المبسوط في فقه الإمامية - ج7

- الشيخ الطوسي المزيد...
290 /
3

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب الجراح

فصل (في تحريم القتل و من يجب عليه القصاص و من لا يجب عليه)

[في الآيات الكريمة التي تحرم قتل النفس]

قال الله تعالى «وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلّا بِالْحَقِّ (1)» يعني إلا بالقود أو ما يقوم مقامه، و قال تعالى «وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ (2)» و قال «وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (3)» و قال تعالى «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً (4)» و قال «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (5)».

[تمسك ابن عباس بظاهر الآية في أنه لا توبة لقاتل العمد.]

و تمسك ابن عباس بظاهر هذه الآية فقال: لا توبة لقاتل العمد. و قال نسخت هذه الآية قوله «وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ» إلى قوله «إِلّا مَنْ تابَ» لأن هذه الآية نزلت قبل قوله «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً» بستة أشهر، و احتج بما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: ما نازلت ربي في شيء كما نازلته في توبة قاتل العمد فأبى علىّ.

____________

(1) الأنعام: 151.

(2) أسرى: 31.

(3) التكوير: 9.

(4) أسرى: 33.

(5) النساء: 93.

4

و الصحيح أن له التوبة

لقوله تعالى «وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ (1)».

و روى عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله (عليه السلام) أى الكبائر أكبر؟ قال:

أن تجعل لله ندا، و قد خلقك، قلت: ثم أي؟ قال أن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك، و في بعضها قلت ثم أي قال أن تزني بحليلة جارك.

و روى ابن مسعود أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال أول ما ينظر الله بين الناس في الدماء و روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: من أعان على قتل حر مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله.

و روى أبو سعيد أن النبي (صلى الله عليه و آله) مر بقتيل فقال: من لهذا؟ فلم يذكر له أحد، فغضب ثم قال: و الذي نفسي بيده لو اشترك فيه أهل السماء و الأرض لأكبهم الله في النار، و هو أيضا معلوم خطره بدلالة العقل و إجماع الأمة.

فأما القصاص و وجوبه فدليله قوله تعالى

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى (2)» و قال تعالى «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» و قال تعالى «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ» (3) و هذه أخصر كلمة و أعم فائدة، لأن معناها إذا علم القاتل أنه إذا قتل قتل كف عن القتل، فلم يقتل فلا يقتل، فصار حيوة للجميع، و هو أخصر من قول العرب القتل أنفى للقتل، لأن قولهم أربعة عشر حرفا و كلمة القرآن عشرة أحرف، ثم لفظ القتل متكرر و عذوبة اللفظ بينهما ما بين السماء و الأرض.

و قال تعالى «وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إلى قوله «وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ» (4) فان قيل هذا إخبار عن شرع من تقدم فالجواب عنه أن ذلك و إن كان شرعا لمن تقدم فقد صار شرعا لنا بدليل الإجماع، على أنه قرئ النفس بالنفس نصبا و العين بالعين رفعا

____________

(1) الشورى: 25.

(2) البقرة: 178.

(3) البقرة: 179.

(4) المائدة: 45.

5

فالنصب إخبار عن شرع من قبلنا، و الرفع استيناف حكم لنا، و قرء أبو عمرو «وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ» و المعنى ما قلناه.

و روى أنس قال كسرت الربيع بنت معوذ و هي عمة أنس ثنية جارية من الأنصار فطلب القوم القصاص فأتوا النبي (عليه السلام) فأمر (صلى الله عليه و آله) بالقصاص فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: لا و الله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله فقال: يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم و قبلوا الأرش فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره.

فموضع الدلالة أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال «كتاب الله القصاص» و ليس في الكتاب السن بالسن إلا هذا فثبت بالدليل بذلك أنه شرع لنا.

و روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس.

و روى عن أبو شريح الكعبي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله). ثم أنتم يا خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل و أنا و الله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، و إن أحبوا قبلوا الدية.

كل شخصين تكافأ دماهما، و استوت حرمتهما، جرى القصاص بينهما

، و التكافي في الدماء و التساوي في الحرمة أن يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه، فإذا تكافأ الدمان قتل كل واحد منهما بصاحبه، فيقتل الحر بالحر و الحرة بالحرة، إذا ردوا فاضل الدية عندنا، و عندهم لا يرد، و الحرة بالحر بلا خلاف، و العبد بالعبد، و الأمة بالأمة، و الأمة بالعبد، و العبد بالأمة، و اليهودي بالنصراني، و المجوسي باليهودي و النصراني بالمجوسى، فالشرك كله ملة واحدة، و لهذا توارثوا كلهم بعضهم من بعض.

إذا قتل مسلم كافرا لم يقتل به

، سواء كان معاهدا أو مستأمنا أو حربيا، فالمعاهد هو الذمي، و المستأمن من دخل إلينا بأمان في رسالة أو حاجة من تجارة و نحوها، و الحربي من كان مباينا مقاطعا في دار الحرب و فيه خلاف.

6

فإذا ثبت أنه لا قود عليه فعليه التعزير، و عليه الدية و الكفارة، فأما إن قتل كافر كافرا ثم أسلم القاتل قبل القود، أو جرح كافر كافرا ثم أسلم الجارح و مات المجروح فإنه يستوفى منه حال إسلامه ما وجب عليه حال كفره عند الجماعة و قال الأوزاعي لا يقتل به و هو الصحيح عندي لعموم الأخبار.

حكى الساجي حكاية في قتل المؤمن بالكافر، فقال حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري قال حدثنا على بن عمروس الأنصاري قال تقدم إلى أبى يوسف في مسلم قتل كافرا فأراد أن يقيده به، و كان على رأس أبي يوسف رجل في يده رقاع فناوله الرقاع و حبس منها رقعة، فقال: ما تلك الرقعة؟ فقال فيها شعر، فقال هاتها فأعطاه فإذا فيها شعر لشاعر بغدادي كان يكنى أبا المصرخى يقول:

يا قاتل المسلم بالكافر * * *جرت و ما العادل كالجائر

يا من ببغداد و أطرافها * * *من فقهاء الناس أو شاعر

جار على الدين أبو يوسف * * *بقتله المسلم بالكافر

فاسترجعوا و ابكوا على دينكم * * *و اصطبروا فالأجر للصابر

فأخذ أبو يوسف الرقعة و دخل على الرشيد فأخبره، فقال له احتل فيها، فلما كان المجلس الثاني قال أبو يوسف لأولياء القتيل ايتوني بشاهدين عدلين يشهدان عندي انه كان يؤدي الجزية عن يد، فتعذر ذلك فأهدر دمه و أخذوا الدية.

إذا قتل الحر عبدا لم يقتل به

، سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره، فان كان عبد نفسه عزرناه، و عليه الكفارة، و إن كان عبد غيره عزر و عليه الكفارة و القيمة و فيه خلاف

إذا قتل عبد عبدا عمدا محضا قتل به

فيقتل العبد بالعبد، و الأمة بالأمة، و العبد بالأمة، و الأمة بالعبد، لقوله «وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى» و لم يفصل.

فإذا ثبت أن القود يجب على القاتل، فان القود لسيده لأن العبد ملكه، و هذا بدل ملكه فكان بدل الملك للمالك و هو بالخيار بين القتل و العفو، فان قتل فلا كلام و إن عفا على مال تعلقت قيمة المقتول برقبة القاتل، و لم تخل قيمة القاتل من ثلاثة

7

أحوال إما أن تكون وفق قيمة المقتول أو أكثر أو أقل.

فإن كانت قيمته وفق قيمة المقتول فسيده بالخيار بين أن يفديه أو يسلمه للبيع فان فداه زال الأرش عن رقبة عبده، و لا كلام، و إن سلمه للبيع نظرت، فان بيع بوفق القيمة فلا كلام، و إن بيع بأكثر كان الفضل لسيده، و إن بيع بأقل فلا شيء على السيد لأنه ليس عليه أكثر من تسليم عبده و قد فعل.

و إن كانت قيمته أكثر فسيده بالخيار أيضا بين أن يفديه أو يسلمه للبيع، فان فداه فلا كلام، و إن سلمه للبيع نظرت، فإن أمكن أن يباع منه بقدر ما تعلق برقبته كان الباقي لسيده، و إن لم يمكن إلا بيع الكل بيع و أخذ من قيمته بحسب أرش جنايته و الباقي لسيده.

و إن كانت قيمته دون قيمة المقتول فالسيد أيضا بالخيار بين أن يسلمه للبيع أو يفديه، فان سلم للبيع نظرت فان بيع بما تعلق برقبته مثل أن اشتراه راغب فزاد فيه فلا كلام، و إن اشترى بقيمته فذاك الفضل يسقط، و لم يكن على سيده شيء، و إن أراد السيد أن يفديه فبكم يفديه؟ قال قوم يفديه بقيمته لا غير، لأنه لا يجب عليه أكثر من قيمة عبده و قال آخرون يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغت و الأول أقوى، و الثاني أظهر في رواياتنا.

و هذه مسئلة تتكرر فنقول إذا جنى العبد تعلق أرش الجناية برقبته، فإن أراد السيد أن يفديه فبكم يفديه؟ عند قوم بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية، لأنه إن كانت قيمته أقل فليس عليه غير قيمة عبده، و إن كانت الجناية أقل فليس عليه غيرها، و عند آخرين بالخيار بين أن يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، أو يسلمه للبيع، لأنه قد يرغب فيه راغب فيشتريه بذلك القدر أو أكثر، و هذا أظهر في رواياتنا على ما بيناه.

فان قتل عشرة أعبد عبدا لرجل دفعة واحدة

، فالقود عليهم كلهم مثل الأحرار، فإذا ثبت هذا فسيد العبد المقتول بالخيار بين القصاص و العفو، فان اقتص فلا كلام غير أن عندنا إن زادت أثمانهم على قيمة عبده وجب عليه رد ما فضل، و إن كان ثمنهم وفقا لقيمتهم

8

أو دونها فلا شيء عليه، و لم يعتبر ذلك أحد.

و إن اختار العفو فان عفا عن الكل تعلقت قيمة عبده برقابهم، فيكون في رقبة كل واحد منهم عشر قيمته، و كان ذلك القدر ككل القيمة على ما فصلناه إذا قتل عبد عبدا، و يكون سيده على ما شرحناه حرفا بحرف، فان عفا عن خمسة و قتل خمسة كان له لأنه لو اختار قتل الكل أو العفو عن الكل كان له، و إذا قتل خمسة و عفا عن خمسة تعلق برقبة كل واحد منهم عشر قيمته، فيلزم الخمسة نصف قيمته.

فأما إن قتل عبد واحد عبدين لرجلين لكل واحد منهما عبد ينفرد به

، فان عفوا على مال تعلق برقبته قيمة كل واحد منهما، و يكون سيده بالخيار على ما فصلناه إذا قتل عبدا واحدا، فان اختار القود قدمنا الأول لأن حقه أسبق، فإذا قتله سقط حق الثاني لأن حقه متعلق برقبته، فإذا هلك سقط حقه كما لو مات.

و إن اختار الأول العفو على مال تعلقت قيمة عبده برقبته، و كان سيد الثاني بالخيار فان عفا على مال تعلقت قيمته أيضا برقبته فصارت القيمتان في رقبته، و يكون لسيده الخيار على ما فصلناه في الواحد، و إن اختار الثاني القصاص فعل فإذا قتله سقط حق الأول عن رقبته، لأنه تعلق بها لا غير، فإذا هلك تلف حقه كما لو مات.

فان قتل عبدا بين شريكين، كانا بالخيار بين القود و العفو

، فان عفوا تعلقت القيمة برقبته، و يكون سيده بالخيار على ما فصلناه إذا كان العبد المقتول لواحد، و إن قتلاه فلا كلام، و إن عفا أحدهما على مال ثبت نصف قيمة عبده برقبة القاتل، و إن عفا مطلقا فعلى قولين، فإذا سقط القود سقط حق السيد الآخر من القود لأن القود لا يتبعض و عندنا لا يسقط حق الآخر من القود إذا رد مقدار ما عفا عنه الأول، و كذلك القول في وليي الحر إذا عفا أحدهما لم يسقط حق الآخر من القود.

فمن قال يسقط حق الآخر يقول ثبت قيمة نصيبه برقبة القاتل فقد تعلق برقبته كل قيمته العبد المقتول، فيكون الحكم فيه كما لو عفوا، و إن أعتقاه بعد الوفاة لم ينفذ العتق لأن الميت لا يلحقه العتق، و إن أعتقاه قبل أن يقتل ثم قتله عبد كان القصاص و العفو إلى وارثه دون المعتق، فان لم يكن له وارث مناسب كان القصاص لمولاه فيكون

9

بالخيار بين القود و العفو على فصلناه في السيد سواء.

دية العبد إذا قتل ما لم يزد قيمته على دية الحر

فان زاد عليه لم يكن فيه إلا دية الحر و كذلك في الأمة قيمتها ما لم تزد على دية الحرة و فيه خلاف.

فإذا ثبت هذا فالكلام في فصلين في قيمته و ضمان أطرافه، أما قيمته فما ذكرناه سواء قتله عمدا أو خطأ، و أما أطرافه فإن ذهبت بالجناية مثل أن يقطع يده قاطع ففيها نصف قيمته، و إن غصبه فذهبت يده عند الغاصب فعليه قيمة ما نقص، و إن كان ذلك ثلثي قيمته.

و إن توالت عليه جناية و ضمان يد، مثل أن غصبه فضمنه باليد ثم قطع يده فضمنها بالجناية، فعليه أكثر الأمرين من ضمانه الجناية أو اليد، فان كان ضمان الجناية أقل فعليه ضمان اليد، و إن كان ضمان اليد أقل كان ضمانه نصف القيمة أرش الجناية لأنه قد ضمنه بكل واحد منهما.

إذا قتل الرجل ولده لم يقتل به

بحال سواء قتله حذفا بالسيف، أو ذبحا و على أى وجه قتله عندنا و عند أكثرهم، و قال بعضهم يقتل به على تفصيل له، فإذا ثبت أنه لا يقاد به فعليه التعزير و الكفارة، و إذا قتله جده فلا قود أيضا و كذلك كل جد و إن علا فأما الأم و أمهاتها و أمهات الأب، يقدن عندنا بالولد، و عندهم لا يقدن كالآباء.

إذا تداعا رجلان لقيطا لم نلحقه بهما معا

خلافا لمن ألحقه بهما، و بالمرأتين فإذا لم نلحقه بهما أقرعنا بينهما، فمن خرج اسمه ألحقناه به، و عندهم بالقافة أو يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء منهما.

فان بادرا فقتلاه قبل أن يلحق بواحد منهما، فلا قود على واحد منهما لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون هو الأب، فإن رجعا عن الاعتراف به معا لم يقبل رجوعهما لأنه قد حكم بأن أحدهما أبوه فلا يقبل رجوعه عنه، كرجل ادعى لقيطا ثم قال ليس منى لم يقبل منه، فإذا لم نقبل رجوعهما معا لم يقتل واحد منهما، فان رجع أحدهما و أقام الآخر على اعترافه، ثبت نسبه من المعترف، و انتفى عن المنكر،

10

لأنهما قد اتفقا على أن هذا أبوه، فحكمنا بقولهما أن أحدهما أبوه باعترافهما و إقرارهما و سقط الآخر.

