المبسوط في فقه الإمامية - ج3

- الشيخ الطوسي المزيد...
356 /
1

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب الإقرار

[أدلة جواز الإقرار]

إقرار الحر البالغ الثابت العقل غير المولى عليه جائز على نفسه للكتاب و السنة و الإجماع: فالكتاب قوله تعالى «أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ» (1) و معناه فليقر وليه بالحق غير زائد و لا ناقص و هو العدل و أيضا قوله «كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» (2) و الشهادة على النفس هو الإقرار بما عليها و قوله «فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ» (3) و قوله «فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (4)» و قوله «وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» (5) و الاعتراف و الإقرار واحد و أيضا قوله تعالى «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا» بَلى (6) و قوله «أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ» (7) و لا يجوز أن يكون الجواب في مثل هذا إلا ببلى و لو قالوا: نعم لكان إنكارا و لم يكن إقرارا، و يكون تقديره لست بربنا و لم يأتنا نذير. و لهذا يقول الفقهاء إذا قال رجل لآخر: أ ليس لي عليك ألف درهم؟ فقال بلى كان إقرارا و إن قال نعم لم يكن إقرارا و كان معناه ليس لك على شيء.

و اما السنة فما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) «أنه قال من أصاب من هذه القاذورات شيئا

____________

(1) البقرة: 282.

(2) النساء: 134.

(3) الملك: 11.

(4) غافر: 11.

(5) براءة: 105.

(6) الأعراف: 171.

(7) الملك: 8.

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

فليستتر بستر الله فان من يبدلنا صفحته نقم عليه حد الله» و قوله و اغد يا أنيس على امرأة هذا فان اعترفت فارجمها (1) و قوله لما عز بن مالك: الآن أقررت أربعا قمن (2) و أيضا فإنه رجم الغامدية و الجهنية بإقرارهما كما رجم ماعزا بإقراره.

فأما الإجماع فإنه لا خلاف في صحة الإقرار و لزوم الحق به و إنما اختلفوا في تفصيله و نحن نذكره في مواضعه إنشاء الله تعالى.

[إقرار العقلاء على أنفسهم جائز]

الناس في الإقرار على ضربين: مكلفون و غير مكلفين، فأما غير مكلفين فمثل الصبي و المجنون و النائم فهؤلاء إقرارهم لا يصح لقوله (عليه السلام) رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم و عن المجنون حتى يفيق و عن النائم حتى ينتبه، و رفع القلم عنهم يقتضي ألا يكون لكلامهم حكم و أما المكلفون فعلى ضربين ضرب مطلق التصرف و ضرب محجور عليه في التصرف، فالمطلق التصرف إقراره يصح على نفسه بالمال و الحد سواء كان عدلا أو فاسقا بلا خلاف فيه.

و أما المحجور عليهم فهم أربعة: المحجور عليه لسفه و المحجور عليه للرق و المحجور عليه للفلس و المحجور عليه للمرض فأما المحجور عليه للسفه فإن إقراره في ماله لا يصح و إن أقر على نفسه بحد قبل، و إن أقر بسرقة قبل إقراره بالقطع، و هل يقبل في المال؟ على قولين أحدهما يقبل فيهما و لا يبعض إقراره و الثاني يبعض إقراره فيقبل في الحد و لا يقبل في المال كما تبعض شهادة الرجل و المرأتين بالسرقة فيقبل في

____________

(1) ان رجلين اختصما الى رسول الله (ص) فقال أحدهما اقض بيننا بكتاب الله و ائذن لي أن أتكلم، قال: تكلم قال: ان ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة و بجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني ان على ابني جلد مائة، و تغريب عام و انما الرجم على امرأته، فقال رسول الله: اما غنمك و جاريتك فرد عليك، و أما ابنك فعليه جلد مائة و تغريب عام، و أما أنت يا أنيس فاغد الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها، و الحديث متفق عليه.

(2) قمن: أى جدير، و الصحيح من لفظ الحديث هكذا: الآن أقررت أربعا، فبمن؟

قال: بفلانة، إلخ رواه أبو داود و في نسخة لان أقررت أربعا فتحد.

4

المال و لا يقبل في الحد و هذا هو الأقوى و إن أقر بخلع أو طلاق قبل ذلك لأن ذلك يصح منه.

و أما المحجور عليه للرق فحكمه حكم المحجور عليه للسفه، إلا في شيء واحد، و هو أن إقرار العبد يلزمه في ذمته فإذا أعتق طولب به و عندنا أنه لا يقبل إقراره بالحد لأن في ذلك إتلاف مال الغير الذي هو السيد. و أما المحجور عليه لفلس فإن إقراره مقبول بكل حال، و هل يشارك المقر له سائر غرمائه في المال الذي في يده أو يكون حقه في الفاضل قيل فيه قولان بينا الصحيح منهما في كتاب التفليس و أما المحجور عليه لمرض فإن إقراره مقبول على ما نبينه فيما بعد إنشاء الله تعالى.

[في الإقرار المبهم و تفسيره المقبول]

إذا أقر الرجل إقرارا مبهما مثل أن يقول لفلان على شيء يصح ذلك الإقرار بلا خلاف فيه و لا تقبل الدعوى المبهمة، لأن الدعوى حق للمدعي، و الإقرار حق على المقر، فما كان حقا عليه فهو أغلظ مما كان حقا له و لأنا إذا لم نسمع الدعوى المبهمة أمكن المدعي أن يدعى دعوى معلومة لأن هناك داعيا يدعوه إلى تصحيح دعواه، و ليس كذلك الإقرار فإنا لا نأمن ألا يقر ثانيا إذا رددنا إقراره الأول فلهذا سمعناه مبهما.

فإذا ثبت هذا فانا نرجع إلى المقر في تفسيره لأنه أجمل ذلك فكان الرجوع إليه في إجماله و في تفسيره كأوامر صاحب الشرع إذا أوردت مجملة كان له الرجوع إليه و إلى ما ثبت عنه من ألفاظه و أفعاله من تفسيرها فإذا طالبناه بالتفسير لم يخل من أحد الأمرين إما أن يفسر أو لا يفسر، فان لم يفسر قلنا له إن فسرت و إلا جعلناك ناكلا و رددنا اليمين على المقر له، فيحلف على ما يدعيه و يلزمك، فإن لم يفسر جعلناه ناكلا و حلف المقر له و ثبت له ما يدعيه، و إن نكل عن اليمين قلنا لهما انصرفا.

و أما إذا فسره فإنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يفسره بما يتملك أو بما لا يتملك فإن فسره بما يتملك لم يخل من أحد أمرين إما أن يفسره بما يتمول في العادة مثل أن يفسره بدينار فما دونه أو بدرهم فما دونه أو بجنس آخر من الأجناس التي يتمول في العادة قليلها و كثيرها قبل تفسيره بذلك، فان صدقه المقر له على ذلك

5

فذاك و إن كذبه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكذبه في المقدار أو في الجنس فإن كذبه في المقدار مثل أن يقر بدينار فيقول المقر له: لي أكثر فيكون مدعيا لما زاد له على الدينار و يكون القول في ذلك قول المقر مع يمينه فان حلف أسقط دعواه و إن نكل رد اليمين على المقر له، فيحلف على ما يدعيه من المقدار و يثبت له ذلك، و أما إذا كذبه في الجنس مثل أن يفسر المقر إقراره بدراهم، فيقول المقر له: لي عليه دنانير فإنه يبطل إقراره بالدراهم لأنه أقر بما لا يدعيه و هو مدع للدنانير عليه فيكون القول قوله، فإذا حلف سقطت الدعوى و إن نكل ردت اليمين على المدعي و حلف و ثبت له ما يدعيه.

هذا إذا فسره بما يتمول في العادة فأما إذا فسره بما لا يتمول في العادة مثل أن يقول: له عندي قشر فستقة أو جوزة أو لوزة أو قمع باذنجانة أو ما أشبه ذلك لم يقبل تفسيره به و طولب بتفسير إقراره بشيء آخر لأنه أقر بلفظ الالتزام و الذي فسر به جرت العادة بأنه لا يتمول مثله و لا يجب لأحد على أحد، و أما إذا فسره بما لا يتملك نظر فان فسره بخمر أو خنزير أو دم أو ميتة لم يقبل ذلك منه، لأنه مما لا يملك و لا ينتفع به بحال و لفظة الإقرار لفظة الالتزام، و الخمر و الميتة لا يلزم أحد لأحد.

و إن فسره بكلب أو سرجين قيل فيه قولان أحدهما لا يقبل تفسيره لأنهما لا يملكان و الثاني أنه يقبل و هو الصحيح لأن الكلب و السرجين ينتفع بهما و يجب ردهما على من غصبا منه، و عندنا أنه إن كان إقرارا بكلب الصيد أو الماشية أو سرجين ما يوكل لحمه، فإنه يملك و ما عدا هذين لا يملك بحال، و إذا فسره بجلد الميتة فعلى الوجهين و عندنا لا يقبل منه لأنه لا يطهر عندنا بالدباغ، فأما إذا فسره بحد القذف قيل فيه وجهان أحدهما يقبل تفسيره، لأنه حق لآدمي، و الثاني أنه لا يقبل لأنه لا يؤل إلى مال بحال، و أما إن فسره بحق الشفعة قبل لأنه يؤل إلى مال و إن فسره برد السلام أو بجواب كتاب كتبه لم يقبل ذلك منه لأن ذلك لا يثبت عليه في ذمته حتى يكون لازما له و لفظ الإقرار يقتضي اللزوم فلا يقبل في تفسيره بما لا يكون لازما له و رد السلام و إن كان فرضا فإنه فرض في الحال فان رده في الحال فذاك، و إن أخره

6

سقط عنه، و لم يثبت في ذمته.

إذا أقر فقال: لفلان علي مال صح ذلك الإقرار، و قبل منه التفسير بالقليل و الكثير بلا خلاف، فان فسره بالكلب أو جلود الميتة أو سرجين ما لا يؤكل لحمه أو ما أشبه ذلك لم يقبل منه لأنه لا يسمى مالا، و يفارق إذا قال له علي شيء ففسره بهذه الأشياء لأن الشيء يتناول المال و غير المال، و المال اسم لما يتمول دون ما لا يتمول، فاما إذا قال: له علي مال عظيم أو جليل أو نفيس أو خطير، لم يتقدر ذلك بمقدار، و أى مقدار فسره به كان مقبولا قليلا كان أو كثيرا و إن قال: له عندي مال كثير كان ذلك إقرارا بثمانين على الرواية التي رويت فيمن أوصى بمال كثير أنه ثمانون (1).

و أما إذا أقر باليسير أو الخسيس أو الجزاف أو الموزون أو الخطير أو الحقير فإنه يرجع إلى تفسيره بلا خلاف، و في العظيم خلاف، و إن قال: له علي مال عظيم جدا أو عظيم عظيم قبل تفسيره بما قل أو كثر، و كذلك لو قال وافر، فالكلام في كل ذلك واحد.

إذا قال: له علي مال أكثر من مال فلان الزم مقدار مال الذي سماه، و قبل منه تفسيره في الزيادة قل أو كثر، و إن فسره بمثله لم يقبل، لأن هذا اللفظ يقتضي الزيادة في اللغة و إن قال: لفلان على مال أكثر من مال فلان عددا نظر فإن أقر بأنه عرف مال فلان و أنه ألف في العدد لزمه مثل ذلك المقدار و زيادة، و يقبل قوله في القدر الزيادة و لو فسرها بحبة بلا خلاف ها هنا، و في الأول خلاف.

فان كان مال فلان ألفا و قال ما كان عندي أنه ألف، و إنما اعتقدت أنه عشرة و أردت بالزيادة درهما كان القول قوله في ذلك و إن ادعى فلان أن ماله ألف و قامت البينة على أن ماله ألف لا يلزمه إلا أحد عشر درهما حسب ما فسره لأن مبلغ مال الرجل لا يعرف حقيقته، لأن المال ظاهر و باطن و قد يملك الرجل مالا كثيرا في الباطن و يعتقد فيه أنه قليل المال، فدعواه و شهادة الشاهدين يجريان مجرى واحدا في أنه يجوز أن يكونا صادقين أو كاذبين أو يكونا صادقين و يكون كاذبا و لأن حقيقة مبلغ المال لا يعرفه

____________

(1) رواه الشيعة في كتبهم الحديثية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لكنه في ما لا يمكن الاستفسار.

7

إلا صاحبه، و ربما خفي على غيره، فلأجل ذلك لم يحكم إلا بما أقر به من المقدار الذي اعتقده، و يكون القول قوله مع يمينه في الزيادة إن ادعى المقر له.

إذا أقر أنه غصب فلانا شيئا و فسر ذلك بما يتمول قبل منه، و إن فسره بما لا يتمول و لا ينتفع به كالخنزير و الدم لا يقبل لأنه فسره بما لا يتمول و إن فسره بما لا يتمول لكنه ينتفع به كالكلب و السرجين فعلى ما مضى من الخلاف، و إن قال أردت نفسك لأني أخذتك يوما و أدخلتك الدار على وجه الغصب لم يقبل منه، لأن ذلك ليس بغصب في الحقيقة لأن الحر لا يثبت عليه يد الغاصب فقد فسر الغصب بما ليس بغصب فلذلك لم يقبل منه.

و إذا قال: له على دراهم لزمه ثلاثة دراهم لأنها أقل الجمع و إن قال دراهم عظيمة فعلى ما مضى من الخلاف، و إذا قال: لفلان على ألف لزمه ألف مبهم، و له أن يفسرها بما شاء من الأموال، و لو بحبات الطعام، فان فسرها بكلاب فعلى ما مضى.

و أما إذا قال: لفلان على ألف درهم لزمه ألف درهم لأنه فسر الألف بإضافتها إلى الدرهم و أما إذا قال: له علي ألف و درهم، لزمه الدرهم و يرجع إليه في تفسير الألف فبأي شيء فسرها قبل منه، و كذلك إذا قال مائة و درهم أو عشرة و درهم (1) فالحكم واحد و كذلك إذا قال ألف و دار و ألف و عبد أو قال: و ثوب و إن قال مائة و خمسون درهما كان ذلك إقرارا بمائة و خمسين درهما لأن درهما في آخره يكون تمييزا للعددين معا و في الناس من قال إنه يكون تفسيرا للخمسين و المائة على إبهامها و الصحيح الأول، لأنا لو جعلنا ذلك تفسيرا للثاني بقي الأول بلا تفسير و ذلك لا يجوز، و يفارق ذلك إذا قال له ألف و درهم لأن قوله و درهم معه واو العطف، فلا يجوز أن يكون تفسيرا للألف لأن المفسر لا يكون كذلك.

إذا قال: لفلان على ألف و درهمان، لزمه درهمان، و رجع إليه في تفسير الألف كما لو قال و درهم لأنه أفاد زيادة في العدد و لم يفد تفسيرا.

فأما إذا قال له على ألف و ثلاثة دراهم كان ذلك تفسيرا للألف، و على قول من

____________

(1) في نسخة: مائة و عشرة درهم.

8

قال إذا قال له مائة و خمسون درهما إن المائة مبهمة، قال ههنا مثله، و كذلك إذا قال ألف و تسعون درهما، و ألف و مائة درهم، أو مائة و ثلاثة دراهم، أو مائة و خمسون درهما أو مائة و خمسة عشر درهما، أو خمسون و ألف درهم، أو خمسون و مائة درهم، أو خمسة و عشرون درهما، كان ذلك على الخلاف الذي قدمناه.

