه «المقتبس» ثم رد عليه الشيخ علي بن هلال بن فضل (ت874) و أسماه الأنوار الجالبة لظلام الغلس من تلبيس صاحب المقتبس (الذريعة 17- 31).

7- مسائل في الرد على المنجمين تبلغ 21 مسألة، و للشريف المرتضى أيضا كتاب بهذا الاسم (الذريعة (2- 387).

8- مسألة في ان النظر الكامل على انفراده كاف في تحصيل المعارف العقلية.

9- مسألة في نفي الرؤية و اعتقاد الإمامية و مخالفيهم ممن ينسب إلى السنة و الجماعة.

و عبر عنها في الروضات (2- 375) ب«الشافية»، تلك المسألة التي تفترق فيها العدلية عن الأشاعرة فالطائفة الأولى ينزهون الرب عنها في الدنيا و الآخرة و الأشاعرة ينفونها في الدنيا و يثبتونها في الآخرة.

10- مسألة في كونه تعالى جبارا حيا.

11- المسألة الشافية في رد من زعم ان النظر على انفراده غير كاف في تحصيل المعرفة به تعالى. (2)

12- مسألة في ان نية الوضوء عند المضمضمة و الاستنشاق.

13- مسألة في تحريم الفقاع.

____________

(1)- و في الذريعة (5- 216 جواب المسائل البغدادية).

(2)- قد كتب غير واحد من علمائنا رسالة في هذا الموضوع لاحظ الذريعة ج 5- 192 برقم 882.

25

14- مسألة في الرد على من ذهب إلى ان الحسن و القبح لا يعلمان إلا سمعا.

و هذه المسألة تعبر عنها، بأن الحسن و القبح عقليان- كما عليه العدلية- أو شرعيان كما عليه الأشاعرة.

15- مسألة في الرد على من قال في الدين بالقياس.

16- مسألة في إباحة نكاح المتعة.

17- نقض شبه الفلاسفة.

18- النكت في النحو.

19- غنية النزوع إلى علمي الأصول و الفروع. [1]

و ذكر في الذريعة ما يلي:

20- جوابات مسائل البلدان للسيد أبي المكارم عز الدين حمزة بن زهرة (الذريعة 5- 216).

21 مسائل البلدان أو عز إليه في ج 5- 216 قائلا بأنه يأتي في الميم. و لم يذكرها في محلها و يحتمل اتحادهما.

و الظاهر ان الزمان قد لعب بتصانيفه، إذ لم نجد في المعاجم شيئا يدل على وجود نسخة من كتبه في المكتبات و المتاحف، غير كتاب «الغنية» الذي نحن بصدد التقديم له، فما ظنك بكتب عالم أو طائفة أ غير عليها بخيل و ركاب، و قتلوا في عقر دارهم، أو أجبروا على ترك ديارهم، و النزول في الجبال و القرى البعيدة.

مشايخه و أساتذته

ان وليد بيت العلم و الفضل كابن زهرة- يتخذ- بطبع الحال- مشايخ بيته،

____________

[1]- الحر العاملي: أمل الآمل: 2- 105 رقم 293، ذكر فهرس تصانيفه برمته، بالنحو الذي ذكرنا، و ذكرنا موارد اختلافه مع الذريعة في الهامش المتن. و العجب ان بعض ما ذكر في أمل الآمل، لم نعثر عليه في الذريعة و لعله ذكره بعنوان آخر.

26

سنادا و عمادا لرقيه. و أساتذة لعلومه و لذلك قرء سيدنا المترجم على لفيف منهم و إليك أسماء من وقفنا عليهم من أساتذته.

1- والده: علي بن زهرة الحلبي. (1)

2- جده: السيد أبو المحاسن زهرة الحلبي. (2)

3- أبو منصور محمد بن الحسن بن منصور النقاش الموصلي تلميذ أبي علي ولد شيخ الطائفة. (3)

4- أبو عبد الله الحسين بن طاهر بن الحسين، و هو يروي عن الشيخ أبي الفتوح. (4)

تلامذته و من يروي عنه

يروي عنه لفيف من الأكابر.

1- الشيخ معين الدين المصري. (5)

2- الشيخ شاذان بن جبرئيل القمي الذي كان حيا سنه 584. (6)

3- الشيخ محمد بن جعفر المشهدي صاحب «المزار» المشهور. (7)

4- ابن أخيه السيد محيي الدين محمد. (8)

5- محمد بن إدريس الحلي مؤلف السرائر (ت 598) و لو صح فهو من مشايخ روايته لا انه تتلمذ عليه كما يظهر من تعبيره عنه في السرائر (9).

____________

(1)- السيد الخوانساري: الروضات: 2- 374.

(2)- السيد الخوانساري: الروضات: 2- 374.

(3)- السيد الأمين: أعيان الشيعة: 6- 250 و هو يصر بأن كنيته «أبو الحسن».

(4)- الأفندي التبريزي، الرياض: 2- 205 و في المصدر المعري مكان المصري و الصحيح ما أثبتناه.

(5)- السيد الخوانساري: الروضات: 2- 375 و أمل الآمل: 2- 106.

(6)- السيد الخوانساري: الروضات: 2- 375 و أمل الآمل: 2- 106.

(7)- الحر العاملي: أمل الآمل: 2- 106 و لاحظ ريحانة الأدب: 7- 551.

(8)- طبقات أعلام الشيعة، قسم القرن السابع: 160.

(9)- ذكره في أمل الآمل و الروضات و غيرهما لاحظ السرائر: 2، ص 443.

27

و قال السيد حسين البروجردي في نخبة المقال:

و ابن علي بن زهرة الأجل * * *ذو غنية عنه ابن إدريس نقل

و لعله في غضون الكتب و المعاجم يوجد اسم أو أسماء من يروي عن المؤلف أو يروي عنه و لم نقف عليه و يقف عليه من سبرها.

[غنية النزوع إلى علمي الأصول و الفروع]

هذا هو الكتاب الذي نقدم له، و يزفه الطبع إلى عشاق الأصولين و الفروع و الكتاب مشتمل على العلوم الثلاثة:

أ الفقه الأكبر: و هذا القسم مشتمل على مهمات المسائل الكلامية من التوحيد إلى المعاد.

ب. أصول الفقه: و هو حاو لبيان القواعد الأصولية التي يستنبط منها الأحكام الشرعية، ألفه على غرار أصول القدماء، و من فصوله النافعة، بحثه عن القياس، و آثاره السلبية في الفقه. و قد خلت كتب المتأخرين من أصحابنا من طرح هذه المسألة و دراسة أدلة المثبتين و النافين، و ما هذا إلا لأن عدم حجيته هو الأصل المسلم في فقه أهل البيت.

ج. الفروع و الأحكام الشرعية: و هو دورة فقهية كاملة، استدلالية، يستدل بالكتاب و السنة النبوية و أحاديث العترة الطاهرة و الإجماع، و هذا القسم من محاسن الكتب و جلائلها و إليك مواصفاته:

1- يستمد من الكتاب العزيز في مسائل كثيرة على وجه ليس له مثيل فيما بأيدينا من كتب القدماء فقد استدل، بقرابة مائتين و خمسين آية، في موارد مختلفة فهو بحق جدير بالتقدير.