فإما أبوه فلا قود عليه و عليه نصف الدية لوارث الولد، و أما الآخر فهو أجنبي شارك الأب في قتل ولده فعليه القود، و عندنا يجب أن يرد على ورثته نصف الدية، فإن عفا عنه سقط عنه القود و وجب عليه نصف الدية، و على كل واحد منهما الكفارة لأنهما اشتركا في دمه.

فأما إن أتت امرأة بولد على فراشي رجلين مثل أن طلقها ثلاثا فنكحت في عدتها ثم أتت بولد لتمام أكثر مدة الحمل من طلاق الأول و لستة أشهر من وطي الثاني، فإنا نقرع بينهما، فمن خرجت القرعة عليه ألحقناه به، و انتفى عن الآخر، فان بادرا فقتلاه قبل ثبوت نسبه منهما فلا قود على واحد منهما، لجواز أن يكون هو الأب فإن جحداه لم يقبل منهما و لم يقتل واحد منهما أيضا.

و إن جحد أحدهما و لم يجحده الآخر، لم ينتف عن الجاحد أيضا و لم نقتل واحدا منهما، و يفارق إذا اعترفا به ثم اتفقا على أنه لأحدهما لأن الثبوت كان بالاعتراف فسقط بالاعتراف أنه لأحدهما، و ههنا ثبوته بالفراش، فإذا جحد أحدهما أنه أبوه لم يزل الفراش بجحوده، فلهذا لم يقبل منه فلا يقتل واحد منهما به أيضا.

رجل له زوجة و له منها ولد فقتل هذا الرجل زوجته، لم يرثها

و ورثها ولده و لم يرث القصاص من أبيه، لأنه لو قتله أبوه لم يملك القصاص عليه، و إن لم يقتلها لكن قذفها كان لها عليه حد القذف، فان ماتت سقطت الحد عنه، لأن وارثها ولده منها، و لا يرث الحد على أبيه كما لا يحد بقذف ابنه.

فان كانت بحالها و لم يكن هكذا لكن لها ولد من غيره، فقتلها الزوج لم يرثها و ورثها ولدها من غيره، و ورث القصاص على زوج أمه لأن زوج أمه لو قتله قتل به و هكذا إن قذفها ورث الحد ولدها من غيره، لأنه لو قذفه يحد له.

فان كان له زوجة له منها ولد و لها ولد من غيره فقتلها ورث ولدها منه

و ولدها من غيره التركة دون الزوج، و القصاص يسقط عن الزوج لأن أحد ورثتها ولده، و

11

ولده لا يرث عليه القصاص فيسقط ما قابل نصيب ولده و يسقط نصيب الآخر لأن القصاص لا يتبعض.

و يقتضي مذهبنا أن نقول إن له القصاص بشرط أن يرد نصيب ولدها منه فأما الدية يجب عليه لهما لولده منها النصف و للآخر النصف.

فان كانت بحالها لكن قذفها وجب لها الحد فان لم يستوف حتى ماتت لم يرث ولده عليه الحد و كان للآخر أن يحده كاملا بلا خلاف.

و فصلوا بين القصاص و الحد بأن القصاص لا يتبعض و الحد يرثه الكل و كل واحد منهم، فلو كانوا عشرة فعفا تسعة كان للعاشر أن يحد و ليس كذلك القصاص، لأنهم إذا كانوا عشرة فعفا واحد سقط القود، و قد قلنا إن عندنا لا فرق بينهما، و أنه لا يسقط القصاص غير أنه يحتاج في القصاص أن يرد حق الغير، و ليس كذلك الحد فإنه لا يسقط منه شيء، و له الاستيفاء على الكمال.

رجل له زوجة له منها ولدان أحدهما قتل أباه ثم قتل الآخر أمه

فان القصاص على الثاني و هو قاتل الأم دون قاتل الأب، فيكون القود على الثاني لكن فرضوا إذا كان الأول قتل أباه، و إنما قيل القصاص على الثاني، لأن الأول لما قتل أباه لم يرث منه شيئا لأنه قاتل و ورثه زوجته و ولده فورث ولده سبعة أثمان ماله و سبعة أثمان القصاص على أحيه و ورثت الزوجة ثمن المال و ثمن القصاص على ولدها، فلما قتل الأخر أمه لم يرث منها شيئا و ورث قاتل الأب ما خلفت و هو ثمن تركتها و ثمن ما ورثته من زوجها من المال، و ثمن ما ورثته من القصاص عليه، فلما ملك بعض قصاص نفسه سقط عنه القصاص و كان له قتل أخيه بأمه، فلقاتل الأم على قاتل الأب سبعة أثمان دية أبيه، و لقاتل الأب على قاتل الأم القود.

فان قتله فلا كلام و إن عفا عنه ثبت له عليه دية أمه و له عليه سبعة أثمان دية أبيه و هذه المسئلة لا يصح على أصلنا لأن عندنا أن المرأة لا ترث من القصاص شيئا بحال، و إنما ترث من الدية فإذا ثبت ذلك، فلقاتل الأب القود على قاتل الأم

12

بالأم، و لقاتل الأم على قاتل الأب القود، لأنه المختص بوارثية قصاصه وحده.

فأما إذا كانوا أربعة إخوة فقتل الثاني الكبير، ثم قتل الثالث الصغير، فعلى الثالث القود دون الثاني لأن الثاني لما قتل الكبير لم يرث منه شيئا و ورثه الثالث و الصغير نصفين بينهما، و ورثا القود على أخيهما نصفين، فلما قتل الثالث الرابع لم يرث منه شيئا و ورثه قاتل الكبير، فورث منه تركته من مال نفسه و ما ورثه من مال الكبير و ما ورثه من القود، و هو النصف، و ورث جميع القود على أخيه الثالث، فسقط عنه القود، و وجب عليه نصف الدية لأخيه الثالث، و كان له قتل أخيه الثالث بالصغير، فان قتله فذاك، و إن عفا عنه ثبت له عليه كمال دية أخيه، و ثبت لقاتل الصغير على قاتل الكبير نصف دية الكبير.

فان كانت بحالها و لم يكونوا أربعة بل كانوا ثلاثة فقتل أحدهم واحدا منهم لم يرثه و ورثه غير قاتله، و ورث القصاص على أخيه القاتل، فان قتله فبأخيه و إن عفا عنه وجب له عليه دية أخيه.

إن كان له زوجة و له ابنان فأبانها

ثم إن أحدهما قتل أباه، و قتل الآخر منهما أمه، فعلى كل واحد منهما القود ههنا بلا خلاف، لأن الزوجة باين منه لا ترث، و الأول لما قتل أباه لم يرثه و ورثه أخوه ماله و ورث القصاص على أخيه، فلما قتل الآخر أمه لم يرث منها شيئا و ورثها قاتل الأب و ورث على أخيه القصاص بأمه فثبت لكل واحد منهما على أخيه القود، فان بادر أحدهما فقتل صاحبه كان لورثة المقتول قتل القاتل المستفيد.

فان لم يبادر أحدهما بذلك، و لكنهما تشاحا، فليس لواحد منهما مزية على صاحبه، فيقرع بينهما، فأيهما خرجت قرعته كان له أن يتقدم بالقصاص، فإذا اقتص منه كان لورثة المقتول قتل القاتل قودا، فان وكل من خرجت القرعة له صحت الوكالة لأنه يستوفي حقه من القود في حياته، و إن وكل من خرجت عليه القرعة فالوكالة صحيحة، لكنه إذا قتل بطلت وكالته، و إن عفى كل واحد منهما عن صاحبه على مال وجب له عليه دية قتيله، فيكون لقاتل الأم على قاتل الأب دية أبيه و لقاتل

13

الأب على قاتل الأم دية الأم.

لا يقتل الكامل بالناقص، و يقتل الناقص بالكامل

، و يقتل الكافر بالمسلم، و العبد بالحر، و الولد بالولد إجماعا.

كل نفسين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في الأطراف

سواء اتفقا في الدية أو اختلفا فيها كالحرين و الحرتين و الحر و الحرة، و العبدين و الأمتين و الأمة و العبد و الكافرين و الكافرتين و الكافر و الكافرة، و يقطع الناقص بالكامل، و لا يقطع الكامل بالناقص كما قلناه في النفس سواء.

و كل شخصين لا يجرى القصاص بينهما في الأنفس كذلك لا يجري في الأطراف كالحر و العبد و الكافر و المسلم هذا قولنا طردا و عكسا، و عند جماعة، غير أن عندنا إذا اقتص للمرأة من الرجل في بعض أطرافها ردت فاضل الدية إذا كان ذلك فوق ثلث الدية كما قلناه في النفس سواء

إذا قتل جماعة واحدا قتلوا به أجمعين بشرطين

أحدهما أن يكون كل واحد منهم مكافئا له أعني لو تفرد بقتله قتل به و هو ألا يكون فيهم مسلم يشارك الكفار في قتل كافر و لا والد يشارك غيره في قتل ولده، و الثاني أن يكون جناية كل واحد منهم لو انفرد بها كان منها التلف، غير أن عندنا أنهم متى قتلوا الجماعة ردوا فاضل الدية و متى أراد أولياء المقتول قتل واحد كان لهم، و رد الباقون على أولياء المقاد منه ما يصيبهم من الدية، لو كانت دية، و لم يعتبر ذلك أحد و فيها خلاف من وجه آخر.

إذا جرحه أحدهما مائة جراحة و الآخر جراحة واحدة فمات

فهما قاتلان و عليهما القود.

فإذا تقرر هذا فالولي بالخيار بين أن يقتلهما معا، و بين أن يعفو عنهما و يأخذ من كل واحد منهما نصف الدية، و بين أن يقتل أحدهما و يعفو عن الآخر فيأخذ منه نصف الدية عندهم، و عندنا يؤخذ منه نصف الدية فيرده على أولياء المقاد منه.

و جملته أن الحكم فيه كما لو جرحه كل واحد منهما جرحا واحدا فإن أجافه أحدهما و جرحه الآخر غير جائفة فمات منهما فهما قاتلان، و أولياء المقتول مخيرون

14

على ما قلناه.

إذا قطع واحد يده و آخر رجله، و أوضحه الثالث

فسرى إلى نفسه فهم قتلة كلهم و ولى المقتول مخير بين أن يقتص أو يعفو، فان اقتص كان له أن يقتص في الجراح فيقطع القاطع ثم يقتله و يوضح الذي أوضحه ثم يقتله لأن القصاص هذا، و إن عفا نظرت فان عفا عن الكل أخذ الدية أثلاثا و إن عفا عن واحد على ثلث الدية كان له قتل الآخرين، غير أن عندنا أنه يحتاج أن يرد فاضل الدية.

إذا قطع واحد يده و آخر رجله و أوضحه الثالث

ثم اندملت الموضحة و سرى القطعان إلى نفسه، فمات، فلوليه مع صاحب الموضحة الخيار بين أن يقتص منه موضحة و بين أن يعفو على مال، و أما الآخران فهما قاتلان، لأن التي اندملت لا سراية لها بعد الاندمال، فلا قود على صاحبها، و يكون الآخران كأنه لا ثالث معهما، و الحكم على ما مضى.

فان كانت بحالها فادعى صاحب الموضحة أن الموضحة اندملت، و السراية من القطعين فصدقه الولي و كذبه القاطعان، نظرت في ما يختار الولي فإن اختار القصاص بعد تصديقه على القاطعين، كان له، لأنه لا ضرر عليهما في نفوذ تصديقه فإن للولي القصاص منهما، و له العفو كيف اختار، لأنها لو كانت اندملت أو عفا على مال فالقود على هذين، و إن لم يكن اندملت فلوليه أن يقتلهما و يعفو عن الثالث.

فان اختار الولي العفو على مال لم يقبل منه و لم ينفذ تصديقه على القاطعين و كان القول قولهما أنها ما اندملت، لأنه يجر إلى نفسه و عليهما ضرر فيما يذكره أما الجر فإنه يأخذ من هذين كمال الدية و من الذي صدقه أرش جنايته، و لو لم يندمل لم يكن له أكثر من الدية و أما الضرر عليهما فإنهما إذا لم يندمل كان عليهما ثلثا الدية، و إذا اندملت فعليهما كمال الدية، فكان عليهما ضرر في تصديقه، و لهذا لم ينفذ تصديقه عليهما.

إذا اشترك جماعة في جرح يوجب القود على الواحد

كقلع العين و قطع اليد، فعليهم القود عندنا و عند جماعة و فيه خلاف.

15

فإذا ثبت هذا فانا نقطع الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في الجراح معا و لم ينفرد أحدهم ببعضه، و معناه أن يضعوا السكين على موضع واحد واحد و يمرها الكل على المكان حتى لا يتميز فعل أحدهم عن فعل الثاني، فههنا نقطعهم لأن كل واحد منهم قاطع غير أن عندنا أنه إذا قطعهم رد فاضل الدية كما قلناه في النفس سواء، و إن اختار قطع واحد قطعه و رد الباقون على المقطوع قود ما لزمهم من ذلك، و أما إن قطع واحد البعض و الآخر ما بقي أو وضع أحدهما سكينا من فوق و الآخر سكينا من أسفل و غمزا حتى التقيا السكينان، فلا قود ههنا، لأن كل واحد منهما جارح يد، و ليس بقاطع، و فعلهم لا يتجزى، فلأجل هذا يبطل القود.

لا قصاص على الصبي و المجنون إذا قتلا

لما رواه على عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال:

رفع القلم عن ثلثة: عن الصبي حتى يحتلم، و عن النائم حتى ينتبه، و عن المجنون حتى يفيق، و روي عن على (عليه السلام) أنه قال: لا قصاص على من لم يبلغ، و لا مخالف له.

فإذا ثبت هذا فان اختلف الصبي و ولى القتيل بعد بلوغ الصبي فقال وليه قتلته و أنت بالغ فعليك القود، و قال بل و أنا صبي فلا قود على فالقول قول الجاني لأن الأصل الصغر حتى يعلم زواله.

و إن اختلف هو و المجنون فقال: قتلته و أنت عاقل فقال: بل و أنا مجنون، نظرت فان كان يعرف له حال جنون و إفاقة، فالقول قول الجاني لأنه أعرف بوقته، و إن لم يعرف له حال جنون فالقول قول الولي، لأن الأصل صحته و سلامته حتى يعلم أنه مجنون.

فإذا ثبت هذا، فان كان القتل خطأ فالدية على العاقلة بلا خلاف، و إن كان عمدا فلا قود عليه و كان خطأ الدية على العاقلة على مقتضى إطلاق أخبارنا، و قال بعضهم هو عمد الخطاء الدية في ماله خاصة مغلظة، و أما الكفارة ففي ماله خاصة.