و لا خلاف في خمسة عشر درهما لأنهما و إن كانا عددين فإن أحدهما ركب على الآخر و جعل اسما واحدا فجريا مجرى العدد الواحد فعلى هذا إذا قال بعتك هذا الثوب بخمسة عشر درهما صح بلا خلاف، و لهذا لا يجوز تفسير كل واحد منهما: فيقول خمسة درهما عشرة درهما و يخالف خمسة و عشرون درهما لأنه يصح أن يفسر كل واحد منهما فيقول خمسة دراهم و عشرون درهما، فإذا قال بعتك بخمسة و عشرين درهما أو قال بمائة و ثمانين درهما فعلى قول من خالف هناك لا يجوز لأن بعض الثمن مجهول، و على القول الآخر و هو الصحيح يصح، و إذا قال علي درهم و ألف، لزمه الدرهم، و رجع إليه في تفسير الألف كما لو قال ألف و درهم، لا فرق بين أن يقدم المعلوم على المجهول أو يؤخره.

الاستثناء من الجمل

جائز و يستعمل في القرآن و الشعر، و هو على ضربين استثناء من نفي و استثناء من موجب، فالاستثناء من النفي إيجاب، و الاستثناء من الإيجاب نفي و لا فرق بين أن يستثنى الأقل و يبقى الأكثر و بين أن يستثنى الأكثر و يبقى الأقل بلا خلاف إلا ابن درستويه النحوي، فإنه قال: لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل، و به قال أحمد بن حنبل و قد بينا صحته في أصول الفقه، و يدل عليه أيضا قوله تعالى «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (1)» و قال حكاية عن إبليس «فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (2)» فاستثنى من عباده الغاوين مرة، و المخلصين اخرى و لا بد أن يكون أحد الفريقين أكثر من الآخر، و قال الشاعر:

أدوا التي نقصت تسعين من مائة * * *ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا

____________

(1) الحجر: 42.

(2) ص 82.

9

فاستثنى التسعين من مائة، لأنه أمر بأن يؤدى عشرة دراهم، فعبر عنها بما قاله.

فإذا ثبت ذلك فالاستثناء إذا كان من جنسه كان حقيقة و إن كان من غير جنسه كان مجازا، و يكون بمعنى لكن، غير أنه يجوز استعمال ذلك، و في الناس من قال هو مشترك حقيقة فيهما و في الناس من قال لا يجوز هذا الاستثناء، و قد تكلمنا على ذلك في أصول الفقه.

فإذا ثبت ذلك فإذا قال: له على ألف إلا درهما فإذا حملناه على حقيقته فقد أقر بتسعمائة و تسعة و تسعين درهما، و من قال هو مشترك يقول له فسر الألف بما يبقى منه بعضه بعد استثناء الدرهم منه، فإذا فسره بألف جوزة أو بيضة أو باذنجان أو نبقة أو غير ذلك نظر فإن بقي بعد استثناء الدرهم من قيمته شيء صح ذلك، و إن لم يبق شيء منه قالوا فيه وجهان:

أحدهما أن الاستثناء لا يبطل، و يكلف تفسير الألف بما يبقى منه شيء بعد استثناء الدرهم من قيمته، لأن الاستثناء قد ثبت، فلا يبطل بتفسيره الذي لا يقبل و الثاني أنه يبطل الاستثناء، لأنه فسر الألف بما لا يصح استثناء الدرهم منه لأنه لا يبقى منه شيء، فيصير كأنه أقر بشيء و استثنى جميعه، فيبطل الاستثناء، و يلزمه ما أقر به هذا إذا استثنى معلوما من ألف مجمل فأما إذا استثنى مجهولا من معلوم مثل أن يقول: له على ألف درهم إلا ثوبا، فالثوب مجهول، و الألف معلومة، فإذا كان كذلك كلف أن يبين قيمة الثوب، فإذا بينها بما يبقى بعد استثنائه من الألف المعلوم شيء، و إن قل قبل ذلك منه، و إن بينها بألف فإنها يستغرق جميع المستثنى منه، فيكون على الوجهين اللذين ذكرناهما فأما إذا كانا مجهولين مثل أن يقول له علي ألف إلا شيئا أو ألف إلا عبدا أو ثوبا كلف تفسيرهما.

هذا كله إذا استثنى مرة واحدة فأما إذا استثنى مرتين نظر فان عطف الثاني على الأول بواو العطف كانا جميعا من الجملة الأولة المستثنى منها، و إن لم يعطف الثاني

10

على الأول بواو العطف كان الاستثناء الثاني راجعا إلى ما يليه من الاستثناء.

فأما إذا كان بينهما واو العطف مثل أن يقول على عشرة إلا ثلاثة و إلا اثنين، كان ذلك استثناء الخمسة من العشرة.

و أما إذا لم يعطف الثاني على الأول مثل أن يقول له على عشرة إلا خمسة إلا اثنين فيكون قد استثنى الاثنين من الخمسة، فبقي ثلاثة، فيكون قد استثنى ثلاثة من العشرة فيلزمه سبعة و يدل عليه قوله تعالى «قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلّا آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ» (1) فاستثنى آل لوط من القوم، و استثنى امرأته من آل لوط من غير حرف العطف فكان راجعا إلى الاستثناء الذي يليه دون المستثنى منه، و يفارق ذلك إذا كان معطوفا بواو العطف، لأن العطف يجعل المعطوف بمنزلة المعطوف عليه، و المعطوف عليه يرجع إلى المستثنى منه، فيجب أن يكون الاستثناء الثاني راجعا إلى ما رجع إليه الاستثناء الأول.

إذا قال: لفلان هذه الدار إلا هذا البيت منها كان ذلك استثناء البيت، و كذلك إذا قال هذا الخاتم لفلان إلا فصه، فيكون استثناء للفص، و يصح ذلك كما يصح استثناء بعض العدد، و كذلك إذا قال هذه الدار لفلان و هذا البيت منها لي، أو له هذا الخاتم و الفص منه لي كان ذلك بمنزلة الاستثناء لأنه معناه و أبين منه لأنه تصريح بمعنى الاستثناء هذا إذا وصل الاستثناء فأما إذا فصل بينهما بسكتة طويلة لم يصح، و كانت جميع الدار و الخاتم بفصه للمقر له.

إذا قال: لفلان على درهم و درهم إلا درهما فعلى ما نذهب إليه أن الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفة بعضها على بعض بالواو، أنه يرجع إلى الجميع يجب أن نقول إنه يصح و يكون إقرارا بدرهم، و من قال يرجع إلى ما يليه فإنه يبطل الاستثناء، و يكون إقرارا بدرهمين لأنه إذا رجع إلى ما يليه و هو درهم لا يجوز أن يستثنى درهما من درهم لأن ذلك استثناء الجميع و ذلك فاسد فيبطل الاستثناء و يبقى ما أقر به و هو درهم، و درهم

____________

(1) الحجر 57.

11

الذي عطف عليه.

إذا قال له عندي مائة إلا درهمين أقر بثمانية و تسعين درهما و إذا قال له عندي مائة إلا درهمان فقد أقر بمائة لأن المعنى له عندي مائة غير درهمين، و كذلك لو قال له على مائة غير ألف كان له مائة ألا ترى أنه لو قال له على مائة مثل درهمين جاز أن يكون المعنى المائة مثل درهمين و كذلك لو قال له على مائة مثل ألف كان عليه ألف (1) فغير نقيض مثل، و إذا قال ماله عندي مائة إلا درهمين و أردت أن تقر بما بعد إلا رفعته لأنك إذا قلت ماله عندي مائة إلا درهمان فإنما رفعت درهمان بأن جعلته بدلا من مائة، فكأنك قلت ماله عندي مائة إلا درهمان فإذا نصبت فقلت ماله عندي مائة إلا درهمين فما أقررت بشيء لأن عندي لم يرفع شيئا فيثبت له عندك، فكأنك قلت: ماله عندي ثمانية و تسعون درهما، و كذلك لو قال: ماله على عشرون إلا درهما. و إذا قال ماله عندي عشرون إلا خمسة فأنت تريد مالك إلا خمسة.

و يقول: لك على عشرة إلا خمسة ما خلا درهما، فالذي له ستة و كل استثناء مما يليه فالأول حط و الثاني زيادة، و كذلك جميع العدد، فالدرهم مستثنى من الخمسة فصار المستثنى أربعة فهذه مسائل ذكرها ابن السراج (2) في الأصول.

إذا قال: لفلان عندي ثوب في منديل أو تمر في جراب، كان ذلك إقرارا بالثوب دون المنديل

، و بالتمر دون الجراب لأنه يحتمل في منديل لي أو في جراب لي، و إذا احتمل ذلك لم يلزم من إقراره إلا اليقين، و يطرح الشك لأن الأصل براءة الذمة، و كل ما يجري هذا المجرى الحكم فيه سواء، و لو قال غصبتك حنطة في أرض أو من أرض أو غصبتك زيتا في حب أو من حب أو بعيرا في مرعى أو من مرعى، أو عبدا في غنم أو من غنم أو جملا في إبل أو من إبل، أو حنطة في سفينة أو في جراب أو في غوارة (3) أو في صاع لم يدخل الوعاء في الغصب و هكذا لو قال غصبتك ثوبا قوهيا (4) في منديل أو ثيابا في عيبة أو قال

____________

(1) كذا في جميع النسخ.

(2) في نسخة: ابن البراج.

(3) لعله معرب كواره، بالفارسية، و هو وعاء معروف.

(4) القوهي بالضم: ثياب بيض، و قوهستان بلد بكرمان قرب جيرفت، و هما معربا كوهى و كوهستان.

12

غصبتك فصا في خاتم أو خاتما في فص أو سيفا في حمالة أو حمالة في سيف لأن كل هذا قد يتميز من صاحبه فينزع الفص من الخاتم و الخاتم من الفص، و هكذا لو قال غصبتك طيرا في قفص أو في شبكة كان غاصبا للطير دون القفص و الشبكة، و مثله لو قال غصبتك زيتا في زق و عسلا في عكة أو شهدا في جونة (1) و كذلك لو قال غصبتك جرة فيها زيت، و قفصا فيها طير، و عكة فيها سمن، كان غاصبا للجرة و القفص و العكة دون الزيت و الطير و السمن إلا أن يبين فيقول غصبت عكة و سمنا و جرة و زيتا فإذا قال هذا فهو غاصب للشيئين معا.

إذا قال: له عندي عبد عليه عمامة، دخلت العمامة في الإقرار

، و إذا قال له عندي دابة عليها سرج، لم يدخل السرج في الإقرار، و الفرق بينهما أن العبد يثبت يده على ما عليه فيكون لمولاه المقر له، و الدابة لا يثبت لها يد على ما عليها فلا يكون ما عليها لصاحبها إلا بالإقرار، و قوله عليها سرج، ليس بإقرار بالسرج فافترقا.

إذا قال: له على كذا نظر

فإن أطلق ذلك كان كما لو قال له على شيء، فإن له أن يفسره بأي قدر شاء من الأموال فإن فسره بما لا يتمول و لا ينتفع به كالخنزير لم يقبل و إن فسره بما لا يتمول و ينتفع به كالكلب و السرجين و غيرهما فعلى ما مضى من الوجهين، و إن قيده بالدراهم نظر، فإن قال كذا درهما لزمه درهم واحد، لأنه أخرجه مخرج التفسير فكان تفسيرا لكذا و إن قال درهم بالرفع لزمه درهم واحد، و معناه كذا هو درهم أي الذي أقر به درهم و إن قال درهم بالكسر لزمه أقل من درهم فبأي قدر فسره قبل منه لأنه يحتمل أن يريد بعض درهم، لأن كذا عبارة عن البعض، و عن الجملة، و في الناس من قال يلزمه درهم واحد و الأصح الأول للاحتمال.

____________

(1)- العكة- بالضم- زقيق صغير للسمن و غيره، و منه قولهم: سمن الصبي حتى صار كالعكة. و الجونة: بالفتح: الخابية المطلية بالقار.

13

و إذا قال: له علي كذا كذا،

فإن أطلقه، فهو كما ذكرناه إذا قال له على كذا و لم يكرر لأنه شيء واحد كرره مرتين من غير عطف، فهو كما لو قال له على درهم درهم فإنه لا يلزمه إلا درهم واحد، و إن قيده بالدرهم منصوبا أو مرفوعا أو مخفوضا فعلى ما ذكرناه في المسئلة الاولى.

و إذا قال: له على كذا و كذا، فإن أطلق لزمه شيئان، و له تفسيرهما بما شاء من دانقين و حبتين و غيرهما، و إن قيد ذلك بدرهم، فان نصبه في الناس من قال يلزمه درهمان و منهم من قال درهم واحد، لأنه المتيقن و ما زاد عليه مشكوك فيه و الأصل براءة الذمة، و إن رفعه لزمه درهم واحد لا غير، و إن خفضه لزمه دون الدرهم، و له تفسيره بالحبتين و الدانقين، فيكون تقديره كذا و كذا من درهم.

و في الناس من قال إذا قال: له على كذا درهما لزمه عشرون درهما لأنه أقل عدد ينصب الدرهم بعده، و إن قال كذا و كذا درهما لزمه أحد عشر درهما لأنه أقل عددين ركب أحدهما على الآخر من غير عطف و نصب الدرهم بعده، و هذا هو الأقوى عندي.

و على هذا إذا قال له على كذا درهم، يلزمه مائة درهم، و على ما مضى أقل من درهم أو درهم و الزم من قال بما صححناه أنه إذا كسر أن يكون إقرارا بدون الدرهم، لأنه أقل ما يضاف إلى درهم فيقال ثلثا درهم أو نصف درهم أو ثلث درهم أو ربع درهم و لمن نصر الأول أن يقول إن ذلك ليس بصحيح، و إنما هو كسور.

فان قيل كيف يكون قوله كذا درهما إقرارا بعشرين، فإذا قال كذا و كذا درهما إقرارا بأحد عشر درهما، و هو كرر اللفظ فإن لم يزده كيف ينقص منه؟ قيل له ليس ذلك بمكرر و إنما هو كل واحد منهما عبارة عن عدد آخر، و إنما يفسر أعداد الدرهم على ما مضى القول فيه.

إذا أقر بدين في حال صحته ثم مرض فأقر بدين آخر في حال مرضه

، فان اتسع المال لهما استوفيا ديناهما معا، و إن عجز المال قسم الموجود منه على قدر الدينين.

إذا أقر في حال مرضه لوارث صح إقراره

، لأنه لا مانع منه، و في الناس من قال

14

لا يصح فعلى قولنا لا تفريع، و على قول المخالف فإن الاعتبار بكونه وارثا حال الموت لا حال الإقرار لأنه لو كان له أخ و له ابن، فأقر للأخ و مات صح الإقرار له بلا خلاف و إن مات ابنه قبل موته ثم مات هو لم يصح إقراره لأنه صار وارثا حال وفاته، و إن لم يكن له ابن فأقر لأخيه ثم رزق ابنا و مات هو صح إقراره لأخيه، لأنه غير وارث حال الوفاة.

إذا كانت له جارية و لها ولد

فأقر في حال مرضه بأن ولدها منه، و ليس له مال غيرها فإنه يقبل إقراره: أطلق ذلك أو بين كيفية استيلاده إياها إما في ملكه أو في ملك الغير، بعقد أو بشبهة عقد، لأن على جميع الأحوال الولد حر و يلحق به و الجارية تكون أم ولده، فان كان عليه دين يحيط بثمنها تباع فيه بعد موته و إن كان له مال غيرها قضى به الدين و جعلت في نصيب ولدها، و تنعتق عليه و إن لم يخلف مقدار الدين ينعتق منها بمقدار ما يفضل من الدين و هو ما يحصل لولدها و تستسعي فيما بقي لسائر الورثة.