2- يعتمد على أحاديث نبوية وافرة إما استدلالا على المطلوب، أو احتجاجا على المخالف و هو الغالب على أسلوب الكتاب فهي عنده أشبه بأصول موضوعية تلقاها

28

المخالف بالقبول و لأجل هذا الامتياز صار الكتاب فقها مقارنا، سد به الفراغ الموجود في المكتبة الفقهية في عصره.

3- يعتمد على الإجماع في مسائل كثيرة تبلغ قرابة ستمائة و خمسين مسألة و مراده من الإجماع ليس الإجماع المصطلح، و هو اتفاق الأمة أو الإمامية على الحكم بشرائطه الخاصة، بل المصطلح الخاص له في هذا الكتاب و قبله للشيخ الطوسي في كتاب الخلاف، و قد صرح بهذا الاصطلاح في القسم الثاني من الكتاب في مبحث الإجماع و حاصله «ان المراد منه في مقام الاحتجاج هو قول المعصوم. لأن ملاك حجية الإجماع عند الإمامية هو اشتماله على قوله، و ليس الإجماع إلا طريقا إلى كشفه، فإذا اكتشفناه عن غير ذاك الطريق، يطلق عليه الإجماع، توسعا و مجازا».

و لا شك انه استعمال على خلاف الاصطلاح الدارج، لكنه التجأ إليه لأجل المجاراة مع المخالف في مقام الاحتجاج على المدعى، و سيوافيك تعبيره في مبحث الإجماع في القسم الثاني من الكتاب.

و بذلك يعلم، أن ما يساق إليه من الاعتراض من عصر صاحب الجواهر و الشيخ الأنصاري إلى يومنا، من انه كيف يدعي الإجماع في مسائل غير معنونة، أو مختلفة فهو، ناشىء عن عدم الرجوع إلى مصطلحه في الكتاب.

و قد كان سيد مشايخنا المحقق البروجردي(قدس سره) يبرر بذلك الإجماعات الواردة في كتاب الخلاف لشيخ الطائفة، في درسه الشريف الذي كنا نحضره عام 1369 عند البحث عن حجية الإجماع المنقول بخبر الواحد.

4- ان المؤلف يسير على ضوء كتاب الانتصار و الناصريات للسيد المرتضى، و كتاب الخلاف و المبسوط للشيخ الطوسي، و قد استفاد المحقق بالرجوع إليها في تحقيق نص الكتاب و تصحيحه.

5- أن المؤلف كان فقيها متضلعا عارفا بفقه أهل السنة كعرفانه بفقه الإمامية، و لم يكن اطلاعه على الأول أقل من الثاني و بذلك أضفى على كتابه صبغة السعة و الشمول.

29

عمل المحقق و تقييم جهوده

قد بذل المحقق جهوده في سبيل الأمور التالية:

1- تقويم النص و تصحيحه و ذلك بالدقة و المقابلة مع النسخ الثلاث و المراجعة إلى الكتب التي رجع إليها المؤلف فصارت النسخة محققة مصححة خالية عن التحريف و السقط.

2- إيضاح المفردات اللغوية المشكلة في المتن و الأحاديث بالرجوع إلى معاجم اللغة.

3- استخراج مصادر الأحاديث خصوصا ما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في صحاح القوم و مسانيدهم.

و ربما نقل المؤلف حديثا لم يعثر عليه في الصحاح و المسانيد بعد الفحص الأكيد حتى بعد الاستعانة بالجهاز الجديد (الكومبيوتر) فبذل سعيه بالفحص في سائر الكتب حتى وقف عليه.

4- تنظيم فهارس مختلفة تسهل للقارئ العثور على ضالته، فقد وضع فهارس للآيات و الأحاديث و الأعلام و الكتب و الأماكن و الجماعات و القبائل و الفرق و المذاهب.

5- ترجمة الأعلام الواردة أسمائهم في الكتاب.

و أما كيفية التصحيح فقد اعتمد على نسخ ثلاث:

الف. نسخة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي و قد نسخت عام 614 هقريبا من عصر المؤلف حيث إنه توفي عام 585 هو الكتاب يقع في 16 سنتيمتر طولا و 11 سنتيمتر عرضا المسجل برقم 86321 ضمن مجموعة كبيرة، و قد اتخذه أصلا في العمل و في آخر النسخة اجازة للشيخ العلامة سالم بن بدران بن علي المازني [1] المصري

____________

[1]- مازن قوم من بني بكر بن وائل، و هناك مازن آخر قوم من بني غيم و أظن أن المصري مصحف «البصري» و ان أطبقت المعاجم و الكتب الفقهية عند نقل آراءه في الفرائض على الأول، بشهادة كونه ما زنيا.

30

كتبه بخطه للمحقق نصير الدين طوسي حيث قرأ قسم الفقه و أصوله من الكتاب على المجيز، و إليك نص الإجازة:

بسم الله الرحمن الرحيم

قرأ علي- جميع الجزء الثالث من كتاب غنية النزوع إلى علم الأصول و الفروع، من أوله إلى آخره قراءة تفهم و تبين و تأمل مستبحث عن غوامضه، عالم بفنون جوامعه، و أكثر الجزء الثاني من هذا الكتاب و هو الكلام في أصول الفقه- الإمام الأجل، العالم، الأفضل، الأكمل البارع، المتقن المحقق نصير الملة و الدين وجيه الإسلام و المسلمين، سند الأئمة و الأفاضل، مفخر العلماء و الأكابر حسيب و أفضل خراسان محمد بن محمد الحسن الطوسي زاد الله في علائه و أحسن الدفاع عن حوبائه. [1] و أذنت له في رواية جميعه عني عن السيد الأجل، العالم الأوحد، الطاهر الزاهد، البارع، عز الدين أبي المكارم، حمزة بن علي بن زهرة الحسيني- قدس الله روحه و نور ضريحه- و جميع تصانيفه و جميع تصانيفي و مسموعاتي و قراءتي و إجازاتي عن مشايخي ما أذكر أسانيده، و ما لم أذكر إذا ثبت ذلك عنده، و ما لعلي أن اصنفه، و هذا خط أضعف خلق الله و أفقرهم إلى عفوه، سالم بن بدران بن علي المازني المصري. [2]

كتبه ثامن عشرة جمادى الآخرة سنة تسع عشر [3] و ستمائة حامدا لله و مصليا

____________

[1]- النفس و القلب، قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يخاطب الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله و سلم):

و أفديك حوبائي و ما قدر مهجتي * * *لمن انتمي عنه إلى الفرع و الأصل.

مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب: 2- 187، ط دار الاضواء.

[2]- و هو الشيخ الجليل المعروف ب«معين الدين المصري» صاحب التحرير و غيره و ينقل فتاواه في الكتب الفقهية خصوصا في مبحث الفرائض و له رسالة فيها، اقرء ترجمته في الرياض: 2- 408- 411 و أعيان الشيعة: 7- 172- 173.

