المهذب - ج2

- القاضي ابن البراج المزيد...
600 /
1

مقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

رزقنا الله الاجتهاد الذي هو أشد من طول الجهاد هذه الكلمة المباركة التي افتتحنا به المقال قد سمعناها من بطل الفقه و الاجتهاد، الامام المغفور له: السيد حسين البروجردي (1) و قد نقلها عن الشيخ الأعظم الأنصاري، في درسه الشريف ثم أضاف:

هذه الكلمة الصادرة عن شخصية لامعة في سماء العلم و الفضيلة و عن بطل كبير في مجالي الفقه و الأصول من الذين لا يسمح بهم الدهر إلا في فترات يسيرة و يضن بهم إلا في الفينة بعد الفينة.

هذه الكلمة، توقفنا على مكانة الاجتهاد من العظمة و الصعوبة و ان الوصول إليه

____________

(1) ألقاها في محاضراته الأصولية التي كانت تحضرها عدة من الأعلام و الفضلاء في مسجد «عشق على» في «قم» المحمية عند البحث عن حجية الخبر الواحد و ذكرها الشيخ الأعظم في التنبيه الثاني من تنبيهات الانسداد عند البحث عن نتيجة دليل الانسداد و انها هل هي قضية مهملة من حيث الأسباب أو قضية كلية و الموجود في الفرائد هكذا: و وفقنا الله للاجتهاد .. لاحظ طبعة رحمة الله صفحة 148.

2

لا يتم الا باقتحام عقبات وطئ مسافات بعيدة، أشد من العقبات التي يقتحمها المجاهد المناضل لفتح الجبال و القلل، و الأمصار و البلدان، إلى درجة ان الشيخ الأعظم- و هو أستاذ الفقهاء و المجتهدين و قد عكف على كتبه العلماء و استضاء بنور علمه الفضلاء- يتمناه و يطلب منه سبحانه ان يرزقه.

فاذا كان هذا هو حال الشيخ الأعظم و هو يطلب الاجتهاد و يدعو الله سبحانه ان يرزقه، فما ظنك بغيره خصوصا الطبقة الجدد الذين لم يمارسوا الاجتهاد و الاستنباط إلا في أبواب و مسائل يسيرة و.

هذا كلامه (قدس سره) نقلناه بتصرف يسير فنقول:

ان استفراغ الوسع و استنفاد الجهد في استنباط أحكام الله سبحانه يتوقف على تحصيل علوم و إحراز صلاحيات ذكرها الفقهاء في أبحاث القضاء و الاجتهاد و التقليد تحت عنوان «مبادئ الاستنباط» و نحن في غنى عن تكريرها للقارئ الكريم في هذا المقام مع ضيق المجال غير انا نحب التركيز على أمرين مهمين كان يحث عليهما سيدنا الراحل آية الله البروجردي و كان عليهما نظام دراسته الفقهية.

1- الوقوف على الآراء المطروحة في عصر الأئمة

لا شك ان للآيات أسباب نزول يعبر عنها أحيانا بشأن النزول و هي تلعب دورا كبيرا في إيضاح مفاد الآيات و تبيين اهدافها و تلقى ضوءا على مضامينها و لا منتدح للباحث من الرجوع إليها إذا صحت إسنادها و وصلت اليه بطرق صحيحة.

نقول: كما ان للآيات هذه الحال، فكذا للروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت مثل هذا فإنه لا تظهر اهدافها الا بالمراجعة إلى الموجبات و الأسباب التي بعثت الأئمة إلى إلقائها، فالمسائل المعنونة في أحاديثهم و الأسئلة التي طرحت عليهم، و الأجوبة التي أجابوا بها عنها، كانت مطروحة في مجتمعهم و بيئتهم إذ كان للصحابة و التابعين و من جاء بعدهم من الفقهاء و جلسوا منصة الفتيا، فيها آراء و نظريات و أقوال، فلم يكن للأئمة المعصومين عندئذ بد عن إبداء النظر في هذه المسائل اما ابتداء أو

