تذكرة الفقهاء - ج1

- العلامة الحلي المزيد...
391 /
3

خطبة المؤلف

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ذي القدرة الأزليّة، و العزة الباهرة الأبدية، و القوة القاهرة القويّة، و النعم الغامرة السرمدية، و الآلاء الظاهرة السنية، المستغني بوجوب وجوده عن الاتصاف بالمواد و الصور النوعية، و المقدس بكمال ذاته عن المشاركة للأجسام و الأعراض الفلكية و العنصرية، ابتدع أنواع الكائنات بغير فكر و روية، و اخترع أجناس الموجودات بمقتضى حكمته العلية، مكمل نوع الإنسان بإدراك المعاني الكلية، و مفضل صنف العلماء على جميع البرية، و صلّى اللّه على أشرف النفوس القدسية، و أزكى الذوات المطهّرة الملكية، محمد المصطفى و عترته المرضية.

أما بعد: فإنّ الفقهاء (عليهم السلام) هم عمدة الدين، و نقلة شرع رسول رب العالمين و حفظة فتاوى الأئمة المهديّين، (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و هم ورثة الأنبياء، و الذين يفضل مدادهم على دماء الشهداء، و قد جعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) النظر إليهم عبادة، و المجالسة لهم سعادة، و اقتفاء أثرهم سيادة، و الإكرام لهم رضوان اللّه، و الإهانة لهم سخط اللّه (1)، فيجب على كل أحد تتبع مسالكهم، و اقتفاء آثارهم، و الاقتداء

____________

(1) ورد عن النبي و آله المعصومين (سلام اللّه عليهم أجمعين) الكثير من الأحاديث في فضل العلم و العلماء، و طلب العلم، نحو ما أشار إليه المصنف و غيره، أنظر: الكافي 1: 23- 57، بصائر الدرجات: 30، أمالي الشيخ الصدوق: 143، أمالي الطوسي 1: 69 و 87 و 2: 135، أمالي الصدوق: 58- 9، نوادر الراوندي: 11، العوالم 2: 125، البحار 1: كتاب العلم، و راجع: سنن ابن ماجة 1: 8- 223، سنن الترمذي 5:

48- 2682، كنز العمال 10: 130- 314 الأحاديث، الترغيب و الترهيب 1: 92- 133، مجمع الزوائد 1: 119- 202.

4

بهم في إيرادهم و إصدارهم، و اتّباعهم في إظهار شرع اللّه تعالى و إبانة أحكامه، و إحياء مراسم دين اللّه و إعلان أعلامه.

و قد عزمنا في هذا الكتاب الموسوم ب«تذكرة الفقهاء» على تلخيص فتاوى العلماء، و ذكر قواعد الفقهاء، على أحق الطرائق و أوثقها برهانا، و أصدق الأقاويل و أوضحها بيانا- و هي طريقة الإمامية الآخذين دينهم بالوحي الإلهي، و العلم الرباني، لا بالرأي و القياس، و لا باجتهاد الناس- على سبيل الإيجاز و الاختصار، و ترك الإطالة و الإكثار.

و أشرنا في كلّ مسألة إلى الخلاف، و اعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الانصاف، إجابة لالتماس أحب الخلق إليّ، و أعزّهم عليّ، ولدي محمد أمدّه اللّه تعالى بالسعادات، و وفقه لجميع الخيرات و أيده بالتوفيق، و سلك به نهج التحقيق، و رزقه كل خير، و دفع عنه كلّ شر، و آتاه عمرا مديدا سعيدا، و عيشا هنيئا رغيدا، و وقاه اللّه كلّ محذور، و جعلني فداءه في جميع الأمور.

و رتّبت هذا الكتاب على أربع قواعد، و اللّه الموفق و المعين.

5

[مقدمة التحقيق]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، و صلّى اللّه على نبيّه المصطفى و رسوله المسدد محمّد و على آله الطيبين الطاهرين.

و بعد: فإنّ من الحقائق الراهنة التي لا بدّ من التسليم بها: أنّ التراث الفقهيّ عند الشيعة الإماميّة يشكّل ثروة عظيمة، و الجهد المبذول في سبيله يتميّز بين فقه المذاهب الأخرى باتسامه بالموضوعيّة، و ابتعاده عن التحيّز و العصبية و تجاوز الواقعية، و لمراعاته الدقيقة لأصول البحث العلمي و الجدل الحر المنفتح على الآراء المختلفة لجميع المذاهب الإسلامية.

و إذا كان الكثير من المصادر الفقهية، و الموسوعات المتخصصة قد أصابها التلف و الضياع عبر العصور المتوالية بما جرى فيها من الظلم على طائفة الشيعة خاصة، و على عموم المسلمين نتيجة للكثير من الفتن المتلاحقة، و الحروب و الغزوات من قبل المغول و غيرهم، و السعي المحموم من قبل المراكز الأروبية من خلال الآلاف من المستشرقين و التجار الذين كانوا يجوبون الوطن الإسلامي الكبير بحثا عن المخطوطات النادرة و النفيسة لتنقل بصلافة و جرأة إلى المكتبات المتفرقة في اوربا بعيدا عن أصحابها

6

الشرعيين و الذين هم بأمس الحاجة إليها، مضافا الى حالات الإهمال و اللامبالاة الموجودة لدى البعض ممن توارثوا هذا التراث العظيم من خلال نسخه المخطوطة.

نعم إذا أدركنا كل هذه الحقائق فإنا سنجد أمامنا آفاقا واسعة تترجم الشكل العميق و الرصين لنشأة الكثير من المفاهيم و الأدلة الخاصة بالأدلة الشرعية الإجمالية لمفهوم الفقه الإسلامي بشكل عام، مع أن هناك أكثر من عشرة قرون تم خلالها تدوين هذا الفقه و ضبطه في مؤلّفات فقهية مختصرة و موسعة.

و أيا يكن فنحن من خلال بحثنا المختصر هذا سنحاول ان نستعرض و لو جانبا محددا عن ماهية الفقه و دوره المؤثر في تنظيم حياة البشرية، مستطرفين من خلالها الى شرح مبسّط عن المذاهب الفقهية الإسلامية وصولا الى صلب حديثنا عن الفقه المقارن، و ما كتب فيه، و ما هي ابعاده.

الفقه لغة و اصطلاحا

الفقه كما قد تتوافق على ذلك جميع المصادر لغويّا: بأنه العلم بالشيء و الفهم له.

فقد ذكر الجوهري في الصحاح: الفقه: الفهم. قال أعرابي لعيسى ابن عمر: شهدت عليك بالفقه.

تقول منه: فقه الرجل، بالكسر. و فلان لا يفقه و لا ينقه. و افقهتك الشيء (1).

____________

(1) الصحاح- فقه 6: 2243.

7

و جاء في القاموس المحيط: الفقه (بالكسر): العلم بالشيء و الفهم له و الفطنة، غلب على علم الدين لشرفه (1).

و في لسان العرب: الفقه: العلم بالشيء و الفهم له، و الفقه الفطنة (2).

و الى هذا المعنى أشار قوله تعالى في كتابه الكريم قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ (3) اي لا نعلم و لا نفهم حقيقة كثير مما تقول (4).

يقول ابن القيّم: و الفقه أخص من الفهم، و هو فهم مراد المتكلم من كلامه، و هذا قدر زائد على مجرد وضع اللفظ في اللغة، و بحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه و العلم.

و يقول الآمدي: الفهم عبارة عن جودة الذهن، من جهة تهيّئه لاقتناص كل ما يرد عليه من المطالب، و ان لم يكن المتصف به عالما، كالعامي الفطن (5).

و اما اصطلاحا فان كلمة الفقه في أول الأمر كانت تطلق على معارف الشريعة، حيث فسّر بذلك قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «ربّ حامل فقه الى من هو أفقه منه».

و بهذا المعنى فسّر قوله تعالى فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (6).

و كذلك قوله (صلى اللّه عليه و آله): «من يرد اللّه به خيرا يفقه في

____________

(1) القاموس المحيط 4: 289.

(2) لسان العرب 13: 522.

(3) هود 11: 91.

(4) تفسير الطبري 12: 64.

(5) الاحكام في أصول الأحكام 1: 7.

(6) التوبة 9: 122.

8

الدين».