[3]- و الخط قابل لأن يقرء «عشرين» أيضا و لعله الأنسب مع توصيف المستجيز بالإمام الأجل لأن المحقق الطوسي وليد عام 597 فيكون عمره على الأول اثنين و عشرين و على الثاني ثلاثة و ثلاثين و قد ذكر تاريخ الإجازة في أعيان الشيعة عام: 629 فلاحظ.

31

على خير خلقه محمد و آله الطاهرين.

2- النسخة المطبوعة في ضمن الجوامع الفقهية عام 1276 و رمز إليه بج.

3- النسخة المطبوعة ضمن «سلسلة الينابيع الفقهية» الموزعة على أجزائها الكثيرة و رمز إليه بس.

و النسختان من حيث الإتقان و الصحة، دون النسخة الأولى بكثير خصوصا ما طبع في ضمن الجوامع الفقهية إذ فيها سقطات كثيرة.

و بما أن المؤلف سار في كتابه هذا على ضوء كتاب الانتصار و الناصريات للسيد المرتضى، و الخلاف و المبسوط للشيخ الطوسي، فقد راجع المحقق إليها، في حل معضلات الكتاب فيصح أن يعتبر الجميع نسخة رابعة.

فهاك نسخة مصححة محققة خالية عن التحريف و الغلط و السقط، مزدانة بالتعاليق و الفهارس المذكورة و قد قدم تصحيح قسم الفقه و نشره على تصحيح الأصولين و نشرهما، لكثرة الحاجة إليه و هو بعد جاد في طريق العمل غير متوان و سوف ينشر قسم الأصولين بإذنه سبحانه تبارك و تعالى.

و ها نحن نتقدم بالشكر و الثناء العاطر إلى المحقق العلامة الشيخ إبراهيم البهادري المراغي- دامت إفاضاته- حيث أسدى إلى المكتبة الفقهية خدمة كبيرة و نرجو منه سبحانه أن يوفقه لإخراج ما لعلمائنا من التراث الثمين.

و يؤكد المحقق بان جميع الحقوق مختصة به، لا يطبع الكتاب و لا يصور إلا بإذنه.

قم- مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) حرر في 11 ذي القعدة الحرام، سنة 1416 يوم ميلاد الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا (عليه السلام) جعفر السبحاني

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب الطهارة

الكلام في التكليف السمعي

اعلم أن الأركان من عبادات الشرع خمسة: الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الجهاد.

الصلاة الشرعية يحتاج فيها إلى العلم بخمسة أشياء:

أقسامها و شروطها و كيفية فعلها و ما يقطعها و ما يتعلق بذلك من الأحكام.

و نحن نقدم الكلام في الشروط، و نتبعه بالكلام في باقي الفصول إن شاء الله تعالى فنقول:

شرائط الصلاة على ضربين: أحدهما يشترك فيه الوجوب و صحة الأداء، و الثاني يختص صحة الأداء.

فالأول على ضربين: ضرب يشترك فيه الرجال و النساء، و هو ثلاثة أشياء:

البلوغ و كمال العقل و دخول الوقت، و ضرب يختص النساء و هو: انقطاع دم الحيض و النفاس.

34

و ما يختص صحة الأداء ثمانية أشياء: الإسلام و الطهارة و ستر العورة مع الإمكان و أن يكون مكان الصلاة و موضع السجود- الجبهة (1)- على صفة مخصوصة، و النية و استقبال القبلة و القيام مع الإمكان، و ينضاف إلى ذلك شروط أخر تختص الجمعة و العيدين، نذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.

الفصل الأول (2) أما الطهارة فيحتاج فيها إلى العلم بخمسة أشياء:

أقسامها و ما يوجبها و ما به يفعل، و كيفية فعلها و ما يتعلق بذلك من الأحكام.

و الطهارة على ضربين: طهارة عن حدث و طهارة عن نجس. فالطهارة عن الحدث على ضربين: وضوء و غسل، و قد أقام الشارع مقامهما في استباحة ما يستباح بهما- بشرط عدم التمكن منهما- التيمم و إن لم يرفع الحدث.

و الأحداث التي توجب كل واحد منها (3)- إذا انفرد من حدث الغسل- الوضوء أو ما يقوم مقامه من التيمم على من ثبت كونه مكلفا بفعل الصلاة أو ما جرى مجراها مما لا يستباح إلا بالطهارة، خمسة أشياء: البول و الغائط و الريح و دم الاستحاضة المخصوصة و ما يتفقد (4) معه التحصيل من نوم أو مرض.

و الأحداث التي توجب كل واحد منها، الغسل أو ما يقوم مقامه من التيمم، أيضا خمسة أشياء: الجنابة و دم الحيض و دم الاستحاضة المخصوصة و دم النفاس و مس بشرة الميت من الناس بعد برده بالموت و قبل تطهيره بالغسل.

____________

(1)- في «ج»: بالجبهة.

(2)- تعريف الفصول و ترقيمها فيما إذا تجاوزت فصلا واحدا منا.

(3)- في «س»: منهما.

(4)- كذا في النسخ التي بأيدينا و الأصح «يفقد»

35

و لا يوجب هذه الطهارة شيء سوى ما ذكرناه، سواء كان خارجا من أحد السبيلين، كالمذي و الوذي [1] و الحصاة و الدود الخاليين من نجاسة، أو مما عداهما من البدن، كالقيء و دم الفصد و الرعاف، أو لم يكن خارجا من البدن، كلمس المرأة، أو الفرج، أو القهقهة في الصلاة، أو الأكل من لحم الجزور، أو ما مسته النار، بدليل إجماع الإمامية، و فيه الحجة على ما بيناه في ما مضى من الأصول في هذا الكتاب، و لأن الأصل براءة الذمة، و شغلها بما يوجب الطهارة بغير ما ذكرناه يحتاج إلى دليل، و ليس في الشرع ما يدل على ذلك، لأن اعتماد المخالف على أخبار آحاد أو قياس، و لم يرد التعبد بالعمل بهما في الشريعة على ما بيناه فيما مضى من أصول الفقه في هذا الكتاب.

و يجب على المكلف أن لا يستقبل القبلة و لا يستدبرها في حال بول و لا غائط مع الإمكان، و لا فرق في ذلك بين الصحاري و البنيان، بدليل الإجماع المشار إليه و طريقة الاحتياط، و نحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة و لا يستدبرها ببول و لا غائط» (1)، و لم يفصل.

و يستحب أن لا يستقبل الشمس و لا القمر، و لا يحدث في الماء الجاري و لا الكثير الراكد، فأما القليل و مياه الآبار فلا يجوز أن يحدث فيها. و يستحب أن يتقي بالبول الأرض الصلبة و جحرة الحيوان و استقبال الريح.

____________

[1]- قال الطريحي في مجمع البحرين: المذي: هو الماء الرقيق الخارج عند الملاعبة و التقبيل و النظر بلا دفق و فتور، و فيه لغات: سكون الذال و كسرها مع التثقيل، و الكسر مع التخفيف، و أشهر لغاته:

فتح فسكون ثم كسر ذال و شدة ياء. و الوذي: بالذال المعجمة الساكنة و الياء المخففة: ماء يخرج عقيب إنزال المني.