إذا أقر رجل للحمل بدين في ذمته أو عين في يده:

لم يخل من إحدى ثلاثة أحوال إما أن يعزوه إلى سبب صحيح أو سبب غير صحيح أو يطلق، فان عزاه إلى سبب صحيح، مثل أن يقول لحمل هذه المرأة على دين من جهة وصية اوصي له بها أو من جهة الميراث لأن الوصية تصح للحمل و يوقف له الميراث فإن الإقرار بذلك يلزمه لأنه يمكن صدقه فيه.

و إذا أطلق فهل يصح أم لا قيل فيه قولان أحدهما يصح و الآخر لا يصح و الأول أقوى و إن عزاه إلى سبب فاسد، مثل أن يقول من معاملة بينى و بينه، أو جناية جنيتها عليه بقلع عين أو ضرس، بطل إقراره عند من قال إذا أطلق بطل و من قال يصح إذا أطلق قال ههنا فيه قولان أحدهما يصح لأنه أثبت على نفسه حقا بإقراره، ثم عقبه بما أسقط جملته من غير لفظ الاستثناء فلا يقبل منه كما لو قال له علي ألف قضيته.

فكل موضع يقال يصح إقراره فإنه ينظر فان انفصل الحمل ميتا كان الإقرار

15

باطلا لأنه إنما يكون له حكم إذا انفصل حيا فإذا انفصل ميتا كان في معنى المعدوم ثم ينظر فان كان الإقرار بمال عن وصية رجع إلى ورثة الموصى، و إن كان عن ميراث رجع إلى باقي الورثة و إن لم يكن بين السبب طولب ببيانه و إن انفصل حيا لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن ينفصل من حين الإقرار لدون ستة أشهر أو لأكثر من تسعة أشهر أو ما بينهما، فان كان انفصاله لدون ستة أشهر صح إقراره، لأنا قد تيقنا وجوده حين الإقرار فثبت أنه أقر لموجود و إن انفصل لأكثر من تسعة أشهر لم يصح الإقرار لأنا قد تيقنا أنه ما كان موجودا حال الإقرار فقد أقر لمعدوم فلم يصح و إنما يصح الإقرار لحمل إذا كان موجودا، و كذلك إنما تصح الوصية له و يوقف الميراث له، إذا كان موجودا و أما إذا انفصل لستة أشهر فأكثر و تسعة أشهر فأقل نظر فان كان لها زوج يطأها أو مولى لم يصح الإقرار، لأنه يجوز أن يكون حدث بعد الإقرار له فلا يكون الإقرار لازما و إذا احتمل لا يلزمه شيء بالشك و إن لم يكن لها زوج و لا مولى فإن الإقرار يصح لأنا علمنا أن هذا الولد من ذلك الوقت.

هذا إذا كان الولد واحدا فأما إذا وضعت ولدين لم يخل أن يكونا ذكرين أو أنثيين، أو أحدهما ذكرا و الآخر أنثى، فإن كانا ذكرين أو أنثيين، فالمال بينهما نصفين، سواء ثبت أن ذلك عن وصية أو ميراث و إن كان أحدهما ذكرا و الآخر أنثى فان كان ذلك عن وصية تساويا فيه، و إن كان عن ميراث تفاضلا فيه، على حسب ما فرضه الله تعالى إلا أن يكونا ولدين من أم، فيكون بينهما بالسوية، لأن كلالة الأم يتساوون في الميراث، إذا ثبت هذا فكل موضع صح فيه الإقرار ثبت المال للحمل عند الانفصال، و طالب الوصي المقر بتسليم المال إليه إذا ثبت أنه وصى له، و وجب عليه التسليم إليه، و إن ولدت ولدين أحدهما حي و الآخر ميت فان الميت كأنه معدوم، و يكون المال للحي كما لو ولدته وحده.

إذا كان في يده عشرة أعبد فأقر لرجل بهم

و قال: هؤلاء العبيد لفلان إلا واحدا منها صح الإقرار بالتسعة لأن جهالة الاستثناء لا تمنع صحته، ثم يكلف تعيين المقر بهم لأن حق الغير تعلق بهم، فيلزمه تعيينهم، و هو بالخيار بين أن يعين التسعة

16

و بين أن يعين الواحد الذي له، لأنه إذا عين أحدهما تعين الآخر.

إذا ثبت هذا و عين واحدا منها لنفسه، و صدقه المقر له، فذاك، و إن كذبه كان القول قول المقر في ذلك مع يمينه، لأنه أعلم بما أقر به و بما استثناه، و لأنه في يده فيجب أن يكون القول قوله مع يمينه.

فان هلك تسعة منهم و بقي واحد فادعى أنه هو الذي استثنى لنفسه فهل يصح ذلك أم لا، قيل فيه وجهان أحدهما لا يقبل منه ذلك، و يكون للمقر له لأنه فسره بما لا يحصل للمقر له شيء، و الثاني أنه يقبل منه و هو الصحيح، و يكون العبد له لأن الاستثناء قد صح وقت الإقرار، و تفسيره لا يدفع الجميع و إنما تعذر تسليم المقر به لموتهم لا لمعنى يرجع إلى الإقرار، كما لو قال هؤلاء العبيد لفلان إلا سالما ثم مات الكل إلا سالما كان سالم للمقر بالإجماع.

إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان و ملكها لفلان لزمه إقراره بالغصب

، و وجب عليه تسليم الدار إلى المغصوب منه، لأنه أقر له باليد و أقر للآخر بالملك، و قد يكون في يده بحق و إن كان ملكها لغيره، و ذلك مثل أن يكون في يده برهن أو إجارة، إذا ثبت هذا فان ملكها لا يثبت للآخر بإقراره، لأنه إذا ثبت أنها في يد غيره، فإن إقراره بما في يد غيره لا يصح كما لو قال الدار التي في يد فلان لفلان، فان ذلك لا يصح و لا يجوز شهادته بذلك، لأنه غاصب لا يقبل شهادته، فإذا بطل أن يكون شاهدا و بطل أن يصح إقراره بها، حصلت الدار للمقر له باليد و كانت الخصومة فيها بينه و بين المقر له بالملك، فإذا ثبت هذا فإنه لا ضمان عليه للمقر له بالملك، لأنه ما أقر له بشيء فحال بينه و بينه، لأنه أقر لأحدهما باليد، و أقر للآخر بالملك، و قد يجوز أن يكون في يد أحدهما بإجارة، و يكون للآخر ملكا.

فأما إذا قال هذه الدار ملكها لفلان و قد غصبتها من فلان، فقد اختلف فيها ففي الناس من قال هي كالتي قبلها، و لا فرق بين أن يقدم الغصب و بين أن يؤخره.

و منهم من قال يلزمه إقراره للأول، و هل يغرمها للثاني أم لا؟ قيل فيه قولان لأنه لما أقر له بالملك ثم أقر للآخر باليد، فذلك رجوع عن الإقرار الأول فهو كما لو قال

17

هذه الدار لزيد لا بل لعمرو، و الأول أصح.

إذا قال: هذه الدار لفلان لا بل فلان

أو قال غصبتها من زيد لا بل من عمرو فإن إقراره الأول لازم، و يكون الدار له، و هل يغرمها للثاني أم لا؟ قيل فيه قولان أحدهما لا يغرمه لأنه يقول قد أخطأت في الإقرار الأول، و قد رجعت عنه، و الدار للثاني، و إنما تحكمون علي بلزوم إقراري للأول بالشرع فلا يلزمني الضمان عنه، و الآخر و هو الصحيح أنه يغرمها له لأنه حال بينه و بين ما أقر له به فهو كما لو ذبح شاة له و أكلها ثم أقر له بها أو أتلف مالا ثم أقر به لفلان، فإنه يلزمه غرامته، فكذلك هذا، و هذا كما يقول في الشاهدين إذا شهد أحدهما على رجل بإعتاق عبده أو طلاق امرأته. و حكم الحاكم بذلك، ثم رجعا عن الشهادة كان عليهما غرامة قيمة العبد و المهر لأنهما حالا بينه و بين ملكه، و لا ينقض حكم الحاكم.

فإذا تقرر القولان فمن قال على قولين قال: هذا إذا أقر و سلمها إلى الحاكم، فأما إذا أقر و سلمها بنفسه فعليه الضمان قولا واحدا، و منهم من قال لا فرق بين الموضعين و هو الصحيح لأن الحاكم و إن سلمه فان تسليمه بإقراره فهو كما لو سلمه بنفسه.

و إذا باع شيئا و أخذ الثمن ثم أقر بأن ذلك المبيع لفلان

، فإن الغرامة تلزمه و لا ينفذ إقراره في حق المشتري لأنه حصل له عوض في هذه المسئلة، و يفارق المسئلة التي قبلها لأنه لم يحصل له عوض، و في الناس من قال هذا على قولين سواء حصل عوض أو لم يحصل.

إذا قال: غصبت هذا العبد من أحدكما، لزمه الإقرار

لأنه إقرار من جائز الأمر بما يصح الإقرار به لمن يصح الإقرار له، ثم يرجع إلى بيان المقر فقيل له: بين المقر له من هو منهما؟ فان قال لا أعرفه بعينه، فان قالا صدق انتزع العبد من يده و كانا خصمين فيه، و إن كذباه و ادعى كل واحد منهما علمه بأنه له دون صاحبه، كان القول قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما يعلمه، و بما لا يعلمه، و إذا حلف انتزع العبد من يده، و كانا خصمين فيه و هما متساويان في الدعوى، و عدم اليد، فإن أقام أحدهما البينة حكم له، و إن أقاما جميعا البينة تعارضتا، و سنبين كيفية الحكم فيها

18

و إن لم يكن مع واحد منهما بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه فان حلف واحد منهما و نكل الآخر حكم له، و إن حلفا جميعا وقف لهما حتى يصطلحا، و على مذهبنا يرجع إلى القرعة فحكم بينهما بها أو يقسم بينهما نصفين صلحا.

و أما إذا بين المقر، و قال: هو لفلان دون فلان، يسلم إليه العبد و لا يغرم للآخر قيمته، لأنه لم يقر للآخر، و إن طلب الآخر يمينه: فمن قال إذا أقر له بعد إقراره الأول يلزمه قيمته حلف، و من قال لا يلزمه لا يحلف، لأنه لو أقر له به لم يطالب بعينه و لا بقيمته، فلم يكن ليمينه فائدة.

إذا قال: هذا العبد أو هذه الجارية لفلان، لزمه الإقرار

لمثل ما قلناه في الاولى و طولب بالبيان فان قال هو العبد سئل المقر له، فان قال صدق سلم إليه، و كانت الأمة للمقر، و إن قال الجارية لي دون العبد، كان القول قول المقر مع يمينه لأن الظاهر أنها له و المقر له مدع فإذا حلف سقطت دعوى المقر له، و أما العبد فقد أقر له به، و هو يكذبه فيه، و ينتزعه الحاكم من يده و يحفظه أو لا ينتزعه و يتركه في يده، و إن قال: هما لي نسلم العبد بإقرار المقر، و هو مدع للجارية، فيكون القول قول المقر مع يمينه، و على المقر له بينة.

و إقرار العبد لا يجوز في المال إلا بإذن سيده

لأنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون مأذونا له في التجارة أو في غير مأذون له، فان كان غير مأذون له فأقر لم يخل إقراره من ثلاثة أحوال إما أن يقر بحق على بدنه أو في المال أو بما يتعلق به حق على البدن و حق في المال مثل السرقة، فإن أقر بما يوجب حقا على بدنه مثل القصاص و القطع و الجلد لم يقبل منه، و لا يجب عليه الحد، لأنه أقر على مال الغير إلا أن يصدقه مولاه أو يقوم عليه بينة، و إن أقر بما يوجب حقا في المال مثل أن يقول أتلفت مال فلان أو جنيت جناية خطأ يجب بها مال أو استقرضت منه مالا فأتلفته، فإنه لا يقبل إقراره بذلك على مولاه، بلا خلاف، و لا يباع منه شيء بذلك، و يكون في ذمته إذا أعتق يتبع به، و إن أقر بما يوجب الأمرين مثل السرقة لا يقطع عندنا،

19

و عندهم يقطع، و هل يباع منه بقدر المال المسروق؟ فعندنا لا يباع، و عندهم على قولين.

و إن كان مأذونا له في التجارة نظر فإن أقر بما يوجب حقا على بدنه قبل عندهم، و عندنا لا يقبل، و إن أقر بما يوجب مالا نظر فان كان لا يتعلق بما أذن له فيه من التجارة مثل أن يقول أتلفت مال فلان أو غصبت منه مالا أو استقرضت منه مالا فان الاستقراض لا يدخل في الاذن في التجارة، فإنه لا يقبل على ما بيناه، و يكون في ذمته يتبع به إذا أعتق.

و إن كان يتعلق بالتجارة مثل ثمن المبيع و أرش المعيب، و ما أشبه ذلك، فإنه يقبل إقراره، لأن من ملك شيئا ملك الإقرار به، إلا أنه ينظر فيه، فان كان الإقرار بقدر ما في يده من مال التجارة قبل و قضي منه، و إن كان أكثر كان الفاضل في يده (1) يتبع به إذا أعتق.

إذا قال: لفلان عندي ألف درهم، فجاء بألف

و قال هذه التي أقررت لك بها كانت لك عندي وديعة، كان القول في ذلك قوله، و فيها خلاف.

إذا قال: لفلان عندي ألف درهم وديعة و دينا أو مضاربة و دينا صح إقراره بذلك

و قد وصفه بصفتين إحداهما أنها وديعة، و الأخرى أنها دين، أو مضاربة و دين، و هذا لا يحتمل إلا وديعة أو مضاربة تعدى فيها فصارت مضمونة عليه فإذا فسره بذلك قبل منه.

و إن قال له عندي ألف درهم وديعة

شرط علي أني ضامن لها، كان ذلك إقرارا بالوديعة و لم يلزمه الضمان الذي شرط عليه، لأن ما كان أصله أمانة لا يصير مضمونا بشرط، و ما يكون مضمونا لا يصير أمانة بشرط لأنه لو شرط على المستام أن يكون مال السوم أمانة أو شرط في العارية أن يكون أمانة عند الشافعي لم تصر أمانة (2) بشرط و عندنا العارية أمانة فان شرط الضمان صارت مضمونة عليه.

____________

(1) ذمته خ ل.

(2) لا يصير مضمونا خ ل.

20

إذا قال: لفلان علي ألف درهم في ذمتي ثم جاء بألف

و قال كان الألف التي أقررت لك بها وديعة عندي، و هذا بدلها، صح ذلك لأنه يجوز أن تكون قد تلفت بتفريط منه فلزمه ضمانها فأتى ببدلها، و إن قال هذا الألف الذي أقررت به لك، و كان وديعة لك عندي. قيل فيه وجهان أحدهما يقبل تفسيره لأنه يجوز أن يكون وديعة و يكون مضمونة عليه في ذمته بتعديه فيها، و الثاني أنه لا يقبل منه ذلك، فيكون للمقر له الألف الذي أحضره، و يطالبه بما أقر به، و هو الأقوى و لا يقبل منه تفسيره إياه بالوديعة، و يفارق المسئلة المتقدمة، لأنه أطلق في تلك المسئلة الإقرار، و لم يصرح على جهة بعينها، و ليس كذلك ها هنا لأنه نص فيها على المحل و هو الذمة فلم يقبل تفسيره بما ليس بثابت عليه في ذمته، لأن الوديعة ما دامت باقية فليست مضمونة عليه في ذمته، و إنما يضمنها في ذمته إذا تلفت بالتعدي.

إذا قال: له علي ألف درهم، ثم قال كانت لك عندي وديعة

و كان عندي أنها باقية، فأقررت لك بها، فإذا هي أنها تالفة في ذلك الوقت، لم يقبل منه ذلك لأنه يكذب إقراره المتقدم و لو ادعى تلفها بعد الإقرار قبل منه، لأنه فسر إقراره بوديعة و لم يكذب إقراره المتقدم و إنما ادعى تلف ما أقر به بعد ثبوته بإقراره.

إذا قال: له في هذا العبد ألف درهم صح إقراره بذلك

و رجع إليه في تفسيره فان قال نقد في ثمنه ألفا فقد أقر على نفسه بألف عليه قرضا، لأنه اشترى ذلك العبد و وزن عنه هذا المقر له ذلك الألف باذنه، و إن قال: نقد في ثمنه ألفا لنفسه فقد أقر له بشراء بعضه، فنقول له: كيف كان الشراء بإيجاب واحد أو بإيجابين؟ فإن قال بإيجاب واحد قبل ذلك منه، و قيل له و كم نقدت أنت في ثمنه، فان قال ألفا كان العبد بينهما نصفين، و إن قال ألفين فثلثا و ثلثين، و متى ما كذبه المقر له بذلك، كان القول قول المقر فيما يدعيه عليه، و إن قال بإيجابين قلنا له يبين المقدار الذي أوجبه البائع للمقر له بالألف، فإن قال نصفا أو ربعا أو ما فوق ذلك أو ما دونه كان القول قوله، و سواء كان الألف وفق قيمة المقدار الذي عينه أو أقل أو أكثر، لأنه قد يغبن و قد لا يغبن.

21

فاما إذا قال له ألف في ثمنه بوصية أوصى له بها صح و بيع العبد، و صرف إليه من ثمنه ألف، و إن أراد أن يعطيه ألفا من غير ثمن العبد لم يكن له ذلك إلا برضا المقر له، لأنه استحق من ثمنه الألف فوجب البيع في حقه إلا أن يرضى بترك البيع و أخذ الألف من غير ثمنه، فاما إذا فسره بأرش الجناية، و هو أن يقول جنى عليه هذا العبد جناية أرشها ألف، قبل ذلك منه، لأن الألف إذا كانت أرش جناية تعلق برقبة العبد، و يكون المقر بالخيار بين أن يبيعه فيعطيه الألف من ثمنه، و بين أن يفديه.

فأما إذا قال: أردت أنه رهن عبده بألف له على فهل يقبل ذلك منه أم لا؟ قيل فيه وجهان أحدهما يقبل لأن الألف يتعلق برقبة الراهن كما يتعلق أرش الجناية بها و هو الصحيح و الثاني لا يقبل لأن الألف متعلقة بذمة الراهن، و يكون الرهن وثيقة به، فيكون تفسيره بذلك مخالفا لظاهر إطلاق إقراره، فلم يقبل منه و هذا أيضا قوي فإن قال له في هذا العبد شركة صح ذلك و كان له أن يفسر ذلك بما شاء قل أو كثر لأن ذلك كله يسمى شركة في العبد.

إذا قال له في ميراث أبي أو من ميراث أبي ألف درهم

، كان ذلك إقرارا بدين على أبيه، و لو قال له في ميراثي من أبى ألف درهم كان هبة، و هو بالخيار بين أن يقبضها فيمضي الهبة، و بين أن يمسكها فيرد الهبة، و الفرق بين المسئلتين أنه إذا قال في ميراثي من أبى فقد أضاف الميراث إلى نفسه و جعل له منه جزءا، و إذا جعل له جزءا من ماله لم يكن ذلك إلا على وجه الهبة، و أما إذا لم يضفه إلى نفسه فما جعل له جزء من ماله، و إنما أقر له بدين في تركة أبيه، و كذلك إذا قال له في هذه الدار نصفها أو من هذه الدار نصفها، كان إقرارا، و لو قال له في داري نصفها أو من دارى نصفها، كان ما أقر به منها هبة للمقر له، و الفرق بينهما ما ذكرناه.

و إذا قال له في مالي ألف أو له من مالي ألف

، فمن الناس من قال إنه مثل ما تقدم، و منهم من قال إنه إذا قال له من مالي كان ذلك إضافة للمال إلى نفسه، و الألف جعله خبرا، و إذا قال له في مالي ألف احتمل أن يكون ماله ظرفا للألف

22

الذي ذكره، و يجوز أن يكون ظرفا له، و هو أن يكون له ألف يختلط بماله، و يفارق إذا قال له في داري نصفها لأن النصف الذي يبقى له لا يسمى دارا و إذا قال له في مالي ألف درهم فما يبقى بعد الألف يسمى مالا، هذا كله إذا لم يقل بحق واجب، فان قال بحق واجب فسواء أضافه إلى نفسه أو لم يضفه فإنه يكون إقرارا و لا يكون هبة لأن الهبة لا يكون حقا واجبا.

إذا قال: له عندي ألف درهم عارية، قيل فيه وجهان

أحدهما يصح عارية الدراهم و هو الصحيح و الثاني لا يصح، فإذا أقر بألف و جعلها عارية قبل منه ذلك، و تكون مضمونة على كل حال، لأن الدراهم و الدنانير مضمونة في العارية بلا شرط، و ما عداهما لا يضمن إلا بشرط.

إذا قال: لك على ألف درهم إن شئت. لم يكن إقرارا

لأن الإقرار إخبار عن حق واجب، و ما كان واجبا عليه قبل إقراره لا يجوز أن يتعلق وجوبه بشرط مستقبل، و كذلك إذا قال: لك على ألف درهم إن قدم زيد أو إن قدم الحاج أو إن رضى فلان أو إن هوى فلان، فكل ذلك لا يكون إقرارا لما قلناه، و كذلك إن قال لك على ألف درهم، إن شهد لك به شاهدان، لما ذكرناه، و لو قال: إن شهد لك علي شاهدان بألف فهما صادقان، لزمه الإقرار بالألف في الحال، لأن الشاهدين إذا صدقا في شهادتهما عليه بالألف إذا شهدا، فان الحق واجب عليه، شهدا أو لم يشهدا.

إذا قال هذا الشيء لك بألف إن شئت كان ذلك إيجابا للبيع، و لا يكون إقرارا

و البيع يجوز أن يتعلق بمشية المشتري، لأنه لا يشترى إلا باختياره و مشيته، فقد شرط في العقد ما يقتضيه إطلاقه، فإذا ثبت أنه بيع كان بالخيار بين أن يقبل أو لا يقبل، و الخيار ثابت لهما في المجلس، ما لم يتفرقا.

إذا كان في يده عبد فأقر به لزيد و صدقه زيد على إقراره

، و أقر العبد بنفسه لعمرو، و صدقه على إقراره لم يصح إقرار العبد، و يصح إقرار سيده به لأن يد السيد ثابتة على العبد لأنه ملكه، و يد العبد ليست ثابتة على نفسه، لأنه لا يملك نفسه، و لأن إقرار العبد إقرار بمال السيد عليه، فلا يقبل إقراره، و إنما يقبل إقراره

23

في الجنايات التي تتعلق برقبته أو إتلاف الأموال.

هذا إذا صدق السيد المقر له، فاما إذا كذب السيد في إقراره فهل يبقى العبد على رقه أو يعتق؟ فيه وجهان أحدهما أنه يعتق لأن الذي كان في يده أقر بأنه ليس له، و الذي أقر له به قد أنكر، و إقرار العبد ما صح، فما ثبت عليه ملك لأحد و الثاني أنه يبقى على رقه لأنه قد ثبت أنه كان رقيقا في يده فإذا أقر به لغيره و رده الغير بقي على ما كان عليه من رقه، و الأول أقوى، و من قال يبقى على رقه ففيه الأوجه الثلاثة التي مضت في كتاب الصلح، و من قال يعتق فلا كلام.

إذا ادعى رجل على رجل أنه مملوك له، و أنكر الرجل ذلك

كان القول قول المدعى عليه مع يمينه، لأن الظاهر من حاله الحرية، و إن لم ينكر دعواه و أقر بما ادعاه من الرق، ثم ادعى أنه أعتقه و أنكر سيده ذلك كان القول قول سيده لأن الأصل أنه ما أعتقه. إذا التقط لقيطا و رباه ثم أقر الملتقط بأنه عبد لفلان لم يقبل إقراره عليه بذلك، لأن الظاهر من اللقيط الحرية.

إذا أقر بأن العبد الذي في تركة أبيه لفلان ثم قال لا بل لفلان

، كان بمنزلة قوله «غصبته من فلان لا بل من فلان» و فيها قولان، و لا فرق بين أن يسلم بنفسه إلى الأول، و بين أن يسلمه إلى الحاكم، و في الناس من قال في هذه المسئلة أنه لا يغرم للثاني قولا واحدا، لأنه غير مفرط، لأن الإحاطة لم يؤخذ عليه بما يتعلق بتركة أبيه، فيجوز أن يعتقد شيئا فيها و يكون الأمر بخلافه، و قد أخذت عليه الإحاطة بما يتعلق بأفعاله و يجب في ماله، فإن أقر ثم رجع كان مفرطا في إقراره الأول، و الأقوى في هذه أيضا أنه يغرم على ما قلناه في مسئلة الغصب.

إذا شهدا على رجل بأنه أعتق عبده الذي في يده

، فان كانا عدلين حكم بعتق العبد، و إن لم يكونا عدلين فردت شهادتهما ثم اشتريا ذلك العبد من المشهود عليه صح الشراء و يفارق إذا قال لامرأة أنت أختي و أنكرت المرأة ذلك ثم إنه تزوج بها في أنه لا يصح العقد من وجهين:

أحدهما أنه إذا أقر بأنها أخته فقد أقر بأن فرجها حرام عليه، فإذا تزوج

24

بها لم يقصد بذلك إلا المقام على الفرج الحرام، فلذلك لم يصح و ليس كذلك ها هنا لأنهما إذا اشتريا هذا العبد فهما يقصدان غرضا صحيحا، و هو أن ينفذاه من الرق و الثاني أنه إذا صححنا الشراء أعتق العبد، و إذا صححنا النكاح لم تطلق المرأة فيبقى معها على فرج حرام، فلذلك لم يصح النكاح.

إذا ثبت صحة الشراء فان العبد يعتق عليهما، و إنما منعناه من نفوذ العتق قبل الشراء لتعلق حق الغير به، فإذا سقط حق الغير نفذ إقرارهما بالعتق، كما إذا أتى المكاتب بمال الكتابة، فقال السيد هذا المال لفلان غصبته عليه، قيل له إما أن تقبضه و إما أن تبرئه، فإن قبضه لزمه رده على من أقر بأنه غصبه عليه.

فإذا ثبت أنه يعتق فان الولاء يكون موقوفا فان رجع البائع و قال كنت أعتقته و قد صدق الشاهدان، رد الثمن عليهما و ثبت له الولاء، و إن رجع الشاهدان و لم يرجع البائع فقالا كذبنا عليه حكمنا بأنه عتق عليهما من ملكهما و ثبت الولاء لهما و إن لم يرجع أحد منهم كان الولاء موقوفا، فان مات العبد كان ميراثه موقوفا، و قال قوم و هو الأقوى أنه يكون من ميراثه لهما قدر الثمن، لأن من له حق منعه ثم قدر عليه أخذه و لا يخلو المشتريان في قولهما في العتق من صدق أو كذب، فان كانا صادقين فان الثمن دين لهما على الجاحد، لأنه باع من لا يملكه و ما تركه فهو لمولاه فلهما قدر الثمن منه، و إن كان قولهما كذبا فهو عبدهما و ما ترك لهما، فباليقين إن لهما قدر الثمن من مال الميت.

هذا إذا لم يكن له وارث غير بائعه، و ترك أكثر من الثمن، فان كان ما ترك أقل من الثمن، لم يكن لهما غيره، و ما زاد على قدر الثمن ينبغي أن يكون موقوفا.

إذا أقر بألف درهم نقص- و هي جمع ناقص- كان وصفه إياها بأنها نقص بمنزلة الاستثناء

، ثم ينظر، فان ذكر ذلك متصلا به في لفظه قبل، كما يقبل الاستثناء و إن كان منفصلا عنه لم يقبل منه لأن إطلاق اللفظ يقتضي الوزن الوافي، و إنما يقبل منه ما يسقط بعضه بلفظ متصل، مثل الاستثناء، هذا إذا كان في بلد وزنهم واف لأن الإطلاق في ذلك البلد التمام و الوفاء، فاما إذا كان في بلد دراهم ناقصة، مثل

25

خوارزم، فان درهمهم فيه أربعة دوانيق و نصف بوزن الإسلام، و طبرية الشام فيها نصف و قيراط، فإذا أقر بدرهم كان درهما من دراهم البلد اعتبارا بعادتهم كما إذا أطلق النقد رجع إلى نقدهم و وزنهم.

و في الناس من قال يرجع إقراره في ذلك البلد إلى الوزن الوافي، لأنه وزن الإسلام و الأول أقوى، و إن كان في بلد يتعاملون به عددا فقال له عندي ألف درهم وجب عليه أن يكون عددا، اعتبارا بالعادة، و إذا قال له على مائة درهم عددا و هي وازنة فيلزمه مائة عددا و وزنا فأما العدد فبحق النطق، و الوزن فبحق العادة، هذا في البلاد التي عادتهم الوزن.

فإن أقر بدرهم صغير في بلد وزنه واف فهو صغير وازن، و إن كان للناس دراهم صغار القدور، فان قال دريهم، فهو وازن، و إن قال درهم كبير فهو وازن، فإن كان في البلد دراهم كبار القدور فهو درهم وازن منها.

و إن قال له على ألف درهم زيف و هي جمع زائف، و هي التي لا يجوز بين الناس يرجع إليه فإن فسره بزيف لا فضة فيها بحال، لم يقبل منه سواء وصله بإقراره أو فصله لأن قوله ألف درهم، لا يقع على ما لا فضة فيها، لأنها لا تسمى دراهم، فلا يقبل تفسيره، و إن فسره بزيف فيها فضة مثل الدراهم التي فيها غش قبل منه سواء كان متصلا أو منفصلا. و إن قال من سكة كذا قبل منه، و في الناس من قال إنه يقبل منه إن قال متصلا و لا يقبل منه إن قال منفصلا و هو الأقوى.

إذا أقر بدراهم رجع إليه في تفسيرها في السكة

، فبأي سكة فسرها قبل منه سواء فسرها بسكة بلده أو بسكة بلد اخرى لا يجوز في بلد الإقرار جوازها في ذلك البلد و لا يكون مطلق إقراره راجعا إلى سكة البلد الذي أقر فيه، هذا إذا كانا في الوزن سواء و في الناس من قال يلزمه من دراهم بلده و هو الأقوى عندي.

إذا قال له على درهم في دينار، لزمه درهم

، ثم يرجع إليه في معنى قوله في دينار فإن قال أردت به مع دينار لزمه الدينار أيضا و يكون يستعمل في بمعنى مع، كما يقال جاء الأمير في جيش عظيم، و لا يلزمه بمجرد إقراره إلا درهم واحد، لأنه يحتمل أنه

26

يريد أقرضني درهما في ثمن دينار فيكون عليه درهم في دينار على هذا التفسير، و إن قال وزن لنفسه درهما في ثمن بعض دينار، فيكون الحكم فيه كما لو قال له في ثمن هذا العبد ألف درهم، و قد مضى.

إذا أقر فقال: له على درهم و درهم، لزمه درهمان

، لأن الثاني معطوف على الأول بواو، فلا يحتمل التكرار و كذلك لو قال درهم و درهم و درهم فالثاني غير الأول، و الثالث غير الثاني، لمثل ما قلناه، و في الناس من قال الثالث يحتمل التأكيد، و ليس بشيء.