إلّا ان التمايز التدريجي للمعارف الدينية المختلفة، و تبلور الشكل المستقل لهذا العلم، و استقلاله بقواعد و أحكام حيث انحصر بحدود الأحكام الشرعية الخاصة بأفعال المكلفين ادى الى خروج الفقه اصطلاحا عن حدود المعنى السابق ليدخل مرحلة أخرى من مراحل تطوره، و ليصبح له مدلوله المقتصر على الأحكام العملية، أي ما يسمى بالعبادات و المعاملات، و حيث يستمر في التطور و الترقي عند ما يتوسع الفقهاء في مدلول كلمة الفقه هذه، و ذلك عند ما شاع التقليد و أسس الفقهاء مدارسهم الخاصة و المستقلة، و ذات الاجتهاد المختص، فأصبحت هذه الكلمة تطلق على العلم بالأحكام الشرعية الفرعية العملية بطرقها المختلفة، أو المستمدة من الأدلة التفصيلية [1] و من خلال هذا الاستعراض الموجز يظهر بوضوح أن الفقه هو- تحديدا- العلم بالأحكام العملية دون الاعتقادية، و أن الاجتهاد يتأطر ضمن المواضع التي ليس لها أحكام قطعية تدل عليها النصوص الثابتة التي لا تحتمل خلافا، فلا يسمّى العلم بالضروريات فقها، و لا الاعتقاديات و لا الموضوعات الخارجية، بل يختص بالأحكام الفرعية الظنية المستنبطة.

بين الفقه و الفقهاء

لعل التأمل في المكانة التي يحتلّها الفقه و الفقهاء في نظر الشارع المقدس إليهما تظهر بوضوح عمق الأثر الذي لا يمكن الإعراض عنه في حياة البشرية جمعاء، و المسير الحثيث نحو الآخرة المطمئنة السعيدة.

____________

[1] في كتاب معالم الأصول (ص 66): و الفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية.

9

أجل أنّ للفقه و حملته مكانة عظيمة قد لا يرقى إليها شأن آخر، مهما علا، و لا غرو في ذلك، فالفقه يعدّ- بلا شكّ- القانون و المعيار الذي يستطيع من خلاله المسلم إدراك حقيقة عمله إحلال هو أم حرام، بل أ صحيح هو أم فاسد، و ما أدق و أعظم هذا الأمر في حياة المسلم.

و لذلك نجد الأحاديث المستفيضة التي تحتوي على جمل و كلمات عظيمة من الاطناب و الثناء تنهال على هذا العلم المقدّس و اهله.

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «من يرد اللّه به خيرا يفقّهه في الدين» (1).

و قال (صلى اللّه عليه و آله): «فقيه أشدّ على الشيطان من ألف عابد» (2).

و قال أيضا: «إنّ رجالا يأتونكم من أقطار الأرضين يتفقّهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا» (3).

و قال (صلى اللّه عليه و آله): «خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، و لا فقه في الدين» (4).

و قال (صلى اللّه عليه و آله): «خياركم أحاسنكم أخلاقا إذا فقهوا» (5).

و سئل (صلى اللّه عليه و آله): من خير الناس؟ فقال: «أفقههم في دين اللّه ..» (6).

____________

(1) أمالي المفيد 1: 158- 9، صحيح البخاري 1: 16، سنن الدارمي 1: 74، مسند احمد 1: 306.

(2) سنن الترمذي 5: 48- 2681.

(3) أمالي الطوسي 2: 92، سنن الترمذي 5: 30- 2650، سنن ابن ماجة 1:

92- 249.

(4) أمالي المفيد 1: 274- 5، سنن الترمذي 5: 49- 2684.

(5) مسند أحمد 2: 467.

(6) مسند أحمد 6: 68.

10

و قال (صلى اللّه عليه و آله): «أفضل العبادة الفقه.» (1).

و قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «من اتّجر بغير فقه فقد ارتطم في الربا» (2).

و قال (عليه السلام): «القرآن جعله اللّه .. و ربيعا لقلوب الفقهاء» (3).

و قال الامام الصادق (عليه السلام): «ليت السياط على رءوس أصحابي حتى يتفقّهوا في الحلال و الحرام» (4).

الفقه الإسلامي و نشأة المذاهب الفقهية

لقد كانت الحقبة الزمنية الممتدة من بدايات القرن الثاني و حتى منتصف القرن الرابع الهجري تقريبا مقطعا هاما، و انعطافا ملحوظا في تبلور و نشأة الكثير من الأفكار و الاطروحات العقائدية و الفكرية المختلفة على طول الأرض الإسلامية، و إن كانت تتبلور بشكل أوضح في بعض المدن الحساسة كبغداد مثلا، و التي أصبحت حاضرة كبيرة من حواضر الثقافة الإسلامية، ضاهت برفعتها، و خلال فترة قصيرة الكوفة و المدينة و دمشق.

و لا غرو في ذلك فان ذلك العصر كان شاهدا لعدّة من التغيرات الواضحة في البنية الفكرية و قواعدها المعروفة، لطروء الكثير من المؤثرات الداخلية و الخارجية الفاعلة، و التي وجدت في الكثير من مرابعها الاستعداد النفسي و الحضاري لتلقيها و التأثر بها، بل و بناء الجم الوفير من التصورات

____________

(1) الخصال: 30- 104.

(2) نهج البلاغة 3: 259.

(3) نهج البلاغة 3: 42.

(4) المحاسن: 229- 165.

11

استنادا و تأثّرا بالفعل الخاص بها.

فلقد توسعت الدولة الإسلامية، و ضربت بإطناب سلطتها في أصقاع بعيدة و قاصية من أرض المعمورة، و دخلت تحت ظل وجودها الكثير من الشعوب و القوميات المختلفة، بعقائدها و أفكارها الخاصّة و المعقّدة، بل و ذات العمق الحضاري الذي تضرب جذوره في أعماق سحيقة من التاريخ، و كان لا بدّ من أن تنبعث هذه الأفكار بشكل أو بآخر لتجد لها موطإ قدم على أرض الواقع المعاشي، و تلك حقيقة لا ينفيها العقلاء، فأوجدت هذه الحالة بعدين جديدين امام الفكر الإسلامي و قاعدته الواسعة:

1- البعد الأول: و يتمثل بقدرة الفكر الإسلامي على ردّ جميع الشبهات و الأفكار الدخيلة اعتمادا على قدرة هذا الفكر على التطور و الاستيعاب و إيجاد البدائل.

2- البعد الثاني: و يتمثل بالتأثر بشكل أو بآخر، بهذه الأفكار و تسرّ بها بأكثر من شكل و ستار الى البعض لتطرح من جديد بثوب إسلامي شرعي.

و لقد كان موقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) و اتباعهم يمثّل بوضوح الشق الأول بريادة الامام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)، حيث كان تأسيسه لمدرسته العلمية يمثل في أهم ابعاده السدّ الحائل أمام نفوذ الكثير من تلك الاطروحات الغريبة إلى داخل البنيان الإسلامي، و حاجزا أمام نشوء حالة الاختلاط المريب و التسرب البطيء الذي يشكل مع الأيام وجودا خطرا على عموم البنيان الإسلامي العظيم.

إنّ التأمّل اليسير في حجم التسرب الفكري و العقائدي الذي أصاب رواد الشق الثاني الذي أشرنا إليه آنفا يبيّن بوضوح عظم الأثر الذي تركته هذه المدرسة المباركة الكبرى.

ان هذا العصر كان شاهدا للكثير من التطورات و التغيرات المهمة

12

و الكبرى و على اصعدة واسعة و مختلفة تركت آثارها الواضحة على البناء الفكري و الثقافي للمجتمع الإسلامي، و من ذلك انتشار صناعة الورق ابان تلك الفترة الزمنية، فكان ذلك سببا مباشرا في سهولة الحصول على الكتب و المؤلفات التي كان يصعب الحصول عليها بعسر استنساخها على أوراق البردي أو الرق.

مضافا إلى ما شهده العصر العباسي الأول من اعتناء واسع بالترجمة عن الثقافات الأجنبية، و التي بدأت في عصر المنصور (ت 158 ه) و بلغت أوجها في عصر المأمون بعد أن أنشأ أبوه الرشيد دار الحكمة و جلب إليها الكتب من أنحاء المعمورة، و استقدم العديد من المتخصصين بالترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، و كان من نتيجة ذلك ان نشأت طبقة متضلعة بالترجمة عمدت الى تعريب الكثير من المؤلفات الرومانية و الفارسية و اليونانية و الهندية و غيرها، فواجه المفكر المسلم، و العامة من الناس ثقافات جديدة و غريبة، فتعاملوا معها كما أشرنا سابقا بين المد و الجزر.

و لعل من الحلقات الكبرى في هذا الوضع الجديد على الساحة الإسلامية، و الذي عمد الى استثمار الفرص الأخرى التي أشرنا إليها، هو نشوء الدولة العباسية، و استقرار دفة الأمور بيديها.

فبعد ان استقر المقام بالعباسيين على سدة الدولة الإسلامية، وجدوا ان من غير المنطقي استمرارهم في التمسك بالكثير من الشعارات التي تاجروا بها ردحا من الزمن، و اتخذوها وسيلة للوصول إلى قمة الهرم في الدولة الإسلامية، و حيث كانوا يدركون خطر الاستمرار في التمسك بها و الدعوة إليها على وجودهم و تربعهم على سدة الحكم.