____________

(1)- سنن البيهقي: 1- 91، باب النهي عن استقبال القبلة. و التاج الجامع للأصول: 1- 92 باختلاف يسير.

36

و يستحب أن لا يحدث في كل موضع يتأذى بحصول النجاسة فيه، كشطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و أفنية الدور، و جواد [1] الطرق.

و يستحب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الموضع الذي يتخلى فيه، و اليمنى عند الخروج، و الدعاء عندهما و عند الاستنجاء و عند الفراغ منه. كل ذلك بدليل الإجماع المشار إليه.

و يجب الاستنجاء من الأحداث المقدم ذكرها إلا الريح و مس الميت و ما يفقد معه التحصيل، أما البول فيجب الاستبراء منه أولا بنتر [2] القضيب و المسح من مخرج النجو إلى رأسه ثلاث مرات، ليخرج ما لعله باق في المجرى منه، و لا يجزئ في إزالته إلا الماء و حده مع وجوده، و كذلك باقي هذه الأحداث، أعني التي يجب منها الاستنجاء إلا الغائط، فإنه يجزئ فيه الأحجار مع وجود الماء، أو ما يقوم مقامها من الجامد الطاهر المزيل للعين، سوى المطعوم و العظم و الروث.

و من السنة أن تكون ثلاثة إلا أن الماء أفضل، و الجمع بينهما أفضل من الاقتصار على الماء وحده، هذا ما لم يتعد النجو مخرجه، فإن تعداه لم يجز في إزالته إلا الماء. و يدل على جميع ذلك الإجماع المشار إليه، و طريقة الاحتياط، فإن من استنجى على الوجه الذي ذكرناه، و صلى برئت ذمته بيقين، و ليس كذلك إذا لم يستنج، أو استنجى بخلاف ما ذكرناه.

و أما النوم فبمجرده (1) حدث، من غير اعتبار بأحوال النائم بدليل الإجماع المشار إليه، و قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ.) الآية (2)، و المراد: إذا قمتم من النوم، على ما قاله المفسرون، لأنها خرجت على سبب

____________

[1]- الجادة: وسط الطريق، و الجمع: جواد، كدابة و دواب.

[2]- النتر: جذب الشيء بجفوة، و منه نتر الذكر في الاستبراء.

____________

(1)- في «ج»: فإنه بمجرده.

(2)- المائدة: 6.

37

يقتضي ذلك، و هذا يوجب الوضوء من النوم بالإطلاق، و نحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ [1]، و لم يفصل.

و أما الجنابة فتكون بشيئين: أحدهما خروج المني في النوم و اليقظة بشهوة و غير شهوة و على كل حال، و الثاني بالجماع في الفرج، و حده أن تغيب الحشفة فيه، و إن لم يكن هناك إنزال، بدليل الإجماع الماضي ذكره، و طريقة الاحتياط.

و يحرم على الجنب دخول المساجد إلا عابر سبيل، و وضع شيء فيها، سوى المسجد الحرام و مسجد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فإنه لا يجوز له دخولهما على حال، و إن احتلم في أحدهما تيمم من موضعه و خرج، و يحرم عليه قراءة العزائم الأربع: سجدة لقمان، و حم، و النجم، و اقرأ باسم ربك، و ما عداها داخل تحت قوله تعالى:

(فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (1) و يحرم عليه مس كتابة المصحف، أو اسم من أسماء الله تعالى، أو أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام). و يكره له الأكل و الشرب إلا بعد المضمضة و الاستنشاق و النوم إلا بعد الوضوء و الخضاب، كل ذلك بدليل الإجماع

____________

[1]- جامع الأصول: 8- 119، سنن البيهقي: 1- 118، كنز العمال: 9- 342، التاج الجامع للأصول:

1- 97، المحلى: 1- 217. في لسان العرب: العين وكاء السه بحذف عين الفعل و يروى: وكاء الست بحذف لام الفعل. و قال الطريحي في مجمع البحرين: في حديث علي (عليه السلام): العين وكاء السه، قال الشارح: و هذه من الاستعارات العجيبة كأنه يشبه السه بالوعاء و العين بالوكاء فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء. و روى: العين وكاء الست بالتاء على حذف لام الفعل، و الستة: الاست، و قد يراد به حلقة الدبر و أصله «ستة» على فعل بالتحريك. و الوكاء- بالكسر و المد-: خيط يشد به السرة و الكيس و القربة و نحوها.

أقول: و مراده من الشارح السيد الرضي لاحظ نهج البلاغة- باب المختار من حكم أمير المؤمنين برقم 466 و قد تكلم السيد الرضي حول الحديث في كتابه «المجازات النبوية» ص 273 برقم 213.

____________

(1)- المزمل: 20.

38

المشار إليه.

و أما دم الحيض فهو الحادث في الزمان المعهود له أو المشروع في زمان الالتباس على أي صفة كان، و كذا دم الاستحاضة، إلا أن الغالب على دم الحيض الغلظ و الحرارة و التدفق و الحمرة المائلة إلى الاسوداد، و على دم الاستحاضة الرقة و البرودة و الاصفرار.

و أقل الحيض ثلاثة أيام و أكثره عشرة، بدليل الإجماع المشار إليه، و لأنه لا خلاف في أن من الثلاثة إلى العشرة من الحيض، و ليس في الشرع ما يدل على أن ما نقص من الثلاثة و زاد على العشرة منه. و أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام لمثل ما قلناه في المسألة الأولى، و لا حد لأكثره بلا خلاف.

و إذا ثبت أن أقل الطهر و أكثر الحيض ما ذكرناه، كان ذلك أصلا تعمل عليه المبتدئة من النساء و من اختلفت عادتها منهن، فإذا رأت المبتدئة الدم و انقطع لأقل من ثلاثة أيام فليس بحيض، و إن استمر ثلاثة كان حيضا، و كذا إلى تمام العشرة، فإن رأت بعد ذلك دما كان استحاضة إلى تمام العشرة الثاني (1) لأن ذلك هو أقل أيام الطهر.

فإن رأت في اليوم الحادي و العشرين دما، و استمر بها ثلاثة أيام، فهو حيض لمضي أقل أيام الطهر، و كذا لو انقطع الدم أول ما رأته بعد ثلاثة أيام، ثم رأته اليوم الحادي عشر من وقت ما رأت الدم الأول، فإنه دم الاستحاضة، لأنها رأته في أيام الطهر، و كذا إلى تمام الثالث عشر.

فإن رأت في اليوم الرابع عشر دما، كان من الحيضة المستقبلة، لأنها قد استوفت أقل أيام الطهر و هي عشرة، و على هذا تعتبر بين الحيضتين أقل أيام الطهر، و تحكم بأن الدم الذي تراه فيها دم استحاضة، إلى أن تستقر لها عادة تعمل

____________

(1)- في الأصل و «ج»: العشرة الباقي.

39

عليها و ترجع إليها، و طريقة الاحتياط تقتضي ما ذكرناه، و العمل عليه عمل على أصل معلوم.