3

بعد السؤال عنهم- من جانب أصحابهم و تلاميذهم- فكانت بين آراء أولئك الفقهاء في تلك المسائل و ما قال به الأئمة، صلة وثيقة و رابطة خاصة بحيث تعد تلك الآراء قرينة منفصلة لكلماتهم و أحاديثهم و عند ذلك لا غنى للفقيه الباحث، عن الوقوف على تلك الآراء و النظريات التي كان يتبناها فقهاء عصرهم حتى تكون على بصيرة كاملة منها ثم يرجع في كل مسألة الى ما اثر عن أئمة أهل البيت و يستوضح اهدافها على ضوء تلك الآراء المطروحة في تلك الأوساط العلمية. فعند ذلك يتجلى لهذه المأثورات معنى خاص لم يكن مفهوما قبل الرجوع الى تلك الملابسات و الظروف، و لنأت بمثال و ان كان ضيق المجال لا يسمح بذلك.

روى الصدوق في الخصال في حديث شرائع الدين عن الامام الباقر (عليه السلام) انه قال:

«و الإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم واجب» (1).

فاذا نظر الإنسان الى هذه الكلمة (واجب) يتحير في مفاد الرواية و انها إلى ماذا تهدف، فهل المراد وجوب الجهر في الصلوات التي تجهر فيها بالقراءة، فهذا توضيح للواضح و ان كان المراد وجوب الجهر بها في الصلوات الإخفائية، فهذا لم يقل به أحد و تكون الرواية معرضا عنها لعدم الإفتاء بمضمونها، غير انه إذا رجع الى الأقوال المطروحة حول البسملة في زمن الامام (عليه السلام) من جانب الفقهاء يقف على مضمون الرواية فإن فقهاء عصر الامام (ع) كانوا:

بين قائل بترك البسملة في القراءة لحديث انس و حديث ابن عبد الله المغفل قال: سمعنى ابى فانا أقول:

بسم الله الرحمن الرحيم فقال اى بنى! محدث، إياك و الحدث قال: و لم أر واحدا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان أبغض إليه الحدث في الإسلام- يعني منه- فانى صليت مع النبي (ص) و مع ابى بكر و عمر و عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها إذا صليت فقل الحمد لله رب العالمين، أخرجه الترمذي و قال: حديث حسن و افتى بها مالك و الأوزاعي و قالا لا يقرؤها في أول الفاتحة لحديث انس.

____________

(1) الوسائل الجزء 4 الباب 21 من أبواب قراءة الصلاة الحديث 5.

4

و عن عائشة: ان النبي (ص) كان يفتح الصلاة بالتكبير و القراءة ب«الحمد لله رب العالمين».

و بين قائل بأنه يقرأ بها سرا و لا يجهر بها و لا تختلف الرواية عن أحمد: ان الجهر بها غير مسنون قال الترمذي: و عليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي (ص) و من بعدهم من التابعين و به يقول الحكم و حماد و الأوزاعي و الثوري و ابن المبارك و أصحاب الرأي.

نعم يروى عن عطاء و طاوس و مجاهد و سعيد بن جبير، الجهر بها و هو مذهب الشافعي» (1).

و في هذا الجو المزدحم بأقاويل حول نفس البسملة في الصلوات كلها، و الجهر بها في خصوص الجهرية منها، يقول الامام «و الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واجب» و لا يريد منه الا الجهر في الصلوات الجهرية دون الإخفائية و لا يظهر هذا المعنى الا بالرجوع إلى آرائهم المطروحة حول البسملة و لأجل ذلك يقول الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): كتموا بسم الله الرحمن الرحيم فنعم و الله الأسماء كتموها (2).

و يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة طويلة حول الأحداث التي ظهرت بعد رسول الله (ص) و عارضها الامام: و ألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (3)

لزوم دراسة الفقه المقارن

بهذا البيان يتجلى لزوم دراسة الفقه الإسلامي بشكل مقارن و بعرض المناهج و المدارس الفقهية بعضها على بعض و القضاء حولها بالكتاب و السنة و سائر الأدلة الاجتهادية حسب ما فعله شيخ الطائفة الطوسي في خلافه و العلامة في تذكرته و منتهاه، فان لتلك الدراسة مزايا و معطيات خاصة لا توجد في الدراسة على أساس مذهب واحد

____________

(1) لاحظ مغني ابن قدامة ج 1 ص 418- 420- راجع الخلاف ج 1 ص 103- المسألة 83.

(2) الوسائل الجزء 4- الباب 21- الحديث 2.

(3) روضة الكافي ج 8 ص 61.

5

أضف اليه أن في المقارنة تتجلى قوة منطق أهل البيت و صلابته كما يظهر ركونهم في بيان الأحكام قبل كل شيء إلى الكتاب و السنة و يتبين ان كثيرا من الفتاوى التي يتبناها غيرهم فتاوى شاذة عن الكتاب و السنة.

هذا و في ضوء هذه الدراسة تنحل مشكلة التقريب و ترتفع موانعها إذ تظهر بوضوح ان الفقه الإمامي يتفق غالبا مع أحد آراء أئمة المذاهب الأربعة أو آراء من تقدمهم من الصحابة و التابعين و الفقهاء الذين جاؤا بعدهم و عند ذلك يظهر انه لا إشكال في ان يعتنق ذلك المذهب كل من أراد و يعمل به على قرار عمله بسائر المذاهب و ان تتخذه الحكومات الإسلامية مذهبا رسميا للمملكة من دون لزوم التقيد باطار خاص في المذاهب الفقهية.

2- الشهرة الفتوائية و قيمتها:

هذا هو الأمر الثاني الذي نريد ان نركز عليه في هذا التقديم و نقول انه غير خفي على الباحث النابه ان الشهرة على أقسام ثلاثة:

1- الشهرة الروائية.

2- الشهرة العملية.

3- الشهرة الفتوائية.

و المراد من الاولى هو اشتهار الرواية بين نقلة الأحاديث من دون إفتاء على مضمونها و هذه الشهرة لا تسمن و لا تغنى من جوع بل هي موهنة للرواية لأن نقل الرواية من دون الإفتاء بمضمونها يورث الشك فيها إذ لو كانت الرواية خالية عن الاشكال لما اعرض نقلتها عن مضمونها.

و على الجملة لو كانت الرواية مما يتعلق بالأحكام و الإفتاء بمضمونها فإعراض النقلة و شيوخ المحدثين و المفتين من بينهم، يفيد انهم وقفوا على وجود خلل في جهة صدورها أو غيرها من الجهات فلم يروها صالحة للاستناد فأعرضوا عنه، و الرواية التي هذا شأنها خارجة عن حريم أدلة الحجية لأن القدر المتيقن هو الخبر الموثوق

6

بصدوره و جهة صدوره و الخبر المشكوك من بعض هذه الجهات غير مشمولة لأدلة الحجية.

و المراد من الثانية هي الرواية المشهورة التي تضافرت على نقلها و الإفتاء بمضمونها، نقلة الآثار و أصحاب الفتيا، فلا شك ان مثل هذه الشهرة يورث الاطمئنان و تسكن اليه النفس، و هي التي يقول الإمام في حقها في مقبولة عمر بن حنظلة «ينظر الى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه .. و انما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، و أمر بين غيه فيجتنب، و أمر مشكل يرد علمه الى الله و رسوله» (1) و توضيح الدلالة يتوقف على بيان أمور أربعة:

1- ان المراد من «المجمع عليه» ليس ما اتفق الكل على روايته بل المراد ما هو المشهور بين الأصحاب في مقابل ما ليس بمشهور و يوضح ذلك قول الامام (عليه السلام) «و يترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك».