16

فصل في صفة قتل العمد و جراح العمد

إذا جرحه بما له حدّ يجرح و يفسح و يبضع اللحم

كالسيف و السكين و الخنجر و ما في معناه مما يحدد فيجرح كالرصاص و النحاس و الذهب و الفضة و الخشب و القصب و الليطة (1) و الزجاج، فكل هذا فيه القود إذا مات منه، صغيرا كان الجرح أو كبيرا صغيرة كانت الآلة أو كبيرة لقوله تعالى «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً» و هذا قد قتل مظلوما.

و أما إن جرحه بما يثقب البدن و لا يجرح

كالمسلة و المخيط و هو شيء عريض رأسه حاد و لا يحدد غير رأسه، فمات فعليه القود للاية، و أما إن كان صغيرا كالإبرة و نحوها فغزره فيه فمات، فان كان غرزه في مقتل كالعين و أصول الأذنين، و الخاصرة و الخصيتين فعليه القود لأنه مقتل، و إن كان في غير مقتل كالرأس و الفخذ و الصلب و العضد، فان كان لم يزل زمنا حتى مات فعليه القود للاية، و لأن الظاهر أنه منه و أما إن مات من ساعته قال قوم عليه القود لأن له سراية في البدن كالمسلة و قال آخرون لا قود في هذا لأن هذا لا يقتل غالبا كالعصا الصغير و الأول أقوى للآية.

إذا ضربه بمثقل يقصد به القتل غالبا

كاللت و الدبوس (2) و الخشبة الثقيلة و الحجر فقتله فعليه القود، و كذلك إذا قتله بكل ما يقصد به القتل غالبا، مثل أن حرقه أو غرقه أو غمه حتى تلف أو هدم عليه بيتا، أو طينه عليه بغير طعام حتى مات أو والى عليه بالخنق، ففي كل هذا القود.

فأما إن قتله بعصا خفيفة صقيلة نظرت فان كان نضو الخلقة ضعيف القوة و البطش يموت مثله منه، فهو عمد محض، و إن كان قوي الخلقة و البطش لم يكن عمدا عند

____________

(1) الليطة: قشر القصبة.

(2) اللت: القدوم، و الفأس العظيمة، و الدبوس المقمعة من الحديد.

17

قوم، و كذلك عندنا، و في جملة ما ذكرناه خلاف و نحن نشرح هذه الجملة.

أما المثقل فمعروف فمتى قتله به فعليه القود، و أما الخنق فان خنقه بيده أو بيديه أو لف على حلقه حبلا أو منديلا و لم يزل يوالي حتى مات فعليه القود، و هكذا إن جعل على نفسه شيئا منع خروج نفسه مثل مخدة أو ثوب أو سدة بيده مدة يموت في مثلها، فمات، فعليه القود، و إن مات في مدة لا يموت في مثلها غالبا فهو عمد الخطأ فيه الدية مغلظة على العاقلة.

هذا إذا لم يرسله حتى مات، فأما إن خنقه مدة يموت في مثلها غالبا فلم يمت فأرسله، ثم مات نظرت، فان كان منقطع النفس و لم يتردد نفسه فعليه القود، لأنه أرسله و هو في حكم المذبوح، و إن تردد نفسه و لم يزل زمنا منه حتى مات، فعليه أيضا القود، لأن الظاهر أنه مات من ذلك الخنق، فان بريء و زال الألم بعد ذلك فلا ضمان عليه، لأنه مات من غير الخنق، مثل الجراحة إذا اندملت ثم مات.

فأما إن خنقه بحبل جعل له خراطة فأدخلها في حلقه ثم جعله على كرسي أو شيء عال و شد الحبل من فوقه بشيء ثم رفع ذلك الكرسي من تحته فتعلق بنفسه فعليه القود، و إن مات من ساعته لأنه لا قتل بالخنق أعجل و لا أوحى منه.

و إذا ضربه بسوط أو عصا ضعيفة

فان و الا عليه العدد الذي يموت منه غالبا فعليه القود، و هذا يختلف باختلاف الإنسان، فإن كان نضو الخلقة ضعيف الجسم مات غالبا من العدد القليل، و إن كان قوي الخلقة و الجسم، لم يمت غالبا إلا من العدد الكثير فان كان عددا لا يموت منه غالبا لكنه مات لشدة حر أو برد لأن مثل هذا العدد يقتل في هذا الزمان، فعليه القود، و إن كان الزمان معتدلا فلا قود، لأن هذا العدد لا يقتل في هذا الزمان غالبا.

و جملته أن هذا يختلف باختلاف حال الإنسان في نفسه، و باختلاف الزمان، فان كان مثله يموت من هذا العدد في هذا الزمان، فعليه القود، و إن كان مثله لا يموت من هذا العدد في هذا الزمان فلا قود لكنه عمد الخطأ ففيه الدية مغلظة في ماله عندنا خاصة.

18

و إذا أخذ حرا فحبسه فمات في حبسه

فان كان يراعيه بالطعام و الشراب فمات في الحبس فلا ضمان بوجه، صغيرا كان أو كبيرا، و قال بعضهم إن كان كبيرا مثل هذا، و كان صغيرا فان مات حتف أنفه فلا ضمان، و إن مات بسبب مثل أن لدغته حية أو عقرب أو قتله سبع أو وقع عليه حائط أو سقف فقتله فعليه الضمان، و هذا الذي يقتضيه مذهبنا و أخبارنا.

فأما إن منعه الطعام أو الشراب أو هما أو طين عليه البيت فمات، فان مات في مدة يموت فيها غالبا فعليه القود، و إن كان لا يموت فيها غالبا فلا قود، و فيه الدية و هذا يختلف باختلاف حال الإنسان و الزمان، فان كان جائعا أو عطشانا و الزمان شديد الحر، مات في الزمان القليل و إن كان شبعان و ريان و الزمان معتدل أو شديد البرد لم يمت في الزمان الطويل، فيعتبر هذا فيه، فان كان في مدة يموت مثله فيها فعليه القود و إن كان لا يموت غالبا فيها فعليه الدية.

و إذا طرحه في النار نظرت فان أسعر له نارا في حفيرة حتى إذا تجحمت ألقاه فيها فلم يمكنه الخروج منها حتى مات، فعليه القود، و إن كانت النار على بسيط الأرض فمات فان لم يمكنه التخلص منها مثل أن كان ضعيف الخلقة أو كبيرا أو مكتوفا أو غير مكتوف لكن النار قهرته و منعته من الخروج فعليه القود.

و أما إن أمكنه الخروج منها فلم يفعل حتى مات، و إنما يعلم هذا منه بأن يقول أنا قادر على الخروج و لست أخرج أو كان بقرب البئر، و معلوم أنه لو انقلب حصل خارجا عنها فلا قود، لأنه أعان على قتل نفسه، و أما الدية قال قوم: فيه الدية لأنه هو الجاني بإلقائه في النار و ترك التخلص مع القدرة لا يسقط الضمان عن الجاني كما لو جرحه فترك المجروح مداواة نفسه حتى مات فإنه ضامن.

و قال آخرون لا دية، و إنما عليه ضمان ما شيطته النار، لأنه لما قدر على الخلاص فلم يفعل، كان هو الذي أهلك نفسه و أتلفها، فهو كما لو خرج منها ثم عاد فيها، و يفارق الجراح إذا لم يداو نفسه لأن السراية عنه حصلت، و لم يزد ذلك بترك التداوي، و ليس كذلك النار لأنها تستأنف إحراقا و إتلافا غير الأول، فلهذا

19

لم يكن عليه الدية، و هذا أقوى لأن الأصل براءة الذمة.

و أما إذا ألقاه في الماء فغرق و هلك نظرت، فإن ألقاه في لجة البحر فعليه القود سواء كان يحسن السباحة أو لا يحسنها، لأن البحر مهلك على كل حال، و إن كان بقرب الساحل، فان لم يكن يحسن السباحة أو كان يحسنها غير أنه كان مكتوفا لم يمكنه الخروج منه، فعليه القود، لأنه يقتل غالبا و إن كان يحسن السباحة و لم يكن مكتوفا و علم من حاله أنه أمكنه الخروج فلم يفعل حتى هلك فلا قود و في الدية قولان مثل النار سواء.

فأما إن طرحه في الماء بقرب الساحل و كان ممن يمكنه الخروج منه فلم يخرج حتى ابتلعه الحوت، فلا قود و فيه الدية، لأنه السبب في هلاك نفسه، و إن ألقاه في لجة البحر فقبل وصوله إلى الماء التقمه الحوت، قال قوم عليه القود لأنه أهلكه بنفس الإلقاء، بدليل أنه لو لم يأخذه الحوت كان هلاكه فيه، فكأن الحوت أتلفه بعد أن حصل منه ما فيه هلاكه كما لو قتله ثم ألقاه و قال آخرون: لا قود، لأنه ما هلك بنفس الإلقاء و لا قصد هلاكه به، و إنما هلك بشيء آخر كما لو رمى به من شاهق فاستقبله غيره بالسيف فقده بنصفين، فان القود على الثاني لأن هلاكه به، و لا قود على الدافع، و القولان قويان غير أن الأول أقواهما.

إذا جنى عليه رجل جناية صيره بها في حكم المذبوح

ثم وجأه الآخر مثل أن قطع الأول حلقومه و مرية ثم جاءه الآخر فقده باثنين أو أبان الأول حشوته و أمعاءه ثم ذبحه الآخر فالأول قاتل عليه القود، و الثاني ليس بقاتل و لا شيء عليه، غير التعزير، لأن الأول صيره في حكم المذبوح، لأن الحيوة التي فيه غير مستقرة و الثاني عليه التعزير لأنه أتلف ميتا و لو قلنا يلزمه دية الميت لكان قويا، و لأن الفعل الأول سقط حكم جنايته بدليل أنه لا يصح توبته و لا وصيته و لا إسلامه و لا كفره فصار كالمذبوح و لم يكن الثاني قاتلا.

هذا إذا صيره الأول في حكم المذبوح، و إن كانت بالعكس من هذا فجرحه الأول جرحا يبقى معه حيوة مستقرة ثم وجأه الآخر مثل أن جرحه الأول في

20

حلقه، فوسطه الثاني (1) أو شق الأول بطنه، ثم ذبحه الثاني، فلا فصل بين أن يكون جرح الأول يكون معه حيوة أو لا يكون هناك حيوة مستقرة و حركة غير حركة المذبوح، فالباب واحد، فالأول جارح، و الثاني قاتل، بعكس ما قلناه.

و لأن فيه حيوة مستقرة عقيب جرح الأول بدليل أن حركته يزيد على حركة المذبوح، فإذا قتله الثاني فقد قتل من فيه حيوة مستقرة فكان هو القاتل كما لو قتل عليلا قد أشرف على الموت و فيه حيوة مستقرة و لأنه أحكام الحيوة ثابتة فيه إجماعا من الوصية و غيرها.

و يروى أن عمر بن الخطاب لما جرح كان فيه جرحان، فدخل الطبيب فسقاه لبنا فخرج من الجرح، فقال أعهد إلى الناس فعهد و أوصى و أجمعوا على تنفيذ عهده و وصاياه.

فإذا كان حكم الحيوة قائما فيه كان القاتل هو الثاني، و إذا ثبت أن القاتل هو الثاني و الأول هو الجارح، كان لكل واحد منهما حكم نفسه أما الأول فالولي ينظر في جرحه، فان كان لا قود فيه كان له المال و كان في الثاني بالخيار بين العفو و القتل، و إن كان جرح الأول فيه القود مثل أن قطع يده ثم قتله الثاني، كان في الأول بالخيار بين القطع و العفو على مال، و هكذا في الثاني بالخيار بين القتل و العفو على مال، فيأخذ كل الدية.

و هكذا حكم الحيوان في إباحة أكله، فإن قطع الذئب الحلقوم و المري أو شق: جوفها و أبان حشوتها فأدركها صاحبها و فيها حياة، لم يحل له ذبحها و أكلها لأن حركتها حركة المذبوح، فهي كالميتة، و إن كان الذئب إنما عقرها عقرا لم يصيرها في حكم المذبوح، مثل أن شق جوفها أو حلقها فأدركها صاحبها و فيها حياة مستقرة فذبحها جاز أكلها، لأن فيها حياة مستقرة.

إذا جرح رجلا جرحا ثم جاء آخر فوجأه بذبح أو بغيره

لم يخل من أحد أمرين إما أن يذبحه الثاني بعد اندمال الأول أو قبله، فان ذبحه بعد الاندمال، فالأول جارح

____________

(1) اى قطعه بنصفين.

21

و الثاني قاتل لأنه قتله بعد استقرار الجرح الأول، فينظر فيه، فان كان جرحا لا قود فيه فلوليه أرشه، و هو في الثاني بالخيار بين العفو و القتل، و إن كان الأول فيه القصاص مثل أن قطع يده فهو في الأول بالخيار بين القطع و العفو، و في الثاني بالخيار بين العفو و القتل.

هذا إذا كان بعد اندمال الأول فأما إن كان الثاني قبل اندمال الأول، فالأول جارح و الثاني قاتل، كالمسئلة قبلها سواء، لأن قتل الثاني قطع سراية الأول، فهو كما لو اندملت الاولى.

قالوا أ ليس لو جرحاه معا فسرى إلى نفسه فهما قاتلان؟ هلا قلتم ههنا مثله، قيل:

الفصل بينهما إذا جرحاه أن كل واحد من الجرحين سواء، و لم يقطع الثاني سراية الأول، فكان تلفه بهما، فلهذا كانا قاتلين، و ليس هكذا ههنا، لأن قتل الثاني قطع سراية الأول، فكان القتل من فعل الثاني وحده، فلهذا كان الثاني هو القاتل وحده و كان الحكم فيه كما لو قتله الثاني بعد اندمال الأول، و قد مضى حكمه.

فاما إذا كان القاتل هو الجارح و هو إذا جرحه ثم عاد فقتله لم يخل من أحد أمرين:

إما أن يكون بعد اندمال الأول أو قبله، فان كان بعد الاندمال فلكل واحد منهما حكم نفسه، كما لو كانا جارحين سواء، لأن القتل حصل بعد استقرار الجرح الأول، فكان لكل واحد منهما حكم نفسه، فالولي ينظر في الأول، فإن كان مما لا قود فيه ففيه الأرش ثم هو بالخيار بعد هذا بين القتل، و العفو على كمال الدية.

و إن كان الأول فيه القصاص، مثل أن قطع يده ثم عاد فقتله، فهو في الأول بالخيار بين القطع و العفو على مال: فله نصف الدية، ثم هو بالخيار بين القتل و العفو على مال: فيكون له كل الدية.

هذا إذا عاد فقتله بعد اندمال الأول فأما إن قتله قبل الاندمال مثل أن قطع يده ثم قتله، فالولي بالخيار بين القصاص و العفو، فان اختار القصاص كان له القطع، و العفو و القتل بعده، و لا يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، و إن اختار العفو دخل أرش

22

الطرف في دية النفس، فلا يكون له غير الدية.

و أرش الطرف يدخل في دية النفس، و قود الطرف لا يدخل في قود النفس، و قال بعضهم لا فصل بينهما، فلا يدخل أرش الطرف في دية النفس كما لا يدخل قصاصه في قصاص النفس.