و يحرم على الحائض كل ما يحرم على الجنب، و لا يجب عليها الصلاة و يجب عليها الصوم تقضيه إذا طهرت، و يجب أن تمنع زوجها وطأها و يحرم عليه ذلك، و يجب عليه متى وطأها في الثلث الأول من زمان الحيض أن يكفر بدينار- قيمته عشرة دراهم جياد- و في الثلث الأوسط بنصف دينار، و في الأخير بربع دينار، كل ذلك بدليل الإجماع المشار إليه.

و نحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): من أتى أهله و هي حائض فليتصدق (1)، فإن انقطع الدم عنها جاز لزوجها وطؤها إذا غسلت فرجها، سواء كان ذلك في أقل الحيض أو أكثره و إن لم تغتسل، بدليل الإجماع المشار إليه و قوله تعالى (وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ) (2) فجعل سبحانه انقطاع الدم غاية لزمان حظر الوطء، فيجب جوازه بعدها على كل حال إلا ما أخرجه الدليل من حظر ذلك قبل غسل الفرج.

و قوله تعالى (فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ) (3) محمول على غسل الفرج، و يحتمل أن يكون كلاما مستأنفا، و ليس بشرط و لا غاية لزمان الحظر، و يحتمل أن يكون بمعنى «طهرن» لأن «تفعل» يجيء بمعنى «فعل» يقال: تطعمت الطعام و طعمته.

و المستحاضة يلزمها إذا لوث الدم أحد جانبي الكرسف و لم يثقبه أن تغيره تتوضأ لكل صلاة، فإن ثقبه و لم يسل فعليها مع تغييره أن تغتسل لصلاة الفجر

____________

(1)- جامع الأصول: 8- 215. و لفظ الحديث: إذا وقع الرجل بأهله و هي حائض فليتصدق.

(2)- البقرة: 222.

(3)- البقرة: 222.

40

و تتوضأ لباقي الصلوات، و إن ثقبه و سال فعليها ثلاثة أغسال: غسل للفجر و غسل للظهر و العصر و غسل للمغرب و العشاء الآخرة. و لا يحرم على المستحاضة [و لا منها] (1) شيء مما يحرم على الحائض [و منها] (2) بل حكمها حكم الطاهر إذا فعلت ما ذكرناه، بدليل الإجماع المشار إليه.

و أما دم النفاس فهو الحادث عقيب الولادة، و أكثره عشرة أيام، و كل دم تراه بعدها فهو استحاضة. و هي و الحائض سواء في جميع الأحكام إلا في حكم واحد، و هو أن النفاس ليس لأقله حد، و ذلك بدليل الإجماع السالف.

و أما مس الميت فقد قلنا إنه إنما يكون حدثا يوجب الغسل إذا كان بعد برده بالموت و قبل تطهيره بالغسل، و الدليل على ذلك أنه لا خلاف بين أصحابنا في ورود الأمر بالغسل من مسه، و ظاهره في الشرع يقتضي الوجوب، و نحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «من غسل ميتا فليغتسل». (3)

الفصل الثاني و أما الطهارة عن النجس التي هي شرط في صحة أداء الصلاة،

فعبارة عن إزالة النجاسة عن البدن و الثياب بما نبين أنها تزول في الشرع به.

و النجاسات هي:

بول و خرء ما لا يؤكل لحمه بلا خلاف، و ما يؤكل لحمه إذا كان جلالا، بدليل الإجماع، فأما إذا لم يكن جلالا فلا بأس ببوله و روثه، بدليل الإجماع، و نحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «ما أكل لحمه فلا بأس

____________

(1)- ما بين المعقوفات موجود في النسخ التي بأيدينا و الظاهر انه زائد.

(2)- ما بين المعقوفات موجود في النسخ التي بأيدينا و الظاهر انه زائد.

(3)- سنن ابن ماجة: 1- 470 و سنن أبي داود: 3- 201، و مسند أحمد: 2- 280.

41

ببوله (1) و في رواية أخرى: فلا بأس ببوله و سلحه. [1]

و الخمر نجسة بلا خلاف ممن يعتد به [2]، و قوله تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ) (2) يدل على نجاستها، و كل شراب مسكر نجس.

و الفقاع نجس بالإجماع المشار إليه.

و دم الحيض و الاستحاضة و النفاس نجس بلا خلاف.

و كذا الدم المسفوح من غير هذه الدماء، إلا أنه يجوز الصلاة في ثوب أصابه من دم القروح أو الجروح ما نقص مقداره عن سعة الدرهم الوافي المضروب من درهم و ثلث مع الاختيار و رفع الحرج، و إن كان التنزه عن ذلك أفضل، فأما إن كان عليه في إزالة الدم حرج، لكون الجروح أو القروح لازمة له، فإن إزالته لا تجب عليه، قليلا كان أو كثيرا، و هذا بخلاف دم الحيض و الاستحاضة و النفاس، فإن الصلاة لا تجوز في ثوب أصابه شيء منه، قليلا كان أو كثيرا، كل ذلك بدليل الإجماع.

فأما دم البراغيث و البق و السمك فطاهر، بدليل هذا الإجماع، و لأن النجاسة حكم شرعي، و ليس في الشرع ما يدل على ثبوتها في هذه الدماء، و يخص دم السمك قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ) (3)، لأنه يقتضي إباحة أكل السمك بجميع أجزائه، و قوله تعالى (قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً) (4) و دم السمك

____________

[1]- سلح الطائر سلحا- من باب نفع- و هو منه كالتغوط من الإنسان. المصباح المنير و في «ج»:

ببوله و روثه و سلحه.

[2]- في «س»: بلا خلاف إلا من لا يعتد به.

____________

(1)- سنن البيهقي: 2- 413.

(2)- المائدة: 90.

(3)- المائدة: 96.

(4)- الأنعام: 145.

42

ليس بمسفوح، فيجب أن لا يكون محرما، و ذلك يقتضي طهارته.

و المني نجس لا يجزي فيه إلا الغسل، رطبا كان أو يابسا، بدليل الإجماع المذكور، و قوله تعالى (وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ) (1). لأن المروي في التفسير أن المراد بذلك أثر الاحتلام، و إذا كان كذلك و كان معنى الرجز و الرجس و النجس واحدا بدلالة قوله تعالى:

(وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (2) و قوله (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ) (3) دلت الآية على نجاسته، و أيضا فظاهر قوله تعالى (لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ)، يدل على تقدم النجاسة في الشرع بإطلاقه، و نحتج على المخالف بما روى عنهم (4) من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنما يغسل الثوب من البول و الدم و المني». (5)

و ميتة ذوات الأنفس السائلة نجسة بلا خلاف إلا في الآدمي، و يدل على نجاسته بعد الموت، إجماع الطائفة، فأما ما لا نفس له سائلة، كالذباب و الجراد، فلا ينجس الماء بموته فيه، بدليل هذا الإجماع، و نحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه» (6)، و ذلك عام في الحي و الميت، و لأن المقل يوجب الموت، لا سيما إذا كان ما في الإناء حارا، و لو كان ينجس بموته لما أمر بمقله على الإطلاق.