2- ان المراد من إجماع الأصحاب و اشتهارها بينهم هو نقل الرواية مع الإفتاء بمضمونه إذ هو الذي يمكن ان يكون مصداقا لما لا ريب فيه. و الا فيكون مما فيه ريب كله و الشك أجمعه.

3- ان المراد من قوله «مما لا ريب فيه» هو نفى الريب على وجه الإطلاق لأن النكرة في سياق النفي يفيد العموم فالرواية المشهورة إذا أفتى على مضمونها الأصحاب يكون مصداقا لما ليس فيه أى ريب و شك، و ما ربما يتصور من ان المراد من قوله «لا ريب فيه» هو نفى الريب النسبي بالإضافة إلى الريب الموجود في مقابلها خلاف الظاهر و خلاف القاعدة المسلمة بين الأدباء في مدخول «لا» النافية حيث اتفقوا

____________

(1) الوسائل الجزء 18- الباب 9- من أبواب صفات القاضي، الحديث 1 و قد رواها المشايخ الثلاث في جوامعهم و تلقتها الأصحاب بالقبول بل هي المدار في باب القضاء و يظهر بالمراجعة إلى كتبه مضافا الى إتقان الرواية و علو مضمونها و الشك و الترديد في صحتها أشبه شيء بالوسوسة.

7

على انه يفيد العموم و الاستغراق: مثل قوله «لا رجل في الدار».

4- ان هذا البيان يثبت ان الخبر المشهور المفتي به داخل في القسم الأول من التثليث الوارد في كلامه (عليه السلام) كما ان الخبر الشاذ داخل في القسم الثاني منه أخذا بحكم المقابلة لأنه إذا تبين صحة طرف واحد و صار مما لا ريب في صحته، يصير الطرف المقابل، مما لا ريب في بطلانه، لا مما «فيه ريب ما و شك» إجمالا، لأنه إذا صح كون زيد عادلا على وجه لا ريب في صحته، يكون نقيضه مما لا ريب في بطلانه لا مما فيه ريب إجمالا بحيث يحتمل صحته و بطلانه.

و يترتب على ذلك أمران و ان أشرنا إلى واحد منهما في طي البيان السابق:

الأول: ان وزان الشهرة العملية وزان بين الرشد و وزان الرواية الشاذة وزان بين الغي و ان الامام (عليه السلام) لم يذكر التثليث في كلامه الا لتبيين تلك الجهة فلاحظ التثليث الذي نقلناه.

الثاني: ان الشهرة العملية من مميزات الحجة عن اللاحجة و ليست من المرجحات فان المراد من المرجح هو ما يوجب تقديم احدى الحجتين على الأخرى مع كون المتعارضين حجتين في أنفسهما ككون احدى الروايتين مخالفة للعامة.

و قد عرفت ان نسبة المشهور الى الشاذ، نسبة بين الرشد الى بين الغي و مثل ذلك لا يعد من تعارض الحجة مع الحجة بل من قبيل مقابلة ما لا ريب في صحته مع ما لا ريب في بطلانه.

الشهرة الفتوائية المجردة من الرواية

الشهرة الفتوائية في مسألة مجردة من كل رواية و خبر، هي التي طرحها الأصوليون عند البحث عن حجية الظنون و لكنهم مع الأسف لم يعطوا غالبا (1).

____________

(1) سيدنا الأستاذ الراحل آية الله البروجردي و بعده الأستاذ الأكبر الامام الخمينى دام ظله الوارف فقد استوفيا البحث في الشهرة الفتوائية المجردة راجع ما كتبناه عن دروس الامام مد ظله في هذا المضمار في «تهذيب الأصول» الجزء الثاني ص 100- 102.

8

للبحث حقه و قد استوفينا الكلام في البحث عنها في ابحاثنا الأصولية و نأت بمجمل ما حققناه في محله.