و الذي يقتضيه مذهبنا أنه يدخل كل واحد منهما في بدل النفس، أما الأول فلا إشكال فيه، و أما القصاص فلأن أصحابنا رووا أنه إذا مثل انسان بغيره فقتله فلم يكن له غير القتل، و ليس له التمثيل بصاحبه، و قال بعضهم له أن يقطع يده ثم يقتله و لا يكون ذلك قصاصا بل يكون للمماثلة كما لو أجافه ثم قتله كان للولي أن يجيفه ثم يقتله، و إن كان لا قصاص في الجائفة.

إذا جرح رجلا جرحا يكون منه التلف، فالكلام في فصلين:

إذا داوى المجروح نفسه، و إذا خاط جرح نفسه: فأما إن داوى جرحه بسم فهو على ثلثة أضرب سم يقتل في الحال، و سم يقتل و لا يقتل، و الغالب أنه لا يقتل، و سم يقتل و لا يقتل، و الغالب أنه يقتل.

فان كان السم سم ساعة، و كان مجهزا منفردا في الحال فداوى به نفسه، إما بأن يشربه متداويا أو وضعه على الجرح، فمات، فلا فصل بين أن يعلمه قاتلا أو لا يعلمه، الباب واحد، فإنه لا قود على الجارح في النفس لأن المجروح هو الذي قتل نفسه.

فإذا قتلها قطع سراية الجرح، و مات من فعل نفسه، فهو كما لو جرحه ثم ذبح هو نفسه، فإنه لا قود على الجارح، و يكون كأنه اندمل ذلك الجرح، فان لم يكن فيه قصاص فعليه الأرش، و إن كان فيه القصاص فولى القتيل بالخيار بين أن يقتص و بين أن يعفو على مال، هذا إذا كان السم موجبا.

و أما إن كان السم لا يقتل غالبا فلا قود في النفس على الجارح، لأن القتل حصل بفعلين أحدهما عمد محض و هو فعل الجارح، و الآخر عمد الخطأ و هو فعل المجروح، لأنه عمد في فعله و أخطأ في قصده، فهو كما لو جرحه جارح ثم جرح نفسه

23

عمد الخطأ فإنه لا قود على الجارح.

فإذا ثبت أنه لا قود عليه، فما قابل فعل المجروح هدر، و ما قابل فعل الجاني مضمون، و عليه الكفارة، لأنه شاركه في قتل نفسه، و عليه نصف الدية مغلظة حالة في ماله، لأنها وجبت عن عمد محض.

و أما إن كان السم يقتل غالبا قال قوم على الجارح القود لأنه مات عن عمدين محضين، فان المجروح داوى نفسه بما يقتل غالبا فهو كما لو جرح نفسه فمات من الجرحين معا، و سقط القود بفعل المجروح، لا لمعنى في فعله، فكان على شريكه القود كما لو شارك الأب في قتل ولده فان عليه القود.

و قال آخرون لا قود على الجارح، لأنهما و إن كانا عمدين محضين فأحدهما غير مضمون بحال، قال هذا القائل و هكذا كل من هلك بعمدين محضين أحدهما لا يضمن شيئا بحال، فهذا حكمه، كما لو شارك الأسد في قتل إنسان أو شارك الغير في قتل نفسه، فالكل على قولين.

و فيهم من قال: على الجارح ههنا القود و في شريك الأسد قولان، و الفصل بينهما أن شريك الأسد شارك غيره في عمد محض، فلهذا كان عليه القود، و ليس كذلك ههنا لأنه شارك غيره و ذلك الغير مثل عمد الخطأ فإنه إنما داوى نفسه طلبا للمصلحة، فبان مفسدة، فإذا كان شريكه جنى عمد الخطأ لم يكن عليه القود.

فكان تحقيق الخلاف، هل فعل المجروح عمد محض أو عمد الخطأ فمن قال عمد محض فالشريك على قولين، و من قال عمد الخطأ قال لا قود على شريكه.

و الذي يقتضيه مذهبنا أن فعل المجروح عمد الخطأ لا يجب به قود، و فعل الجاني عمد محض يجب فيه القود بشرط رد فاضل الدية، على ما بيناه.

فمن قال عليه القود فالولي بالخيار بين القصاص و العفو على مال، فان قتل فلا كلام غير أن عندنا يرد نصف الدية، و إن عفا على مال فله نصف الدية مغلظة في ماله و هكذا من قال لا قود عليه، قال: عليه نصف الدية مغلظة حالة في ماله لأنها وجبت عن عمد محض.

24

فأما إذا خيط جرحه بالإبرة لم يخل من أحد أمرين إما أن يخاط في لحم ميت أو حي، فإن كان في لحم ميت فوجود الخياطة و عدمها سواء، فإنه لا سراية منه بحال و القاتل الجارح، و الولي بالخيار بين القصاص و العفو على كل الدية.

و إن خيط في لحم حي لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يكون المجروح هو الذي خاط نفسه أو بعض العوام، أو الإمام، فإن كان هو الذي خاط نفسه أو غيره بأمره الباب واحد، فإذا سرى إلى نفسه فمات فالحكم فيه كالقسم الثالث من السم منهم من قال ليس على الجارح القود، و منهم من قال عليه القود كما لو شارك سبعا، و قد مضى قولنا أنه لا يسقط عنه القود.

فان كان الذي خاطه بعض العوام كأنه حضر بعض العوام و قهره فخاطه فالأول جارح، و الخياط جارح، فإذا سرى إلى نفسه فمات فهو كما لو جرحاه معا، سواء فسرى إلى نفسه فمات فعليهما القود معا، و الولي بالخيار بين القتل و العفو على ما قلناه في غير موضع.

و إن كان الذي خاطه له هو الامام، لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون المجروح مولى عليه أو غير مولى عليه، فان كان غير مولى عليه فان كان بالغا عاقلا فالإمام عندهم كأحد العوام، و عليهما القود.

و إن كان المجروح مولى عليه كالصبي و المجنون فخاطه فمات، فمنهم من قال على الامام القود و الجارح معا و منهم من قال لا قود عليهما لأنه إذا سقط عن الامام سقط عن الجارح، و على كل واحد منهما نصف الدية مغلظة، و من قال يجب على الامام نصف الدية، قال بعضهم يجب في بيت المال، و قال آخرون على عاقلته، و خطأ الامام و عمد الخطأ سواء.

و عندنا لا يتقدر ذلك في الإمام لأنه لا يفعل إلا ماله فعله لعصمته فان فعل ماله فعله من مصلحته، فأدى ذلك إلى موته كانت الدية في بيت المال.

إذا قطع مسلم يد نصراني له عهد و ذمة مؤبدة أو إلى مدة فأسلم

و سرت الجناية إلى نفسه و هو مسلم ثم مات فلا قود على القاطع، و هكذا لو قطع حر يد عبد فأعتق فسرت إلى

25

نفسه، فلا قود على القاطع، لأن التكافى إذا كان معدوما حال القطع موجودا حال السراية، فلا قود في القطع و لا في السراية، كالصبي إذا قطع يد بالغ ثم بلغ الصبي و سرى القطع، فلا قود على الصبي.

فإذا ثبت أنه لا قصاص ففيه دية حر مسلم، لأن الجناية إذا وقعت مضمونة كان الاعتبار بأرشها حال الاستقرار، بدليل أنه لو قطع يدي مسلم و رجليه ففيه ديتان، فان سرى إلى نفسه ففيه دية واحدة و لو قطع إصبعا ففيه عشر الدية، فإن صارت نفسا ففيه الدية اعتبارا بحال الاستقرار.

فأما إن قطع يد مرتد ثم أسلم ثم مات

أو يد حربي ثم أسلم ثم مات، فكان القطع حال كفره و السراية حال إسلامه، فلا قود لما مضى، و الدية لا تجب ههنا لأن الجناية إذا لم تكن مضمونة لم يكن سرايتها مضمونة كما لو قطع الامام سارقا فسرى إلى نفسه، أو قطع رجلا قصاصا فسرى إلى نفسه، فلا ضمان في السراية.

إذا أرسل على نصراني سهما فأسلم

ثم وقع فيه السهم أو على عبد فأعتق ثم وقع فيه السهم أو على مرتد فأسلم ثم وقع فيه السهم، فقتله، فلا قود في هذه الثلاث مسائل لما مضى، لأن الاعتبار بالقصد إلى تناول نفس مكافئة حين الجناية، و حين الجناية هو الإرسال، و التكافى غير موجود حينئذ، فلا قصاص، و فيه دية مسلم لأن الإصابة حصلت و هو محقون الدم فكان مضمونا بالدية.

فأما إذا أرسل إلى حربي سهما فأسلم ثم وقع فيه فقتله فلا قود، و قال قوم فيه الدية، و قال بعضهم لا دية فيه، لأنه أرسل السهم و كان له الإرسال، فلما أسلم لم يمكنه تداركه فهو غير مفرط في الرمي و لا في الإصابة، فلهذا لا دية فيه، و يفارق المرتد لأنه أرسل إليه السهم و هو مفرط حين الإرسال، لأن قتل المرتد إلى الامام لا إلى آحاد الناس، و قتله بالسيف لا بالسهم، فلما كان مفرطا كان عليه الضمان.

قال و إن لحق المرتد بدار الحرب فلم يقدر عليه الامام فلا ضمان عليه، إذا قتله، و الأول أقوى عندنا، لأن الإصابة صادفت مسلما محقون الدم، فكان عليه الضمان كما لو أرسله إلى مرتد فأصابه و هو مسلم.

26

فقد حصل من هذه الجملة في القطع و السراية أنه إذا قطع يد نصراني ثم أسلم و مات أو يد عبد فأعتق ثم مات، لا قود عليه، و عليه الدية، و إن قطع يد حربي أو مرتد ثم أسلم ثم مات لا قود، و لا دية، و حصل في الرمي إذا رمى في هذه المسائل الأربع أن لا قود فيها، و فيها الدية اعتبارا بحال الإصابة، فاعتبرنا القصاص بحال الجناية، و المال بحال الإصابة.

إذا قطع مسلم يد مسلم فارتد المقطوع

ثم سرى إلى نفسه فمات، فيه مسئلتان إحداهما إذا ارتد ثم أسلم ثم مات مسلما، و الثانية إذا ارتد ثم مات في الردة.

فالأولى إذا ارتد ثم أسلم ثم مات مسلما فالكلام فيها في ثلاثة أحكام: الكفارة و القود، و الدية، فأما الكفارة فواجبة بكل حال سواء مكث مرتدا زمانا سرت فيه الجناية إلى نفسه أو لم يمكث، لأن الكفارة يجب بقتل نفس لها حرمة، و قد قتل نفسا لها حرمة، لأن الحرمة موجودة في الطرفين حال الجناية و حال السراية، فأوجبنا عليه الكفارة.

و أما القود فلا يخلو المقطوع من أحد أمرين إما أن يقيم على الردة مدة يسرى فيها الجراح أو لا يقيم، فإن أقام مدة يسرى الجرح فيها ثم عاد إلى الإسلام فلا قود، لأن القصاص إنما يجب بالقطع، و كل السراية، بدلالة أنه لو قطع مسلم يد مسلم فارتد المقطوع و مات على ردته لا قود عليه و لو قطع يد مرتد فأسلم المرتد و مات مسلما لا قود فيه.

فإذا كان وجوبه بالقطع و كل السراية، فإن بعض السراية ههنا هدر، لأنها حال الردة، فقد مات من أمرين مضمون و غير مضمون، فسقط القود، لأن القصاص لا يتبعض.

و أما إن عاد إلى الإسلام قبل أن يكون لها سراية حال الردة ثم مات، قال قوم لا قود لأنه حصل حال السراية حال لو مات فيها لا قود، فوجب أن يسقط القود رأسا، و قال آخرون عليه القود لأن الجناية و كل السراية حصلت حال التكافى، فكان عليه القود و هو الأقوى عندي.

27

و أما الدية فتصور المسئلة إذا كان القطع خطأ أو عفا على مال، فإذا قطع يده ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام و مات لم يخل من أحد أمرين إما أن يسلم قبل أن يكون لها سراية أو بعد أن يكون لها سراية.

فإن أسلم قبل أن حصل فيها سراية حال الردة وجبت الدية كاملة، لأنها جناية مضمونة سرت إلى النفس و هي مضمونة و اعتبار الدية بحال الاستقرار، و هو حال الاستقرار مسلم، فأوجبنا فيه كمال الدية.

و إن ثبت في الردة مدة يكون فيها سراية ثم أسلم، قال قوم: فيه نصف الدية لأن التلف حصل من أمرين مضمون و غير مضمون، فالمضمون القطع و بعض السراية و غير المضمون بعض السراية، فكان فيه نصف الدية، كما لو قطع يده ثم ارتد المقطوع فقطع آخر يده و هو مرتد فمات ففيه نصف الدية على القاطع الأول.

و قال آخرون فيه كمال الدية لأن الجناية إذا كانت مضمونة كان الاعتبار فيها بحال الاستقرار، و حال الاستقرار هو حر مسلم، فكان فيه كمال الدية، لأنه قد وجد الكمال في الطرفين، و هذا الأقوى.

هذا إذا ارتد بعد أن جرح ثم عاد إلى الإسلام فمات، فأما إن كان المجني عليه مرتدا أو قتل في الردة فلا قود في النفس و لا دية، و لا كفارة. لأن هذه الأحكام تجب لحرمة النفس، بدليل أنه لو قتل مرتدا أو حربيا لا ضمان عليه، فإذا كان وجوبها لحرمة النفس، فإذا ارتد سقطت حرمته، فوجب أن لا يجب فيه دية و لا قود و لا كفارة.

و أما القصاص في اليد المقطوعة في حال الإسلام قال قوم لا قصاص فيها، و قال الآخرون فيها القصاص، و هو الأقوى، لظاهر الآية.

فمن قال فيه القود، فالمجني عليه قد مات مرتدا، من الذي يستوفي القصاص؟

قال قوم يستوفيه وليه المسلم، و هو الذي يقتضيه مذهبنا، لأن عندنا يرث المسلم الكافر و من قال لا يرث المسلم الكافر قال قوم منهم يستوفيه الامام، و قال آخرون يستوفيه وليه المناسب دون كل أحد، لأن القصاص يجب للتشفي و المناسب هو صاحب التشفي.

28

فإن اقتص فلا كلام و إن عفى على مال عندنا يكون لورثته المسلمين، و عندهم يكون لبيت المال فيئا.

قالوا و لا يمتنع أن يكون القصاص له، و إذا حصل العفو على المال كان لغيره، ألا ترى أنه لو كان عليه ديون و له ابن فقتل كان القصاص لولده و لو عفا ثبت المال لغرمائه و متى عفا فهل يثبت المال أم لا؟ و إذا ثبت فما قدره؟ يأتي في التفريع على قول من قال لا قود في الطرف.

فإذا قال لا قصاص في الطرف قال قوم لا يجب المال أيضا لأن حكم الطرف تابع للنفس، و قال آخرون يثبت أرش الطرف لأن الطرف إذا كان مضمونا حين القطع، لم يسقط حكمه بسقوط حكم السراية.