و من أهم تلك الشعارات التي نادوا بها طويلا، و كانت العامل الأكثر حساسية في التفاف الكثير حولهم، هو شعار الدعوة لآل محمّد صلّى اللّه

13

عليه و عليهم، و الذي أكسبهم الكثير من الشرعية عند عموم المسلمين.

نقول بعد ذلك الأمر كان لا مناص امام الدولة العباسية و حكّامها الا البحث عن البدائل الأخرى، فعمدوا الى تقريب العلماء و المفكرين، لا لغرض علمي أو ديني كما يتوهّمه البعض أو يريد ان يصوره للآخرين، بل لغرض سياسي بحت، هو إضفاء صفة الشرعية على حكمهم، فكان ان ارتاد بلاطهم الكثيرون من المستجدين فتات موائدهم، بهدف إزواء فقهاء أهل البيت (عليهم السلام).

كما ان الدولة شخصت بشكل أو بآخر نمو الكثير من المذاهب و المعتقدات المختلفة لأغراض شتى متفاوتة، بين الجهل، و إضفاء صفة الحرص على العلم على دولتهم، و إيجاد البدائل الممكنة قبالة مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

بلى اننا عند ما نجزم بحقيقة توجه الدولة العباسية المعادي لخط أهل بيت النبوة (عليهم السلام) لا يعني ذلك مخالفتنا الفكرية و العقائدية لتطور الأفكار و نموها بقدر ما أردنا الإشارة إليه من تدبير خطير تعاهدته أيدي العباسيين بالرعاية و الاهتمام.

و لذا فان البذور الاولى لنشأة المذاهب الفقهية الإسلامية قد تكونت إبان حكم الدولة العباسية، و أخذت تشتد بمرور الأيام ثم تبيّن استقلالها و تفرقها بوضوح بعد تردي أوضاع هذه الدولة، و انقسام الحياة الفكرية العامة لدى المسلمين، و سعي تلاميذ أصحاب المذاهب الفقهية المختلفة الدؤوب في الدعوة الى مذاهبهم، بعيدا عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، و حيث بقي طوال تلك المدة عرضة للمطاردة و التنكيل، يقابله اعتناق البعض من الحكّام لمذاهب معيّنة و فرضهم على الساحة أن تكون خالية مما عداه من المذاهب الأخرى إلّا المذهب الذي يؤمن به.

14

المذاهب الإسلامية و أدلتها الشرعية

لعله من نافلة القول ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد رحل عن هذا العالم بعد السنين التي عاش فيها بين المسلمين، يتأملون عبادته من طهارة و صلاة و صوم و حج و غير ذلك فيتبعونه في ذلك، و يرجعون اليه فيما اختلفوا فيه أو شكّوا في صوابه، و اما ما يروى من الروايات المذكورة في مظانها من مفهوم الاجتهاد في عصره (صلى اللّه عليه و آله) فإنه كان لا يتجاوز عملية بذل الجهد لا كما أصبح عليه الآن مما يدل عليه اصطلاحا من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

كما اننا لا نتفق مع الرأي القائل بوقوع الاجتهاد من قبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كما ذهب الى ذلك الآمدي في الاحكام (1) و غيره، لان ذلك يتنافى صراحة مع قوله تعالى وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى.

و ما رواه أبو داود في سننه عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللّ(صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أريد حفظه، فنهتني قريش و قالوا: أ تكتب كل شيء تسمعه و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بشر يتكلم في الغضب و الرضا! فأمسكت عن الكتاب! فذكرت ذلك لرسول اللّ(صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: «اكتب، فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلّا حقّ» (2).

و لأنّ الاجتهاد كما نعلم يفيد الظّن، و قد اتفق على ذلك الجميع، و منهم الآمدي في الأحكام حيث قال: الاجتهاد مخصوص باستفراغ الوسع

____________

(1) الاحكام في أصول الأحكام 1: 398.

(2) سنن أبي داود 3: 334- 3446.

15

في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسن من النفس العجز عن المزيد فيه (1).

فإذا كان كذلك فلم كان (صلى اللّه عليه و آله) يتوقف في العديد من الأحكام حتى يرد عليه الوحي من قبل اللّه تعالى، و قد كان بإمكانه الاجتهاد في ذلك و عدم الانتظار؟ ثم إنّ في الاعتقاد بذلك مدخلا خطيرا يضعف القول القطعي بأن الشرع الذي جاء به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) هو من اللّه تعالى، كما أنّه يوهن الثقة المطلقة بأحكامه (صلى اللّه عليه و آله) طالما ان الاجتهاد محتمل الحالتين: الخطأ و الصواب، و ذلك منفي عن الرسول (صلى اللّه عليه و آله) قطعا.

نعم لقد رحل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و خلّف لأمته شيئين اثنين، جعلهما المرجع السليم لهذه الأمة عند الاختلاف، ألا و هما: كتاب اللّه عز و جل، و عترته أهل بيته (عليهم السلام)، بنصّ قوله (صلى اللّه عليه و آله): «إنّي تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر:

كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» (2).

إلّا أنّ أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لم يتخلفوا عن امتثال أمره حتى قبيل موته (صلى اللّه عليه و آله)، فكانت اولى هذه المسائل قضية الخلافة الشرعية عنه (صلى اللّه عليه و آله)، فخالفوا في ذلك النص الصريح، و الأمر الواقع، فكان في ذلك أول خروج عن الخطّ النبوي القويم، و أوضح انحراف عن الالتزام بالشق الثاني المتمثل بالثقل الآخر الذي خلّفه رسول

____________

(1) الاحكام 4: 396.

(2) سنن الترمذي 5: 662- 3786 و 663- 3788، مسند أحمد 3: 17 و 5: 181، مستدرك الحاكم 3: 109 و 148، أسد الغابة 2: 12.

16

اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لأمته من بعده.

و مع توالي الأيام و السنون، توالت الاختلافات، و تباعدت الآراء، كل يجتهد برأيه قبالة الرأي الصريح لأهل بيت العصمة (عليهم السلام)، و لو رجعوا إليهم لانهالت عليهم البركات من فوقهم و من تحت أرجلهم، و لكن ابتعدوا فتفارقوا و اختلفوا.

و رب سائل عن أسباب هذه الاختلافات في الكثير من الأحكام الفقهية الخاصة بالمسائل العبادية و الحياتية، رغم لزوم ان تتفق على أمر واحد لأنها تصدر من مشكاة واحدة و مصدر واحد معيّن؟؟! فالجواب: أنّ اللّه تبارك و تعالى لم يكن ليدع الأمة حيرى تخبط العشواء، لا تهتدي إلى سبيل، و لا تأوي إلى مأمن، أ ليس هو الحكيم الخبير، و اللطيف الرحيم؟ انّا نعتقد أن لا يقول بذلك عاقل، أو من وهبه اللّه نورا يستضيء به.

إنّ الأئمة المعصومين من أهل بيت النبوة (عليهم السلام) كانوا هم سبيل نجاة الأمة من هذا التخبّط و الاختلاف، لأنهم يمثّلون الامتداد الحقيقي للنبوة، و حاملو أعباء ديمومتها، فلذا لا حيرة و لا اضطراب و لا اشتباه لمن تمسك بحبلهم و مشى في ظلهم و أبصر بنورهم و لكن أبت هذه الأمة إلّا ان تعرض عن هذا الصراط الواضح، و الامتداد المأمون للصراط المستقيم، فكانت هذه الاختلافات التي يجب أن لا تكون، و تفرّقت بالمسلمين السبل و الأهواء.

و عند ما نتحدث عن الاختلاف لا يسعنا إلّا ان نضع أصابعنا على الجرح الحقيقي، و موطن الداء الوبيل الذي أدى الى حدوث هذه الظاهرة التي أشرنا إليها في بداية حديثنا.

إنّ الأمّة و بعد ابتعادها عن أهل بيت نبيها عليه و (عليهم السلام) و اتكالها

17

على أدواتها القاصرة عجزت عن الوصول إلى الغاية الشرعية المطلوبة من خلال محاولتها استنباط الحكم الشرعي السليم و الصائب، و لعل مرجع ذلك الى مجموعة من الأمور، و لعل عدم الإحاطة الشاملة و الإلمام الدقيق بحديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و سنّته يحتلّ المجال الأوسع و الأكبر في ميدان هذا الاضطراب الحاصل و الغريب.

فالمطالعة المتأملة لتاريخ الصدر الأول من الحكم الإسلامي، و بعد وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و حيث ينبغي ان تكون الصورة أوضح لاتصال العهدين، تكشف لنا تلك المطالعة العكس من ذلك، حيث يبدو الاضطراب واضحا في تبيّن جملة الحقائق المرادة.