ان المسائل التي تتحقق فيها الشهرة على قسمين:

1- ان تكون المسألة من المسائل التفريعية التي استنبطها العلماء من القواعد و الضوابط الواردة في الكتاب و السنة من دون ورود نص خاص عليها و هذا ما سماه بعض الأجلة بالفقه المستنبط، و الشهرة في هذا القسم لا قيمة لها لأنه إذا علم مصدر الفتوى و مدركها، فأصحاب الشهرة و غيرهم في ذاك المجال سواسية، فان تمت الدلالة فهو و الا فترفض بلا اكتراث و لأجل ذلك ترى ان الشيخ الأعظم و من بعدهم لا يعبأون بالإجماع حتى المحصل منه إذا تبين مصدر حكم المجمعين و مدركهم.

2- ان تكون المسألة من المسائل المتلقاة عن الأئمة الذي يعبر عنه «بالفقه المنصوص» و قد عرفت في تقديمنا للجزء الأول من هذا الكتاب انه ظهر في أوائل القرن الرابع لون جديد من كتابة الفقه و الفتيا و هو الإفتاء بمضمون الرواية مع حذف إسنادها و قد تعرفت على الذين كتبوا على هذا النمط و تعرفت على الكتب الموجودة بين أيدينا و ان الصدوقين و شيخ الأمة: المفيد، و تلميذه الأكبر شيخ الطائفة الطوسي يعدون من تلك الطبقة الفاضلة فأفردوا كتبا في ذلك المجال بتجريد الروايات من الأسانيد و الإفتاء بمتونها.

فإذا رأينا اتفاق كلمة تلك الطبقة على مسألة من المسائل كشفنا عن وجود نص صريح وصل إليهم و أفتوا بمضمونه و ان النص كان بمرحلة من التمامية من حيث السند و الدلالة حتى دعاهم إلى الإفتاء بمضمونه قاطبة.

و عندئذ تدخل الشهرة الفتوائية المجردة في القسم الثاني من أقسام الشهرة اعنى الشهرة العملية لأنها إذا كانت العملية عبارة عن شهرة الرواية مع العمل و الإفتاء بمضمونها، تكون الشهرة الفتوائية في المسائل المتلقاة عن الأئمة، نظيرة لها فإن إفتاء تلك الطبقة بشيء قاطبة تلازم كلا الأمرين: وجود الرواية الواصل إليهم و ان لم تصل إلينا، و الإفتاء بمضمونها.

9

فعند ذلك تشملها المقبولة بلفظها أو بمناطها.

نعم ربما يقال ان اتفاقهم على الإفتاء بمضمون الرواية يكشف عن كمالها من حيث السند و الدلالة عندهم لا عندنا إذ من المحتمل انه لو كانت وصلت الرواية إلينا لم تكن تامة عندنا من كلتا الجهتين. و لكنه احتمال ضعيف فان مكانتهم العلمية و قرب عهدهم بزمن المعصومين (عليهم السلام) و تعرفهم على رجال الحديث، يورث الاطمئنان بصدور الحديث أولا و تمامية دلالته ثانيا و لا يكون الاطمئنان الحاصل في ذاك المورد بأقل من الحاصل من خبر الثقة أو الخبر الموثوق بصدوره أو بصدقه.

و لو سلمنا ذاك الاحتمال و لكن الشهرة على هذا النمط، يصد الفقيه المتورع عن الإفتاء على خلاف الشهرة المحققة عند القدماء على البيان الذي عرفته.

تسعون مسألة ليس لها دليل سوى الشهرة

كان سيدنا آية الله البروجردي أعلى الله مقامه يقيم وزنا كبيرا للشهرة الفتوائية و يرى مخالفتها امرا خاطئا غير جائز و كان يقول ان في الفقه الإمامي فتاوى مسلمة تلقاها الأصحاب قديما و حديثا بالقبول ينوف عددها على تسعين مسألة ليس لها دليل إلا الشهرة الفتوائية بحيث لو حذفنا الشهرة عن عداد الأدلة لأصبحت تلك المسائل فتاوى فارغة مجردة عن الدليل.

و من المؤسف جدا انه (رضوان الله عليه) لم يعين موارد هذه الفتاوى و لم يسمها غير ان المظنون ان قسما وافرا منها يرجع الى باب المواريث و الفرائض ففي ذاك الباب فتاوى ليس لها دليل إلا الشهرة.

الشهرة الفتوائية و أصحاب الأئمة و مما يؤيد المقصود ما يستفاد من بعض الروايات من أن بعض أصحابهم (عليهم السلام) كان يرجح و يقدم الفتوى المشهورة عند أصحاب الأئمة «الذين كانوا بطانة علومهم و خزانة أسرارهم» على نفس النص الذي كان سمعه من نفس الامام و قد أقرها الامام على ذلك التقديم بعد ما اطلع عليه من دون اعتراض و هذا

10

ان دل على شيء، فإنما يدل قبل كل شيء على ان الفتوى المشهورة بين خيار صحابتهم (الذين استأمنهم الأئمة على غامض أسرارهم و أخذهم خزنة لعلومهم) كانت حجة بلا كلام أولا و مقدمة على النص الذي القوة على السائل ثانيا و ما هذا الا لتعرفهم على الحكم الواقعي الاولى و تميزه عن الحكم الثانوي و ان شئت قلت: كانوا يعرفون جهات الصدور و الحكم الجدي الصادر لبيان الواقع عن الحكم الصادر لغيره.

و عندئذ يمكن تسرية الحكم من خيار صحابتهم إلى الطبقة التي تليهم من مقاربي عصرهم و عهدهم و لأجل أن يقف القارئ على متون هذه النصوص نأتي ببعضها:

روى سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان رجلا مات و اوصى الى بتركته و ترك ابنته قال: فقال لي: أعطها النصف قال: فأخبرت زرارة بذلك فقال لي اتقاك انما المال لها، قال: فدخلت بعد، فقلت: أصلحك الله ان أصحابنا زعموا أنك اتقيتني فقال: لا و الله ما اتقيتك و لكني اتقيت عليك ان تضمن فهل علم بذلك أحد؟ قلت:

لا قال: فأعطها ما بقي (1).

و يظهر من روايته الأخرى انه لم يلق زرارة وحده بل لقي عدة من أصحاب الإمام القاطنين في الكوفة حيث يقول: فرجعت فقال أصحابنا: لا و الله. (2).

ترى ان الشهرة الفتوائية بلغت من حيث القدر و المنزلة عند الراوي إلى درجة منعته عن العمل بنفس الكلام الذي سمعه من الامام فتوقف حتى رجع الى الامام ثانيا.

بل كانوا لا يتوقفون و يقدمون الفتوى المشهورة على المسموع من نفس الامام شخصيا روى عبد الله بن محرز بياع القلانص قال: اوصى الى رجل و ترك خمس مائة درهم اوست مائة درهم و ترك ابنته و قال لي عصبة بالشام فسألت أبا عبد الله عن ذلك فقال: أعط الابنة النصف و العصبة النصف الأخر، فلما قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا فقالوا: اتقاك فأعطيت ابنته، النصف الأخر ثم حججت فلقيت أبا عبد الله فأخبرته بما قال

____________

(1) الوسائل الجزء 17- الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد الحديث 3

(2) المصدر نفسه الباب 5- الحديث 7

11

أصحابنا و أخبرته انى دفعت النصف الأخر للابن فقال: أحسنت إنما أفتيتك مخافة العصبة عليك (1).

و هذه الأحاديث تعرف مكانه الشهرة الفتوائية عند أصحاب الأئمة و معه لا يصح لفقيه، الاعراض عن الشهرة و الإفتاء بالأصل أو الرواية الشاذة.

فتبين ان الشهرة الفتوائية في المسائل المتلقاة داخلة في مفاد المقبولة أو مناطها و ان سيرة أصحاب الأئمة جرت على الاعتناء بها فمثل هذه الشهرة ان لم تكن مصدرا للفتيا فلا محالة تكون موجبا للاحتياط و عدم الإفتاء بشيء أو الإفتاء بالاحتياط.

مناقشة نظرية بعض المحققين

ثم انه يترتب على ما ذكرناه أمران:

1- كون الشهرة الفتوائية جابرة لضعف الرواية.

2- إعراض المشهور موهن مسقط لحجيتها.

و لكن لبعض المحققين من الأعاظم نظرية أخرى في كلا المقامين نأتي به في الموردين.

قال: إذا كان الخبر الضعيف غير حجة في نفسه على الفرض و كذلك فتوى المشهور غير حجة على الفرض يكون المقام من قبيل انضمام غير الحجة الى غير الحجة فلا يوجب الحجية فان انضمام العدم الى العدم لا ينتج الا العدم.

و دعوى ان عمل المشهور بخبر ضعيف توثيق عملي للمخبر به فيثبت به كونه ثقة، فيدخل في موضوع الحجية، مدفوعة بأن العمل مجمل لا يعلم وجهه فيحتمل ان يكون عملهم به لما ظهر لهم من صدق الخبر و مطابقته للواقع بحسب نظرهم و اجتهادهم لا لكون المخبر ثقة عندهم فالعمل بخبر ضعيف لا يدل على توثيق المخبر به و لا سيما انها لم يعملوا بخبر آخر لنفس هذا المخبر.

هذا كله من حيث الكبرى، و اما الصغرى و هي استناد المشهور الى الخبر

____________

(1) المصدر نفسه الباب- 5- الحديث 4

12

الضعيف في مقام العمل و الفتوى فإثباتها أشكل من إثبات الكبرى لان مراد القائلين بالانجبار هو الانجبار بعمل قدماء الأصحاب باعتبار قرب عهدهم بزمان المعصوم.

و القدماء لم يتعرضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم الى الخبر الضعيف و انما المذكور في كتبهم مجرد الفتوى و المتعرض للاستدلال انما هو الشيخ الطوسي دون من تقدمه فمن أين يستكشف عمل قدماء الأصحاب بخبر ضعيف و مجرد المطابقة لا يدل على انهم استندوا في هذه الفتوى الى هذا الخبر إذ يحتمل كون الدليل عندهم غيره فانجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور غير تام صغرى و كبرى (1).

و فيما افاده مجال للبحث:

أما أولا: فلان ما هو الحجة من الخبر حسب بناء العقلاء الذي هو الدليل الوحيد في المقام هو الخبر الموثوق بصدوره أو الموثوق بصدقه، و حجية قول الثقة لأجل كون وثاقته امارة على صدوره من الامام و صدقه في كلامه، و على ذلك فلو كان عمل الأصحاب مورثا للوثوق الشخصي بالصدور، و ان لم يكن مورثا لوثاقة المخبر كفى في كون الخبر حجة، اللهم الا ان يمنع من كونه مورثا للاطمئنان به و هو كما ترى هذا حول ما ذكر من منع الكبرى.

و اما ثانيا: فلان ما ذكره من منع الصغرى قائلًا بأن إثبات استناد المشهور الى الخبر الضعيف أمر مشكل من إثبات الكبرى، فغير تام لما عرفت من ان للقدماء من الفقهاء لونين من التأليف أحدهما بصورة الفقه المنصوص و الأخر بصورة الفقه المستنبط، و كان أساس الأول هو تجريد الأسانيد و الأخذ بنفس المتون (لا المضامين) فاذا تضافرت فتاوى تلك الطبقة في مسألة، على عبارة موجودة في الخبر الضعيف يستكشف اعتمادهم في مقام الإفتاء على ذاك الحديث و احتمال كون الدليل عندهم غيره مع وحدة التعابير، و مع العلم بعدم خروجهم في مقام التأليف عن اطار النصوص كما ترى

