الدروس الشرعية في فقه الإمامية - ج1

- الشهيد الأول المزيد...
501 /
3

[مقدمة التحقيق]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

اللهم نحمدك حمد الحامدين، و نصلي و نسلم على أشرف الخلق أجمعين محمد و على آله الطيبين المنتجبين اولي الأمر الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.

و بعد، لا يخفى على بغاة العلم و طلاب الهدى أن العلوم تختلف أهميتها و مكانتها باعتبار أهمية و مكانة موضوعها، و أن لعلم الفقه المكانة السامية و الأهمية الخاصة، حيث إن موضوعه القوانين الشرعية و الأحكام الإلهية التي قننها و شرعها الرب الحكيم لتنظيم مسيرة الإنسان و حياته على هذه البسيطة.

و لأجل هذا نجد أن المئات من علمائنا العظام و فقهائنا الكرام قد سعوا جاهدين، باذلين كل غال و نفيس في سبيل تبيين هذه الأحكام و نشرها و صبها في قوالب كتابية بعد تبويبها و ترتيبها بشكل يحفظ لهذه الأحكام قدسيتها و يسهل للوارد الغرف من نميرها.

و من تلكم الكتب القيمة السفر الذي نحن بصدده «الدروس الشرعية في فقه الإمامية» لمصنفه الحبر الجليل و الشهيد القتيل المولى شمس الملة و الدين أبي عبد الله محمد بن مكي العاملي(قدس سره الشريف) من علماء القرن الثامن الهجري. و هو بمثابة المختصر لكتابيه الشهيرين «الذكرى» و «البيان» و قد كتبه لولديه(رحمهم الله جميعا).

4

و لما كان هذا الكتاب (1) غير جامع لأبواب الفقه كلها اقترح سماحة آية الله السيد موسى الزنجاني(دام ظله) أن نلحق به كتاب «تكملة الدروس» للعالم الجليل السيد جعفر بن أحمد الملحوس الحسيني(قدس سره) فتعميما للفائدة عملنا بما اقترحه (حفظه الله تعالى).

و إحياء لهذا التراث الفخم تصدت مؤسستنا- و الحمد لله- لطبعه بهذه الطبعة الحديثة بعد مقابلته مع النسخ الخطية المتوفرة و تحقيقه تحقيقا دقيقا و استخراج منابعه و تنظيم فهارس فنية واسعة له، و نشره بهذه الصورة الأنيقة.

و الجدير بالذكر أن سماحة العلامة الشيخ محمد مهدي الآصفي- (حفظه الله تعالى)- قد كتب سابقا عن حياة الشهيد الأول(قدس سره) و قد طبع في أول شرح اللمعة الذي نشره سماحة السيد محمّد كلانتر(سلمه الله تعالى)رأينا من المناسب أن ندرجه في هذا السفر الجليل مع تصرف جزئي بعد أخذ الإجازة من سماحته.

و لا يسعنا أخيرا إلا و أن نتقدم بجزيل شكرنا للإخوة في لجنة التحقيق سيما الشيخ علي الدباغ و الشيخ كامل السنجري و السيد علي الطباطبائي و غيرهم من الاخوة الذين ساعدونا في إخراج هذا الكتاب، سائلين الله لهم و لنا مزيد التوفيق في خدمة تراث العترة الطاهرة (صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين) إنه خير ناصر و معين.

مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

____________

(1) قال المحدث النوري (قدس سره): «إن كتابه الشريف المسمى بالدروس غير تام لا يوجد فيه من أبواب الفقه: الضمان، العارية، الوديعة، المضاربة، الإجارة، الوكالة، السبق و الرماية، النكاح، الطلاق، الخلع، المبارأة، الإيلاء، الظهار، العهد، الحدود، القصاص، الديات. و نهض لإكماله و إتمامه العالم الجليل السيد جعفر الملحوس. يظهر من هذا الكتاب علو فهمه و تبحره و استقامته.». (مستدرك الوسائل: الفائدة الثالثة من خاتمته ص 439).

5

حياة الشهيد الأول

تمهيد:

حياة الشهيد الأول الفقيه الأعظم (محمد بن مكي) العاملي الجزيني متشعبة الأطراف، بعيدة الغور، لا يكفي لدراستها و استعراضها هذا العرض السريع، و اللمسات الخفيفة التي لا تمس من حياة الرجال غير ظواهر سطحية من حياتهم، يعرضها التأريخ بتفصيل، أو يلمح إليها بإجمال.

فقد جدد الفقيه الأعظم الشهيد الأول مدرسة في الفقه لها أبعادها و حدودها و سماتها الخاصة التي تميزها عن المدارس الفقهية السابقة عليها.

و خاض غمار السياسة، و اشتبك مع الاتجاهات السياسية المعارضة في وقته، فأيده ناس من المؤمنين، و عارضة آخرون من المخالفين و حاربته فئة، و اعترضت سبيله طائفة أخرى، و استدعاه حاكم خراسان و اعتقله حاكم دمشق، و قتله في النهاية في حديث مشجي.

فقد كان له أثر كبير إذا على الحياة الثقافية و الفكرية، و على الحياة السياسية في وقته.

و يزيد في أهمية ذلك كله أنه كان يمثل في الجانبين معا: الجانب الفكري، و الجانب السياسي اتجاها فكريا خاصا.

كان يلقى المعارضة كل المعارضة من قبل الواجهات السياسية و الفكرية في وقته، باعتباره مذهبا فكريا و سياسيا خطرا على الكيان الاجتماعي القائم في

6

وقته، و على الجهاز الحاكم بصورة خاصة.

فكان دائما في مجالسه و محافله و اتصالاته و ما يجري بينه و بين الآخرين من حديث محفوفا برقابة قاسية من قبل السلطة، كما كان هو- قدس الله نفسه- على حذر دائم، و حيطة مستمرة من أن تأخذ عليه السلطة فلتة سياسية تحتج بها عليه في إثبات المعارضة للجهاز الحاكم.

و من ذلك تعرف الصعوبات التي واجهها (الشهيد الأول) في تثبيت و دعم (الكيان المذهبي) الذي كان يؤمن به فكريا و سياسيا، و ما كان يلقى من عنت و أذى و جهد متواصل مرير في سبيل ذلك، إلى أن أمتحن في ذات نفسه فقتل شهيدا، و صلب بعد القتل، و أحرق بعد الصلب.

فحياة الشهيد الأول إذا أعمق من هذه السطحية، و الظواهر التي يتناول مترجموه حياته بها.

و لا يتيسر للباحث أن يدرس شخصية الفقيه المترجم له و أثره في الحركة الفكرية، و السياسية المعارضة من دون أن يدرس عصر الشهيد الأول و بيئته، و البلاد التي كان ينتقل فيها، طالبا للعلم، و حاملا له، و باحثا عن الحق، و داعيا اليه، و مستوى الثقافة و الفكر في عصر الشهيد الأول و لدى شيوخ الشهيد الذي كان يتصل بهم بدء حياته الدراسية، و يأخذ عنهم العلم.

و من دون ذلك لا يتيسر للباحث أن يلمس بوضوح أبعاد الأثر الذي تركه الفقيه الأعظم (الشهيد الأول) من الدراسات الفقهية، كما لا يستغني الباحث أن يدرس الاتجاهات السياسية في عصره، و حدودها و معارضاتها ليستطيع أن يدرس موقف الفقيه الأعظم (الشهيد الأول) من هذه الحركات و الأثر الذي تركه من تكوين الواجهة المعارضة للسلطة و الجهد الذي تحمله في سبيل ذلك.

إذا فحديثنا عن حياة (الشهيد الأول) ينقسم إلى جانبين: ندرس في الجانب الأول شخصية الشهيد الفكرية، و أثره في تطور الفقه الإسلامي.

7

و في الجانب الثاني نبحث عن حياة الشهيد السياسية، و موقفه من الحركات المعارضة، و أثره في تكوين الكيان السياسي الذي كان يدعو اليه كفقيه شيعي كبير.

أما الحديث عن ولادة الفقيه الشهيد و نسبه و أولاده و حياته الخاصة مما لا يتصل بهذين الجانبين فنتركه إلى كتب التأريخ و التراجم، و الرسائل المستقلة التي تناولت حياة الشهيد الأول.

1- نشأته الفكرية

موطنه:

للبيئة التي يفتح عليها الإنسان عينيه، و ينشأ فيها، و يتلقى فيها مبادئ الثقافة و التفكير أثر كبير في صياغة الشخصية و تكوينها، و مهما كانت قابلية الشخص و مؤهلاته فلا بد أن يتأثر بالبيئة التي ينشأ فيها، و يندمج بها فكريا و عاطفيا.

و لذلك فلا يمكن للباحث أن يفصل الشخصية التي يريد أن يدرسها عن البيئة التي نشأ فيها، و المؤثرات البيئية التي تدخلت في تكوينها و صياغتها و قد فتح فقيهنا المترجم له ناظريه لأول مرة على (جزين) (1) من (جبل عامل) (2).

في بيت من بيوت العلم و الدين (3) في هذا القطر و تلقى فيها مبادئ العلوم العربية و الفقه.

____________

(1) جزين بفتح الجيم: قرية من جبل عامل تقع في الجنوب من جبل لبنان.

(2) جبل عامل: جزء من بلاد سوريا الكبرى يقع في جنوب لبنان و يسمى بعاملة نسبة إلى عاملة بن سبإ الذي رحل من اليمن و سكن جبالا من لبنان فأطلق عليها اسم العاملة فيما بعد.

(3) كان جد الشهيد الأول الشيخ (أحمد بن طي) الجزيني والده الشيخ (مكي بن محمد) الجزيني من علماء و أعيان هذه المنطقة.

8

و قد كان لبيئة جبل عامل و جزين بنحو خاص أثر في تكوين شخصية الشهيد الأول: فقد كان (جبل عامل) منذ ولادة فقيهنا المترجم له إلى الوقت الحاضر مركزا من مراكز الاشعاع في مجال الفكر الإسلامي و لا سيما في الدراسات الفقهية و الأدبية.

و رغم أن المنطقة صغيرة في حد ذاتها، فقد قدمت للعالم الإسلامي على مدى تاريخها المشرق رجالا من ذوي الكفاءة و الثقافة الراقية في مجالات الفكر الإسلامي.

و يكفي أن يتصفح الإنسان كتاب (أمل الآمل) و ما الحق به من مستدركات و تكملات، ليلمس أهمية هذا القطر من الناحية الفكرية و الفقهية بصورة خاصة.

و مجتمع عاملة بشكل عام مجتمع فكري، يطبع حياتها طابع الحياة الجامعية.

فهناك في عاملة تكثر الندوات العلمية، و الحلقات الدراسية و مجالس البحث و المناقشة. و حتى في المجالس العامة يطغى حديث العلم و الأدب على أي لون آخر من ألوان الحديث، و تكثر المساجد بينهم و تعاطي الشعر المرتجل الذي يخلو من أي تكلف و صنعة.

و قد تكون الصورة التقريبية التي يعطيها الشيخ (الحر العاملي) في كتابه (أمل الآمل) لموقعية هذا القطر من الناحية الثقافية أقرب من غيرها في إعطاء فكره مجملة عن هذا القطر.

يقول (الشيخ الحر العاملي (رحمه الله)): «إن علماء الشيعة في جبل عامل يبلغون نحو الخمس من علماء الشيعة في جميع الأقطار مع أن بلادهم أقل من عُشر عُشر بلاد الشيعة.

في مثل هذه البيئة نشأ الشهيد الأول، و فتح عينيه على الحياة فخالط العلماء، و ارتاد المجالس و الندوات العلمية التي كانت تعقد في أطراف هذا

9

القطر: و اشترك في حلقات الدراسة التي كانت تُعقد في المساجد و المدارس و البيوت، و تعاطى فيها طرفا من العلم، و ساهم فيما كان يدور بين الأساتذة و الطلاب، أو بين الطلاب أنفسهم: من خلاف و شجار يحتد حينا، و يلين آخر و كون لنفسه بمرور الزمن آراء خاصة في مسائل الفقه و الأدب، و إعانته على ذلك ثقافته الشخصية، و مؤهلاته الفكرية، و قريحته الوقادة.

و لا نعلم شيئا صحيحا عن بداية أمر هذا القطر، و ظهور الحركة الفكرية الشيعية فيها، إلا أنا نعلم أن الصحابي الجليل (أبا ذر) رضي الله عنه لما نفي إلى (الشام) في عهد (عثمان بن عفان) نزل هذا القطر، و اتخذ لنفسه فيه مقامين في قريتي (الصرفند) على ساحل البحر الأبيض و (مخاليس الجبل) في الجهة الجنوبية الشرقية من جبل عامل على رابية تطل على الأردن و لا يزال هناك مسجدان في هاتين القريتين تعرفان باسمه.

و في غالب الظن أن التشيع انبثق من هذين المقامين، و من أيام نزول (أبي ذر) بجبل عامل بالذات (1).

فأصبح و هو لم يتجاوز بعد المراحل الاولى من دراسته يشار اليه بالفضل و العلم، و ينبأ له بمستقبل رفيع في مجالات الثقافة و الفكر.

و في البيت كان يجد من والده الشيخ (مكي جمال الدين) دافعا قويا لممارسة الدراسة، و باعثا على التفكير و الدرس، كما كان يجد من المجالس التي كانت تعقد في بيتهم بين حين و آخر، و يحضرها نفر من العلماء المرموقين في المنطقة مجالا خصبا للتفكير و المناقشة و إبداء الرأي.

كذلك نشأ شيخنا الفقيه المترجم له في بيئة (عاملة)، يجلس إلى حلقاتها، و يرتاد مجالسها، و يشترك فيما يجري فيها من نقاش و جدال و يستمع إلى العلماء

____________

(1) لاحظ تاريخ جبل عامل: محمد جابر آل صفا. ص 233.

10

من مدرسيه.

و بهذا الشكل استطاع و هو يقطع المرحلة الاولى من نشأته الفكرية أن برز بشكل ملحوظ في مجال العلم و الأدب بين أقرانه و أترابه.

رحلاته و شيوخه:

لم يقتصر الشهيد الأول على الثقافة التي تلقاها في مسقط رأسه (جزين) و إنما تجاوزها إلى أقطار بعيدة و قريبة أخرى من (مراكز الفكر الإسلامي) في ذلك العهد.

و أهم هذه الأقطار التي شد إليها الشهيد الأول الرحال لتلقي العلم أو الإفادة هي (الحلة و كربلاء و بغداد و مكة المكرمة و المدينة المنورة و الشام و القدس).

و كانت هذه الأقطار في القرن الثامن الهجري من أهم مراكز الثقافة الإسلامية، و لا سيما الحلة، فقد كانت يومذاك مركزا فكريا كبيرا من مراكز الثقافة الإسلامية الشيعية، و منطلقا للحركة العقلية في أوساط العالم الإسلامي.

و قد تكرر سفر الشهيد الأول إلى (الحلة) و تلقى العلم فيها على يد شيوخ كبار، و أساتذة مرموقين من أمثال (فخر المحققين) ابن (العلامة الحلي)، و غيرهم.

و إذا كانت (الحلة و كربلاء المقدسة و بغداد) تعتبر ذلك اليوم مراكز للفقه الشيعي، و الدراسات الشيعية فقد تكررت زيارات الشهيد للحرمين الشريفين، حيث كان طابع الفكر فيها جميعا طابعا سنيا.

و اتيح (للشهيد الأول) عن طريق هذه الاسفار أن يندمج في اطر ثقافية مختلفة، و يعيش وجوها مختلفة من الفكر، و يتفاعل من الاتجاهات الفكرية المتضاربة. فكان على صلة وثيقة بالاتجاهات الفكرية السنية، و على معرفة

11

تامة بآرائها و أفكارها، كما كان على صلة وثيقة، و معرفة تامة بمشيخة الرواية و الفقه و الكلام من أعلام السنة، مما يدل على أنه في أسفاره كان يخالط كثيرا من (أقطاب المذاهب الإسلامية) الأخرى، و لم يكن ممن ينطوي فكريا على نفسه.

و يدل على ذلك قوله في إجازته لابن الخازن:

و أما مصنفات العامة و مروياتهم فاني أروي عن نحو أربعين شيخا من علمائهم بمكة و المدينة، و دار السلام بغداد، و مصر و دمشق و بيت المقدس، و مقام إبراهيم الخليل.

فرويت صحيح البخاري عن جماعة كثيرة بسندهم إلى البخاري.

و كذا صحيح مسلم، و مسند أبي داود، و جامع الترمذي، و مسند أحمد، و موطإ مالك، و مسند الدارقطني، و مسند ابن ماجة، و المستدرك على الصحيحين للحاكم ابن عبد الله النيسابوري، إلى غير ذلك.

و هذا النص يعيننا كثيرا على معرفة شخصية الشهيد العلمية.

فقد يظهر أنه سافر إلى كثير من (مراكز الفكر الإسلامي السني) كبغداد و مصر و القدس و الحرمين، و غيرها، و لم يمنعه اختلافه الفكري مع المدرسة السنية أن يحشر نفسه فيهم، و يتلقى منهم، و يلقي إليهم و يتفاعل معهم.

و لم تكن رحلاته المتكررة و الطويلة الى هذه الأقطار لغرض السياحة أو التجارة، أو الترويح عن النفس، و إنما كان لغرض فكري خالص فكان كثير التردد على مجالس السنة و حلقاتهم، و كثير المطالعة لكتبهم و وثيق الاتصال بشيوخهم.

و يشعرنا النص ثانيا أنه تلقى من (مشايخ السنة) أمهات الكتب الحديثية و الفقهية التي يتعاطاها أئمة السنة: من الصحاح، و المسانيد و السنن، و غيرها.

و هذا يدل على أن (الشهيد الأول (رحمه الله)) كان يملك عقلية ناضجة

12

متفتحة لا تنطوي على اطار فكري خاص، و لا يقتصر على لون من التفكير، مما يندر وجود مثله عند عامة العلماء و المفكرين.

و نحن نستطيع أن نعتبر هذه الظاهرة: ظاهرة رحلات الشيخ و اتصاله بعلماء السنة مفيدا و مستفيدا: مفتاحا لدراسة شخصية الإمام الشهيد الأول.

شيوخه و أساتذته:

يستطيع الباحث أن يلمس شخصية (الشهيد الأول) الفكري من استعراض شيوخ الفكر و العلم الذين اتصل بهم، و أخذ عنهم، و حضر مجالسهم منذ نعومة أظفاره إلى أن انتقل إلى جزين، و أسس فيها مدرسته الشهيرة التي تعتبر الاولى من نوعها في هذه المنطقة.

و لم يقتصر اتصال الشهيد بشيوخ الفكر في عصره على شخص خاص أو على قطر خاص، أو على نمط خاص من التفكير.

فسوف نجد أن (الشهيد الأول) اتصل بألوان مختلفة من الفكر و ارتاد مختلف مراكز الحركة العقلية في (الوطن الإسلامي) في وقته و اتصل بمختلف العلماء و المفكرين.

و عن طريق هذا التفاعل الفكري و التلاقح قدر لشيخنا الشهيد أن يكون لنفسه شخصية ثقافية مرموقة.

شيوخه في جزين:

في (جزين) مسقط رأس الشهيد، تلقى شيخنا الشهيد و مبادئ العلم و التفكير، و أنس بحديث العلم و العلماء، و لازم مجالسهم، و اعتنى بكل ما يتصل بشؤون الفكر و الأدب، فدرس على والده الشيخ (جمال الدين مكي) بن الشيخ محمد شمس الدين، و تلقى عنه مبادئ العربية و الفقه.

13

و كان والد الشهيد تلمذ على الشيخ (طوقان العاملي) و روى عنه و كان يعرف بالفضل و العلم في المنطقة.

و تلمذ الشهيد كذلك في جزين على الشيخ (أسد الدين الصائغ) الجزيني أبو زوجته و عم أبيه، و كان هذا عالما كبيرا يتقن ثلاثة عشر علما من العلوم الرياضية (1).

و في غالب الظن أنه تلقى من أستاذه الصائغ مبادئ في الرياضيات و العلوم العقلية، كما تلقى من أبيه مبادئ في العربية و الفقه.

شيوخه في الحلة:

هاجر الشهيد الأول إلى (الحلة) من (جزين) بجبل عامل و هو بعد لم يتجاوز السابع عشرة من عمره، فقد أجازه (فخر المحققين) بداره بالحلة أن يروي عنه بتاريخ 20 شعبان سنة 751 ه، و إذا علمنا أن ولادة الشهيد كانت في سنة 734 ه، علمنا أن بداية اتصال الشهيد به كانت قبل أن يبلغ السابع عشرة من عمره.

و (الحلة) كانت يومها مركزا كبيرا من مراكز الحركة العقلية في الأوساط الإسلامية الشيعية، تؤمها البعثات العلمية من مختلف اجزاء (الوطن الإسلامي) و لا سيما (البلدان الشيعية).

و كانت تحفل في وقته برجال كبار من علماء الشيعة أمثال (العلامة الحلي) و ولده (فخر المحققين) و (ابن نما) و (ابن أبي الفوارس) و غيرهم ممن تعرف قسما منهم في مشيخة الشهيد فيما يأتي من حديث.

و توسعت (الحلة) و زادت أهميتها و اتجهت الانظار إليها أكثر من ذي قبل

____________

(1) أعيان الشيعة: ج 11، ص 129.

14

بعد ما أصيبت (بغداد) بنكبة (المغول) و شردوا أهلها و أمعنوا في التدمير و الخراب (1)، فهاجر العلماء من بغداد إلى الحلة و انتقلوا إليها و ألقوا فيها رحالهم، فكثرت فيها المدارس و المكاتب و حفلت العلماء، و أصبحت مركزا مرموقا من مراكز الحركة العقلية في الأوساط الإسلامية.

و لو لا وجود (الحلة) بجوار (بغداد) و انتقال بقايا الحركة العقلية من بغداد إلى الحلة و عناية (المحقق الطوسي) و تلميذه (العلامة الحلي) و ولده (فخر المحققين) بشؤون الفكر الإسلامي، و المحافظة على ما تبقى من الثقافة الإسلامية، لما بقي لنا شيء من هذا التراث الفكري الضخم الذي نتداوله اليوم فيما بين أيدينا من كتب الفقه و الحديث و التفسير و العلوم العقلية و الأدبية.

1- فخر المحققين:

و في هذه الفترة من ازدهار الحركة العقلية، و النشاط الثقافي بالحلة انتقل الشيخ الشهيد، و هو بعد شاب لم يتجاوز دور المراهقة إلى هذه المدينة، و اتصل بالعلامة فخر المحققين (2) ابن العلامة الحلي، و حضر دروسه و أبحاثه، و درس

____________

(1) قال مؤلف تاريخ العراق بين احتلالين:

و أثناء حصار بغداد كان قد أتى نفر من العلويين و أعاظم أهل الحلة و علمائها فالتمسوا أمانا من هولاكو فأرسل إليهم (بوكله) و أمير نجلى النخجواني، و أرسل في أثرهم بوقاتيمور و هو أخ أولجاي خاتون ليمتحنوا إخلاص أهل الحلة و الكوفة، فاستقبلوهم و جيوشهم استقبالا باهرا، و نصبوا جسرا على الفرات لعبورهم، و فرحوا بوصولهم، و أظهروا مزيد السرور، رأى بوقاتيمور إخلاصهم و ثباتهم فرحل. تاريخ العراق بين احتلالين الجزء 1 ص 205- 206.

(2) فخر المحققين أبو طالب محمد بن حسن بن يوسف بن المطهر من وجوه الطائفة و أعيانها، رزق حظا وافرا من العلوم العقلية و النقلية و نشأ على يد أبيه (العلامة الحلي)، و قرأ عليه مختلف العلوم العقلية و النقلية، و بلغ مرتبة الاجتهاد أو ما يقرب منه و هو لم يتجاوز بعد العاشرة من عمره، أكمل بعض كتب والده العلامة الحلي كالألفين و غيره، و شرح البعض الآخر كالقواعد.

و قد أثنى عليه علماء الطائفة ثناءا بالغا مما يدل على علو مقامه و سمو مكانته.

قال عنه الشيخ الحر العاملي: كان فاضلا محققا فقيها ثقة جليلا و قال عنه مؤلف روضات الجنات:

زين المجتهدين شيخنا الغالب أبو طالب محمد بن العلامة جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر الحلي الملقب عند والده بفخر الدين، و في سائر مراصيده و موارده بفخر المحققين، و رأس المدققين، و حسب الدلالة على مكانته في العلوم الحقة، و نهاية جلالته في هذه الطائفة المحقة شدة عناية والده المسلم عند جميع علماء الإسلام و قيامه به، مع انه أبوه بحق احترامه و ثناؤه به، و دعائه له في كثير من مؤهلاته و مصنفاته، و التماسه الدعاء منه.

و قال المحقق القمي في حقه في الكنى و الألقاب، جزء 3:

وجه من وجوه هذه الطائفة و ثقاتها، جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، كثير العلم، وحيد عصره، و فريد دهره، جيد التصانيف حاله في علو قدره، و سمو مرتبته و كثرة علومه أشهر من أن يذكر و كفى في ذلك أنه فاز بدرجة الاجتهاد في السنة العاشرة من عمره الشريف.

ولد ليلة 20 جمادى الأولى سنة 682 هو توفي ليلة 25 جمادى الثاني سنة 771 ه.

15

عليه كتاب (إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد) و غيره.

لمس فخر المحققين في تلميذه الشاب بين مئات الطلاب الذين كانوا يحضرون دروسه نبوغا و المعية لا تتوفر في غيره فأدناه من نفسه و قربه من مجلسه، و صحبه في مجالسه و دروسه، و حفه برعايته و عنايته، و أخذ يثني عليه كلما جرى ذكره في مجلس، أو كلما رأى فرصة مناسبة بشكل لا يعهد من أستاذ كبير كفخر المحققين بالنسبة إلى تلميذ شاب في هذا الدور من العمر.

ففي الإجازة التي كتبها له بخطه على ظهر كتاب القواعد عند قراءته عليه:

قرأ علي مولانا الإمام العلامة الأعظم أفضل علماء العالم سيد فضلاء بني آدم، مولانا شمس الحق و الدين، (محمد بن مكي بن محمد بن حامد) أدام الله أيامه، من هذا الكتاب مشكلاته، و أجزت له رواية جميع كتب والدي (قدس سره)، و جميع ما صنفه أصحابنا المتقدمون رضي الله عنهم عن والدي عنهم بالطرق المذكورة لها (1).

و قال عنه كذلك فيما يروي عنه: لقد استفدت من تلميذي محمد بن مكي

____________

(1) روضات الجنات، الطبعة الحجرية، ج 2، ص 590.

16

أكثر مما استفاد مني (1).

و ليس (فخر المحققين) ممن يلقي الكلام على هواهنه، و لا يحسب حساباً لما يقول، و لما يقال عنه بعد، فقد لمح في تلميذه من النبوغ و الألمعية ما دعاه إلى كل هذا الثناء و الاحتفاء.

و قد عرف التلميذ الشاب مكانته من قلب أستاذه الكبير و إيثاره له بكل شيء، و حفاوته البالغة به، فلازمه في دروسه و أبحاثه و مجالسه و هو بعدُ شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة، و درس عليه أبواباً كثيرة.

يقول مؤلف الروضات: و قد كان معظم اشتغاله في العلوم عند فخر المحققين ابن العلّامة (2).

و من ذلك يعلم أن التلميذ الشاب لم يفارق أستاذه الكبير حتى لمس فيه أستاذه النضج الفكري الكافي، و حتى لمح في نظراته و آرائه ملامح الاستقلال بالرأي و الاجتهاد.

و قد استجاز أستاذه الكبير في رواية الحديث، و كتب المتقدمين فأجازه أكثر من مرة:

أجازه مرة بداره بالحلّة سنة 751 ه، و في هذا التأريخ كان عمر الشهيد 17 سنة فقط.

و أجازه مرة أخرى بداره بالحلّة سنة 758 ه.

و أجازه مرة ثالثة بالمكان المتقدم.

و كان التلميذ الشاب يقدّر بدوره أستاذه الكبير و بحلّه كلما أتته مناسبة للتقدير و التجليل، ينوّه بشأنه و جلالة مكانته و حقه عليه.

____________

(1) حياة الإمام الشهيد الأوّل: ص 38.

(2) روضات الجنات، الطبعة الحجرية، ج 2 ص 590.

17

فقال في إجازته للشيخ شمس الدين (ابن نجدة) الذي تلمذ عليه في كثير من العلوم:

و أما مصنفات الامام ابن المطهر رضي اللّه عنه فاني أرويها عن غيره من أصحابنا.

منهم الشيخ الامام سلطان العلماء، و منتهى الفضلاء و النبلاء، خاتمة المجتهدين، فخر الملّة و الدين أبو طالب محمد بن الشيخ الامام السعيد جمال الدين ابن المطهر، مدّ اللّه في عمره، و جعل بينه و بين الحادثات سداً (1).

و هنا يلمس القارئ روعة الوفاء بين الأستاذ و التلميذ، و تقدير الأستاذ لتلميذه الشاب، و حفاوته به، و هو لم يتجاوز بعد سني المراهقة و وفاء التلميذ لأستاذه و تجليله له، و احترامه إياه، و قد انتقل من دور التلمذة إلى دور المرجعية و التأليف و التدريس.

و في غالب الظن أن الشهيد بقي على صلة روحيّة مع أستاذه حتى حينما انتقل إلى (جزين) و أسس مدرسته الكبيرة، و كان بينهما ما يشبه المراسلة و المكاتبة.

(ابن معية):

من علماء الحلّة الكبار، و من أعاظم تلامذة العلّامة الحلّي، و أفاخم مشايخ شيخنا الشهيد.

قال عنه تلميذه النسابة السيد أحمد بن علي الحسيني في كتابه (عمدة الطالب):

شيخي المولى السيد العالم الفاضل الفقيه الحاسب النسابة المصنف، اليه

____________

(1) روضات الجنات، الطبعة الحجرية، ج 3، ص 587.

18

انتهى علم النسب في زمانه، و له الاسناد العالية، و السماعات الشريفة أدركته قدس اللّه روحه شيخاً، و خدمته قريباً من ثنتي عشرة سنة.

قرأت عليه ما أمكن حديثاً و نسباً، فقهاً و حسباً، و أدباً و تاريخاً و شعراً إلى غير ذلك.

من تصانيفه كتابٌ في معرفة الرجال خرج في مجلدين ضخمين.

و كتاب نهاية الطالب في نسب آل أبي طالب في اثني عشر مجلداً ضخماً قرأت عليه أكثره.

و كتاب الثمرة الظاهرة من الشجرة الطاهرة أربع مجلدات في أنساب الطالبيين مشجراً.

و منها: كتاب الفلك المشحون في أنساب القبائل و البطون.

و منها: كتاب أخبار الأمم خرج منه أحد و عشرون مجلداً، و كان يقدر إتمامه في مائة مجلد، كل مجلد أربعمائة ورقة.

و منها: كتاب سبائك الذهب في شبك النسب و منها: كتاب الحدود الزينية، و تذييل الأعقاب، و كشف الإلباس في نسب بني عباس.

و منها: رسالة الابتهاج في علم الحساب، و كتاب منهاج العمال في ضبط الأعمال، إلى غير ذلك من كتب الفقه و الحساب و العروض.

و من إشعاره ملكت زمام الفضل حتى أطاعني (1).

و نقلنا النص بكامله حتى نستطيع أن نعرف بوضوح مكانة هذه الشخصية العلمية في الحلّة و أثرها في تكوين الجانب الفكري.

و مما تقدم يظهر أنه كان إنساناً موسوعياً، تلقى العلم عن العلامة و ولده فخر الدين و غيرهما، و توسع هو بعد ذلك و اشتغل بالتدريس و الكتابة و التقى به

____________

(1) روضات الجنات، الطبعة الحجرية، ج 2 ص 585.

19

الشهيد في الحلّة فوجده عالماً موسوعياً، خبيراً واسع المعرفة فاغتنم مجالسه، و استفاد منه و استجازه.

و لا نجد هنا نصاً تاريخياً يدل على شكل الصلة القائمة بين (الشهيد) و (ابن معية)، هل كانت صلة التلمذة و التدريس، أم شيء آخر من الصلة؟.

إلا أن الباحث يستبعد أن يفوت الشهيد في المراحل الأولية من حياته الدراسية في الحلّة الاستفادة من شخصية علمية موسوعية كابن معية و ما نعرف من تعطش الشهيد إلى العلم، و تهالكه عليه أنه يكتفي للدلالة على وجود صلة بين الشهيد و ابن معية تشبه صلة التلمذة و التدرس.

و يشعر بذلك الوصف الذي وصفه به الشهيد، حيث قال عنه في بعض إجازاته:

أعجوبة الزمان في جميع الفضائل و المآثر.

و مهما يكن من أمر فقد استجاز هذا السيد مراراً فأجازه كما يقول الشهيد في مجموعته:

و أجاز ولديه (أبا طالب محمد) و (أبا القاسم علي) في سنة 776 هقبل موته.

(عميد الدين) و (ضياء الدين):

من شيوخ الشهيد الأوّل، و من فقهاء الحلّة و علمائها الكبار و هما:

السيد عبد المطلب بن السيد مجد الدين بن أبي الفوارس، و السيد ضياء الدين عبد اللّه بن السيد مجد الدين بن الفوارس أخو السيد عميد الدين ينتهي نسبهما إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام)، و هما ابنا أخت العلّامة الحلّي (رحمه الله).

أثنى العلماء على الأخوين جميعاً.

20

يقول المحدث القمي عن السيد عميد الدين:

كان سيداً جليل القدر، رفيع المنزلة، عظيم الشأن، كريم الأخلاق، زكي الأعراق، عمدة السادة الاشراف بالعراق، عالماً فاضلًا كاملًا فقيهاً محدثاً مدرساً بتحقيق و تدقيق، فصيحاً بليغاً أديباً مهذباً.

كذا قال السيد الضامن (1).

و قال مؤلف الروضات عن أخيه: «إنه كان من أجل فقهاء الأصحاب» (2).

و لم نجد فيما بين أيدينا من المصادر شرحاً وافياً عن حياة الأخوين الجليلين، إلا أن الذي يستطيع أن يستخرجه الباحث بشيء من التحليل و الدقة خلال كتب التراجم أن الأخوين عميد الدين و ضياء الدين درسا الفقه و الفلسفة على خالهما العلّامة الحلّي، و نشئا على يديه، و ذلك لصلة الأخوين بالعلامة النسبية أولًا، و اتصالهما الوثيق به و تناولهما كتب العلّامة خالهما بالشرح و التوضيح كالقواعد، و تهذيب الأُصول، و نهج المسترشدين و غير ذلك بانفراده، أو باجتماع الأخوين معاً، فقد شرح عميد الدين قواعد العلّامة شرحاً وافياً سماه ب: (كنز الفوائد في حلّ مشكلات القواعد) ذكر فيه جملة محاوراته مع خاله المبرور، و أورد نبذة من مذكراته معه في مجلس الدرس.

و له أيضاً شرح كتاب (أنوار الملكوت) للعلّامة في شرح كتاب الياقوت في أصول الكلام لابن نوبخت يجري مجرى المحاكمات بين المصنف و الشارح (3).

و له أيضا كتاب (تبصرة الطالبين في شرح نهج المسترشدين) و شرح على

____________

(1) الكنى و الألقاب: ج 2، ص 446.

(2) روضات الجنات، الطبعة الحجرية، الجزء 1 ص 368.

(3) روضات الجنات، الطبعة الحجرية، الجزء 1 ص 368.

21

مبادئ الأُصول لخاله العلامة (1).

و لأخيه ضياء الدين كذلك شرح على كتاب تهذيب خاله العلامة (2).

و ما ذكره في (كنز الفوائد) من محاوراته مع خاله و مذكراته معه في مجلس الدرس دليل آخر على أنه تلمذ عند (العلامة الحلّي) و أخذ عنه الفقه.

و من شرحه لكتاب (أنوار الملكوت) لخاله العلامة في أُصول الكلام و محاكمة ابن نوبخت من قبل خاله العلّامة يستطيع الباحث أن يستظهر أن (عميد الدين) بشكل خاص لم يقتصر في التلمذة على خاله العلّامة على الفقه فقط، و إنما حضر عليه في الفلسفة و الكلام أيضاً.

و قد استجازهما الشهيد فأجازاه كما في الروضات، و حضر عليهما و درس عندهما الفقه و الكلام، أو على أقل تقدير درسهما على عميد الدين.

قال مؤلف الروضات في ترجمة الشهيد:

و من جملة أساتذته الكرام أيضاً المجيزين له في الاجتهاد و الرواية هما الاخوان المعظمان المسلمان المقدمان السيد عميد الدين عبد المطلب و السيد ضياء الدين عبد اللّه الحليان الحسينيان (3):

و قد أثنى الشهيد على (عميد الدين) بصورة خاصة في إجازته لابن نجدة، حيث قال:

المولى السيد الامام المرتضى علم الهدى، شيخ أهل البيت في زمانه عميد الحق و الدين أبو عبد اللّه عبد المطلب بن الأعرج الحسيني طاب اللّه ثراه و جعل الجنة مثواه.

____________

(1) راجع المصدر السابق.

(2) روضات الجنات، الطبعة الحجرية، الجزء 1 ص 368 و الجزء 2 ص 590.

(3) روضات الجنات، الطبعة الحجرية: الجزء 2 ص 590.

22

و قد كتب الشهيد في مقام الجمع بين شرحي استاذيه عميد الدين و ضياء الدين لتهذيب خالهما العلامة. كتابه المعروف ب(الجمع بين الشرحين).

شيوخه بالشام:

و في الشام سنة 776 هاجتمع الشهيد الأوّل لأوّل مرة بالحكيم المتأله الفقيه المحقق (قطب الدين الرازي) البويهي تلميذ (العلّامة الحلّي)، و مؤلف (شرح المطالع) و (شرح القواعد) و (المحاكمتين) و (حاشيتي الكشاف) و غيرها:

من كتب الحكمة و التفسير و الفقه.

و قد استأنس الشهيد بالشيخ (قطب الدين)، و أعجب به، و حضر مجالسه و استفاد منه كثيراً من العلوم العقلية، و توسع على يديه في دراسة الحكمة الإلهية و الفلسفة.

يقول الشهيد عن اجتماعه به و استفادته منه و إعجابه به.

اتفق اجتماعي به في دمشق أخريات شعبان سنة 776 هفاذا هو بحر لا ينزف، و أجازني جميع ما تجوز عنه روايته (1).

و قال عنه في إجازته لابن الخازن.

و منهم الإمام العلّامة، سلطان العلماء، و ملك الفضلاء، الحبر البحر قطب الدين محمد بن محمد الرازي البويهي، فاني حضرت في خدمته- قدس اللّه سره- بدمشق عام ثمانية و ستّين و سبعمائة، و استفدت من أنفاسه و أجاز لي جميع مصنفاته في المعقول و المنقول أن أرويها عنه، و جميع مروياته، و كان تلميذاً خاصّاً للشيخ الامام جمال الدين.

____________

(1) الكنى و الألقاب: ج 3، ص 57.

23

و قد تلمذ الشيخ قطب الدين على (العلّامة الحلّي) و استنسخ كتاب (قواعد الأحكام) للعلّامة بخطه، و قرأه عنده و أجازه العلّامة في ظهر كتابه بخطه، و عبّر عنه: الفقيه العالم الفاضل المحقق المدقق زبدة العلماء و الأفاضل قطب الملّة و الدين محمد بن محمد الرازي، و أرخ الإجازة بثالث شعبان سنة 713 ه (1).

و نكتفي بما تقدّم من ذكر أساتذة الشهيد (رحمه الله)، على أنه (رحمه الله) درس على غيرهم من الشيوخ من (الشيعة و السنة) كالسيد جلال الدين (عبد الحميد بن فخار الموسوي) كما في المستدرك، و السيد (علاء الدين علي بن زهرة الحلي) كما في الروضات من الشيعة.

و الشيخ (إبراهيم بن عمر) الملقب ببرهان الدين الجعبري شيخ مشيخة مقام الخليل بفلسطين، قرأ عليه الألفية و الشاطبية بمقام الخليل كما في إجازات البحار.

و الشيخ (إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن سعد اللّه بن جماعة) الملقب ببرهان الدين قرأ عليه الشاطبية كما صرح به الشهيد في إجازته لابن الخازن (2).

لم نكن عابثين حين استعرضنا بشيء من التفصيل دراسته في (الحلّة) على (فخر المحققين) ابن العلّامة و الأخوين (عميد الدين و ضياء الدين) و (ابن معية) و على (قطب الدين الرازي) في الشام، فشيء يسير من التأمل يظهر للباحث أن أهم أساتذة الشهيد في الحلّة، و أكثرهم تأثيرا في تكوين ذهنيته الخاصة من أعلام الحلّة لا يتجاوز هؤلاء الأربعة، و في الشام لم يدرس الشهيد في حدود

____________

(1) كما ينقل عن كتاب محبوب القلوب.

(2) الامام الشهيد الأوّل: ص 460.

24

ما نعلم على أحد غير قطب الدين، فهؤلاء الخمسة كان لهم الأثر البالغ في تكوين ذهنية الشهيد، و سوف يكون منطلقنا إلى دراسة ثقافة الشهيد:

الفقهية، و الكلامية، و استعراض ملامح مدرسته في الفقه و منهجه في الاجتهاد هو الأثر الذي تركه الشيوخ الخمسة في نفس الشهيد.

فليس من شك أن (الشهيد) قد تأثر فكرياً بهؤلاء، و حري على مذهبهم بعد ما أحدث بالطبع بعض التجديدات على مذهبهم في الفقه و الكلام:

و لو عدنا إلى الشيوخ الخمسة، و استعرضنا مذاهبهم في الفقه و الكلام لالتقينا بظاهرة واحدة في حياتهم الفكرية ينطلقون عنها، و يلتقون فيها جميعاً و نقطة الانطلاق هذه في حياتهم الفكرية تفيدنا كثيراً في اكتشاف الملامح الأولى لمدرسة (الشهيد) في الفقه و الكلام.

فلو رجعنا خطوة واحدة في حياة هؤلاء الفكرية الى الوراء نجد أنهم- كما استعرضنا ذلك في حياتهم- قد تلمذوا جميعاً على آية اللّه (العلامة الحلّي) و كانوا من أخص تلامذته، و ابرز من حضر عليه في الفقه و الكلام و لا شكّ أنهم أحدثوا بعض التغيير في المدرسة، و في المذهب الذي كان يتبعه (العلامة) في الفقه و الكلام.

إلّا أن أصول المدرسة هي لم تتغير و نقلها تلامذته جميعاً إلى تلميذهم الشهيد، و تأثر بها الشهيد تأثراً بالغاً يبدو في كتاباته و منهجه، كما سنرى فيما بعد.

فقد كان (العلّامة الحلّي) ذا عقلية ضخمة تمتاز بمؤهلات فكرية كثيرة يندر أن تحصل لأحد من العلماء، و بنسبة ضخامة عقليته يكون تأثيره عميقاً في نفوس التلاميذ.

فقد بقي تلاميذ (الشيخ الطوسي)، و تلاميذ تلاميذه يتناقلون مدرسته في الفقه و الحديث و التفسير قرونا متطاولة، حتى كثر فيها التجديد و التغيير و ظهرت

25

مدارس أخرى فيها.

و تلاميذ (العلّامة) لم يقلّوا عن تلاميذ (الشيخ الطوسي) تأثراً بمدرسة أستاذهم العلّامة، فظلوا يتناقلون المدرسة بأصولها رغم ظهور تغييرات فيها قرناً من زمان.

فمدرسة الشهيد إذاً في الفقه و الكلام تعود في أصولها و جذورها إلى مدرسة العلّامة الحلّي.

و نعني بذلك أن الشهيد لم يحدث تغييراً في المدرسة، فقد اتيح للشهيد بفضل نبوغه الخاص و مؤهلاته الفكرية أن يضيف إلى المنهج أشياء و يطور المدرسة و يحدد المفاهيم بما لم يقدر من قبل لأساتيذه و شيوخه.

إذاً فأصول المدرسة تعود إلى (العلّامة الحلّي) في المجالين:

الفقه و الكلام.

و قد درس الشهيد كما أسلفنا الفقه على (فخر المحققين ابن العلّامة الحلّي) و الأخوين (عميد الدين و ضياء الدين)، و هما من أخص تلاميذ العلامة.

و درس الكلام على (قطب الدين الرازي) بالشام و هو من تلاميذ العلّامة في الفلسفة فجمع ثقافة العلّامة الحلّي في المنقول و المعقول، و أصبح بالحق وارثاً له و إن كان لم يقدّر له أن يقرأ عليه شيئاً، أو يراه على أقل تقدير.

و نعود إلى الوراء خطوة اخرى، لنفحص جذور هذه المدرسة بدقة أكثر، فقد قرأ (العلّامة الحلّي) الفقه على خاله (المحقق الحلّي) (رحمه الله)، و درس الفلسفة و الكلام على (المحقق الطوسي)، و جمع بين ثقافتي المحققين (الحلّي و الطوسي) في الفقه و الكلام، و هما أكبر شخصين علميّين في تاريخ الفكر الإسلامي على الإطلاق في حقل الفقه و الفلسفة.

و اتيح (للعلّامة الحلّي) ان يجمع ثقافتيهما و هو الشاب الطموح النابغ الذي كان يلمس فيه استاذاه ملامح النبوغ واضحة.

26

كما قُدّر لتلميذه الشهيد أن يجمع بين ثقافتي أستاذه في الفلسفة و الكلام.

و هكذا قدّر لهذا التلميذ أن يكون نسخة ثانية لأستاذه في ثقافته الواسعة، و ذهنيته الخصبة.

و هنا تنقطع جذور المسألة و لا نجد في مدرستي (المحقق الحلّي) و (المحقق الطوسي) تأثراً بالغاً بالمدارس السابقة عليهما في الفقه و الكلام فمن هذه النقطة بالذات تبدأ الدراسة، و اكتشاف شخصية الشهيد بصورة منهجية.

كلمات العلماء فيه:

و بإمكان القاري أن يلمس مكانة الشهيد العلمية في نفوس الفقهاء من أساتذته و تلاميذه و المتأخرين عنه مما ذكروا في شأنه في الإجازات و التراجم عند التعرض لذكر الشهيد.

و أهم ما يلفت نظرنا مما قيل في مدح الشهيد ما كتبه أستاذه (فخر المحققين) في حق الشهيد.

قال: الإمام الأعظم، أفضل علماء العالم، و سيد فضلاء بني آدم مولانا شمس الحق و الدين محمد بن مكّي بن حامد أدام اللّه أيامه (1).

و إن كان هذا التعبير متعارفاً من الطلاب بالنسبة إلى شيوخهم، فمن الغريب ان يمدح أستاذ تلميذه بمثل ذلك، و لئن كان هذا المدح بمثل هذا التعبير من فخر المحققين يدلّ على شيء فإنما يدلّ على سموّ مكانة التلميذ الذي استأثر بقلب أستاذه و عقله معاً، و بعثه على ان يعترف بأن ما استفاده تلميذه الشاب منه لم يزد على ما استفاده هو من تلميذه.

و يقول عنه الشيخ محمد بن يوسف الكرماني القرشي الشافعي في إجازته للشهيد:

____________

(1) بحار الأنوار: كتاب الإجازات، ج 107 ص 178.

27

المولى الأعظم الأعلم، امام الأئمّة، صاحب الفضلين مجمع المناقب و الكمالات الفاخرة، جامع علوم الدنيا و الآخرة (1).

و يقول الشهيد الثاني فيه: شيخنا و إمامنا المحقق البدل النحرير المدقق، الجامع بين منقبة العلم و السعادة، و مرتبة العمل و الشهادة الإمام السعيد أبي عبد اللّه الشهيد محمد بن مكّي أعلى اللّه درجته كما شرف خاتمته (2).