فقد روي مثلا عن أبي بكر أنّه سئل ابان خلافته عن ميراث الجدة؟

فلم يهتد إلى الإجابة! و لم يجد بدّا عن الرد على ذلك السائل بقوله: مالك في كتاب اللّه من شيء، و ما علمت لك في سنّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من شيء، و لكن اسأل الناس!! و الواقعة مشهورة، حيث قيل إنّه اندفع الى المسلمين يسألهم عن ذلك فقام بعض الصحابة فشهدوا أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أعطاها السدس، فقضى أبو بكر بذلك (1).

و مثل ذلك روي عن عمر بن الخطاب حيث جهل أنّ المرأة ترث من دية زوجها (2)، بل و لم يكن يعلم سنّة الاستئذان (3)، و لا حكم دية الأصابع (4).

و إذا كان ذلك هو حال كبار صحابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فما حال صغار الصحابة أو التابعين، و الذين يعتمدون في الكثير من أحكامهم

____________

(1) سنن أبي داود 3: 121- 2894، سنن الترمذي 4: 420- 2101.

(2) سنن الترمذي 4: 425- 426- 2110.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 1: 182، الدر المنثور 6: 93.

(4) سنن البيهقي 8: 93.

18

على رأي أولئك و اجتهاداتهم.

و الأنكى من ذلك ان الكثير من الصحابة قد انتشروا في بقاع الأرض الإسلامية و أخذ كل واحد منهم يحدّث بما يراه صحيحا أو يعتقد أنّه كذلك، حتى اختلط السقيم بالسليم.

هذا الأمر يمثّل الجانب الأول الذي أوجد صورة مشوشة عن سنّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و هذا ما سلمت منه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) حيث أنّ كل علومهم تصدر عن معدن الرسالة بطرق أمينة موثوقة.

و المشكلة الأخرى التي واجهها المسلمون عند ما انفردوا برأيهم عن أهل بيت نبيهم هو اختلافهم في فهم النصّ و تفسيره و على ذلك شواهد كثيرة و متكررة، و إذا كنا قد أشرنا في أول حديثنا الى ما يختص بالصدر الأول من الحكم الإسلامي، فإنّ من جاء بعد ذلك، و كنتيجة منطقية لواقع الحال كان الاضطراب أبين و أوضح، و مثال ذلك تفسيرهم للحكم الشرعي الواقع على زكاة الخليطين، حيث اختلفوا في ذلك بشكل واسع، فقد ذهب الشافعي الى أنّ الخليطين- فيما إذا كان كل واحد منهما يملك دون النصاب، و إذا خلطا ماليهما بلغا النصاب- إذا كانا من أهل الزكاة يزكّيان زكاة الرجل الواحد إذا استجمعت الخلطة شروطها (1)، محتجا على ذلك بما ورد في حديث الصدقة «لا يجمع بين متفرّق و لا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة، و ما كان من خليطين فإنها يتراجعان بينهما بالسوية» (2).

حيث فسر صدر قوله (صلى اللّه عليه و آله) بالخلطاء يملكون مائة و عشرين شاة، فإذا زكيت مجتمعة كان عليها واحدة، و إذا زكيت متفرقة و كانوا ثلاثة يملك كل واحد أربعين، فيجب حينذاك ثلاث شياه، فلا يفرّق بين

____________

(1) مغني المحتاج 1: 376.

(2) صحيح البخاري 2: 122.

19

المجتمع، و يجب فيها شاة واحدة. و برجلين يملك أحدهما مائة شاة، و الآخر مائة و واحدة، فالزكاة عليهما شاتان مفترقتين و ثلاث مجتمعين، فلا يجمع بينهما، بل يزكي كل واحد ماله على حدة.

و فسّر ذيل حديثه (صلى اللّه عليه و آله) المتقدم: بأن يكون للرجلين مائة شاة، و تكون غنم كل واحد منهما معروفة، فتؤخذ الشاة من غنم أحدهما، فيرجع المأخوذ منه الشاة على خليطه بنصف قيمة الشاة المأخوذة عن غنمه و غنمه، إذا كان عدد غنمهما واحدا.

فإذا كانت الشاة مأخوذة من غنم رجل له ثلث الغنم، و لشريكه ثلثاها، رجع المأخوذ منه الشاة على شريكه بثلثي قيمة الشاة المأخوذة عن غنمه و غنم شريكه، لان ثلثيها أخذا عن غنم شريكه، فغرم حصة ما أخذ عن غنمه (1).

و وافقه في ذلك أحمد، إلّا ان الحنفية خالفوهم في ذلك، فذهبوا الى أنّ الخلطة ليس لها تأثير في نصاب الزكاة، فلا يجب على واحد من الخلطاء الا ما كان يجب عليه قبل الخلطة، و فسّروا صدر قوله (صلى اللّه عليه و آله) ذاك: بأنه لا يجمع بين مفترق في الملك، لا في المكان بان يملك رجل أربعين و آخر أربعين، فلا يجمع بينهما ليؤخذ منهما شاة، و بالرجل يكون في ملكه نصاب، فلا يفرق حتى تجب عليه الزكاة.

و بالرجل يكون في ملكه ثمانون، فلا تفرق حتى يجب عليه شاتان.

و اما ذيل قوله (صلى اللّه عليه و آله) ففسروه بالشريكين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية (2).

و اما مالك فقد ذهب في الموطأ الى ان الخليطين تجب الزكاة في

____________

(1) الأم 2: 14.

(2) انظر: المبسوط (للسرخسي) 2: 154، نيل الأوطار للشوكاني 4: 139، و بداية المجتهد لابن رشد 1: 263.

20

ماليهما معا، شريطة ان يكون كل واحد منهما يملك في أول الأمر ما تجب فيه الزكاة، و فسر قوله (صلى اللّه عليه و آله) تفسيرا آخر (1).

و هكذا هو حال غير ذلك من النصوص، فراجع.

و اما العلة الأخرى الواضحة التي أدت بهم إلى الاضطراب في تحديد الحكم الشرعي الموحد فإنه يعود الى حيرتهم أمام الاشتراك اللفظي للكثير من المفردات اللغوية العربية في الدلالة على المعنى.

و لقد كان هذا الاشتراك سببا واضحا في إيجاد الاختلاف الكبير بين الفقهاء في الكثير من الأحكام الفقهية المختلفة، حيث تضاربت آرائهم في تقدير مراد الشارع المقدس من تلك الألفاظ، و لذلك شواهد كثيرة في كتب القوم الفقهية لا يسعنا المجال لإيرادها و مناقشتها، و من ذلك حيرتهم في تحديد عدة الحائض من قوله تعالى وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (2) استدلالا بكلمة القرء و اشتراكها اللفظي بين الطهر و الحيض، فراجع.

و كتحديدهم لوقت الذبح في الأيام المعلومات الواردة في قوله جلّ اسمه لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ (3) حيث اختلفوا في تحديد اليوم لورود استعماله في اللغة بما يشمل الليل، أو يختص بالنهار.

و كذا فإنهم اختلفوا في جواز أكل المحرم من لحم صيد البر استنادا الى ما ورد من قوله تعالى وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً (4) لورود

____________

(1) انظر الموطأ 1: 263- 264.

(2) البقرة 2: 228.

(3) الحج 22: 28.

(4) المائدة 5: 96.

21

اسم الصيد في اللغة بما يخصّ الاصطياد في جانب، في حين يقع هذا الاسم أيضا على المصيد. و مثل ذلك في حكم مباشرة المرأة وقت الحيض فيما دون الفرج، و وقوع الطلاق بانتهاء مدة الإيلاء، و غير ذلك.

و ظاهرة اختلاف القراءات شكّلت مشكلة حساسة و دقيقة في اضطراب الكثير من الاحكام و تعارضها، و لعلّ من أبين الحالات هو الاختلاف الحاصل في تفسير مراده تعالى من آية الوضوء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1).

الى غير ذلك من العوامل المؤثرة في إيجاد هذا التفاوت البيّن في معرفة الحكم الشرعي، و ما يترتب عليه من تعارض واضح، و تفاوت مشهود في إشكال الأعمال العبادية المختلفة بين أبناء الدين الواحد، و التي من أوضحها تعارض الأدلة، و عدم وجود النصّ في واقعة معينة و غيرها.

و ان هذا الافتراق الذي قد تتفاوت درجاته، و تصل الى حدّ الحرمة، من خلال اختلاف النظرة الواضحة في أدلة الأحكام الشرعية من قبيل المسائل التعبدية التي يبتلى بها المسلمون في كل عصر و أوان و مكان، يشكّل بلا شك غصة مرة في الحلوق لا مناص من الإقرار بوقوعها كأمر واقع، و هي تشكل في واقعها مؤشرا واضحا لحصول ابتعاد هذه الأمّة عن البحر الزاخر الذي خلّفه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لهذه الأمة، ذلك البحر ذي المنهل العذب الذي لا يبخل على روّاده و لا يعجز عن إروائهم ما بلغوا.