____________

(1) مصباح الأصول ج 2 ص 202

13

كلام آخر له في إعراض المشهور

ثم: ان له دام ظله كلاما في كون إعراض المشهور موهنا قال: إذا كان الخبر الصحيح أو الموثق موردا لقيام السيرة و مشمولا لإطلاق الأدلة، فلا وجه لرفع اليد عنه لإعراض المشهور عنه. نعم: إذا تسالم جميع الفقهاء على حكم مخالف للخبر الصحيح أو الموثق في نفسه يحصل العلم أو الاطمئنان بسبب ذلك بان هذا الخبر لم يصدر من المعصوم أو صدر عن تقية فيسقط الخبر المذكور عن الحجية.

و اما إذا اختلف العلماء على قولين و ذهب المشهور منهم الى ما يخالف الخبر الصحيح أو الموثق و أعرضوا عنه و اختار غير المشهور منهم ما هو مطابق للخبر المذكور فلا وجه لرفع اليد عن الخبر الذي يكون حجة في نفسه لمجرد أعراض المشهور عنه (1).

ان القائل بكون الاعراض موهنا و مسقطا للحجية إنما يستند الى قوله (عليه السلام) في مقبولة عمر بن حنظلة: «فإن المجمع عليه لا ريب» و لا ينطبق ذلك الا على ما إذا بلغت الشهرة إلى حد جعل الخبر المشهور مما لا ريب في صحته، و الخبر الشاذ مما لا ريب في بطلانه، و لا ينطبق ذلك الأعلى القسم الأول المذكور في كلامه لا القسم الثاني، فيصير النزاع لفظيا.

احياء الدوارس أو نشر مآثر القدماء الفقهية

كل ذلك يوجب سعى الفضلاء الى الحصول على آثار القدماء و مآثرهم و رسائلهم و كتبهم سواء ألفت على نمط الفقه المنصوص أو على نمط الفقه المستنبط و لهذه الغاية قامت مؤسسة سيد الشهداء بتحقيق كتاب الجامع للشرائع للفقيه يحيى بن سعيد الحلي (600- 681) كما قامت بتحقيق كتاب المهذب للفقيه الأقدم عبد العزيز بن البراج.

و هذا الجزء الذي يزفه الطبع الى القراء الكرام هو الجزء الثاني منه

____________

(1) مصباح الأصول ج 2 ص 203

14

و قد تعرفت على المؤلف في التقديم الذي قدمناه للجزء الأول منه، و قد تصدى نسخه و تصحيحه و مقابلته مع النسخ التي المحنا إليه في مقدمة الجزء الأول لفيف من الفضلاء و ثلة من رواد العلم و الحقيقة أعني بهم أصحاب الفضيلة:

1- الشيخ أحمد خدائى 2- الشيخ إبراهيم بهادرى 3- الشيخ حسين الأميني 4- السيد محمد على الرجائي الأصفهاني 5- الشيخ محمد الرضائي الأصفهاني شكر الله جهودهم المباركة حيث قاموا بهذه المهمة العلمية الشاقة.

ثم قام بعدهم العلامة الحجة المحقق السيد عبد الرسول الجهرمى الشيرازي بتحقيق نصوص الكتاب و التعليق عليه و تخريج مصادره و رفع معضلاته فشكر الله مساعيه الجميلة.

و قد اتخذ نسخة المكتبة الرضوية أصلا في التصحيح و التعليق و رمز إليها بعلامة «ألف» كما رمز الى نسخة مكتبة آية الله البروجردي بعلامة «ب» و الى نسخة مكتبة آية الله الخادمى بعلامة «خ».

و نضيف في خاتمة المطاف: انه كان للسيد المحقق تعاليق على كتاب الإجارة و قد فاتنا طبعها في محلها و نعتذر اليه و العذر عند كرام الناس مقبول.

و آخر دعوانا عن الحمد الله رب العالمين

جعفر السبحاني في 20 جمادى الآخرة من شهور عام 1406 ه. ق