و قال عنه المحقق الكركي في إجازته للشيخ علي بن عبد العالي:

الامام شيخ الإسلام، فقيه أهل البيت في زمانه، ملك العلماء، علم الفقهاء، قدوة المحققين و المدققين، أفضل المتقدمين و المتأخرين (3).

و قال شيخنا الحرّ العاملي في كتابه (أمل الآمل):

كان عالماً ماهراً، فقيهاً محدثاً، محققاً متبحراً، كاملًا جامعاً لفنون العقليات و النقليات، زاهداً عابداً، شاعراً أديباً منشئاً، فريد دهره، عديم النظير في زمانه (4).

و قال عنه (العلّامة النوري) في مستدرك الوسائل:

تاج الشريعة، و فخر الشيعة، شمس الملّة و الدين أبو عبد اللّه محمد بن الشيخ جمال الدين مكّي أفقه الفقهاء عند جماعة من الأساتيذ، جامع فنون الفضائل، و حاوي صنوف المعالي، و صاحب النفس الزكية القويّة (5).

آثار الشهيد:

خلف لنا الشهيد الأوّل (رحمه الله) بعده مؤلفات قيمة أحصاها بعض

____________

(1) بحار الأنوار: كتاب الإجازات، ج 107 ص 183.

(2) مقدمة الروضة البهية من طبعتنا الحديثة: ج 1، ص 5.

(3) بحار الأنوار: كتاب الإجازات، ج 107 ص 42.

(4) أمل الآمل: الجزء 2، ص 181.

(5) مستدرك الوسائل: المجلد 3، ص 437.

28

الباحثين إلى اثنين و ثلاثين كتاباً، رغم كثرة مشاغله، و ضخامة المشاريع التي كان يقوم بها: من نشر التشيع في سوريا و لبنان، و تعريف (الشيعة) إلى أقطاب المذاهب الإسلامية الأخرى عن طريق إجراء اتصالات فكرية معهم في مراكز الثقافة الإسلامية في وقته، و تأسيس معهد للفقه في (عاملة) و تربية تلامذته و طلابه، و غير ذلك من ألوان النشاط الفكري و الاجتماعي الذي كان يقوم به (الشهيد) في حياته.

و ما بين أيدينا من آثار الشهيد يكشف عن عقليته الضخمة، و ذهنيته الواعية، و ذوقه السليم، و فكره المجدد.

و لئن عرف (الشهيد) بالفقه و الأصول بين الفقهاء فقد كان واسع المعرفة بحقول العلم الأخرى، و لا سيما ما يتصل بالعلوم العقلية كالفلسفة و الرياضيات.

و قد علمنا أنه تلقى الفلسفة بواسطتين عن حكيم الإسلام (المحقق نصير الدين الطوسي) (رحمه الله) و نبغ فيها.

و تلقى عن (فخر المحققين) عن (العلّامة الحلّي) عن (المحقق الحلّي) و استفاد من تجارب أساتذته فقهاء (مدرسة الحلّة)، و بلغ أعلى مستويات المدرسة على يد أُستاذه (فخر المحققين) و هو بعد لم يتجاوز سني الشباب فلم يجمد على المستوي نفسه، و إنما سعى لتطوير البحث الفقهي، و رفع مستواه عن المستوي الذي بلغه المحقق و العلّامة.

و تميزه عن سلفه دقة نظره في المسائل الفقهية، و استيعابه الكامل لمختلف المسائل.

و حين تجتمع دقة النظر إلى استيعاب الفكرة، و التعمق إلى التوسيع في الدراسة و البحث ينشأ لون جديد من البحث، و مستوى آخر من الدراسة يختلف عن الألوان السابقة و المستويات المتقدّمة في جميع الأبعاد.

و هذا ما نعنيه من التجديد في الدراسة و البحث، فلا يمكن إيجاد هزة فكرية

29

في بحث علمي ما لم يشمل التجديد و التطور أبعاد البحث جميعاً.

و توفر للشهيد (رحمه الله) فوق ذلك نبوغ شخصي ينبع من نفسه و أساتذة محققين كبار بالواسطة، و اتيح له كذلك أن يتصل بكبار علماء السنة و محققيهم، و أن يلقح بين ثقافته الخاصة التي تلقاها في الحلّة، و بين الثقافة السنية.

و لئن كان الشهيد لم يمزج الفقه الشيعي بالفقه السني- فيما وجدنا من آثار- لكن هذا التلاقح أفاده كثيراً في توسيع فكره و تمكينه من التجدد و التطوير.

و مهما يكن من أمر فقد قدر للشهيد الأوّل (رحمه الله) أن يطوف من مناهج البحث الفقهي، و يزيد فيها و يوسع من أطارها، و ينقح من مبانيها و يزيدها جلالًا و روعة، و ينظم أبوابها و مسائلها، و يحيط بأحكامها و فروعها، و يصوغها صياغة جديدة، و أن يرفع بكتبه إلى مستوى المرجعية في التأليف و البحث و الدراسة.

و فيما يلي نستعرض بعض آثار الشهيد (رحمه الله):

آثاره الفقهية:

1- (اللمعة الدمشقية):

رسالة فقهية جليلة، جمع فيها (الشهيد) أبواب الفقه، و لخص فيها أحكامه و مسائله.

و كتبها الشهيد جواباً لرسالة حاكم خراسان (علي بن مؤيد) التي كان يطلب إليه فيها أن يُقدم عليهم بخراسان، ليكون مرجعاً (للشيعة) هناك.

و لما كانت الأجواء السياسية لا تسمح له بمغادرته (دمشق) اعتذر له عن مجيئه و عوّضه عن قدومه برسالة فقهية يجمع فيها أبواب الفقه باختصار ليكون مرجعاً (للشيعة) هناك فيما يعرض لهم من المسائل الفقهية.

30

و قد ألف الشهيد الرسالة مدة سبعة أيام، و لم يحضره من المراجع الفقهية غير (المختصر النافع للمحقق الحلّي (رحمه الله))، و هذا يدلّ على إلمامه الواسع بمسائل الفقه، و إحاطته بدقائقه و جزئياته، و يندر مثله في الفقهاء.

و دفع الرسالة إلى (الشيخ محمد الآوي) وزير (علي بن مؤيد) من ملوك (سربداران خراسان)، و أوصاه بالإسراع بها إلى الملك (علي بن مؤيد) و الكتمان، و لشدة حرص الآوي على العناية بالنسخة لم يسمح لأحد باستنساخها عدى بعض الطلبة الذين سمح لهم به و هي في يده محافظةً على الكتاب.

و كان الشهيد في الأيام التي تفرغ فيها لكتابة (اللمعة الدمشقية) يعيش مراقبا في بيته من قبل السلطة، و لذلك فقد كان يتكتم في الكتابة.

و من غريب ما يروى أن (مجلس الشهيد) حين كان مطلق السراح و حين كان مراقباً في بيته كان مزدحماً بعلماء العامة، و رجال السياسة من مختلف الاتجاهات ممن كان يتكتم أمامهم، فلما شرع بكتابة اللمعة لم يمر عليه أحد طيلة اشتغاله بكتابة هذه الرسالة.

و مهما يكن من أمر فقد احتلت (اللمعة) القمّة من بين المتون الفقهية الشيعية، إذ جمعت الوجازة و الاختصار، إلى روعة التعبير، و ضمت هذه الخلال جميعاً إلى تنسيق الأبواب و الأحكام و المسائل بشكل منظم و تعميق النظر و الفكر، فقد كان (الشهيد) أديباً كبيراً شاعراً رقيق الشعر، واسع الخيال، و لم تكن ثقافته مقصورة على الفقه و الأصول.

و قد حاول (الشهيد) في رسالته هذه أن لا يجمد على التعبيرات الفقهية المتداولة في وقته، و أن يحدث بعض التغيير في صياغة التعبير، و يجيد في سبك العبارات و تنويعها، و يحسن في تنويع العبارة.

و إذا ضممنا إلى ذلك إيجاز التعبير، و اختصار الجمل الطويلة، و تشذيب

31

الكلام من زوائد السجع، و الاسترسال في الكتابة من غير محاولة اصطناع شيء مما كان يصطنعه أدباء زمانه من المحسنات البديعية علمنا سرّ خلود (اللمعة) و بقائها، و احتفاظها بطابعها الرسمي في معاهد (الفقه الشيعي) على الإطلاق.

هذا بالإضافة إلى ما لوحظ في هذا الكتاب من التنظيم الفني و التنسيق الرائع لأبواب الفقه و أحكامه و مسائله.

فقد سائر الشهيد (المحقق الحلّي) في تنظيم كتب الفقه و أبوابه، لكنه زاد عليه بجملة من التحسينات نلمسها بوضوح حينما نراجع كلًا من (المختصر النافع) و (اللمعة الدمشقية)، مع العلم أن المختصر النافع كان المرجع الوحيد للشهيد في تأليف هذه الرسالة.

ففي هذا الكتاب يقدم الشهيد أحكام كل باب قبل أيّ شيء آخر ثم يبحث عما يلحق بها من الملحقات، ثم يتبعها بعرض المسائل التي تتبع هذه الأحكام و ترتبط بها، ثم يستقصي المندوبات و المكروهات فيما إذا كان في الباب مندوب و مكروه.

و الذي يلفت النظر في هذا التنظيم و التبويب أنه يجمع إلى روعة النظام استيعاب أطراف المسألة.

و حينما نضم روعة التنسيق إلى استيعاب الفكرة إلى الإيجاز في التعبير نحصل على مزاج فقهي و أدبي من أروع ما أنجزه الفكر الإنساني، و من أسمى ما تحتويه المكتبة الإسلامية.

و في هذا الكتاب تلفت نظر الباحثين دقة فائقة في تحديد المصطلحات الفقهية لم نعهد مثلها في المتقدمين عليه حتى من أمثال (المحقق) و (العلّامة)، و هذا شيء طبيعي لو عرفنا أن الشهيد درس الفقه إلى المستوي الذي بلغه (المحقق و العلّامة)، و تفرغ بعد ذلك لتطوير هذا المستوي و تشذيبه، و إبعاد العوامل الغريبة عنه، و تحديد مصطلحاته بشكل أدق من ذي قبل.

32

و الدراسة تختلف عن الصياغة و الإبداع، فدرس (الشهيد) الفقه إلى مستوى (المحقق و العلامة)، و استقل بعد ذلك في تطوير الفقه إلى مستوى آخر أعلى من المستويات السابقة.

2- (الدروس الشرعية في فقه الإمامية):

و هو هذا الكتاب الماثل بين يديك، و هو كتاب جليل و معروف في الأوساط العلمية، و قد صار مرجعاً يرجع إليه كلّ من تأخّر عن الشهيد الأوّل من فقهاء الطائفة و محقّقيها.

و يشتمل هذا الكتاب على كثير من أبواب الفقه، من الطهارة حتّى الرهن، و قد حال استشهاده بينه و بين إتمامه.

شرع المصنّف في تأليفه سنة 780 ه، و فرغ من جزئه الأوّل- كما صرّح به في الرياض- آخر نهار الأربعاء لاثني عشرة ليلة خلت من ربيع الثاني سنة 784 ه. و طبع في إيران سنة 1269 ه.

و نظراً لأهمية الكتاب في عالم الفقه تصدّى كثير من الفقهاء لشرحه و التعليق عليه:

منها: شرح الميرزا عيسى التبريزي والد صاحب الرياض.

و منها: شرح الشيخ جواد الكاظمي تلميذ الشيخ البهائي.

و منها: الشرح الموسوم «بمشارق الشموس» للعلّامة المولى حسين الخوانساري.

و منها: الشرح الموسوم بالعروة الوثقى.

و شروحات اخرى لأبواب متفرّقة منه (1).

____________

(1) الذريعة: ج 8، ص 145.

33

و قد أكمل السيّد جعفر بن أحمد الملحوس الحسيني الحلّي هذا الكتاب و سمّاها «تكملة الدروس» فتعرّض لما تبقى من أبواب الفقه و هي «الضمان و العارية و الوديعة و المضاربة و الإجارة و الوكالة و السبق و الرماية و النكاح و الطلاق و الخلع و المبارأة و الإيلاء و الظهار و العهد و الحدود و القصاص و الديات» (1).