لقد تعددت المذاهب الإسلامية، و تفرّقت في ذلك السبل، فهي تتفق حينا و تختلف أحيانا، و نرى ذلك بوضوح من خلال التأمل المتأني لمفردات

____________

(1) المائدة 5: 6.

22

و دقائق الأمور.

و لقد أفرد علماء و فقهاء تلك المذاهب الموسوعات الكثيرة و الواسعة، و التي قد يصل البعض منها الى خمسين مجلدا، تحتوي على جملة واسعة من الآراء الفقهية، و الأحكام الشرعية الخاصة بذلك المذهب، و التي قد تختلف اختلافا جوهريا مع الرأي المقابل للمذهب الآخر في كثير من وقائعه، و سنحاول في هذه العجالة ان نلقي نظرة عابرة على كتب الفرق الإسلامية الفقهية و مؤلفيها.

1- المذهب الشافعي:

يعد كتاب «الأم» للشافعي المصدر الاساسي و الأول لكل الفقه الشافعي، حيث ضمّنه جميع أبواب الفقه المعروفة.

و للشافعي أيضا كتب أخرى ألف البعض منها في العراق و فيها آراؤه القديمة، و البعض الآخر في مصر تتضمن الآراء و الأفكار الجديدة له.

و لعل من أهم تلك الكتب «الرسالة» و «جماع العلم» الذي يعد من أهم الدراسات التي كتبها في الردّ على أعداء السنّة في عصره، و كذا كتاب «الإملاء الصغير» و «الأمالي الكبرى» و غيرها.

و بعد الشافعي، كتب تلاميذه و فقهاء المذهب كتبا كثيرة، لعل أهمها:

1- مختصر المزني لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني (ت 264 هجري)، و هو أول من صنّف في مذهب الشافعي، و كتابه المختصر من أهم مصنفاته.

2- المهذب لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت 476 ه)، و للمهذب شروح كثيرة أهمها المجموع للنووي.

23

3- التنبيه في فروع الشافعية للشيرازي صاحب المهذب، و عليه شروح كثيرة.

4- نهاية المطلب في دراية المذهب للجويني عبد الملك بن عبد اللّه (ت 478 ه) و هو من كتب الفقه المقارن.

5- البسيط في فروع الفقه لأبي حامد الغزالي (ت 505 ه).

6- الوسيط في فروع المذهب للغزالي، و هو مختصر للبسيط، حذف فيه الأقوال الضعيفة و الشاذة.

7- الوجيز في فقه الامام الشافعي للغزالي.

8- المحرر لأبي قاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي (ت 623 ه)، مقتبس من كتاب الوجيز للغزالي، عليه شروح كثيرة أهمها «كشف الدرر في شرح المحرر» لشهاب الدين الحصكفي (ت 985 ه).

9- فتح العزيز في شرح الوجيز لصاحب المحرر، شرح فيه الرافعي كتاب الوجيز للشافعي.

10- المجموع لأبي زكريا محيي الدين النووي (ت 676 ه).

و للنووي أيضا مؤلفات اخرى أمثال الروضة في الفروع، و منهاج الطالبين، و هو اختصار لمحرر الرافعي.

و على منهاج الطالبين شروح كثيرة لعل أهمها: أ- تحفة المحتاج لشرح المنهاج لابن حجر الهيثمي (ت 974 ه). ب- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للخطيب الشربيني (ت 977 ه). ج- نهاية المحتاج الى شرح المنهاج لابن حمزة الرملي (ت 1004 ه).

و كذلك فان من المتون المهمة المعتبرة في المذهب الشافعي هو متن أبي شجاع لأحمد بن الحسين أبو شجاع الأصفهاني (ت 593 ه) و عليه شروح كثيرة.

24

2- المذهب الحنبلي:

يعد كتاب «المسند» لأحمد بن حنبل من أهم المسانيد المؤلفة، الا انه ليس لأحمد كتاب فقهي يعوّل عليه، بل ان الفقهاء هم الذين كتبوا في المذهب فأكثروا، و لعل من أهم تلك المصنفات:

1- مختصر الخرقي لأبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي، و هو أول كتاب فقهي في فقه احمد بن حنبل، و عليه شروح عديدة أهمها كتاب المغني لابن قدامة.

2- التذكرة لأبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي (ت 513 ه).

3- الهداية لأبي الخطاب الكلوذاني (ت 516 ه).

4- المستوعب لمحمد بن عبد اللّه السامرّي (ت 610 ه).

5- و لموفق الدين بن قدامة المتوفّى سنة (620 ه) عدة كتب في الفقه الحنبلي: أهمها و أوسعها كتاب المغني، و موجز و هو كتاب المقنع، و متوسط بين الإطالة و الاختصار و هو كتاب الكافي.

و لاهمية ابن قدامة عند الحنابلة أصبحت كتبه موردا للبحث و التدريس، بل و أصبحت مؤلفاته و شروحها هي المتون المعتمدة في الدراسات العلمية.

6- المحرر لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي القاسم بن تيمية (ت 652 ه)، و على هذا الكتاب شروح و حواشي متعددة.

7- الفتاوى لابن تيمية و هي موسوعة كبيرة بلغت اجزاؤها 37 جزءا.

8- الفروع لابن مفلح، و الذي استدرك عليه سليمان المرداوي (ت 885 ه) بما اسماه (تصحيح الفروع).

9- الإقناع في فقه الامام احمد بن حنبل لموسى بن أحمد المقدسي

25

(ت 968 ه).

10- منتهى الإرادات لابن النجار (ت 972 ه)، جمع فيه بين «المقنع» لابن قدامة، و «التنقيح» للمرداوي.

3- المذهب المالكي:

المعروف ان مالك بن انس امام المذهب المالكي لم يدون ما يعرف بأصول هذا المذهب، و كذا قواعده الشرعية في الاستنباط، الا ان كتاب الموطأ يعد أهم اثر علمي تركه، و هو كتاب حاو على الحديث و الفقه، و حيث يعد المصدر الأول الذي يعول عليه عند المالكية و قد تتلمذ على يديه عدد غفير من طلبة العلم الذين أصبحوا من بعده القواعد الاساسية التي يرتكز عليها هذا المذهب، و قد ألف في هذا الاتجاه جملة من الكتب المحددة لأصول المذهب المالكي و فقهه، و التي أهمها:

1- الشروح الخاصة بكتاب الموطأ لمالك و التي أهمها:

أ- التمهيد لما في الموطأ من المعاني و الأسانيد لابن عبد البر الأندلسي (ت 463 ه).

ب- الاستذكار لمذهب الأنصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي و الآثار، لابن عبد البر أيضا.

جالمنتقى لابن الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت 474 ه).

د- تنوير الحوالك على موطإ مالك لجلال الدين السيوطي (ت 911 هجري).

هشرح الزرقاني على موطإ الامام مالك لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني المصري (ت 1122 ه).

2- المدونات التي كتبت في القرن الثالث الهجري و التي تعرف

26

بالأمهات، و هي:

أ- مدونة سحنون الاسدية، و التي دونها أسد بن فرات تلقيا عن ابن القاسم أشهر تلاميذ مالك، و الملازم له نحو عشرين عاما، الا انه أعاد النظر فيها، تهذيبا و اضافة و ترتيبا، فأصبحت الأخيرة محط أنظار المالكية دون الاولى.

ب- الواضحة في السنن و الفقه لعبد الملك بن حبيب (ت 238 ه).

جالمستخرجة العتبية على الموطأ لمحمد العتبى (ت 254 ه).

د- الموازية لابن المواز (ت 281 ه).

فهذه المدونات تعد المصدر الأساس الذي يعول عليه الفقه المالكي.

3- المختصرات و المتون، و من أهمها:

أ- رسالة ابن أبي زيد القيرواني، و هي اختصار لمدونة سحنون، و لهذه الرسالة شروح كثيرة أهمها الشرح الخاص بأحمد بن عيسى المعروف بزروق (ت 899 ه).

ب- مختصر الشيخ خليل، و هو اختصار لما كتبه ابن الحاجب المختصر بدوره لما كتبه البرادعي الذي كان من أصحاب أبي زيد، و الذي كان ما كتبه اختصارا لرسالة القيرواني.

و يعد هذا المختصر الكتاب المعتمد عند المالكية، و عليه شروح كثيرة أهمها:

1- مواهب الجليل لشرح مختصر الشيخ خليل لأبي عبد اللّه محمد ابن محمّد المكي (ت 954 ه).

2- شرح الزرقاني على مختصر خليل لعبد الباقي الزرقاني (ت 1099 ه).

27

3- الخرشي على مختصر سيدي خليل للخرشي (ت 1101 ه).

4- الشرح الكبير على مختصر سيدي خليل للدردير (ت 1201 ه).

و على هذا الشرح حاشية مشهورة تعرف بحاشية الدسوقي لمحمد بن احمد ابن عرفة (ت 1230 ه).