ألا ترى أنه لو قطع يد رجل ثم جاء آخر فقتله في الحال فقد قطع الثاني حكم سراية القطع، و لم يغير حكم القطع، فكذلك إذا كان القاطع لحكم السراية هو الردة وجب أن لا يغير حكم السراية.

فمن قال لا ضمان في الطرف فلا كلام، و من قال يضمن فما الذي يضمن؟ قالوا يجب عليه أقل الأمرين من أرشه أو الدية، فإن كان الأرش أقل من الدية مثل أن قطع يده فعليه أرش الطرف لا غير، لأن السراية كانت حال الردة و السراية غير مضمونة، فلا يزيد أرش الطرف على السراية، و إن كان الأرش أكثر من الدية مثل أن قطع يديه و رجليه و أذنيه، ففيه الدية لا غير، لأنه لو فعل هذا بمسلم فسرت إلى نفسه و هو مسلم كان فيه الدية فقط و قال بعضهم يجب أرش الجناية بالغا ما بلغ و لو كان ديات.

و الذي يقوى في نفسي و يقتضيه مذهبنا أنه لا قود عليه في قطع الطرف، و لا دية لأنا قد بينا أن الطرف يدخل قصاصه في قصاص النفس، و كذلك ديته، و ههنا النفس غير مضمونة و يجب أن لا يجب فيها القصاص و لا الدية بحال.

إذا فقأ عيني عبد أو قطع يديه أو قطع رجليه

، و قيمته ألفا دينار لم يخل من أحد أمرين إما أن يندمل أو يسري إلى نفسه، فان اندمل و هو رقيق وجب على الجاني

29

ألفا دينار، لأن الجناية متى اندملت فما وجب بالجناية يستقر بالاندمال و الذي وجب بها ألفا دينار.

و عندنا لا يجب أكثر من ألف دينار لأنه لا يزاد في ضمان أطرافه على أطراف الحر كالنفس عندنا سواء، و أما إن أعتق ثم اندملت حال الحرية استقر أيضا على الجاني ألفا دينار، و عندنا ألف دينار، لما مضى، و يكون جميعه لسيده، لأنه ملك السيد حال الجناية، فكان ما استقر بالاندمال له.

و إن سرت إلى نفسه فمات، نظرت، فان مات قبل العتق، فالواجب عندنا ألف دينار لأنه لا يزاد قيمته في باب الضمان على دية الحر، و عند بعضهم يجب ألفا دينار، و يكون ما يستقر على المتلف لسيده بلا خلاف، لأنه تلف على ملكه.

و إن أعتق ثم سرت إلى نفسه فمات و هو حر فإنه يجب فيه دية الحر عندنا و عند جماعة ممن خالف فيما تقدم.

و قال بعضهم يستقر لموته ألفا دينار لأن أرش الجناية يستقر بالاندمال مرة و بالسراية أخرى و لو استقرت بالاندمال لوجب ألفا دينار فكذلك إذا استقر بالسراية إلى النفس.

قال من خالف: هذا غلط لأنها جناية مضمونة سرت إلى النفس و هي مضمونة، فوجب أن يعتبر بدل النفس بحال الاستقرار، ألا ترى أنه لو قطع يدي حر و رجليه و أذنيه و قلع عينيه ففيه أربع ديات، فان سرت إلى نفسه وجب فيه دية واحدة اعتبارا بحال الاستقرار، و هكذا لو قطع أنملة وجب فيها أرشها، فإن سرت إلى النفس كان فيها الدية اعتبارا بحال الاستقرار.

و هكذا لو قطع يدي نصراني ثم أسلم وجب فيه دية مسلم اعتبارا بحال الاستقرار و هكذا لو قلع عين عبد قيمته ألف درهم فأعتق ثم سرت إلى نفسه كان فيه دية حر مسلم اعتبارا بحال الاستقرار.

و على هذا لو قطع يدي نصراني ثم تمجس و سرى إلى نفسه، و قيل إنه يقر على دينه وجب فيه دية مجوسي ثمان مائة درهم اعتبارا بحال الاستقرار، و من قال لا يقر

30

عليه، فهو مرتد و الواجب فيه أقل الأمرين من أرش الجناية أو دية نصراني، و على قول بعضهم أرش الجناية بالغا ما بلغت.

و أما الكلام فيمن يستحقه: فإن الذي يستحقه ههنا هو السيد وحده، لأن الجناية أوجبت ألفي دينار كلها للسيد، و إذا أعتق و سرت إلى نفسه و هو حر نقص السراية نصف ما قد كان ملكه السيد حين الجناية، و أقل أحواله أن يكون ذلك دون غيره.

قالوا هلا قلتم لوارثه أعنى العبد اعتبارا بوارثه حال الوفاة، دون من كان يملكه حين الجناية، كما قلتم فيمن قطع يد نصراني فأسلم ثم سرت إلى نفسه كانت الدية لورثته المسلمين دون من كان وليه حين الجناية.

قلنا الفصل بينهما إذا قطعت يد النصراني كان الواجب فيها له، فإذا أسلم فسرت كان المالك لها هو، فمات عنها و هي له، فكانت لوارثه حين الوفاة، و في مسئلتنا كان المالك للأرش حين الجناية هو السيد، فإذا أعتق العبد لم يتحول ملك عبده لعقبه، فلهذا كان لسيده دون ورثة العبد.

قالوا فهلا جعلتم الدية بين السيد و ورثة العبد، لأن الجناية كانت حال الرق و السراية حال الحرية، كما قلتم إذا قلع عين عبد قيمته ألف دينار فأعتق فسرى إلى نفسه فمات، ففيه دية مسلم حر نصفها لورثته و نصفها لسيده.

قلنا الفصل بينهما أنه إذا كانت قيمته ألف دينار كان في يده نصف قيمته خمس مائة دينار فإذا أعتق فمات كان الواجب ألف دينار، زاد بالسراية حال الحرية خمس مائة دينار، فكانت الزيادة حال الحرية لوارثه، و الواجب حال الرق لسيده و ليس كذلك في مسئلتنا لأنه لما سرت حال الحرية نقص الأرش بها، فكان للصاحب ألفا دينار فنقص ألف دينار بالسراية، و لم يزد حال الحرية شيء، فلهذا لم يكن لوارثه شيء بحال فأقل أحواله أن يتفرد بما بقي له.

فوزان هذا من مسئلتنا أن يكون قيمته ألفي دينار فقطع قاطع يده، ففيه ألف دينار، ثم أعتق ثم مات ففيه دية حر مسلم كلها للسيد لأنه ما زاد بالسراية شيء،

31

فبان الفصل بينهما، و عندنا أنها مثل الأولى، لأنه لا يضمن يده بأكثر مما يضمن به يد الحر سواء و هذا أصل في باب الجنايات متى اندمل الجرح فذاك الواجب بالجرح يستقر بالاندمال، و إن صار الجرح نفسا استقر بالسراية بدل النفس، ثم ينظر فيه، فان زاد بالسراية حال الحرية كان بدل النفس بين السيد و الورثة، و إن نقص بالسراية أو لم يزد و لم ينقص، كان كله للسيد.

إذا قطع يد عبد ثم أعتق العبد

ثم سرى إلى نفسه فمات فالكلام في ثلاثة فصول في القود و قدر الواجب و فيمن يستحق ذلك الواجب:

أما القود فلا يجب عليه لأن القود إنما يجب بالقصد إلى تناول نفس مكافئة حال الجناية، و هذا لا يكافيه حال الجناية، فلا قود فيه ألا ترى أن عبدا لو قطع يد عبد و أعتق القاطع ثم مات المقطوع، كان على القاطع القود اعتبارا بحال الجناية، و هكذا لو قطع يد هذا العبد حر نصراني أو حر مستأمن ثم أعتق ثم سرى إلى نفسه و مات، فلا قود على القاطع، لأنه حر فلا يقتل بالعبد.

فإذا ثبت أنه لا يقتل به وجب عليه دية حر مسلم، لأن الجناية إذا كانت مضمونة فسرت إلى النفس و هي مضمونة كان الاعتبار ببدل النفس حال الاستقرار، و هو حين الاستقرار حر مسلم، فلهذا كان فيه كمال الدية.

و لا يدخل على هذا إذا قطع يدي عبد قيمته ألف دينار، فلم يزل يتناقص حتى صار يساوي عشرة دراهم، ثم مات، فان عليه أكثر ما كانت قيمته إلى حين الوفاة، لأنا قلنا الجناية إذا سرت إلى ضمان النفس كان الاعتبار بحال الاستقرار، و ضمان العبد ضمان الأموال، و ليس بضمان النفوس، فبان الفصل بينهما.

فإذا ثبت أن الواجب دية حر مسلم فللسيد أقل الأمرين من نصف قيمته أو كمال ديته، فان كان نصف القيمة أقل فليس له الزيادة عليها، لأن الزيادة على ذلك حدث بالسراية حال الحرية، و لا حق له فيما زاد بالسراية حال الحرية.

32

و إن كان نصف القيمة أكثر من الدية، فله كمال الدية، لأن الواجب بالجناية نقص بالسراية حال الحرية، فكان النقص من حق السيد، فكان الباقي له بعد النقصان بدلالة أن الباقي بقية ملكه.

و هكذا الحكم فيه إذا كان نصف القيمة وفق الدية فإن له كمال الدية، لأن السراية حال الحرية لم يزد بها شيء، فلهذا كان كله له.

فأما إذا حصلت له عليه جناية حال الرق و جناية حال الحرية، ففيه مسئلتان إحداهما إذا جنى عليه جان حال الرق فقطع يده و جان حال الحرية فقطع رجله، و الثانية إذا جنى عليه جان حال الرق فقطع يده و جانيان حال الحرية أحدهما قطع يده الأخرى و الآخر رجله، و الأولى أسهل من الثانية، و إنما يتبين الكلام في الثانية إذا تكلم على الأولى.

و جملته إذا قطع حر يد عبد فأعتق العبد ثم قطع آخر رجله ثم سرى إلى نفسه فمات فالكلام فيها في أربعة فصول في القود و قدر الواجب، و من عليه، و له.

أما القود فلا يجب على الأول في الطرف، لأنه ليس بكفو له حال الجناية، و لا القود في النفس لأن القطع إذا لم يضمن بالقود، لم يضمن سرايته بالقود.

و أما الجاني حال الحرية فعليه القود في الطرف و النفس معا، لأنه قصد إلى تناول نفس مكافئة له حال الجناية، فأوجبنا عليه القود، و ذلك أن النفس إذا خرجت عن عمدين محضين، فإذا سقط عن أحدهما و هو الأول لا لمعنى في فعله، لكن لكمال فيه، لم يسقط عن الثاني، كما لو شارك الأجنبي الأب في قتل ولده، و الحر العبد في قتل عبد، و المسلم الكافر في قتل كافر، فالقود يجب على الأجنبي، و على العبد، و على الكافر، دون من شاركه لأن القود يسقط عمن شاركه لا لمعنى في فعله، بل لكمال في نفسه، فلهذا كان عليه القود.

و قال بعضهم عليه القود في الطرف لما مضى، و أما في النفس فلا قود عليه فيها، لأنها تلفت عن سراية جرحين: أحدهما حال الرق، و الآخر حال الحرية، فامتزجت السراية عن جرحين أحدهما يوجب القود دون الآخر فسقط القود في النفس كما لو قتل حران من نصفه حر و نصفه عبد، فإنه لا قود على واحد منهما، و الأول أصح عندنا

33

لما مضى.

و الفرق بين المسئلتين أنهما إذا قتلا من نصفه حر فكل واحد قصد إلى تناول نفس غير مكافئة له حال الحيوة، فلهذا لم يجب القود على واحد منهما.

يؤيد هذا أن القود في الطرف لم يجب و ليس كذلك في مسئلتنا لأنه قصد إلى تناول نفس مكافئة حال الجناية، فلهذا كان عليه القود.

يؤيد هذا أن القود في الطرف وجب، و إذا سرت إلى نفسه فقطعه بعد العتق، كان كأنه قتله بعد العتق و لو قتله بعد العتق كان عليه القود في النفس، كذلك إذا سرت جنايته حال الحرية، فدل على ما قلناه.

فأما قدر الواجب، فإنه دية حر مسلم لأن الجناية كانت مضمونة فسرت إلى نفس مضمونة، كان فيها الدية اعتبارا ببدل النفس حال الاستقرار.

فإذا ثبت أن الدية دية حر مسلم، فان وجوبها على الجارحين معا نصفين، لأن الجنايات إذا صارت نفسا كانت تنقسط على عدد الجناة، لا الجنايات، و لا تفاضل بينهما، و إن كان أحدهما أكثر، بدليل أنه لو جرحه أحدهما جرحا واحدا و الآخر مائة جرح، فمات فكانت الدية نصفين على عدد الجناة، لا عدد الجنايات.

قالوا هلا جعلتموها على المفاضلة كما قلتم لو قطع حر يد عبد ثم قطع آخر يده الأخرى، ثم سرى إلى نفسه، كانت عليهما قيمته، و على الأول منهما أكثر مما على الثاني.

قلنا الفصل بينهما أن الواجب في العبد قيمته و اعتبار القيمة فيه بحال الجناية لأنه إتلاف مال، فكان الأول أكثر من الثاني، لأن الثاني جنى عليه و قد نقصت قيمته بالجرح الأول، فلا يجب عليه كما يجب على الأول.

و ليس كذلك ههنا، لأن الجناية صارت نفسا و كان الاعتبار ببدل النفس حال الاستقرار، و هما حال الاستقرار متفقان فيما يجب على كل واحد منهما، فان الحر لا ينتقص بدل نفسه بالجناية عليه، فلهذا كانا سواء فأما مسئلة العبد التي فيها ست طرق فهي نشرح فيما بعد إن شاء الله تعالى.

34

فإذا ثبت أن الواجب عليهما الدية نصفين، فالكلام في المستحق لذلك، يكون للسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمة العبد أو نصف الدية، فإن كان نصف قيمته أقل من نصف الدية فلا شيء له غير أرش الجناية، لأن الزيادة حصلت بالسراية حال الحرية، فلا حق له فيها، و إن كان نصف القيمة أكثر من نصف الدية، فليس له إلا نصف الدية، لأن نصف القيمة نقصت بالجناية حال الحرية، فليس له إلا نصف الدية.

قالوا كيف قلتم في هذه المسئلة للسيد أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية، و قلتم في المسئلة قبلها عليه أقل الأمرين من نصف قيمته أو كمال الدية.

قلنا الفصل واضح و ذلك أن الجاني في الأولى واحد لا غير، فكان عليه بدل النفس كله، و كانت جنايته على ملك السيد، فلهذا كان له أقل الأمرين من نصف قيمته أو كمال الدية.

و ليس كذلك في مسئلتنا لأن فيها جانيين: جان حال الرق، و جان حال الحرية، فعلى كل واحد منهما نصف الدية، فلو أوجبنا له أكثر من نصف الدية جعلنا بعض ذلك على الجاني حال الحرية، و لا شيء له على من جنى حال الحرية، فلهذا كان له أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف الدية.