3- (الألفية):

تشتمل على ألف واجب في الصلاة مرتبة على مقدمة و ثلاثة فصول و خاتمة، و عليها شروح كثيرة ذكر في الذريعة ما يقرب من خمسين شرحاً (2).

4- (النفلية):

رسالة تشتمل على ثلاثة آلاف نافلة في الصلاة، ألفها الشهيد بعد الألفية.

لها شروح كثيرة منها: شرح الشهيد الثاني المسمى:

ب(الفوائد الملكية) (3).

5- (البيان):

كتاب في الفقه خرج منه الطهارة و الصلاة و الزكاة و الخمس و أول الأركان الأربعة من الصوم فيما يجب الإمساك عنه.

طبع في طهران سنة 1319 (4).

6- (ذكري الشيعة في أحكام الشريعة):

خرج منه الطهارة و الصلاة، و فرغ من تأليفه سنة 786 ه.

و عليها حواشي كثيرة عدّ شيئاً كثيراً منها الشيخ آغا بزرك في

____________

(1) الذريعة: ج 4، ص 413.

(2) راجع الذريعة: ج 2، ص 296- 297.

(3) المصدر السابق و حياة الإمام الشهيد: ص 62.

(4) الذريعة: ج 3، ص 174.

34

الذريعة (1).

7- (غاية المراد في شرح نكت الإرشاد):

المتن للعلّامة الحلّي، و شرحه الشهيد على نسق القدماء: من تقديم المتن و التعقيب عليه بشكل التعليق، و هو من الطهارة الى كتاب الايمان.

فرغ منه سنة 757 ه، و طبع في إيران مراراً منها: طبعة سنة 1302 (2).

8- (القواعد و الفوائد):

كتاب جليل يضم ما يقرب من 300 قاعدة فقهية ما عدى الفوائد و التنبيهات.

و على الكتاب حواش و تعليقات كثيرة، ذكر جزءاً منها العلّامة الجليل آغا بزرك في الذريعة (3).

9- (أربعون حديثا):

أكثرها في العبادات العامة. طبع في إيران مع (غيبة النعماني) سنة 1318 (4).

10- (خلاصة الاعتبار في الحج و الاعتمار):

رسالة صغيرة في المناسك، نقلها العلامة الأمين في معادن الجواهر (5).

11- (جواز إبداع السفر في شهر رمضان):

رسالة شريفة في تحقيق هذه المسألة بصورة مبسوطة، ذكر في أوله:

____________

(1) الذريعة: ج 10، ص 40. و ج 6، ص 86.

(2) حياة الامام الشهيد: ص 63.

(3) الذريعة: ج 6، ص 173. و حياة الإمام الشهيد ص 62.

(4) راجع الذريعة: ج 1، ص 427.

(5) نفس المصدر: ج 7، ص 214.

35

الظاهر من مذاهب العلماء في سائر الأعصار و الأمصار جوازه، مع إجماعنا على كراهة ذلك، لنا عشرون طريقاً: الأوّل- و هو العمدة- التمسك بقوله تعالى:

من كان مريضاً. (1).

12- (جوابات الفاضل المقداد):

و هي مجموعة الأجوبة على أسئلة الفاضل المقداد بن عبد اللّه السيوري تلميذ الشهيد، البالغة سبعا و عشرين مسألة، توجد مع بعض رسائل الشيخ أحمد بن فهد الحلّي ضمن مجموعة في الخزانة الرضوية (2).

13- (أحكام الأموات):

رسالة فقهية في أحكام الأموات من الوصية إلى الزيارة (3).

14- (مجموعة الشهيد الأوّل):

و هي ثلاث مجلدات كبار.

قال عنها الشيخ آغا بزرك في مصفى المقال:

كتب الشهيد الأوّل ثلاث مجاميع ذات فوائد كثيرة.

و قال في الذريعة: أنها ثلاث مجاميع ينقل عنها في البحار في المجلد الأوّل رسائل لمختلف العلماء، كتبها بالحلّة سنة 776 ه.

و المجلد الثاني اختصار الجعفريات (4).

15- (جوابات مسائل الأطراوي):

مجموعة أجوبة الشهيد على مسائل السيد بدر الدين الحسن بن الحسن بن أيوب بن

____________

(1) نفس المصدر: ج 5، ص 241.

(2) نفس المصدر: ج 5، ص 212.

(3) راجع الذريعة: ج 1، ص 295.

(4) راجع حياة الامام الشهيد: ص 67.

36

نجم الدين الأطراوي العاملي تلميذ الشهيد، سألها عنه في قرية إطراء العاملية (1).

16- (مسائل ابن مكّي):

مرتبة على أبواب الفقه. و ألفت في السنة التي استشهد فيها، و هي سنة 786 ه.

و قيل: انها آخر مؤلفاته (2).

17- (جامع البين من فوائد الشرحين):

و الشرحان للأخوين الأعرجيين: السيد عميد الدين، و السيد ضياء الدين ابنا أخت العلّامة الحلّي و استاذا الشهيد على كتاب (تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول) لخالهما العلّامة الحلّي، و قد جمع الشهيد بين فوائد الشرحين و زاد عليهما فوائد أخرى.

قال في كشف الحجب: إن (الجامع) هذا تأليف الشيخ السعيد أبي عبد اللّه محمد بن مكي الشهيد، و بما أنه ألفه في أوائل شبابه و لم يراجع المسوّدة بقيت النسخة غير منقحة فوجدها الشيخ عزّ الدين حسين بن عبد الصمد تلميذ الشهيد الثاني و والد الشيخ البهائي و المتوفى سنة 984 هو أصلحها في سنة 941 ه.

و قال بعد تمام الإصلاح: ثم إن الشيخ الشهيد ميّز ما اختص به شرح ضياء الدين بعلامة (ض) و ما اختص به شرح العميد بعلامة (ع) و انا تابعته في ذلك (3).

____________

(1) نفس المصدر: ص 68.

(2) المصدر السابق.

(3) راجع الذريعة: ج 5، ص 44.

37

18- (حاشيته على الذكرى):

و الأصل له أيضاً، ذكر في الذريعة أن له حواشي على كتابه ذكري الشيعة، كما يظهر من حاشية البويهي عليها، حيث صرّح فيها أنه ينقله عنها (1).

تلك جملة مما بلغنا من آثار الشهيد الفقهية.

و هذا وحده يكفي للدلالة على ضخامة العمل الفقهي الذي قام به الشهيد، و الأثر الكبير الذي تركه في تطوير البحث الفقهي، و مناهج الدراسة الفقهية و الأصولية.

و قد فتح الشهيد في كتاباته هذه أبواباً للباحثين بعده، كما سدّ فجوات كثيرة في البحث الفقهي من حيث المنهج و الاستدلال.

و قد كان مؤلفات الشهيد الفقهية موضع عناية الفقهاء و اهتمامهم دائماً و على امتداد (تاريخ الفقه الجعفري)، فكثر التعليق و الشرح على كتب الشهيد من المتقدمين و المتأخرين.

و مهما يكن من أمر فقد خلف الشهيد من بعده ثروةً فقهية ضخمة كانت و لا تزال إحدى ركائز، و مقومات تراثنا الفكري.

آثاره الأخرى:

19- (العقيدة):

رسالة صغيرة في العقيدة الإسلامية.

20- (اختصار الجعفريات):

و الأشعثيات، أو الجعفريات من الكتب القديمة يشتمل على نحو ألف

____________

(1) راجع الذريعة: ج 10، ص 40.

38

حديث، اختصره الشهيد بما يقرب من الثلث.

21- (مزار الشهيد):

و تسمى ب: (منتخب الزيارات) و تحتوي على جملة من الزيارات و ترجمت إلى الفارسية.

22- (المقالة التكليفية):

رسالة في العقائد و الكلام، فرغ الشهيد من تأليفها سنة 769 هشرحها الشيخ زين الدين يونس البياضي باسم (الرسالة اليونسية في شرح المقالة التكليفية الشهيدية).

23- (مجموعة الإجازات):

و هي ما جمعها الشهيد من إجازات العلماء المتقدمين.

24- (شرح قصيدة الشفهيني):

و القصيدة في مدح (الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام))، شرحها الشهيد، و قد وقف الشفهيني على الشرح فأعجب به، و أرسل الى الشهيد عشرة أبيات يمدحه بها، منها

فكأنه و جواده و حسامه * * * و سنان مسعدة دليل اسود

قمر على فلك وراءه مذنب * * * و أمامه و الليل داج فرقد

و لعل القصيدة التي شرحها الشهيد من شعر الشفهيني- كما رجحه الشيخ آغا بزرك في الذريعة- هي التي مطلعها:

يا عين ما سفحت عزوب دماك * * * إلا بما ألهمت حسب دماك

و يبدو أن هذا الشرح كان من عمل الشهيد في أوان دراسته (1).

____________

(1) يراجع فيما تقدم من آثار الشهيد غير الفقهية كتاب حياة الإمام الشهيد للشيخ محمد رضا شمس الدين.

39

تلاميذه:

استقل الشهيد بالتدريس في الحلّة، و التف حوله طلاب الفقه و الأصول يدرسون عليه مناهج الاستنباط و الفقه، و عُرف الشهيد في الحلّة بتدريسه لقواعد العلّامة و التهذيب، و علل الشرائع، و كتب أخرى في الفقه و الأُصول و الحديث.

و لم يقتصر الشهيد على التدريس في الحلّة، أو في جزين في مدرسته الخاصة، و انما كان يقوم بالتدريس في رحلاته التي كان يقوم بها بين حين و آخر إلى (الحجاز) أو (مصر) أو (سوريا) أو (فلسطين) أو (العراق) أو غيرها من الأقطار الإسلامية.

و قد استطاع الشهيد في هذه المدة و في خلال رحلاته و إقامته في الحلّة و في دمشق و في جزين أن يرى عدداً كبيراً من العلماء الذين خلفوه في مكانته العلمية و الدينية.

و لكي يلمس القارئ شيئاً من جهود الشهيد في التربية تلاميذه من الذين خلفوه بعده في الفقاهة و التدريس أعرضُ أسماء نفر منهم:

1- السيد أبو طالب أحمد بن القاسم بن زهرة الحسيني، تلمذ على الشهيد و حضر عنده (1).

2- الشيخ جمال الدين أحمد بن النجار صاحب الحاشية على (قواعد العلامة الحلّي)، جمع فيها تحقيقات شيخه الشهيد و نظرياته في الفقه (2).

3- الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن بن الشهيد الأوّل، إجازة والده الشهيد مع أخويه و صورة الإجازة في البحار (3).

____________

(1) راجع روضات الجنات الجزء 2، ص 34.

(2) حياة الامام الشهيد الأوّل.

(3) بحار الأنوار: الجزء 2، ص 34.

40

4- الشيخ ضياء الدين أبو القاسم علي ابن الشهيد المتوسط، و له عن أبيه إجازة.

5- الشيخ رضي الدين أبو طالب محمد أكبر أبناء الشهيد، أجازه أبوه مرتين (1).

6- الفقيهة الفاضلة فاطمة المدعوة بست المشايخ، تروي عن أبيها و عن السيد تاج الدين ابن معية إجازة، و كان أبوها يثني عليها و يأمر النساء بالاقتداء بها، و الرجوع إليها (2).

و قد عني الشهيد بتربية بنته هذه و تثقيفها فكانت مثال المرأة المؤمنة المثقفة، و كانت موضع احترام و عناية الفقهاء و الناس عامة، حتى أنها لما توفيت في قرية جزين حضر تشييعها سبعون مجتهدا من (جبل عامل).

و لسنا نملك نحن أثراً فقهياً عن هذه السيدة الجليلة، لكن بين أيدينا وثيقة كتبتها ست المشايخ لأخويها تهب بها ما يخصّها من تركة أبيها في جزين لاخويها، ابتغاءً لوجه اللّه، و في قبال ذلك يعوضها أخواها بكتب في الفقه للشيخ و الشهيد، و إليك نصّ الوثيقة.

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي وهب لعباده ما شاء، و أنعم على أهل العلم و العمل بما شاء. و جعل لهم شرفاً و قدراً و كرامةً، و فضلهم على الخلق بأعمالهم العالية، و أعلى مراتبهم في دار الدنيا و الآخرة، و شهد بفضلهم الانس و الجان.

و الصلاة و السّلام الأتمان و الأكملان على سيدنا محمّد ولد عدنان المخصوص بجوامع الكلم الحسان، و على آله و أصحابه أهل اللسن و اللسان

____________

(1) الذريعة: الجزء 1، ص 248.

(2) شهداء الفضيلة: ص 91.

41

و الساحبين ذيول الفصاحة على سُبحان، و على تابعيهم و من تابعهم ما اختلف الجديدان، و أضاء القمران.

أما بعد: فقد وهبت الست فاطمة أم الحسن أخويها: أبا طالب محمّداً، و أبا القاسم علياً سلالة السعيد الأكرم، و الفقيه الأعظم، عمدة الفخر و فريد عين الزمان و وحيده، محيي مراسم الأئمة الطاهرين (سلام اللّه عليهم أجمعين)، مولانا شمس الملّة و الدين محمد بن أحمد بن حامد بن مكّي (قدس سره)، المنتسب لسعد ابن معاذ سيد الأوس امّاً قدس اللّه أرواحهم جميعاً ما يخصها من تركة أبيها في (جزين) و غيرها هبة شرعية، ابتغاءً لوجه اللّه تعالى. و رجاءً لثوابه الجزيل.

و قد عوضا عليها كتاب (التهذيب) للشيخ (رحمه الله)، و كتاب (المصباح) له، و كتاب (الذكرى) لأبيها (رحمه الله)، و (القرآن) المعروف بهدية علي بن مؤيد (1).

و قد تصرف كل منهم، و اللّه الشاهد عليهم، و ذلك في اليوم الثالث من شهر رمضان العظيم قدره الذي هو من شهور سنة ثلاث و عشرين و ثمانمائة، و اللّه على ما نقول وكيل، و شهد بذلك خالهم المقدام علوان بن أحمد بن ياسر، و شهد الشيخ علي بن الحسين بن الصائغ، و شهد بذلك الشيخ فاضل بن مصطفى البعلبكي (2).

و هذه الوثيقة وحدها تكفي للدلالة على مكانة هذه السيدة السامية و جلالتها، و سمو أخلاقها، و عنايتها بالعلم و العلماء، و الكتب الفقهية و لهجتها الوثيقة تكشف عن نفسية كريمة، و أدب إسلامي رفيع، و تواضع جمّ للعلم و العلماء.

7- السيد بدر الدين الحسن بن أيوب الشهير بابن الأعرج الاطراوي

____________

(1) مرّ ذكره في (ملوك خراسان) سربداران عاشوا في سبزوار احدى مدن خراسان الكبرى.

(2) الكنى و الألقاب: الجزء 2 ص 342- 344.

42

العاملي، كان من معاريف تلاميذ الشهيد كما في (أمل الآمل).

8- الشيخ عبد الرحمن العتائقي صاحب المؤلفات الكثيرة تلقى عن الشهيد كثيراً من العلوم.

9- الشيخ شرف الدين أبو عبد اللّه المقداد بن عبد اللّه المعروف بالفاضل السيوري الحلّي صاحب (شرح الباب الحادي عشر)، يروي عن الشهيد كما في الكنى و الألقاب.

10- الشيخ محمد بن تاج الدين عبد علي الشهير بابن نجدة، اجازه الشهيد في رمضان سنة 770 هو صرح فيها بأنه سمع من مؤلفاته، و سمع منه كتاب (التحرير) و (الإرشاد) و (المناهج) و (نهج المسترشدين) و (شرحي النظم و الياقوت) للعلّامة الحلّي و (خلاصة المنظوم) لابن مالك و (اللمع في النحو) لابن جني و (الشرائع) للمحقق و (مختصر مصباح الطوسي) و غير ذلك (1).

مدرسة جزين:

كان الشيعة في (جبل عامل) و (سوريا) عامة- و هم قلة في البلد في عهد (الأمويين و العباسيين)- يعيشون تحت ضغط الإرهاب السياسي و كان هذا الضغط و الإرهاب السياسي يمنعهم من القيام بنشاط ثقافي أو سياسي ملموس.

حتى إذا دالت (دولة العباسيين) و ظهرت (دولة البويهين) في (العراق و فارس).

و (دولة الحمدانيين) في (الموصل و حلب).

و (دولة العلويين) في (مصر و الشام و الحجاز و إفريقيا) استطاع الشيعة أن

____________

(1) يراجع فيما تقدم من تلاميذ الشهيد حياة الإمام الشهيد و الروضات و الكنى و الألقاب و الذريعة.

43

يجاهروا بنشاطهم الثقافي و السياسي، و أن يدعوا علانية إلى التشيع.

فظهر في هذه الفترة نشاط سياسي و ثقافي ملموس للشيعة في (سوريا) عامة، و في (جبل عامل) خاصة، مما نستعرضها قريباً عند الحديث عن الجانب السياسي من حياة الشهيد.

فكان من أثر ذلك ظهور (مدرسة حلب) لبني زهرة، و ظهور نشاط ثقافي شيعي في (جبل عامل)، فقد كثرت (المدارس الفقهية الشيعية) في جبل عامل، و قوى النشاط الثقافي في هذا القطر.

و أول مدرسة فقهية افتتحت في هذا القطر هي (مدرسة جزين) للشهيد الأول.

و يبدو أنها كانت طليعة النشاط الثقافي و السياسي الشيعي في جبل عامل، فحين اكتمل الشهيد دراسته في الحلّة، و فرض نفسه على الأوساط الثقافية، و احتل لنفسه مكانة رفيعة فيها رجع الى (جزين) مسقط رأسه و فيها ابتدأ بنشاط ثقافي و سياسي ملموس لنشر التشيع و الفقه الشيعي في هذه الأقطار، فأسس معهداً كبيراً لتدريس الفقه و الأُصول على مستويات مختلفة في جزين، عرف ب: (مدرسة جزين).

و قدّر لهذه المدرسة بفضل عناية مؤسسها الشهيد أن تربي عدداً كبيراً من الفقهاء و الأُصوليين، و أن تخرج جمعاً كبيراً من المفكرين الاسلاميين (1).

ذلك جانب من ثقافة الشهيد و آثاره في الفقه و الأُصول، و ما ترك من أثر كبير في تطوير مناهج دراسة الفقه و الأُصول، و نماذج من تلاميذه من الفقهاء و منشآته الثقافية.

و يخال إليّ أن القارئ يستطيع بعد هذا العرض السريع للجانب الثقافي

____________

(1) راجع تاريخ جبل عامل: ص 234.

44

من حياة الشهيد أن يلمس طرفاً من شخصية الشهيد الثقافية و أثره الكبير في (تاريخ الفقه الشيعي).

شعر الشهيد:

لم يقتصر الشهيد- كما ذكرنا طي الحديث المتقدم- على الفقه و الأُصول و الدراسات الكلامية، و انما كان مع ذلك أديباً كاتباً و شاعراً بالإضافة إلى كونه فقيهاً من الرعيل الأوّل.

و نثر الشهيد كما نلمسه نحن من خلال كتبه (كاللمعة الدمشقية و القواعد و الذكرى و الدروس) يمتاز بقوة الأدلة و البساطة و الوضوح و عدم الالتواء و التعقيد، و لا يجد الباحث في نثر الشهيد شيئاً من التعقيد و الالتواء، و اصطناع السجع و الزخرفة البديعية التي كان يتعارفها الكتاب فيما سبق.

و شعره- و إن قلّ- يمتاز بالرقة، و دقة التصوير، و روعة الديباجة و المس المباشر للنفس، و جمال التعبير، و جودة الأداء. فمن شعره:

غنينا بنا عن كل من لا يريدنا * * * و إن كثرت أوصافه و نعوته

و من صدّ عنّا حسبه الصد و القلا * * * و من فاتنا يكفيه أنا نفوته (1)

و من قوله في المناجاة:

عظمت مصيبة عبدك المسكين * * * في نومه عن مهر حور العين

الأولياء تمتعوا بك في الدجى * * * بتهجد و تخشع و حنين

فطردتنى عن قرع بابك دونهم * * * أ ترى لعظم جرائمي سبقوني

أوجدتهم لم يذنبوا فرحمتهم * * * أم أذنبوا فعفوت عنهم دوني

إن لم يكن للعفو عندك موضع * * * للمذنبين فأين حسن ظنوني (2)

____________

(1) روضات الجنات: الجزء 2، ص 591.

(2) نفس المصدر.

45

و من قوله في مساير ابن الجوزي في قوله:

أقسمت باللّه و آلائه * * * إليه ألقى بها ربي

إن عليّ بن أبي طالب * * * إمام أهل الشرق و الغرب

من لم يكن مذهبه مذهبي * * * فإنه أنجس من كلب

فقال الشهيد:

لأنه صنو نبي الهدى * * * من سيفه القاطع في الحرب

و قد وقاه من جميع الردى * * * بنفسه في الخصب و الجدب

و النص في الذكر و في «إنّما * * * وليُّكم» كاف لذي لب

من لم يكن مذهبه هكذا * * * فإنه أنجس من كلب (1)

و منه قوله:

بالشوق و الذوق نالوا عزة الشرف * * * لا بالدلوف و لا بالعجب و الصلف

و مذهب القوم أخلاق مطهرة * * * بها تخلقت الأجساد في النطف

صبر و شكر و إيثار و مخمصة * * * و أنفس تقطع الأنفاس باللهف

و الزهد في كل فاقٍ لا بقاء له * * * كما مضت سنة الأخيار في السلف

قوم لتصفية الأرواح قد عملوا * * * و أسلموا عوض الأشباح للتلف

ما ضرهم رث أطمار و لا خلق * * * كالدر حاضرة مخلوق الصلف

لا بالتخلق بالمعروف تعرفهم * * * و لا التكلف في شيء من الكلف

يا شقوتي قد تولت أمة سلفت * * * حتى تخلفت في خلف من الخلف

ينحقون تزاوير الغرور لنا * * * بالزور و البهت و البهتان و السرف

ليس التصوف عكازاً و مسبحة * * * كلا و لا الفقر رؤيا ذلك الشرف

و إن تروح و تغدو في مرقعة * * * و تحتها موبقات الكبر و الشرف

____________

(1) روضات الجنات: الجزء 3، ص 593.

46

و تظهر الزهد في الدنيا و أنت على * * * عكوفها كعكوف الكلب في الجيف

الفقر سر و عنك النفس تحجبه * * * فارفع حجابك تجلو ظلّة التلف

و فارق الجنس و أقر النفس في نفس * * * و غب عن الحس و أجلب ما شئت و اتصف

و اخضع له و تذلل إذ دعيت له * * * و اعرف محلك من آباك و اعترف

وقف على عرفات الذل منكسراً * * * و حول كعبة عرفان الصفا فطف

و ادخل إلى حبوة الأفكار مبتكراً * * * و عد إلى حانة الأذكار بالصحف

و إن سقاك مدبر الراح من يده * * * كأس التجلي فخذ بكأس و اغترف

و اشرب و اسق و لا تبخل على ظمإ * * * فان رجعت بلا ريّ فوا أسفى

و له شعر يخاطب (بيدمرّ) حاكم دمشق عند ما حبسه في قلعة دمشق بتهمة وجّهها إليه أعداؤه في حديث طويل يتظلم فيه إليه عما أسند إليه من التهم و عن حياة السجن:

يا أيها الملك المنصور بيدمر * * * بكم خوارزم و الأقطار تفتخر

إني اراعي لكم في كل آونة * * * و ما جنيت لعمري كيف اعتذر

لا تسمعن في أقوال الوشاة فقد * * * باؤوا بزور و إفك ليس ينحصر

و اللّه و اللّه إيماناً مؤكدة * * * إني بريء من الإفك الذي ذكروا

عقيدتي مخلصاً حب النبي و من * * * أحبه و صحاب كلهم غرر

الفقه و النحو و التفسير يعرفني * * * ثم الاصولان و القرآن و الأثر

و ما تقدم من نماذج من شعر الشهيد يكفي ليلمس القارئ معالم الرقة و الجمال في الأداء و التعبير في (شعر الشهيد) (رحمه الله) تعالى.

2- جهادُهُ

عصر الشهيد:

لكي ندرس الجانب السياسي من (حياة الشهيد) و دوره في الجهاد

47

و إنجازاته ينبغي أن ندرس قبل ذلك الظروف الاجتماعية و السياسية التي عاصرها الشهيد، و الاتجاهات الدينية و السياسية السائدة في عصره، لنلمس من وراء ذلك موقف الشهيد من هذه الحركات و الاتجاهات و أثره في الحياة الاجتماعية، و نوعية الدعوة التي كان يقوم بأعبائها في حقل العمل الاجتماعي: من إصلاح و توجيه و بناء.

أما أن نستعرض حوادث من (حياة الشهيد) و مواقفه و شهادته مما ترددها كتب التراجم: من ميزان نحاول أن نربط بعضها ببعض، و ان نربطها جميعاً بالظروف الاجتماعية التي كان يعيشها، و أن نملأ به بعد ذلك الفجوات و الفراغات التي تلاحظ في ترجمة الشهيد، فهذا العمل- إن صح أن يكون ترجمة لحياة الشهيد- فلا يكون دراسة و بحثاً عن حياة الشهيد و لذلك كله آثرنا أن نعبد الطريق للقارئ، لنشرف معه على سير الحياة الاجتماعية في عصر الشهيد، على أن لا نخرج عن هذا البحث من غير طائل كبير.

انحلال الدولة الإسلامية:

اتخذ (بنو العباس) سياسة قاسية بالنسبة إلى (الشيعة و العلويين) و غالى في هذا السلوك (المتوكل العباسي) بشكل فظيع.

و إذا علمنا أن (العلويين و الشيعة) عامة كانوا من أهم عوامل ظهور (الدولة العباسية) و انحلال الحكم الأموي عرفنا كم كانت (الشيعة) تعاني من هذا السلوك في ظلال الحكم العباسي، و كم كان يخالجهم الشعور بالندم على اسناد الحكم العباسي، و تدعيمه و الاغترار بعهودهم، و لم يجد الشيعة أيّ مبرر لمثل هذا الضغط و العنف في السلوك من قبل الجهاز الحاكم.

و هذا ما حدي بهم إلى التفكير في الاستقلال عن حكومة بغداد العباسية و لكن قوة الحكم العباسي و امتداد سيطرتهم إلى أطراف البلاد كان يمنع

48

(الشيعة) عن القيام بأية محاولة للانفصال و الاستقلال، حتى إذا ظهر الضعف في جهاز الحكم العباسي، و ضعفت سيطرته على البلاد ظهر الانحلال في الحكم العباسي، و انفصل كثير من البلدان عن الحكومة (الأُم) في (بغداد)، و كان أصلح الأقطار الإسلامية للاستقلال و الانفصال عن الحكم العباسي هو (إيران) و (الأندلس) و (إفريقيا):

أما (الأندلس) فقد انفصلت من الحكم العباسي منذ بدء تأسيسه حيث فرّ إليها (عبد الرحمن بن معاوية بن هشام)، و واليها من بعد عبد الرحمن بن يوسف الفهري، و بقي فيها عاماً يخطب للسفاح حتى إذا استقام به الأمر و لحقه أهله من بني أمية استقل في الحكم، و ألغى ذكر بني العباس في الخطبة (1)، فكان ذلك سنة 138 ه.

و بقيت (الأندلس) تحت حكم الأمويين إلى سنة 422 ه.

أما في (إيران) و (إفريقيا) فكان طابع النشاط السياسي هو التشيع و استطاعت (الشيعة) في هذين القطرين بشكل خاص أن يقوموا بوجوه مختلفة من النشاط السياسي، و يظهروا انفصالهم عن بغداد، و حتى أن يدخلوا (بغداد) في بعض الأحيان.

فقد عرف (الشيعة) في تاريخ الإسلام بالحركة و النشاط الدائم و مقاومة الطغيان و الاستبداد و الانحراف في اجهزة الحكم.

و لهذا الأمر كانت السلطات تلاحقهم في كل مكان، و تراقب حركاتهم و مكانهم أشد المراقبة، فحين أخذت (الحكومة العباسية) بالانحراف و أمضت في الضلال خرج (الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن السبط) مع جماعة من أهل بيته منهم (إدريس و يحيى) و استولى على المدينة و طرد عنها عامل (الهادي

____________

(1) راجع سمط النجوم العوالي: الجزء 3 ص 405.

49

العباسي)، و كان الموسم موسم حج، فخرج هو و أصحابه إلى الحج، حتى إذا بلغوا موقعاً قريباً من مكة يقال له: (فخ) أرسل إليهم الحاكم العباسي جيشاً وضع فيهم السيف حتى قتل جمعاً كثيراً منهم، و فيهم (الحسين الفخ) نفسه، و كان ذلك في يوم التروية (1)، و نجى منهم فيمن نجى إدريس بن عبد اللّه و يحيى بن عبد اللّه.

أما (يحيى) ففر إلى الديلم و التفت حوله الناس، فأرسل الرشيد إليه جيشاً بقيادة الفضل بن يحيى فكاتبه الفضل، و أعطاه الأمان، فآثر يحيى السلم على الحرب و ذهب إلى (بغداد) فأكرمه الرشيد ثم غدر به (2).

دولة الأدارسة (172- 375):

أما إدريس ففرّ إلى مصر، و منها إلى المغرب، و اجتمعت حوله قبائل البربر و غيرهم، و اشتد أمره و استمر حكمهم قرنين و ثلاث سنين و امتدت سلطتهم في المغرب، و كانت حاضرة ملكهم مدينة فأس (3).

و قد استطاع الأدارسة في هذه الفترة أن يخدموا المغرب كثيراً، و أن يخلفوا تراثاً حضارياً و مدنياً قيماً، و أن ينشروا التشيع في هذا القطر من الأرض.

الفاطميون:

و في سنة 286 هجرية بعد ما ضعفت (الدولة العباسية) أخذ (أبو عبد اللّه الشيعي)، يدعو لعبيد بن المهدي في (إفريقيا) و أخذ البيعة و انتزع إفريقيا من

____________

(1) راجع الطبري: الجزء 10، ص 24- 32. و ابن كثير: الجزء 10، ص 40. و ابن أثير: الجزء 6، ص 32- 34.

(2) راجع مقاتل الطالبيين: ص 463- 483.

(3) راجع تاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم حسن: الجزء 3 ص (162- 167).

50

(بني الأغلب) و استولى عليها و على الغرب الأقصى و الشام، و اقتطعوا سائر هذه الأقطار من (العباسيين)، و استمر حكمهم إلى سنة 567 هو امتد نفوذهم إلى (مصر و الحجاز و اليمن).

و كان (الفاطميون) شيعة اسماعيلية، سعوا كثيراً لنشر التشيع في (مصر و إفريقيا) و الأقطار الأخرى التي كانت تحت يدهم.

و ربما جاز لنا أن نقول: ان ظهور (الفاطميين) و استيلاءهم على الحكم و حرصهم على نشر (التشيع) و معارضة المذاهب الأخرى كان ردّ فعل طبيعي للعنف و الضغط الذي كانت (الشيعة) تنوء به أيام الحكم العباسي.

دولة مستقلة أخرى:

استقل (الحمدانيون) في (الموصل و حلب)، و امتد حكمهم من 317 الى 394 ه.

و ظهر باليمن (يحيى بن الحسن بن القاسم الرسي) و هو ابن (إبراهيم طباطبا)، و ملك صعدة و صنعاء، و ظهر (القرمطي) بنواحي (البحرين و عمان) و سار إليهما سنة 279 هأيام المعتضد، و استمر حكمهم الى القرن الرابع.

و خلال هذه الفترة استبد (بنو سامان) بما وراء النهر آخر أعوام 260 ه، و امتد حكمهم إلى آخر القرن الرابع، ثم اتصلت دولة أُخرى في مواليهم ب(قرنة) منتصف المائة السادسة.

و كانت للأغالبة بالقيروان و إفريقية دولة اخرى استقلت منذ أيام الرشيد، و استمرت إلى أوائل المائة الثالثة، ثم أعقبتها دولة اخرى لمواليهم (بني طنج) موالي كافور إلى الستين و الثلاث مائة (1).

____________

(1) راجع سمط النجوم: تأليف عبد الملك بن حسين العصامي المكّي الجزء 3، ص 406 و 407.

51

و استقل (بنو بويه) في الحكم من سنة 334، و استمر حكمهم إلى سنة 447، و امتد سلطانهم على جزء كبير من الوطن الإسلامي عن (فارس و الأهواز و كرمان و بغداد) و غيرها.

خدم (البويهيون) التشيع أيام حكمهم، و نشروا المذهب في (إيران و العراق) و خلفوا تراثاً فكرياً قيماً من بعدهم، و لسنا بصدد الحديث عنه.

و تأسست (الدولة الايوبية) سنة 564، و امتد سلطانهم أيام (صلاح الدين) من النيل إلى دجلة، و في أيامهم وقعت الحرب الصليبية المعروفة بين المسلمين و المسيحيين، و عرفت (الدولة الايوبية) بطابعها السني المجافي للشيعة.

خلف الايوبيون في الحكم (المماليك) و هذه السلسلة غريبة في وضعها، فقد تعاقب الحكم فيها عبيد من جنسيّات مختلفة، و استمر سلطانهم نحواً من قرنين و ثلاثة أرباع قرن، و كانوا بشكل عام سفاكين و غير مثقفين (1).

و يقسم المماليك إلى المماليك البحرية (1250 م- 1390 م) و المماليك البرجية (1382 م- 1517 م) فالبحرية سموا بذلك نسبة إلى النيل، إذ كانت ثكناتهم تقوم على جزيرة صغيرة في نهر النيل، و كان أكثرهم من الترك و المغول.

أما البرجية فكانوا في الغالب من الجراكسة.

الجراكسة:

استولى (ملوك الجراكسة) على الحكم بعد المماليك البحرية الذين كانوا امتداداً لدولة الأيوبيين. و كان ابتداء ملكهم سنة أربع و ثمانين و سبعمائة و استمر حكمهم مائة و ثمانية و ثلاثون سنة، و كانت عاصمة حكمهم (القاهرة) و أول ملوكهم الملك الظاهر سيف الدين (برقوق).

____________

(1) راجع تاريخ سوريا و لبنان و فلسطين: فليب حتى، الجزء 2 ص 267.

52

برقوق:

كان (برقوق) أول عهده عبداً و اتابكاً خاصّاً للملك الصالح الحاجي بن الأشرف بن شعبان، و هو الرابع عشر من ملوك الأتراك مماليك الايوبيين المتغلبين عليهم.

و قد تولى (الحاجي) الحكم و هو ابن عشر سنوات، و لم يكن له من الأمر غير الاسم، فألزم (برقوق) الأمراء بخلعه، و نصب نفسه للحكم سنة أربع و ثمانين و سبعمائة.

و لكن الأمر لم يصف له، فقد انشق عليه بعد حين من الزمان أمراء عصره فخرج عليهم (تمريغ الأفضلي) و (بليغ العمري) و نزعا عنه الحكم و ملكا مصر و أعيد حاجي إلى الحكم مرة أخرى، و حبس (برقوق) بالكرك.

و لم يطل الأمر ببرقوق، فقد خرج من السجن و كرّ ثانياً على أعدائه و جمع الجيوش و تمكن منهم و أزاحهم عن المسرح و استقل بالأمر إلى أن توفي سنة 801 (1).

علاقة برقوق بالخليفة العباسي:

في عهد برقوق كان القائم بالخلافة هو (المتوكل) محمد بن المعتضد العباسي، و قد خطب الخليفة قبل أن يفوض إلى برقوق الأمر خطبة بليغة ثم قلده الأمر بحضور جمع من القضاة (2).

و لكن (برقوق) لم يبق وفياً بالنسبة إلى الخليفة العباسي، فقد خلعه سنة 785 و حبسه بقلعة الجليل، و بويع بالخلافة محمد بن إبراهيم بن المستمسك ابن

____________

(1) راجع سمط النجوم العوالي: الجزء 4، ص 32.

(2) حسن المحاضرة للسيوطي: الجزء 2، ص 88.