إذا قال: له على درهم ثم درهم، لزمه درهمان

، لأن ثم من حروف العطف الخالص كالواو، و فيه فائدة المهلة، و لا معنى لها ها هنا، و إذا قال له على درهم ثم درهم ثم درهم فهو كما لو عطف بالواو على ما مضى، فإن قال: له على درهم فدرهم، فإنه يلزمه درهم واحد بلا خلاف، و في الثاني خلاف و عندي أنه يلزمه درهمان لأن الفاء من حروف العطف كالواو، و إن أفادت الفاء التعقيب و لا فائدة له ههنا.

و إذا قال: لفلان على درهم فوق درهم

، أو تحت درهم، أو مع درهم، أو قبل درهم أو بعد درهم، أو فوقه درهم، أو تحته درهم، أو معه درهم، أو قبله أو بعده: في الناس من قال هذه كلها على قولين أحدهما يلزمه درهمان لأن هذه الحروف بمنزلة حروف العطف مثل الواو و غيرها، و منهم من قال يلزمه درهم واحد لأنه يحتمل أن يريد فوق درهم لي أو مع درهم لي أو قبل درهم لي، و إذا احتمل ذلك لم يلزم إلا اليقين لأن الأصل براءة الذمة، و هو الأقوى و فيهم من قال إذا قال فوقه درهم، أو تحته درهم، أو معه لم يلزمه إلا درهم واحد و إذا قال: قبله درهم أو بعده درهم لزمه درهمان، و هذا أيضا قريب، و الفرق بينهما أن قبل و بعد لا يحتمل إلا التاريخ، و فوق و تحت يحتملان الجودة و الرداءة، و إذا احتملا لا يلزم إلا اليقين.

إذا قال: له عندي قفيز لا بل قفيزان، أو درهم لا بل درهمان، لزمه قفيزان و درهمان

، لأن بل للإضراب من الأول، و الاقتصار على الثاني، و إن قال: له على درهم لا بل أكثر لزمه درهم بزيادة، و إن قال له على قفيز حنطة لا بل قفيز

27

شعير، لزمه قفيز حنطة و قفيز شعير، لأنه أقر بجنس آخر فلا يقبل منه نفيه للأول.

إذا قال مشيرا إلى جملتين من الدراهم حاضرتين فقال لفلان على إحداهما

و عينها ثم قال لا بل هذه الأخرى، حكم عليه بالجملتين جميعا، و لا يصح رجوعه، لأن إحدى الجملتين غير داخلة في الأخرى، و يفارق قوله علي عشرة لا بل عشرون، لأن العشرة داخلة في العشرين ما لم يكن معينة.

إذا قال يوم السبت: لفلان على درهم

، ثم قال يوم الأحد: له على درهم، لم يلزمه إلا درهم واحد، و يرجع إليه في التفسير.

إذا قال يوم السبت لفلان على درهم، من ثمن عبد و قال يوم الأحد: له على درهم من ثمن ثوب لزمه درهمان لأن ثمن العبد غير ثمن الثوب، و يفارق ذلك إذا قال مطلقا من غير إضافة إلى سبب لأنه يحتمل التكرار و كذلك إذا أضاف كل واحد من الإقرارين إلى سبب غير السبب الذي أضاف إليه الآخر.

إذا قال: لفلان على درهم لا بل درهم، لم يلزمه إلا درهم واحد

، لأنه أمسك ليستدرك ثم تذكر أنه ليس عليه إلا ذلك، فثبت عليه، و لو قال لفلان على عشرة لا بل تسعة لزمه عشرة لأنه نفى درهما من العشرة على غير وجه الاستثناء، فلم يقبل منه، و يفارق إذا قال على عشرة إلا درهما في أنه يقبل منه لأن للتسعة عبارتين إحداهما بلفظ التسعة، و الأخرى بلفظ العشرة و استثناء الواحد، فبأيهما أتى فقد أتى بعبارة التسعة، و ليس كذلك قوله على عشرة لا بل تسعة لأنه أقر بالعشرة ثم رجع عن بعضها فلم يصح رجوعه، يدل على ذلك أنه إذا قال: على دينار إلا درهم صح ذلك و استثنى قدر الدرهم، و لو قال: على دينار لا بل درهم، لزمه الدينار و الدرهم معا.

إذا قال: له على ما بين الدرهم و العشرة، لزمه ثمانية.

لأنه أقر ما بين الواحد و بين العاشر، و الذي بينهما ثمانية، و إن قال: له على من درهم إلى عشرة، فمن الناس من قال ثمانية لأنه جعل الأول حدا و العاشر حدا و الحد لا يدخل في المحدود، و قال

28

الباقون و هو الصحيح إنه يلزمه تسعة لأن الأول داخل فيه، لأن من لابتداء الغاية و الابتداء يدخل فيه.

إذا قال لفلان على ألف درهم، أو عندي ألف درهم، أو قبلي، ثم فسر ذلك بالوديعة، نظر

فإن وصل التفسير بالإقرار قبل منه، و كذلك إن فصله لأنه أوجب على نفسه بإقراره مالا، و قد يكون الإيجاب تارة دينا و تارة عينا، لأن ذلك كله حق لصاحبه و يجب له عليه و أما إذا قال قد أقررت لك بالألف و كانت لك وديعة عندي، و كان عندي أنها باقية حين الإقرار، و إذا إنها كانت تالفة، لم يقبل منه، لأنه كذب نفسه بالتفسير في إقراره، لأن الوديعة إذا هلكت من غير تعد فلا حق للمودع، فان قال كانت باقية وقت الإقرار ثم إنها هلكت بعد ذلك، قبل منه.

فأما إذا قال: لك على ألف درهم وديعة هلكت، فقد عقب الإقرار بما يسقطه، فقيل فيه قولان كما لو قال على ألف درهم من ثمن خنزير أحدهما أنه يقبل منه ذلك، و لا يلزم الألف، و الثاني أنه لا يقبل منه و يلزمه الألف و هو الأقوى.

إذا قال: لفلان على من مالي ألف، كان له تفسيره بالهبة

، و لا يكون إطلاقه إقرارا لأنه أضاف المال إلى نفسه و جعل له ألفا منه، و هذا يقتضي أن يكون هبة لأن ماله لا يصير لغيره إلا على وجه الهبة، فإن فسره بالإقرار لزمه ذلك (1) فأما إذا قال:

له في مالي ألف درهم، فقال قوم: إنه إقرار، و هو الصحيح، و قال قوم: إنه هبة.

إذا قال: هذه الدار لك هبة عارية، أو هبة سكنى، كان له أن يخرجه منها أي وقت شاء لأن ذلك إقرار بالعارية و هبة منفعتها، فما سكنها فقد قبضه، و ما لم يسكنها فلم يقبضه، فله الرجوع أي وقت شاء.

إذا أقر لميت بحق و قال هذا ابنه

، و هذه امرأته، و لا وارث له غيرهما، لزمه تسليم المال إليهما، لأنه أقر بأنه لا يستحق غيرهما، فان قال: هذا المال لفلان الميت أو قال لفلان الميت على مال، و هذا الطفل ابنه، و هذا وصيه، لا يلزمه دفعه إلى الوصي لأنه لا يأمن أن يبلغ الطفل فينكر وصية الرجل، و إذا أنكر سمع ذلك منه و يجوز تسليمه إلى

____________

(1) أو مات و فسره ورثته بالإقرار لزمه ذلك خ.

29

الحاكم لأن له على الطفل ولاية لا يمكنه إنكارها، و لا يثبت ولاية الوصي إلا ببينة عادلة.

إذا كان لرجل أمة فوطئها رجل فاختلفا

فقال السيد بعتكها فالجارية مملوكة لك و عليك الثمن، و قال الواطي زوجتنيها، فالجارية لك و علي مهرها، فان كل واحد منهما يدعى على صاحبه عقدا و ينكر دعواه عليه، فلكل واحد منهما أن يحلف و ينفي بيمينه ما يدعى صاحبه عليه، فان حلف سيدها أنه ما زوجها و حلف الواطئ أنه ما اشتراها رجعت الجارية إلى سيدها لأن الواطي حلف أنه ما اشتراها فسقط الشراء، و حلف سيدها أنه ما زوجها فسقط النكاح، و في كيفية الرجوع وجهان:

أحدهما أنه يرجع إليه كما يرجع المبيع إلى البائع بإفلاس المشتري بثمنه لأنه تعذر عليه الوصول إلى الثمن، فعلى هذا يحتاج سيدها أن يقول فسخت العقد كما يحتاج إلى ذلك البائع في استرجاع المبيع من المشتري المفلس، فإذا فسخ حصلت الجارية ملكا له ظاهرا و باطنا.

و الثاني أنها ترجع إليه، بمعنى رجوع من عليه الدين و لا يقضيه، لأن له عليه ثمن الجارية و قد امتنع من أدائه بيمينه، و قدر هو على مال له فعلى هذا يبيعها فإن كان ثمنها وفق حقه أخذه، و إن كان أقل من حقه كان الباقي في ذمته، و إن كان أكثر من حقه احتال في رد ذلك على الواطي.

هذا إذا حلفا معا فأما إن حلف سيدها أنه ما زوجها، و نكل الواطي عن اليمين ردت عليه فيحلف أنه باعها منه، فإذا حلف على ذلك ثبتت الجارية في الحكم ملكا للواطي، و كان عليه الثمن له، لأنه قد أثبت بيمينه أنه قد اشتراها منه، و إن حلف الواطئ أنه ما اشتراها و نكل سيدها عن اليمين، ردت على الواطئ فحلف أنه تزوجها ثبتت الزوجية و رجعت الجارية إلى سيدها فكان له ملك رقبتها فإذا ارتفع النكاح بينها و بين الواطى جاز لسيدها وطيها في الحكم فأما في الباطن فهو على ما يعرفه من نفسه، فإن كان صادقا في دعواه لم يحل له وطيها، و إن كان كاذبا في دعواه لا

30

يحل له وطيها إلا على ما نبينه، و أما المهر فإنه مقر له به، و هو لا يدعيه.

هذا إذا وطئها و لم يحبلها فأما إذا أحبلها و ولدت منه فهو مدع أن الأمة ملك للواطي، و أن الولد انعقد حرا، و أن الجارية صارت أم ولد له، و أن له عليه الثمن، و الواطئ يدعى أنها زوجته و أنها ملك لسيدها، فعندنا أن الولد لاحق به و هو حر، و عند المخالف الولد رق له، فإذا ثبت هذا فان الولد حر و الجارية أم ولد في حق السيد لأن ذلك إقرار على نفسه بما يضره فقبل منه، و لا يستحق الثمن عليه إلا ببينة، و القول قول الواطئ مع يمينه أنه ما اشتراها منه، فإذا حلف بريء من الثمن.

و هل للسيد أن يرجع عليه بشيء؟ قيل فيه وجهان: أحدهما يستحق الرجوع على الواطئ بأقل الأمرين من ثمن الجارية أو مهرها، فإنه واجب عليه باتفاقهما و الثاني لا يستحق عليه شيئا، لأنا حكمنا بعدم البيع بيمين الواطئ و النكاح الذي اعترف به الواطي، و المهر الذي أقر به له لا يدعيه فلا يثبت له، و هل يحل للواطي وطء هذه الجارية أم لا نظر، فان كان يعلم أنه صادق فيما يدعيه من النكاح حل له ذلك فيما بينه و بين الله تعالى لأنها امرأته و يمنع منه في الحكم هذا إذا حلف الواطي و نكل السيد فأما إذا حلف السيد و نكل الواطي حكم عليه بثمن الجارية، و حكم بالجارية للواطي، فأما إذا حلف كل واحد منهما لم ترجع الجارية إلى البائع، لأنه أقر بما يمنع رجوعها إليه و هل يستحق على الواطي شيئا أم لا على الوجهين أحدهما أنه يستحق أقل الأمرين من الثمن و المهر، و الثاني لا يستحق شيئا لما ذكرناه.

و أما النفقة، فإن نفقة الولد على الأب و هو الواطي، و نفقة الأمة قيل فيه وجهان أحدهما يكون على سيدها دون الواطي لأن إقراره مقبول فيما يضره دون ما ينفعه، و الثاني يكون ذلك في كسبها، و [أما] ما فضل عن كسبها بعد نفقتها يكون موقوفا لأن كل واحد منهما يقر بأنه لصاحبه.

فأما إذا ماتت الجارية قبل موت الواطي كان ما في يدها من كسبها موقوفا بعد

31

أن يأخذ السيد منه مقدار الثمن، لأنه يستحقه على اليقين، لأنها إن كانت له فجميعها له، و إن كانت للواطي فهو يستحق مقدار الثمن، و إن مات الواطي قبل موتها عتقت الجارية بموته عندهم، لأنهم حكموا بأنها أم ولده.

ثم إذا ماتت بعد ذلك، فان كان ولدها حيا ورثها و إن مات ولدها كان مالها موقوفا لأنا لا نعلم أن الولاء للسيد أو للواطي، و ليس لسيدها أن يأخذ من تركتها بقدر الثمن، لأنه لا يستحق ذلك إلا على الواطي و الميراث ليس له لأنه مات قبلها و يفارق إذا ماتت قبل موت الواطئ، لأن ما في يدها يكون ملكا له، فلهذا قلنا له بمقدار الثمن فيها (1).

هذا إذا لم يرجع واحد منهما، فأما إذا رجع سيدها عن دعوى البيع سقط الثمن عن الواطي و لا يقبل رجوعه، و لا يسقط بإسقاطه حقها من الحرية، و حق ولدها، و يكون له المهر، و إن رجع الواطي كان عليه الثمن لسيدها.

إذا ادعى عليه مالا بين يدي الحاكم، و قال لا أقر و لا أنكر

، قال له الحاكم هذا ليس بجواب فأجب بجواب صحيح، فإن أجبت و إلا جعلتك ناكلا، و رددت اليمين على صاحبك، فان لم يجب بجواب صحيح فالمستحب أن يكرر عليه ذلك ثلاث مرات فان لم يجب بجواب صحيح جعله ناكلا، و رد اليمين على صاحبه، و إن رد اليمين على صاحبه بعد المرة الأولى جاز لأنه هو القدر الواجب و إنما جعلناه ناكلا بذلك لأنه لو أجاب بجواب صحيح مع علمه بما يقول ثم امتنع عن اليمين جعل ناكلا، فإذا امتنع عن الجواب و اليمين فأولى أن يكون ناكلا، و هكذا إذا قال لا أدري ما يقول لأن ذلك ليس بجواب صحيح، مع علمه بما يقول.

و إن قال أقر و لا أنكر، لم يكن ذلك جوابا صحيحا، لاحتمال أن يريد أقر فيما بعد أو أقر بوحدانية الله تعالى، و كذلك يحتمل قوله و لا أنكر: و لا أنكر فضلك أو لا أنكر وحدانية الله و إذا كان ذلك محتملا لم يصح جوابه حتى يقطع الاحتمال، و يصرح

____________

(1) منها خ ل.

32

بالجواب، حتى يمكن الحاكم أن يحكم به، و كذلك إن قال أنا مقر أو منكر، لم يكن ذلك جوابا صحيحا، فإن قال أنا مقر بما يدعيه أو منكر لما يدعيه، كان جوابا صحيحا، فأما إذا قال لي عليك ألف درهم فقال نعم، أو قال أجل، كان ذلك إقرارا.

إذا قال: وهبت لفلان هذه الجارية أو هذه الدار و قبضها فأقر له بالهبة و القبض ثم قال ما كان قبضها و إنما كنا توافقنا على الإقرار بالقبض، و لم يحصل القبض، فحلفوه أن الدار كانت مقبوضة له حين الإقرار، قال قوم إن كان المقر لم يتول إقباضها قبل منه ذلك، و حلف المقر له، لأنه لا يكذب نفسه في القبض الذي أقر به، لأنه يقول [كاتبني] أرسلني وكيلي بأنه أقبض الدار فأقررت بذلك، ثم بان أنه ما كان أقبضها إياه، فأما إذا كان تولى الإقباض بنفسه، لم يسمع منه ذلك، و لا يحلف المقر له لأنه يكذب إقراره بتلك الدعوى.

و قال قوم تسمع منه تلك الدعوى و يحلف، سواء تولى القبض بنفسه أو ناب عنه وكيله، لأن العادة جرت في المعاملات أنهم يقدمون الاشهاد فيها على القبض و التسليم، و إذا كان كذلك يسمع قوله، و حلف المقر له، و هذا هو الصحيح.

و كذلك إذا أقر بتسليم المبيع أو الثمن فادعى أنه أقر بذلك قبل القبض و التسليم، و طالب بيمين صاحبه، فإنه يحلف لمثل ما قلناه، و كذلك إذا أقر فقال: له علي ألف درهم، ثم قال كان واعدنى أن يقرضني ألفا و توافقنا على الإقرار بها، قبل القبض، فحلفوه أني قبضتها ثم أقررت بها، فإنه يحلف على ذلك لمثل ما ذكرناه.

فأما إذا شهد عليه شاهدان بالهبة و القبض فشهدا أنه وهب هذه الدار لفلان و أقبضها إياه ثم ادعى أنه ما كان أقبضه، و طلب يمينه على أنه كان أقبضها لم يسمع منه ذلك، لأن فيه طعنا على البينة، لأنها شهدت بنفس القبض فأما إذا شهدت بإقراره بالقبض، فقال: صدقت البينة، قد أقررت بذلك قبل أن أقبضها إياه، فحلفوه أني ما أقبضتها حين أقررت، حلف على ذلك لأنه لا يكذب البينة لما ذكرنا.

33

فأما إذا أقر له بهبة مال ثم اختلفا بعد ذلك فقال الموهوب له أقررت بالهبة بعد القبض، و قال الواهب ما كنت أقبضت الموهوب حين أقررت فأنكر القبض و ادعاه الموهوب له كان القول قول الواهب لأنه اختلاف في القبض و الاذن فيه، و الأصل عدم القبض و عدم الاذن، و لا فرق بين أن يكون الموهوب في يد الواهب أو في يد الموهوب له، لأنه قد يقبضه بغصب و غير ذلك فيكون في يده، لا يدل على صحة القبض.

و من الناس من قال إذا كان الموهوب في يد الموهوب منه و قلنا إن الموهوب إذا كان في يد الموهوب منه لا يفتقر قبضه إلى الاذن فيه، كان القول قول الموهوب له، و الصحيح الأول لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض عن رضى الواهب.

إذا قال لفلان على ألف درهم إذا جاء رأس الشهر كان ذلك إقرارا

، و إذا قال إذا جاء رأس الشهر فلفلان على ألف درهم، لم يكن ذلك إقرارا و الفرق بينهما أن في الإقرار الأول أقر مطلقا ثم ادعى التأخير بعد ذلك فصح الإقرار، و كان معنى قوله إذا جاء رأس الشهر أنه علق بمجيئه لأنه يجوز أن يكون مؤجلا عليه إلى رأس الشهر، و في المسئلة الثانية قدم التعليق بالصفة، ثم أقر، و الإقرار لا يتعلق بالصفات المستقبلة، فلم يصح، و الصحيح أنه لا فرق بين المسئلتين.

إذا باع من عبده نفسه فقال بعتك نفسك قال قوم إنه يصح

، و قال آخرون لا يصح فمن قال يصح فلا تفريع و من قال يصح، فإذا ادعى السيد ذلك على العبد فإن صدقه العبد عتق و لزمه الثمن، و إن كذبه كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف عتق بإقرار السيد و لم يلزمه المال لأن إقراره و دعواه تضمن عتقه فلذلك لزمه.

و كذلك إذا قال بعتك هذا العبد و اشتريته و أعتقته، فحلف المشتري أنه ما اشتراه سقطت الدعوى، و عتق العبد بإقراره، و كذلك إذا قال بعتك ابنك و اشتريته منى فعليك الثمن، فحلف المشتري سقطت الدعوى، و عتق العبد، و كذا إذا قال لامرأته قد طلقتك بألف، و قبلت ذلك، و أنكرت كان القول قولها مع يمينها، فإذا حلفت سقطت الدعوى و لزمه الطلاق البائن بإقراره، و لم يثبت له الرجعة.

إذا قال لفلان على ألف درهم ثم سكت

ثم قال من ثمن مبيع لم أقبضه، لزمه

34

الألف، و لم يقبل منه ما ادعاه من المبيع، لأنه أقر بالألف ثم فسره بما يسقط و لم يصل به إقراره، و كذلك لو قال: لفلان على ألف درهم من ثمن مبيع، ثم سكت ثم قال قد قبضتها.

و إذا قال: لفلان على ألف درهم من ثمن مبيع ثم سكت

ثم قال لم أقبضه، قبل منه ذلك، لأن قوله بعد السكوت لم أقبضه لا ينافي إقراره الأول لأنه قد يكون عليه ألف درهم ثمنا و لا يجب عليه تسليمها حتى يقبض المبيع، و لأن الأصل عدم القبض و إذا قال له على ألف درهم من ثمن مبيع لم أقبضه، لم يلزمه و لا فرق بين أن يعين المبيع أو يطلقه.

إذا شهد عليه رجل أنه أقر لفلان بألف درهم

، و شهد آخر أنه أقر له بألفين و أضافا ذلك إلى سببين مختلفين، فقال أحدهما ألف من ثمن ثوب، و قال الآخر ألفين من ثمن عبد، فإن شهادتهما لم يتفق على شيء واحد، لأن ثمن الثوب غير ثمن العبد، و يثبت له بالألف شاهد واحد، فله أن يحلف معه و يثبت له بالألفين شاهد واحد، فله أن يحلف معه. فاما إذا أطلقا ذلك و لم يضفاه إلى سببين مختلفين أو أضافاه إلى سبب متفق أو أضاف أحدهما إلى سبب و أطلق الآخر ففي المسائل الثلاث يتفق الشهادة على ألف فيحكم له بألف بشهادتهما، و يحصل له بالألف الآخر شاهد واحد فيحلف معه و يستحق.

و إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يشهد أحدهما بألف و الآخر بألفين و بين أن يشهد أحدهما بمائة و الآخر بمائتين، أو بعشرة و الآخر بعشرين أو بخمسة و الآخر بعشرة أو بعشرة و الآخر بمائة، سواء اتفق اللفظ أو اختلف، و كذلك إذا نقلا لفظ المقر بعينه، فقال أحدهما مثلا أشهد أنه قال: له على عشرة دراهم، و قال الآخر أشهد أنه قال: له على مائة درهم، فالشهادة متفقة على العشرة، لأن أحد المقدارين نقيض الآخر، و اختلاف اللفظ في الإقرار لا يؤثر، لأن الإقرار إخبار، و المخبر عنه يكون واجبا و الاخبار عنه يختلف ألفاظه، و كلها ترجع إلى شيء واحد.

و يفارق إذا شهد أحدهما بأنه قال له وكلتك، و شهد الآخر أنه قال له أذنت لك في التصرف في مالي. لأن ذلك ليس باخبار عن العقد، بل هو نفس العقد، و قد

35

اختلف اللفظ فيه، فاختلف الشهادة به، لأن العقد بلفظ التوكيل غير العقد بلفظ الاذن في التصرف.

إذا أقر بكفالة بشرط الخيار أو بضمان بشرط الخيار

فالحكم فيه مبنى على أن عقد الكفالة و الضمان لا يصح فيه شرط الخيار لأن الخيار وقع للحظ في العقد الذي شرطه و لاحظ للكفيل و الضامن في هذين العقدين لأنه إما أن لا يغرم فلا يرجع أو يغرم فيرجع بقدر ما غرمه من غير زيادة.

إذا ثبت أن شرط الخيار فيه لا يصح فإن شرط كان الشرط فاسدا و العقد فاسدا هذا عند المخالف و قد قلنا إنه لا يمتنع دخول خيار الشرط فيه، لأنه لا مانع منه، فعلى هذا العقد و الشرط صحيحان، فإذا ثبت هذا فمتى أقر بكفالة بشرط الخيار أو بضمان بشرط الخيار: مثل أن يقول تكفلت لك ببدن فلان أو ضمنت لك مالك على فلان على أني بالخيار ثلاثة أيام، فقد أقر بالكفالة و وصل إقراره بما يسقطها، فلا يقبل إلا ببينة.

و في الناس من قال يقبل إقراره على صفة فلا يلزمه شيء.

و كذلك إذا قال: له علي ألف درهم قضيتها أو ألف درهم من ثمن خمر أو خنزير أو من ثمن مبيع تلف قبل القبض، فيه قولان:

فإذا تقرر هذان القولان فمن قال لا ينقض إقراره فادعى المقر له أنه ضمن من غير خيار و طلب يمينه على أنه ضمن بالخيار حلف على ذلك فإذا حلف سقطت دعوى المقر له، و من قال ينقض إقراره فادعى أن المقر له يعلم أنه ضمن بشرط الخيار و طلب يمينه على أنه تكفل و ضمن من غير خيار، كان له ذلك و يحلف المقر له عليه، و كذلك في باقي المسائل.

إذا قال لفلان على ألف درهم مؤجلا إلى وقت كذا، لزمه الألف

و هل يثبت التأجيل؟ من الناس من قال يثبت التأجيل و هو الصحيح و منهم من قال على قولين قد مضى في كتاب الضمان أن ضمان العهدة يصح و أن في الناس من قال لا يصح.

فأما ضمان الخلاص فلا يصح، و معنى ذلك أن يضمن تخليص الدار المبيعة من

36

مستحقها للمشترى، و ذلك لا يصح لأنه ليس يقدر على تخليصها من يد مستحقها لأنه لا يمكنه ذلك إلا بالشراء و لا يملك إجبار المستحق لها على البيع، فقد ضمن خلاص ما لا يملك تخليصه فلم يصح.

الإقرار بالعجمية يصح كما يصح بالعربية

لأنها لغة و لأنها تنبئ عما في النفس من الضمير كالعربية فإذا أقر بالعجمية عربي أو أقر بالعربية أعجمي فإن كان عالما بمعنى ما يقوله لزمه إقراره، و إن قال قلت ذلك و لا أعرف معناه فإن صدقه المقر له لم يلزمه شيء، و إن كذبه فالقول قول المقر مع يمينه أنه لم يدر معناه، لأن الظاهر من حال العربي أنه لا يعرف العجمية، و من حال العجمي أنه لا يعرف العربية، فقدم قوله لهذا الظاهر.

إذا شهد عليه الشهود بإقراره و لم يقولوا هو صحيح العقل، صحت الشهادة

بذلك الإقرار، لأن الظاهر صحة إقراره و لأن الظاهر أنهم لا يتحملون الشهادة على من ليس بعاقل، فإن قالوا و هو صحيح العقل كان تأكيدا، فإن ادعى المشهود عليه بالإقرار أنه أقر و هو مجنون و أنكر المقر له ذلك، كان القول قوله مع يمينه، لأن الأصل عدم الجنون، لأن البينة تشهد على ظاهر الحال، فيجوز أن يخفى جنونه، و يكون المقر عالما به.

فاما إذا شهد عليه الشهود بالإقرار فادعى أنه كان مكرها على ذلك، لم يقبل منه لأن الأصل عدم الإكراه و إن أقام البينة على أنه كان محبوسا أو مقيدا و ادعى الإكراه قبل منه ذلك و كان القول قوله مع يمينه، لأن الظاهر من حال المحبوس و المقيد أنه مكره على تصرفه و إقراره.

إذا قال: لفلان على درهم و درهمان لزمه ثلاثة دراهم

لأنه عطف الدرهمين على الدرهم، و المعطوف غير المعطوف عليه، و لو قال: له علي درهم في عشرة، فإن أراد بذلك ضرب الحساب لزمه عشرة دراهم، لأن الواحد في عشرة عند من عرف الحساب عشرة، و إن لم يرد الحساب لم يلزمه إلا درهم، و يكون معناه درهم له في عشرة لي كما لو قال: له علي ثوب في منديل.

37

إذا قال تملكت هذه الدار من فلان، فقد أقر له بالدار

، و ادعى أن ملكه زال عنها و ملكها هو، فالقول قول المقر له فيما يدعيه المقر له من ذلك، و كذلك إن قال هذه الدار قبضتها من يد فلان فإنه أقر باليد فيجب عليه تسليمها إليه، و هو مدع لسقوط حق اليد و انتقاله إليه، فعليه البينة، و القول قول المقر له مع يمينه فأما إذا قال هذه الدار تملكتها على يد فلان، أو قبضتها على يد فلان، فليس ذلك بإقرار له بالملك، و لا باليد، لأن ظاهر اللفظ أنه قبضها أو ابتاعها بمعونته و وساطته فلم يكن ذلك إقرارا له به بملك و لا يد.

إذا قال: كان لفلان علي ألف درهم قيل فيه وجهان

أحدهما أن ذلك يكون إقرارا بالألف و هو مدع براءة ذمته، فعليه البينة و القول قول المقر له أنه ما بريء إليه منها، و الوجه الثاني أن ذلك لا يكون إقرارا و لا يلزمه شيء لأنه إذا ادعى فقال كان لي عليه ألف درهم، لم يسمع الحاكم منه هذه الدعوى لأنها دعوى لا يقتضي ملكا فكذلك ههنا و الأول أقوى.

إذا ادعى رجل على صبي البلوغ و أنكر الصبي

فعلى الرجل البينة على بلوغه و قد يقوم البينة عليه بذلك بإقراره على نفسه بالبلوغ أو باستيفاء عدد سن البلوغ:

و هو أن يشهد أنه ولد في سنة كذا، فيكون له إلى هذه السنة خمس عشرة سنة أو شاهدوه و قد أنزل فإن لم يكن للمدعي بينة بذلك لم يحلف الصبي و كان القول قوله بغير يمين لأن إثبات اليمين تؤدى إلى نفيها و إسقاطها، لأنه إذا حلف أنه صبي و حكمنا بصباه أبطلنا يمينه لأن يمين الصبي لا يصح، و كل ما أدى إثباته إلى نفيه لم يكن لإثباته معنى.

إذا أقر الصبي على نفسه بالبلوغ نظر

، فان لم يبلغ بعد القدر الذي يجوز أن يبلغ فيه لم يقبل إقراره، و إن كان بلغ القدر الذي يبلغ فيه صح إقراره، و حكم ببلوغه، لأنه أقر بما يمكن صدقه فيه، و كذلك الصبية إذا أقرت بأنها حاضت فان كان ذلك في وقت الإمكان حكم ببلوغها، و إن لم يكن في وقت الإمكان لم يقبل منها

38

ذلك، و إذا قبلنا قوله لا يحلف لأنه لا يتعلق به حق لغيره، و إنما يتعلق به حق نفسه.

إذا أقر بمال لعبد رجل صح الإقرار

، و كان ذلك إقرارا لسيده لأن العبد يجوز أن يثبت له مال، و إذا ثبت له باكتساب أو غيره ثبت لسيده، و إن أقر بمال لبهيمة رجل لم يصح الإقرار لأن البهيمة لا يثبت لها مال، و بهذا يفارق العبد لأن العبد يثبت له المال بالاكتساب و غيره، و إن قال له علي بسبب هذه البهيمة ألف درهم كان ذلك إقرارا بالألف و معنى السبب أن يكون الألف ثبت عليه بأرش جناية منه عليها أو اجرة منافعها، و ما أشبه ذلك.

إذا مات رجل و خلف ابنين فأقر أحدهما بأخ و جحد الآخر

، فلا خلاف أن نسبه لا يثبت، فأما المال الذي حصل في يد المقر فإنه يثبت المشاركة، فمذهبنا أنه يلزمه بمقدار حصته، فيكون له ثلث ما في يده، ثم على هذا الحساب و فيه خلاف.

إذا كان الوارث جماعة

فأقر اثنان رجلان أو رجل و امرأتان بابن ثبت نسبه إذا كانا مرضي الشهادة و إن لم يكونا عدولا لم يثبت نسبه، و لزمهما بمقدار حصتهما.

الإقرار بالنسب لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون المقر بالنسب مقرا على نفسه بالنسب أو غيره، فان كان على نفسه مثل أن يقر بأنه ابنه نظر، فان كان المقر به صغيرا اعتبر فيه ثلاثة شروط أحدها أن يمكن أن يكون ولدا له فإن لم يمكن أن يكون ولدا له فلا يثبت مثل أن يقر له و للمقر ست عشر سنة، و للمقر به عشر سنين، الثاني أن يكون مجهول النسب لأنه إذا كان معروف النسب فلا يثبت، و الثالث أن لا ينازعه فيه غيره، لأنه إذا نازعه فيه غيره لم يثبت ما يقول إلا ببينة، فإذا حصلت هذه الشروط الثلاثة ثبت النسب.

و إن كان المقر به كبيرا فإنه يعتبر فيه أربعة شروط الثلاثة التي ذكرناها و الرابع تصديق المقر به لأنه إذا كذبه في إقراره به لم يثبت نسبه منه فإذا ثبت هذا فإن أقر بصغير و وجدت الشرائط الثلاث فيه ثبت نسبه فإذا بلغ و أنكر أن يكون ولدا

39

له لم يقبل منه و لم تسمع دعواه لذلك لأنه حكم عليه قبل أن يكون لكلامه حكم بأنه ابنه، فلا يسمع بعد الحكم دعواه، كما لو كان في يده صبي صغير محكوم له برقه فلما بلغ أنكر أن يكون عبدا له لم تسمع منه، لما تقدم من الحكم له بالرق قبل أن يكون لكلامه حكم.

فأما إذا أقر بنسب على غيره: مثل أن يقر بأخ فان كان صغيرا فبثلاثة شروط و إن كان كبيرا فبأربعة شروط على ما فصلناه، و يراعى في ذلك إقرار رجلين عدلين، أو رجل و امرأتين من الورثة، فإن لم يكن كذلك فلا يثبت النسب على ما بيناه، فإذا ثبت هذا فكل موضع ثبت النسب بالإقرار، ثبت المال إلا في موضع واحد، و هو إذا كان إثبات الميراث يؤدى إلى إسقاطه مثل أن يقر الاخوان بابن للمورث، فان نسبه يثبت، و لا يثبت له الميراث، لأنه لو ورث حجب الأخوين، و خرجا من كونهما وارثين، و يبطل الإقرار بالنسب لأنه إقرار ممن ليس بوارث، و إذا بطل النسب بطل الميراث، فلما أدى إثبات الميراث إلى إسقاطه أسقط فيثبت النسب دونه، و لو قلنا إنه يثبت الميراث أيضا كان قويا لأنه يكون قد ثبت نسبه بشهادتهما فتبعه الميراث لا بالإقرار.

هذا في المقر الذي يثبت النسب بإقراره، و هو إذا كانا اثنين عدلين، فإذا كان المقر واحدا أو كانا غير عدلين فإنه يثبت لهما الميراث بمقدار ما يخصهما، و لو مات المقر له لم يرثه المقر لأنه لم يثبت نسبه اللهم إلا أن يكون قد صدقه المقر له في ذلك، و كان بالغا عاقلا، و لا يتعدى منهما إلى غيرهما إلا إلى أولادهما فقط، فأما غيرهما من ذوي النسب، فلا يثبت ميراثهما منه إلا بالإقرار منهم أيضا لذلك أو تصديق لهما فيقوم مقام الإقرار.

إذا مات و خلف ابنا فأقر بأخ

ثم إنهما أقرا بثالث، ثبت نسب الثالث، ثم إن الثالث أنكر الثاني و قال ليس بأخ لنا سقط نسبه، لأنه لم يقر بنسبه اثنان من الورثة، و إنما أقر الأول فيكون المال للأول و الثالث و يأخذ الثاني من الأول ثلث ما في يده، لأنه مقر به و بغيره.

40

إذا خلف ثلاث بنين فأقر اثنان بأخ آخر و جحد الثالث

، و كانا مرضيين ثبت نسبه بإقرارهما و لا يلتفت إلى إنكار الثالث، و إن كانا غير عدلين لا يثبت نسبه و قاسم الاثنين على قدر حصتهما.

إذا خلف زوجة و أخا فأقرت الزوجة بابن الأخ و أنكره الأخ

، لم يثبت نسبه إلا أنه يقاسمها، و المرأة تزعم أن لها الثمن لأن لمورثها ابنا فينظر، فان كان المال في يد الأخ لم يأخذ إلا الثمن لأنه القدر الذي تدعيه، و إن كان في يدها لم يأخذ الأخ إلا ثلاثة أرباع المال، لأنه هو القدر الذي يدعيه لأنه يقول: لها الربع إذ ليس لمورثها ابن، فيبقى في يدها الربع و هي تدعي نصفه فيكون لها، و الباقي يرده على الابن.

إذا خلف ابنين فأقر أحدهما بأخ و جحد الآخر

، فان نسب المقر به لا يثبت فان مات الجاحد فورث المقر جميع ماله وجب عليه أن يقاسم الأخ المقر به، لأنه كان أقر به، و إن خلف أخوه الجاحد ابنا فوافق عمه على إقراره ثبت النسب و الميراث على ما ذكرناه لأنهما اثنان.

إذا خلف ابنين أحدهما عاقل، و الآخر [جاهل] مجنون

فأقر العاقل بنسب أخ له لم يثبت النسب بإقراره لأنه واحد، فإن أفاق المجنون فوافقه على إقراره ثبت النسب و الميراث، و إن خالفه لم يثبت نسبه و شاركه المقر به في مقدار ما يخصه و إن مات و هو مجنون فان ورثه المقر جميع ماله قاسم المقر له، لأنه كان مقرا به و إن خلف ابنين أحدهما كافر و الآخر مسلم فأقر أحدهما بأخ نظر فان كان الميت كافرا فان الميراث للمسلم، فإذا أقر بنسب قاسم المقر به إن كان مسلما و إلا جاز جميعه و لا يراعى جحود الكافر لأنه لا يرث شيئا، و المال كله للمسلم، و إن كان الميت المسلم فكذلك المال للمسلم فإذا أقر بنسب ثبت و قاسمه المال، و لا يراعى جحود الكافر، إن أقر الكافر في المسئلتين لم يكن لإقراره تأثير لأنه لا يرث شيئا إذا خلف ابنين أحدهما قاتل فالمال كله لغير القاتل، فإن أقر بنسب أخ شاركه في الميراث، و إن أقر القاتل لم يثبت النسب لأنه ليس له من الميراث شيء.

41

إذا أقر ببنوة صبي، لم يكن ذلك إقرارا بزوجية امه

، سواء كانت مشهورة الحرية أو لم يكن كذلك.

إذا مات صبي مجهول النسب و له مال

فأقر رجل بنسبه ثبت النسب و كان له ميراثه إذا كانت الشرائط حاصلة من الإمكان و غيره، و ليس لأحد أن يقول إن ها هنا تهمة من حيث يجوز أن يكون قصد بذلك أخذ المال و ذلك أن هذا يقصد به إذا كان حيا و له مال فأقر به، فان لحوق التهمة يجوز في هذه الحال لأنه ينتفع بماله و يساره كما ينتفع به بعد موته، و إن كان المقر به كبيرا فإنه يثبت نسبه بإقراره و وجود الشرائط، و تصديقه لا يراعى لأنه إذا مات صار في معنى الصغير و المجنون الذي لا حكم لكلامه، و لا اعتبار بتصديقه، و لا خلاف في هذه.

من مسائل الدور:

إذا أذن الرجل لعبده في النكاح فتزوج بامرأة بمهر

، و ضمن السيد ذلك المهر لها، ثم إنه باع العبد منها بقدر المهر الذي لزمه بالضمان لم يصح البيع لأن إثباته يؤدي إلى إسقاطه، و المسئلة مفروضة إذا اشترته زوجته قبل الدخول بها لأنا إذا صححنا ذلك البيع ملكت المرأة زوجها، و إذا ملكته انفسخ النكاح و إذا انفسخ النكاح سقط المهر لأنه فسخ جاء من قبلها قبل الدخول، و إذا سقط المهر عرى البيع عن الثمن، و البيع لا يصح إلا بالثمن، فلما كان إثباته يؤدى إلى إسقاطه لم يثبت.

إذا أعتق أمة له في مرضه و تزوجها و مات لم يرث عند المخالف

، لأن إثبات الميراث يؤدى إلى إسقاطه، لأنا إذا أورثناها كان عنده وصية لوارث، و الوصية للوارث لا تصح و إذا بطلت الوصية بطل العتق، و عادت رقيقة، و لم يثبت لها الميراث فلما كان إثباته يؤدى إلى نفيه و إسقاطه، لم يثبت.

و هذا على مذهبنا لم يصح لأن الوصية للوارث عندنا صحيحة على ما نبينه فيما بعد.

إذا كانت له جارية قيمتها مائة و له مائة و زوجها من عبد بمائة

ثم إنه أعتقها و مات و لم يدخل بها الزوج، لم يثبت لها الخيار لكونها معتقة تحت عبد، لأنا إذا أثبتنا لها الخيار فاختارت الفسخ سقط المهر لأنه فسخ من قبلها قبل الدخول، فإذا

42

سقط المهر لم يخرج قيمتها من الثلث، فيرق بعضها، و إذا رق بعضها لم يثبت لها الخيار في فسخ النكاح، فإثبات الخيار يؤدى إلى إسقاطه بإسقاط غيره فلم يثبت أصلا هذا على مذهب المخالف و على مذهبنا لا يحتاج أن يشرط كونها مزوجة بعبد لأن عندنا ثبت لها الخيار و إن كانت تحت حر، و التفريع صحيح إذا جعلنا العتق في المرض من الثلث، فأما من جعله من أصل المال فهذا لا يصح على أصله.

إذا مات و خلف أخا فادعى رجل أنه ابن الميت و أنكر ذلك الأخ

فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف أسقط دعواه، و إن نكل ردت اليمين على المدعي و حلف أنه ابن الميت، و إذا حلف ثبت نسبه و هل يرث أم لا؟ قيل إن قلنا أن يمين المدعى مع نكول المدعى عليه بمنزلة إقرار المدعى عليه لم يورث لأنه يؤدى إلى أن يكون ذلك إقرارا من غير وارث، لأنه يحجب المقر و يحوز المال دونه و إن قلنا إنه بمنزلة الشهادة، ثبت الإرث، و هذا هو الصحيح عندي.

إذا أعتق أمته في مرضه، و قيمتها مائة دينار

، و له مائتان فتزوجها و أصدقها مائة دينار و مات لم يرث، لأنا إذا أورثناها كان إعتاقه إياها حال مرضه وصية لوارث و الوصية للوارث لا تصح و إذا لم تصح بطل العتق، و إذا بطل العتق بطل النكاح و إذا بطل النكاح بطل الميراث، فإثبات الميراث يؤدى إلى إسقاطه، فلم يثبت.

و لا يأخذ صداقها أيضا لأن ذلك يؤدى إلى إسقاط الصداق لأنها إذا أخذت مائة صداقا عاد ماله مائتين: مائة قيمتها، و مائة دينار حاصلة في يده، فيكون قيمتها نصف ماله فلا يخرج عتقها من ثلث ماله فيرق بعضها، و إذا رق البعض بطل النكاح و إذا بطل النكاح بطل الصداق، لأن ثبوته بثبوت النكاح، و قد بينا ما عندنا في نظير هذه المسئلة.

إذا أعتق رجل عبدين في حال صحته فادعى رجل عليه أنه غصبهما عليه

و أنهما مملوكان له، فأنكر ذلك المعتق فشهد له المعتقان بذلك، لم يقبل شهادتهما لأن إثبات شهادتهما يؤدى إلى إسقاطه لأنه إذا حكم بشهادتهما لم ينفذ العتق و إذا لم ينفذ العتق بقيا على رقهما و إذا بقيا على رقهما لم تصح شهادتهما، فلما كان إثباتها يؤدى إلى إسقاطها لم يحكم بها، و هذا أيضا على مذهبنا لا تقبل شهادتهما

43

لأنا لو قبلناها لرجعا رقين، و تكون شهادتهما على المولى و شهادة العبد لا تقبل على مولاه، فلذلك بطل، لا لما قالوه.

إذا كان ماله ثلاثة آلاف، فاشترى في مرضه أباه بألف درهم عتق عليه

، فإذا مات الابن لم يرثه الأب، لأن توريثه يؤدى إلى إسقاط ميراثه، لأنا إذا أورثناه صار عتقه وصية له، و الوصية للوارث لا يجوز، فبطل العتق، و إذا بطل العتق بطل الميراث، و عندنا يرث لأن الوصية للوارث تصح.

فاما إذا أوصى له به و قبل الوصية أو وهب له فقبل الهبة عتق و لا يورث أيضا لأنا إذا أورثناه كان العتق وصية للوارث، و ذلك لا يصح فيبطل العتق، و على مذهبنا يصح، و يرث لأن الوصية للوارث تصح، و في المخالفين من قال يورث في هذه المسئلة لأنه ملك الأب من غير عوض لأنه لم يخرج في مقابلته مالا، و لم يستقر عليه ملك، حتى يعد من جملة المال الذي في يده الذي يحتسب الوصية من ثلثه، و إذا كان كذلك لم يعد رقبة أبيه من جملة ماله.

يدل على هذا أنه إذا اشترى أباه بألف و هو يسوى ألفين لم يجعل قيمته من جملة ماله، لأنه لم يستقر عليه ملكه، و إنما يعتبر القدر الذي أخرجه عوضا في مقابلته، فإذا كان كذلك فقد ثبت أنه لا اعتبار برقيته، لأن الملك لم يستقر عليها و لم يغرم في مقابلتها مالا فيكون في الحكم كأنه عتق على غيره، و لو عتق على غيره ورث، فكذلك إذا أعتق عليه لهذا الوجه، و لا فرق بينهما.

إذا قال لامرأته إن طلقتك طلاقا أملك فيه الرجعة فأنت طالق ثلاثا

ثم قال لها أنت طالق، لم يقع طلاق من تلك الجملة لا الطلاق الذي أوقعه، و لا الطلاق المشروط لأنه جعل شرط وقوع الثلاث وقوع طلاق يملك فيه الرجعة، فإذا أوقعنا الطلاق المواجه وقع الثلاث عقيبه، لأن شرطها قد وجد، و إذا وقع الثلاث فإنها تقع عقيب الطلاق فيمنع الرجعي فيخرج ذلك الطلاق عن أن يكون طلاقا يملك فيه الرجعة و إذا خرج من أن يكون كذلك لم يقع الثلاث، لأن الشرط لم يوجد فيه فيؤدي إيقاعه إلى إسقاطه و إسقاط غيره، و إن قال لها: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا ثم

44

طلقها لم يقع عليها طلاق، لأنا إذا أوقعنا الطلقة المواجه بها احتجنا أن نوقع الثلاث قبله، و إذا وقعت الثلاث قبله لم يقع الطلقة المواجه بها و هي شرط في وقوع الثلاث و إذا لم يقع لم يوجد الشرط، و إذا لم يوجد الشرط لم يقع الثلاث، فكان إيقاعها يؤدي إلى إسقاطها، فلهذا لم يقع و على هذا لا يمكن إيقاع الطلاق على هذه المرأة.

فأما إذا قال لغير المدخول بها إن طلقتك فأنت طالق قبله طلقة، ثم قال لها أنت طالق لم يقع طلاقه، لأنها إذا وقعت الطلقة المواجه بها وقعت الأخرى قبلها و إذا وقعت الأخرى لم يقع المواجه بها لأنها تبين بتلك، و إذا لم يقع المواجه بها و هي شرط في وقوع الأخرى لم يقع تلك، فكان إثبات الإيقاع يؤدى إلى إسقاطه و كذلك إذا قال لو طلقتك غدا فأنت طالق اليوم، فيكون الحكم على ما ذكرناه.

و فيهم من قال يقع الطلقة المواجه بها في هذه المواضع، و لا يقع الأخرى و ليس بشيء عندهم و على مذهبنا لا يصح كل ذلك لأن الطلاق بشرط لا يصح عندنا على ما سنبينه فيما بعد إنشاء الله تعالى.

إذا قال لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس غدا مع وجود السترة فأنت حرة اليوم

فصلت مكشوفة الرأس من الغد، لم يقع العتق عليها، لأن إيقاعه يؤدى إلى سقوطه لأن إطلاق اللفظ يرجع إلى الصلاة الصحيحة، و الحرة لا تصح صلوتها مكشوفة الرأس فإذا أوقعنا العتق لم تصح صلاتها لأنها حرة، و إذا لم تصح صلوتها لم يقع العتق فكان إثباته يؤدى إلى نفيه و إسقاطه، فلم تثبت. و المسئلة مفروضة إذا كان معها سترة و تركتها و صلت مكشوفة الرأس و هذا لا يصح عندنا لأنه عتق بشرط، و ذلك لا يصح و إن كانت لا تصح أيضا من الوجه الذي ذكروه.

إن ادعى على صبي أنه بلغ فأنكر ذلك، لم يحلف

، و كان القول قول الصبي من غير يمين، لأن إثبات اليمين عليه يؤدى إلى نفيها لأنه إذا حلف أنه صبي لم يبلغ ثبت صباه، و إذا ثبت صباه لم يصح يمينه، لأن يمين الصبي لا يصح و لا ينعقد، فلما كان إثباتها يؤدى إلى نفيها لم يثبت في الأصل بحال.

إذا دخلت إلى دار الإسلام امرأة معها ولد

، فأقر رجل أنه ابنه، ثبت النسب

45

لأنه أقر بصغير مجهول النسب مع وجود الإمكان، و عدم المنازع، و الاعتبار بالإمكان اللهم إلا أن يعلم أنه لم يخرج إلى بلاد الروم، و لم يدخل المرأة إلى بلاد الإسلام فإن علم ذلك لم يقبل إقراره.

و قال بعض المخالفين و إن كان ظاهر الحال أنه لم يخرج إلى بلاد الحرب و لا خرجت إلى بلاد الإسلام إذا جوزنا أن يكون بعثت إليها بالنطفة في قارورة فاستدخلته ألحقنا به الولد، فراعى مجرد الإمكان، و الذي نقوله: إن المراعى في هذا الباب الإمكان على ما جرت العادة به فأما ما لم تجر به العادة فلا اعتبار به، و إن كان مقدور الله عز و جل.

إذا كانت لرجل جاريتان لكل واحدة منهما ولد

، فأقر بأن أحد الولدين ابنه ثبت نسب أحدهما، و لحق به بإقراره دون الآخر إذا جمع الشرطين أحدهما أن لا يكون الأمتان ذواتي زوجين، لأنهما إن كانتا ذواتي زوجين، كان الولد لاحقا بالزوج دون السيد، و الثاني أن لا يكون قد أقر بوطئهما و لا بوطي إحداهما لأنه إذا أقر بالوطي صارت التي أقر بوطئها يلحق ولدها به من غير إقرار بالولد، فإذا ثبت الشرطان فأقر بنسب أحدهما مبهما (1) ثبت نسبه دون الآخر، و يحكم بحريته، لأنه ملك له، فإن كان وطيها في ملكه فهو حر الأصل، و إن كان وطيها في ملك غيره ثبت ملك الولد و انعتق عليه.

هذا إذا كان شرط رقه فإن لم يشرط ذلك فان الولد انعقد حرا في الأصل عندنا لأنه يلحق بالحرية إذا كان عن عقد نكاح، غير أن هذا الولد محكوم بحريته بلا خلاف.

فإذا ثبت هذا فانا نكلفه أن يعين الذي ينسبه كما إذا طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، فانا نكلفه التعيين، فإذا عين تعين، لأنه لما ثبت نسبه بإقراره ثبت تعيينه بتعيينه، فإذا تعين الولد كلفناه أن يبين كيفية الاستيلاد.

فإن قال استولدتها في ملكي، حكمنا بالولد حرا في الأصل لا ولاء له و تصير الأمة

____________

(1) منهما- خ ل.

46

أم ولد، و إن قال استولدتها في ملك الغير بنكاح، فالولد عندنا حر الأصل و لم يمسه الرق و عند المخالف قد مسه الرق و ثبت له عليه الولاء و لا تصير المرأة أم ولده، و عندنا هي أم ولد.

و إن قال استولدتها بوطي شبهة فالولد حرا الأصل بلا خلاف، و الجارية عندنا أم ولد، و عندهم على قولين، فان نازعته الأخرى، فادعت أنها التي أقر بنسب ولدها و استولدها، و أنكر المقر ذلك كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف أسقط دعواها، و رقت ورق ولدها، فإذا ثبت هذا و تعين الولد، و رقت الأخرى و ولدها، ثم مات عتقت أم الولد من نصيب ولدها عندنا، و عندهم تنعتق بموته إن كان ثبت لها حرية الولادة فان لم يثبت فإنها على الرق، و يرثها ابنها و عتقت عليه كما قلناه و إن كان معه وارث آخر ورث حصته منها و عتق عليه ذلك المقدار و بقي الباقي على الرق إذا لم يكن له مال غيرها، و إن كان له مال قومت عليه، و عندهم إنما يقوم عليه إذا باشر العتق بنفسه في البعض، أو كان بسبب من جهته، فإذا لم يكن كذلك لم يقوم عليه.

هذا إذا مات بعد البيان، فإن مات قبل البيان قام وارثه مقامه في التعيين و البيان فان عين الوارث الولد و بين كيفية الاستيلاد، فالحكم على ما ذكرناه في تعيين المورث و إن عين الولد و أنكر كيفية الاستيلاد فحكم الولد على ما مضى، و الجارية إن كان في لفظ المقر ما استدل به على كيفية الاستيلاد حمل عليه، و إن لم يكن ذلك في لفظه فالأصل فيها الرق، و في الناس من قال هي على الرق لأنه الأصل و لا ينتقل عنه إلا بدليل، و منهم من قال يحكم بحريتها بالموت لأن الظاهر أنه وطئها في ملكه لأنه أقر بولدها و هي في ملكه، و الأول أحوط.

فأما إذا امتنع الوارث من التعيين و البيان، و قال لا علم لي به، استعملنا القرعة فمن خرج اسمه ألحقناه به و ورثناه، و يكون الحكم على ما مضى في الأم في ثبوت الحرية لها.

إذا كان رجل له أمة و لها ثلاثة أولاد فأقر بأن أحدهم ابنه

، و ليس للأمة زوج

47

و لم يقر سيدها بوطئها فإن الإقرار يصح و يثبت النسب بينهما و يحكم بحرية الولد المقر به و يطالب بالتعيين، فان عين الأصغر تعين، و بقي الأكبر و الأوسط على رقهما و يطالب بكيفية الاستيلاد، و كان الحكم على ما بيناه في المسئلة الأولى، فإن عين الأوسط تعين و بقي الأكبر على الرق ثم يطالب ببيان كيفية الاستيلاد و يكون على ما مضى، و يكون الأوسط حر الأصل و الأصغر يكون رقا و إن عين الأكبر تعين و يرجع إليه في بيان كيفية الاستيلاد، و يكون على ما مضى، و يكون الأوسط و الأصغر رقيقين و الأكبر حرا.

هذا إذا عين و مات فأما إذا مات و لم يعين رجعنا إلى الوارث، و يقومون مقامه فان عينوا الأصغر تعين، و كان الأوسط و الأكبر مملوكين، و حكم الاستيلاد على ما مضى، و يطالبون ببيانه، فإذا عينوا الولد و أنكروا الاستيلاد، كان أيضا على ما مضى، و إذا أنكر الورثة أقرع بينهم فمن خرج اسمه الحق به و ورث.

إذا مات رجل و جاء رجل و ادعى أنه وارثه، لم تسمع دعواه

حتى يبين أي وارث هو؟ لأنه يجوز أن يعتقد أنه وارث و ليس بوارث، فان قال أنا أبوه أو أخوه سمع منه، و لا يحكم له به حتى يقيم البينة، و لا يسمع له إلا شاهدان ذكران و لا يسمع شاهد و امرأتان، و لا شاهد و يمين، لأن النسب لا يثبت بذلك.

فإن أقام شاهدين نظر فيهما، فإن كانا من أهل الخبرة المتقادمة بالميت و المعرفة الباطنة فإن شهدا أنه وارثه لم تسمع تلك الشهادة لأنه يجوز أن يعتقدا أنه وارث و ليس كذلك فان عينا و قالا نشهد أن هذا ابنه أو أخوه، فان قالا لا نعلم له وارثا غيره حكم بتلك الشهادة، و لا يلزمهما أن يقولا ليس له وارث غيره، لأن ذلك لا طريق لهما إليه، فإن شهدا أنه أخوه أو أبوه لا يعلمان له وارثا غيره سلم إليه الميراث و إن لم يقولا كذلك لا يحكم بشهادتهما و إن لم يكونا من أهل الخبرة المتقادمة و لا معرفة لهما بذلك، فلا يقبل شهادتهما، و نفيهما كلا نفى.

فإذا ثبت نظر في حال هذا الوارث، فإن كان ممن له فرض لا يحجب عنه مثل

48

الزوجين فإنه يعطى حقه اليقين، فيعطى الزوج الربع و المرأة ربع الثمن لأنه هو القدر اليقين، و إن كان لا فرض له لم يعط شيئا من المال سواء كان ابنا أو غيره لأنه إن كان ابنا فلا يعلم القدر الذي يستحقه، و إن كان أخا فلا يدري هو هل وارث أم لا و يوقف و يسأل الحاكم عن حال الميت في المواضع التي حضرها، و أقام فيها، و يبحث عن حال وارثه مدة يعلم في مثلها أنه لو كان له وارث لظهر، فان لم يظهر نظر فان كان ابنا سلم المال إليه لأنه وارث بيقين، و إن كان أخا يسلم إليه أيضا و يؤخذ منه كفيل وجوبا لا ندبا.

49

كتاب العارية

العارية جائزة لدلالة الكتاب و السنة و الإجماع

، فالكتاب قوله تعالى «وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى (1)» و العارية من البر، و قوله تعالى «وَ يَمْنَعُونَ الْماعُونَ» يدل عليه أيضا، قال أبو عبيد: الماعون اسم لكل منفعة و لكل عطية، و أنشد للأعشى:

بأجود منه بماعونه * * *إذا ما سماؤهم لم تغم (2)

و روي عن ابن عباس- ره- أنه قال: الماعون العواري و عن ابن مسعود أنه قال: الماعون العواري من الولد و القدر و الميزان، و عن على (عليه السلام) و ابن عمر أنهما قالا الماعون الزكاة.

و أما السنة فروى أبو أمامة أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال في خطبته في عام حجة الوداع: العارية مؤداة، و المنحة مردودة، و الدين مقضي، و الزعيم غارم، و روي عن صفوان بن أمية أن النبي (صلى الله عليه و آله) استعار منه يوم حنين درعا فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال بل عارية مضمونة مؤداة.

و أما الإجماع فلا خلاف بين الأمة في جواز ذلك، و إنما اختلفوا في مسائل نذكرها.

إذا ثبت جواز العارية فهي أمانة غير مضمونة إلا أن يشرط صاحبها

، فان شرط ضمانها كانت مضمونة و إن تعدى فيها كانت مضمونة، و الذهب و الفضة مضمونان شرط فيهما ذلك أو لم يشرط، فإذا ثبت أنها غير مضمونة إلا بالشرط فإذا استعار شيئا و قبضه

____________

(1) المائدة: 2.

(2) هذا البيت من قصيدة يمدح بها قيس بن معديكرب و المعنى أن الفرات إذا أزيد و تلاطمت أمواجه ليس بأجود منه في وقت الجدب و القحط حين تصحوا السماء و ينقطع الأمطار عن الغيث.

50

كان له الانتفاع به، لأن المعير أذن له فيه، و إن نقص من أجزائه بالاستعمال من تصرفه فلا شيء عليه، و إن تعدى أو شرط عليه ضمان ما نقص، لزمه بمقدار ما نقص من الأجزاء فان استعار منشفة فأذهب بخملها لا يلزمه ذلك لأن إذنه في استعمالها إذن في ذلك بمجرى العادة، و كذلك سائر الثياب التي يذهب جدتها بالاستعمال على ما جرت به العادة:

العارية لا تضمن فإن كان ذلك بتعد كان ضامنا.

هذا إذا ردها فأما إذا تلفت قبل أن ينقص من أجزائها شيء و كان شرط ضمانها أو تعدى فيها قومت عليه بأجزائها لأن الأجزاء المأذون في الاستعمال لا تعلم، و إن تلفت بعد ذهاب الأجزاء، و قد شرط عليه ضمانها وجب عليه ضمان القيمة يوم التلف، لأن ما ذهب من الأجزاء مأذون في إذهابها بمجرى العادة، و إذا رد العارية إلى صاحبها أو وكيله بريء من الضمان و إن ردها إلى ملكه: مثل أن يكون دابة فيردها إلى إصطبل صاحبها و يشدها فيه لم يبرء من الضمان.

إذا اختلف صاحب الدابة و الراكب فقال الراكب أعرتنيها مضمونة

و قال صاحبها أكريتها. فالقول قول الراكب مع يمينه، و على صاحبها البينة لأنه يدعي أجرة الركوب و كذلك إذا اختلف الزارع و صاحب الأرض، فادعى الزارع العارية و ادعى صاحب الأرض الكرا، فالقول قول الزارع لمثل ما قلناه.

و في الناس من قال المسئلتان: على قولين، فإذا ثبت ما قلناه فمتى حلف الراكب أو الزارع أسقط عن نفسه الدعوى، و إن نكل ردت اليمين على صاحبها فإذا حلف حكم له بالأجرة المسماة لأن اليمين مع النكول بمنزلة الإقرار و البينة، و من قال إن القول قول صاحبها فان لم يحلف و نكل سقط حقه و لا يرد على الراكب لأنه ليس يدعي شيئا و إنما يدعى عليه فإذا لم يحلف سقطت دعواه كالمدعي إذا ردت عليه اليمين فلم يحلف فإنه ينصرف و لا يبقى له حق.

و إن حلف فهل يستحق عوض المثل أو المسمى؟ قيل فيه وجهان أحدهما المسمى لأنه ادعاه و حلف عليه و هو الأقوى، و الثاني عوض المثل لأن المسمى لا يثبت بيمينه