و الكلام بعده في جنس الدية و جنسها مائة من الإبل لأنها دية حر مسلم، و كانت من الإبل لأن الاعتبار بحال الاستقرار، و هو حال الاستقرار حر مسلم، فلهذا كانت الدية من الإبل فيكون للسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف الدية فيكون للوارث النصف و الباقي للسيد، فإن أراد وارث المجني عليه أن يعطى السيد نصف قيمة العبد و يستبقي الإبل لنفسه لم يكن له ذلك إلا برضا السيد، لأن حق السيد نفس الإبل، فلا يدفع عن حقه بغير رضاه.

و أما الكلام في التفريع عليها: إذا قطع حر يد عبد ثم أعتق ثم عاد فقطع يده الأخرى ثم اندمل الجرحان معا فلكل واحد حكم نفسه أما القطع حال الرق فلا قود عليه، لأنه حر قطع يد عبد، و عليه نصف قيمة العبد بالاندمال، لأن كل قطع اندمل

35

فالواجب به يستقر بالاندمال، و يكون للسيد لأنه جناية على مملوكه.

و أما القطع حال الحرية فعليه القود، لأنه حر قطع يد حر فديته له فالمقطوع بالخيار بين القصاص و العفو، فان اقتص فلا كلام فيه، و إن عفا على مال كان له نصف الدية، لأن في اليد نصف الدية، و يكون له لا حق للسيد فيها لأنها دية يد حر فكانت له دون من كان بيده.

فان قطع يده حال الرق ثم قطع رجله حال الحرية

ثم سرى إلى نفسه و مات فأما القطع حال الرق فلا قود عليه فيه، لأنه حر قطع يد عبد، و أما القطع حال الحرية فعليه القطع لأنه يكافيه و أما النفس فلا قود فيها لأن السراية كانت عن قطعين أحدهما حال الرق و الآخر حال الحرية أحدهما مضمون، و الآخر غير مضمون فلا قود فيه كما لو قطع يده عمد الخطأ، و الأخرى عمدا محضا فلا قصاص في النفس.

فإذا ثبت هذا فان مات عن هذه السراية ففيه دية حر مسلم، لأن الجناية إذا صارت نفسا كان الاعتبار فيها بحال الاستقرار، و هو حين الاستقرار حر مسلم، فأما المستحق فللسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف الدية، لأنه إن كانت قيمته أقل من نصف الدية فما زاد فبالسراية حال الحرية، فلا شيء له فيها، و الباقي للوارث.

و إن كان نصف القيمة أكثر من نصف الدية فللسيد نصف الدية عندنا، لأن دية العبد لا يزاد على دية الحر، و عندهم لأن ما وجب له بالجناية حال الرق نقص بالسراية حال الحرية، فكان الباقي بعد النقصان له، و الباقي للوارث، و أما الوارث فهو بالخيار بين القصاص و بين العفو، فان عفا على مال كان له ما زاد على حق السيد و إن اختار القصاص قطع يده.

فان كان حق السيد نصف الدية فقد استوفى حقه فلا شيء له، مع القطع، و إن كان حق السيد أقل من نصف الدية، كان قطع الوارث هذه اليد بنصف الدية، و ما فضل على ما كان للسيد يكون للوارث، فهذا الوارث يجتمع له القصاص في اليد و المال، فما زاد على نصيب السيد إذا كان نصيبه دون نصف الدية.

36

فإن قطع حر يده حال الرق و حر آخر يده حال الحرية

ثم ذبح المقطوع لم يخل من ثلثة أحوال إما أن يذبحه القاطع الأول أو الثاني أو أجنبي.

فإن ذبحه القاطع الأول، و هو الذي قطع يده حال الرق، و ذبحه حال الحرية استقر حكم القاطع حال الحرية، سواء اندمل قطعه أو لم يندمل، لأن الأول لما ذبحه حال الحرية قطع سراية القطع حال الحرية، فالوارث بالخيار بين أن يقتص من القاطع حال الحرية و بين أن يعفو على مال.

فان قطع فلا كلام، و إن عفا على مال كان له نصف دية الحر لأنها يد حر يكون كلها للوارث لا حق للسيد فيها، لأنه حق وجب بالجناية عليه حال الحرية.

و أما القطع الذي كان حال الرق فلا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون القاطع ذبحه بعد الاندمال أو قبله، فان كان ذبحه بعد الاندمال، فقد استقر القطع حال الرق و استقر به نصف القيمة يكون للسيد، لأنه أرش وجب بالجناية على ملكه، و أما الوارث فهو بالخيار بين قتله و العفو، لأنه ذبحه و هو حر فان قتل فلا كلام، و إن عفا على مال، كان له كمال الدية لأنه ذبح حرا مسلما.

فأما إن ذبحه قبل الاندمال، دخل أرش الطرف في بدل النفس، لأن الذبح بعد القطع بمنزلة السراية بعد القطع، فأما القصاص في الطرف فلا يدخل في قصاص النفس عند قوم، و عندنا يدخل.

فمن قال لا يدخل، سقط ههنا لعدم التكافؤ حال القطع، فيكون عليه القود في النفس، فان اختار الوارث القود سقط حق السيد لأنه لا يجتمع القصاص و أخذ دية اليد قبل الاندمال بحال، و إن عفا على مال وجبت دية حر مسلم اعتبارا بحال الاستقرار و يكون للسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف الدية مما لو جنى عليه جان حال الرق، و جان حال الحرية، و يكون الباقي للوارث.

هذا إذا ذبحه الأول، فأما إن ذبحه الثاني، فإذا فعل الثاني هذا فقد قطع يده حال الحرية، و ذبحه حال الحرية، و استقر حكم القطع في حال الرق، و صار كالمندمل، لأن ذبح الثاني قطع سراية القطع الموجود حال الرق فلا فصل بين

37

أن يكون الثاني ذبحه بعد اندمال القطع حال الرق أو قبل الاندمال الباب واحد، و يكون على القاطع حال الرق نصف قيمته بالغا ما بلغ، ما لم يزد على نصف دية الحر عندنا كما لو اندمل، و يكون ذلك للسيد لأنه إنما جنى على مملوكه.

و أما القاطع حال الحرية فقد قطع يد حر ثم ذبحه، فلا يخلو إما أن يكون الذبح بعد اندمال القطع أو قبله، فان كان بعد اندماله فلكل واحد منهما حكم نفسه فالولي بالخيار بين أربعة أشياء: من قطع، و قتل، و له العفو عنهما، فيكون له الدية في النفس، و نصف الدية في اليد، و له أن يعفو عن اليد، فيكون له الدية و يقتص من النفس، و له أن يقتص في اليد و يأخذ الدية للنفس.

هذا إذا قتله بعد الاندمال فأما إن ذبحه قبل الاندمال، فالولي بالخيار بين العفو و القود، فان اختار القود قطع و قتل، و إن اختار العفو كان دية واحدة لا غير لأنه قطع صار نفسا فدخل بدله في بدل النفس.

و إن كان الذابح أجنبيا فقد قطع سراية القطعين معا، فكأنه ذبحه بعد اندمال كل واحد من القطعين فلا قود على القاطع حال الرق، و عليه نصف قيمة العبد لسيده، و على القاطع حال الحرية القود في الطرف، و الوارث بالخيار بين القصاص و العفو.

و أما الثالث فقد ذبح حرا مسلما فوارثه بالخيار بين أن يقتص في النفس، و بين أن يعفو فيكون له كمال الدية لأن دية النفس لا ينقص بقطع أطرافها.

فأما (1) إذا جنى عليه جان حال الرق، فقطع يده ثم أعتق فجنى عليه آخران حال الحرية

، فقطع أحدهما يده و الآخر رجله، فالكلام فيها في أربعة فصول: في القود، و قدر الواجب من المال، و فيمن يجب ذلك عليه و له.

فأما القود، فلا يجب على القاطع حال الرق قود في الطرف و لا في النفس، لأنه غير مكاف حال الجناية، و لا في السراية، لأن القود إذا لم يجب في القطع لم يجب في سرايته.

و أما القاطعان حال الحرية فعلى كل واحد منهما القود في القطع، و أما

____________

(1) الثانية خ ل.

38

القود في النفس فالأصح عندنا و عندهم أن عليهما القود في النفس، و حكى عن بعضهم أن القطع في الطرف عليهما دون القود في النفس و أما الواجب فهو الدية دية حر مسلم لأن الجناية إذا كانت مضمونة، فإذا سرت إلى النفس و هي مضمونة كان الاعتبار بحال الاستقرار، فهو حال الاستقرار حر مسلم، فكان فيه كمال الدية.

فإذا ثبت أن الواجب هو الدية، فعلى كل واحد من الجناة ثلثها، لأن النفس هلكت بجنايتهم، و قد وجب فيها الدية، فكانت عليهم أثلاثا: ثلثها على الجاني حال الرق، و الثلثان على من جنى حال الحرية.

و أما من يجب ذلك له، فان الواجب على من جنى حال الحرية لورثته لا يستحق السيد شيئا منه بحال، لأنهما جنيا على مال غيره، و لا يستحق على من جنى على غير ملكه شيئا بوجه، و أما الجاني حال الرق فقد جنى على ملك السيد و قد استقر عليه بهذه الجناية ثلث الدية.

و ما للسيد من هذا الواجب؟ قال قوم له أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلث الدية، و قال آخرون له أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية، و الأول أصح عندنا لأن الأول لما جنى عليه هو ملك للسيد، فلما جنى عليه آخران بعد العتق و ليس بملك للسيد، فكانت جنايتهما حال الحرية في حكم المعدومة في حق السيد إذ لا فرق بين عدمها و بين وجودها، و لا حق له فيها، و إذا كانت كالمعدومة كان الجاني حال الرق كالمنفرد بالجناية.

و لو انفرد بها ثم أعتق العبد ثم سرى إلى نفسه

كان على الجاني أقل الأمرين من أرش الجناية أو كمال الدية، فإذا شارك من لا حق للسيد فيه صار عليه الثلث، و كان هذا الثلث مع الآخرين ككل الدية معه وحده فأوجبنا عليه أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلث الدية، لأنه إن كان الأرش بأقل من ثلثها فلا شيء له في الزيادة و إن كان أكثر من ثلثها فما وجب على الجاني في ملكه إلا ثلثها فلا يستحق عليه أكثر منها.

فإذا أردت التفريع على هذا القول قابلت بين أرش الجناية و قدر ما يجب على

39

هذا الجاني من الدية، فجعلت للسيد الأقل منها، بيانه قطع الجاني حال الرق إصبعه و أرشها عشر الدية ثم أعتق فجنا آخران عليه حال الحرية ثم سرى إلى نفسه للسيد أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلث الدية.

فإن كان أرش الجناية حال القطع نصف القيمة مثل أن قطع يده فللسيد أقل الأمرين من أرش الجناية و هو نصف القيمة أو ثلث الدية، و إن كان أرش الجناية حال الرق كل قيمته مثل أن قطع يديه فللسيد أقل الأمرين من أرش الجناية و هو كمال قيمته أو ثلث الدية.

فإن كان أرش الجناية حال الرق أكثر من قيمته مثل أن قطع يديه و رجليه و اذنيه، فللسيد أقل الأمرين من أرش الجناية، و هو كل القيمة أو ثلث الدية، لأن الجناية متى وجب بها قيم كثيره فإنها إذا صارت نفسا كان الواجب فيها بدل النفس لا غير، و يدخل أرش الجناية في بدل النفس، فلهذا كان الواجب قيمة واحدة.

و معنى ما قلناه من أن الاعتبار بأرش الجناية لا بعدد الجناة إنما قصد به أنه يقابل بين أرش الجناية و ما لزمه من الدية، فيكون للسيد الأقل منهما، و إلا فلا بد من معرفة عدد الجناة لمعنى آخر، و هو أن يعلم بذلك حصة الجاني حال الرق، فان ذلك لا يعلم إلا بعد معرفة عدد الجناة.

فأما من قال عليه أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية قال لأنه لو جنى عليه جان و هو ملك للسيد، فلما أعتق جنى عليه آخران في غير ملكه كان كما و لو جنى عليه جان في ملكه و آخران في غير ملكه ثم مات عبدا مثل أن باعه السيد بعد جناية الأول فجنا الآخران عليه في ملك المشتري ثم مات كان عليهم قيمته على كل واحد ثلثها.

و هكذا لو جنى عليه الأول ثم ارتد ثم جنى عليه آخران و هو مرتد ثم مات كان على الجاني قبل الردة ثلث قيمته كما أن على الجاني حال الرق ثلث قيمته إذا مات عبدا.

فلو أعتق العبد بعد جناية الأول و جنى عليه آخران حال الحرية كان الواجب على الجاني حال الرق ثلث الدية فكان عليه ثلث القيمة إذا مات عبدا، و ثلث الدية

40

إذا مات حرا و وجب للسيد من ذلك أقل الأمرين من ثلث قيمته و ثلث الدية، لأنه إن كان ثلث القيمة أقل من ثلث الدية فلا شيء للسيد فيما زاد على ثلثه بالسراية حال الحرية، و إن كان ثلث الدية أقل مما وجب عليه بالجناية في ملكه فله ثلث الدية، فلا يلزمه أكثر مما وجب عليه بالجناية في ملكه.

فعلى هذا القول إذا أردت التفريع فلا تنظر إلى أرش الجناية قل أو كثر، و انظر إلى عدد الجناة، ثم انظر ما الذي يجب عليه إذا مات عبدا، فقابل بينه و بين ما يجب عليه إذا مات حرا، و اجعل للسيد الأقل منهما.

بيانه جنى جان حال الرق و آخران حال الحرية، للسيد أقل الأمرين من ثلث قيمته أو ثلث الدية جنى جان حال الرق و ثلثة حال الحرية للسيد أقل الأمرين من ربع قيمته أو ربع الدية. جان جنى حال الرق و تسعة حال الحرية للسيد أقل الأمرين من عشر قيمته أو عشر الدية فإذا ثبت هذا فعلى هذين القولين أجر المسائل كلها.

فأما إن كان بالضد من هذا، فكان عدد الجناة حال الرق أكثر: جانيان حال الرق و جان حال الحرية قال قوم للسيد أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلثي الدية و قال آخرون له أقل الأمرين من ثلثي القيمة أو ثلثي الدية.

ثلثة حال الرق و واحد حال الحرية قولان أحدهما للسيد أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلثة أرباع الدية، و الثاني له أقل الأمرين من ثلثة أرباع القيمة أو ثلثة أرباع الدية.

تسعة حال الرق و جان حال الحرية قولان أحدهما للسيد أقل الأمرين من أرش الجناية أو تسعة أعشار الدية، و الثاني له أقل الأمرين من تسعة أعشار القيمة أو تسعة أعشار الدية.

فإن اتفق العددان خمسة حال الرق و خمسة حال الحرية قولان أحدهما له أقل الأمرين من أرش الجناية أو نصف الدية، و الثاني له أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية، و هكذا لو جنى عليه جان حال الرق و جان حال الحرية

41

الباب واحد.

و قد يتيسر واحد القولين، و هو إذا اتفق أرش الجناية و قدر ما لزمه من الدية على وجه واحد، مثل أن كان أرش الجناية و ما وجب عليه من الدية نصف الدية فههنا لا تظهر الفائدة لأنك إن راعيت أرش الجناية كان و نصف الدية سواء، و إن راعيت نصف القيمة كان و نصف الدية سواء، بلى متى اختلفا ظهرت الفائدة.

الإمام عندنا لا يأمر بقتل من لا يستحق القتل لعصمته

، و أجاز الفقهاء ذلك بناء على مذهبهم، فأما خليفة الإمام فيجوز فيه ذلك، و الحكم فيهما سواء بلا خلاف، فيفرض في خليفة الإمام.

فإذا أمر خليفة الإمام رجلا بقتل رجل بغير حق نظرت

، فان كان المأمور عالما بذلك لم يجز له قتله، و لا يحل له أن يطيعه لقوله (عليه السلام) «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» فان خالف و قبل منه و أطاعه في قتله فعلى لقاتل القود و الكفارة، لأنه قد قتله جبرا، و الآمر لا قود عليه و لا كفارة، لكنه آثم بما فعل و عصا بلا خلاف.

و إن كان المأمور يعتقد أن قتله حق و أن الامام أو خليفته لا يقتل إلا بحق و أن طاعته فيما أمر به من هذا واجبة، فلا قود على المأمور عندهم، لأنه فعل ما هو عنده فرض و طاعة و على الآمر القود، لأن المأمور كالآلة، فإذا أمر بقتله فكأنه استعمل آلته في قتله، فكان عليه القود، و الولي بالخيار بين القصاص و العفو، و لم يذكر فيه خلاف، و الذي يقتضيه مذهبنا أن على المأمور القتل لأنه المباشر، للظواهر كلها.

فأما إن أكرهه على قتله فقال إن قتلته و إلا قتلتك لم يحل له قتله، و إن كان خائفا على نفسه، لأن قتل المؤمن لا يستباح بالإكراه على قتله، فان خالف و قتل فقد أتى كبيرة بقتل نفس محترمة، فأما الضمان فعندنا أن القود على القاتل و عند قوم منهم، و قال بعضهم: عليه و على الآمر القود، كأنهما باشرا قتله و اشتركا فيه.

فان اختار الولي قتلهما معا كان له، و إن عفا عنهما فعلى كل واحد منهما نصف الدية، و الكفارة، و قال آخرون على الآمر القود وحده، و على المكره نصف

42

الدية، فإن عفا الولي عن الامام فعليه نصف الدية، و على كل واحد منهما الكفارة فلا يختلف قول الفريقين أن الدية عليهما نصفين، و أن على كل واحد منهما الكفارة و فيه خلاف ذكرناه في الخلاف.

فأما الكلام فيمن خرج على الامام و دعا إلى نفسه و انفرد في منعة كالخوارج و الغلاة و البغاة، فالحكم فيه كالحكم في خليفة الإمام سواء حرفا بحرف.

و أما المتغلب باللصوصية، و هو من خرج متغلبا على موضع لقطع الطريق و اللصوصية، فإذا أمر غيره بقتل رجل ظلما فقتله المأمور، فإن علم المأمور أنه ظلم فالقود عليه بلا خلاف، و إن كان جاهلا أنه بغير حق، فالقود عليه أيضا دون الآمر بلا خلاف، لأن مخالفة طاعته و الهرب منه قربة، و إن أكرهه هذا اللص على قتل رجل فقتله فعندنا أن القود على القاتل مثل غيره، و قال قوم القود عليهما، و فيهم من قال: حكمه حكم الإمام إذا أكره غيره على قتل غيره بغير حق، و قد مضى، و فيهم من قال على قولين.

إذا كان له عبد صغير لا يعقل

، و يعتقد أن كل ما يأمره سيده فعليه فعله، أو كان كبيرا أعجميا يعتقد طاعة مولاه واجبة و حتما في كل ما يأمره، و لا يعلم أنه لا طاعة في معصية الله.

فإذا كان كذلك فإذا أمره بقتل رجل فقتله فعلى السيد القود، لأن العبد يتصرف عن رأى مولاه، فكان كالآلة له بمنزلة السكين و السيف، و كان على السيد القود وحده.

قالوا: أ ليس لو أمره بسرقة فسرق لا قطع على السيد؟ هلا قلتم مثله ههنا؟

قلنا الفصل بينهما من وجهين أحدهما أن القود يجب بالقتل بالمباشرة و بالسبب فجاز أن يجب القود بالأمر لأنه من الأسباب، و ليس كذلك القطع في السرقة لأنه لا يجب إلا عن مباشرة، و لا يجب بالسبب، فلهذا لم يكن هذا السبب مما يجب به القطع عليه.

و الثاني أن القود لما دخلت النيابة في استيفائه جاز أن يجب القود بالاستنابة

43

فيه، و القطع في السرقة لما لم يدخل الاستنابة فيه لأن المسروق منه لا يستنيب في قطع اللص بحال، فكذلك لم يجب القطع به بالاستنابة فيه، فبان الفصل بينهما.

هذا فصل الفقهاء، و الذي رواه أصحابنا أن العبد آلته كالسيف و السكين مطلقا، فلا يحتاج إلى ما ذكروه.

فأما إن كان هذا العبد بهذه الصفة مملوكا لغيره، و يعتقد أن أمر هذا الآمر طاعة في كل ما يأمره، فأمره بقتل غيره فقتله فالحكم فيه كما لو كان عبد نفسه، و القود على الآمر عندهم، و يقتضي مذهبنا أن القود على القاتل إن كان بالغا.

و أما إن أمره بقتله فقال اقتلني فقتله هدر دمه

، لأنه كالآلة له قتل نفسه بها، و إن قال له اقتل نفسك أيها العبد فقتل العبد نفسه، فان كان العبد كبيرا فلا ضمان على الآمر، لأن كل عبد و إن كان جاهلا يعلم أنه لا يجب عليه قتل نفسه بأمر غيره.

فان كان العبد صغيرا أو مجنونا لا يعقل، فقال له اقتل نفسك فقتلها، كان الضمان على الآمر، لأن الصغير قد يعتقد هذا حقا، فكان الصغير كالآلة للآمر، فكان عليه الضمان.

فأما إن كان المأمور حرا صغيرا لا يعقل أو كبيرا جاهلا، فأمره بقتل رجل فالقود على الآمر، لأنه كالآلة له، و إن قال له اقتل نفسك فان كان كبيرا فلا شيء على الآمر لما مضى، و إن كان صغيرا لا تمييز له فعلى الآمر القود، لأنه كالآلة في قتل نفسه.

هذا إذا كان المأمور لا يعقل لصغر أو جهالة مع الكبر فأما إن كان المأمور عاقلا مميزا إما بالغا أو صبيا مراهقا فأمره بقتل رجل فقتله فالحكم يتعلق بالمأمور، و يسقط الأمر و حكمه، لأنه إذا كان عاقلا مميزا فقد أقدم على ما يعلم أنه لا يجوز باختياره فان كان عبدا كبيرا فعليه القود، و إن كان صغيرا فلا قود، و لكن يجب الدية متعلقة برقبته.

و ما تلك الدية؟ فمن قال إن عمده في حكم العمد، فالدية مغلظة حالة في رقبته، و من قال عمدة في حكم الخطإ فالدية مخففة مؤجلة في رقبته، و عندنا أن

44

خطأه و عمده سواء.

و إن كان المأمور حرا فان كان بالغا فالقود عليه، و إن كان غير بالغ فلا قود، و وجبت الدية، فمن قال عمده عمد، قال: الدية مغلظة حالة في ماله، و من قال عمده خطأ، فالدية مخففة مؤجلة على العاقلة و هو مذهبنا.

فأما إن كان مراهقا عاقلا مميزا فأكرهه خليفة الامام على قتل رجل فقتله، فلا قود عندهم على المكره قولا واحدا، و هل على المكره؟ على قولين:

فمن قال عمد الصبي عمد فعلى المكره القود لأنه قتل عمد، فالمكره كأجنبى شارك الأب في قتل ولده، فعلى الأجنبي القود، و كذلك ههنا على المكره القود، و على المكره نصف الدية مغلظة حالة في ماله.

و من قال عمدة في حكم الخطأ قال لا قود على المكره لأنه شارك الخاطى لكن عليه نصف الدية حالة مغلظة، و على المكره نصف الدية مخففة مؤجلة على العاقلة.

و الذي يقتضيه عموم أخبارنا أن المراهق إذا كان جاز عشر سنين فإنه يجب عليه القود، و إن عمده عمد، و قد بينا أن الإكراه لا يصح في القتل فالقود ههنا عليه خاصة.

و أما إذا لم يكن عاقلا و لا مميزا فعمدة و خطأه سواء في الدية-:

فإذا انفرد بالقتل كانت على عاقلته الدية، و إن أكرهه غيره على ذلك ينبغي أن نقول إن الدية بينهما نصفان و لا قود، لأن فعل المكره كأنه فعل المكره و لا عقل له و لا تميز يمنعه منه، غير أنه لا يجب عليه القود لأنه شاركه فعل الخاطى.

إذا سقاه سما يقتل غالبا

فإن أكرهه على ذلك مثل أن أوجره إياه و صبه في خلقه، و ذكر أنه يقتل غالبا، فعليه القود، لأنه قتله بما يقتل به غالبا كالسيف و السكين و المثقل، و إن قال الساقي لا يقتل غالبا فان صدقه الولي فلا قود، و إن كذبه و أقام الولي البينة أنه يقتل غالبا فعليه القود، كما لو ثبت ذلك باعترافه، و إن لم يكن معه بينة و مع الساقي بينة أنه سم لا يقتل غالبا فلا قود عليه، و عليه الدية، لأن البينة إذا ثبتت لم يلتفت إلى قول الولي.

45

فان لم يكن مع واحد منهما بينة فقال الولي يقتل غالبا و قال الساقي لا يقتل غالبا، فالقول قول الساقي، لأنه اعترف بصفة ما سقاه، و لأن الأصل براءة ذمته، فان قالت البينة هذا السم يقتل النضو النحيف و الضعيف الخلقة، و لا يقتل القوى الشديد، فان كان المقتول نضوا فعليه القود، و إن كان قويا فلا قود و عليه الدية.

و إن كان السم يقتل غالبا و قال الساقي لم أعلم أنه يقتل غالبا قال قوم: لا قود عليه لأنه ذكر شبهة، و القود يسقط بالشبهة، و عليه الدية، و قال آخرون لا يقبل قوله و عليه القود و هو الأقوى عندي، لأنه قد فعل فعلا يقتل غالبا و قوله لم أعلم أنه يقتل غالبا لا يقبل قوله فيه.

فان كان السم يقتل غالبا فجعله في طعام، فان لم يكسر الطعام حدته و لم يعد له فهو كالسم البحت، و إن عد له و أخرجه عن القتل غالبا فلا قود.

هذا كله إذا أكرهه على أكله أو شربه، فأما إن لم يكرهه فان ناوله فشرب فان كان الشارب صبيا لا يعقل أو مجنونا أو أعجميا لا يعقل فناوله فشرب فمات فعليه القود.

فأما إن جعل السم في الطعام فأكله الغير لم يخل من أحد أمرين إما أن يجعله في طعام نفسه أو طعام غيره، فان جعله في طعام نفسه و أطعمه إياه، فإن قال هذا سم فأخذه و أكل، فلا ضمان على المطعم، سواء قال له فيه سم يقتل غالبا أو لم يقل لأنه هو المختار لقتل نفسه، فهو كما لو ناوله سيفا فقتل به نفسه.

و أما إن لم يعلمه فقدمه إليه أو ناوله فأكل منه، قال قوم عليه القود و هو الأقوى عندي، لأنه لم يختر شرب ذلك بدليل أنه لو علم به لم يأكله، و قال آخرون لا قود عليه، لأنه الذي أكله باختياره، فكان شبهة في سقوط القود عنه.

فمن قال عليه القود، فلا كلام، و من قال لا قود، قال عليه الدية بلا شبهة، لأنه مات بسبب كان منه بغير علمه، فأقل الأحوال وجوب الدية.

فأما إن جعل هذا الطعام المسموم في دار نفسه فدخل الغير فأكله، فلا ضمان على صاحب الطعام، لأن الآكل هو الذي تعدى بدخول دار غيره بغير أمره، فإذا هلك فلا ضمان على صاحب الدار كما لو دخل إليها فسقط في بئر فمات فلا ضمان.

46

فأما إن خلطه بطعام غيره ضمن صاحب الطعام لأنه أتلفه على مالكه، فان جعله في بيت مالكه و لا علم له بالسم فدخل بيت نفسه فوجد طعامه فأكله، فالأقوى عندي أن عليه القود، و قال قوم لا ضمان عليه بحال، و قال قوم لا قود و عليه الدية.

إذا كتفه و قيده و طرحه في أرض مسبعة فافترسه السبع فأكله

، فلا ضمان عليه لأنه بمنزلة الممسك و الذابح غيره، و لو أمسكه على غيره فقتله الغير فلا ضمان على الممسك.

و إذا رماه بين يدي السبع في فضاء أو رمى السبع بالقرب منه، فقتله السبع

، قالوا لا ضمان عليه لأن السبع يفر مما جرى هذا المجرى.

و يقوى في نفسي أن عليه الضمان في المسئلتين و إذا حبسه مع السبع في موضع من بيت أو بئر فقتله السبع فعليه القود، لأنه أضطره إلى قتله.

هذا إذا بقر بطنه أو قتله فأما إن جرحه جرحا فسرى إلى نفسه نظرت، فان كان جرحا يقتل غالبا فعليه القود، و إلا فلا قود عليه، و عليه الدية، لأنه بمنزلة الآلة، فهو كما لو تلبس هو بالجناية فإنه هكذا.

و أما الحية فان كتفه و ألقاه في أرض ذات حيات فقتلته فلا ضمان لما مضى، و إن ألقاه إلى حية أو ألقى الحية عليه فلا ضمان أيضا، و إن حاصره معها في مضيق فقتله قالوا لا قود، لأن الحية تهرب من الإنسان في مضيق غالبا، و يفارق الأسد، لأنه يقتل في المضايق غالبا، فبان الفصل بينهما، فأما إن أمسك حية فأنهشه إياها فلا فرق بين أن يضغطها أو لا يضغطها الحكم واحد، لأنها تعض سواء ضغظها أو لم يفعل ذلك.

فان قتله الحية فإن كانت تقتل غالبا مثل حيات السراة و الأصحر قرب الطائف و أفاعي مكة، و ثعبان مصر، و عقارب نصيبين، فعليه القود لأنها تقتل غالبا.

و إن كان لا يقتل غالبا مثل ثعبان الحجاز، و عقرب صغيرة، قال قوم لا قود لأنه لا يقتل غالبا و عليه الدية، و قال آخرون عليه القود لأنه من جنس ما يقتل غالبا و هكذا الحكم فيه إذا ألقمه أو أعضه إياه فجرحه الأسد فالحكم فيه كالحية سواء، لأنه جعله كالآلة.

