السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ج2

- ابن إدريس الحلي المزيد...
750 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ (1)

ربّ يسّر

كتاب الجهاد و سيرة الإمام

باب فرض الجهاد و من يجب عليه و شرائط وجوبه و حكم الرباط

الجهاد فريضة من فرائض الإسلام، و ركن من أركانه، و هو من فروض الكفايات، و معنى ذلك أنّه إذا قام به من في قيامه كفاية و غنا عن الباقين و لا يؤدي إلى الإخلال بشيء من أمر الدين، سقط عن الآخرين، و متى لم يقم به أحد لحق جميعهم الذم، و استحقوا بأسرهم العقاب.

و يسقط الجهاد عن النساء، و الصّبيان، و الشيوخ الكبار، و المرضى، و من ليس به نهضة إلى القيام بشرطه.

و من كان متمكنا من إقامة غيره مقامه في الدفاع عنه، و هو غير متمكّن من القيام به بنفسه، وجب عليه إقامته و إزاحة علته فيما يحتاج إليه.

و من تمكن من القيام بنفسه فأقام (2) غيره مقامه، سقط عنه فرضه، إلا أن يلزمه الناظر في أمر (3) المسلمين القيام بنفسه، فحينئذ يجب عليه أن يتولى هو الجهاد، و لا يكفيه إقامة غيره (4).

و من يجب عليه الجهاد انّما يجب عليه عند شروط، و هي أن يكون الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره، و لا يسوغ لهم الجهاد من دونه، ظاهرا، أو يكون من نصبه الإمام للقيام بأمر المسلمين في الجهاد حاضرا، ثمّ

____________

(1) ل: سقط منها البسملة و «ربّ يسّر».

(2) ل: و اقام:

(3) ل: في أمور.

(4) ج: اقامة غير مقامه.

4

يدعوهم إلى الجهاد فيجب عليهم حينئذ القيام به، و متى لم يكن الإمام ظاهرا، و لا من نصبه حاضرا، لم تجز مجاهدة العدو.

و الجهاد مع أئمّة الجور، أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم، و إن أصاب لم يوجر، و إن أصيب كان مأثوما، اللهم إلا أن يدهم المسلمين و العياذ باللّه أمر من قبل العدو يخاف منه على بيضة الإسلام، و يخشى بواره، و بيضة الإسلام: مجتمع الإسلام و أصله، أو يخاف على قوم منهم، وجب حينئذ أيضا جهادهم و دفاعهم، غير أنّه يقصد المجاهد و الحال ما وصفناه الدفاع عن نفسه، و عن حوزة الإسلام، و عن المؤمنين، و لا يقصد الجهاد مع السّلطان الجائر، و لا مجاهدتهم ليدخلهم في الإسلام، و هكذا حكم من كان في دار الحرب، و دهمهم عدو يخاف منه على نفسه، جاز أن يجاهد مع الكفار دفعا عن نفسه و ماله، دون الجهاد الذي يجب في الشرع.

و متى جاهدوا مع عدم الإمام، و عدم من نصبه للجهاد، فظفروا، و غنموا، كانت الغنيمة كلها للإمام خاصة، و لا يستحقون هم منها (1) شيئا أصلا.

و المرابة، فيها فضل كبير، و ثواب جزيل، إذا كان هناك إمام عادل، و حدّها ثلاثة أيّام إلى أربعين يوما، فإن زاد على ذلك كان جهادا، و حكمه حكم المجاهدين.

و من نذر المرابطة في حال استتار الإمام، وجب عليه الوفاء به، غير انه لا يجاهد العدو، إلا على ما قلناه من الدفاع عن الإسلام و النّفس.

و إن نذر أن يصرف شيئا من ماله إلى المرابطين في حال ظهور الإمام، وجب عليه الوفاء به، و إن كان ذلك في حال استتاره، لا يجب عليه الوفاء بالنذر. على قول بعض أصحابنا (2)، بل قال يصرفه في وجوه البر.

____________

(1) ل: و لا يستحقون منها.

(2) و هو الشيخ الطوسي (قدس سره) في النهاية، كتاب الجهاد، إلا أنه في المصدر: «في حال انقباض يد الإمام» مكان قوله: «حال استتاره».

5

قال محمد بن إدريس مصنّف هذا الكتاب: إن كان النذر غير صحيح، فما يجب عليه صرفه في وجوه البر، و إن كان النذر صحيحا فيوجهه إلى الجهة (1) المنذور فيها، لا يجزيه غيره.

ثمّ قال الذاهب الأوّل الذي حكينا كلامه: إلا أن يخاف من الشناعة لتركه الوفاء بالنذر، فيصرفه إليهم تقية.

و الذي اعتمده و أعمل عليه، صحة هذا النذر، و وجوب الإتيان به، لأنّه إمّا مندوب إليه، أو مباح، و النذر في المباح يجب الوفاء به، و كذلك المندوب إليه و لا مانع يمنع منه.

و من آجر نفسه لينوب عن غيره في المرابطة، فإن كان في حال انقباض يد الإمام العادل، قال بعض أصحابنا: لا يلزمه الوفاء به، و يردّ عليه ما أخذه منه، فإن لم يجده فعلى ورثته، و إن لم يكن له ورثة، لزمه الوفاء به، ذكر ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (2).

و الذي يقوى عندي، و تقتضيه الأدلة، لزوم الإجارة في الحالين معا، غير أنّه لا يجاهد العدو إلا على ما قلناه من الدفاع عن النفس و الإسلام، لأنّ عندنا بغير خلاف أنّه إذا نذر المرابطة في حال استتار الإمام، وجب عليه الوفاء به، غير أنّه لا يجاهد العدو إلا على ما قلناه، و قد قدّمنا (3) ذلك. فإن كان في حال ظهور الإمام، لزمه الوفاء به، على كلّ حال.

و من لا يمكنه المرابطة بنفسه، فرابطة دابة، أو أعان المرابطين بشيء من ماله، كان فيه الثواب.

____________

(1) ج: في الجهة.

(2) النهاية: كتاب الجهاد، إلا أنّ في المصدر: «و من أخذ من إنسان».

(3) ل: قد بيّنا.

6

باب في ذكر أصناف الكفار و من يجب قتالهم منهم و كيفية القتال

الكفار على ثلاثة أضرب، أهل كتاب و هم اليهود و النّصارى، فهؤلاء يجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية. و من له شبهة كتاب فهم المجوس (1)، فحكمهم حكم أهل الكتاب، يقرون أيضا على دينهم ببذل الجزية. و من لا كتاب له و لا شبهة كتاب، و هم من عدا هؤلاء الثلاثة الأصناف، من عباد الأصنام، و الأوثان، و الكواكب، و غيرهم فلا يقرون على دينهم ببذل الجزية.

و متى امتنع أهل الكتاب، و من له شبهة كتاب، من بذل الجزية، كان حكمهم حكم غيرهم من الكفّار، في وجوب قتالهم، و سبي ذراريهم، و نسائهم، و أخذ أموالهم و تكون فيئا.

و ينبغي للإمام أن يبدأ بقتال من يليه من الكفار، الأقرب فالأقرب، و الأولى أن يشحن كلّ طرف من أطراف بلاد الإسلام بقوم يكونون أكفاء لمن يليهم من الكفّار، و يولّي عليهم أميرا عاقلا دينا خيّرا شجاعا يقدم في موضع الإقدام، و يتأنى في موضع التّأني.

و لا يجوز قتال أحد من الكفار إلا بعد دعائهم إلى الإسلام، و إظهار الشهادتين، و الإقرار بالتوحيد، و العدل، و التزام جميع شرائع الإسلام، فمتى دعوا إلى ذلك، و لم يجيبوا حلّ قتالهم، و متى لم يدعوا لم يجز قتالهم.

و الداعي ينبغي أن يكون الإمام أو من يأمره الإمام.

و لا يجوز قتال النساء، فإن قاتلن المسلمين، و عاون أزواجهن، و رجالهن، أمسك عنهن، فإن اضطر إلى قتلهن جاز حينئذ قتلهن، و لم يكن به بأس.

و شرائط الذّمة، الامتناع من مجاهرة المسلمين، بأكل لحم الخنزير، و شرب

____________

(1) ج: و هم المجوس.

7

الخمور، و أكل الربا، و نكاح المحرمات في شريعة الإسلام، و إن لا يأووا عينا على المسلمين، و لا يعاونوا عليهم كافرا، و ان لا يستقروا (1) على مسلم، فمتى فعلوا شيئا من ذلك، فقد خرجوا من الذمة، و جرى عليهم أحكام الكفار الحربيين الذين لا كتاب لهم.

و من أسلم من الكفار و هو بعد في دار الحرب، كان إسلامه حقنا لدمه، من القتل، و لولده الصغار من السبي. فأمّا الكبار (2) منهم البالغون، فحكمهم حكم غيرهم من الكفار، و ماله من الأخذ، كلّ ما كان صامتا، أو متاعا، أو أثاثا، و جميع ما يمكن نقله إلى دار الإسلام، و أمّا الأرضون، و العقارات، و ما لا يمكن نقله فهو فيء للمسلمين.

و يجوز قتال الكفار بسائر أنواع القتل و أسبابه، إلا بتغريق المساكن، و رميهم بالنيران، و إلقاء السم في بلادهم، فإنّه لا يجوز أن يلقى السمّ في بلادهم قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطة: و كره أصحابنا إلقاء السمّ (3) و قال في نهايته:

لا يجوز إلقاء السّم في بلادهم (4) و ما ذكره في نهايته، به نطقت الأخبار عن الأئمة الأطهار (5) و روى أصحابنا كراهيّة تبييت العدو حتى يصبح (6).

و الوجه في جميع ما تقدم أنّه إذا كان مستظهرا و فيه قوة، و لا حاجة به إلى الإغارة ليلا، امتنع، و إذا كان بالعكس من ذلك، جاز الإغارة ليلا، و روى ابن عبّاس عن المصعب بن حنانة، قال: قلت يا رسول اللّٰه، نبيّت المشركين و فيهم النساء و الصبيان، فقال: انّهم منهم (7).

و أمّا تخريب المنازل، و الحصون، و قطع الأشجار المثمرة، فإنّه جائز إذا غلب

____________

(1) ل: و لا يسقروا.

(2) ل: فأمّا الكبار البالغون.

(3) المبسوط في فصل أصناف الكفار و كيفية قتالهم.

(4) النهاية: كتاب الجهاد، باب من يجب قتالهم.

(5) الوسائل: كتاب الجهاد، الباب 16 من أبواب جهاد العدو، و الباب 15 من مستدرك الوسائل.

(6) الوسائل: كتاب الجهاد، الباب 17 من أبواب جهاد العدو.

(7) سنن ابن ماجة: ج 2(ص)947 ح 2839 و سنن أبي داود: ج 3(ص)54 ح 2672 الصعب بن جثامة و فيهما كالمبسوط الموافق لما في الكتب الرجالية و في ج. الصعب بن خبانه.

8

في ظنّه أنّه لا يملك إلا بذلك، فإن غلب في ظنه أنّه يملكه، فالأفضل أن لا يفعل، فإن فعل جاز، كما فعل الرّسول (عليه السلام) بالطائف، و بنى النضير، و خيبر، فأحرق على بنى النّضير، و خرّب ديارهم.

و إذا تترس المشركون بأطفالهم، فإن كان ذلك حال التحام القتال، جاز رميهم، و لا يقصد الطفل، بل يقصد من خلفه، لأنّه لو لم يفعل ذلك لأدى إلى بطلان الجهاد، و كذلك الحكم إذا تترسوا بأسارى المسلمين، و كذلك إذا تترسوا بالنساء، فإن كان في جملتهم قوم من المسلمين النازلين عليهم، فهلك المسلمون فيما بينهم، أو هلك من أموالهم شيء، لم يلزم المسلمين و لا غيرهم غرامته من الدية، و الأرش.

فإمّا الكفارة في قتل المسلم النازل عندهم، من غير قصد إلى قتله، فإنّ الدية لا تجب، و لا القود، بل يجب الكفارة لقوله تعالى فَإِنْ كٰانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (1) و لم يذكر الدية.

و لا بأس بقتال المشركين في أي وقت كان، و في أيّ شهر كان، إلا الأشهر الحرم، فإنّ من يرى منهم خاصّة لهذه الأشهر حرمة، لا يبتدءون فيها بالقتال، فإن بدءوا هم بقتال المسلمين جاز حينئذ قتالهم، و ان لم يبتدئوا، أمسك عنهم إلى انقضاء هذه الأشهر، فأمّا غيرهم من سائر أصناف الكفار، فإنّهم يبتدئون فيها بالقتال على كل حال.

و لا بأس بالمبارزة بين الصفين في حال القتال، غير أنّه لا يجوز أن يطلب المبارزة، إلا بإذن الإمام.

و لا يجوز لأحد أن يؤمن إنسانا على نفسه ثم يقتله، فإنّه يكون غادرا (2).

و يلحق بالذراري من لم يكن قد أنبت بعد، و من أنبت، الحق بالرجال و اجرى عليه أحكامهم.

____________

(1) النساء: 92.

(2) ل: عاديا غادرا.

9

و يكره قتل من يجب قتله صبرا، و انّما يقتل على غير ذلك الوجه، و معنى صبرا (1) حبسا للقتل.

و لا يجوز أن يفر واحد من واحد، و لا اثنين، فإن فر منهما، كان مأثوما، و من فر من أكثر من اثنين، لم يكن به بأس.

باب قسمة الفيء و أحكام الأسارى

قد ذكرنا في كتاب الزكاة كيفيّة قسمة الفيء، غير انّا نذكر هاهنا ما يليق بهذا المكان.

كلّ ما غنمه المسلمون من المشركين، ينبغي للإمام أن يخرج منه الخمس، فيصرفه في أهله و مستحقه، حسب ما بيّناه في كتاب الزكاة، بعد اصطفاء ما يصطفيه، و الباقي على ضربين، ضرب منه للمقاتلة خاصّة، دون غيرهم من المسلمين، و ضرب هو عام لجميع المسلمين، مقاتليهم و غير مقاتليهم، فالذي هو لجميع المسلمين، فكلّ ما عدا (2) ما حواه العسكر، من الأرضين، و العقارات، و غير ذلك، فإنّه بأجمعه فيء للمسلمين، من غاب منهم، و من حضر على السواء، و ما حواه العسكر يقسم بين المقاتلة خاصة، و لا يشركهم فيه غيرهم.

فإن قاتلوا و غنموا، فلحقهم قوم آخرون، لمعونتهم، أو مدد لهم (3)، كان لهم من القسمة، مثل ما لهم، يشاركونهم، هذا إذا لحقوا بهم قبل قسمة الغنيمة، فأمّا إذا لحقوا بعد القسمة، فلا نصيب لهم معهم، و كذلك إذا نفذ أمير الجيش سرية إلى جهة، فغنموا، شاركهم الجيش، لأنّه مدد لهم، و هم من جملته.

و ينبغي للإمام أن يسوّي بين المسلمين في القسمة، لا يفضل أحدا منهم

____________

(1) ج: و يعنى بقولهم صبرا.

(2) ج: المسلمين، كلّ ما عدا.

(3) ل: آخرون و مددهم.

10

لشرفه، أو علمه، أو زهده على من ليس كذلك في قسمة الفيء.

و ينبغي أن يقسم للفارس سهمين، و للراجل سهما على الصحيح من المذهب.

و قال بعض أصحابنا (1): يعطى الفارس ثلاثة أسهم، و إن لم يكن معه إلا فرس واحد، و الأظهر من الأقوال الأول.

فإن كان مع الرجل، أفراس جماعة، لم يسهم منها إلا لفرسين، فيعطى ثلاثة أسهم، و للراجل سهم واحد، و لصاحب الفرس الواحد سهمان، و لا يسهم لشيء من المركوب من الإبل، و البغال، و الحمير، و البقر، و الفيلة، إلا للخيل خاصّة، بلا خلاف، سواء كان الفرس عتيقا كريما، أو برذونا، أو هجينا، أو مقرفا، أو حطما، أو قحما، أو ضرعا، أو أعجف، أو رازحا، فإنّه يسهم له (2) فالعتيق، الذي أبوه كريم، و امه كريمة. و البرذون الذي أبوه كريم (3)، و امه غير عتيقة، و هي الكريمة. و الهجين، الذي أبوه عتيق، و امه غير عتيقة، و المقرف عكس ذلك. و الحطم: المتكسر. و القحم، بفتح القاف و سكون الحاء، الكبير.

و الضرع، بفتح الضاد و الراء: الصغير و الأعجف: المهزول. و الرازح: الذي لا حراك به.

و من ولد في أرض الجهاد من الذكور قبل قسمة الغنيمة، كان له من السهم مثل ما للمقاتل على السواء، على ما رواه أصحابنا (4).

و إذا قاتل قوم من المسلمين المشركين في السفينة، فغنموا و فيهم الفرسان و الرجالة، كان قسمتهم مثل قسمتهم لو قاتلوا على البر سواء، للفارس سهمان، و للراجل سهم، على ما رواه أصحابنا (5).

و عبيد المشركين إذا لحقوا بالمسلمين قبل مواليهم، و أسلموا، كانوا أحرارا،

____________

(1) و هو الإسكافي على ما في الجواهر.

(2) ج: يسهم.

(3) ج: أبوه غير كريم.

(4) الوسائل: كتاب الجهاد، الباب 41، ح 8- 9.

(5) الوسائل: كتاب الجهاد، الباب 38 من أبواب جهاد العدو.

11

و حكمهم حكم الأحرار المسلمين، و إن لحقوا بعد مواليهم، كان حكمهم حكم العبيد، لا يخرجون من ملكة ساداتهم، و في الأول خرجوا باللحوق قبل السادة من ملكتهم، و لو أسلم السادة بعدهم لم يعودوا إلى ملكتهم.

و متى أغار المشركون على المسلمين، فأخذوا منهم ذراريهم، و عبيدهم، و أموالهم، ثم ظفر بهم المسلمون، فأخذوا منهم ما كانوا أخذوه، فإنّ أولادهم يردّون إليهم بعد أن يقيموا البيّنة، و لا يسترقون بغير خلاف في ذلك.

فأمّا العبيد و الأمتعة و الأثاثات (1)، قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: يقومون في سهام المقاتلة، و يعطي الإمام مواليهم أثمانهم من بيت المال (2).

و الذي تقتضيه أصول المذهب، و تعضده الأدلة، و افتي به، أنّ ذلك إن قامت البيّنة به قبل القسمة، ردّ على أصحابه بأعيانه، و لا يغرم الإمام للمقاتلة عوضه شيئا، و إن كان ذلك بعد قسمة الغنيمة على المقاتلة، ردّ أيضا بأعيانه على أصحابه، ورد الإمام قيمة ذلك للمقاتلة من بيت المال، لا يجوز غير ذلك، لأنّ المشركين لا يملكون أموال المسلمين، و تملكه من أربابه يحتاج إلى دليل، و قول الرسول (عليه السلام) لا يحل مال امرء مسلم إلا عن طيب نفس منه (3)، و المسلم، ما طابت نفسه بأخذ ماله.

و إلى ما اخترناه و حررناه يذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره (4) فإنه قال بعد ما أورد أخبارا: و الذي أعمل عليه، أنّه أحق بعين ماله على كل حال (5)، و هذه الأخبار على ضرب من التقية، ثم قال: و الذي يدل على ذلك، ما رواه

____________

(1) ل: و الأثاث.

(2) النهاية: كتاب الجهاد، باب قسمة ألفي.

(3) مستدرك الوسائل: كتاب الغصب، الباب 1، ح 5.

(4) الاستبصار: كتاب الجهاد، الباب 3 في أن المشركين يأخذون من مال المسلمين.

(5) ل: و تحمل.

12

الحسن بن محبوب، في كتاب المشيخة، عن عليّ بن رئاب، عن طربال، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن رجل كانت له جارية، فأغار عليه المشركون، و أخذوها منه، ثمّ انّ المسلمين بعد غزوهم، فأخذوها فيما غنموا منهم، فقال: إن كانت في الغنائم، و أقام البيّنة أنّ المشركين أغاروا عليهم و أخذوها منه، ردّت عليه، و إن كانت اشتريت، و خرجت من المغنم، فأصابها، ردّت عليه برمتها، و أعطى الذي اشتراها، الثمن من المغنم من جميعه، فإن لم يصبها حتى تفرّق الناس، و قسموا جميع الغنائم، فأصابها بعد، قال: يأخذها من الذي هي في يده، إذا أقام البيّنة، و يرجع الذي هي في يده على أمير الجيش بالثمن (1) هذا آخر كلام شيخنا في الاستبصار، و إلى ما اخترناه يذهب في مسائل خلافه أيضا (2).

و الأسارى، فعندنا على ضربين، أحدهما أخذ قبل أن تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا، و ينقضي الحرب و القتال، فإنّه لا يجوز للإمام استبقاؤه، بل يقتله، بأن يضرب رقبته (3)، أو يقطع يديه و رجليه، و يتركه حتى ينزف و يموت، إلا أن يسلم، فيسقط عنه القتل.

و الضرب الآخر، هو كلّ أسير يؤخذ بعد أن تضع الحرب أوزارها، فإنّه يكون الامام مخيرا فيه، بين أن يمن عليه، فيطلقه، و بين أن يسترقه، و بين أن يفاديه، و ليس له قتله بحال.

و من أخذ أسيرا فعجز عن المشي، و لم يكن معه ما يحمله عليه إلى الامام، فليطلقه، لأنّه لا يعلم ما حكم الامام فيه.

و من كان في يده أسير، وجب عليه أن يطعمه، و يسقيه، و إن أريد قتله في الحال و لا يجوز قتال أحد من الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة، إلا بعد دعائهم الى

____________

(1) الوسائل: الباب 37 من أبواب الجهاد، ح 5، و في الاستبصار: كتاب الجهاد، الباب 3 ح 5.

(2) الخلاف: كتاب السير، مسألة 10.

(3) ل: عنقه.

13

الإسلام، و إظهار الشهادتين، و الإقرار بالتوحيد و العدل، و التزام جميع شرائع الإسلام، و الداعي يكون الإمام، أو من يأمره الإمام، على ما قدمناه.

فإن بدر إنسان، فقتل منهم قبل الدعاء، فلا قود عليه، و لا دية، لأنّه لا دليل عليه، و قوله عزّ و جلّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (1) أراد بالحج و الأدلة، و قيل: أراد بذلك (2)، عند قيام المهدي (عليه السلام)، و قيل: إنّه أراد على أديان العرب كلّها (3)، و قد كان ذلك.

فإن أسر الكافر، و له زوجة، فإنّهما على الزوجية ما لم يختر الإمام الاسترقاق، فإن منّ عليه، أو فأداه، عاد إلى زوجته، و إن اختار استرقاقه، انفسخ النكاح.

و إن كان الأسير امرأة مزوجة، فإن النكاح ينفسخ بنفس الأسر لأنّها صارت رقيقة بنفس الأسر.

و إذا وقعت المرأة و ولدها في السبي، قال بعض أصحابنا: لا يجوز للإمام أن يفرّق بينهما، فيعطي الام لواحد، و الولد لآخر.

و هكذا إذا كان لرجل أمة، و ولدها، فلا يجوز أن يفرّق بينهما يبيع و لا هبة (4) و لا غيرهما من أسباب الملك، و في أصحابنا من قال: انّ ذلك مكروه، و لا يفسد البيع به، و هو الأقوى عندي، و هو مذهب شيخنا أبي جعفر في مبسوطة، فإنّه قال:

فإن خالف و باع، جاز البيع على الظاهر من المذهب (5)، هذا قول شيخنا أبي جعفر في مبسوطة، و كذلك في موضع من نهايته (6).

و أمّا التفرقة بينه و بين الوالد، فإنه جائز بغير خلاف.

قد بيّنا أنّه متى حدث الرق في الزوجين، أو أحدهما انفسخ النكاح بينهما،

____________

(1) التوبة: 33.

(2) ج: ذلك.

(3) ل: و قيل أراد أديان العرب كلّها.

(4) ج: أوهبة.

(5) المبسوط: كتاب الجهاد، في فصل حكم الأسارى.

(6) النهاية: باب العتق و أحكامه.

14

فالنساء يرققن بنفس حيازة الغنيمة، و الرجال يرقون باختيار الإمام، لا بحيازة الغنيمة، فعلى هذا إذا سبي الزوجان، انفسخ النكاح في الحال، لأنّ الزوجة صارت مملوكة بنفس الحيازة، و إن كان المسبي الرجل، لا ينفسخ النكاح، إلا إذا اختار الإمام استرقاقه، فإن كان المسبي المرأة، انفسخ أيضا في الحال لما قلناه.

فأمّا إذا كان الزوجان جميعا مملوكين، فإنّه لا ينفسخ النكاح، لأنّه ما حدث رق هاهنا، لأنّهما كانا رقيقين قبل ذلك.

و الفرس الذي يقسم له، ما تناوله اسم الخيل و الفرس، سواء كان عتيقا أو هجينا أو مقرفا، فالعتيق الذي أبوه و امه عربيان، عتيقان، خالصان. و الهجين الذي أبوه كريم عتيق، و امّه برذونة و المقرف الذي أمه كريمة عتيقة، و أبوه برذون، قال الشاعر:

و ما هند إلا مهرة عربيّة * * * سليلة أفراس تجلّلها بغل

فإن نتجت مهرا كريما فبالحرى * * * و إن يك أقراف فمن جهة الفحل

فأمّا من قاتل على حمار، أو على بغل، أو جمل، فلا يسهم لمركوبه، لانّه ليس بفرس، و لا يسمّى راكبه فارسا.

و تجب الهجرة على كل من قدر عليها، و لا يأمن على نفسه من المقام بين الكفار، و لا يتمكن من إظهار دينه بينهم، فيلزمه أن يهاجر، و الهجرة باقية أبدا، ما دام الشرك قائما، و روي عن النبي (عليه السلام)، أنّه قال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، و لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها (1).

و ما روي من قوله (عليه السلام): لا هجرة بعد الفتح (2)، معناه لا هجرة بعد الفتح، فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، و قيل: المراد لا هجرة (3) بعد الفتح من مكّة،

____________

(1) التاج: ج 4،(ص)345، كنز العمال: ج 16،(ص)654. أخرجه عن صحيح مسلم و سنن أبي داود.

(2) الوسائل: كتاب الجهاد، الباب 36 من أبواب جهاد العدو ح 7.

(3) ج: المراد بعد.

15

لأنّها صارت دار إسلام.

و لا جهاد على العبيد.

و المسلم، إذا أسره المشركون، لم يجز له أن يتزوّج فيما بينهم، فإن اضطر جاز له أن يتزوج في اليهود و النصارى، على ما روي في بعض الأخبار (1) فأمّا غيرهم فلا يقربهم على حال (2).

باب قتال أهل البغي و المحاربين و كيفيّة قتالهم و السيرة فيهم

كل من خرج على إمام عادل، و نكث بيعته، و خالفه في أحكامه، فهو باغ، و جاز للإمام قتاله، و مجاهدته، و يجب على من يستنهضه الإمام في قتالهم، النهوض معه، و لا يسوغ له التأخير عن ذلك.

و جملة الأمر و عقد الباب، أنّه لا يجب قتال أهل البغي، و لا يتعلّق بهم أحكامهم، إلا بثلاثة شروط:

أحدها: أن يكونوا في منعة، و لا يمكن كفهم و تفريق (3) جمعهم، إلا باتفاق، و تجهيز جيوش و قتال.

و الثاني: أن يخرجوا عن قبضة الإمام، منفردين عنه، في بلد أو بادية، فأمّا إن كانوا معه في قبضته، فليسوا أهل بغي.

و الثالث: أن يكونوا على المباينة بتأويل سائغ (4) عندهم، فأمّا من باين و انفرد بغير تأويل، فهو قاطع طريق، و حكمهم حكم المحاربين، لا حكم البغاة.

و من خرج على إمام جائز، لم يجز قتالهم على حال.

و لا يجوز قتال أهل البغي، إلا بأمر الإمام، و من قاتلهم، فلا ينصرف

____________

(1) الوسائل: كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر و نحوه ح 3- 4- 5.

(2) ل: على كل حال.

(3) ل: و لا تفريق.

(4) ل: شائع عنهم.

16

عنهم إلا بعد الظفر بهم، أو يفيئوا إلى الحقّ، و من رجع عنهم من دون ذلك، فقد باء بغضب من اللّٰه تعالى، و عقابه، عقاب من فرّ من الزحف.

و أهل البغي عند أصحابنا على ضربين، ضرب منهم يقاتلون، و لا يكون لهم رئيس يرجعون اليه، و الضرب الآخر، يكون لهم أمير و رئيس يرجعون في أمورهم إليه، فالضرب الأوّل، كأهل البصرة و أصحاب الجمل. و الضرب الثاني كأهل الشام و أصحاب معاوية بصفين، فإذا لم يكن لهم رئيس يرجعون إليه، فإنّه لا يجاز على جريحهم، و لا يتبع هاربهم (1)، و لا تسبى ذراريهم، و لا يقتل أسيرهم، و متى كان لهم رئيس يرجعون إليه في أمورهم، كان للإمام أن يجيز على جريحهم، و أن يتبع هاربهم، و أن يقتل أسيرهم.

و لا يجوز سبي الذراري على حال.

و يجوز للإمام أن يأخذ من أموالهم ما حوى العسكر، و يقسم على المقاتلة حسب ما قدّمناه، و ليس له ما لم يحوه العسكر، و لا له إليه سبيل على حال، هذا مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي في نهايته (2) و الجمل و العقود (3).

ثم قال في مبسوطة: إذا انقضت الحرب بين أهل العدل و البغي، إمّا بالهزيمة، أو بأن عادوا إلى الحقّ، و طاعة الإمام، و قد كانوا أخذوا الأموال، و أتلفوا، و قتلوا، نظرت، فكلّ من وجد عين ماله عند غيره، كان أحق به، سواء كان من أهل العدل، أو أهل البغي، لما رواه ابن عبّاس أنّ النبيّ صلى اللّٰه عليه و آله قال: المسلم أخ المسلم، لا يحل له دمه، و ماله إلا بطيبة من نفسه، و روي أنّ عليا (عليه السلام) لما هزم الناس يوم الجمل، قالوا له: يا أمير المؤمنين، ألا تأخذ أموالهم، قال: لا، لأنّهم تحرّموا بحرمة الإسلام، فلا تحل أموالهم في دار الهجرة،

____________

(1) ل: منهزمهم.

(2) النهاية: كتاب الجهاد، باب قتال أهل البغي و المحاربين ..

(3) الجمل و العقود: لا يوجد في النسخة التي بأيدينا.

17

و روى أبو قبيس، أنّ عليّا (عليه السلام)، نادى: من وجد ماله فليأخذه، فمرّ بنا رجل، فعرف قدرا نطبخ فيها، فسألناه أن يصبر حتى ينضج، فلم يفعل، و رمى برجله فأخذها، قال (رحمه الله): و قد روى أصحابنا، أنّ ما يحويه العسكر، من الأموال، فإنّه يغنم، قال: و هذا يكون إذا لم يرجعوا إلى طاعة الإمام، فأمّا إن رجعوا إلى طاعته، فهم أحق بأموالهم (1) هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطة.

و ذكر أيضا في مبسوطة، فقال: إذا وقع أسير من أهل البغي في أيدي أهل العدل، فإن كان شابا من أهل القتال، و هو الجلد الذي يقاتل، كان له حبسه، و لم يكن له قتله، قال: و قال بعضهم: له قتله، قال (رحمه الله): و الأوّل مذهبنا (2) فقد اعتمد (رحمه الله)، و أقرّ بأنّ الأوّل مذهبنا، و هو أنّه لا يقتل الأسير.

و قال في مسائل خلافه (3)، في أحكام أهل البغي، مثل قوله في مبسوطة في الأسير، و لم يذكر شيئا من أحكامهم في الاستبصار، و لا في تهذيب الأحكام، و لا ذكر في أخذ المال، و لا قتل الأسير شيئا، و الأخبار التي أوردها في كتاب تهذيب الأحكام، و هو أكبر كتاب له في الأخبار، ما فيها شيء من أخذ ما حواه العسكر، و لا قتل الأسير، بل أورد أخبارا في هذا الكتاب يتضمن خلاف ما ذكره في نهايته (4)، و جمله و عقوده (5).

من ذلك الإيراد: محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن وهب، بن (6) جعفر، عن أبيه، عن جده، عن مروان بن الحكم لعنه اللّٰه قال: لما هزمنا عليّ بالبصرة، رد على الناس أموالهم، من أقام بينة أعطاه، و من لم يقم بيّنة أحلفه، قال: فقال له قائل: يا أمير المؤمنين، اقسم الفيء بيننا و السبي،

____________

(1) المبسوط: ج 7 قتال أهل البغي.

(2) المبسوط: ج 7 قتال أهل البغي.

(3) الخلاف: كتاب الباغي، المسألة 6.

(4) النهاية: كتاب الجهاد، باب قتال أهل البغي و المحاربين.

(5) الجمل و العقود: لا يوجد في النسخة التي بأيدينا.

(6) ج: ل: عن.

18

قال: فلما أكثروا عليه، قال: أيّكم يأخذ أم المؤمنين في سهمه، فكفّوا (1).

و غير ذلك من الأخبار لم يذكر فيها أخذ ما حواه العسكر بحال، و شيخنا المفيد لم يتعرض لذلك في مقنعته بحال.

فأمّا السيد المرتضى فقد ذكر في المسائل الناصريات، المسألة السادسة و المائتان: يغنم ما حوت عليه عساكر أهل البغي، يصرف للفارس بفرس عتيق ثلاثة أسهم، سهم له و سهمان لفرسه، و يسهم للبرذون سهم واحد، قال السيد المرتضى (رحمه الله): هذا غير صحيح، لأنّ أهل البغي لا يجوز غنيمة أموالهم، و قسمتها كما تقسم أموال أهل الحرب، و لا أعلم خلافا بين الفقهاء في ذلك، و يرجع الناس كلّهم في هذا الموضع، إلى ما قضى به أمير المؤمنين (عليه السلام) في محاربي أهل البصرة، فإنّه منع من غنيمة أموالهم، فلمّا روجع (عليه السلام) في ذلك، قال أيّكم يأخذ عائشة في سهمه، و ليس يمتنع أن يخالف حكم قتال أهل البغي، لقتال أهل دار الحرب في هذا الباب، كما يخالف في أننا لا نتبع موليهم، و إن كان اتباع المولّي من باقي المحاربين جائزا، و انّما اختلف الفقهاء في الانتفاع بدواب أهل البغي، و بسلاحهم في حال قيام الحرب، فقال الشافعي: لا يجوز ذلك، و قال أبو حنيفة: يجوز ما دامت الحرب قائمة، ثم قال المرتضى (رحمه الله): و ليس يمتنع عندي أن يجوز قتالهم بسلاحهم على وجه لا يقع التملك له لأنّ ما منع من غنيمة أموالهم و قسمتها، لا يمنع من قتالهم بسلاحهم، لا على وجه التملك له، كأنهم رموا حربة إلى جهة أهل الحق، فيجوز أن يرموا بها على سبيل المدافعة و المقاتلة، فأمّا استدلال الشافعي بقوله (عليه السلام). لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه فليس بصحيح، لأنّه إنّما نفى تملّك مال المسلمين و حيازته بغير طيب نفوسهم، و ليس كذلك المدافعة و الممانعة، و قد استدلّ

____________

(1) التهذيب: ج 6(ص)155، ح 273. و فيه عن وهب عن حفص عن أبيه إلخ.

19

أصحاب أبي حنيفة على صحّة ما ذهبوا إليه، في هذه المسألة بقوله تعالى فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ (1) قالوا: فأباح القتال عاما، و ذلك يشمل على قتالهم بدوابهم، و سلاحهم، و على قتالهم بدوابنا و سلاحنا، قال المرتضى: و هذا قريب (2).

قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: الصحيح ما ذهب السيّد المرتضى (رضي اللّٰه عنه) اليه، و هو الذي أختاره، و افتي به، و الذي يدلّ على صحّة ذلك، ما استدلّ به (رضي اللّٰه عنه)، و أيضا فإجماع المسلمين على ذلك، و إجماع أصحابنا منعقد على ذلك، و قد حكينا في صدر المسألة، أقوال شيخنا أبي جعفر الطوسي (رحمه الله) في كتبه، و لا دليل على خلاف ما اخترناه، و قول الرسول (عليه السلام): لا يحلّ ما امرء مسلم إلا عن طيب نفس منه، و هذا الخبر قد تلقته الأمة (3) بالقبول، و دليل العقل يعضده، و يشيده، لأنّ الأصل بقاء الأملاك على أربابها، و لا يحل تملكها إلا بالأدلة القاطعة للأعذار.

و المحارب، هو كلّ من قصد إلى أخذ مال الإنسان، و شهر السلاح في برّ، أو بحر، أو حضر، أو سفر، فمتى كان شيء من ذلك، جاز للإنسان دفعه عن نفسه، و ماله، فإن أدّى ذلك (4) إلى قتل اللّص، لم يكن عليه شيء، و إن أدّى إلى قتله هو كان بحكم الشهداء، و ثوابه ثوابهم، هذا مع غلبة ظنّه بأنّه يندفع له، و أنّه مستظهر عليه، و أمّا إن غلب على ظنّه العطب، و إن اللص يستظهر عليه (5)، فلا يتعرض له بحال، لأنّ التحرز من الضرر المظنون، يجب كوجوبه من الضرر المعلوم، فأمّا حكم المحارب، وحده، فسنذكره إن شاء اللّٰه تعالى في كتاب الحدود عند المصير إليه.

____________

(1) الحجرات: 9.

(2) المسائل الناصريات: المصدر ما هو المذكور في المتن.

(3) ل: الإماميّة.

(4) ل: ذلك الدفع.

(5) ل: مستظهر عليه. و كذا قبله.

20

باب من زيادات ذلك

يجوز للإمام أن يذم لجميع المشركين، فأمّا من عدا الإمام، فلا يجوز له أن يذم لجميعهم، بل إن كان واليا على صقع من الأصقاع، فله أن يذم لمن في صقعه، فأمّا إن لم يكن واليا فلا يجوز أن يذم، إلا لآحاد المشركين، دون الجماعات، و يجوز للإمام أن يذم لقوم منهم، و يجوز له (1) أن يصالحهم على ما يراه، و لا يجوز لأحد أن يذم عليه إلا باذنه، و إذا كان جماعة من المسلمين في سرية فأذمّ واحد منهم لمشرك، كانت ذمته ماضية على الكلّ، و لم يجز (2) لأحد منهم الخلاف عليه، و إن كان أدونهم في الشرف، حرا كان أو عبدا.

و متى استذم قوم من المشركين إلى المسلمين، فقال لهم المسلمون: لا نذمكم، فجاؤا إليهم ظنّا منهم أنّهم أذمّوهم، كانوا مأمونين، و لم يكن عليهم سبيل.

و من أذم مشركا، أو غير مشرك، ثم حفره، و نقض ذمامه، كان غادرا آثما.

و يكره أن يعرقب الإنسان الدابة على جميع الأحوال، فإن وقفت عليه في أرض العدو فليخلها، و لا يعرقبها، إلا إذا خاف أن تركب، و يلحقه العدو عليها، فله عند هذه الحال أن يعرقبها.

و إذا اشتبه قتلى المشركين بقتلى المسلمين، فقد روي أنّه يوارى منهم من كان صغير الذكر (3) و هذه رواية شاذّة، لا يعضدها شيء من الأدلة، و الأقوى عندي أنّه يقرع عليهم، لأنّ كل أمر مشكل عندنا فيه القرعة بغير خلاف. و هذا من ذاك.

فأمّا الصلاة عليهم، فالأظهر من أقوال أصحابنا أنّه يصلي عليهم بنية الصلاة على المسلمين دون الكفار.

و لا بأس أن يغزو الإنسان عن غيره، و يأخذ منه على ذلك الأجرة، فإن حصلت غنيمة كان السهم للأجير دون المستأجر.

____________

(1) ج: و يجوز.

(2) ل: و لم يحل.

(3) الوسائل: كتاب الجهاد، الباب 65 من أبواب جهاد العدو ح 1.

21

و يكره تبييت العدوّ ليلا، و انّما يلاقون بالنهار، و هذا مع الاستظهار، على ما قدّمناه.

و يستحب أن لا يؤخذ في القتال إلا بعد زوال الشمس، فإن اقتضت المصلحة تقديمه قبل ذلك، فلا بأس.

و لا يجوز التمثيل بالكفار، و لا الغدر بهم، و لا الغلول (1) منهم.

و لا ينبغي تغريق المساكن و الزروع، و لا قطع الأشجار المثمرة في أرض العدو، و الإضرار (2) بهم، إلا عند الحاجة الشديدة إلى ذلك، على ما أسلفنا القول فيه و شرحناه.

و قال بعض أصحابنا (3) إنّه ليس للأعراب من الغنيمة شيء، و إن قاتلوا مع المهاجرين، و هذه رواية شاذّة، مخالفة لأصول مذهب أصحابنا، أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته في باب الزيادات (4)، و هذا يدلّ على وهنها عنده، لأنّه لا خلاف بين المسلمين أن كل من قاتل من المسلمين، فإنّه من جملة المقاتلة، و انّ الغنيمة للمقاتلة، و سهمه ثابت في ذلك، فلا يخرج من هذا الإجماع، إلا بإجماع مثله، أو دليل مكاف له، و لا يرجع فيه إلى أخبار آحاد لا توجب علما و لا عملا.

باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و من له إقامة الحدود و القضاء و الحكم بين المختلفين و من ليس له ذلك

الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر واجبان بلا خلاف بين الأمة، و إنما الخلاف في أنّهما هل يجبان عقلا أو سمعا؟ فقال الجمهور من المتكلمين و المحصّلين من الفقهاء: إنّهما يجبان سمعا، و أنّه ليس في العقل ما يدلّ على وجوبهما، و انّما علمناه بدليل الإجماع من الأمة، و بآي من القرآن (5) و الأخبار

____________

(1) الغلول: الخيانة.

(2) ج: للإضرار.

(3) و هو الشيخ الطوسي (قدس سره) في النهاية، باب قسمة الفيء.

(4) النهاية: كتاب الجهاد، باب قتال أهل البغي و المحاربين.

(5) آل عمران: 104، 110، 114 و الأعراف: 157 و التوبة: 71، 112 و الحج: 41 و غيرها توجد في مظانها.

22

المتواترة (1).

فأمّا ما يقع منه على وجه المدافعة، فإنّه يعلم وجوبه عقلا لما علمناه بالعقل، من وجوب دفع المضار عن النفس، و ذلك لا خلاف فيه، و إنما الخلاف فيما عداه، و هذا هو الذي (2) يقوى في نفسي، و الذي يدلّ عليه، هو أنّه لو وجبا عقلا، لكان في العقل دليل على وجوبهما، و قد سبرنا أدلة العقل، فلم نجد فيها ما يدل على وجوبهما، و لا يمكن العلم الضروري في ذلك، لوجود الخلاف فيه، و هذا القول خيرة السيد المرتضى.

و قال قوم: طريق وجوبهما العقل، و إلى هذا المذهب يذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) في كتابه الاقتصاد (3) بعد أن قوّى الأوّل، و استدل على صحته بأدلة العقول، ثم قال (رحمه الله): و يقوى في نفسي أنّه يجب (4) عقلا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، قال: لما فيه من اللطف، و لا يكفي فيه العلم باستحقاق الثواب و العقاب، قال: لأنّا متى قلنا ذلك، لزمنا أنّ الإمامة ليست واجبة، بأن يقال يكفى العلم باستحقاق الثواب و العقاب، و ما زاد عليه في حكم الندب، و ليس بواجب، قال (رحمه الله): فالأليق بذلك أنّه واجب.

ثمّ قال (رحمه الله): و اختلفوا في كيفيّة وجوبهما، فقال الأكثر: إنّهما من فروض الكفاية (5) إذا قام به البعض، سقط عن الباقين، و قال قوم: هما من فروض الأعيان، ثم قال (رحمه الله): و هو الأقوى عندي، لعموم أي القرآن و الأخبار.

قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: و الأظهر بين أصحابنا، أنّهما من فروض الكفاية (6)، إذا قام به البعض، سقط عن الباقين، و هو اختيار السيد المرتضى.

و الأمر بالمعروف على ضربين، واجب و ندب، فالأمر بالواجب منه واجب، و الأمر بالمندوب مندوب، لأنّ الأمر به، لا يزيد على المأمور به نفسه، و النهي عن

____________

(1) الوسائل: كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، الباب 1.

(2) ج: و هذا الذي.

(3) الاقتصاد: في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

(4) و في المصدر: انهما يجبان.

(5) ل: فروض الكفايات.

(6) ل: فروض الكفايات.

23

المنكر لا ينقسم، بل كلّه قبيح، فالنهي عنه كلّه واجب.

و النهي عن المنكر له شروط ستة، أحدها أن يعلمه منكرا، و ثانيها أن يكون هناك أمارة الاستمرار عليه، و ثالثها أن يظن أن إنكاره يؤثر أو يجوّزه، و رابعها أن لا يخاف على نفسه، و خامسها أن لا يخاف على ماله، و سادسها أن لا يكون فيه مفسدة، و إن اقتصرت على أربعة شروط كان كافيا، لأنّك إذا قلت: لا يكون فيه مفسدة، دخل فيه الخوف على النفس و المال، لأنّ ذلك كلّه مفسدة.

و الغرص بإنكار المنكر، أن لا يقع، فإذا أثّر القول و الوعظ في ارتفاعه، اقتصر عليه، و لا يجوز حينئذ باليد، و إن لم يؤثر وجب باليد، بأن يمتنع (1) منه، و يدفع عنه، و إن أدّى ذلك إلى إيلام المنكر عليه، و الإضرار به، و إتلاف نفسه بعد أن يكون القصد ارتفاع المنكر، و أن لا يقع من فاعله، و لا (2) يقصد إيقاع الضرر به.

و قال شيخنا أبو جعفر الطوسي في كتابه الاقتصاد: غير أنّ ظاهر مذهب شيوخنا الإماميّة، أنّ هذا الجنس من الإنكار، لا يكون إلا للإمام، أو لمن يأذن له الإمام فيه. ثم قال (رحمه الله): و كان المرتضى (رحمه الله) يخالف في ذلك، و يقول: يجوز فعل ذلك بغير إذنه، لأنّ ما يفعل بإذنهم يكون مقصودا، و هذا بخلاف ذلك، لأنّه غير مقصود، و إنّما قصده المدافعة و الممانعة، فإن وقع ضرر فهو غير مقصود (3)، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي في الاقتصاد.

و ما ذهب السيد المرتضى (رضي اللّٰه عنه) إليه، هو الأقوى، و به أفتي، و قد رجع شيخنا أبو جعفر الطوسي، إلى قول المرتضى في كتاب التبيان (4)، و قوّاه،

____________

(1) ج: ل: يمنع.

(2) ل: و ان لا.

(3) الاقتصاد: في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

(4) التبيان: ج 2 في ذيل الآية 104- 114 من سورة آل عمران.

24

و نصره، و ضعّف ما عداه، و إلى ما ذهب في الاقتصاد ذهب في النهاية: فقال في نهايته: و قد يجب إنكار المنكر بضرب من الفعل، و هو أن يهجر فاعله، و يعرض عنه، و عن تعظيمه، و يفعل معه من الاستخفاف ما يرتدع معه من المناكير، فإن خاف الفاعل للإنكار باللسان ضررا، اقتصر على الإنكار بالقلب، حسب ما قدّمناه في المعروف سواء (1).

و أمّا إقامة الحدود، فليس يجوز لأحد إقامتها إلا لسلطان الزمان، المنصوب من قبل اللّٰه تعالى، أو من نصبه الإمام لإقامتها، و لا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال، و قد رخّص في حال قصور أيدي أئمة الحق، و تغلب الظالمين، أن يقيم الإنسان الحد على ولده، و أهله، و مماليكه، إذا لم يخف في ذلك ضررا من الظالمين، و أمن بوائقهم.

قال محمّد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: و الأقوى عندي، أنّه لا يجوز له (2) أن يقيم الحدود إلا على عبده فحسب، دون ما عداه من الأهل، و القرابات، لما قد ورد في العبد من الأخبار (3) و استفاض به النقل بين الخاص و العام.

و قد روي أنّ من استخلفه سلطان ظالم على قوم، و جعل إليه إقامة الحدود، جاز له أن يقيمها عليهم على الكمال (4) و يعتقد أنه انّما (5) يفعل ذلك بإذن سلطان الحق لا بإذن سلطان الجور، و يجب على المؤمنين معونته، و تمكينه من ذلك، ما لم يتعدّ الحقّ في ذلك، و ما هو مشروع في شريعة الإسلام، فإن تعدّى ما جعل إليه الحقّ، لم يجز له القيام به، و لا لأحد معاونته على ذلك.

____________

(1) النهاية: باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

(2) ج: لا يجوز.

(3) الوسائل: كتاب الحدود و التعزيرات الباب 30 من أبواب مقدمات الحدود.

(4) لا توجد في غير النهاية و أوردها فيها في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

(5) ج: و يعتقد أنما.

25

و الأولى في الديانة ترك العمل بهذه الرواية، بل الواجب ذلك.

قال محمد بن إدريس (رحمه الله) مصنف هذا الكتاب: و الرواية أوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، و قد اعتذرنا له فيما يورده في هذا الكتاب، أعني النهاية، في عدّة مواضع، و قلنا أنّه يورده إيرادا، من طريق الخبر، لا اعتقادا من جهة الفتيا و النظر، لأنّ الإجماع حاصل منعقد من أصحابنا، و من المسلمين جميعا، أنّه لا يجوز إقامة الحدود، و لا المخاطب بها إلا الأئمة، و الحكّام القائمون بإذنهم في ذلك، فأمّا غيرهم فلا يجوز له التعرض بها على حال، و لا يرجع عن هذا الإجماع، بأخبار الآحاد، بل بإجماع مثله، أو كتاب اللّٰه تعالى، أو سنة متواترة مقطوع بها.

فإن خاف الإنسان على نفسه من ترك إقامتها، فإنّه يجوز له أن يفعل في حال التقيّة ما لم يبلغ (2) قتل النفوس فلا يجوز (3) فيه التقيّة، عند أصحابنا بلا خلاف بينهم.

و أمّا الحكم بين الناس و القضاء بين المختلفين، فلا يجوز أيضا إلا لمن أذن له سلطان الحقّ في ذلك، و قد فوضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم، المأمونين المحصّلين الباحثين عن مآخذ الشريعة، الديانين القيمين بذلك، في حال لا يتمكنون فيه من توليته (4) بنفوسهم، فمن تمكن من إنفاذ حكم و هو من أهله، أو إصلاح بين الناس، أو فصل بين المختلفين، فليفعل ذلك، و له به الأجر و الثواب، ما لم يخف في ذلك على نفسه، و لا على أحد من أهل الإيمان، و يأمن الضرر فيه، فإن خاف شيئا من ذلك، لم يجز له التعرّض له على حال.

و من دعا غيره إلى فقيه من فقهاء أهل الحقّ، ليفصل بينهما، فلم يجبه، و آثر المضي إلى المتولّي من قبل الظالمين، كان في ذلك متعديا للحقّ، مرتكبا للآثام،

____________

(1) النهاية: باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ..

(2) ل: لم يبلغ فيه.

(3) ج: فإنه لا يجوز.

(4) ل: توليتهم.

26

مخالفا للإمام، مرتكبا للسيئات العظام.

و لا يجوز لمن يتولّى الفصل بين المختلفين، و القضاء بينهم، أن يحكم إلا بموجب الحق، و لا يجوز له (1) أن يحكم بمذهب أهل الخلاف، فإن كان قد تولى الحكم من قبل الظالمين بغير اختياره، فليجتهد أيضا في تنفيذ الأحكام، على ما يقتضيه شريعة الإسلام، فإن اضطر إلى تنفيذ حكم على مذهب أهل الخلاف، بالخوف على النفس، أو الأهل، أو المؤمنين، أو على أموالهم، جاز له تنفيذ الحكم، ما لم يبلغ ذلك قتل النفوس، فإنّه لا تقيّة له في قتل النفوس، حسب ما أسلفنا القول في معناه.

و يجوز لأهل الحق، أن يجمعوا بالناس، الصلوات كلّها، و قد روي (2) صلاة الجمعة و العيدين، و يخطبوا الخطبتين، و يصلّوا بهم صلاة الكسوف، ما لم يخافوا في ذلك ضررا، فان خافوا في ذلك الضرر، لم يجز لهم التعرض (3) على حال، و قد قلنا ما عندنا في صلاة الجمعة جمعة، و انّ ذلك لا يجوز في حال استتار الإمام، لأنّ الجمعة لا تنعقد، و لا تصح إلا بالإمام، أو بإذن من جهته، و توليته لذلك، فإذا فقدنا ذلك، صليناها ظهرا أربع ركعات، و أشبعنا القول فيه في كتاب الصلاة، و حررناه.

و قد ذكر سلار في رسالته، في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، قال:

و لفقهاء الطائفة، أن يصلوا بالناس في الأعياد، و الاستسقاء، فأمّا الجمع فلا (4) هذا آخر كلامه و هو الأظهر.

و من لا يحسن القضايا و الأحكام في إقامة الحدود و غيرها، لا يجوز له

____________

(1) ج: لا يجوز ان يحكم.

(2) النهاية: باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

(3) ل. ق: التعرض له.

(4) المراسم: باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

27

التعرض لذلك على حال، فإن تعرض له كان مأثوما معاقبا، فإن أكره على تولّي ذلك، و اضطرته تقية، لم يكن عليه في ذلك شيء، و يجتهد لنفسه من الأباطيل (1) بكلّ ما يقدر عليه.

و لا يجوز لأحد أن يختار النظر من قبل الظالمين، إلا في حال يقطع و يعلم أنه لا يتعدى الواجب، و يتمكن من وضع الأشياء مواضعها، و من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، فإن علم أنّه يخل بواجب، أو يركب قبيحا، أو غلب على ظنّه ذلك، فلا يجوز له التعرض له بحال من الأحوال مع الاختيار، فإن أكره على الدخول فيه، و اضطرته التقية، جاز له حينئذ ذلك، و ليجتهد و يتحرز لنفسه حسب ما قدمناه.

____________

(1) ل: التحرز من الأباطيل.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

كتاب الديون و الكفالات و الحوالات و الوكالات

30

باب كراهية الدين و كراهية النزول على الغريم

يكره للإنسان الدين مع الاختيار، و فقد الاضطرار إليه، فإن فعل مختارا لا اضطرارا، فالأولى له أن لا يفعل، إلا إذا كان له ما يرجع إليه، فيقضي به دينه، فإن لم يكن له ما يرجع إليه، فقد روي (1) أنّه إن كان له ولي يعلم أنّه إن مات قضى عنه، قام ذلك مقام ما يملك.

و هذا غير واضح، لأنّ الولي لا يجب عليه قضاء دين من هو ولي له، بغير خلاف، و قد أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (2) إيرادا لا اعتقادا من طريق خبر الآحاد.

فإذا خلا من الوجهين، فإنّه يكره له الاستدانة، و ليس ذلك بمحظور، إذا كان عازما على قضائه، منفقا له في الطاعات أو المباحات، و أمّا في حال الاضطرار، فإنّه غير مكروه، و في هذه الحال لا يستدين إلا مقدار حاجته و كفايته، على الاقتصاد من نفقته، و نفقة عياله، ممن تجب عليه نفقته.

و لا يجوز للإنسان أن يستدين ما يصرفه في نفقة الحج، إلا بعد أن يكون الحجّ قد وجب عليه بوجود شرائطه، و يكون له ما إذا رجع إليه قضى منه دينه.

____________

(1) الوسائل: كتاب التجارة، الباب 2 من أبواب الدين و القرض، ح 5.

(2) النهاية: كتاب الديون و الكفالات ..

31

و ما ورد من الأخبار (1) في جواز الاستدانة للنفقة في الحج، فمحمول على ما ذكرناه، و حرّرناه، لا على من لا يكون الحجّ قد وجب عليه، و لا يكون له ما إذا رجع إليه قضى منه دينه، لأنّ هذا لا يجب عليه الحج، و هو على هذه الصفة، و إذا كان ذلك لا يجب عليه، فلا يجوز أن يستدين ليفعل ما لا يجب عليه.

و من كان عليه دين، وجب عليه العزم على قضائه، فإن ترك العزم على ذلك، كان مأثوما، و هو بمنزلة السارق، على ما روي (2) في الآثار عن الأئمة الأطهار.

و من كان له غريم، فلا ينبغي له أن ينزل عليه، فإن نزل فلا يقيم عنده، أكثر من ثلاثة أيّام.

و من اضطر إلى الدين، و لا يملك شيئا، يرجع إليه، و كان ممن يجد الصدقة، فالأولى له، و الأفضل في ديانته، أن يقبل الصدقة، و لا يتعرض للدين، لأنّ الصدقة حق جعلها اللّٰه له في الأموال.

و من كان له غريم له عليه دين، فأهدى المدين، بفتح الميم، الذي هو الغريم، له شيئا لم تكن قد جرت به عادته، و انّما فعله لمكان الدين، استحب له أن يحتسبه من دينه، و ليس ذلك بواجب.

و قد روي (3) أنّه إذا رأى صاحب الدين المدين، (قد قلنا إنّ المدين بفتح الميم، الذي عليه الدين، و يقال مديون أيضا، و دائن، و مديان، أربع لغات، و يقال أيضا لغة خامسة مدان، فأمّا الفاعل الذي له الدين، فهو مدين بضمّ الميم، و كسر الدال، يقال: أدان زيد عمروا، إذا أعطاه، فزيد مدين، و عمرو مدان، و مدين بفتح الميم) في الحرم لم يجز له مطالبته فيه، و لا ملازمته، بل ينبغي أن يتركه حتى يخرج من الحرم، ثم يطالبه كيف شاء، ذكر ذلك، و أورده شيخنا أبو جعفر

____________

(1) الوسائل: كتاب الحج الباب 50 من أبواب وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل: كتاب التجارة الباب 5 من أبواب الدين و القرض.

(3) الوسائل: كتاب التجارة الباب 22 من أبواب الدين و القرض.

32

في نهايته (1).

و قال ابن بابويه في رسالته: و إذا (2) كان لك على رجل حقّ (3) فوجدته بمكة، أو في الحرم، فلا تطالبه، و لا تسلّم عليه، فتفرعه، إلا أن تكون أعطيته حقك في الحرم، فلا بأس بأن تطالبه به في الحرم.

قال محمد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: الذي يقوى عندي، في تحرير هذا القول، و ما ذكره و أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته، أن يحمل الخبر، على أن صاحب الدين، طالب المدين خارج الحرم، ثمّ هرب منه و التجأ إلى الحرم، فلا يجوز لصاحب الدين مطالبته، و لا إفزاعه، فأمّا إذا لم يهرب إلى الحرم، و لا التجأ إليه خوفا من المطالبة، بل وجده في الحرم، و هو ملي بماله، موسر بدينه، فله مطالبته و ملازمته، و قول ابن بابويه: إلا أن يكون أعطيته حقك في الحرم، فلك أن تطالبه في الحرم، يلوح بما ذكرناه، على ما حرّرناه، و لو كان ما روي صحيحا، لورد ورود أمثاله متواترا، و الصحابة، و التابعون، و المسلمون في جميع الأعصار، يتحاكمون إلى الحكام في الحرم، و يطالبون الغرماء بالديون، و يحبس الحاكم على الامتناع من الأداء إلى عصرنا هذا، من غير تناكر بينهم في ذلك، و إجماع المسلمين على خلاف ذلك، و وفاق ما اخترناه و حرّرناه، و هذا معلوم ضرورة، أو كالضرورة، فلا نرجع عن الأمور المعلومة، بأخبار ضعيفة أكثر ما (4) تثمر الظن، دون اليقين و العلم، و لا يورد ذلك في كتابه (5) إلا الآحاد من أصحابنا، و لا إجماع عليه منهم، و الأصل الإباحة، و الحظر يحتاج إلى دليل، و الإنسان مسلّط على أخذ ماله، و المطالبة به، عقلا و شرعا.

و من كان عليه دين، وجب عليه السعي في قضائه، و العزم على أدائه، و ترك

____________

(1) النهاية: كتاب الديون و الكفالات ..

(2) ج: إذا.

(3) ج: دين.

(4) ج: أكثرها.

(5) ج: كتاب.

33

الإسراف في النفقة، و ينبغي له أن يتقنع (1) بالقصد، و لا يجب عليه أن يضيّق على نفسه، بل يكون بين ذلك قواما.

و يجب عليه عند مطالبة من له الحق، دفع جميع ما يملكه إليه، ما خلا داره التي يسكنها، إذا كانت قدر كفاية سكناه، و خادمه الذي يحتاج إلى خدمته، و قوت يومه و ليلته فحسب، و ما فضل عن ذلك، فيجب دفعه الى من له عليه الدين (2)، عند المطالبة.

باب وجوب قضاء الدين إلى الحيّ و الميت

كل من كان عليه دين، وجب عليه قضاؤه حسب ما يجب عليه (3) فإن كان حالا وجب عليه، قضاؤه عند المطالبة في الحال، إذا كان قادرا على أدائه، لا يجوز له تأخيره بعد المطالبة له، فإن كان في أوّل وقت الصلاة و صلّى بعد المطالبة، فإن صلاته غير صحيحة، لأنّ قضاء الدين بعد المطالبة واجب مضيّق، و أداء الصلاة في أوّل وقتها واجب موسع، و كلّ شيء منع من الواجب المضيّق فهو قبيح، بغير خلاف من محصّل، و إن كان الدين مؤجلا وجب عليه قضاؤه عند حلول الأجل مع المطالبة.

و من وجب عليه أداء الدين، لا يجوز له مطله و دفعه مع قدرته على قضائه، فقد قال الرسول (عليه السلام): مطل الغني ظلم (4)، فإن مطل و دفع كان على الحاكم حبسه، بعد إقامة البيّنة بالحقّ، و سؤال الخصم ذلك، و إلزامه الخروج ممّا وجب عليه، فإن حبسه ثمّ ظهر له بعد ذلك إعساره، وجب عليه تخليته، سواء حضر خصمه أو لم يحضر، لقوله تعالى وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ (5) و إن لم يكن معسرا غير أنّه يدفع به، جاز للحاكم أن يبيع عليه متاعه

____________

(1) ل: ان ينفق

(2) ح. من له الدين.

(3) ج: قضاؤه، فإن كان آه.

(4) الوسائل: كتاب التجارة، الباب 8، الحديث 3.

(5) البقرة: 280.

34

و عقاره ما عدا داره، و كذلك للحاكم أن يبيع عليه ماله الظاهر قبل حبسه، و إنّما له حبسه إذا لم يكن له مال ظاهر، و لا قامت له بيّنة بالإعسار. فله حبسه حتى يستبين حاله، فانّ الغرض في ذلك استخلاص الحقّ لصاحبه، دون الحبس.

و إن كان من وجب عليه الدين، و ثبت عند الحاكم غائبا، وجب على الحاكم بعد سؤال صاحب الحقّ و مطالبته أن يبيع على الغائب شيئا من أملاكه، غير أنّه لا يسلمه إلى خصمه إلا بعد كفلاء، فإن حضر الغائب و لم يكن له بيّنة، تبطل بينة صاحب الدين، برئت ذمته، و ذمّة الكفلاء من الكفالة، و إن كانت له بيّنة تبطل بينة صاحب الحق، رد الكفلاء عليه المال، و يبطل البيع إن كان قد باع شيئا من أملاكه، لأنّ الحاكم يفعل على ظاهر الأحوال، فإن تبين له الحق ردّ (1) ما فعله إليه.

و متى كان المدين معسرا، لم يجز لصاحب الدين مطالبته، و الإلحاح عليه، بل ينبغي له أن يرفق به، و يجب عليه أن ينظره إلى أن يوسع اللّٰه عليه، أو يبلغ خبره الإمام، فيقضي دينه عنه، من سهم الغارمين إذا كان قد استدانه و أنفقه في طاعة أو مباح، و كذلك إذا لم يعلم في أي شيء أنفقه، فأمّا إذا علم أنّه أنفقه في المعاصي، فلا يجوز له أن يقضي عنه من سهم الغارمين، و يجوز أن يعطي هو من سهم الفقراء إذا كان عدلا مستحقا للزكاة.

و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: و إن كان لا يعلم في ما ذا أنفقه، أو علم أنّه أنفقه في معصية لم يجب عليه القضاء عنه (2).

و هذا غير واضح، لأنّه (رضي اللّٰه عنه)، جعل عدم العلم في ما ذا أنفقه مثل العلم بأنّه أنفقه في معصية و لا ينبغي أن يحمل الأمور إلا على الحلال و الصحة، دون الفساد، و انّما تعبدنا

____________

(1) ج: نقض.

(2) النهاية: باب وجوب قضاء الدين إلى الحي و الميّت.

35

بالظاهر، فأمّا تقييده في نهايته إذا كان قد استدانه و أنفقه في طاعة، فما منع من إنفاقه على المباح (1)، لأنّ ذلك دليل الخطاب، و دليل الخطاب عند المحقّقين لأصول الفقه من أصحابنا غير معمول عليه.

و لا يجوز أن تباع دار الإنسان التي يسكنها، و لا خادمه الذي يخدمه في الدين، إذا كان مقدار ما فيها كفايته، فإن كانت دار غلة، و كذلك إن كانت كبيرة واسعة، و له في دونها كفاية، الزم بيعها، و الاقتصار على كفايته منها، على ما قدمناه.

و المنع من بيع الدار و الخادم في الدين، على ما روي في بعض الأخبار (2) فإن تحقق إجماع من أصحابنا نرجع إليه، لا دليل عليه سوى الإجماع منهم.

و متى ألحّ صاحب الدين على المدين، و أراد حبسه و لم يكن له بيّنة بالدين، و خاف المدين إن أقر عند الحاكم بالدين من الحبس، فيضر ذلك به و بعياله، و لم يكن الحاكم عالما بإعساره و حاله، جاز له أن ينكر و يحلف باللّه ما له قبلي شيء، و يورّى في نفسه ما يخرجه من الكذب، ينوي عند قوله شيء، يستحقه الآن، يخفى ذلك، و يظهر ما عداه، ممّا ذكرناه، فإنّه إذا فعل ذلك صادق (3) بارّ، لأنّه لا يستحق عليه في هذه الحال شيئا من المطالبة و الخروج إليه من حقه عند إعساره، لأنّ اللّٰه تعالى قال «وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» و ينطوي على أنّه إذا تمكن من قضائه، قضاه، و يجب عليه العزم على ذلك، و لا شيء عليه من الآثام، فإذا تمكن من قضائه، وجب عليه القضاء.

و متى كان للإنسان على غيره دين فحلّفه على ذلك، لم يجز له مطالبته بعد ذلك بشيء منه ظاهرا، فإن جاء الحالف تائبا، و ردّ عليه ماله، جاز له أخذه، فإن أعطاه مع رأس المال ربحا أخذ رأس ماله، و نصف الربح، هكذا أورده

____________

(1) ل: من إنفاقه في المباح. ق: في إنفاقه في المباح.

(2) الوسائل: كتاب التجارة، الباب 11 من أبواب الدين و القرض.

(3) ل: ذلك كان صادقا.

36

شيخنا أبو جعفر في نهايته (1).

و تحرير الفتيا بذلك، انّ المال المحلّف عليه إن كان قرضا، أو دينا، أو غصبا، فالربح للحالف، لا يستحق صاحب الدين منه، قليلا و لا كثيرا في الدين و القرض، لأنّ هذا ربح مال الحالف، لأنّ القرض و الدين في ذمته، و الربح له، دون القارض و صاحب الدين، بغير خلاف.

فأمّا إن كان المال غصبا، و اشترى الغاصب المتاع بثمن في ذمّته، و نقد الشيء المغصوب عوضا عمّا لزمه في ذمّته، فالربح أيضا للغاصب، لأنّه نماء ملكه و أرباحه.

و إن كان الشراء لا في الذمّة، بل بعين المال المغصوب، فالصحيح من أقوال أصحابنا، و عند المحصلين منهم، أنّ البيع غير منعقد، و لا صحيح، و الأمتعة لأصحابها، و الأرباح و الأثمان لأصحابها.

فأمّا إن كان المال مضاربة، شرط له من الربح نصفه، فيصح القول بذلك، و تحمل و تخص ما ورد من الأخبار بذلك، لأنّ العموم قد يخص بالأدلة، فهذا تحرير القول في هذه الفتيا، فليتأمّل، و ليفهم عنّا ما قلناه، فإنّ فيه غموضا و التباسا على غير المحصّل لهذا الشأن.

و إن لم يحلفه غير أنّه لم يتمكن من أخذه منه، و وقع له عنده مال، جاز له أن يأخذ حقه منه (2) من غير زيادة عليه، إن كان من جنس ماله، و مثلا له، و إن كان من غير جنسه، فله أن يقوّمه على نفسه، بالقيمة العدل، و يأخذه.

و إن كان ما وقع عنده على سبيل الوديعة، جاز له أيضا أخذه منها، و قال

____________

(1) النهاية: باب وجوب قضاء الدين إلى الحيّ و الميّت، و العبارة في المصدر هكذا: «و متى كان للإنسان على غيره دين فحلّفه على ذلك لم يجز له أخذه فإن أعطاه من رأس المال ربحا أخذ رأس ماله و نصف الربح.

(2) ج: حقه، من.

37

شيخنا أبو جعفر في نهايته: لم يجز له ذلك، و لا يخون فيها (1) إلا أنّه رجع عن هذا القول، في كتابه الاستبصار (2). و قال بما اخترناه، و قال: أحمل الخبر على الكراهة دون الحظر. و نعم ما قال، لأنّه إذا أخذ ماله، فما تعدّى، و لا ظلم، و لا خان، و الشارع نهى عن إضاعة المال، و قال اللّٰه تعالى مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (3) و هذا محسن، لا مسيء.

و من وجب عليه دين، و غاب عنه صاحبه، غيبة لم يقدر عليه معها، وجب عليه أن ينوي قضاءه، على ما قدّمناه، فإن حضرته الوفاة، سلّمه إلى من يثق بديانته، و جعله وصيّه في تسليمه إلى صاحبه، فإن مات من له الدين، سلّمه إلى ورثته، فإن لم يعلم له وارثا، اجتهد في طلبه، فإن لم يجده، سلّمه إلى الحاكم، فإن قطع على أنّه لا وارث له، كان لإمام المسلمين، و قد روي (4) أنّه إذا لم يظفر بوارث له، تصدّق به عنه، و ليس عليه شيء، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (5) من طريق الخبر إيرادا، لا اعتقادا، لأنّ الصدقة لا دليل عليها، من كتاب، و لا سنّة مقطوع بها، و لا إجماع، بل الإجماع و الأصول المقررة لمذهبنا، تشهد بأنّ الإمام يستحق ميراث من لا وارث له.

و قال شيخنا أيضا في نهايته، في صدر السؤال: و من وجب عليه دين، و غاب عنه صاحبه، غيبة لم يقدر عليه معها، وجب عليه أن ينوي قضاءه، و يعزل ماله من ملكه (6).

و هذا غير واجب، أعني عزل المال، بغير خلاف بين المسلمين، فضلا عن طائفتنا.

و إذا استدانت المرأة على زوجها، و هو غائب عنها، فأنفقته بالمعروف، وجب عليه القضاء عنها، فإن كان زائدا على المعروف، لم يكن عليه قضاؤه، هكذا أورده شيخنا في نهايته (7).

____________

(1) النهاية: باب وجوب قضاء الدين إلى الحي و الميّت إلا أنه في المصدر: و لا يجوز فيها.

(2) الاستبصار: كتاب المكاسب، الباب 27. ذيل الحديث 6، (172) أورد الخبر في الوسائل:

الباب 83 من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(3) التوبة: 91.

(4) الوسائل: كتاب الفرائض و المواريث، الباب 4 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الإمامة.

(5) النهاية: باب وجوب قضاء الدين إلى الحي و الميّت إلا أنه في المصدر: و لا يجوز فيها.

(6) النهاية: باب وجوب قضاء الدين إلى الحي و الميّت إلا أنه في المصدر: و لا يجوز فيها.

(7) النهاية: باب وجوب قضاء الدين إلى الحي و الميّت إلا أنه في المصدر: و لا يجوز فيها.

38

و تحرير الفتيا بذلك، أنّ الزوج يجب عليه تسليم النفقة بالمعروف إلى المرأة، ثم تقضي ما استدانت و ان قضاء الدين واجب عليها، دون الزوج، و الغريم هي، دونه، و هي المطالبة بالدين، دون الزوج.

و من له على غيره مال، لم يجز له أن يجعله مضاربة، إلا بعد أن يقبضه، ثم يدفعه إليه، إن شاء للمضاربة و المضاربة (1) لا تكون إلا بالأموال المعينة، و لا تكون بما في الذمّم، لأنّ ما في الذمّة غير معيّن و لا يتعين إلا بعد قبضه و تعيينه، لأنّ الإنسان مخيّر في جهات القضاء من سائر أمواله، و هذا إجماع منعقد من أصحابنا.

فعلى هذا التحرير الذي لا خلاف فيه، بيع الدين على غير من هو عليه، لا يصح، لأنّ البيوع على ضربين، بيوع الأعيان، و بيوع ما في الذمم، و بيوع الأعيان على ضربين، بيع عين مرئية مشاهدة، فلا يحتاج إلى وصفها، و بيع عين غير مشاهدة، يحتاج إلى وصفها، و ذكر جنسها، و هذا البيع يسميه الفقهاء بيع خيار الرؤية، و لا بد أن يكون ملك جنسها في ملك البائع في حال عقد البيع، إلا أنّها غير مشاهدة، فيصفها ليقوم وصفها مقام مشاهدتها، و هي غير مضمونة، إن هلكت قبل التسليم على البائع.

فبيع الدين بيع عين غير مشاهدة (2) مرئية بغير خلاف، و لا بيع عن معينة موصوفة في ملك البائع، فإنّه لا يصلح له وصفها، لأنّا قد قدّمنا أنّ الدين عينه غير معيّن في ملك صاحبه، بل لا يتعيّن إلا بقبضه له، و قلنا إنّ من عليه الدين، مخيّر في (3) جهات القضاء من سائر أمواله، فلا يتقدّر أن تكون عين شيء له و هي بعينها لمن له عليه (4) الحق، و إن كان على الجملة لصاحب الدين على المدين حق من جنس من أجناس من الأموال، و ليس له عليه (5) عين معينة من الأعيان، و الشيء

____________

(1) ل: لأنّ مال المضاربة. ق: لأنّ مال المضاربة و المضاربة.

(2) ج: فبيع الدين لا بيع عين مشاهدة.

(3) ج: من جهات.

(4) ج: لمن عليه.

(5) ج: و ليس عليه.

39

المبيع بيع خيار الرؤية، يحتاج إلى أن يكون ملك جنسه معيّنا في ملك بائعه، و يذكر جنسه، و يصفه: لأنّه من جملة بيوع الأعيان.

فأمّا الضرب الآخر من البيوع الذي هو في الذمّة، هو المسمّى بالسّلم، بفتح السين و اللام، و السلف، فهذا مضمون على بايعه، يحتاج إلى الأوصاف، و الآجال المحروسة من الزيادة و النقصان، امّا بالسنين و الأعوام، أو بالشهور و الأيّام، و من شرط صحته قبض رأس المال الذي هو الثمن، قبل الافتراق من مجلس العقد، و بيع الدين ليس كذلك بغير خلاف.

فإن قيل: هذا خلاف إجماع الإمامية، و ذلك أنّ إجماعهم منعقد بغير خلاف على صحّة بيع الدين و إمضائه، و عموم أخبارهم على ذلك، و كذلك أقوالهم، و تصنيفاتهم، و مسطوراتهم، و فتاويهم.

قلنا: نحن ما دفعنا ذلك أجمع، و أبطلناه، بل نحن عاملون بمقتضاه، و مخصصون لما ناقض الدليل و نفاه، لأنّه لا خلاف بين المحصلين لأصول الفقه، أنّ العموم قد يخص بالأدلة، و قد قلنا انّ بيع الدين على من هو عليه جائز، صحيح، لا خلاف فيه، فقد عملنا بالإجماع، و اتبعنا ظواهر الأقوال، و الأخبار، و الفتاوى، و ما في التصنيفات، و أعطينا الظاهر حقه، و خصصنا ما عدا بيع من عليه الدين، بالأدلة المجمع عليها، المقررة المحررة عند أصحابنا، المقدم ذكرها، و هذا تحقيق لا يبلغه إلا محصّل لأصول الفقه، ضابط لفروع المذهب، عالم بأحكامه محكم لمداره، و تقريراته، و تقسيماته، و مما يشيد ما حررناه، إجماع أصحابنا الذي لا خلاف فيه، و انعقاده على أنّ من كان له على غيره مال دينا، لم يجز له أن يجعله مضاربة، إلا بعد أن يقبضه، و يتعيّن في ملكه، ثمّ يدفعه إليه إن شاء للمضاربة، لأنّه قبل قبضه و تعيينه في ملكه، ملك لمن هو عليه ما انتقلت عينه إليه، فكيف يصح له أن يضاربه بعين ماله، فإنّه قبل أن يقبضه و يتعين عينه في ملكه، مال من هو عليه، فكيف يضاربه بماله، و لو فعل ذلك، لكان الربح كلّه لمن عليه المال، لأنّه

40

ربح ماله، و لا تصح المضاربة، لأنّ حقيقتها و موضوعها في الشريعة، أن من العامل العمل، و من رب المال المال، و من عليه الدين، منه المال و العمل جميعا.

فإن قيل: أنتم قد جعلتم من جملة أدلتكم على صحة ما حرّرتموه و اخترتموه، مسألة من كان له على غيره دين، فلا يجوز له أن يجعله معه مضاربة، إلا بعد قبضه و تعيينه له في ملكه، و لا يجوز له قبل ذلك جعله مضاربة، فعلى سياق هذا الاستدلال، و الاعتبار، يلزمكم أن لا تجوزوا بيع الدين على من هو عليه، قبل قبضه و تعيينه في ملك بائعه.

قلنا: لا يلزمنا ذلك، لأنّ بيع خيار الرؤية، لا يحتاج إلا إلى ذكر الجنس، و كونه في ملك البائع، و الوصف له، دون تعيين عينه بالإشارة إليه، و المشاهدة له، و القطع عليه، و ليس كذلك حكم مال المضاربة، لأنّه يجب أن يكون مذكور الجنس معينا، و لا يكفي ذكر الجنس و الصفة، دون تعيينه في الملك، كما كفى ذلك في بيع خيار الرؤية، و إن كان كلّ واحد من المالين، مملوك الجنس، غير متعيّن ملك عينه، و لا يتعيّن ملك عينه، إلا بعد قبضه، فيصح بيعه على من هو عليه، بيع خيار الرؤية، لأنّه مملوك الجنس للبائع، و من هو عليه عالم بصفته، فقام علم من هو عليه به، و بصفته، مقام وصف البائع له، فجمع هذا البيع الأمرين اللذين هما شرط في صحة بيع خيار الرؤية، و هو ذكر الجنس، و علم من هو عليه الذي هو قائم مقام صفته، لأنّ ذكر الصفة في بيع العين الغائبة، يقوم مقام المشاهدة و الرؤية لبيع العين الحاضرة المشاهدة، لأنّا لا نحتاج أن نصف العين المرئية عند البيع، و لا ذلك شرط في صحة العقد عليها، و هو شرط في صحة بيع العين الغائبة مع ذكر جنسها، فلأجل ذلك جوّزنا بيعها على من هي عليه، دون من سواه، لأنّ البيع عليه، بيع خيار الرؤية، لأنّ من شرطه ذكر الجنس و الصفة، فإذا بيع عليه، فقد جمع الأمرين جميعا، و ليس كذلك بيعه على غير من هو عليه، لأنّ أحد الأمرين لا يحصل له، لأنّ صاحبه لا يعلم عينه، حتى يصفها للمشتري،

41

و لا يميّزها للعين، حتى يصفها فإن وصفها، كان كاذبا جاهلا، لأنّ عينها ما تميزت له في ملكه، و إن كان مالكا لجنسها، دون عينها قبل قبضها من الذي هي في ذمّته، فيدخل في النهي عن بيع الغرر، و النهي يدلّ على فساد المنهي عنه، فلأجل هذا جوّزنا بيعها على من هي عليه، دون من سواه، و ليس كذلك إذا ضاربه بها، لأنّ مال المضاربة يحتاج أن يكون متميز العين في ملك رب المال، و قبل قبضه ممن هو في ذمته، ليس هو متميز العين، فافترق الأمران، و يعضد ما أصلناه، قولهم في باب بيع الديون و الأرزاق: و من كان له على غيره دين، جاز له بيعه نقدا، و يكره ذلك نسية، و أطلقوا القول بكراهية النسية، و هذا لا يجوز بالإجماع، لأنّه إن كان الدين ذهبا، فلا يحل بيعه بذهب نسية، بغير خلاف، ثم قالوا فإن و في الذي عليه الدين المشتري، و إلا رجع على من باعه إيّاه بدركه، ثم قالوا: و إذا باع الدين بأقل ممّا له على المدين، لم يلزم المدين أن يؤدّي أكثر مما وزنه المشتري.

قال محمّد بن إدريس، مصنف هذا الكتاب: إن كان البيع للدين صحيحا ماضيا، لزم المدين أن يؤدّي جميع الدين إلى المشتري، و إن كان قد اشتراه بأقل من الدين بأقل قليل، لأنّ الثمن قد يكون عندنا أقل قيمة من السلعة، مع علم البائع بغير خلاف، فدلّ هذا أجمع على فساد هذا البيع، و إبطال ما (1) خالف ما ذكرناه.

قال شيخنا أبو جعفر في الجزء الرابع من المبسوط: إذا كان لرجل في ذمّة رجل حرّ، دين، عن غير سلم، فباعه من إنسان بعوض، أو ثوب، أو غيره، قال قوم: إنّه يصح، لأنّه لمّا جاز أن يبتاع بدين في ذمته، جاز أن يبتاع بدين له في ذمة غيره، فإن كلّ واحد من الدينين مملوك له، و قال اخرون: إنّه لا يصحّ، لأنّ الدين الذي له في ذمة الغير، ليس بمقدور على تسليمه، فإنّه ربما منعه من هو عليه و ربما جحده، و ربما أفلس، و من ابتاع ما لا يقدر على تسليمه بطل بيعه، كما لو

____________

(1) ل: و إبطال قول من خالف ما ذكرناه.

42

ابتاع لعبد مغصوب، أو آبق، قال (رحمه الله): و الأوّل رواية أصحابنا، و قالوا: إنّما يصحّ لأنّه مضمون (1).

قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: انظر أرشدك اللّٰه، و وفقك لاصابة الحقّ، إلى ما قال شيخنا أبو جعفر، و تأمّله، و اسبره، ففيه ما فيه، جعل (رحمه الله) الدين ثمنا، و أصحابنا يجعلونه مثمنا، لأنّهم قالوا بيع الدين، ثم قال (رحمه الله): رواية أصحابنا، فجعله رواية و لو كان إجماعا لقال و إجماع أصحابنا، أو مذهبنا، ثمّ قال: و قالوا إنّما يصحّ لأنّه مضمون.

قال محمد بن إدريس (رحمه الله): عند أصحابنا انّ البيع المضمون، هو بيع السلف، فهو المضمون الذي هو في الذمّة، لا بيع الأعيان، لأنّ البيع عندهم على الضربين، المقدم ذكرهما و أيضا الذي يجوز خلاف ما نصرناه (2) و اخترناه، لا يجوّزه في كل دين، و يقول: انّ بيع السلم بعد حلوله على غير من هو عليه، لا يجوز، و على من هو عليه يجوز، و هو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي، و لأجل ذلك قال في الكلام الذي أوردناه عنه في مبسوطة، قبل هذا الموضع، و هو إذا كان لرجل في ذمّة رجل حرّ دين، عن غير سلم، فباعه من إنسان، فاحترز من السلم، فقد خصّص العموم في بيع الدين، و إذا خصّص من يستدل بالعموم، ساغ لخصمه التخصيص، و بطل استدلاله بالعموم، لأنّه ما هو أولى بالتخصيص من خصمه، و أيضا فما ورد بذلك سوى خبرين فحسب، أوردهما شيخنا أبو جعفر في تهذيب الأحكام، الذي ماله أكبر منه في الأخبار، و لأجل ذلك قال: رواية أصحابنا، و هما- أعني الخبرين- أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل كان

____________

(1) المبسوط: كتاب المكاتب، فصل في بيع المكاتب و شرائه .. ج 6،(ص)7- 126.

(2) ل: نظرناه.

43

له على رجل دين، فجاءه رجل، فاشترى منه بعرض، ثم انطلق إلى الذي عليه الدين، فقال له: أعطني مال فلان عليك، فاني قد اشتريته، فكيف يكون القضاء في ذلك؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): يرد عليه الرجل الذي عليه الدين، ماله الذي اشتراه به، الرجل الذي عليه الدين (1).

محمد بن أحمد بن عيسى، عن محمد بن الفضيل، قال: قلت للرضا (عليه السلام) رجل اشترى دينا على رجل، ثم ذهب إلى صاحب الدين، فقال له ادفع إلى مال فلان عليك، فقد اشتريته منه، فقال (عليه السلام): يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين، و بريء الذي عليه المال، من جميع ما بقي عليه (2).

قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: فهل يحل لمحصّل، و عامل بالأدلة، أن يرجع في ديانته إلى العمل بهذين الخبرين، و فيهما ما فيهما من الاضطراب، و أصلهما و راويهما واحد، و هو محمد بن الفضيل، و أخبار الآحاد عندنا لا يعمل عليها، و لا يرجع في الأدلة إليها، لأنّها لا تثمر علما، و لا توجب عملا و من شاهد مدينا له بفتح الميم، على ما قدّمناه (3)، قد باع ما لا يحلّ تملكه للمسلمين، من خمر، أو لحم خنزير، و غير ذلك، و أخذ ثمنه، جاز له أن يأخذ منه، فيكون حلالا له، و يكون ذنب ذلك على من باع، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (4) مطلقا، غير مقيّد، و المراد بذلك أن يكون البائع الذي هو المدين، ممّن أقرّنه الشريعة على ما يراه، من تحليل بيع الخمر، و هو أهل الكتاب، لأنّ ذلك حلال عندهم، و يجوز للمسلم قبض دينه منهم، إذا كان ثمن خمورهم، و خنازيرهم، و ليس المراد بذلك، أن يكون الدين على مسلم، فيبيع المسلم الخمر،

____________

(1) التهذيب: ج 6 الديون، الباب 81 ح 401 و 410، و في الوسائل: الباب 15 من أبواب الدين و القرض ح 2 و 3. و في ج: ذيل حديث أبي حمزة هكذا: «من الرجل الذي له عليه الدين»

(2) التهذيب: ج 6 الديون، الباب 81 ح 401 و 410، و في الوسائل: الباب 15 من أبواب الدين و القرض ح 2 و 3. و في ج: ذيل حديث أبي حمزة هكذا: «من الرجل الذي له عليه الدين»

(3) ج: وصفناه.

(4) النهاية: باب وجوب قضاء الدين إلى الحيّ و الميّت.

44

و يقبض المسلم من المسلم دينه منه، لأنّ بيع الخمر للمسلم حرام، و ثمنه حرام، و جميع أنواع التصرّفات فيها حرام على المسلمين، بغير خلاف بينهم، و عندنا أنّ الخمر ليست بمملوكة للمسلم، فكيف يجوز بيع غير المملوك، و البيع لغير المملوك لا ينعقد، و لا يملك الثمن، فكيف يكون حلالا له.

و شيخنا أبو جعفر، قال في مسائل الخلاف، في الجزء الثاني من كتاب الرهن: مسألة: الخمر ليست بمملوكة، ثمّ قال في استدلاله: و من ادّعى حجة أنّه يملكها، فعليه الدلالة (1).

ثم قال شيخنا أبو جعفر أيضا، في مبسوطة، في الجزء الثاني في كتاب الرهن:

إذا استقرض ذمي من مسلم مالا، و رهن عنده بذلك خمرا، يكون على يد ذمي آخر يبيعها عند محلّ الحق (2) فباعها، و أتى بثمنها، جاز له أخذه، و لا يجبر عليه، و إذا كانت المسألة بحالها، غير أنّ الخمر كانت عند مسلم، و شرط أن يبيعها عند محلّ الحق (3) فباعها و قبض ثمنها، لم يصح، و لم يكن لبيع المسلم الخمر و قبض ثمنها حكم، و لا يجوز للمسلم قبض دينه منه، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطة (4).

ألا تراه قيد هاهنا، و فرق بين بيع الذمي الخمر، و بين بيع المسلم لها، فقيد ما أطلقه في نهايته، و انّما يورد أخبار الآحاد، و غير الآحاد في النهاية إيرادا، مطلقا على ألفاظها، لا اعتقادا، لأنّه كتاب خبر، لا كتاب بحث و نظر، على ما أشرنا إليه من قبل.

و أيضا قول الرسول (عليه السلام): إنّ اللّٰه إذا حرّم شيئا، حرم ثمنه (5)، و الخمر محرّمة بالإجماع، فيجب أن يكون ثمنها محرما، لا محلّلا، و لنا في ذلك- أعني بيع الخمر، و هل يحل قبض الدين من ثمنها- جواب مسألة وردت من حلب علينا

____________

(1) الخلاف: كتاب الرهن، المسألة 36، و في المصدر: و من ادّعى صحة.

(2) ل: محل الخمر. و في المصدر: «محل الحق» و هو الصحيح

(3) ل: محل الخمر. و في المصدر: «محل الحق» و هو الصحيح

(4) المبسوط: أحكام الرهن.

(5) عوالي اللئالي: ج 2(ص)110، ح 301.

45

من أصحابنا الإماميّة، سنة سبع و ثمانين و خمسمائة، قد بلغنا فيها إلى أبعد الغايات، و أقصى النهايات.

و إذا كان شريكان لهما مال على الناس، فتقاسما، و احتال كلّ واحد منهما شيئا منه، ثمّ قبض أحدهما، و لم يقبض الآخر، كان الذي قبضه أحدهما بينهما على ما يقتضيه أصل شركتهما، و ما يبقى على الناس أيضا مثل ذلك، لأنّ المال الذي في ذمم الغرماء من الديون، غير مقسوم، فهو شركة بعد، لأنّ ما في الذمم غير مقبوض، و لا متعيّن، حتّى يصح قسمته، فلأجل ذلك، مهما حصل منه شيء، يكون بينهما على ما يقتضيه أصل شركتهما.

و من كان له دين على غيره، فأعطاه شيئا بعد شيء من غير الجنس الذي له عليه، ثمّ تغيّرت الأسعار، كان له بسعر يوم أعطاه تلك السلعة، لا بسعر وقت محاسبته إيّاه، لأنّه أعطاه إيّاه عمّا له في ذمّته، و هو من غير جنس ماله، فيحتسب بقيمة يوم إعطائه و تسليمه إليه، لا يوم محاسبته عليه، لأنّه ما أعطاه إيّاه قرضا، بل عمّا له في ذمّته، فيسقط عنه بقيمته وقت تسليمه و إعطائه لا وقت محاسبته، و لا يلزمه ردّ مثله، إن كان له مثل، و لو كان أعطاه إيّاه قرضا، لا عن دين له، وجب عليه ردّ مثله، إن كان له مثل، وقت مطالبته به، بخلاف ذلك، فامّا إذا لم يكن له مثل، و كان يضمن بالقيمة، لا بالمثليّة، فإنّه يرد قيمته وقت إعطائه و تسليمه، دون وقت مطالبته و محاسبته، في المسألتين معا، فليتأمّل ذلك.

باب قضاء الدين عن الميّت

يجب أن يقضى الدين عن الميّت من أصل التركة، و هو أول ما يبدأ به بعد الكفن المفروض، ثمّ تليه الوصيّة، ثم الميراث بعد ذلك أجمع، فإن أقيم بينة على ميت بمال، و كانت عادلة، وجب معها على من أقامها اليمن باللّه، انّ له ذلك المال حقا، و لم يكن الميّت قد خرج إليه منه، فإذا حلف، كان له ما أقام عليه

46

البيّنة، و حلف عليه، فإن امتنع عن اليمين، انصرف، و لم يكن له في ظاهر الحكم شيء، و لم تنفعه بينته، و لم يلزم الورثة اليمين، لأنّه ما ادّعى عليهم شيئا، فإن ادّعى عليهم العلم بذلك، لزمهم أن يحلفوا أنّهم لا يعلمون أنّ له حقا على ميّتهم.

فإن لم يكن للمدّعي على الميت، إلا شاهد واحد، و كان عدلا، لزم المدّعي أيضا اليمين معه، لأنّ الشاهد و اليمين عندنا في المال جائز، و لا يلزمه يمين أخرى، لأنّ يمينه تأتي على أنّ له ذلك المال حقا، و ليس لنا على يمين واحدة، و حكم واحد، من حالف واحد، يمينان، و الأصل براءة الذمّة، و قد يشتبه هذا الحكم على كثير من أصحابنا، حتى سمعت جماعة يسألون عنه.

و متى لم يخلف الميّت شيئا، لم يلزم الورثة قضاء الدين عنه بحال، فإن تبرع منهم إنسان بالقضاء عنه، كان له بذلك، الأجر و الثواب إن كان المقضي عنه معتقدا للحق، و يجوز أن يكون ذلك القضاء ممّا يحتسب به من مال الزكاة، إذا كان قد أنفقه في الطاعات، أو المباحات، على ما شرحناه فيما مضى، سواء كان الميّت ممن يجبر القاضي للدين على نفقته، أو ممن لا يجبر.

و متى أقرّ بعض الورثة بالدين، لزمه في حصّته بمقدار ما يصيبه من أصل التركة، على ما رواه بعض أصحابنا، فإن شهد نفسان منهم، و كانا عدلين مرضيين، أجيزت شهادتهما على باقي الورثة، و استوفي الدين من جميع الورثة بعد يمين المدعي على ما قدمناه، و كذلك إن شهد منهم واحد، و كان مرضيا عدلا في ديانته.

و شيخنا أبو جعفر، ما ذكر (1) في نهايته إلا ان قال: فإن شهد نفسان منهم (2) و لم يذكر الواحد.

و ذكر في مسائل الخلاف، في الجزء الثالث ما قلناه من شهادة الواحد المرضي، لأنّ أصول مذهبنا تقضي بذلك، و هو أنّ الشاهد و اليمين ماضية في

____________

(1) له: ما ذكره.

(2) النهاية: باب قضاء الدين عن الميت.

47

الأموال، و ما المقصود منه المال، سواء كان دينا أو غيره من الأموال، و بعض أصحابنا يخصه بالدين فقط، و الصحيح الأوّل.

و إن لم يكن الشاهدان، أو الشاهد الدين من الورثة عدولا، الزموا في حصصهم (1) بمقدار ما يصيبهم حسب ما روي (2) و لا يلزمهم الدين على الكمال، مثال ذلك، إذا مات إنسان و خلّف ابنين و تركة، فادّعى أجنبي دينا على الميّت، فأقر أحدهما بما ادّعاه المدّعي، و كان المقر غير مرضي، كان له نصف الدين في حصّة المقر، و بذلك قال الشافعي، و قال أبو حنيفة: يأخذ من نصيب المقر جميع الدين، و قد استدل بعض أصحابنا، و هو شيخنا أبو جعفر الطوسي (رحمه الله)، على صحّة مقالتنا، بأن قال: دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم، و قال: و أيضا فان المدّعي و أحد الابنين قد اعترف بالدين على الميّت، و ان الدين يتعلق بالتركة في حقّه، و حق أخيه، بدليل أنه البيّنة لو قامت به، استوفى منهما، فإذا كان كذلك كان تحقيق الكلام، لك علي و على أخي، و لو قال هذا لم يجب عليه من حقّه، إلا نصف الدين (3).

و هذا الاستدلال لا أراه معتمدا، بل الدليل المعتمد هو الإجماع، إن كان، و إلا كان الاستدلال علينا، لا لنا: لأنّ أصول مذهبنا تقتضي أنّ الورثة لا يستحقون شيئا من التركة، دون قضاء جميع الديون، و لا يسوغ و لا يحلّ لهم التصرف في التركة، دون القضاء، إذا كانت بقدر الدين، لقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ (4) فشرط في صحة الميراث و انتقاله، أن يكون ما يفضل عن الدين، فلم يملك الوارث إلا بعد قضاء الدين، و هذا قد ملك قبل قضاء الدين، فإن كان على المسألة إجماع من أصحابنا، فهو الدليل دون غيره.

____________

(1) ج: حصتهم.

(2) الوسائل: الباب 26 من أحكام الوصايا.

(3) الخلاف: كتاب الشهادات، المسألة 62.

(4) النساء: 11- 12.

48

فأمّا الأخبار فهي آحاد، رواتها رجال العامّة، و هما خبران قد أوردهما شيخنا أبو جعفر في كتاب الإستبصار (1) أحدهما عن الحكم بن عتيبة و هو عامي المذهب، و الآخر عن أبي البختري، وهب بن وهب، و هو (2) عامي المذهب، كان قاضيا و إلحاق ذلك بإقرار بعض الورثة بوارث، قياس و هو عندنا باطل.

و أيضا فإقرار بعض الورثة بوارث من المعلوم أنّه يستحق المقر شيئا من التركة و لا يحرمها (3) و إقراره بالدين إقرار بأنّه لا يستحقّ منها شيئا، إلا بعد قضائه جميعه، فافترق الأمران.

و أيضا فما قال بهذا غير شيخنا أبي جعفر، و من اتبعه، و قلّده، و السيد المرتضى، و شيخنا المفيد، غير قائلين بذلك.

و من مات و عليه دين، يستحب لبعض إخوانه أن يقضي عنه دينه، و إن قضاه من سهم الغارمين من الزكاة، كان ذلك جائزا حسب ما قدّمناه.

و إذا لم يخلف الميّت إلا مقدار ما يكفن به، سقط الدين و كفن بما خلف، حسب ما قدّمناه، فإن تبرع إنسان بتكفينه، كان ما خلفه للديّان دون الورثة، فإن انجزع (4) عليه آخر بكفن كان للورثة دون الديان، لأنّ الديّان لا يستحقون إلا ما خلفه الميّت، و هذا ما خلفه.

و تحرير ذلك، إنّ المتصدق بالكفن الثاني إن قبضه الورثة، و تصدق به عليهم، و إلا فهو باق على ملكه، و هو بالخيار فيه، لأنّ الصدقة لا يملكها المتصدق بها عليه إلا بعد قبضها، فإذا لم يقبضها، فهي مبقاة على ملك صاحبها، و هذه المسألة ذكرها شيخنا ابن بابويه في رسالته (5) و أطلق القول فيها، و تحريرها ما ذكرناه.

و إن قتل إنسان و عليه دين، وجب أن يقضي ما عليه من ديته، سواء كان

____________

(1) الاستبصار: كتاب الوصايا، باب إقرار بعض الورثة لغيره بدين على الميت، ح 1 و 2 (435 و 436) و في الوسائل: الباب 26 في أحكام الوصايا، ح 5 و 8.

(2) ل: و هو أيضا.

(3) ج: لا يحرّمه عليه.

(4) ج فان تبرّع عليه آخر بكفن آخر.

(5) لم يعثر عليه.

49

قتله عمدا أو خطاء، فإن كان ما عليه محيطا بديته، و كان قد قتل عمدا، لم يكن لأوليائه القود، إلا بعد أن يضمنوا الدين عن صاحبهم، فإن لم يفعلوا ذلك، لم يكن لهم القود على حال، و جاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته (1).

و الذي تقتضيه أصول مذهبنا، و ما عليه إجماع طائفتنا، انّ قتل العمد المحض موجبه القود فحسب، دون التملّك، و اللّٰه تعالى قال في محكم التنزيل وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ (2) و قال تعالى فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً (3) و لا يرجع عن هذه الأدلة بأخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا.

و الاولى أن يخص ما ورد من الأخبار بقتل الخطإ، لأنّ قتل الخطأ يوجب المال بغير خلاف، دون القود، و كأنّما الميّت خلّف مالا، أو استحق بسببه مال، فيقضي به دينه.

و أمّا قتل العمد المحض، فإنّه يوجب القود، دون المال، فكأن الميّت ما خلّف مالا، و لا يستحق بسببه مال، فإن عفت الورثة و اصطلح القاتل و الورثة على مال، فإنّهم استحقّوه بفعلهم و عفوهم، و في قتل الخطأ ما استحقّوه بعفوهم، بل بسبب الميّت، لأنّهم لا يستحقّون غيره، و في قتل العمد المحض، استحقوا القود، دون المال، فمن أبطله عليهم، و دفعه عنهم، فقد أبطل سلطانهم الذي جعله اللّٰه لهم، و خالف ظاهر التنزيل، و أبطل القود، إذا لم يؤدوا إلى صاحب الدين الدية، و أسقطوا اللطف الذي هو الزجر في قوله تعالى «وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ» لأنّ من علم أنّه يقتل، إذا قتل، كف عن القتل، فحيي (4) هو و من يريد أن يقتله.

و أيضا فصاحب الدين لا يستحق إلا ما يخلف الميّت من الأموال، و كان

____________

(1) النهاية: باب قضاء الدين عن الميّت.

(2) البقرة: 179.

(3) الاسراء: 33.

(4) ل.: فيحيي.

50

مملوكا له في حياته، أو مالا مستحقا بسببه، على ما قلناه في قتل الخطإ، لأجل الإجماع، و الأخبار على قتل الخطأ، لأن موجبه المال، و قتل العمد المحض، لا مال، و لا موجبه المال، فمن أين يستحق صاحب الدين المال، و يمنع من القود حتى يأخذ المال.

و قد أورد شيخنا أبو جعفر في تهذيب الأحكام خبرا فحسب، في هذا المعنى في باب الديون و أحكامها، و هو: الصفار، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الحميد بن سعيد، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)، عن رجل قتل، و عليه دين، و لم يترك مالا، فأخذ أهله الدّية من قائله، أ عليهم أن يقضوا الدين، قال: نعم، قال: قلت و هو لم يترك شيئا، قال (عليه السلام): إنّما أخذوا الدية، فعليهم أن يقضوا عنه الدين (1).

قال محمد بن إدريس مصنف هذا الكتاب: و ليس في هذا الحديث- إذا تلقى بالقبول و سلم ما ينافي ما قلناه، لأنّه ما قال قتل عمدا محضا، و انّما قال أخذوا أهله الدّية، و هذا يدلّ على أنّ القتل كان موجبه الدّية، دون القود، لأنّ أهله لا يأخذون الدّية بنفس القتل إلا في قتل الخطأ، و قتل العمد شبيه الخطأ، فالخبر دليل لنا، لا علينا.

فإن قيل: قد قال في الخبر، فأخذ أهله الدّية من قاتله، و لو كان القتل خطأ محضا، ما أخذوا الدّية من قاتله، بل كانوا يأخذونها من عاقلته دونه، بغير خلاف.

قلنا: يأخذونها أيضا عندنا من القاتل، في القتل العمد شبيه الخطأ، دون العاقلة، فنخص هذه المواضع بقتل يوجب المال، و هما قتلان، قتل خطأ محض، و قتل عمد شبيه الخطأ، و انّما منعنا من القتل العمد المحض الذي لا يوجب المال، بل موجبه القود، فحسب، للأدلّة القاهرة المقدّم ذكرها، و أعطينا الظاهر حقّه، لئلا تتناقض الأدلة، كما يعمل في آيات القران ذلك.

____________

(1) التهذيب: الباب 81 من كتاب الديون، ح 41/ 416، ج 6(ص)192.

51

و قال شيخنا أبو جعفر الطوسيّ، في مبسوطة في ذكر الشهادة على الجنايات:

إذا ادّعى رجل على رجل أنّه جرحه قطع يده أو رجله، أو قلع عينه، فأنكر، فأقام المدّعي شاهدين، و هما وارثاه، أخواه أو عماه، بذلك، لم يخل الجرح من أحد أمرين، إمّا أن يكون قد اندمل، أو لم يندمل، فإن شهدا بعد اندمال الجرح، قبلتا و حكمت بها للمشهود له، لأنّ شهادة الأخ لأخيه مقبولة، و هذه الشهادة بعد الاندمال لا تجر نفعا، و لا يدفع بها ضررا، و إن كانت الشهادة قبل اندمال الجرح، لم تقبل هذه الشهادة، لأنّهما متهمان، فانّ الجرح قد يصير نفسا، فيجب الدّية على القاتل، و يستحقها الشاهدان، فلهذا لم تقبل.

ثمّ قال (رحمه الله): فرع، إذا ادّعى مريض على رجل مالا، فأنكر المدعى عليه، فأقام المدّعي شاهدين بذلك، أخويه أو عميه، و هما وارثاه، قال قوم: لا تقبل، لأنّهما متّهمان، لأنّ المريض قد يموت، فيكون لهما، و قال آخرون: مقبولة غير مردودة، و هو الأصحّ عندي، لأنّهما لا يجران منفعة، و لا يدفعان ضررا، لأنّ الحق إذا ثبت، ملكه المريض، فإذا مات ورثاه عن الميّت، لا عن المشهود عليه، و ليس كذلك إذا كانت الشهادة بالجناية، لأنّه متى مات المجني عليه، وجبت الدّية بموته على القاتل، يستحقّها الشاهدان على المشهود عليه، فلهذا ردت، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطة (1).

ألا ترى أرشدك اللّٰه قول شيخنا، و فرقه بين المسألتين، في الشهادة بالجناية، و الشهادة بالمال، و أنّ الشهادة بالمال مقبولة، و قوله: لأنّ الحق- يعني المال- إذا ثبت ملكه المريض فإذا مات ورثاه عن الميّت، لا عن المشهود عليه، و ليس كذلك إذا كانت الشهادة بالجناية، لأنّه متى مات المجني عليه، وجبت الدّية بموته على القاتل، يستحقّها الشاهدان على المشهود عليه، فلهذا ردت، فقد أفتى بأنّ

____________

(1) المبسوط: كتاب كفارة القتل، في ذكر الشهادة على الجنايات.

52

المال المتروك يستحقه الوارث عن الميت، لا عن المشهود عليه به، و الدية لا يستحقها الوارث عن الميّت، بل عن المشهود عليه، لأنّها ليس بمال للميّت حتى يستحق عنه، و لو لا الدليل في دية الخطأ، و دية العمد شبيه الخطأ لما كان كذلك.

ثمّ قال شيخنا أيضا في مبسوطة: و إذا وجد الرجل قتيلا في داره، و في الدار عبد المقتول، كان لوثا على العبد، و للورثة أن يقسموا، أو يثبتوا القتل على العبد، و يكون فائدته، أن يملكوا قتله عندنا، إن كان عمدا، قال (رحمه الله): و فيه فائدة أخرى، و هي أنّ الجناية إذا ثبتت، تعلّق أرشها برقبته، فربما كان رهنا، فإذا مات كان للوارث أن يقدم حق الجناية على حق الرهن، فإذا كانت فيه فائدة، كان لهم أن يقسموا، هذا أخر كلامه (رحمه الله) (1).

فلو كان الدين الذي على المقتول عمدا محضا، يمنع (2) الورثة من القود، لما قال ذلك، و قال أيضا في الجزء الثاني من المبسوط، في كتاب التفليس: و إذا جنى على المفلس، فلا يخلو من أحد أمرين، إمّا أن تكون جناية عمدا، أو خطأ، فإن كانت خطأ، توجب الأرش، فإنّه قد استحق الأرش، و تعلّق به حق الغرماء، فيأخذه، و يقسمه بينهم، و إن كانت الجناية عمدا توجب القصاص، فإنّه مخير بين أن يقتص (3)، و بين أن يعدل عن القصاص إلى الأرش، إذا بذل له الجاني، و ليس للغرماء أن يجبروه على الأرش (4).

قال محمّد بن إدريس: فإذا مات، ورث وارثه ما كان يستحقه من القصاص، لأنّه لا خلاف في أنّ الوارث يستحق ما كان يستحقه مورثه، من جميع الحقوق، فمن منع (5) ذلك يحتاج إلى دليل.

و إذا تبرع إنسان بضمان الدين عن الميّت، في حال حياته، أو بعد وفاته

____________

(1) المبسوط: كتاب القسامة.

(2) من هنا وقع سقط في نسخة «ق» قريب ثلاث صفحات.

(3) ل: أن يقصه.

(4) المبسوط: كتاب التفليس، ج 2.

(5) ل: فمن أنكر.