و شعر الميتة و صوفها و عظمها طاهر، بدليل هذا الإجماع، و يخص الشعر و الصوف قوله تعالى (وَ مِنْ أَصْوٰافِهٰا وَ أَوْبٰارِهٰا وَ أَشْعٰارِهٰا أَثٰاثاً وَ مَتٰاعاً إِلىٰ حِينٍ) (7) لأنه سبحانه امتن علينا بما جعله لنا من النفع في ذلك، و لم يفصل

____________

(1)- الأنفال: 11.

(2)- المدثر: 5.

(3)- الحج: 30.

(4)- في حاشية الأصل: بما روى عندهم.

(5)- سنن البيهقي: 1- 14 و كنز العمال: 9- 349 برقم 26385 و مسند أبى يعلى: 3- 185 برقم 1611.

(6)- سنن البيهقي: 1- 252.

(7)- النحل: 80.

43

بين الذكية و الميتة، و لا يجوز الامتنان بما لا يجوز الانتفاع به لنجاسته، و قوله تعالى:

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) (1) لا يعارض ما ذكرناه، لأن اسم الميتة يتناول ما تحله الحياة، و هذه الأشياء لا تحلها الحياة، فلا يحلها الموت.

فأما جلد الميتة فلا يطهر بالدباغ، بدليل هذا الإجماع، و ظاهر قوله تعالى:

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، و المراد الانتفاع بها بأكل أو بيع أو غيرها من التصرف، و اسم الميتة يتناول الجلد قبل الدباغ و بعده، و نحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) قبل موته بشهر: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب و لا عصب» (2) و قول من قال: إن الجلد لا يسمى إهابا بعد الدباغ خارج عن اللغة و الشرع، فلا يعتد به.

و الخنزير نجس بلا خلاف.

و الكلب نجس بلا خلاف إلا من مالك (3)، و يدل على نجاسته إجماع الطائفة، و يغسل الإناء من ولوغه فيه ثلاث مرات، إحداهن- و هي الأولى- بالتراب، بدليل هذا الإجماع، و نحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات». (4) و في خبر آخر: «فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا» (5) و هذا بظاهره أيضا يقتضي وجوب الثلاث، من حيث لم يجز عليه الاقتصار على ما دونها، و لأن لفظة «أو» إما أن تفيد التخيير بين هذه الأعداد، و تكون كلها واجبة على جهة التخيير، و إما أن تفيد التخيير بين الاقتصار على الثلاث التي هي الواجبة، و بين الزيادة عليها على جهة الندب، فإذا كان الأول باطلا بالإجماع، لم يبق إلا الثاني.

____________

(1)- المائدة: 3.

(2)- سنن البيهقي: 1- 14 و جامع الأصول: 8- 46 و سنن ابن ماجة: 2- 1194 برقم 3613 و مسند أحمد: 4- 310.

(3)- تأتي ترجمته ص 362.

(4)- سنن البيهقي: 1- 240 و 241 و جامع الأصول: 8- 36.

(5)- سنن البيهقي: 1- 240 و 241 و جامع الأصول: 8- 36.

44

و الثعلب و الأرنب نجسان، بدليل الإجماع المذكور.

و الكافر نجس بدليله أيضا، و بقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (1)، و هذا نص. و كل من قال بذلك في المشرك، قال به فيمن عداه من الكفار، و التفرقة بين الأمرين خلاف الإجماع. و قول المخالف: المراد بذلك نجاسة الحكم، غير معتمد، لأن إطلاق لفظ النجاسة في الشريعة يقتضي بظاهره نجاسة العين حقيقة، و حمله على الحكم مجاز، و اللفظ بالحقيقة أولى من المجاز، و لأنا نحمل اللفظ على الأمرين جميعا، لأنه لا تنافي بينهما.

و قولهم: لو كان نجس العين لما طهر بتجدد معنى هو الإسلام و انتفاء معنى هو الكفر، باطل، لأن الخمر نجسة العين، و تطهر بتجدد معنى هو الحموضة، و انتفاء معنى هو الشدة، و لا يعارض ما ذكرناه قوله تعالى (وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ) (2) لأن لفظ الطعام إذا أطلق، انصرف إلى الحنطة.

و لا يمكن للمخالف إنكار ذلك، لأن أبا حنيفة و الشافعي اختلفا فيمن وكل وكيلا على أن يبتاع له طعاما، فقال الشافعي: لا يجوز أن يبتاع إلا الحنطة، و قال أبو حنيفة: و دقيقها أيضا، ذكر ذلك المحاملي (3) في آخر كتاب البيوع من كتابه الأوسط في الخلاف. و ذكره الأقطع [1] في آخر كتاب الوكالة من شرح

____________

[1]- أبو نصر، أحمد بن محمد بن محمد، الفقيه الحنفي المعروف بالأقطع، درس الفقه على مذهب أبي حنيفة على أبي الحسن القدوري، و خرج من بغداد في سنة 430 إلى الأهواز و أقام بها برامهرمز، و من تصانيفه: شرح مختصر القدوري في فروع الفقه الحنفي، مات سنة 474 هو ذكر في الجواهر المضيئة: 1- 119 برقم 234 في ذيل ترجمته وجه تسميته بالأقطع.

____________

(1)- التوبة: 28.

(2)- المائدة: 5.

(3)- هو أبو عبد الله حسين بن إسماعيل بن سعيد صاحب الأمالي المتوفى 330 هو قد أثنى عليه ابن كثير في تاريخه لاحظ الغدير: 1- 102.

45

القدوري [1]، و قال في الشرح: و الأصل في ذلك أن الطعام المطلق، اسم للحنطة و دقيقها.

و إنما أحوجنا إلى ذكر مذهب المخالف في ذلك و الإحالة على كتبهم إنكار من أنكره من جهالهم، على أنا نقول: لو وقع لفظ الطعام بإطلاقه على غير الحنطة، لحملناه عليها و على غيرها من الجامدات بدليل [الإجماع]. (1)

فأما ما عدا ما ذكرناه من الحيوان من ذوات الأربع و الطير و الحشرات فطاهر السؤر إلا أن يكون على فمه نجاسة، بدليل إجماع الطائفة، و ظاهر قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا) (2) و قوله (وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً) (3) فبين سبحانه أن الماء المطلق يطهر، و سؤر ما ذكرناه ينطلق عليه (4) اسم الماء، و إنما يخرج من هذا الظاهر ما أخرجه دليل قاطع.

و قد ألحق أصحابنا بالنجاسات عرق الإبل الجلالة، و عرق الجنب إذا أجنب من الحرام.

الفصل الثالث و أما ما به تفعل الطهارة فثلاثة أشياء:

الماء و التراب و الأحجار، أو ما يقوم مقامها، على ما قدمناه في الاستنجاء، فكل ماء استحق إطلاق هذا الاسم عليه

____________

[1]- أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان الفقيه المعروف بالقدوري- بضم القاف و الدال- من أهل بغداد و من تصانيفه المختصر المعروف باسمه «القدوري» مات سنة 428 هلاحظ الأنساب: 4- 460 و الأعلام للزركلي: 1- 260.

____________

(1)- ما بين المعقوفتين موجود في «ج».

(2)- النساء: 43.

(3)- الفرقان: 48.

(4)- في «ج»: يطلق عليه.

46

و لم تخالطه نجاسة، فإنه طاهر مطهر بلا خلاف، فإن خالطته و كان راكدا كثيرا ليس من مياه الآبار أو جاريا قليلا كان أو كثيرا، و لم يتغير بها أحد أوصافه، من لون أو طعم أو رائحة، فإنه طاهر مطهر أيضا بلا خلاف إلا في مقدار الكثير، و يدل على ذلك أيضا بعد إجماع الطائفة قوله تعالى (وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً) (1)، لأن مخالطة النجاسة للماء الجاري أو الكثير الراكد إذا لم يتغير أحد أوصافه، لا يخرجه عن استحقاق إطلاق هذا الاسم و الوصف معا عليه، و إذا كان كذلك وجب العمل بالظاهر إلا بدليل قاطع.

فإن تغير أحد أوصاف هذا الماء فهو نجس بلا خلاف، فإن كان الماء راكدا قليلا، أو من مياه الآبار، قليلا كان أو كثيرا، تغير بالنجاسة أحد أوصافه أو لم يتغير، فهو نجس بدليل إجماع الطائفة و ظاهر قوله تعالى (وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ) (2) و قوله (وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (3) و قوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) (4) لأنه يقتضي تحريم استعمال الماء المخالط للنجاسة مطلقا، من غير اعتبار بالكثرة و تغير أحد الأوصاف، و إنما يخرج من ذلك ما أخرجه دليل قاطع.

و حد الكثير ما بلغ كرا أو زاد عليه، و حد الكر وزنا ألف و مائتا رطل، و حده مساحة لموضعه ثلاثة أشبار و نصف طولا في مثل ذلك عرضا في مثله عمقا بالإجماع، و نحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا» (5).

____________

(1)- الفرقان: 48.

(2)- الأعراف: 157.

(3)- المدثر: 5.

(4)- المائدة: 3.

(5)- نسبه المؤلف إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و نسبه الشيخ في الخلاف- كتاب الطهارة المسألة 126- إلى أئمتنا (عليهم السلام)، و نقله السيد المرتضى في الانتصار: 8 و لم نعثر عليه مع الفحص الأكيد في الصحاح و المسانيد و إنما المروي في كتبهم قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إذا كان الماء قدر قلتين لم يحمل الخبث» لاحظ السنن الكبرى:

1- 261 و جامع الأصول: 8- 12 مع اختلاف في التعبير.

47

و اختلف أصحابنا في الأرطال، فمنهم من قال عراقية، و منهم من قال مدنية (1) و الأول أظهر في الروايات، و الثاني تقتضيه طريقة الاحتياط، لأن الرطل المدني أزيد من العراقي.

فأما مياه الآبار فإنها تنجس بكل ما يقع فيها من النجاسات، قليلا كان ماؤها أو كثيرا على ما قدمناه بالإجماع، و أيضا فلا خلاف بين الصحابة و التابعين في أن ماء البئر يطهر بنزح بعضه.

و هذا يدل على حكمهم بنجاسته على كل حال من غير اعتبار بمقداره، و أن حكمه في ذلك بخلاف حكم ماء الأواني و الغدران (2).

و لا يمتنع أن يكون الوجه في اختلاف حكمها، أن ماء البئر يشق نزح جميعه، لبعده عن الأيدي، و لتجدده مع النزح، و ليس كذلك ماء الأواني و الغدران، و لهذا وجب غسل الأواني بعد إخراج الماء منها لما تيسر و سقط ذلك في الآبار لما تعذر.

و إذا خفف حكم البئر بالحكم بطهارة مائها عند نزح بعضه، و أسقط إيجاب غسلها بخلاف الأواني و الغدران، فما المنكر من تغليظ حكمها من وجه آخر؟! و هو إسقاط اعتبار الكثرة في مائها (و ما جرى مجراها و هو إيجاب نزحها) (3) بخلاف الأواني و الغدران.

فقد صار ما غلظ به حكم الآبار و هو ترك اعتبار الكثرة في مائها، ساقطا في الأواني و الغدران و ما غلظ به حكم الأواني و ما جرى مجراها و هو إيجاب غسلها ساقطا في الآبار و تساويا في باب التغليظ و التخفيف.

____________

(1)- القائل هو السيد المرتضى: الناصريات، المسألة 2 و رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة، ص 22 و اختاره الصدوق في الفقيه: 1- 6.

(2)- الغدير: النهر، و الجمع غدران. المصباح المنير.

(3)- ما بين القوسين ليس بموجود في «ج».

48

و الواقع في البئر من النجاسات على ضربين: أحدهما تغير أحد أوصاف الماء. و الثاني لا يغيره.

فما غير أحد أوصافه المعتبر فيه بأعم الأمرين من زوال التغير و بلوغ الغاية المشروعة (1) في مقدار النزح منه، فإن زال التغير قبل بلوغ المقدار المشروع في تلك النجاسة وجب تكميله، و إن نزح ذلك المقدار و لم يزل التغير وجب النزح إلى أن يزول، لأن طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، و العمل عليه عمل على يقين.

و ما لا يغير أحد أوصاف الماء على ضربين:

أحدهما يوجب نزح جميع الماء، أو تراوح أربعة رجال على نزحه، من أول النهار إلى آخره، إذا كان له مادة يتعذر معها نزح الجميع.

و الضرب الآخر يوجب نزح بعضه.

فما يوجب نزح الجميع أو المراوحة عشرة أشياء: الخمر و كل شراب مسكر و الفقاع و المني و دم الحيض و دم الاستحاضة و دم النفاس و موت البعير فيه، و كل نجاسة غيرت أحد أوصاف الماء و لم يزل التغير قبل نزح الجميع، و كل نجاسة لم يرد في مقدار النزح فيها (2) نص.

و ما يوجب نزح البعض على ضروب:

منه: ما يوجب نزح كر واحد، و هو موت أحد الخيل فيها، أو ما ماثلها في مقدار الجسم.

و منه: ما يوجب نزح سبعين دلوا، بدلو البئر المألوف، و هو موت الإنسان خاصة.

و منه: ما يوجب نزح خمسين، و هو كثير الدم المخالف للدماء الثلاثة

____________

(1)- في «ج»: و بلوغ المقدرة المشروعة.

(2)- في بعض النسخ: «منها» بدل «فيها».

49

المقدم ذكرها، و العذرة الرطبة أو اليابسة المتقطعة (1).

و منه: ما يوجب نزح أربعين، و هو موت الشاة، أو الكلب، أو الخنزير، أو السنور، أو ما كان مثل ذلك في مقدار الجسم، و بول الإنسان البالغ.

و منه: ما يوجب نزح عشر، و هو قليل الدم المخالف للدماء الثلاثة، و العذرة اليابسة غير المتقطعة (2).

و منه: ما يوجب نزح سبع، و هو موت الدجاجة، أو الحمامة، أو ما ماثلهما في مقدار الجسم، و الفأرة إذا انتفخت أو تفسخت، و بول الطفل الذي قد أكل الطعام.

و منه: ما يوجب نزح ثلاث، و هو موت الفأرة إذا لم تنتفخ أو لم تتفسخ، و الحية و العقرب و الوزغة و بول الطفل الذي لم يأكل الطعام.

و منه: ما يوجب نزح دلو واحدة، و هو موت العصفور، أو ما ماثله من الطير في مقدار الجسم، و الدليل على جميع ذلك الإجماع السالف.

و الماء المتغير ببعض الطاهرات، كالورس و الزعفران، يجوز الوضوء به ما لم يسلبه التغير إطلاق اسم الماء عليه، يدل على ذلك بعد الإجماع قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا) (3) و قوله (وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً) (4) و هذا ينطلق عليه اسم الماء، و من ادعى أن التغير اليسير يسلبه إطلاق اسم الماء، فعليه الدليل، لأن إطلاق الاسم هو الأصل، و التقييد داخل عليه، كالحقيقة و المجاز.

و الماء المستعمل في الوضوء و الأغسال المندوبة طاهر مطهر يجوز الوضوء به و الاغتسال مرة أخرى بلا خلاف بين أصحابنا، و يدل عليه أيضا ما تلوناه من ظاهر القرآن.

____________

(1)- و

(2)- في «ج»: المنقطعة.

(3)- النساء: 43.

(4)- الفرقان: 48.

50

فأما المستعمل في الغسل الواجب ففيه خلاف بين أصحابنا (1)، و ظاهر القرآن مع من أجراه مجرى المستعمل في الوضوء إلا أن يخرجه دليل قاطع.

و من يقول: إن الاستعمال على كل حال يخرجه عن تناول اسم الماء بالإطلاق، يحتاج إلى دليل، و لأن من شربه و قد حلف أن لا يشرب ماء يحنث بلا خلاف، و هذا يبطل قوله.

و لا يجوز الوضوء بغير الماء من المائعات، نبيذ تمر كان أو ماء ورد أو غيرهما، بدليل الإجماع المذكور، و ظاهر قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا) (2) لأنه يقتضي نقلنا عن الماء إلى التراب من غير واسطة، و من أجاز الوضوء بغير الماء، فقد جعل بينهما واسطة، و زاد في الظاهر ما لا يقتضيه.

و الوضوء بالماء المغصوب لا يرفع الحدث، و لا يبيح الصلاة بالإجماع، و أيضا فالوضوء عبادة يستحق بها الثواب، فإذا فعل بالماء المغصوب خرج عن ذلك إلى أن يكون معصية يستحق بها العقاب، فينبغي أن لا يكون مجزئا، و لأن نية القربة فيه مندوب إليها بلا خلاف، و التقرب إلى الله تعالى بمعصية محال.

و لا يجوز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات، و هو قول الأكثر من أصحابنا، و يدل عليه أن حظر الصلاة و عدم إجزائها في الثوب الذي أصابته نجاسة، معلوم، فمن ادعى إجزائها فيه إذا غسل بغير الماء، فعليه الدليل، و ليس في الشرع ما يدل على ذلك، و طريقة الاحتياط و اليقين ببراءة الذمة من الصلاة يقتضي ما ذكرناه، لأنه لا خلاف في براءة ذمة المكلف من الصلاة إذا غسل الثوب بالماء، و ليس كذلك إذا غسله بغيره.

____________

(1)- لاحظ المختلف: 1- 233 من الطبع الحديث.

(2)- النساء: 43.

51

و يحتج على المخالف بما روى من طرقهم من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) لأسماء (1) في دم الحيض يصيب الثوب: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء» (2) و ظاهر الأمر في الشرع يقتضي الوجوب.

و لا يجوز التحري (3) في الأواني و إن كانت جهة الطاهر أغلب، بالإجماع، و لأن المراد بالوجود في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً)، التمكن من استعمال الماء الطاهر، و لهذا لو وجده و لم يتمكن من استعماله إما لعذر، أو فقد آلة أو ثمن، جاز له التيمم. و من لا يعرف الطاهر بعينه و لا يميزه من غيره، غير متمكن من استعماله.

و أما التراب فالذي يفعل به التيمم، و لا يجوز إلا بتراب طاهر، و لا يجوز بالكحل و لا بالزرنيخ و لا بغيرهما من المعادن، و لا بتراب خالطه شيء من ذلك، بالإجماع و قوله تعالى (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (4) و الصعيد هو التراب الذي لا يخالطه غيره، ذكر ذلك ابن دريد (5) و حكاه عن أبي عبيدة (6) و غيره من أهل اللغة، و الطيب هو الطاهر.

____________

(1)- أسماء بنت أبي بكر أم عبد الله بن زبير، و هي أسن من عائشة أختها لأبيها، ماتت سنة 73 ه. لاحظ أسد الغابة: 5- 392.

(2)- سنن البيهقي: 1- 13 و التاج الجامع للأصول: 1- 58 و جامع الأصول: 8- 32.

(3)- قال الطريحي: التحري يجزي عند الضرورة أعني: طلب ما هو الأحرى في الاستعمال في غالب الظن، و منه التحري في الإنائين. مجمع البحرين.

(4)- النساء: 43.

(5)- هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي البصري الإمامي شاعر، نحوي، لغوي كان واسع الرواية توفي 321 لاحظ كشف الظنون: 1- 162 و الكنى و الألقاب: 1- 279 و أعيان الشيعة: 9- 153.

(6)- أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي البصري، مولى بني تيم، أخذ عنه أبو حاتم و المازني و غيرهم مات سنة (211 ه) لاحظ وفيات الأعيان: 5- 235.

52

الفصل الرابع: في كيفية الطهارة

و أما الوضوء فتقف صحته على فروض عشرة:

أولها: النية

بالإجماع و قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.) (1) الآية، لأن التقدير اغسلوا وجوهكم للصلاة، و إنما حذف ذكر الصلاة اختصارا، كقولهم: إذا لقيت الأمير فالبس ثيابك، و إذا لقيت العدو فخذ سلاحك، و تقدير الكلام افعل ذلك للقاء. و إذا أمر الله تعالى بهذه الأفعال للصلاة، فلا بد من النية، لأن بها يتوجه إلى الصلاة دون غيرها.

و يدل على ذلك أيضا قوله تعالى (وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (2) و الإخلاص له لا يحصل إلا بالنية، و الوضوء من الدين، لأنه عبادة، بدليل الإجماع.

و يحتج على المخالف بما رووه من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «الوضوء شطر الإيمان» (3) و يحتج عليه في وجوب النية بما رووه أيضا من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «الأعمال بالنيات و إنما لامرئ ما نوى» (4)، لأن أجناس الأعمال إذا كانت توجد من غير نية، ثبت أن المراد أنها لا تكون قربة و شرعية و مجزئة إلا بالنية، و لأن قوله: «و إنما لامرئ ما نوى» يدل على أنه ليس له ما لم ينو، لأن هذا حكم لفظة «إنما» في اللسان العربي على ما بيناه فيما مضى من الكتاب.

____________

(1)- المائدة: 6.

(2)- البينة: 5.

(3)- كنز العمال: 9- 288 برقم 26044 و ص 316 برقم 26200.

(4)- سنن البيهقي: 1- 215.