47

إذا قتل مرتد نصرانيا له ذمة ببذل أو جزية أو عهد

، قال قوم: عليه القود، و قال آخرون لا قود عليه، سواء رجع إلى الإسلام أو أقام على الكفر، و يقوى في نفسي أنه إن أقام على الكفر أنه يجب عليه القود، و إن رجع فلا قود عليه فمن قال لا قود عليه قال عليه دية نصراني فإن رجع كانت في ذمته، و إن مات أو قتل في ردته تعلقت بتركته يستوفى منها، و الباقي لبيت المال عندهم، و عندنا لورثته المسلمين.

و من قال عليه القود، فان رجع إلى الإسلام فالقود بحاله، و ولي القتيل بالخيار بين القود و العفو، و أخذ الدية، فإن اختار القود قتله قودا، و كان مقدما على القتل بالردة، لأنه حق لآدمي، و إن اختار العفو قتل بالردة و كانت الدية في تركته و الباقي لمن ذكرناه.

فان جرح مسلم نصرانيا ثم ارتد الجارح

ثم سرى إلى نفسه فمات، فليس على المرتد قود، لعدم التكافؤ حال الجناية، و يفارق هذا إذا قتله و هو مرتد لوجود التكافؤ حال القتل.

فرع: فأما إن قتل نصراني مرتدا ففيها ثلثة أوجه:

قال قوم لا قود عليه و لا دية و قال آخرون عليه القود، فان عفا عنه فعليه الدية و هو الأقوى عندي، لأن المرتد و إن وجب قتله فإنما قتله إلى أهل ملته، و الامام، فإذا قتله غيره كان القود عليه، كمن وجب عليه القصاص، فان قتله غير ولى المقتول كان عليه القود.

و قال بعضهم عليه القود فإذا عفى عنه فلا دية أما القود فلأنه قتل من يعتقد مكافئا له، لأنه عاد عنده إلى دين حق فقد قتل من لا يجوز له قتله، فكان عليه القود و أما الدية فإنما يجب عليه بقتل نفس لها حرمة، و هذه لا حرمة لها، و الصحيح عندهم الأول، لأنه لا ضمان عليه بحال، لأنه مباح الدم لكفره، فإذا قتله نصراني فلا قود عليه كالحربي، و قد بينا أن الأقوى عندنا الثاني لقوله «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» و لقوله تعالى «الْحُرُّ بِالْحُرِّ» و ذلك على عمومه إلا ما خصه الدليل.

فأما من زنا و هو محصن فقد وجب قتله

، و صار مباح الدم، و على الامام قتله فان قتله رجل من المسلمين قال قوم عليه القود لأنه قتله من ليس إليه القتل، كما لو

48

وجب عليه القود فقتله غير الولي، و قال آخرون لا قود عليه و هو الأقوى عندي، لما روي أن رجلا قتل رجلا فادعى أنه وجده مع امرأته، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه القود، إلا أن يأتي ببينة، فأوجب عليه القود مع عدم البينة و نفاه مع قيام البينة.

و روي أن سعدا قال: يا رسول الله أ رأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتى بأربعة شهداء؟ قال: نعم، فدل على أنه إذا أتى بأربعة شهداء لم يمهله.

و في بعضها قال: يا رسول الله أقتله؟ قال: كفا بالسيف شا، أراد أن يقول شاهدا ثم وقف فقال: لا.

و روى على بن أبى طالب (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال لأبي بكر لو وجدت مع امرأتك رجلا ما كنت صانعا به؟ قال أقتله و قال لعمر: لو وجدت مع امرأتك رجلا ما كنت صانعا به قال أقتله، فقال لسهيل بن بيضاء لو وجدت مع امرأتك رجلا ما كنت صانعا به؟ قال أقول لها لعنك الله يا خبيثة، و أقول له لعنك الله يا خبيث، فقال رسول- الله (صلى الله عليه و آله و سلم): سهيل أراد التأول.

فموضع الدلالة أن النبي (صلى الله عليه و آله) أقر أبا بكر و عمر على ما قالا.

و روى سعيد بن المسيب أن رجلا من أهل الشام يقال له ابن خيبرى وجد مع امرأته رجلا فقتله و قتلها فأشكل على معاوية القضاء فيه، فكتب معاوية إلى أبى موسى الأشعري يسئل له عن ذلك على بن أبى طالب فقال على (عليه السلام): إن هذا الشيء ما هو بأرضنا، عزمت عليك لتخبرني، فقال أبو موسى الأشعري كتب إلى في ذلك معاوية، فقال على أنا أبو حسن و في بعضها: القود إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته.

و روى الشعبي قال غزا معنا رجل فاستخلف أخاه على امرأته فأتته امرءة فقالت له: هل لك في امرأة أخيك عندها رجل يحدثها؟ فنصب السلم فعلا على السطح و اطلع عليهما فإذا هي ينتف له دجاجة و هو يرتجز و يقول:

و أشعث غره الإسلام منى * * *خلوت بعرسه ليل التمام

أبيت على ترائبها و يمشي * * *على جرداء لاحقة الحزام

كأن مواضع الربلات منها * * *فئام ينظرون إلى فئام

49

قال فنزل فقتله و رمى بجيفته إلى الطريق، فبلغ ذلك عمر فقال أنشد الله عبدا عنده علم هذا القتيل إلا أخبرني، فقام الرجل فأخبره بما كان فأهدر عمر دمه، و قال أبعده الله، و أسحقه الله، قالوا إنما أهدر دمه لأنه علم صحته.

إذا أمسك رجلا فجاء آخر فقتله فعلى القاتل القود بلا خلاف

، و أما الممسك فان كان مازحا متلاعبا فلا شيء عليه، و إن كان أمسكه للقتل أو ليضربه و لم يعلم أنه يقتله فقد عصا ربه.

و روى أصحابنا أنه يحبس حتى يموت، و قال بعضهم يعزر و لا شيء عليه غيره و قال بعضهم إن كان مازحا عزر، و إن كان للقتل فعليهما القود.

و أما الرائي فلا يجب عليه القود عندنا و عند جماعة، و روى أصحابنا أنه يسمل عينه، و قال قوم يجب عليه القتل.

إذا جنى عليه جناية أتلف بها عضوا

مثل إيضاح رأس أو قطع طرف، فان كان بآلة يكون فيها تلف هذا العضو غالبا فعليه القود، و إن كان بآلة لا يقطع غالبا فهو عمد الخطأ، فلا قود، لأن الأطراف يجري مجرى النفس، بدليل أنا نقطع الجماعة بالواحد كما نقتل الجماعة بالواحد.

ثم ثبت أنه لو قتله بآلة يقصد بها القتل غالبا فعليه القود، و إن لم يكن القتل بها غالبا فلا قود فكذلك الأعضاء، و ذلك مثل أن رماه بحجر صغير فأوضحه، و كان هذا مما يوضح غالبا و لا يقتل غالبا، فان مات منه فالقصاص واجب في الموضحة، دون النفس، لأنا نعتبر كل واحد من الأمرين على طبقه.

إذا جنى على عين الرجل فان قلع الحدقة و أبانها و جعله نحيفا فعليه القود

لقوله «وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» و ليس للمجنى عليه أن يليه بنفسه، لأنه أعمى لا يرى كيف يصنع، فربما جنى فأخذ أكثر من حقه، لكنه يوكل فإذا و كل قال قوم له أن يقتص بإصبعه فإنه إذا لوي إصبعه و مكنها من الحدقة تناولها من محلها بسرعة، لأنه أقرب إلى المماثلة و منهم من قال لا يقتص بالإصبع، لكن بالحديد، لأن الحديد إذا عوج رأسه كان أعجل و أوحى من الإصبع، و هو الأقوى عندي.

50

و أما إن جنى عليها فذهب بضوئها، و الحدقة باقية بحالها

، مثل أن لكمه أو لطمه أو دق رأسه بشيء فنزل الماء في عينيه، فعليه القود في الضوء لأن ضوء العين كالنفس، و يصنع بالجاني مثل ما صنع من لكمة أو لطمة أو ما فعل به عندهم، لا لأن هذا فيه القصاص، لكنه به يستوفى القصاص.

فان ذهب البصر بذلك فلا كلام، و إن لم يذهب فإن أمكن أن يذهب به بعلاج كدواء يذر فيها، أو شيء يوضع عليها، فيذهب البصر دون الحدقة، فعل، فان لم يمكن ذلك قرب إليها حديدة محمية حتى يذهب بصره، فان لم يذهب و خيف أن يذهب الحدقة، ترك و أخذت دية العين لئلا يأخذ المجني عليه أكثر من حقه.

و الذي رواه أصحابنا في هذه القضية أن يحمى حديدة و يبل قطن يوضع على الأجفان لئلا يحترق، و تقرب منه الحديدة حتى تذوب الناظرة و تبقى الحدقة.

إذا قتل الصبي أو المجنون رجلا فلا قصاص على واحد منهما

لقوله (عليه السلام) «رفع القلم عن ثلثة عن الصبي حتى يحتلم، و عن النائم حتى ينتبه، و عن المجنون حتى يفيق، و يجب فيها الدية و ما تلك الدية؟ قال قوم: هو في حكم العمد، و قال آخرون هو في حكم الخطاء، و هو مذهبنا.

فمن قال في حكم العمد، قال الدية مغلظة حالة في ماله، و من قال في حكم الخطا على ما نذهب إليه، قال الدية مخففة مؤجلة على العاقلة.

و أما السكران فالحكم فيه كالصاحي، و أما من جن بسبب هو غير معذور فيه مثل أن يشرب الأدوية المجننة، فذهب عقله فهو كالسكران.

إذا قطع ذكر رجل و أنثييه فعليه القود فيهما

، لأن كل واحد منهما عضو له حد ينتهى إليه يقتص عليهما و يقطعهما مع تلك الجلدة، و أما الشفران فهما الأسكتان المحيطان بالفرج بمنزلة الشفتين من الفم، و هو للنساء خاصة، فظاهر مذهبنا يقتضي أن فيهما القصاص، و لا قود فيهما بحال عند قوم، لأنه لحم ليس له حد ينتهى إليه فهو كالأليتين و لحم العضد و الفخذ، و عضلة الساق، فكل هذا لا قصاص فيه، ففي الشفرين الدية، و في الذكر و الأنثيين القصاص، فان عفي ففي كل واحد منهما

51

كمال الدية في الذكر الدية، و في الأنثيين كمال الدية.

فإن كان المجني عليه خنثى مشكل له ذكر الرجال و فرج النساء، فقطع قاطع ذكره و أنثييه و شفريه، لم يخل حاله من أحد أمرين إما أن يصبر حتى يتبين أمره أو لا يصبر، فان صبر حتى بان أمره لم يخل من أحد أمرين إما أن يتبين ذكرا أو أنثى.

فإن بان ذكرا نظرت في الجاني فإن كان رجلا فعليه القود في الذكر و الأنثيين و حكومة في الشفرين، لأنهما من الرجل خلقة زائدة، و إن كان الجاني امرأة فلا قود عليها في شيء و لكن عليها في الذكر و الأنثيين ديتان، لأن هذا خلقة أصلية، و عليها حكومة في الشفرين لأنهما من الرجل خلقة زائدة.

هذا إذا بان رجلا فأما إن بان امرأة نظرت في الجاني، فإن كان رجلا فلا قود، لأن الذكر و الأنثيين منها خلقة زائدة، و هي من الرجل خلقة أصلية، و عليه فيهما حكومة و عليه في الشفرين الدية.

و إن كان الجاني امرأة فلا قصاص ههنا، لأنه لا قصاص في الشفرين، لكن عليها في الشفرين الدية، و في الذكر و الأنثيين حكومة.

هذا إذا صبر حتى بان أمره، فان لم يصبر لم يخل من أحد أمرين إما أن يطالب بالقصاص أو بالدية، فإن طالب بالقصاص فلا قصاص له، لأنا لا نعلم فيما وجب له القصاص، فإنه يحتمل أن يكون له القصاص في الذكر و الأنثيين، و يحتمل أن يكون أنثى فلا قصاص له بحال.

و إن قال أطالب بالدية لم يخل من أحد أمرين إما أن يطالب بالدية و يعفو عن القصاص، أو لا يعفو، فان طالب بها و عفا عن القصاص صح عفوه عن القصاص و اعطى من الدية اليقين: و هو دية الشفرين، لأنا نقطع أن حقه لا يقصر عنهما، و يعطيه حكومة في الذكر و الأنثيين، لأنه اليقين، فإن بان امرأة فقد استوفى حقه و إن بان رجلا بان أنه يستحق دية في الذكر، و دية في الأنثيين، و حكومة في الشفرين فيكمل ذلك له مع الذي استوفاه.

و أما إن قال أطالب بالدية و لا أعفو عن القصاص حتى يتبين الأمر، قلنا له لا دية لك مع بقاء القصاص، لأنه إن كان كل القصاص في الذكر و الأنثيين، فلا دية

52

لك في الشفرين فمن المحال أن يكون لك الدية مع بقاء القصاص.

فان قال إذا لم يكن لي دية فهل استحق أن آخذ حكومة ما أم لا؟ قال بعضهم لا يعطى شيئا بحال لأنا نجهل حكومة ماذا تستحق لأنه إن كان ذكرا فله حكومة الشفرين، و إن كان أنثى فله حكومة الذكر و الأنثيين، فإذا جهلنا الحكومة في ذلك فلا حكومة لك.

و قال آخرون و هو الأصح: إن له حكومة، لأن الجهل بعين الحكومة ليس جهلا بأن له حكومة، و أن حقه لا ينفك عن حكومة، سواء بان امرأة أو رجلا فعلى هذا يجب أن يدفع إليه حكومة.

فمن قال لا يدفع إليه فلا كلام، و من قال له حكومة فما هي؟ قال بعضهم: له حكومة ما قطع منه آخرا لأنه يكون تقويما بعد الجناية و التقويم بعد الجناية دون التقويم قبلها، و ليس بشيء و الصحيح أن يعطى حكومة الشفرين، لأنه أقل ما يأخذ حكومته، فإنها دون ذكر الرجل و أنثييه.

إذا قتل عمدا محضا ما الذي يجب عليه؟

قال قوم القتل أوجب أحد شيئين: القود أو الدية، فكل واحد منهما أصل في نفسه، فان اختار أحدهما ثبت و سقط الآخر و إن عفى عن أحدهما سقط الآخر فعلى هذا موجب القتل القود أو الدية.

و قال آخرون القتل أوجب القود فقط، و الولي بالخيار بين أن يقتل أو يعفو فان قتل فلا كلام، و إن عفا على مال سقط القود، و ثبتت الدية، بدلا عن القود، فيكون الدية على هذا بدلا عن بدل و على المذهبين معا يثبت الدية بالعفو سواء رضي الجاني ذلك أو لم يرض، و فيه خلاف.

و الذي نص أصحابنا عليه و اقتضته أخبارهم أن القتل يوجب القود و الولي بالخيار بين أن يقتل أو يعفو فان قتل فلا كلام و إن عفا لم يثبت الدية إلا برضا الجاني و إن بذل القود و لم يقبل الدية لم يكن للولي عليه غيره فان طلب الولي الدية و بذلها الجاني، كانت فيه الدية مقدرة على ما نذكره في الديات، فان لم يرض بها الولي جاز أن يفادي نفسه بالزيادة عليها على ما يتراضيان عليه.