4- المذهب الحنفي:

تعد كتب ظاهر الرواية لمحمد بن الحسن الشيباني (ت 189 ه).

المصدر الأول للفقه الحنفي، و قد اختصر هذه الكتب الحاكم محمد بن أحمد المروزي (ت 334 ه) في كتابه المعروف بالكافي، بعد حذفه للمكرر منها.

و لعل من أهم كتب الحنفية:

أ- المبسوط لأبي بكر السرخسي (ت 483 ه).

ب- تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندي (ت 575 ه).

جبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (ت 587 ه).

كما ان هنا خمسة متون مهمة تشكل المحور الأساس للدراسات العلمية في المعاهد الحنفية الموجودة، و هي:

أ- مختصر القدوري لأبي الحسين أحمد بن محمد القدوري (ت 428 ه).

ب- الوقاية لبرهان الشريعة لمحمود بن احمد المتوفى في حدود (673 هجري).

جالمختار لأبي الفضل الموصلي (ت 683 ه).

د- مجمع البحرين لابن الساعاتي (ت 694 ه).

هكنز الدقائق للنسفي (ت 710 ه).

28

و هكذا، و من خلال هذا العرض المختصر لنشأة المذاهب الفقهية المختلفة، و مرورنا العابر على البعض من كتب تلك الفرق، و تبلورها حول أئمة خاصة بها، تفردوا بجملة من الآراء و الأصول الفقهية، أو وافقوا الآخرين في البعض الآخر منها،

و كانت الشيعة الإمامية،

و هم اتباع أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، و حيث أخذوا فقههم منهم، قد اعتمدوا المصادر التالية في استخراجهم للأحكام الشرعية التي يتعبدون بها، و هي:

1- الكتاب، و هو القرآن الكريم الذي جاء به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من لدن حكيم خبير بواسطة جبرئيل الأمين (عليه السلام).

2- السنة الشريفة المطهرة، و هي:

أ- أقوال المعصوم المتمثلة بأوامره و نواهيه و تعليماته (عليه السلام).

ب- أفعاله و اعماله التي اتى بها (عليه السلام)، المشعرة بإباحتها، إلّا إذا كان قد اتى بها بعنوان الوجوب أو الاستحباب فتدخل ضمنه، ما لم يكن قد اتى بها لتخصصها به دون غيره.

جتقريراته (عليه السلام).

و نقصد بالمعصوم (عليه السلام) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمة المعصومين من ذريته (عليه السلام).

3- الإجماع، و حجية الإجماع عند الشيعة إنّما هي لأجل كونه موصلا الى قول المعصوم (عليه السلام) في المجمعين، و لهم في استكشاف ذلك طرق و مباني مبيّنة في محلها.

4- ما ثبت حجيته بهما كالاستصحاب- و هو في اصطلاح الأصوليين: اعتبار متيقن الوجود أو ما بحكم المتيقن باقيا عند الشك في زواله- بناء على كون حجيته من الاخبار لا من العقل، كما هو معروف.

5- الأدلة العقلية، كالبراءة العقلية و غيرها مما ثبتت حجيتها بالعقل،

29

و يسمى بحكم العقل، و يراد به الإدراك العقلي الموصل الى الحكم الشرعي، و ينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى العلم بالحكم الشرعي.

و في الطرف الآخر نجد أنّ المذاهب الفقهية الأخرى- غير الشيعة الإمامية- قد اعتمدوا جملة من مصادر التشريع و أدلتها يمكن أن تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

القسم الأول: الأدلة المتفق عليها بينهم، و هي: الكتاب، و السنة، و الإجماع، و القياس.

القسم الثاني: الأدلة المختلف فيها، و لعل أهمها:

1- مذهب الصحابي.

2- إجماع أهل المدينة.

3- المصالح المرسلة.

4- الاستصحاب.

5- العرف.

6- الاستقراء.

7- الاستحسان.

و تتفاوت المذاهب الإسلامية في قبول هذه الأدلة أو ردها، و التعرض لتفصيل المناقشة حول هذه الأدلة و بحثها لا تستوعبه هذه الصفحات القليلة.

إلّا ان هذا التفاوت في اعتماد جملة الأدلة التي أشرنا إليها من كلا الفريقين، كان يعني- و على أدنى تقدير- جملة لا بأس بها من الاختلافات الواضحة في استنباط الأحكام الشرعية، لكن هذا الاختلاف لا يعني وجود البون الشاسع و الاختلاف الكبير المؤدي إلى إقامة الهوة بين هذه المذاهب الإسلامية، بعضها مع البعض الآخر، أو مع فقه الشيعة كما يحاول البعض فرضه، بل ان الأمر أقرب الى التفهم و الإدراك عند المناقشة الصريحة

30

و العلمية المرتكزة على الأسس الشرعية و القواعد الإلهية التي يؤمن بها الجميع بلا شك.

و لعل من هذا المنطلق المهم و الحساس بنيت أركان الفقه المقارن الذي نحاول التعرف على أشكاله من خلال كتابنا الماثل بين يديك أخي القارئ الكريم، و هو كتاب «تذكرة الفقهاء» لأحد كبار علماء الشيعة، و هو العلّامة الحلي قدس اللّه سرّه.

و حقا ان نشأة هذا العلم غير واضحة المعالم و لا متكاملة الابعاد، حيث لم تتجاوز آن ذاك حدود الإشارة الى بعض الآراء الأخرى و في حدود ضيقة.

إلّا أنّ الأمر أخذ أبعاده العلمية الواضحة، في جملة واسعة من المؤلفات المتخصصة، و التي عمدت الى احتواء مختلف الآراء الواردة في أكثر من مذهب، من خلال مناقشة علمية، و مقارنة موضوعية تستهدف إلى إثبات صحة الحكم المراد تثبيته من خلال الأدلة الشرعية المتفق عليها، أو الملزمة للمعارض.

الفقه المقارن:

لم تكن بدايات ما يسمى بالفقه المقارن في أبعاده الحقيقية لتتجاوز اعتماد المنهج الدفاعي الذي يسلكه الفقيه في الاحتجاج بالأدلة و الأحكام الشرعية للمدرسة التي ينتمي إليها ذلك الفقيه.

و من المظاهر المعلومة لهذا الفن ابان تلك الفترة محدودية المسائل التي يتم التعرض إليها في المناقشة، حيث لم تكن شاملة لكل مسائل الفقه، بل كانت مقارنات جزئية محدودة.

بيد أنّ هذا الفن المهم- و بمرور الزمن- امتدت آفاقه لتشمل كل

31

أبواب الفقه، بل و لم يعد في حقيقته لونا من ألوان الدفاع البحت عن مذهب الفقيه بقدر ما فيه من العرف العلمي السليم- في أغلب الأحيان- لمجمل الآراء الفقهية المختلفة، مع ترجيح الأصوب منها وفق الأدلة العلمية المتوفرة، و إن كان ميل الفقيه الى المذهب الفقهي الذي ينتمي إليه، مؤثّر على عمله.

و إنّ جدوى هذا المنهج العلمي يتضح من خلال الفوائد المترتبة عليه و التي يمكن تلخيصها بما يلي:

أ- محاولة البلوغ إلى أحكام الفقه الإسلامي من أيسر طرقه و أسلمها، و هو لا يتيسر عادة إلّا بعد عرض مختلف وجهات النظر فيها و تقييمها على أساس ثابت و مقطوع به.

ب- العمل على تطوير الدراسات الفقهية و الأصولية، و الاستفادة من نتائج التلاقح الفكري في أوسع نطاق لتحقيق هذا الهدف.

جإشاعة روح التعاون بين الباحثين، و محاولة القضاء على مختلف النزعات العاطفية و إبعادها عن مجالات البحث العلمي.

د- تقريب شقة الخلاف بين المسلمين، و الحد من تأثير العوامل المفرّقة التي كان من أهمها و أقواها جهل علماء بعض المذاهب بأسس و مباني البعض الآخر، مما ترك المجال مفتوحا أمام تسرب الدعوات المغرضة في تشويه بعض المفاهيم و التقوّل عليهم بما لا يقولون به (1).

و يعدّ الفقه المقارن استدلالا بذلك متأخرا فعلا عن مرتبة الأصول الفقهية و البحث فيها، حيث من الواضح أنّ الغاية من هذا العلم الفصل بين الآراء المختلفة للمجتهدين، و اختيار- أو على الأقل تقديم- أمثلها و أقربها

____________

(1) انظر الأصول العامة للفقه المقارن: 14.

32

الى مراد الشرع، و هذا الفصل و التمييز بين الآراء لا يمكن إلّا بعد حصول القدرة الفعلية على معرفة الأمثل من الأدلة.

إنّ المكتبة الإسلامية بكل مذاهبها قد شهدت مجموعة كبيرة من المؤلفات المختلفة التي تدور في هذا الفلك الواسع، رغم قصور البعض منها عن ترجيح الأدلة، أو اقتصارها على بعض المسائل التي تقتضي الضرورة و الإشارة إليها.

و للشيعة الإمامية مؤلفات قيمة عمد مؤلفوها (رحمهم اللّه)- و من خلال طرحهم لمسائل الفقه المختلفة في أبوابه المتعددة- إلى التعرض الى مجمل الآراء لفقهاء الأمة الإسلامية، و مناقشتها و الخروج بحاصل مثمر مؤيد للمبنى الذي يذهب اليه ذلك المؤلف.

و لعل من أبرز ما كتب في هذا المجال:

كتاب الخلاف لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 هجري).

كتاب الانتصار لما انفردت فيه الإمامية للسيد المرتضى (ت 436 هجري).

تذكرة الفقهاء للعلّامة الحلي (ت 726 ه).

منتهى المطلب للعلّامة الحلي أيضا.

و تعد هذه الكتب- بلا شك- رائدة في هذا الباب، و متخصصة فيه، حيث عمد فيها مؤلفوها (رحمهم اللّه) الى مناقشة علمية و صريحة في إثبات آرائهم الفقهية، و ذكر أدلتهم عليها، و يعد كتابنا الماثل نموذجا واضحا في هذا الفن، حيث يجد فيه المراجع ضالته إلّا أن المؤسف كون الموجود منه إلى أواخر كتاب النكاح، فقط، و سنتحدث عنه بشيء من التفصيل.

33

ترجمة المؤلف:

هو العلّامة على الإطلاق الحسن بن يوسف بن علي بن مطهّر، أبو منصور الحلّي، أشهر من أن يعرّف أو يترجم له.

ولد في، مدينة الحلّة السيفية في شهر رمضان عام 648 ه، و إليها ينتمي.

أبوه الشيخ الفقيه، و شيخ الإسلام سديد الدين يوسف بن علي المطهّر الحلّي.

و أمّه ابنة العالم الفقيه الشيخ أبي يحيى الحسن بن زكريّا الحلّي.

أخت الشيخ أبي القاسم المحقّق الحلّي الشهير.

قرأ (رحمه اللّه) على جملة كثيرة من فضلاء عصره و علمائه أمثال والده و خاله (رحمهما اللّه)، و الخواجة نصير الدين الطوسي، و الشيخ ميثم البحراني، و السيد علي بن طاوس، و الشيخ يحيى بن سعيد الحلّي، و السيد عبد الكريم ابن طاوس (رحمهم اللّه تعالى) و غيرهم.

تتلمذ على يديه، و روى عنه جم غفير من العلماء المتفوّقين و البارعين، أمثال: ولده فخر الدين محمد، و ابن أخته عبد المطّلب الحسيني الأعرجي، و السيّد محمد بن القاسم أستاذ ابن عنبة، و السيّد مهنّا بن سنان الحسيني، و الشيخ محمد بن محمد الرازي، و الشيخ إبراهيم بن الحسين الآملي، و الشيخ الحسين بن إبراهيم الأسترآبادي، و غيرهم.

له مؤلّفات كثيرة في الفقه، و الأصول، و الحديث، و الرجال و غيرها من العلوم المختلفة بشكل قلّ نظيره عند غيره من علماء عصره، بحيث كانت و لا زالت تلك المؤلفات قبلة الباحثين و العلماء، و مرجعا مهما في البحث

34

و التدريس و المناقشة، أمثال: الأدعية الفاخرة المنقولة عن الأئمة الطاهرة، الأربعين في أصول الدين، إرشاد الأذهان إلى أحكام الدين، إيضاح الاشتباه في ضبط أسماء الرجال و ألقابهم، إيضاح المقاصد في حكمة عين القواعد، تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين، تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية، الجوهر النضيد في شرح كتاب التجريد، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، مبادئ الوصول إلى علم الأصول، مختلف الشيعة إلى أحكام الشريعة، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، نهاية المرام في علم الكلام، نهاية الوصول إلى علم الأصول، واجب الاعتقاد على جميع العباد .. و غيرها.

توفّي (رحمه اللّه) تعالى في شهر محرّم الحرام عام 726 ه، فحمل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف حيث دفن في جوار أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام).

انظر ترجمة العلّامة (رحمه اللّه) تعالى

في:

رجال ابن داود: 78، خلاصة الأقوال: 45، نقد الرجال: 99، مجالس المؤمنين 2: 359، منهج المقال: 109، رياض العلماء 1:

358، أمل الآمل 2: 81، لؤلؤة البحرين: 210، مقابس الأنوار: 13، خاتمة مستدرك الوسائل: 459، بهجة الآمال 3: 217، الفوائد الرضوية:

126، الكنى و الألقاب: 2: 436، هداية الأحباب: 202، أعيان الشيعة 5: 396، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: 270، الوافي بالوفيات 13:

85، لسان الميزان 2: 317، النجوم الزاهرة 9: 267، الأعلام- للزركلي- 2: 227.

35

تذكرة الفقهاء و نسخه المخطوطة المعتمدة:

يعدّ كتاب تذكرة الفقهاء- و كما أسلفنا- أكبر كتاب مؤلف في مجال الفقه الاستدلالي المقارن، يوجد منه إلى كتاب النكاح، و اما الاجزاء الأخرى فيعتقد البعض ان العلّامة (رحمه اللّه) لم يتمها لأسباب خاصة و غير معلومة، في حين يعتقد البعض الآخر- و نحن نوافقهم في ذلك- ان أجزاء أخرى قد خرجت من قلمه الشريف، أو على الأقلّ حتى أواخر كتاب الميراث كما تشير الى ذلك جملة من الأدلة الواضحة، لعل أهمهما ما ذكره ولده فخر المحققين الشيخ محمد بن الحسن الحلي في كتابه الموسوم- بإيضاح الفوائد في شرح القواعد- حيث قال في آخر شرحه لإرث الزوج: «قد حقّق والدي هذه المسألة و أقوالها و أدلتها في كتاب التذكرة» (1).

و يعضد ذلك ان العلّامة الحلي (رحمه اللّه) قد ذكر في آخر ما وصلنا من التذكرة: تم الجزء الخامس عشر من كتاب تذكرة الفقهاء على يد مصنّفها الفقير الى اللّه تعالى حسن بن يوسف بن المطهر الحلي في سادس عشر من ذي الحجة سنة عشرين و سبعمائة بالحلة، و يتلوه الجزء السادس عشر المقصد الثالث في باقي أحكام النكاح.

حيث يظهر من خلال هذه العبارة ان العلّامة (رحمه اللّه) كان قد رتّب، أو على الأقل كان في نيته أن يتم هذا الكتاب عاجلا، هذا إذا علمنا بأنّه (رحمه اللّه) تعالى قد عاش حوالي ست سنين بعد كتابته لهذه العبارة المذكورة، و لم يكن معهودا منه هذا الإهمال و هو القائل في أول كتابه: «قد

____________

(1) إيضاح الفوائد 4: 242.

36

عزمنا في هذا الكتاب الموسوم بتذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء، و ذكر قواعد الفقهاء على أحق الطرائق، و أوثقها برهانا، و أصدق الأقاويل و أوضحها .. و أشرنا في كل مسألة إلى الخلاف، و اعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الإنصاف» .. إلخ.

و لعل المتبادر الى الذهن مما تقدم أنّ باقي الكتاب- أو على الأقل ما احتملنا إتمامه سابقا- لم يخرج من المسودة وضاع أو تلف دون أن يصل الى يد النسّاخ، و بقي الكتاب ناقصا، أو لعل هناك أسبابا أخرى لا يعلمها إلّا اللّه تعالى، و قد رتّب المصنف (رحمه اللّه) بحوث الكتاب على أجزاء، بالشكل التالي:

الجزء الأول: يتضمن كتاب الطهارة.

الجزء الثاني: هو من أول كتاب الصلاة الى آخر أفعالها.

الجزء الثالث: فيه باقي الصلوات الى آخر كتاب الصلاة.

الجزء الرابع: ضمّنه كتابي الزكاة و الصوم.

الجزء الخامس: فيه بداية كتاب الحج الى التقصير.

الجزء السادس: يتضمن باقي كتاب الحج مع كتاب الجهاد.

الجزء السابع: أول كتاب البيع الى بيع النقد و النسيئة.

الجزء الثامن: يشتمل على بيع النقد و النسيئة إلى آخر البيع، مع كتاب الديون و توابعها.

الجزء التاسع: فيه مباحث الرهن و التفليس «الحجر».

الجزء العاشر: يتضمن مباحث الضمان و الكفالة و الحوالة و الوكالة و الإقرار و الصلح.

الجزء الحادي عشر: يشتمل على كتاب الأمانات و توابعها: الوديعة، العارية، الشركة، القراض، اللقطة، الجعالة.

37

الجزء الثاني عشر: فيه مباحث الإجارة، و المزارعة، و المساقاة، و السبق، و الرماية.

الجزء الثالث عشر: مباحث الغصب و احياء الموات، و كتاب العطايا:

مباحث الهبة، و الصدقة و الوقف.

الجزء الرابع عشر: يختص بكتاب الوصايا.

الجزء الخامس عشر: فيه قسم من مباحث كتاب النكاح.

و لما كان هذا الكتاب من كتب الفقه المقارن المهمة، و لما امتاز به مؤلفه (رحمه اللّه) من باع طويل، و تمرّس واسع في المباحث الفقهية، و حيث يعد مرجعا معتمدا عند الكثير من المراجع المختلفة، فلذا التزمت مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث تحقيق هذا السفر الجليل لإخراجه بالثوب القشيب الذي يليق به.

فقد شرعت المؤسسة بالعمل على توفير مستلزمات التحقيق، من النسخ المخطوطة المعتبرة، و تحديد اللجان المختصة و غير ذلك، تم بتوفيق اللّه تعالى قطع شوط مهم في هذا العمل المهم، تعد هذه الأجزاء ثمرة يانعة و طيبة دالة عليه.

و النسخ المخطوطة التي تم الاعتماد عليها في ضبط نص الكتاب هي:

1- النسخة المخطوطة المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي العامة، في قم، برقم 3745، و تشتمل على بداية الكتاب إلى نهاية الزكاة، تأريخ نسخها 720 ه، و هي مقروءة على المصنّف، و عليها الإنهاء بخطه، و قد رمزنا لها بالحرف «م».

2- النسخة المخطوطة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي برقم 1139، و المشتملة على الاجزاء الثلاثة الأول من الكتاب،

38

انتهى نسخ الجزء الأول منها في أول ذي الحجة عام 868 ه، و انتهى نسخ الثاني في 26 جمادى الآخرة عام 867، و انتهى نسخ الجزء الثالث في 19 رجب عام 867 ه، رمزنا لها بالحرف «ش».

3- النسخة المحفوظة في المكتبة الفيضية برقم 712، و تتضمن الجزء الرابع و الخامس من الكتاب، تأريخ نسخها عام 978 ه، و قد رمزنا لها بالحرف «ف».

4- نسخة جامعة طهران المرقمة 6666، تأريخ نسخها في 12 رجب 912 ه، و تتضمن الجزءين الرابع و الخامس من الكتاب، رمزنا لها بالحرف «ط».

5- نسخة مكتبة شهيدزاده دادرس، و المحفوظة في مكتبة النصيري بطهران. المتضمنة للجزءين الرابع و الخامس من الكتاب، تم نسخها في 26 ذي الحجة عام 764 ه، و قد رمزنا لها بالحرف «ن».

6- النسخة المخطوطة المحفوظة في مكتبة ملك في طهران برقم 2461، و المشتملة على أفعال الحج الى بيع النقد و النسيئة، تأريخ نسخها الأول من شهر ربيع الأول عام 916 ه، و قد رمزنا لها بالحرف «ك».

7- النسخة المخطوطة المحفوظة في مكتبة الآستانة الرضوية المقدسة في مشهد برقم 66، و المتضمنة للجزءين السادس و السابع من الكتاب، و التي رمزنا لها بالحرف «ق».

8- نسخة المكتبة الفيضية المرقمة 70، و التي تم نسخها في 989 ه، المتضمنة للجزء الثامن من الكتاب، و قد رمزنا لها بالحرف «ي».

9- نسخة مكتبة سبهسالار في طهران المرقمة 2452، و التي انتهى نسخها في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك سنة 972 ه، و المتضمنة للجزء الثامن من الكتاب، و قد رمزنا لها بالحرف «س».

39

10- النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي العامة في قم، و المتضمنة لأول كتاب الرهن الى آخر كتاب الأمانات، كتب في آخرها انها تمت على يد المصنّف في اليوم الثالث من جمادى الأولى سنة 715 هبالسلطانية، و التي رمزنا لها بالحرف «ج».

11- النسخة المحفوظة في مكتبة مدرسة سليمان خان في مشهد، و المتضمنة للجزءين العاشر و الحادي عشر من الكتاب، و التي تم نسخها في صفر عام 976 ه، و قد رمزنا لها بالحرف «خ».

12- نسخة مكتبة جامعة طهران المرقمة 4 ج فهرست 289، المتضمنة للجزء الثاني عشر من الكتاب تم نسخها في يوم الأحد الحادي عشر من شهر رمضان عام 725 ه، رمزنا لها بالحرف «د».

13- النسخة المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي العامة في قم برقم 1611، تم نسخها في يوم الاثنين ثامن ربيع الأول عام 905 ه، و المشتملة على كتاب الإجارة إلى نهاية السكنى و العمرى و الرقبى، و قد رمزنا لها بالحرف «ع».

14- نسخة مكتبة المدرسة الفيضية في قم المرقمة 441 و التي تم نسخها في 8 ربيع الآخر عام 870 ه، و المتضمنة للجزءين الثاني و الثالث عشر من الكتاب، و قد رمزنا لها بالحرف «ض».

15- النسخة المحفوظة في مكتبة مجد الدين النصيري في طهران برقم 263، و المتضمنة لكتاب الوصايا و مباحث النكاح الى آخر الكتاب، و قد رمزنا لها بالحرف «ل».

40

منهجية العمل:

و تم تعيين اللجان المختصة بهذا العمل، و كانت كالتالي:

1- لجنة المقابلة: و عملها مقابلة النسخ الخطية و تثبيت الاختلافات الواردة بينها و إحالتها إلى اللجان المتخصصة لتثبيت ما تراه صحيحا، و كانت مؤلّفة من الاخوة الأفاضل: الحاج عز الدين عبد الملك، و الأخ محمد عبد علي محمد.

2- لجنة التخريج: و يتحدد عملها بتخرج الأحاديث و الروايات و الأقوال الواردة في الكتاب، الخاصة و العامة، و تتكون من كل من أصحاب السماحة حجج الإسلام: الشيخ عباس الأخلاقي، و السيد هادي حمزة لو، و الشيخ محمد الميرزائي، و الشيخ محمد الرسولي، و الشيخ شاكر آل عبد الرسول السماوي.

3- لجنة المراجعة: و عملها التأكد من اعمال اللجان السابقة و تصحيح موارد الاشتباه المحتملة، و ضبط الاعمال لإحالتها الى المرحلة اللاحقة، و تكونت من أصحاب السماحة حجج الإسلام: الشيخ جعفر المجاهدي، و الشيخ محمد الكاظمي، و الشيخ عطاء اللّه الرسولي، و الشيخ عبد اللّه محمدي.

4- لجنة تقوم النص: و يتحدد عمل هذه اللجنة بملاحظة متن الكتاب، و اختيار النصوص الصحيحة ليتم تثبيتها، و تفسير المفردات اللغوية، و التعليق على الموارد المبهمة و إيضاحها و غير ذلك من الاعمال النهائية، و كانت مسئولية عمل هذه اللجنة على عاتق سماحة حجة الإسلام المحقق الشيخ محمّد الباقري.

41

5- لجنة المراجعة النهائية: و يكون عملها ملاحظة الكتاب بكل ابعاده قبل إرساله إلى الطبع، و التأكد من صحة إعمال جميع لجانه السابقة.

و قد أنيطت مسئولية هذه اللجنة بسماحة العلامة حجة الإسلام السيد علي الخراساني الكاظمي.

هكذا فان ما تم من تحقيق علمي لاجزاء هذا الكتاب المهم قد أوضح للعاملين في هذه اللجان جملة مهمة من الملاحظات الدقيقة حول نمط اعداد هذا الكتاب لعل أهمها اعتماد المؤلف (رحمه اللّه) في شرح الكثير من المباحث الفقهية على جملة من المراجع المختلفة و المحددة أمثال كتاب فتح العزيز للرافعي، و المغني و الشرح الكبير لا بني قدامة، و المجموع للنووي، كما هو دأب العلماء سابقا، و عليه توافقوا و تعارفوا.

كما أنه كثيرا ما كان ينقل العديد من الآراء الفقهية الخاصة من كتابي الخلاف لشيخ الطائفة الطوسي، و المعتبر لخاله المحقق الحلي (رحمهما اللّه) تعالى.

و أخيرا أخي القارئ الكريم فانّا نقدم هذا الكتاب الجليل بعد جهود متواصلة امتدت لسنين طوال، عمدنا فيها قدر الإمكان إلى إعداده و تقديمه بالصورة اللائقة به و بتراثنا العزيز، سائلين المولى عزّ و جلّ التوفيق لتقديم الاعمال التحقيقية الأخرى، أنه سميع مجيب، و آخر دعوانا ان الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد و على آل بيته الطيبين الطاهرين.

مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث