فقه القرآن - ج1

- القطب الراوندي المزيد...
432 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

رَبِّ زِدْنِي عِلْماً الحمد لله الذي خلق الخلق كما أراد و لم يرد إلا الحكمة و السداد ابتدعهم بقدرته ابتداعا و اخترعهم على مشيته اختراعا فأغنى بفضله كل صغير و أقنى بمنه كل كبير و من أجل مواهبه و أجمل صنائعه هذا العقل الذي يدرك به سعادة الأبد و ينقذ من الشقاوة كل أحد فطوبى لمن عز بأعماله و بؤسى لمن ذل بإهماله ثم لم يرض سبحانه بذلك لرأفته بالمكلفين حتى أمد عقولهم بإرسال الرسل و إنزال الكتب و أكد بالألطاف الحجة و أوضح بالشرائع المحجة فله الحمد دائبا و له الشكر واصبا بكل ما حمده به أكرم خلائقه عليه و أرضى حامديه لديه فقد أكمل لنا دينه و أتم علينا نعمته و رضي لنا الإسلام دينا. و صلى الله على محمد سيد المرسلين و خاتم النبيين و على آله الأطهار الأئمة الأخيار الهداة الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا. أما بعد فإن الذي حملني على الشروع في جمع هذا الكتاب أني لم أجد من علماء الإسلام قديما و حديثا من ألف كتابا مفردا يشتمل على الفقه الذي ينطق به كتاب الله

4

و لم يتعرض أحد منهم لاستيعاب ما نصه عليه لفظه أو معناه و ظاهره أو فحواه في مجموع كان على الانفراد صائب هدف المراد و إن صنفوا في الفقه و تفسير القرآن ما لا يحاط به إلا على امتداد الزمان. و العذر لنا خاصة واضح لأن حجة هذه الطائفة في صواب جميع ما انفردت به من الأحاديث الشرعية و التكاليف السمعية أو شاركت فيه غيرها من الفقهاء هي إجماعها لأن إجماعها حجة قاطعة و دلالة موجبة للعلم بكون المعصوم الذي لا يجوز عليه الخطأ فيه فإن انضاف إلى ذلك كتاب الله أو طريقة أخرى توجب العلم و تثمر اليقين فهي فضيلة و دلالة تنضاف إلى أخرى و إلا ففي إجماعهم كفاية. فرأيت أن أؤلف كتابا في فقه القرآن يغني عن غيره بحسن مبانيه و لا يقصر فهم القارئ عن معانيه متجنبا فيه الإطالة و التكثير و متحريا الإيجاز و التيسير ليكون الناظر فيه أنيسا يصادقه و للفقيه ردءا يصدقه فجمعت منه بعون الله تعالى جملة مشروحة أخرجها الاستقراء و إن نسأ الله في الأجل ذكرت بعد ذلك ما يقتضيه الاستقصاء و الله الموفق لما يشاء

5

كتاب الطهارة

اعلم أن الله سبحانه و تعالى بين أحكام الطهارة في القرآن على سبيل التفصيل في موضعين و نبه عليها جملة في مواضع شتى منه خصوصا أو عموما تصريحا أو تلويحا. و أنا إن شاء الله أورد جميع ذلك أو أكثر ما فيه على غاية ما يمكن تلخيصه و أستوفيه و أومي إلى تعليله و جهة دليله و أذكر أقوال العلماء و المفسرين في ذلك و الصحيح منها و الأقوى و إن شبهت شيئا بشيء فعلى جهة المثال لا على وجه حمل أحدهما على الآخر. و أقتصر في جميع ما يحتاج إليه على مجرد ما روى السلف (رحمهم الله) من المعاني إلا القليل النادر و الشاذ الشارد و أقنع أيضا بألفاظهم المنقولة حتى لا يستوحش من ذلك و هذا شرطي إلى آخر الكتاب. و لا أجمع إلا ما فرقه أصحابنا في مصنفاتهم و ذلك لأن القياس بالدليل الواضح غير صحيح في الشريعة و هو حمل الشيء على غيره في الحكم لأجل ما

6

بينهما من الشبه فيسمى المقيس فرعا و المقيس عليه أصلا و كذلك الاجتهاد غير جائز في الشرع و هو استفراغ الجهد في استخراج أحكام الشرع و قيل هو بذل الوسع في تعرف الأحكام الشرعية. فأما إذا صح بإجماع الفرقة المحقة حكم من الأحكام الشرعية بنص من الرسول(ص)مقطوع على صحته على سبيل التفصيل رواه المعصومون من أهل بيته(ع)ثم طلب الفقيه بعد ذلك دلالة عليه من الكتاب جملة أو تفصيلا ليضيفها إلى السنة حسما للشنعة فلا يكون ذلك قياسا و لا اجتهادا لأن القائس و المجتهد لو كان معهما نص على وجه من الوجوه لم يكن ذلك منهما قياسا و لا اجتهادا و هذا واضح بحمد الله. على أن أكثر الآيات التي نتكلم عليها في هذا المعنى فهو ما نبهنا عليه الأئمة من آل محمد(ع)و هم معدن التأويل و منزل التنزيل.

فصل اعلم أن الأدلة كلها أربعة

حجة العقل و الكتاب و السنة و الإجماع. أما الكتاب و هو غرضنا هاهنا فهو القرآن في دلالته على الأحكام الشرعية و المستدل بالكتاب على ما ذكرناه يحتاج إلى أن يعرف من علومه خمسة أصناف

7

العام و الخاص و المحكم و المتشابه و المجمل و المفسر و المطلق و المقيد و الناسخ و المنسوخ. أما العموم و الخصوص قليلا يتعلق بعموم قد دخله التخصيص

2/ 221

كقوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ و هذا عام في كل مشركة حرة كانت أو أمة و قوله وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ خاص في الحرائر فقط فلو تمسك بالعموم غلط و كذلك قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ عام و قوله مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ خاص في أهل الكتاب. و أما المحكم و المتشابه فليقض بالمحكم و يفت به دون المتشابه. و أما المجمل و المفسر فليعمل بالمفسر كقوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ و هذا غير مفسر و قوله فَسُبْحٰانَ اللّٰهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ مفسر بإجماع المفسرين لأنه فسر الصلوات الخمس لأن قوله حِينَ تُمْسُونَ يعني المغرب و العشاء الآخرة و حِينَ تُصْبِحُونَ يعني الصبح و عَشِيًّا يعني العصر و حِينَ تُظْهِرُونَ الظهر. و أما المطلق و المقيد فليبنى المطلق على المقيد إذا كانا في حكم واحد كقوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ فهذا مطلق في العدل و الفاسق و قوله وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ مقيد بالعدالة فيبنى المطلق عليه.

8

و أما الناسخ و المنسوخ فليقض بالناسخ دون المنسوخ كآية العدة بالحول و الآية التي تضمنت العدة بالأشهر. و يأتي بيان جميع ذلك إن شاء الله تعالى

باب وجوب الطهارة و كيفيتها و ما به تكون و ما ينقضها

الدليل على هذه الأشياء الأربعة التي هي مدار الطهارتين و ما يقوم مقامهما عند الضرورة اثنان من المائدة و النساء و هما

5/ 6

قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ و قوله يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ و ظاهر هذا الخطاب متوجه إلى من كان على ظاهر الإيمان فأما الكافر فلا يعلم بهذا الظاهر أنه مخاطب به و يعلم بآية أخرى و دلالة عليه به أحرى. و إنما أمر المؤمنون به و هو واجب على الكل لأنه بعد الدخول في الملة و من أتى الإسلام يؤمر به ثم يؤمر بفروعه. على أنه يمكن أن يقال إن التخصيص هاهنا ورد للتغليب و التشريف و إن كان الكل مرادا كقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً أ لا ترى أن أسباب التكليف التي حسن الخطاب لأجلها حاصلة للمؤمن و الكافر يوضح ذلك و يبينه قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ و لا خلاف

9

أنه ينبغي أن يحمل على عمومه في كل ما هو عبادة الله و إن كان خاصا في المكلفين منهم الذين أوجب الله ذلك عليهم أو ندبهم إليه و الآية متوجهة إلى جميع الناس ممن يصح مخاطبته مؤمنهم و كافرهم لحصول العموم فيها إلا من ليس بشرائط التكليف على ما ذكرناه. فالكافر إذا لا بد أن يكون مخاطبا بالصلاة و بجميع أركان الشريعة لكونها واجبة عليه لأنه مذموم بتركها متمكن من أن يعلم وجوبها و يعاقب غدا عليه أيضا أ لا ترى إلى قوله تعالى حكاية عن الكفار قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. و لا يقدح في وجوب ذلك بأنه إذا أسلم لا يجب عليه قضاء ما فاته لأن القضاء هو الفرض الثاني. فإن قيل كيف يجوز أن يكون من مخاطبين بذلك و لم يكن من موجودين في ذلك الوقت و من المحال أن يخاطب المعدوم. قلنا الأوامر على ضربين أحدهما على الإطلاق فالمأمور يجب أن يكون قادرا مزاح العلة فضلا على وجوده و الآخر يكون أمرا بشرط فالمأمور لا يجب أن يكون كذلك في الحال و لكن بشرط أن يوجد و يصير قادرا مزاح العلة متمكنا. و إذا ثبت هذا فأوامر الله تعالى و أوامر الرسول(ع)كانت أوامر للمكلفين الموجودين في ذلك الزمان على تلك الصفات و كانت أوامر لمن بعدهم بشرط أن يوجدوا و يصيروا قادرين مترددي الدواعي على ما ذكرناه و الأمر على هذا الوجه يكون حسنا فإنه يحسن من الواحد منا أن يأمر النجار بإنجار باب غدا بشرط أن يمكنه مما يحتاج إليه من الآلات و غيرها و إن لم يمكنه في الحالة. و إنما أوردت هذه الجملة استيناسا للناظر فيه و هو التنبيه للفقيه

10

باب الوضوء

5/ 6

أما قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. فإنه يدل بظاهره على وجوب أربعة أفعال مقارنة للوضوء و يدل من فحواه على وجوب النية فيه لأنه عمل و الأعمال بالنيات. ثم اعلم أن القيام إلى الصلاة ضربان أحدهما أن يقوم للدخول فيها و الآخر أن يتأهب باستعمال الطهارة للشروع فيها فالأول لا يصح من دون الثاني و الثاني إنما يجب بشرط تقدم الأول فبهذا الخطاب أمرهم الله أنهم إذا أرادوا القيام إلى الصلاة و هم على غير طهر أن يغسلوا وجوههم و يفعلوا ما أمرهم الله به فيها. و حذف الإرادة لأن في الكلام دلالة عليه و مثله قوله تعالى فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ معناه إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ و قوله وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلٰاةَ معناه فأردت أن تقيم لهم الصلاة. و الذي يدل عليه هو أن الله أمر بغسل الأعضاء إذا قام إلى الصلاة بقوله إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا و معلوم أنه إذا قام إلى الصلاة لا يغسل أعضاءه لأنه لا يقوم إليها ليصلي إلا و قد غسل الأعضاء أو فعل ما قام مقامه فعلم أنه أراد إذا أردت القيام إلى الصلاة فاغسل أعضاءك فأمر بغسل الأعضاء فثبت أن الغسلين و المسحين كليهما واجب في هذه الطهارة. و يدل قوله تعالى مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا على

11

وجوب عشر كيفيات مقارنة للوضوء و على وجوب أربعة أشياء قبل الوضوء و هي تركان و فعلان.

فصل

و إذا ثبت وجوب الطهارة لأن الله أمر بها و الأمر في الشرع يحمل على الوجوب لا يحمل على الندب إلا لقرينة فاعلم أنهم اختلفوا هل يجب ذلك كلما أراد القيام إلى الصلاة أو في بعضها أو في أي حال هي. فقال قوم المراد به إذا أراد القيام إليها و هو على غير طهر و هو المروي عن ابن عباس و جابر. و قيل معناه إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة

و روي أن الباقر(ع)سئل ما المراد بالقيام إليها فقال المراد به القيام من النوم.

و قيل المراد به جميع حال قيام الإنسان إلى الصلاة فعليه أن يجدد طهر الصلاة

عن عكرمة و قال كان علي(ع)يتوضأ لكل صلاة و يقرأ هذه الآية

و هذا محمول على الندب و عن ابن سيرين كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة و عن ابن عمر كان الفرض أن يتوضأ لكل صلاة ثم نسخ ذلك بالتخفيف

فقد حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل حدثها أن النبي(ص)أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه فأمر بالسواك و رفع عنه الوضوء إلا من حدث فكان عبد الله يرى ذلك فرضا

12

و روى سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي(ص)كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان عام الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد فقال عمر يا رسول الله صنعت شيئا ما كنت تصنعه فقال عمدا فعلته.

فصل

و الآية تدل على جميع ما ذكرناه من الواجب و الندب لغة و أقوى الأقوال ما حكيناه أولا من أن الفرض بالوضوء يتوجه إلى من أراد الصلاة و هو على غير طهر فأما من كان متطهرا فعليه ذلك استحبابا. و قال الحسين بن علي المغربي معنى إِذٰا قُمْتُمْ إذا عزمتم عليها و هممتم بها قال الراجز للرشيد

ما قاسم دون الفتى ابن أمه * * *و قد رضيناه فقم فسمه

فقال يا أعرابي ما رضيت أن تدعونا إلى عقدة الأمر له قعودا حتى أمرتنا بالقيام فقال قيام عزم لا قيام جسم و قال خزيم الهمداني

فحدثت نفسي أنها أو خيالها * * *أتانا عشاء حين قمنا لنهجعا

أي حين عزمنا للهجوع. و قال قوم إن الله تعالى أنزل هذه الآية إعلاما للنبي(ص)أنه لا وضوء عليه واجبا إلا إذا قام إلى الصلاة و ما يجري مجراها من العبادات لأنه كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى نزلت هذه الآية فأباح الله له بها أن يفعل ما بدا له من الأعمال بعد الحدث توضأ أو لم يتوضأ إلا عمل الصلاة فإنه

13

يجب عليه أن يتوضأ له. و في الآية نيف و عشرون حكما سوى التفريعات الداخلة تحتها و الامتحان يستخرجها فالحوادث غير متناهية و عموم النصوص أيضا غير متناهية و إن كانت النصوص متناهية فلا حاجة إلى القياس شرعا.

فصل

و قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ أمر منه تعالى بغسل الوجه و الأمر شرعا يقتضي الوجوب و إنما يحمل على الندب لقرينة و غير ممتنع أن يراد باللفظ الواحد في الحالين لأنه لا تنافي بينهما. و الغسل جريان الماء أو كالجريان فقد رخص عند عوز الماء مثل الدهن و اختلفوا في حد الوجه الذي يجب غسله فحده عندنا من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن طولا و ما دخل بين الإبهام و الوسطى عرضا و ما خرج عن ذلك فلا يجب غسله و ما نزل من المحادر لا يجب غسله. و الدليل عليه من القرآن جملة قوله وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ و قد بينها ع. و أما ما غطاه الشعر كالذقن و الصدغين فإن إمرار الماء على ما علا عليه من الشعر يجزي من غسل ما بطن منه من بشرة الوجه. و الذي يدل عليه أن ما ذكرناه مجمع على أنه من الوجه و من ادعى الزيادة فعليه الدلالة و لا دليل شرعا لمن خالفنا فيه. و قال عبد الجبار لو خلينا و الظاهر لكان بعد نبات اللحية يجب إيصال الماء

14

إلى البشرة التي هي تحتها كما يلزم ذلك من لا لحية له إلا أن الدلالة قامت على زوال وجوب ذلك بستر اللحية و الآية تدل عليه لأن إفاضة الماء على ما يقابل هذه البشرة و ما سقط من اللحية عن الوجه فلا يلزم فيه على وجه. و إن نبت للمرأة لحية فكمثل الرجل. و كل مسألة شرعية لها شعب و وجوه فإذا سألك عنها سائل فتثبت في الجواب فلا تجبه بلا أو بنعم على العجلة و تصفح حال المستفتي فإن كان عاميا يطلب الجواب ليعمل به و يعول عليه فاستفسره عن الذي يقصده و يريد الجواب عنه فإذا عرفت ما يريده بعينه أجبته عنه و لا تتجاوز إلى غيره من الوجوه فليس مقصود هذا السائل إلا الوجه الذي يريد بيان حكمه ليعمل به و إذا كان السائل معاندا يريد الإعنات تستفسره أيضا عن الوجه الذي يريد من المسألة فإذا ذكره أفتيته عنه بعينه و لا تتجاوزه إلى غيره أيضا فليس مقصوده طلب الفائدة و إنما هو يطلب المعاندة فضيق عليه سبيل العناد و إن كان السائل مستفيدا يطلب بيان وجوه المسألة و الجواب عن كل وجه ليعلمه و يستفيده فأوضح له الوجوه كلها و اجعل الكلام منقسما لئلا يذهب شيء من بابه و هذا لعمري استظهار للعالم في جميع العلوم إن شاء الله تعالى.

فصل

و قوله وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ عطف على وُجُوهَكُمْ فالواجب غسلهما. و يجب عندنا غسل الأيدي من المرافق و غسل المرافق معهما إلى رءوس الأصابع و لا يجوز غسلها من الأصابع إلى المرافق إلا عند الضرورة فقد قال الله تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. و إلى في الآية بمعنى مع كقوله وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَهُمْ إِلىٰ أَمْوٰالِكُمْ.

15

و إنما قلنا ذلك لأن إلى قد تكون بمعنى الغاية و قد تكون بمعنى مع حقيقة فيهما و لا خلاف بين أهل اللسان أن كل لفظة مشتركة بين معنيين أو معان كثيرة إنما يتميز بعضها دون بعض بما يقترن إليها من القرائن فإذا صح اشتراك لفظة إلى في معنى الغاية و معنى مع حقيقة لا استعارة و مجازا و انضاف إلى واحد منهما و هو ما ذكرناه إجماع الطائفة ثبت ما أردناه من وجوب ابتداء غسل الأيدي من المرافق و غسلها معها إلى رءوس الأصابع. و قد قال جماعة من الخاصة و العامة أن حمل إلى في هذا الموضع على معنى مع أولى من حمله على معنى الغاية لأنه أعم و فيه زيادة في فائدة الخطاب و احتياط في الطهارة و استظهار بدخول المرافق في الوضوء و في معنى الغاية إسقاط الفائدة و ترك الاحتياط و إبطال سائر ما ذكرناه و يؤكد ذلك قراءة أهل البيت(ع)فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ من الْمَرٰافِقِ. على أن المرتضى رضي الله عنه قال إن الابتداء في غسل اليدين للوضوء من المرافق و الانتهاء إلى أطراف الأصابع الأولى أن يكون مسنونا و مندوبا إليه لا أن يكون فرضا حتما و الفقهاء يقولون لعل هو مخير بين الابتداء بالأصابع و بين الابتداء بالمرافق. و قال الزجاج لو كان المراد بإلى مع لوجب غسل اليد إلى الكتف لتناول الاسم له قال و إنما المراد بإلى الغاية و الانتهاء لكن المرافق يجب غسلها مع اليدين. و هذا الذي ذكره ليس بصحيح لأنا لو خلينا و ذلك لقلنا بما قاله لكن

16

أخرجناه بدليل و هو إجماع الأمة على أن من بدا من المرافق كان وضوؤه صحيحا و إذا جعلت غاية ففيه الخلاف. و اختلف أهل التأويل في ذلك فقال مالك بن أنس يجب غسل اليدين إلى المرفقين و لا يجب غسل المرفق و هو قول زفر. و قال الشافعي لا أعلم خلافا في أن المرافق يجب غسلها. و قال الطبري غسل المرفقين و ما فوقهما مندوب إليه غير واجب و قد اعتذر له بأن معنى كلامه أن وجوب ذلك يعلم من السنة لا من الآية. و إنما اعتبرنا غسل المرافق لإجماع الأمة على أن من غسلهما صحت صلاته و من لم يغسلهما ففيه الخلاف. و قيل الآية مجملة فالواجب الرجوع إلى البيان و قد ثبت أنه(ص)غسلهما فيما حكاه كبار الصحابة في صفة وضوئه فصار فعله بيانا للآية كما أن قوله كذلك. و ليس لأحد أن يقول إن ظاهر قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ يوجب أن يكون المرفق غاية في الوضوء لا أن يكون مبدوءا به أو يغسل المرفق معها. لأنا قد بينا بأن إلى بمعنى مع و الغاية على سبيل الحقيقة و قرينة إجماع الأمة أن غسل المرافق واجب فلو كان إلى للغاية هنا لم يلزم غسل المرفق على مقتضى وضع اللغة لأن ما بعد إلى إذا كانت للغاية لا يدخل فيما قبلها و إلا فلا تكون غاية.

17

فصل

قوله وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ جملة فعلية معطوفة على الجملة المتقدمة و هي تقتضي الإيجاب حيث تقتضيه الأولى و تتناول الندب حيث تتناوله الأولى و لا فرق بين المقتضيين في الجملتين على حال لمكان الواو العاطفة. و كذلك يجب أن يكون حكم أرجلكم حكم رءوسكم لمكان واو العاطفة أيضا سواء كان عطفا على اللفظ أو على المحل لأن جميع ذلك اسم لشيء واحد و هو الوضوء فإن اقتصر على بعضها اختيارا فلا وضوء. فإذا ثبت ذلك فاعلم أنهم اختلفوا في صفة المسح فقال قوم يمسح منه ما يقع عليه اسم المسح و هو مذهبنا و به قال عبد الله بن عمر و القاسم بن محمد و الشافعي. و قال مالك يجب مسح جميع الرأس. و قال أبو حنيفة لا يجوز مسح الرأس بأقل من ثلاثة أصابع و هذا عندنا على الاستحباب. و لا يجوز المسح عندنا إلا على مقدم الرأس و هو المروي عن ابن عمر و القاسم بن محمد و الطبري و لم يعتبره أحد من الفقهاء و قالوا أي موضع مسح أجزأه. و إنما اعتبرنا المسح ببعض الرأس فضلا على النص من آل محمد(ع)لدخول الباء الموجبة للتبعيض لأن دخولها في الإثبات في الموضع الذي يتعدى الفعل فيه بنفسه لا وجه له غير التبعيض و إلا لكان لغوا و حملها على الزيادة لا يجوز مع إمكانها على فائدة مجددة.

18

فإن قيل يلزم على ذلك المسح ببعض الوجه في التيمم في قوله فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ. قلنا كذلك نقول فإن في التيمم يمسح الوجه بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف على ما نصوا عليه ع. و من غسل الرأس فإنه لا يجزيه عن المسح عندنا و خالف جميع الفقهاء في ذلك و قالوا يجزيه لأنه يشتمل عليه. و هذا غير صحيح لأن حد المسح شرعا هو إمرار العضو الذي فيه نداوة على العضو الممسوح من غير أن يجرى عليه الماء و الغسل لا يكون إلا بجريان الماء عليه بعلاج و غير علاج فمعناهما مختلف و لو كانا واحدا لما ورد الأمر بهما و اقتصر بقوله فَاغْسِلُوا و لم يقل بعده وَ امْسَحُوا و ليس إذا دخل المسح في الغسل يسمى الغسل مسحا كما أن العمامة لا تسمى خرقة و إن كانت تشتمل على خرق كثيرة. و قال الشافعي الأذنان ليستا من الوجه و لا من الرأس.

فصل

و قوله وَ أَرْجُلَكُمْ من قرأها بالجر عطفها على اللفظ و ذهب إلى أنه يجب مسح الرجلين كما وجب مسح الرأس و من نصب فكمثله لأنه ذهب إلى أنه معطوف على موضع الرءوس فإن موضعهما نصب لوقوع المسح عليهما فالقراءتان جميعا تفيدان المسح على ما نذهب إليه. و ممن قال بالمسح ابن عباس و الحسن البصري و الجبائي و الطبري و غيرهم. و عندنا أن المسح على ظاهرهما من رءوس الأصابع إلى الكعبين.

" قال ابن عباس و أنس الوضوء غسلتان و مسحتان.

19

و قال عكرمة ليس على الرجلين غسل إنما فيهما المسح و به قال الشعبي و قال أ لا ترى أن في التيمم يمسح ما كان غسلا و يلغى ما كان مسحا. و قال قتادة افترض الله مسحين و غسلين.

و روى أوس بن أوس قال رأيت النبي(ص)توضأ و مسح على نعليه ثم قام و صلى و كذلك روى حذيفة

و روى حبة العرني رأيت عليا(ع)شرب في الرحبة قائما ثم توضأ و مسح على نعليه

و وصف ابن عباس وضوء رسول الله(ص)و أنه مسح على رجليه و قال إن في كتاب الله المسح و يأبى الناس إلا الغسل.

و الغسل في اللغة إجراء الماء على الشيء على وجه التنظيف و التحسين و إزالة الوسخ عنه و نحوها و مسحه بالماء إيصال رطوبته إليه فقط كما ذكرناه.

و قال علي(ع)ما نزل القرآن إلا بالمسح

و أما الكعبان فهما عندنا الناتئان في وسط القدم و به قال محمد بن الحسن الشيباني و إن أوجب الغسل. و قال أكثر الفقهاء هما عظما الساقين. يدل على ما قلناه أنه لو أراد ما قالوا لقال سبحانه إلى الكعاب لأن في الرجلين منها أربعة. فإن ادعوا تقديرا بعد قوله وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ أي كل واحدة إلى الكعبين كما في قولهم اكسنا حلة أي اكس كل واحد منا حلة فذلك مجاز و حمل الكلام على الحقيقة إذا أمكن أولى و هو قولنا.

20

فإن قيل كيف قال إِلَى الْكَعْبَيْنِ و على مذهبكم ليس في كل رجل إلا كعب واحد. قلنا إنه تعالى أراد رجلي كل متطهر و في الرجلين كعبان و لو بنى الكلام على ظاهره لقال و أرجلكم إلى الكعاب و العدول بلفظ أَرْجُلَكُمْ إلى أن المراد بها رجلا كل متطهر أولى من حملها على كل رجل.

فصل

إن قيل القراءة بالجر في أرجلكم ليست بالعطف على الرءوس في المعنى و إنما عطف عليها على طريق المجاورة كما قالوا جحر ضب خرب و خرب من صفات الجحر لا الضب. قلنا أولا إن العرب لم تتكلم به إلا ساكنا فقالوا خرب فإنهم لا يقفون إلا على الساكن فلا يستشهد به و بعد التسليم فإنه لا يجوز في الآية من وجوه أحدها ما قال الزجاج إن الإعراب بالمجاورة لا يكون مع حرف العطف و في الآية حرف العطف الذي يوجب أن يكون حكم المعطوف حكم المعطوف عليه و ما ذكروه ليس فيه حرف العطف فأما قول الشاعر

فهل أنت إن ماتت أتانك راحل * * *إلى آل بسطام بن قيس فخاطب

قالوا جر مع حرف العطف الذي هو الفاء فإنه يمكن أن يكون أراد الرفع و إنما جر الراوي وهما و يكون عطفا على راحل فيكون قد أقوى لأن القصيدة مجرورة و قال قوم أراد بذلك الأمر و إنما جر لإطلاق الشعر. و الثاني أن الإعراب بالمجاورة إنما يجوز مع ارتفاع اللبس فأما مع

21

حصول اللبس فلا يجوز و لا يلتبس على أحد أن خرب صفة جحر لا ضب و ليس كذلك في الآية لأن الأرجل يمكن أن تكون ممسوحة و مغسولة فالاشتباه حاصل هنا و مرتفع هناك. و أما قوله و حور عين في قراءة من جرهما فليس بمجرور على المجاورة بل يحتمل أمرين أحدهما أن يكون عطفا على قوله يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوٰابٍ وَ أَبٰارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ إلى قوله وَ حُورٌ عِينٌ فهو عطف على أكواب و قولهم إنه لا يطاف إلا بالكأس غير مسلم بل لا يمتنع أن يطاف بالحور العين كما يطاف بالكأس و قد ذكر في جملة ما يطاف به الفاكهة و اللحم. و الثاني أنه لما قال أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنّٰاتِ النَّعِيمِ عطف بقوله وَ حُورٌ عِينٌ على جَنّٰاتِ النَّعِيمِ فكأنه قال هم في جنات النعيم و في مقاربة أو معاشرة حور عين ذكره أبو علي الفارسي. و من قال القراءة بالجر يقتضي المسح على الخفين فقوله باطل لأن الخف لا يسمى رجلا في لغة و لا شرع و الله أمر بإيقاع الفرض على ما يسمى رجلا على الحقيقة.

فصل

و إن قيل في القراءة بالنصب في أَرْجُلَكُمْ هي معطوفة على قوله وَ أَيْدِيَكُمْ في الجملة الأولة.

22

فيقال إن هذا غير صحيح لأنه لا يجوز أن يقول القائل اضرب زيدا و عمرا و أكرم بكرا و خالدا و يريد بنصب خالدا العطف على زيدا و عمرا المضروبين لأن ذلك خروج عن فصاحة الكلام و دخول في معنى اللغز فإن أكرم المأمور خالدا فيكون ممتثلا لأمره معذورا عند العقلاء و إن ضربه كان ملوما عندهم و هذا مما لا محيص عنه. على أن الكلام متى حصل فيه عاملان قريب و بعيد لا يجوز إعمال البعيد دون القريب مع صحة حمله عليه و بمثله ورد القرآن و فصيح الشعر قال تعالى وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمٰا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللّٰهُ أَحَداً و لو أعمل الأول لقال كما ظننتموه و قال آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً و لو أعمل الأول لقال أفرغه و قال هٰاؤُمُ اقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ و لو أعمل الأول لقال هاؤم اقرءوه و إليه ذهب البصريون. فأما من يختار إعمال الأول من الكوفيين فإنه لا يجيز ذلك في مثل الموضع الذي نحن فيه و ليس قول إمرئ القيس

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة * * *كفاني و لم أطلب قليل من المال

من قبيل ما نحن بصدده إذ لم يوجه فيه الفعل الثاني إلى ما وجه إليه الأول و إنما أعمل الأول لأنه لم يجعل القليل مطلوبا و إنما كان المطلوب عنده الملك و جعل القليل كافيا و لو لم يرد هذا و نصب لفسد المعنى و على هذا يعمل الأقرب أبدا أنشد سيبويه قول طفيل

جرى فوقها فاستشعرت لون مذهب

23

و قال كثير

قضى كل ذي دين فوفى غريمه * * *و عزة ممطول معنى غريمها

و لو أعمل الأول لقال فوفاه غريمه و الاستدلال بقوله ممطول معنى غريمها أولى لأن قوله عزة مبتدأ و ممطول خبره و معنى كذلك و كل واحد منهما فعل للغريم فلا يجوز رفعه بممطول فيبقى معنى و قد جرى خبرا على عزة و هو فعل لغيرها فيجب إبراز ضميره. فأما من قال إن قوله وَ أَرْجُلَكُمْ منصوبة بتقدير و اغسلوا أرجلكم كما قال

متقلدا سيفا و رمحا

و

علفتها تبنا و ماء باردا

فقد أخطأ أيضا لأن ذلك إنما يجوز إذا استحال حمله على ما في اللفظ فأما إذا جاز حمله على ما في اللفظ فلا يجوز هذا التقدير.

فصل

و قد ذكرنا من قبل أن قوله وَ أَرْجُلَكُمْ بالنصب معطوف على موضع بِرُؤُسِكُمْ لأن موضعها النصب و العطف على الموضع جائز حسن كما يجوز على اللفظ لا فرق بينهما عند العرب في الحسن لأنهم يقولون لست بقائم و لا قاعدا أو لا قاعد و إن زيدا في الدار و عمرو فرفع عمرو بالعطف على الموضع كما نصب قاعدا لأنه معطوف على محل بقائم قال الشاعر

معاوي إننا بشر فأسجح * * *فلسنا بالجبال و لا الحديدا

مقدرا لكل شبهة. و صح أن الحكم في الآية المسح في الرجلين و قد تقل الشبهة في القراءة

24

بالجر على ما قدمناه. و من قال يجب غسل الرجلين لأنهما محدودتان كاليدين فقوله ليس بصحيح لأنا لا نسلم أن العلة في كون اليدين مغسولتين كونهما محدودتين و إنما وجب غسلهما لأنهما عطفتا على عضو مغسول و هو الوجه و كذلك إذا عطف الرجلان على ممسوح و هو الرأس وجب أن يكونا ممسوحتين و الفصاحة فيما قال الله في الجملتين ذكر معطوفا و معطوفا عليه أحدهما محدود و الآخر غير محدود فيهما. و روي أن الحسن قرأ و أرجلكم بالرفع فإن صحت هذه القراءة فالوجه أنه الابتداء و خبره مضمر أي و أرجلكم ممسوحة كما يقال أكرمت زيدا و أخوه أي و أخوه أكرمته فأضمره على شريطة التفسير و استغنى بذكره مرة أخرى إذا كان في الكلام الذي يليه ما يدل عليه و كان فيما أبقى دليل على ما ألقى فكأن هذه القراءة و إن كانت شاذة إشارة إلى أن مسح الرأس ببقية النداوة من مسح الرأس كما هو. و يدل أيضا على وجوب الموالاة لأن الواو إذا واو الحال في قوله و أرجلكم بالرفع.

فصل

و هذه الآية تدل على أن من غسل وجهه مرة و ذراعيه مرة مرة أدى الواجب على ما فصله الأئمة(ع)و دخل في امتثال ما يقتضيه الظاهر لأن لفظ الأمر يدل على المرة الواحدة و يحتاج على الاقتصار أو التكرار إلى دليل آخر فلما ورد أن النبي(ص)توضأ مرة مرة و توضأ مرتين مرتين علم أن الفرض

25

مرة واحدة و الثانية سنة لأن الآية مجملة و بيانها فعله ع. و كذلك تدل الآية على أنه لا يجوز أن يجعل مكان المسح غسلا و لا بدل الغسل مسحا لأن الله أوجب بظاهر الآية الغسل في الوجه و اليدين و فرض المسح في الرأس و الرجلين فمن مسح ما أمر الله بالغسل أو غسل ما أمر بالمسح لم يكن ممتثلا للأمر لأن مخالفة الأمر لا تجزي في مثل هذا الموضع. و تدل الآية أيضا على أنه يجب تولي المتطهر وضوءه بنفسه إذا كان متمكنا من ذلك و لا يجزيه سواه لأنه قال فَاغْسِلُوا أمر بأن يكونوا غاسلين و ماسحين و الظاهر يقتضي تولي الفعل حتى يستحق التسمية لأن من وضأه غيره لا يسمى غاسلا و لا ماسحا على الحقيقة. و يزيد ذلك تأكيدا

ما روي أن الرضا(ع)رأى المأمون يتوضأ بنفسه و الغلام يصب الماء عليه فقرأ(ع)وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً

فإذا كان هذا مكروها فينبغي أن يكون الأول محظورا. و في الآية أيضا دلالة على أن من مسح على العمامة أو الخفين لا يجزيه لأن العمامة لا تسمى رأسا و الخف لا يسمى رجلا كما لا يسمى البرقع و ما يستر اليدين وجها و لا يدا. و ما روي في المسح على الخفين أخبار آحاد لا يترك لها ظاهر القرآن على أنه روى المخالف

عن أمير المؤمنين(ع)أنه قال نسخ ذلك بهذه الآية و لذلك قال(ع)لمن شهد لمسح الخفين أ قبل المائدة أم بعدها عند عمر فقالوا لا ندري فقال(ع)كان قبل المائدة.

26

فصل

و في هذه الآية دلالة على أن الطهارة تفتقر إلى النية سواء كانت وضوءا أو غسلا أو ما يقوم مقامهما من التيمم و هو مذهب الشافعي أيضا. و قال أبو حنيفة الطهارة بالماء لا تفتقر إلى النية و التيمم لا بد فيه من نية. و الدليل على صحة ما ذكرناه أن قوله إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا تقديره أي فاغسلوا للصلاة و إنما حذف ذكر الصلاة اختصارا و مذهب العرب في ذلك واضح لأنهم إذا قالوا إذا أردت لقاء الأمير فالبس ثيابك تقديره فالبس ثيابك للقاء الأمير. و إذا أمر بالغسل للصلاة فلا بد من النية لأن بالنية يتوجه الفعل إلى الصلاة دون غيرها.

و قوله(ع)الأعمال بالنيات

يؤكده.

فصل

و إذا صح بظاهر تلك الآية أن أفعال الوضوء الواجبة المقارنة له خمس النية و غسل الوجه و غسل اليدين و مسح الرأس و مسح الرجلين. فاعلم أن في الآية أيضا دلالة على وجوب كيفياتها العشر المقارنة له بظاهرها و من فحواها و لو لا النصوص المجمع على صحتها في وجوب هذه الواجبات و غيرها الموجبة علما و عملا لما أوردنا هذه الاستدلالات التي ربما يقال لنا إنها على أسلوب استخراجات الفقهاء إلا أنهم يرجمون رجما فيما طريقه العلم و نحن بعد أن قبلناه علما بالإجماع من الفرقة المحقة الذي هو حجة نتجاذب أهداب تلك

27

الاستدلالات و نتشبث بها نضيف بذلك فضيلة إلى فضيلة على أن أكثر ما نتبينه من أئمة الهدى ع. و لعمري إن الله قد أغنى الخلق عن التعسف بين و فصل الشريعة على لسان رسوله(ص)و ألسنة حججه(ع)ما أجمله في كتابه من الأحكام لما في مجمل الكتاب و تفصيل السنة من دواء العليل و شفاء الغليل ما تصير الألطاف الإلهية بهما أقوى و أبلغ. و كلا الأمرين من الله جملة و تفصيلا ليس للرسول و الأئمة(ع)في شيء من ذلك اجتهاد إنما هو علم علمهم الله نعمة عليهم و رحمة للعالمين حتى أرش الخدش.

فصل

و الآية تدل على وجوب الترتيب في الوضوء من وجهين أحدهما أن الواو توجب الترتيب لغة على قول الفراء و أبي عبيد و شرعا على قول كثير من الفقهاء

و لقوله(ع)ابدءوا بما بدأ الله به.

و الثاني و هو على قول الجمهور أن الله أوجب على من يريد القيام إلى الصلاة إذا كان محدثا أن يغسل وجهه أولا لقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا و الفاء توجب الترتيب و التعقيب بلا خلاف فإذا ثبت أن البداءة بالوجه هو الواجب ثبت في باقي الأعضاء لأن أحدا لا يفرق. و يقويه

قوله(ع)للأعرابي حين علمه الوضوء فقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به

فإن كان رتب فهو كما نقول و إن لم يرتب لزم أن يكون من رتب

28

لا يجزيه و قد أجمعت الأمة على خلافه. و قال أبو مسلم بن مهرإيزد أجود ما يقال على من أجاز وقوع الطهارة بغير الترتيب أنه قد ثبت أن فاعله مسيء بفعله و المسيء معاقب و الاحتراز عن العقاب واجب قال و الوجه اسم لما يناله البصر عند المواجهة من قصاص شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولا. و لم يحد الله الوجه كما حد اليد لأن الوجه معروف مختص يجب غسل جميعه و اليد يشتمل على جميع ما هو من البنان إلى أصل الساعد و لا يجب غسل جميعها في الوضوء فلا بد فيها من التحديد. و أشار إلى مسح بعض الرأس بالباء التي ليست للتعدية و حد الرجلين لمثل ما ذكرناه في اليد.

فصل

و ظاهر الآية يوجب غسل الأعضاء و مسحها متى أراد الصلاة و هو محدث فإذا غسلها بلا ترتيب ثم أراد الصلاة يجب أن يكون بعد مخاطبا به عملا بمقتضى الآية. على أن من أخطأ في الوضوء فقدم مؤخرا أو أخر مقدما يجب عليه أن يعيد لأن الترتيب في الوضوء واجب على ما ذكرناه من مقتضى الآية.

و قال أبو جعفر(ع)تابع بين الوضوء كما قال تعالى ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس و الرجلين و لا تقدمن شيئا بين يدي شيء تخالف ما أمرت به فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه و أعد على الذراع و إن مسحت الرجل

29

قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم أعد على الرجل ابدأ بما بدأ الله عز و جل به.

و هذا عام في العمد و الخطإ.

فصل

و في الآية أيضا دلالة على أن الموالاة واجبة في الوضوء لأن الأمر شرعا يجب على الفور و لا يسوغ فيه التراخي إلا بدليل فإذا ثبت ذلك و كان المأمور بالصلاة في وقتها مأمورا بالوضوء قبلها فيجب عليه فعل الوضوء عقيب توجه الأمر إليه و كذلك جميع الأعضاء الأربعة لأنه إذا غسل وجهه فهو مأمور بعد ذلك بغسل اليدين و لا يجوز له تأخيره. فإن فرق وضوءه للضرورة حتى يجف ما تقدم منه استأنف الوضوء من أوله و إن لم يجف وصله من حيث قطعه إذا كان الهواء معتدلا. و إن والى بين غسل أعضاء الطهارة و مسحها و جف شيء منها قبل الفراغ لحر شديد أو ريح من غير تقصير منه فيه فلا بأس إذا بقيت نداوة تكفي للمسح لأنه قال مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. و بمثل ذلك تدل الآية على مقارنة النية و استدامة حكمها.

فصل

و يدل قوله وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ على أن من مسح رأسه و رجليه بإصبع واحدة فقد دخل تحت الاسم و يكون ماسحا. و لا يلزم على ذلك ما دون الإصبع لأنا لو خلينا و الظاهر لقلنا بذلك لكن السنة منعت منه.

30

و صورته أن يمسح برأس مسبحة يمينه مقدم رأسه يضعها عليه عرضا مع الشعر إلى قصاصه ثم يمسح بها عرضا رجله اليمنى من أصابعها إلى الكعبين و بمسبحة اليسرى رجله اليسرى كذلك فهذا مجزئ. و الندب أن يمسح مقدم الرأس بثلاث أصابع مضمومة بالعرض و أن يمسح الرجلين بالكفين. و الباء في قوله بِرُؤُسِكُمْ كما تدل على مسح بعض الرأس تدل في الرجلين أيضا عليه لأنها مضمرة في أَرْجُلَكُمْ و واو العطف منبئة عنه و قائمة مقامها و كل ما هو منوي في الكلام فهو في حكم الثابت على بعض الوجوه.

فصل

و تدل الآية بقريب من ذلك على أن مسح الرأس و الرجلين ببقية نداوة الوضوء من غير استئناف ماء جديد لأن الأمر كما هو على الإيجاب شرعا فهو على الفور و إذا لم يشتغل المتطهر بأخذ الماء الجديد و اكتفى بالبلة فهو على الفور و لأن اسم المسح يقع على كليهما فلا يصح أن يميز و يخصص بأحدهما إلا بقرينة تنضم إليه. و إجماع الطائفة الذي هو حجة حاصل على أن المسح ببقية النداوة و هو من أوثق القرائن على أنه سبحانه لم يذكر في الآية استئناف الماء و هذا قد مسح. فإن قيل و لم يذكر المسح ببقية النداوة أيضا. قلنا نحمل الآية على العموم و نخصها بدليل إجماع الفرقة على أن المسح في الشرع هو أن يبل المحل بالماء من غير أن يسيل و الغسل إمرار الماء على المحل حتى يسيل مع الاختيار

31

باب الغسل

5/ 6

ثم قال سبحانه و تعالى عاطفا على تلك الجملة جملة أخرى فقال وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا. و لكل كلام حكم نفسه

و لذلك قال(ع)إذا أجنب المكلف فقد وجب الغسل.

فعلة الغسل هي الجنابة كما ذكره المرتضى في الذريعة فغسل الجنابة واجب على كل حال. و قد ذكرنا في كتاب الشجار في وجوب غسل الجنابة بيان ذلك على الاستقصاء و بينا ما هو العمل عليه و المعمول على ما أشرنا هاهنا أيضا إليه. و قيل إن هذه الأحكام التي هي الغسل و التيمم الذي هو بدل منه أو من الوضوء من مقدمات الصلاة و شرائطها تجب لوجوبها أي و إن أصابتكم جنابة و أردتم القيام إلى الصلاة فاطهروا و معناه فتطهروا بالاغتسال فهذه الجملة مفصلة بالجملة الأولى متعلقة بها لأن الآية من أولها إلى آخرها تبين شرائط الصلاة المتقدمة فلهذا كان حكم الجملة الأخيرة حكم الأولى لا لأنه قد ربطها الواو العاطفة بما قبلها حتى يقدح في ذلك بقوله وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي

32

حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ.

فصل

و نبدأ أولا بفسر ألفاظ الآية و كشف معانيها ثم نشتغل بذكر الأحكام المتعلقة بها فنقول إن لفظ الجنب يقع على الواحد و الجمع و الاثنين و المذكر و المؤنث مثل عدل و خصم و زور و نحو ذلك إذ هو مصدر أو بمنزلة المصدر و قال الزجاج تقديره ذو جنب. و أصل الجنابة البعد لأنها حالة تبعد عن مقاربة العبادات إلى أن يتطهر بالاغتسال على بعض الوجوه. و الاطهار هو الاغتسال بلا خلاف و اطهر هو تطهر مدغما لأن التاء أدغم في الطاء فسكن أول الكلمة فزيد فيها ألف الوصل. و معنى الآية أي استعملوا الماء أو ما يقوم مقامه. و الجنابة تحصل بشيئين إما بإنزال الماء الدافق في النوم و اليقظة بشهوة أو بغير شهوة أو بالتقاء الختانين وجب غيبوبة الحشفة في القبل أنزل أو لم ينزل. و قال أبو مسلم بن مهرإيزد يلزم الرجل حكم الجنابة من أمور منها أن يجامع في قبل أو دبر و منها أن يلتقي الختانان و إن لم يكن إنزال و لا ماء شهوة و منها أن يحتلم في النوم بشرط أن يجد بللا. و الأغسال المفروضة و المسنونة سبعة و ثلاثون غسلا منها ستة أغسال مفترضات و الباقية نوافل.

33

و لم يورد المشايخ تغسيل الأموات من جملة الواجبات و لا غسل نظارة المصلوب بعد ثلاثة أيام و لا غسل استسقاء و لا غسل من أسلم بعد الكفر فلذلك نقص عن هذا العدد. و الفرض المذكور بظاهر اللفظ في القرآن منها اثنان غسل الجنابة و الحيض قال تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا فأوجب بظاهر هذا اللفظ الغسل و قال سبحانه وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ فيمن قرأ بالتشديد و قد بينا أن الاطهار هو الاغتسال و سيجيء بيانه في بابه إن شاء الله تعالى.

فصل

و ليس على الجنب وضوء مع الغسل فإن قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا هو على الإطلاق غير مقيد و لا مشروط بالوضوء و من اغتسل من الجنابة فقد طهر بلا خلاف. و كل غسل ما عدا غسل الجنابة يجب الوضوء قبله حتى يستباح به الدخول في الصلاة فإن نسيه المغتسل فليتوضأ بعد الغسل لتصح منه الصلاة. و غسل المرأة من الجنابة كغسل الرجل سواء لا ناقد بينا في قوله جُنُباً إن الجنب يقع على الرجال و النساء و الرجل و المرأة فينبغي أن يكون حكم الجنابة و حكم غسل الجنابة فيهما سواء و إن ورد الخطاب بلفظ المذكرين في قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فإن ذلك لتغليب لفظ الرجال على النساء إذا اجتمعوا. و الأغسال الأخر الواجبة و هي أربعة يعلم وجوبها بالإجماع و السنة و بقوله

34

تعالى على سبيل الجملة مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. و قال المرتضى غسل من مس ميتا من الناس مستحب غير واجب و إنما ذكره كذلك لخبر ورد للتقية. و الجنب إذا أراد الغسل يجب عليه ستة أشياء و يعلم هذا من السنة على سبيل التفصيل و من القرآن على سبيل الجملة قال تعالى مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ و قد فصلها رسول الله(ص)و رواها الأئمة المعصومون(ع)كما علمه الله غضا طريا. و قال بعضهم لا يجب الاغتسال على الجنب بقوله فَاطَّهَّرُوا بل بتفسيره في قوله إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا في سورة النساء. فإن قيل ما معنى تكرير قوله أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ إن كان معنى اللمس الجماع مع قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا. قلنا يمكن أن يقال إن الجنابة في الأول تحمل على الاحتلام و في الثاني على الجنابة عمدا. و قيل إن المعنى في قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا غير المعنى بقوله أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ لأن معنى قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا إذا كنتم واجدين للماء متمكنين لاستعماله ثم بين حكمه إذا عدم الماء أو لا يتمكن من استعماله فالتيمم هو فرضه و هو طهارته فأراد إذا كان له سبيل إلى الماء فعليه أن يغتسل و إن جامع و لم يجد الماء فعليه التيمم فالأول في حكمه مع وجود الماء و الثاني في حكمه مع عوز الماء

35

باب التيمم

5/ 6

ثم قال تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ بين تعالى أحكام التيمم الخمسة و أشار إلى أنه على ضربين تيمم هو بدل من الوضوء و تيمم هو بدل من الغسل المفروض. قال المفسرون معنى الآية أنه لما تقدم الأمر بالوفاء بالعقود و من جملتها إقامة الصلاة و من شرائطها الطهارة بين سبحانه و تعالى و قال يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ أي إذا أردتم القيام إليها و أنتم على غير طهر فعليكم الوضوء و إن كنتم جنبا عند ذلك فاغتسلوا أي اغسلوا جميع البدن على وجه و إن كنتم جرحى أو مجدرين أو مرضى يضر بكم استعمال الماء و كنتم جنبا أو على غير وضوء و كنتم مسافرين و أنتم جنب أو جاء من الغائط أحدكم قد قضى حاجته منه و هو مسافر أو جامعتم النساء و لم تجدوا ماء أو لا تتمكنون من استعماله فاقصدوا وجه الأرض طاهرا نظيفا غير نجس و لا قدر فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ أي من الصعيد. فإذا تبينت خلاصة معنى الآية يسهل عليك تدبر أحكامها التي نذكرها. و الغائط أصله المطمئن من الأرض و كانوا يبرزون إليه ليغيبوا عن عيون الناس ثم كثر ذلك حتى قيل للحدث غائط كناية بالتغوط عن الحدث في الغائط و قيل إنهم كانوا يلقون النجو في هذا المكان و ترميه الرياح إليه أيضا فسمي باسمه على سبيل المجاورة ثم كثر هاهنا حتى صار فيه حقيقة و إن استعمل فيما وضع له كان مجازا.

36

و اللمس يكون باليد ثم اتسع فيه فأوقع على الجماع. و التيمم القصد و قد صار في الشرع اسما لقصد مخصوص و هو أن يقصد الصعيد و نحوه و يستعمل التراب و ما في معناه في أعضاء مخصوصة. و الصعيد وجه الأرض من غير نبات و لا شجر و قال الزجاج الصعيد ليس هو التراب إنما هو وجه الأرض ترابا كان أو غيره من الأحجار و نحوها و إنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض. و قوله أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ معناه و إن كنتم مسافرين.

فصل

اعلم أنهم قالوا إن السفر في هذين الموضعين غير معتبر اعتبارا يخل به إذا حصل شرطه الذي قرنه الله بذلك و قيده به من قوله فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً و إنما ذكر لأن أكثر هذه الضرورات على الأغلب تكون في الحال السفر فإن حصلت في غيره فكمثله لهذا نظائر كثيرة كقوله وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ و ليس لكونهن في الحجور اعتبارا و إنما ذكر ذلك لكونه في أكثر الحالات كذلك. و قيل إن أو هاهنا بمعنى الواو كقوله أَرْسَلْنٰاهُ إِلىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ يعني و جاء أحد منكم من الغائط و ذلك لأن المجيء من الغائط ليس من جنس المرض و السفر حتى يصح عطفه عليهما فإنهما سبب لإباحة التيمم و الرخصة و المجيء من الغائط سبب لإيجاب الطهارة و التقدير و قد جاء من الغائط. و قوله أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ المراد به الجماع و كذا إذا قرئ أو لمستم و اللمس و الملامسة معناهما واحد لأنه لا يلمسها إلا و هي تلمسه و قيل المراد به اللمس باليد و غيرها و الصحيح هو الأول.

37

يروى أن العرب و الموالي اختلفتا فيه فقال الموالي المراد به الجماع و قال العرب المراد به مس المرأة فارتفعت أصواتهم إلى ابن عباس فقال غلب الموالي المراد به الجماع. و سمي الجماع لمسا لأن به يتوصل إلى الجماع كما سمي المطر سماء.

فصل

و قوله فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً راجع إلى المرضى و المسافرين جميعا مسافر لا يجد الماء و مريض لا يجد الماء أو من يوضئه أو يخاف الضرر من استعمال الماء لأن الأصل أن حال المرض يغلب فيها خوف الضرر من استعمال الماء و حال السفر يغلب فيها عدم الماء. فَتَيَمَّمُوا أي تعمدوا و تحروا و اقصدوا صعيدا. و قد ذكرنا أن الزجاج قال الصعيد وجه الأرض و هذا يوافق مذهب أصحابنا في أن التيمم يجوز بالحجر سواء كان عليه تراب أو لم يكن. و التيمم إنما يصح و يجب لفريضة الوقت في آخر الوقت و عند تضيقه لأن التيمم بلا خلاف إنما هو طهارة ضرورية و لا ضرورة إليه إلا في آخر الوقت و ما قبل هذه الحال لم تتحقق فيه ضرورة. و ليس للمخالف أن يتعلق بظاهر قوله فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا و بأنه لم يفرق بين أول الوقت و آخره لأن الآية لو كان له ظاهر يخالف قولنا جاز أن يخصه بإجماع الفرقة المحقة و بما ذكرناه أيضا كيف و لا ظاهر لها ينافي ما نذهب إليه لأنه تعالى قال يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ و أراد بلا خلاف إذا أردتم القيام إلى الصلاة كما قدمناه ثم أتبع ذلك حكم العادم للماء الذي يجب عليه التيمم فيجب على من تعلق بهذه الآية أن يدل على أن من كان في أول الوقت

38

له أن يريد الصلاة و يعزم على القيام إليها. فإنا نخالف في ذلك و نقول ليس لمن عدم الماء أن يريد الصلاة في أول الوقت و ليس لهم أن يفصلوا بين الجملتين و يقولوا إن إرادة الصلاة شرط في الجملة الأولى التي أمر فيها بالطهارة بالماء مع وجوده و ليست شرطا في الجملة الثانية التي ابتداؤها وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ و ذلك لأن الشرط الأول لو لم يكن شرطا في الجملتين لكان يجب على المريض أو المسافر إذا أحدثا التيمم و إن لم يردا الصلاة و هذا لا يقوله أحد. و التيمم إنما أوجبه الله عند عدم الماء حيث لم يجده الإنسان و معلوم أنه أراد من وجود الماء التمكن منه و القدرة عليه لأنه لو وجد الماء و لم يتمكن من الوصول إليه للخوف من السبع أو التلف على نفسه لم يكن واجبا عليه استعماله و لم يحسن أن يكون مرادا فعلم أنه إنما أراد التمكن و التمكن مرتفع بأحد الأشياء الثلاثة إما لعدم الماء مع الطلب له أو لعدم ما يتوصل إلى الماء من آلة أو ثمن أو لحائل بينه و بين الماء من الخوف من استعماله إما على النفس أو على المال و ما أشبه ذلك فالآية بمجردها تدل على جميع ذلك.

فصل

على أنا نحمل قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا على العموم في جميع الأوقات عنه عدم الأشياء الثلاثة المذكورة على بعض الوجوه فإن القاضي للصلوات المفروضات يتيمم عند حصول إحدى تلك الشرائط في كل حال و إن لم يكن وقت صلاة حاضرة و كذلك يتيمم من أراد أن يصلي صلاة نافلة في غير وقت فريضة أو في أول وقتها ثم يجوز أن يصلي بذلك التيمم فريضة الوقت في آخر وقتها

39

عند تضيقه إذا لم ينتقض حكم ذلك التيمم بحدث أو ما يجري مجراه و هو التمكن من استعمال الماء. و اختلف في كيفية التيمم على أقوال أحدها أنه ضربة للوجه و ضربة لليدين إلى المرفقين و هو قول أبي حنيفة و الشافعي و أكثر الفقهاء و به قال قوم من أصحابنا لحديث ورد للتقية. و ثانيها أنه ضربة للوجه و ضربة لليدين من الزندين و إليه ذهب عمار بن ياسر و مكحول و الطبري و هو مذهبنا في التيمم إذا كان بدلا من الجنابة فإن كان بدلا من الوضوء كفاه ضربة واحدة يمسح بها وجهه من قصاص شعره إلى طرف أنفه و يديه من زنديه إلى أطراف أصابعهما. و إنما وهم الراوي عن عمار في الضربة في اليدين للتيمم على كل حال لأنه روى التيمم الذي هو بدل من الجنابة و قصته معروفة و هي أنه و عمر كانا في سفر فاحتلما و لم يجدا الماء فامتنع عمر من الصلاة إلى أن وجد الماء و تمعك عمار في التراب و صلى إذ لم يعرفا كيفية التيمم فلما دخلا على رسول الله(ص)حكيا حالهما فتبسم(ع)و قال تمعكت كما تتمعك الدابة ثم علمه كيفية التيمم. و ثالثها أنه إلى الإبطين ذهب إليه الخوارج. و روى الزهري أن الله عفو يقبل منكم العفو السهل لأن في قبوله التيمم بدلا من الوضوء تسهيل الأمر علينا. و مسح الوجه بالتراب و ما يجري مجراه في التيمم إنما هو إلى طرف الأنف و مسح اليد على ظاهر الكف على ما قدمناه و الدليل عليه بعد إجماع الطائفة

40

قوله تعالى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ و دخول الباء إذا لم يكن لتعدية الفعل إلى المفعول لا بد له من فائدة و إلا كان عبثا و لا فائدة بعد ارتفاع التعدية إلا التبعيض و حكم التبعيض يسري من الوجوه إلى الأيدي لأن حكم المعطوف و المعطوف عليه سواء في مثل ذلك.

فصل

و المقيم إذا فقد الماء يتيمم كالمسافر لأن العلة في السفر فقدان الماء أ لا ترى أن السفر بانفراده لا يرخص التيمم فيه و إنما ذكر سبحانه السفر مع السببين للترخيص في التيمم على ما قدمناه لأن الغالب في السفر عوز الماء دون الحضر و بناء كلام العرب على الأغلب كثير. فإن قيل الآية ترخص للمحدث التيمم إذا فقد الماء فمن أين لكم أن من سواه ممن ذكرتموه يجوز له أيضا ذلك. قلنا قد قدمنا أن من المعلوم أنه تعالى أراد بوجود الماء التمكن من استعماله و القدرة عليه و التمكن مرتفع في المواضع كلها.

فصل

قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً يدل على أن المحبوس إذا لم يجد الماء و تيمم و صلى فلا إعادة عليه خلافا للشافعي. و إنما قلنا إنه لا يعيد لأنه إذا صلى فقد أدى فرضا بالاتفاق و إعادة الفرض لا تجب إلا بحجة و لا حجة على إعادة صلاة المحبوس بالتيمم من كتاب و لا سنة و لا إجماع.

41

و يستحب التيمم من ربى الأرض التي تنحدر المياه عنها فإنها أطيب من مهابطها قال تعالى صَعِيداً طَيِّباً و سمي صعيدا لأنه يصعد من الأرض و الطيب ما لم يعلم فيه نجاسة و طيبا أي طاهرا و قيل حلالا و قيل منبتا دون السبخة التي لا تنبت كقوله وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لٰا يَخْرُجُ إِلّٰا نَكِداً و العموم يتناول الكل. و تسمية التيمم بالطهارة حكم شرعي

لأن النبي(ص)قال جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا.

و لا يرفع الحدث بالتيمم سواء كان بدلا من الوضوء أو بدلا من الغسل و إنما يستباح به الصلاة عند ارتفاع التمكن من الطهارتين أ لا ترى أن الجنب إذا تيمم و صلى فإذا تمكن من الماء يجب عليه الاغتسال. و قال المرتضى رضي الله عنه يجب في نية التيمم رفع الحدث ليصح الدخول في الصلاة.

فصل

و قوله تعالى مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ معناه ما يريد الله فيما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة و من الغسل من الجنابة و التيمم عند عدم الماء أو تعذر استعماله ليلزمكم في دينكم من ضيق و لا ليفتنكم فيه و من الحرج الذي لم يرده الله تعالى بهم أن يغتسلوا حين يخافون منه تلف النفس.

42

ثم قال وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ أي لكن يريد الله ليطهركم بما فرض عليكم من الوضوء و الغسل من الأحداث و الجنابة أن ينظف به أجسامكم من الذنوب

كما قال النبي(ص)إن الوضوء يكفر ما قبله.

و قوله وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ معناه يريد الله مع تطهيركم من ذنوبكم أن يتم نعمته بإباحته لكم التيمم و بطاعتكم إياه فيما فرض عليكم من الوضوء و الغسل إذا قمتم إلى الصلاة مع وجود الماء و التيمم مع عدمه لتشكروا الله على نعمه فتستحقوا الثواب إذا قمتم بالواجب في ذلك.

فصل

و الله تعالى ما جعل علينا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ حتى أباح للمتيمم أن يصلي بتيممه صلوات الليل كلها من الفرائض و النوافل ما لم يحدث أو لم يتمكن من استعمال الماء. و يدل عليه قوله في آية الطهارة أنه أوجب الطهارة على القائم إلى الصلاة إذا وجد الماء ثم عطف عليه بالتيمم عند فقد الماء و الصلاة أتم الجنس و كأنه قال و الطهارة تجزيكم لجنس الصلاة إذا وجدتم الماء و إذا فقدتموه أجزأكم التيمم لجنسها. ثم كما لا تختص الطهارة بصلاة واحدة فكذلك التيمم. فإن قيل إن قوله إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ يدل على إيجاب الطهور أو التيمم إذا لم يجد الماء على كل قائم إلى الصلاة و هذا يقتضي وجوب التيمم لكل صلاة. قلنا ظاهر الأمر لا يدل على التكرار و لا على الاقتصار من فعل مرة واحدة فليس يجب تكرر الطهارة بتكرر القيام إلى الصلاة إلا بقرينة و دليل.

43

على أن السائل يذهب إلى أن الرجل لو قال لامرأته أنت طالق إذا دخلت الدار فلم يقتض قوله أكثر من مرة واحدة عند من يجيز الطلاق مشروطا و لو تكرر دخولها لم يتكرر وقوع الطلاق عليها

باب أحكام الطهارة من الآية الثانية التي هي من أمهات الطهارة أيضا

4/ 43

أما قوله تعالى في سورة النساء يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ فقد قيل في هذه الآية نيفا و عشرين حكما سوى التفريعات. و قالوا في سبب نزول هذه الآية قولان أحدهما قال إبراهيم إنها نزلت في قوم من الصحابة أصابهم جراح. الثاني قالت عائشة نزلت في جماعة منهم أعوزهم الماء. و ظاهر الخطاب متوجه إلى المؤمنين كلهم بأن لا يقربوا الصلاة و هم سكارى و لا يجب قصر الحكم على سببه بلا خلاف. و قرب يقرب متعد يقال قربتك و قرب يقرب لازم يقال قربت منه.

44

و أصل السكر سد مجرى الماء فبالسكر تنسد طريق المعرفة. و قوله وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ جملة منصوبة الموضع على الحال و العامل فيه تقربوا و ذو الحال ضميره. و قوله جُنُباً انتصب لكونه عطفا عليه و المراد به الجمع. و عٰابِرِي سَبِيلٍ منصوب على الاستثناء. و قوله عَلىٰ سَفَرٍ عطف على مَرْضىٰ أي مسافرين.

فصل

و معنى الآية لا تقربوا مكان الصلاة أي المساجد للصلاة و غيرها كقوله وَ صَلَوٰاتٌ أي مواضعها. و هذا أولى مما روي أن معناه لا تصلوا و أنتم سكارى لأن قوله إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ يؤكد الأول فإن العبور إنما يكون في المواضع دون الصلاة. و أَنْتُمْ سُكٰارىٰ فيه قولان أحدهما أن المراد به سكر النوم روى ذلك عن أبي جعفر الباقر ع. و الثاني أن المراد به سكر الشراب. حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ أي حتى تميزوا بين الكلام و حتى تحفظوا ما تتلون من القرآن. و قوله وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ فيه قولان أيضا

45

أحدهما أن معناه لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد و أنتم جنب إلا مجتازين و عٰابِرِي سَبِيلٍ أي مارين في طريق حتى تغتسلوا من الجنابة. و الثاني أن المراد به و لا تقربوا الصلاة و أنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين فيجوز لكم أداؤها بالتيمم و إن لم يرتفع حكم الجنابة فإن التيمم و إن أباح الصلاة لا يرفع الحدث. و القول الأول أقوى لأنه تعالى بين حكم الجنب في آخر الآية إذا عدم الماء فلو حملناه على القول الثاني لكان تكرارا و إنما أراد تعالى أن يبين حكم الجنب في دخول المساجد في أول الآية و يبين حكمه في الصلاة عند عدم الماء في آخر الآية. و قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ قد بينا أنه نزل في أنصاري مريض لم يستطع أن يقوم فيتوضأ. و المرض الذي يجوز معه التيمم مرض الجراح و الكسر و القروح إذا خاف أصحابها من مس الماء و قيل هو المرض الذي لا يستطيع معه تناول الماء أو لا يكون هناك من يناوله على ما قدمناه و المروي عن الأئمة(ع)جواز التيمم في جميع ذلك لأنه على العموم. و المراد بقوله لمستم و لٰامَسْتُمُ الجماع ليكون بيانا لحكم الجنب عند عدم الماء كما بين حكم الجنب في حال وجود الماء بقوله وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا و بين أيضا حكم المحدث عند عدم الماء بقوله أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ.

46

فصل

يسأل عن قوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ فيقال كيف يجوز نهي السكران في حال السكر مع زوال العقل. و يجاب عنه بأجوبة أحدها أن النهي إنما ورد عن التعرض للسكر في حال وجوب أداء الصلاة عليهم على التخصيص و إن وجب ذلك قبله كما قال تعالى بعد ذكر الأشهر الحرم فَلٰا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ و إن وجب ذلك في غيرها من الأشهر. و الثاني أنه قد يكون سكران من غير أن يخرج من حد نقصان العقل إلى ما لا يحتمل الأمر و النهي. و الثالث أن النهي إنما دل على أن إعادة الصلاة واجبة عليهم إن أدوها في حال السكر و لا تصح لو كان الخمر على ثوبه أو بدنه. و قد سئل أيضا فقيل إذا كان السكران مكلفا فكيف يجوز أن ينهى عن الصلاة في حال سكره مع أن عمل المسلمين على خلافه. و أجيب عنه بجوابين أحدهما أنه منسوخ على حد قول من زعم أن قليل الخمر لم يكن شربه حراما بحيث لم يسكر. و الآخر أنهم لم يؤمروا بتركها لكن أمروا بأن يصلوها في بيوتهم و نهوا عن الصلاة مع النبي(ص)في جماعة تعظيما له و توقيرا للمسجد. و لا يصح من السكران شيء من العقود كالنكاح و البيع و الشراء و غير ذلك على بعض الوجوه و لا رفعها كالطلاق و العتاق.

47

فأما ما يلزم به الحدود و القصاص فإنه يلزمه جميع ذلك يقطع بالسرقة على كل حال إذا تمت شرائط السرقة و كذا يحد بالقذف و الزناء لأنه السبب لذلك و لعموم الآيات المتناولة لذلك على ما نذكره.

فصل

على أن من كان مكلفا يلزمه الصلاة على كل حال و إنما حسن أن ينهى عن الصلاة من على ثوبه أو بدنه نجاسة مع أنه مكلف و الخمر نجس فالنهي على هذا متوجه إليه في حال يكون عليه. و معنى الآية أنه خاطب المؤمنين و لا سكر و قال لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ في المستقبل وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ و إذا كان كذلك فيجب أن يكون منعا مما يؤدي إلى السكر و على هذا قال السلف إن الله حرم بهذه الآية المسكر ثم حرم القليل و الكثير منه في المائدة كما ذكر هاهنا بعض أحكام الطهارة و بينها في المائدة. و معنى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ لا تصلوا و لا تقرب الشيء أبلغ في النهي من لا تفعله. و قد ذكروا أن قوله وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ جملة من مبتدأ و خبر في موضع الحال لأنه لم ينههم عن الصلاة مطلقا إنما نهاهم عن السكر الذي لا يفهم معه القول أي إذا كنتم بهذه الحالة فلا تصلوا و المراد تجنبوا الصلاة في هذه الحالة. و قوله حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ غاية للحال التي نهي عن الصلاة فيها فكأنه قال لكن إذا كنتم من السكر في حالة تعلمون معه معنى ما تقرءون في صلاتكم أو لفظه فصلوا. و قد بينا أن قوله وَ لٰا جُنُباً إنما نصب على الحال عطفا على محل وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ أي لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد لا مجتازين في حال السكر

48

و لا مجتازين في حال الجنابة و هو قول أبي جعفر(ع)و حذف لدلالة الكلام عليه و هو الأقوى لأنه تعالى بين حكم الجنابة في آخر هذه الآية إذا عدم الماء فلو حملناه على ذلك لكان تكرارا و إنما أراد أن يبين حكم الجنب في دخول المساجد في أول الآية و حكمه إذا أراد الصلاة مع عدم الماء في آخرها. و بهذه الآية و بالآية التي تقدم ذكرها من المائدة يستدل على تحريم الخمسة الأشياء على الجنب على ما ذكرناه.

فصل

و قوله أو لمستم المراد بالقراءتين في الآيتين الجماع و اختاره أبو حنيفة أيضا أ لا ترى إلى قوله وَ لَوْ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ كِتٰاباً فِي قِرْطٰاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ خصص باليد لئلا يلتبس بالوجه الآخر. و كل موضع ذكر الله تعالى المماسة أراد به الجماع كقوله مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا و كذلك الملامسة. و قال بعضهم من قرأ بلا ألف أراد اللمس باليد و غيرها مما دون الجماع و اختاره الشافعي و الصحيح هو الأول.

" و عن ابن عباس إذا حمل عٰابِرِي سَبِيلٍ على المسافرين كان تكرارا فيجب أن يحمل على الاجتياز بالمساجد إلى الاغتسال إذا لم يتوصل إلى الماء إلا به.

و قال عبد الله و الحسن يمر به إلى الماء و لا يجلس فيه. و قيل إن ما توهموه من التكرير غير صحيح لأن المكرر إذا علق به حكم

49

آخر لم يفهم من الأول كان حسنا و قد ذكر معه التيمم فلم يكن تكريرا معيبا و الأول أولى. و قال قوم إن في التيمم جائز أن يضرب باليدين على الرمل فيمسح به وجهه و إن لم يعلق بها شيء و به نقول. و الشافعي يوجب التيمم لكل صلاة و يرويه عن علي(ع)و ذلك عندنا محمول على الندب. و قوله يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يدخل تحته النساء أيضا لأنه لا خلاف إذا اجتمع المذكر و المؤنث يغلب المذكر. و قوله إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمٰاتِ الآية إنما ذكر إزالة للشبهة فإن أم سلمة قالت يا رسول الله الرجال يذكرون في القرآن و لا تذكر النساء فنزلت الآية.

فصل

56/ 79

و الجنب لا يجوز أن يمس القرآن و هو المكتوب في الكتاب أو اللوح لقوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ و كذا كل من يجب عليه غسل واجب. و الضمير في لٰا يَمَسُّهُ يرجع إلى القرآن لا إلى الدفتر لقوله تَنْزِيلٌ مِنْ

50

رَبِّ الْعٰالَمِينَ حظر الله مس القرآن مع ارتفاع الطهارة. فإن قيل هذا يلزمكم أن لا تجوزوا على من ليس على الطهارة الصغرى أيضا أن يمس القرآن. قلنا و كذلك نقول و إنما يجوز له أن يمس حواشي المصحف و أما نفس المكتوب فلا يجوز. و كذلك لا يمس كتابه شيء عليه اسم الله أو أسماء أنبيائه و أسماء أئمته ع. و يجوز للجنب و الحائض أن يقرءا من القرآن ما شاءا إلا عزائم السجود الأربع و الدليل عليه زائدا على إجماع الفرقة قوله فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ

فأما الحديث ما كان يحجب رسول الله عن قراءة القرآن إلا الجنابة

فهو الكراهة. و ظاهر عموم ذلك يقتضي حال الجنابة و غيرها فإن ألزمنا قراءة السجدات قلنا أخرجناها بدليل و هو إجماع الطائفة و أخبارهم. و يمكن أن يكون هذا الفرق بين عزائم السجود و غيرها أن فيها سجودا واجبا و السجود لا يكون إلا على طهر ذكره بعض أصحابنا. و هذا ضعيف لأن العلة لو كان ذلك لما تجاوز موضع السجود إلا أن يقال النهي عن قراءة تلك السور الأربع لحرمتها الزائدة على غيرها و النهي الوارد في الأحاديث بقراءة القرآن للجنب ففي السور الأربع على الحظر و فيما عداها على الكراهة

51

باب الحيض و الاستحاضة و النفاس

2/ 222

قال الله تعالى وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ. و سبب نزول هذه الآية أنهم كانوا في الجاهلية يجتنبون مؤاكلة الحائض و مشاربتها حتى كانوا لا يجالسونها في بيت واحد فسألوا رسول الله(ص)عن ذلك و استعلموا ذلك أ واجب هو أم لا فنزلت الآية. و قيل كانوا يستجيزون إتيان النساء في أدبارهن أيام الحيض فلما سألوا عنه بين تحريمه و الأول أقوى. و قالوا إن في هذه الآية خمسة عشر حكما و زاد بعضهم. و المحيض و الحيض مصدر حاضت المرأة و المحيض في الآية تصلح للمصدر و الزمان فتقدير المصدر يسألونك عن حيض المرأة ما حكمه من المجامعة و غيرها و تقدير الزمان يسألونك عن حال المرأة وقت الحيض ما حكمها في مجامعة الرجل

52

إياها و السائل أبو الدحداح فيما روي. و صفة الحيض هو الدم الغليظ الأسود الذي يخرج بحرارة على الأغلب. و أقل الحيض ثلاثة أيام متواليات و لا يعتبر التوالي فيها بعض أصحابنا إذا لم يكن بين بعض الأيام الثلاثة و بين بعض عشرة أيام و كلاهما على الإطلاق غير صحيح لأن غير التتابع في ثلاثة الأيام إنما يكون في الحبلى لم يستبن حملها و التتابع لمن عداها على ما ذكره في الإستبصار. و أكثر الحيض عشرة أيام و عليه أهل العراق و الحسن. و أقل الطهر عشرة أيام و خالف الجميع و قالوا خمسة عشر. و أما المستحاضة فهي المرأة التي غلبها الدم فلا يرقأ و السين هاهنا للصيرورة أي صارت كالحائض. و الاستحاضة دم رقيق أصفر بارد على الأغلب و هي بحكم الطاهر إذا فعلت ما عليها. و قال قوم تغتسل مرة ثم تتوضأ لكل صلاة و قال قوم تغتسل عند كل صلاة. و عندنا لها ثلاثة أحوال إن رأت الدم لا يظهر على القطنة فعليها تجديد الوضوء لكل صلاة و إن ظهر الدم على القطنة و لا يسيل فعليها غسل لصلاة الغداة و تجديد الوضوء لباقي الصلوات و إن ظهر الدم عليها و سال فعليها ثلاثة أغسال عند الغداة و الظهر و المغرب. و حكم النفاس حكم الحيض إلا في الأقل فليس حد لأقل النفاس. و هذا يعلم بالإجماع و السنة تفصيلا و بالكتاب جملة قال تعالى مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ.