تذكرة الفقهاء - ج9

- العلامة الحلي المزيد...
454 /
5

[تتمة القاعدة الأولى في العبادات]

كتاب الجهاد

و فيه فصول

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[الفصل] الأوّل: فيمن يجب عليه

مسألة 1: الجهاد واجب بالنصّ و الإجماع.

قال اللّه تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ (1) و قال تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (2).

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «غدوة في سبيل اللّه أو روحة خير من الدنيا و ما فيها» (3).

و فيه فضل كثير.

قال ابن مسعود: سألت النبي (صلى اللّه عليه و آله): أيّ الأعمال أفضل؟ قال:

«الصلاة لوقتها» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «برّ الوالدين» قلت: ثمّ أيّ؟ قال:

«الجهاد في سبيل اللّه» (4).

و من طريق الخاصّة: قول الباقر (عليه السلام): «إنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: فوق كلّ ذي برّ برّ حتى يقتل في سبيل اللّه، فإذا قتل في سبيل اللّه فليس فوقه برّ، و فوق كلّ ذي عقوق عقوق حتى يقتل أحد والديه [فإذا قتل أحد والديه] فليس فوقه عقوق» (5).

و لا خلاف بين المسلمين في وجوبه، و وجوبه على الكفاية عند عامّة

____________

(1) البقرة: 216.

(2) التوبة: 5.

(3) صحيح البخاري 4: 20.

(4) المصنّف- لابن أبي شيبة- 5: 285- 286، سنن سعيد بن منصور 2: 118- 2302.

(5) التهذيب 6: 122- 209، و ما بين المعقوفين من المصدر.

8

أهل العلم (1)، لقوله تعالى لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلًّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنى (2) و هو يدلّ على سقوط الذنب بتركه.

و حكي عن سعيد بن المسيّب أنّه واجب على الأعيان، لقوله تعالى:

انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا (3) (4).

و هي محمولة على ما إذا استنفرهم الإمام، لقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

«إذا استنفرتم فانفروا» (5).

و لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يبعث السرايا و يقيم هو و أصحابه.

و معنى وجوبه على الكفاية أنّ الخطاب به عامّ على جميع الناس، فإذا قام به قوم تحصل الكفاية بجهادهم، سقط عن الباقين.

و فروض الكفايات كثيرة مذكورة في مواضع، و هو كلّ مهمّ ديني يريد الشرع حصوله، و لا يقصد به عين من يتولّاه، و من جملته إقامة الحجج العلميّة، و الجواب عن الشبهات، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على خلاف يأتي، و الصناعات المهمّة، كالخياطة و النساجة و البناء

____________

(1) المغني و الشرح الكبير 10: 359.

(2) النساء: 95.

(3) التوبة: 41.

(4) الحاوي الكبير 14: 142، حلية العلماء 7: 645، الشرح الكبير 10: 359- 360، تفسير القرطبي 3: 38.

(5) صحيح البخاري 4: 18 و 28 و 92، صحيح مسلم 3: 1487- 1353، سنن أبي داود 3: 3- 4- 2480، سنن ابن ماجة 2: 926- 2773، سنن الترمذي 4:

148- 149- 1590، سنن البيهقي 9: 16، المعجم الكبير- للطبراني- 10:

413- 10844 و 11: 30- 31- 10944.

9

و أشباهها، و دفع الضرر عن المسلمين، و القضاء، و تحمّل الشهادة، و تجهيز الموتى، و إنقاذ الغرقى، و ردّ السلام.

مسألة 2: يتعيّن الجهاد في مواضع ثلاثة:

أ- إذا التقى الزحفان و تقابل الصفّان، حرم على من حضر الانصراف،

و تعيّن عليه الثبات، لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (1) الآية.

ب- إذا نزل بالبلد الكفّار،

تعيّن على أهله قتالهم و دفعهم.

ج- إذا استنفر الإمام قوما، وجب النفير معه،

لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ (2).

مسألة 3: و الجهاد واجب في زمان دون زمان و في مكان دون مكان.

فأمّا الزمان:

فجميع أيّام السنة ما عدا الأشهر الحرم، لقوله تعالى:

فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (3) و هي ذو القعدة و ذو الحجّة و المحرّم و رجب، فلا يبدأ المسلمون فيها بالقتال لمن يرى لها حرمة.

و أمّا المكان:

فجميع البقاع إلّا الحرم، لقوله تعالى وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ (4).

____________

(1) الأنفال: 15.

(2) التوبة: 38.

(3) التوبة: 5.

(4) البقرة: 191.

10

و قال بعض الناس من العامّة: إنّ ذلك منسوخ بجواز القتال في كلّ وقت و مكان، لقوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (1) (2) و بعث النبي (صلى اللّه عليه و آله) خالد بن الوليد إلى الطائف في ذي القعدة (3).

و أصحابنا قالوا: إنّ حكم ذلك باق فيمن يرى لهذه الأشهر و للحرم حرمة، و العامّ قد يخصّ بغيره.

مسألة 4: أوجب اللّه تعالى في كتابه الهجرة عن بلاد الشرك

و بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها (4).

و الناس في الهجرة على أقسام ثلاثة:

الأوّل: من تجب عليه،

و هو من كان مستضعفا من المسلمين بين الكفّار لا يمكنه إظهار دينه و لا عذر لهم من وجود عجز عن نفقة و راحلة.

الثاني: من لا تجب عليه الهجرة من بلاد الكفّار لكن تستحبّ لهم،

و هو كلّ من كان من المسلمين ذا عشيرة و رهط تحميه عن المشركين، و يمكنه إظهار دينه و القيام بواجبه، و يكون آمنا على نفسه، كالعبّاس و إنّما استحبّ له المهاجرة لئلا يكثر سواد المشركين.

الثالث: من تسقط عنه الهجرة لأجل عذر من مرض أو ضعف

أو

____________

(1) التوبة: 5.

(2) أحكام القرآن- للكيا هراسي- 1: 83، أحكام القرآن- للجصّاص- 1: 258، أحكام القرآن- لابن العربي- 1: 107، الجامع لأحكام القرآن 2: 351.

(3) انظر: المغازي- للواقدي- 3: 923، و تفسير الطبري 4: 314، و تاريخ الطبري 2: 177، و الطبقات الكبرى- لابن سعد- 2: 158.

(4) النساء: 97.

11

عدم نفقة، فلا جناح عليه، لقوله تعالى إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ (1) لأنّهم بمنزلة المكرهين.

و الهجرة باقية أبدا ما دام الشرك باقيا، لما روي عنه (عليه السلام) أنّه قال:

«لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، و لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (2).

و قوله (عليه السلام): «لا هجرة بعد الفتح» (3) محمول على الهجرة من مكة، لأنّها صارت دار الإسلام أبدا، و لا هجرة بعد الفتح فاضلة كفضلها قبل الفتح، لقوله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ (4) الآية.

مسألة 5: يشترط في وجوب الجهاد أمور ستّة:

البلوغ و العقل و الحرّيّة و الذكورة و السلامة من الضرر و وجود النفقة، و ليس الإسلام عندنا شرطا لوجوب شيء من فروع العبادات و إن كان شرطا في صحّتها، خلافا لأبي حنيفة (5).

و البلوغ و العقل شرطان لوجوب سائر الفروع.

قال ابن عمر: عرضت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يوم أحد و أنا ابن أربع

____________

(1) النساء: 98.

(2) سنن أبي داود 3: 3- 2479، سنن الدارمي 2: 240، مسند أحمد 5:

65- 66- 16463.

(3) صحيح البخاري 4: 18 و 28، سنن الترمذي 4: 148- 149- 1590، سنن الدارمي 2: 239، مسند أحمد 1: 374- 1992، المعجم الكبير- للطبراني- 3:

309- 3390.

(4) الحديد: 10.

(5) انظر: المستصفى 1: 91، و أصول السرخسي 1: 74.

12

عشرة، فلم يجزني في المقاتلة (1).

و العبد لا يملك نفسه و مشغول بخدمة مولاه.

و قد روي أنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يبايع الحرّ على الإسلام و الجهاد، و يبايع العبد على الإسلام دون الجهاد (2).

و لافتقار المجاهد إلى مال يملكه بحيث يصرفه في نفقته و زاده و حمله و سلاحه، و العبد لا يملك شيئا، فهو أسوأ حالا من الفقير.

و النساء لا يجب عليهنّ الجهاد، لضعفهنّ عن القيام، و لهذا لا يسهم لهنّ. و لا يجب على الخنثى المشكل، لعدم العلم بذكوريّته، فلا يجب مع الشكّ في شرطه.

و المراد من السلامة من الضرر السلامة من المرض و العمى و العرج، قال اللّه تعالى لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (3).

و لا يسقط عن الأعور و لا عمّن عرجه يسير يتمكّن معه من الركوب و المشي من غير مشقّة، و لا عمّن مرضه يسير لا يمنعه عنهما، كوجع الضرس و الصداع اليسير، و إنّما يسقط عن ذي العرج الفاحش و المرض الكثير.

و أمّا وجود النفقة: فهو شرط، لقوله تعالى لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (4).

____________

(1) سنن ابن ماجة 2: 850- 2543، المغني و الشرح الكبير 10: 361.

(2) المغني و الشرح الكبير 10: 361.

(3) الفتح: 17.

(4) التوبة: 91.

13

و يشترط في النفقة الكفاية له و لعائلته مدّة غيبته، و وجود سلاح يقاتل به، و راحلة إن احتاج إليها، لقوله تعالى وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ (1).

و لو أخرج الإمام معه العبيد بإذن ساداتهم، و النساء و الصبيان، جاز الانتفاع بهم في سقي الماء و الطبخ و مداواة الجرحى، و كان النبي (صلى اللّه عليه و آله) يخرج معه أمّ سليم و غيرها من نساء الأنصار (2).

و لا يخرج المجنون، لعدم النفع به.

مسألة 6: و أقلّ ما يفعل الجهاد في كلّ عام مرّة واحدة.

قال اللّه تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3) أوجب بعد انسلاخ الأشهر الحرم الجهاد. و الأصل عدم التكرار.

و لأنّ الجزية تجب على أهل الذمّة في كلّ عام، و هي بدل عن النصرة، فكذلك مبدلها، و هو الجهاد.

و لأنّ تركهم أكثر من ذلك يوجب تقويتهم و تسلّطهم، فيجب في كلّ عام إلّا من عذر، مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدّة أو ينتظر الإمام مددا يستعين به أو يكون في الطريق مانع أو عدم علف يحتاجون إليه أو عدم ماء أو يحسن رأي العدوّ في الإسلام و يطمع في إسلامهم إن أخّر قتالهم و نحو ذلك ممّا يرى المصلحة معه بترك القتال، فيجوز تركه بهدنة

____________

(1) التوبة: 92.

(2) صحيح البخاري 4: 40 و 41، صحيح مسلم 3: 1443- 1810، سنن أبي داود 3: 18- 2531، سنن ابن ماجة 2: 952- 2856، سنن الترمذي 4:

139-- 1575.

(3) التوبة: 5.

14

و غير هدنة، فقد صالح النبي (صلى اللّه عليه و آله) قريشا عشر سنين و أخّر قتالهم حتى نقضوا عهده، و أخّر قتال قبائل من العرب بغير هدنة (1).

و لو احتاج الإمام إلى القتال في عام أكثر من مرّة، وجب ذلك، لأنّه فرض كفاية، فوجب منه ما دعت الحاجة إليه.

مسألة 7: الغزو في البحر أفضل من غزو البرّ، لما فيه من عظم المشقّة و كثرة الخطر،

فإنّه بين خطر العدوّ و خطر الغرق، و لا يتمكّن من الفرار إلّا مع أصحابه، و قد روي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «شهيد البحر مثل شهيدي البرّ» (2).

و قتال أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم و قد روى العامّة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال لأمّ خلاد: «إنّ ابنك له أجر شهيدين» قالت: و لم ذاك يا رسول اللّه؟ قال: «لأنّه قتله أهل الكتاب» (3).

و الأولى أن يبدأ بقتال من يلي دار الإسلام، لقوله تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ (4) إلّا أن يكون الخوف من الأبعد أكثر فيبدأ بهم.

و الجهاد في ابتداء الإسلام لم يكن واجبا، بل منعهم اللّه تعالى منه و أمر المسلمين بالصبر على أذى الكفّار و الاحتمال منهم على ما قال تعالى:

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ- إلى قوله تعالى-

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 2: 228، المغني 10: 362، الشرح الكبير 10: 363.

(2) سنن ابن ماجة 2: 928- 2778، المعجم الكبير- للطبراني- 8: 200- 201- 7716.

(3) سنن أبي داود 3: 5- 6- 2488، سنن البيهقي 9: 175.

(4) التوبة: 123.

15

وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (1) ثمّ لمّا قويت شوكة الإسلام أذن اللّه تعالى في قتال من يقاتل، فقال وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ (2) ثمّ أباح ابتداء القتال في غير الأشهر الحرم ثمّ أمر به من غير شرط في حقّ من لا يرى حرمة للحرم و الأشهر الحرم بقوله تعالى وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ (3).

و كان فرض الجهاد في المدينة على الكفاية في ابتداء الوجوب عندنا، و هو أحد وجهي الشافعيّة، و الثاني: أنّه كان فرض عين (4).

و أمّا بعد النبي (صلى اللّه عليه و آله) فالكفّار إن كانوا قاطنين في بلادهم غير قاصدين لقتال المسلمين، فالجهاد لهم فرض كفاية لا فرض عين، و إلّا لتعطّلت المعايش.

و الكفاية تحصل بشيئين:

أحدهما: أن يبعث الإمام في كلّ ثغر جماعة يقومون بحرب من بإزائهم من الكفّار و يحصل بهم القصد من امتناع دخولهم إلينا، و ينبغي أن يحتاط بأحكام الحصون و حفر الخنادق و نحوها و يرتّب في كلّ ناحية أميرا قيّما بأمور الجهاد و حراسة المسلمين.

و الثاني: أن يدخل (5) دار الكفّار غازيا بنفسه أو يبعث جيشا يؤمّر عليهم من فيه كفاية، اقتداء برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، حيث كان يبعث السرايا

____________

(1) آل عمران: 186.

(2) البقرة: 190.

(3) البقرة: 191.

(4) الحاوي الكبير 14: 110 و 111، العزيز شرح الوجيز 11: 344، منهاج الطالبين: 307، روضة الطالبين 7: 410.

(5) أي الإمام.

16

و الجيوش (1).

و أقلّه في كلّ سنة مرّة، و ما زاد فهو أفضل.

و قال بعض الشافعيّة: تجب إدامته بحسب الإمكان بحيث لا يبقى إلّا مسلم أو مسالم (2).

و ليس بجيّد، لأنّ الغالب أنّ الأموال و العدد لا توفّي تجهيز الجيوش أكثر من مرّة واحدة في السنة.

و لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) فعل ذلك، فإنّ غزاة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة، و غزاة أحد في الثالثة، و غزاة ذات الرقاع في الرابعة، و غزاة الخندق في الخامسة، و غزاة بني المصطلق في السادسة، و فتح خيبر في السابعة، و فتح مكة في الثامنة، و غزاة تبوك في التاسعة (3).

و إن لم يستقرّ الكفّار في بلادهم بل قصدوا بلدة من بلاد المسلمين [1].

قاصدين لها، فالوجه أنّ الوجوب لا يتعيّن [2] وصفه، بل يكون فرض كفاية- و هو أحد وجهي الشافعيّة (6)- فإن قام به البعض، و إلّا وجب على الأعيان. و يستوي في ذلك الغني و الفقير و الحرّ و العبد، و لا يحتاج إلى إذن سيّده. و الثاني: أنّه فرض عين (7).

____________

[1] في «ق، ك»: بلاد الإسلام. و في الطبعة الحجريّة: بلد المسلمين.

[2] أي: أنّ الوجوب لا يصير عينيّا. و في «ك»: «لا يتغيّر» بدل «لا يتعيّن».

____________

(1) انظر على سبيل المثال: سنن أبي داود 3: 37- 2612، سنن ابن ماجة 2: 953- 2857 و 2858.

(2) العزيز شرح الوجيز 11: 351، روضة الطالبين 7: 411.

(3) انظر على سبيل المثال: تاريخ الطبري 2: 131 و 187 و 226- 227 و 233 و 260 و 298 و 366.

(6) العزيز شرح الوجيز 11: 365، و روضة الطالبين 7: 416، منهاج الطالبين: 307.

(7) العزيز شرح الوجيز 11: 365، و روضة الطالبين 7: 416، منهاج الطالبين: 307.

17

فإن حصلت المقاومة من غير مرافقة العبيد، فللشافعيّة وجهان، أحدهما: أنّ الحكم كذلك، لتقوى القلوب و تعظم الشوكة و تشتدّ النكاية في الكفّار. و الثاني: أنّه لا ينحلّ الحجر عنه، لأنّ في الأحرار غنية عنهم (1).

و لو أحوج الحال إلى الاستعانة بالنساء، وجب.

و لو لم يتمكّن أهل البلد من التأهّب و التجمّع، فمن وقف عليه كافر أو كفّار و علم أنّه يقتل، وجب عليه المدافعة عن نفسه بقدر ما يمكنه، سواء الذكر و الأنثى، و الحرّ و العبد، السليم و الأعمى و الأعرج، و لو لم يعلم القتل بل جوّز السلامة و أن يؤسر إن استسلم و إن امتنع قتل، وجب عليه الاستسلام، فإنّ الأسر يحتمل معه الخلاص.

و لو امتدّت الأيدي إلى المرأة، وجب عليها الدفع و إن قتلت، لأنّ المكره [1] على الزنا لا تحلّ له المطاوعة [2].

و البلاد القريبة من تلك البلدة يجب عليهم النفور إليها مع عجز أهلها لا مع عدم العجز، و هو أحد وجهي الشافعيّة، و الثاني: أنّه يجب (4).

و أمّا البلاد البعيدة: فإن احتيج إلى مساعدتهم، وجب عليهم النفور، و إلّا فلا.

و للشافعيّة وجهان، أحدهما، عدم الوجوب على من بعد عن مسافة القصر. و [الثاني:] [3] يجب على الأقربين فالأقربين إلى أن يكفّوا و يأمن أهل

____________

[1] كذا، و الأنسب بسياق العبارة: لأنّ من أكره.

[2] أي: لا تحلّ له المطاوعة لدفع القتل.

[3] زيادة يقتضيها السياق.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 365- 366، روضة الطالبين 7: 416.

(4) الوجيز 2: 188، العزيز شرح الوجيز 11: 366، روضة الطالبين 7: 417.

18

البلدة (1).

و ينبغي للأقربين التثبّت إلى لحوق الآخرين مع احتمال الحال ذلك.

و لا يشترط وجدان الركوب فيمن يكون بلده دون مسافة القصر مع قدرته.

و أمّا من بعد إلى مسافة القصر: فللشافعيّة وجهان: عدم الاشتراط، لشدّة الخطب، و ثبوته كالحجّ (2). و كذا الوجهان في اشتراط الزاد (3).

مسألة 8: لو نزل الكفّار في خراب أو على جبل في دار الإسلام بعيد عن البلدان،

احتمل مساواته لنزولهم في البلد، لأنّه من دار الإسلام، و عدمه، لأنّ الديار تشرف بسكون المسلمين.

و للشافعيّة وجهان (4).

و لو أسروا مسلما أو جماعة من المسلمين، فالوجه: أنّه كدخول دار الإسلام، لأنّ سبب حرمة دار الإسلام حرمة المسلمين، فالاستيلاء على المسلمين أعظم من الاستيلاء على دارهم.

و يحتمل المنع، لأنّ إعداد الجيش و تجهيز الجند لواحد يقع في الأسر بعيد.

و للشافعيّة وجهان (5).

____________

(1) الوجيز 2: 188، العزيز شرح الوجيز 11: 366- 367، روضة الطالبين 7:

417.

(2) الوجيز 2: 188، العزيز شرح الوجيز 11: 367، روضة الطالبين 7: 417.

(3) العزيز شرح الوجيز 11: 367، روضة الطالبين 7: 417.

(4) الوجيز 2: 188، العزيز شرح الوجيز 11: 367، روضة الطالبين 7: 417- 418.

(5) الوجيز 2: 188، العزيز شرح الوجيز 11: 367، روضة الطالبين 7: 418.

19

و لو كانوا على القرب من دار الإسلام و توقّعنا استخلاص الاسراء لو مشينا إليهم، وجب. و لو توغّلوا في دار الكفر و لم يمكن التسارع إليهم، انتظرنا الإمكان.

مسألة 9: الجهاد قسمان:

أحدهما: أن يكون للدعاء إلى الإسلام،

و لا يجوز إلّا بإذن الإمام العادل أو من نصبه لذلك، عند علمائنا أجمع، لأنّه أعرف بشرائط الدعاء و ما يدعوهم إليه من التكاليف دون غيره.

قال بشير: قلت للصادق (عليه السلام): رأيت في المنام أنّي قلت لك: إنّ القتال مع غير الإمام المفروض طاعته حرام مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير، فقلت: نعم، هو كذلك، فقال الصادق (عليه السلام): «هو كذلك هو كذلك» (1).

و قال أحمد: يجب مع كلّ إمام برّ و فاجر، لرواية أبي هريرة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «الجهاد واجب عليكم مع كلّ إمام [1] برّا كان أو فاجرا» (3) (4).

و هو محمول على القسم الثاني من نوعي الجهاد، مع أنّ أبا هريرة طعن في حديثه، و لهذا أدّبه عمر (5) على كثرة حديثه، و لو لا التهمة في حديثه لما فعل عمر به ذلك، خصوصا مع معارضته للكتاب العزيز حيث

____________

[1] في المصادر: أمير.

____________

(1) الكافي 5: 27- 2، التهذيب 6: 134- 226.

(3) سنن أبي داود 3: 18- 2533، سنن الدار قطني 2: 56- 6، سنن البيهقي 3:

121 و 8: 185.

(4) المغني 10: 365، الشرح الكبير 10: 366.

(5) شرح نهج البلاغة- لابن أبي الحديد- 4: 67- 68.

20

يقول وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ (1) و الفاجر ظالم.

و وجوب هذا القسم على الكفاية على ما تقدّم، فينبغي للإمام أو نائبه اعتماد النصفة بينهم، فلا يكرّر الغزو على قوم دون قوم.

و الثاني: أن يدهم المسلمين العدو،

فيجب على الأعيان عند قوم و على الكفاية عند آخرين، و قد سبق (2).

مسألة 10: قد عرفت أن ردّ السلام واجب على الكفاية على الجماعة،

و هو فرض عين على الواحد، فابتداؤه مستحبّ. و لا يستحبّ على المصلّي عند بعض الشافعيّة و لا على من يقضي حاجته و لا في الحمّام (3).

و لو أجاب الجميع دفعة واحدة، كانوا مؤدّين فرض كفاية، كما يلحقهم الذمّ بأجمعهم لو تركوا.

و لو تعاقبوا، فالوجه: أن الفرض يسقط بالأوّل.

و قال بعض الشافعيّة: إنّ المتأخّر يكون مؤديا لفرض كفاية [1]. و ليس بجيّد.

و لو سلّم على شخص أو جماعة فردّ عليه غيرهم، لم يسقط الفرض عمّن سلّم عليه. و ابتداء السلام سنّة على الكفاية.

و لو سلّم واحد من جماعة على واحد من جماعة أخرى، كفى ذلك.

____________

[1] لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر. و قال الرافعي و النووي- و اللفظ للأوّل-: و إن أجاب الجميع، كانوا مؤدّين للفرض سواء أجابوا معا أو على التعاقب.

انظر: العزيز شرح الوجيز 11: 370، و روضة الطالبين 7: 428.

____________

(1) هود: 113.

(2) سبق في المسألة 1.

(3) الوجيز 2: 188، العزيز شرح الوجيز 11: 371، روضة الطالبين 7: 433.

21

لإقامة السنّة.

و لو سلّم في بعض الأحوال التي لا يستحبّ فيها السلام، فالوجه:

وجوب الردّ، عملا بالعموم، خلافا للشافعيّة (1).

و إذا سلّم على المصلّي، وجب عليه الجواب.

و قالت الشافعيّة: لا يجيب حتى يفرغ من الصلاة، و يجوز أن يجيب في الصلاة بالإشارة (2).

و عندنا يجيب بمثل ما سلّم عليه، فيقول في الجواب: السلام عليكم، و لا يقول: و عليكم السلام.

و أمّا من يقضي الحاجة، فالقرب منه و مكالمته بعيد عن الأدب و المروءة.

و أمّا الحمّام: فإنّه موضع التنظيف و الدلك، فلا تليق التحيّة بحالهم.

و المشغول بالأكل إن كانت اللقمة في فيه و احتاج في المضغ و البلع إلى زمان يمنعه عن الجواب، لم يسنّ التسليم عليه، و أمّا بعد الابتلاع و قبل وضع لقمة أخرى في فيه [1] فلا منع.

و بعض الشافعيّة منع مطلقا (4). و بعضهم سوّغه مطلقا (5).

و لا يمنع المعامل وقت المعاملة و المساومة من التسليم عليه، لأنّ

____________

[1] في «ق»: فمه.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 371، روضة الطالبين 7: 433، المغني 1: 747، التفسير الكبير 10: 215.

(2) العزيز شرح الوجيز 11: 371 و 376، روضة الطالبين 7: 433، المجموع 4:

103، المغني 1: 747 و 748.

(4) العزيز شرح الوجيز 11: 371، روضة الطالبين 7: 433.

(5) العزيز شرح الوجيز 11: 371- 372، روضة الطالبين 7: 433.

22

أغلب أحوال الناس ذلك.

و لا بدّ في السلام و جوابه من رفع الصوت بقدر ما يحصل به السماع.

و صيغته: السلام عليكم. و يقوم مقامه: سلام عليكم. و لو قال:

عليكم السلام، لم يكن مسلما، إنّما هي صيغة جواب. و يراعى صيغة الجمع و إن كان السلام على واحد خطابا له. و لو أخلّ بصيغة الجمع، حصل أصل السنّة.

و صيغة الجواب: و عليكم السلام. و لو قال: و عليك السلام، للواحد، جاز. و لو ترك حرف العطف و قال: عليكم السلام، فهو جواب، خلافا لبعض الشافعيّة (1).

و لو تلاقى اثنان فسلّم كلّ واحد منهما على الآخر، وجب على كلّ واحد منهما جواب الآخر، و لا يحصل الجواب بالسلام و إن ترتّب السلامان.

و لو قال المجيب: و عليك، ففي كونه جوابا نظر من حيث إنّه لا تعرّض للسلام فيه، و من حيث إنّه يكون جوابا للعطف و رجوعا إلى قول:

السلام. و لو قال: عليكم، لم يكن جوابا.

و كمال السلام أن يقول: السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته. و كمال الجواب أن يقول: و عليكم السلام و رحمة اللّه و بركاته.

و ينبغي أن يكون الجواب متّصلا بالسلام ليعدّ جوابا له، كما في قبول الإيجاب في العقود.

و لو ناداه من وراء ستر أو حائط و قال: السلام عليكم يا فلان، أو

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 372، روضة الطالبين 7: 429.

23

كتب كتابا و سلّم فيه عليه، أو أرسل رسولا فقال: سلّم على فلان، فبلغه الكتاب و الرسالة، قال بعض الشافعية: يجب عليه الجواب، لأنّ تحيّة الغائب إنّما تكون بالمناداة أو الكتاب أو الرسالة، و قد قال تعالى وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ (1) الآية (2).

و الوجه أنّه إن سمع النداء، وجب الجواب، و إلّا فلا.

و ما يعتاده الناس من السلام عند القيام و مفارقة الجماعة دعاء لا تحيّة يستحبّ الجواب عنه و لا يجب.

و يكره أن يخصّ طائفة من الجمع بالسلام. و لو سلّم عليه جماعة فقال: و عليكم السلام، و قصد الردّ عليهم جميعا، جاز، و سقط الفرض في حقّ الجميع.

و يستحبّ أن يسلّم الراكب على الماشي، و القائم على الجالس، و الطائفة القليلة على الكثيرة. و لا يكره أن يبتدئ الماشي و الجالس.

و لو سلّم على الأصمّ، أتى باللفظ، لقدرته عليه، و أشار باليد ليحصل الإفهام. و لو لم يضمّ الإشارة، لم يستحقّ الجواب. و كذا في جواب الأصمّ ينبغي أن يجمع بين اللفظ و الإشارة.

و سلام الأخرس بالإشارة معتدّ به، و كذا ردّه السلام.

و لا يجب على الصبي ردّ السلام، لأنّه ليس مكلّفا. و لو سلّم على جماعة فيهم صبي فردّ الصبي، لم يسقط الفرض بجوابه. و لو سلّم الصبي،

____________

(1) النساء: 86.

(2) العزيز شرح الوجيز 11: 373، روضة الطالبين 7: 428، الأذكار- للنووي-:

261، التفسير الكبير 10: 215.

24

فالأقرب وجوب الردّ عليه، و هو أحد وجهي الشافعيّة (1).

و سلام النساء على النساء كسلام الرجال على الرجال. و لو سلّم رجل على امرأة أو بالعكس، فإن كان بينهما زوجيّة أو محرميّة أو كانت عجوزا خارجة عن مظنّة الفتنة، ثبت استحقاق الجواب، و إلّا فلا.

و يستحبّ لمن دخل دار نفسه أن يسلّم على أهله. و كذا من دخل مسجدا أو بيتا لا أحد فيه يقول: السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين.

و لا يسلّم على أهل الذمّة ابتداء. و لو سلّم عليه ذمّيّ أو من لم يعرفه فبان ذمّيّا، ردّ بغير السلام بأن يقول: هداك اللّه، أو: أنعم اللّه صباحك، أو: أطال اللّه بقاءك. و لو ردّ بالسلام، لم يزد في الجواب على قوله:

و عليك.

و التحيّة بتقبيل اليد و انحناء الظهر لا أصل له في الشرع، لكن لا يمنع الذمّيّ من تعظيم المسلّم بهما. و لا يكره التعظيم بهما لزهد و علم و كبر سنّ. و روي أنّ أعرابيّا قعد عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فاستحسن كلامه، فاستأذنه في أن يقبّل وجهه، فأذن له، ثمّ استأذن في أنّ [1] يقبّل يده، فأذن له، ثمّ استأذنه في أن يسجد له، فلم يأذن له (3).

و تستحبّ المصافحة.

و يكره للداخل أن يطمع في قيام القوم لكن يستحبّ لهم أن يكرموه.

و الأقرب: جواز السلام بالفارسيّة.

____________

[1] في الطبعة الحجرية: ثم استأذنه إن.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 374، روضة الطالبين 7: 431.

(3) أورده- كما في المتن- الرافعي في العزيز شرح الوجيز 11: 375، و رواه الحاكم في المستدرك 4: 172، و أبو نعيم في دلائل النبوّة 2: 502- 503- 291 نحوه.

25

مسألة 11: روي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «حقّ المؤمن على المؤمن ستّ:

أن يسلّم عليه إذا لقيه، و أن يجيبه إذا دعاه، و أن يسمّته إذا عطس، و أن يعوده إذا مرض، و أن يشيّع جنازته إذا مات، و أن لا يظنّ فيه إلّا خيرا» (1).

و استحباب التسميت على الكفاية. و إنّما يستحبّ إذا قال العاطس:

الحمد للّه، فيقول المسمّت له: يرحمك اللّه، أو ما شابهه. و يكرّر التسميت إذا تكرّر العطس إلّا أن يكون لمرض، فيقول: عافاك اللّه.

و يستحبّ للعاطس أن يجيبه، فيقول: يغفر اللّه لك، و شبهه.

و لا يجب الجواب هنا، بخلاف ردّ السلام، لأنّ التسميت إنّما هو للعاطس و لا عطاس بالمسمّت، و التحيّة تشمل الطرفين.

و تستحبّ زيارة القادم و معانقته، فإنه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عانق جعفرا- (رحمه اللّه)- لمّا قدم من الحبشة (2).

مسألة 12: يسقط فرض الجهاد بالعجز،

و هو قسمان

حسّي، كالمرض و الفقر و الصبا و الجنون و الأنوثة و العرج المانع من المشي

سواء قدر على الركوب أو لا، لأنّ الدابّة قد تهلك.

و للشافعيّة وجه: أنّ العرج لا يؤثّر في حقّ الراكب مع قدرته على الركوب (3). و ليس بشيء.

و لا فرق بين أن يكون العرج في رجل واحدة أو في الرّجلين معا.

____________

(1) مسند أحمد 2: 616- 617- 8072، شعب الإيمان- للبيهقي- 6:

425- 8753 بتفاوت.

(2) أسد الغابة 1: 287.

(3) العزيز شرح الوجيز 11: 356، روضة الطالبين 7: 412.

26

و قال أبو حنيفة: لا أثر للعرج في رجل واحدة (1).

و لا جهاد على الأقطع و الأشلّ، لعدم تمكّنهما من الضرب و الاتّقاء.

و مفقود معظم الأصابع كالأقطع و لا يسقط عن الأعشى و ضعيف البصر إذا كان يدرك الشخص و يمكنه أن يتّقي السلاح.

و يسقط عن الفقير، و هو الذي لا يجد ما ينفق في طريقه ذهابا و عودا و لا ما يركب عليه.

و يشترط نفقة أهله و عياله ذهابا و عودا. و من لا أهل له و لا عشيرة يشترط في حقّه نفقة الإياب أيضا.

و قال بعض الشافعيّة: لا يشترط، لأنّ سفر الغزو سفر الموت (2).

و هو غلط، لأنّ الغالب في الظنّ الإياب، و لأنّ وجود ذلك معه يوجب له نشاطا و قوّة.

و لو كان القتال على رأس البلد أو قريبا منه، لم يشترط نفقة الطريق.

و يجب اشتراط الراحلة مع الحاجة. و يجب أن يكون جميع ذلك فاضلا عن نفقة من تلزمه نفقته.

و لا يشترط أمن الطريق من طلائع الكفّار، لأنّا مأمورون بقتالهم.

و لو كان [1] من متلصّصي المسلمين، فللشافعيّة وجهان، أحدهما: أنّه يمنع الوجوب، كما في الحجّ، و أصحّهما: أنّه لا يمنع، لأنّ قتال المتلصّص أهمّ و أولى (4).

____________

[1] أي الخوف.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 356.

(2) العزيز شرح الوجيز 11: 357، روضة الطالبين 7: 412.

(4) العزيز شرح الوجيز 11: 357، روضة الطالبين 7: 412.

27

و لو بذل للفقير ما يحتاج إليه، لم يجب القبول إلّا أن يكون الباذل الإمام، فعليه أن يقبل و يجاهد، لأنّ ما يأخذه من الإمام حقّه.

و الذمّي لا يكلّف الخروج إلّا مع الحاجة، لأنّه بذل الجزية لنذب عنه لا ليذبّ عنّا.

القسم الثاني: المانع الشرعي مع القدرة.

و أقسامه ثلاثة:

الأوّل: الرقّ،

فلا يجب على العبد و إن أمره سيّده بذلك، لأنّه ليس من أهل الجهاد، و الملك لا يقتضي التعرّض للهلاك، و ليس القتال من الاستخدام المستحقّ للسيّد على العبد، و لا يلزمه الذبّ عن سيّده عند الخوف على روحه إذا لم يجب الدفع عن الغير، بل السيّد في ذلك كالأجانب. نعم، للسيّد استصحابه في سفر الجهاد و غيره ليخدمه و يسوس دوابّه و يحفظ متاعه.

و المدبّر و المكاتب و المتحرّر بعضه كالقنّ.

الثاني: الدّين،

فلا يجب على من عليه دين حالّ لمسلم أو ذمّي الخروج إلى الجهاد مع قدرته على الدّين إلّا بإذن ربّ الدّين. و له منعه منه، لأنّ مطالبته تتوجّه عليه، و الحبس إن امتنع من أدائه، و لأنّ الدّين فرض متعيّن عليه، فلا يترك بفرض الكفاية.

و لو كان معسرا، فالوجه: أنّه ليس له منعه من الجهاد، لأنّه لا مطالبة له عليه في الحال، و هو أحد قولي الشافعيّة، و مذهب مالك. و الثاني:

المنع، لأنّه يرجو اليسار فيؤدّي و في الجهاد خطر الهلاك (1).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 358- 359، روضة الطالبين 7: 413، المغني 10:

378، الشرح الكبير 10: 376.

28

و لو استناب المديون من يقضي الدّين من مال حاضر، فله الخروج، لأنّ صاحب الدّين يصل إلى حقّه في الحال، أمّا لو أمره بالقضاء من مال غائب، فإنّه لا يجوز له الخروج بغير إذنه، لأنّه قد لا يصل إليه.

و إذا أذن ربّ المال في الخروج، جاز له، و لحق بأصحاب فرض الكفاية، و هو أحد قولي الشافعيّة (1).

و لو كان الدّين مؤجّلا، فليس لصاحبه منعه من الخروج، كما ليس له منعه من الأسفار، و هو أحد قولي الشافعيّة و قول مالك. و الثاني: أنّ له منعه- و به قال أحمد- لأنّ الجهاد يقصد فيه الشهادة التي تفوت بها النفس، فيفوت الحقّ بفواتها (2).

و روي أنّ رجلا جاء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: يا رسول اللّه إن قتلت في سبيل اللّه صابرا محتسبا يكفّر عنّي خطاياي؟ قال: «نعم، إلّا الدّين، فإنّ جبرئيل قال لي ذلك» (3).

و فوات النفس غير معلوم، و لا دلالة في الحديث على المطلوب.

و للشافعيّة طريقة أخرى هي أنّه إن لم يخلّف وفاء، فليس له الخروج إلّا بإذن ربّ الدّين، و إن خلّف، فوجهان، لأنّه قد يتلف و لا يصل إلى ربّ

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 359، روضة الطالبين 7: 413.

(2) العزيز شرح الوجيز 11: 359، المهذّب- للشيرازي- 2: 230، حلية العلماء 7: 646، روضة الطالبين 7: 413، المغني 4: 549، و 10: 378، الشرح الكبير 4: 494- 495 و 10: 376.

(3) الموطأ 2: 461- 31، صحيح مسلم 3: 1501- 1885، سنن الترمذي 4:

212- 1712، سنن النسائي 6: 350، سنن البيهقي 5: 25، مسند أحمد 6:

403- 22036 و 412- 22079 و 419- 420- 22120 بتفاوت.

29

الدّين (1).

و لبعضهم وجه آخر: إن كان الأجل يدوم إلى أن يرجع، فلا منع، و إن كان يحلّ قبل أن يرجع، فوجهان (2).

و هل ركوب البحر كسفر الجهاد؟ قال بعض الشافعيّة: نعم، لخطره (3).

و ليس بجيّد، لأنّ راكب البحر يغلب السلامة و يطلب الغنيمة، و الغازي يعرّض نفسه للشهادة.

الثالث: الأبوّة،

فمن كان له أبوان مسلمان أو أحدهما ليس له الجهاد إلّا بإذنهما أو بإذن الحيّ منهما، سواء الأب و الامّ في ذلك، و هو قول عامّة أهل العلم (4)، لما رواه ابن عباس عن النبي (صلى اللّه عليه و آله)، أنّه قال: جاء رجل إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: يا رسول اللّه أجاهد؟ فقال: «أ لك أبوان؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» [1].

و في رواية: جئت أبايعك على الهجرة و تركت أبويّ يبكيان، قال:

____________

[1] سنن أبي داود 3: 17- 2529، المغني 10: 376، الشرح الكبير 10- 377، و نحوه في سنن الترمذي 4: 191- 192- 1671، و فيها عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص.

و قال صاحب المغني بعد نقل هذا الحديث: و عن ابن عباس عن النبي ((صلى اللّه عليه و آله)) مثله. و قال صاحب الشرح الكبير: و روى ابن عباس نحوه.

و كذا قال الترمذي في ذيل الحديث المزبور: و في الباب عن ابن عباس.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 359.

(2) العزيز شرح الوجيز 11: 359.

(3) العزيز شرح الوجيز 11: 359، روضة الطالبين 7: 413.

(4) الوجيز 2: 187، العزيز شرح الوجيز 11: 360، الحاوي الكبير 14: 122، المهذّب- للشيرازي- 2: 230، روضة الطالبين 7: 413، بداية المجتهد 1:

381، بدائع الصنائع 7: 98، المغني 10: 375، الشرح الكبير 10: 377.

30

«ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما» (1).

و هاجر رجل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «هل لك باليمن أحد؟» قال: نعم، أبواي، قال: «أذنا لك؟» قال: لا، قال:

«فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، و إلّا فبرّهما» (2).

و لأنّ الجهاد فرض كفاية و برّ الوالدين فرض عين، فيقدّم و هو بشرط الإسلام.

و لو كانا مشركين أو الحيّ منهما، لم يفتقر إلى إذنهما- و به قال الشافعي و أحمد (3)- للتهمة الظاهرة بالميل إلى ملّته في الكفر، و كان ولد عبد اللّه بن أبيّ بن سلول يغزو مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و معلوم أنّ أباه كان يكره ذلك، فإنّه كان يخذل الأجانب و يمنعهم عن الجهاد (4)، و كذا أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كانوا يجاهدون و فيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما، منهم أبو بكر، و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان مع النبي (صلى اللّه عليه و آله) يوم بدر و أبوه رئيس المشركين يومئذ قتل ببدر، و أبو عبيدة قتل أباه في الجهاد فأنزل اللّه تعالى لا تَجِدُ قَوْماً (5) (6) الآية.

____________

(1) سنن أبي داود 3: 17- 2528، سنن النسائي 7: 143، سنن البيهقي 9: 26، مسند أحمد 2: 342- 6454 و 400- 6794.

(2) سنن أبي داود 3: 17- 18- 2530، سنن سعيد بن منصور 2: 131- 2334، سنن البيهقي 9: 26.

(3) العزيز شرح الوجيز 11: 360، الحاوي الكبير 14: 123، المهذّب- للشيرازي- 2: 230، روضة الطالبين 7: 413، المغني 10: 376، الشرح الكبير 10: 378.

(4) العزيز شرح الوجيز 11: 360، الحاوي الكبير 14: 123.

(5) المجادلة: 22.

(6) أسباب النزول- للنيسابوري-: 236، التفسير الكبير 29: 276، الجامع لأحكام القرآن 17: 307، الحاوي الكبير 14: 123، المغني 10: 376، الشرح الكبير 10: 378.

31

و قال الثوري: و لا يغزو إلّا بإذنهما، لعموم الأخبار (1). و هو مخصوص بما قلناه.

فروع:

أ- لو كان أبواه رقيقين،

فعموم كلام الشيخ (2) يقتضي اعتبار إذنهما، للعموم، و لأنّهما مسلمان فأشبها الحرّين.

و يحتمل عدم اعتبار إذنهما، لانتفاء ولايتهما.

ب- لو كانا مجنونين،

فلا عبرة بإذنهما.

ج- هل الجدّان كالأبوين؟ الأقرب ذلك.

و للشافعيّة وجهان (3).

و لو كانا مع الأبوين، ففي اشتراط إذن الجدّ مع الأب و الجدّة مع الأمّ إشكال ينشأ من أنّ القريب يحجب البعيد، و من أنّ البرّ إلى البعيد لا يخصّ بحالة فقدان القريب.

د- لو تعيّن الجهاد عليه، لم يعتبر إذن الأبوين و لا غيرهما من أصحاب الدّين و السيّد،

و كذلك كلّ الفرائض لا طاعة لهما في تركها، كالصلاة و الحجّ، لأنّه عبادة تعيّنت عليه، فلا يعتبر إذن الأبوين فيها، و قال تعالى وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (4) و لم يشترط إذن الأبوين.

هلو أذن أبواه في الغزو و شرطا عليه ترك القتال فحضر،

تعيّن عليه و سقط شرطهما- و به قال الأوزاعي و أحمد و ابن المنذر (5)- لأنّه صار

____________

(1) المغني 10: 376، الشرح الكبير 10: 378.

(2) المبسوط- للطوسي- 2: 6.

(3) العزيز شرح الوجيز 11: 360، الحاوي الكبير 14: 124، المهذّب- للشيرازي- 2: 230، روضة الطالبين 7: 413.

(4) آل عمران: 97.

(5) المغني 10: 378، الشرح الكبير 10: 379.

32

واجبا، فلم يبق لهما في تركه طاعة.

و لو خرج بغير إذنهما فحضر القتال ثمّ بدا له الرجوع، لم يجز له ذلك.

و- ليس للأبوين المنع من سفر الحجّ الواجب،

لأنّه على الفور، و ليس الخوف فيه كالخوف في الغزو.

و للشافعي قول إنّ لهما المنع، لأنّ الحجّ على التراخي و برّ الوالدين على الفور (1). و الصغرى ممنوعة.

و كذا ليس لهما المنع من سفره في طلب العلم الواجب عليه، و لا يجب عليه استئذانهما كالحجّ.

و لو كان فرض كفاية بأن خرج طالبا لدرجة الفتوى و في بلده من يشتغل بالفتوى، احتمل أنّ لهما المنع، لتعيّن البرّ عليه، و عدمه، لبعد الحجر على المكلّف و حبسه.

و لو لم يكن هناك من يشتغل بالفتوى لكن خرج مع جماعة لذلك، فالأقرب عدم الاحتياج إلى الإذن، لأنّه لم يوجد في الحال من يقوم بالغرض، و الخارجون معه قد لا يحصل لهم المقصود. و لو لم يخرج معه أحد، لم يفتقر إلى الإذن، لأنّه يؤدّي فرضا، كما لو خرج لغزو تعيّن عليه.

و لو أمكنه التعلّم في بلده، فإن توقّع في سفره زيادة فراغ أو إرشاد أستاذ، احتمل عدم افتقاره إلى الإذن.

و أمّا سفر التجارة:

فإن كان قصيرا، لم يمنع منه، و إن كان طويلا و فيه خوف، اشترط إذنهما، و إلّا احتمل ذلك تحرّزا من تأذّيهما. و لأنّ لهما منعه

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 360، المجموع 8: 349.

33

من حجّة التطوّع مع أنّه عبادة فيكون منعهما من المباح أولى، و عدمه، لأنّه بامتناعه ينقطع عن معاشه و يضطرب أمره.

و الأقرب: أنّ الأب الكافر كالمسلم في هذه الأسفار، بخلاف سفر الجهاد [و لا فرق بين الحرّ] [1] و الرقيق، لشمول معنى البرّ و الشفقة.

ز- لو خرج للجهاد بإذن صاحب الدّين أو الأبوين ثمّ رجعوا

أو كان الأبوان كافرين فأسلما بعد خروجه من غير إذن و علم بالحال، فإن لم يشرع في القتال و لم يحضر الرفقة [2] بعد، فإنّه ينصرف إلّا إذا خاف على نفسه أو ماله أو خاف من انصرافه كسر المسلمين.

و لو لم يمكنه الانصراف، للخوف و أمكنه الإقامة في قرية في الطريق إلى أن يرجع جيش المسلمين، لزمه أن يقيم، لأنّ غرض الراجعين عن الإذن أن لا يقاتل، و هو أحد وجهي الشافعيّة، و الثاني: عدم الوجوب، لما يناله من وحشة مفارقة الرفقة و إبطال أهبة الجهاد عليه (3).

و لو كان الرجوع بعد الشروع في القتال، احتمل وجوب الرجوع، لأنّ حقّ الراجعين عن الإذن أولى بالرعاية، لأنّه فرض عين و الجهاد فرض كفاية، و لأنّ حقّهم أسبق، و لأنّ حقّ الآدمي مبني على المضايقة، فهو أولى بالمحافظة، و عدمه، لوجوب الثبات على من حضر القتال، لقوله تعالى:

إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا (4) و لأنّه ربما يكسر قلوب المسلمين و يشوّش الجهاد.

____________

[1] زيادة يقتضيها السياق.

[2] كذا، و لعلّها: و لم يحضر الوقعة. كما يأتي نظيرها.

____________

(3) العزيز شرح الوجيز 11: 362، روضة الطالبين 7: 415.

(4) الأنفال: 45.

34

و للشافعي قولان (1). و لبعض أصحابه فرق بين رجوع الأبوين و صاحب الدّين، لعظم شأن الدّين و الاحتياط للمظالم (2).

ح- من شرط عليه الاستئذان إذا خرج بغير إذن، لزمه الانصراف ما لم يشرع في القتال،

لأنّ سفره معصية، إلّا أن يخاف على نفسه أو ماله، فإن شرع في القتال، فللشافعية وجهان (3). و هذه الصورة أولى بوجوب الانصراف، لأنّ ابتداء الخروج كان معصية.

و لو خرج العبد بغير إذن سيّده، لزمه الرجوع ما لم يحضر الواقعة، فإن حضر، فللشافعية قولان (4).

و لو مرض الحرّ بعد خروجه أو عرج أو فني زاده أو هلكت دابّته، تخيّر بين الانصراف و المضيّ ما لم يحضر الوقعة.

و لو حضر الوقعة، لزمه الثبات، للآية (5)، و هو أحد قولي الشافعي، و الثاني: أنّه يجوز الرجوع، لعدم تمكّنه من القتال (6).

و الوجه أن يقال: إن كان الانصراف لا يورث إعلالا و تخاذلا في الجند، جاز، و إلّا فلا.

و لو أمكنه القتال راجلا بعد موت الدابّة في الوقعة، وجب، و إلّا فلا. و كذا إذا انقطع سلاحه و انكسر في الواقعة و أمكنه القتال بالحجارة، وجب، و إلّا فلا.

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 2: 230، العزيز شرح الوجيز 11: 363، روضة الطالبين 7: 415، حلية العلماء 7: 645- 646.

(2) العزيز شرح الوجيز 11: 364، روضة الطالبين 7: 415.

(3) العزيز شرح الوجيز 11: 364، روضة الطالبين 7: 415.

(4) العزيز شرح الوجيز 11: 364، روضة الطالبين 7: 415.

(5) الأنفال: 45.

(6) حلية العلماء 7: 645، العزى شرح الوجيز 11: 364، روضة الطالبين 7:

415.

35

و حيث سوّغنا الانصراف لرجوع ربّ الدّين أو الأبوين عن الإذن أو لمرض و نحوه، ليس للسلطان منعه منه إلّا أن يتّفق ذلك لجماعة و كان يخاف من انصرافهم الخلل في المسلمين.

و لو انصراف لذهاب نفقة أو هلاك دابة ثمّ قدر على النفقة و الدابّة في بلاد الكفر، فعليه أن يرجع إلى المجاهدين. و إن كان قد فارق بلاد الكفر، قال الشافعي: لم يلزمه الرجوع إليهم (1).

و لو خرج للجهاد و به عذر من مرض و غيره ثمّ زال عذره و صار من أهل فرض الجهاد، لم يجز له الرجوع عن الغزو. و كذا لو حدث العذر و زال قبل أن ينصرف.

ط- من شرع في القتال و لا عذر له تلزمه المصابرة،

و يحرم الانصراف، لما فيه من التخذيل و كسر قلوب المجاهدين.

و طالب العلم إذا اشتغل بالتعلّم و آنس الرشد من نفسه، هل يحرم عليه الرجوع؟ يحتمل ذلك، لأنّه فرض كفاية شرع فيه فيلزمه بالشروع.

و الأقرب: المنع، لأنّ الشروع لا يغيّر حكم المشروع فيه، بخلاف الجهاد، لأنّ في الرجوع تخذيل المجاهدين و كسر قلوبهم، و ترك التعلّم ليس فيه ذلك. و لأنّ كلّ مسألة مطلوبة برأسها منقطعة عن غيرها، و ليست العلوم كالخصلة الواحدة، بخلاف الجهاد.

و في وجوب إتمام صلاة الجنازة بالشروع وجهان (2)، أحدهما:

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 364، روضة الطالبين 7: 415.

(2) هذان الوجهان أيضا للشافعيّة. انظر: العزيز شرح الوجيز 11: 364- 365، و روضة الطالبين 7: 416.

36

عدمه، كالشروع في التطوّع لا يلزم به إتمامه و [ثانيهما]: وجوبه، لأنّ الصلاة كالخصلة الواحدة، و لما في الرجوع من هتك حرمة الميّت.

مسألة 13: العلم إمّا فرض عين أو فرض كفاية أو مستحبّ أو حرام.

فالأوّل: العلم بإثبات الصانع تعالى

و صفاته و ما يجب له و يمتنع عليه، و نبوّة نبيّنا محمد (صلى اللّه عليه و آله) و ثبوت عصمته و إمامة من تجب إمامته و ما يجب له و يمتنع عليه، و المعاد. و لا يكفي في ذلك التقليد، بل لا بدّ من العلم المستند إلى الأدلّة و البراهين.

و لا يجب على الأعيان دفع الشبهات فيها، و ذلك إنّما يتمّ بعلم الكلام.

و قالت الشافعية: العلم المترجم بعلم الكلام ليس بفرض عين، و ما كان الصحابة يشتغلون به (1).

و الثاني: العلم بالفقه و فروع الأحكام،

و علم أصول الفقه و كيفيّة الاستدلال و البراهين [1]، و النحو و اللغة و التصريف، و التعمّق في أصول الدين بحيث يقتدر على دفع شبه المبطلين و القيام بجواب الشبه و ردّ العقائد الفاسدة، و علم أصول الفقه [2]، و علم الحديث و معرفة الرجال بالعدالة و ضدّها، و الانتهاء في معرفة الأحكام إلى أن يصلح للإفتاء و القضاء.

و لا يكفي المفتي الواحد في البلد، لعسر مراجعته على جميع الناس. و علم الطبّ، للحاجة إليه في المعالجة، و علم الحساب، للاحتياج إليه في المعاملات و قسم الوصايا و المواريث. و من حصل له شبهة، وجب عليه

____________

[1] كذا، و لعلّها: كيفيّة الاستدلال بالبراهين.

[3] كذا، حيث ذكره آنفا.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 11: 369، روضة الطالبين 7: 425.

37

السعي في حلّها.

و المستحب:

الزيادة على ما يجب على الكفاية في كلّ علم.

و الحرام: ما اشتمل على وجه قبح،

كعلم الفلسفة لغير النقض، و علم الموسيقى و غير ذلك ممّا نهى الشرع عن تعلّمه، كالسحر، و علم القيافة و الكهانة و غيرها.

مسألة 14: قد عرفت أنّ من شرط الجهاد دعاء الإمام العادل إليه.

و لو كان الجهاد للدفع، وجب مطلقا، سواء كان هناك إمام أو لا.

و لو كان الإمام جائرا، جاز القيام معه إذا قصد الدفع عن نفسه و عن المؤمنين، كما لو كان المسلم في دار الكفّار بأمان و دهمهم عدوّ خشي على نفسه، وجب عليه مساعدتهم في دفعه، لما رواه طلحة بن زيد عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل دخل أرض الحرب بأمان فغزا القوم الذين دخل عليهم قوم آخرون، قال: «على المسلم أن يمنع عن نفسه و ماله و يقاتل على حكم اللّه و حكم رسوله، و أمّا أن يقاتل الكفّار على حكم الجور و سنّتهم [1] فلا يحلّ له ذلك» (2).

و كذا كلّ من خاف على نفسه يجب عليه الجهاد.

و من خاف على ماله يجوز له الجهاد إذا غلب السلامة.

مسألة 15: لا يجب على من وجب عليه الجهاد إيقاعه مباشرة إلّا أن يعيّنه الإمام للخروج،

فتحرم عليه الاستنابة بأجرة و غيرها، و لا يجوز له حينئذ أن يغزو بجعل، فإن أخذ جعلا، ردّه على صاحبه. و لو لم يعيّنه، لم تجب المباشرة بل يجوز أن يستنيب غيره بإجارة أو غيرها، و تكون

____________

[1] في «ق، ك»: سبيهم.

____________

(2) التهذيب 6: 135- 136- 229 بتفاوت يسير.

38

الإجارة صحيحة، و لا يلزم المستأجر ردّ الأجرة، عند علمائنا، لما رواه العامّة: أنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: «من جهّز غازيا كان له كمثل أجره» (1).

و من طريق الخاصّة: قول الباقر (عليه السلام): «إنّ عليّا (عليه السلام) سئل عن الإجعال للغزو، فقال: لا بأس به أن يغزو الرجل عن الرجل و يأخذ منه الجعل» (2).

و لأنّ الضرورة قد تدعو إليه، فكان سائغا كغيره.

و قال الشافعي: لا تنعقد الإجارة، و يجب عليه ردّ الأجرة إلى صاحبها، لتعيّن الجهاد عليه بحضوره الصف، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه (3).

و ينتقض بالحجّ، فإنّه إذا حضر مكة، تعيّن عليه الإحرام، و مع هذا جاز أن يقع الإحرام المتعيّن عليه عن غيره، فكذا هنا.

و قال عطاء و مجاهد و سعيد بن المسيّب: من اعطي شيئا من المال يستعين به في الغزو، فإن اعطي لغزوة بعينها فما فضل بعد الغزو فهو له، لأنّه أعطاه على سبيل الإعانة و النفقة لا على سبيل الإجارة، فكان الفاضل له (4).

و إن أعطاه شيئا لينفقه في الجهاد مطلقا ففضل منه فضل، أنفقه في جهاد آخر، لأنّه أعطاه الجميع لينفقه في جهة قربة، فلزمه إنفاق الجميع فيها.

____________

(1) سنن ابن ماجة 2: 922- 2759.

(2) التهذيب 6: 173- 338.

(3) المهذّب- للشيرازي- 2: 228، الوجيز 2: 189، العزيز شرح الوجيز 11:

385، روضة الطالبين 7: 442، المغني 10: 519، الشرح الكبير 10: 512.

(4) المغني 10: 390، الشرح الكبير 10: 455.

39

و إذا اعطي شيئا ليستعين به في الغزو، لا يترك لأهله منه شيئا.

قال أحمد: لأنّه ليس يملكه إلّا أن يصير إلى رأس مغزاة فيكون كهيئة ماله فيبعث إلى عياله منه، و لا يتصرّف فيه قبل الخروج لئلّا يتخلّف عن الغزو فلا يكون مستحقّا لما أنفقه إلّا أن يشتري منه سلاحا أو آلة غزو (1).

و إذا حمل رجلا على دابّة غازية، فإذا رجع من الغزو، فهي له، إلّا أن يقول: هي حبس، فلا يجوز بيعها إلّا مع عدم صلاحيتها للغزو، فتباع و تجعل في حبس آخر.

قال أحمد: و كذلك المسجد إذا ضاق بأهله أو كان في مكان لا ينتفع به، جاز بيعه و جعل ثمنه في مكان ينتفع به، و كذا الأضحية إذا أبدلها بخير منها (2).

و لو أعطاه إيّاها ليغزو عليها، فإذا غزا عليها، قال أحمد: ملكها كما يملك النفقة المدفوعة إليه، و يصنع بثمنها ما شاء (3).

و كان مالك لا يرى أن ينتفع بثمنها في غير الغزو (4).

و ليس للغازي أن يركب دوابّ السبيل في حوائجه، بل يركبها و يستعملها في الغزو.

و سهم الفرس الحبيس لمن غزا عليه.

و كره بعضهم إنزاء الفرس الحبيس (5).

و لا يباع الفرس الحبيس إلّا من علّة، إذا عطب يصير للطحن،

____________

(1) المغني 10: 391، الشرح الكبير 10: 455.

(2) المغني: 10: 391.

(3) المغني 10: 391، الشرح الكبير 10: 456.

(4) المغني 10: 392، الشرح الكبير 10: 456.

(5) المغني 10: 392، الشرح الكبير 10: 457.

40

و يصرف ثمنه في مثله أو ينفق ثمنه على الدوابّ الحبيس.

و لا يجوز لمن وجب عليه الجهاد بتعيين الإمام أو بنذر المباشرة أن يجاهد عن غيره بجعل، فإن فعل وقع عنه و وجب عليه ردّ الجعل إلى صاحبه.

قال الشيخ (رحمه اللّه): للنائب ثواب الجهاد و للمستأجر ثواب النفقة، و أمّا ما يأخذه أهل الديوان من الأرزاق فليس اجرة، بل يجاهدون لأنفسهم و يأخذون حقّا جعله اللّه لهم، فإن كانوا أرصدوا أنفسهم للقتال و أقاموا في الثغور، فهم أهل الفيء لهم سهم من الفيء يدفع إليهم، و إن كانوا مقيمين في بلادهم يغزون إذا خيفوا [1]، فهم أهل الصدقات يدفع إليهم سهم منها (2).

و تستحبّ إعانة المجاهدين، و في مساعدتهم فضل عظيم من السلطان و العوام و كلّ أحد.

روى الباقر (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، قال: «من بلّغ رسالة غاز كان كمن أعتق رقبة و هو شريكه» (3).

____________

[1] في «ق، ك» و الطبعة الحجرية: إذا خفوا. و ما أثبتناه من المصدر.

____________

(2) المبسوط- للطوسي- 2: 7.

(3) التهذيب 6: 123- 214.

41

الفصل الثاني فيمن يجب جهاده، و كيفية الجهاد

و فيه مباحث:

الأوّل: من يجب جهاده.

مسألة 16: الذين يجب جهادهم قسمان:

مسلمون خرجوا عن طاعة الإمام و بغوا عليه، و كفّار، و هم قسمان: أهل كتاب أو شبهة كتاب، كاليهود و النصارى و المجوس و غيرهم من أصناف الكفّار، كالدهرية و عبّاد الأوثان و النيران، و منكري ما يعلم ثبوته من الدين ضرورة، كالفلاسفة و غيرهم.

قال اللّه تعالى وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ (1) و قال تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ (2) و قال تعالى:

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3) و قال فَضَرْبَ الرِّقابِ (4).

دلّت هذه الآيات على وجوب جهاد الأصناف السابقة.

____________

(1) الحجرات: 9.

(2) التوبة: 29.

(3) التوبة: 5.

(4) محمد: 4.

42

و روى العامّة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: «من أعطى إماما صفقة [1] يده و ثمرة قلبه فليطعه [2] ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» (3).

و كان (عليه السلام) يقول لمن يبعثه على جيش أو سريّة: «إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فأيّتهم [3] أجابوك إليها فاقبل منهم و كفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم و كفّ عنهم، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم و كفّ عنهم، فإن أبوا فاستعن باللّه عليهم و قاتلهم» (5).

و من طريق الخاصّة: قول الباقر (عليه السلام): «بعث اللّه محمّدا (صلى اللّه عليه و آله) بخمسة أسياف، ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها، و لن تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها حتى تطلع الشمس من مغربها، فيومئذ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ (6)، و سيف منها مكفوف، و سيف منها مغمود سلّه إلى غيرنا و حكمه إلينا، فأمّا السيوف الثلاثة الشاهرة: فسيف على مشركي العرب، قال اللّه تعالى:

____________

[1] في المصادر: (من بائع إماما فأعطاه صفقة ..)

[2] في «ق، ك» و الطبعة الحجرية: فليعطه. و هو تصحيف. و ما أثبتناه كما في المصادر.

[3] كذا، و في صحيح مسلم: «فأيّتهنّ ما» و كذا في المغني- لابن قدامة- إلّا أنّه ليس فيه كلمة «ما»، و في سنن أبي داود: «فأيّتها».

____________

(3) صحيح مسلم 3: 1473- 1844، سنن النسائي 7: 153- 154، سنن ابن ماجة 2: 1307- 3956، مسند أحمد 2: 344- 6467.

(5) صحيح مسلم 3: 1357- 3، سنن أبي داود 3: 37- 2612، سنن البيهقي 9:

49، و الخبر فيها ورد مفصّلا، و في المغني 10: 380 كما في المتن.

(6) الأنعام: 158.

43

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (1) فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام، و السيف الثاني على أهل الذمّة، قال اللّه تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ (2) الآية، فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا الجزية أو القتل، و السيف الثالث سيف على مشركي العجم يعني الترك و الخزر و الديلم، قال اللّه تعالى فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ (3) فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام، و لا يحلّ لنا نكاحهم ما داموا في الحرب، و أمّا السيف المكفوف على أهل البغي و التأويل، قال اللّه تعالى:

وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما- إلى قوله- حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ (4) فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل، فسئل النبي (صلى اللّه عليه و آله) من هو؟ قال: هو خاصف النعل- يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)- قال عمّار بن ياسر: قاتلت بهذه [1] الراية مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثلاثا و هذه الرابعة، و اللّه لو ضربونا حتى يبلغوا بنا [2] السعفات من هجر [3] لعلمنا أنّا على الحقّ و أنّهم على الباطل» (8) الحديث.

مسألة 17: كلّ من يجب جهاده فالواجب على المسلمين النفور إليهم

____________

[1] في «ق، ك» و الطبعة الحجريّة: هذه. و ما أثبتناه من المصدر.

[2] في «ق، ك» و الطبعة الحجريّة: يبلغونا. و ما أثبتناه من المصدر.

[3] هجر: بلدة باليمن، و اسم لجميع أرض البحرين. القاموس المحيط 2: 158 «هجر».

____________

(1) التوبة: 5.

(2) التوبة: 29.

(3) سورة محمّد: 4.

(4) الحجرات: 9.

(8) التهذيب 6: 136- 137- 230.

44

إمّا لكفّهم أو لنقلهم إلى الإسلام، فإن بدأوا بالقتال، وجب جهادهم.

و إنّما يجب قتال من يطلب إسلامه بعد دعائهم إلى محاسن الإسلام و التزامهم بشرائعه، فإن فعلوا و إلّا قوتلوا.

و الداعي إنّما هو الإمام أو من نصبه.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «بعثني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى اليمن، فقال:

يا علي لا تقاتل أحدا حتى تدعوه، و ايم اللّه لأن يهدي اللّه على يديك رجلا خير لك ممّا طلعت عليه الشمس و غربت، و لك ولاؤه يا علي» (1).

و إنّما يشترط تقدّم الدعاء في حقّ من لم تبلغه الدعوة و لا عرف بعثة الرسول، فيدعوهم إلى الإسلام و محاسنه، و إظهار الشهادتين، و الإقرار بالتوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة و أصول العبادات و جميع شرائع الإسلام، فإن أجابوا و إلّا قتلوا، لقوله (عليه السلام): «يا على لا تقاتل أحدا حتى تدعوه» (2).

أمّا من بلغته الدعوة و عرف البعثة و لم يقرّ بالإسلام فيجوز قتالهم ابتداء من غير دعاء، لأنّه معلوم عندهم حيث بلغتهم دعوة النبي (صلى اللّه عليه و آله)، و علموا أنّه يدعوهم إلى الإيمان و أنّ من لم يقبل منه قاتله و من قبل منه آمنه، فهؤلاء حرب للمسلمين يجوز قتالهم ابتداء، فإنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) أغار على بني المصطلق و هم غارّون آمنون، و إبلهم تسقى على الماء (3).

و قال سلمة بن الأكوع: أمرنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فغزونا ناسا من المشركين فبيّتناهم (4).

____________

(1) الكافي 5: 28- 4، التهذيب 6: 141- 240.

(2) الكافي 5: 28- 4، التهذيب 6: 141- 240.

(3) صحيح البخاري 3: 194، صحيح مسلم 3: 1356- 1730، سنن أبي داود 3:

42- 2633، مسند أحمد 2: 112- 4842، المغني 10: 380.

(4) سنن أبي داود 3: 43- 2638، المغني 10: 380.

45

و الدعاء أفضل، لما رواه العامّة: أنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) أمر عليّا (عليه السلام) حين أعطاه الراية يوم خيبر و بعثه إلى قتالهم أن يدعوهم (1)، و قد بلغتهم الدعوة [1]، و دعا سلمان أهل فارس (3)، و دعا علي (عليه السلام) عمرو بن [عبد] ودّ العامري فلم يسلم مع بلوغه الدعوة (4).

و من طريق الخاصّة: قول الصادق (عليه السلام): «لمّا بعث النبي (صلى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) إلى اليمن قال: يا علي لا تقاتل أحدا حتى تدعوه» (5) و هو عامّ.

و لو بدر إنسان فقتل واحدا من الكفّار قبل بلوغ الدعوة إليه، أساء، و لا قود عليه و لا دية، للأصل، و به قال أبو حنيفة و أحمد (6)، و هو قياس قول مالك (7).

و قال الشافعي: يجب ضمانه، لأنه كافر أصلي محقون الدم، لحرمته، فوجب ضمانه، كالذمّي (8).

و الفرق أنّ الذمّي التزم قبول الجزية فحرم قتله، أمّا هنا فلم يعلم

____________

[1] في «ق»: «الحجّة» بدل «الدعوة».

____________

(1) صحيح البخاري 4: 57- 58، و 5: 171، سنن سعيد بن منصور 2:

178- 2472، المغني 10: 381.

(3) سنن الترمذي 4: 119- 1548، سنن سعيد بن منصور 2: 177- 2470، المغني 10: 381.

(4) المغازي- للواقدي- 2: 471، الكامل في التاريخ 2: 181، تاريخ الطبري 2:

239.

(5) الكافي 5: 28- 4، التهذيب 6: 141- 240.

(6) المبسوط- للسرخسي- 10: 30، المغني 10: 381، الحاوي الكبير 14:

214 و فيه قول أبي حنيفة.

(7) انظر: المنتقى- للباجي- 3: 168.

(8) مختصر المزني: 273، الحاوي الكبير 14: 214، المبسوط- للسرخسي- 10:

30، المنتقى- للباجي- 3: 168.

46

ذلك منه، فلا يجب له الضمان، لأنّه كافر لا عهد له، كالحربي.

مسألة 18: أصناف الكفّار ثلاثة:

أهل الكتاب،

و هم اليهود و النصارى لهم التوراة و الإنجيل، فهؤلاء يطلب منهم إمّا الإسلام أو الجزية، فإن لم يسلموا و بذلوا الجزية، حرم قتالهم إجماعا، لقوله تعالى قاتِلُوا- إلى قوله- حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ (1).

و من له شبهة كتاب،

و هم المجوس كان لهم نبي قتلوه و كتاب حرقوه، و حكمهم حكم أهل الذمّة إجماعا إن أسلموا، و إلّا طلب منهم الجزية، فإن بذلوها، كفّ عنهم و أقرّوا على دينهم، و إلّا قتلوا. قال (عليه السلام):

«سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» (2).

و من لا كتاب له و لا شبهة،

كعبّاد الأوثان و غيرهم ممّن عدا أهل الكتاب و المجوس، فإنّه لا يقبل منهم إلّا الإسلام خاصّة، و لو بذلوا الجزية، لم تقبل منهم، عند علمائنا كافّة- و به قال الشافعي (3) و أحمد في إحدى الروايتين (4)- لقوله تعالى قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً (5).

و قوله (عليه السلام): «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلّا اللّه» (6)

____________

(1) التوبة: 29.

(2) الموطأ 1: 278- 42، سنن البيهقي 9: 189- 190، المصنّف- لابن أبي شيبة- 3: 224، و 12: 243، المصنّف- لعبد الرزاق- 6: 69- 10025.

(3) العزيز شرح الوجيز 11: 507، حلية العلماء 7: 695، الحاوي الكبير 14:

284، روضة الطالبين 7: 494، المغني 10: 381- 382، الشرح الكبير 10:

579.

(4) المغني 10: 381- 382، الشرح الكبير 10: 579.

(5) التوبة: 36.

(6) صحيح مسلم 1: 52- 21 و 53- 35، سنن ابن ماجة 2: 1295- 3927 و 3928، سنن النسائي 5: 14، سنن أبي داود 3: 44- 2640، سنن البيهقي 9: 49 و 182.

47

خرج منه القسمان الأوّلان، فيبقى الباقي على أصله.

و لأنّ قوله (عليه السلام) في [1] المجوس: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» (2) يقتضي تخصيص أهل الكتاب بأخذ الجزية، إذ لو شاركهم غيرهم لم تختصّ الإضافة بهم.

و لأنّ كفر من عدا الثلاثة أشدّ، لإنكارهم الصانع تعالى و جميع الرسل و لم تكن لهم شبهة كتاب، فلا يساوون من له كتاب و اعتراف باللّه تعالى، كالمرتدّ.

و قال أبو حنيفة: يقبل من عبدة الأوثان من العجم الجزية، و لا تقبل من العرب إلّا الإسلام- و هو رواية عن أحمد (3)- لأنّهم يقرّون على دينهم بالاسترقاق فأقرّوا بالجزية، كأهل الكتاب و المجوس (4).

و قال مالك: الجزية تقبل من جميع الكفّار إلّا كفّار قريش، لأنّ النبي (عليه السلام) كان يوصي من يبعث من الأمراء بالدعاء إلى ثلاث خصال من جملتها الجزية (5)، و هو عامّ في جميع الكفّار (6).

____________

[1] في «ق، ك»: «عن» بدل «في».

____________

(2) الموطّأ 1: 278- 42، سنن البيهقي 9: 189- 190، المصنّف- لابن أبي شيبة- 3:

224، و 12: 243، المصنّف- لعبد الرزّاق- 6: 69- 10025.

(3) المغني 10: 382، الشرح الكبير 10: 579.

(4) المبسوط- للسرخسي- 10: 7، حلية العلماء 7: 695، العزيز شرح الوجيز 11: 507، الحاوي الكبير 14: 284، المغني 10: 382، الشرح الكبير 10:

579.

(5) صحيح مسلم 3: 1357- 3، سنن أبي داود 3: 37- 2612، سنن البيهقي 9:

49، المغني 10: 380.

(6) العزيز شرح الوجيز 11: 507، حلية العلماء 7: 695، الحاوي الكبير 14:

284، المغني 10: 382، الشرح الكبير 10: 579.

48

و نمنع إقرارهم على دينهم بالاسترقاق، و الأمر بقبول الجزية مخصوص بأهل الذمّة.

إذا عرفت هذا، فإن كان الكفّار ممّن لا يؤخذ منهم الجزية، عرض الأمير عليهم الإسلام، فإن أسلموا، حقنوا دماءهم و أموالهم، و إن أبوا، قاتلهم و سبى ذراريهم و نساءهم و غنم أموالهم و قسّمها، على ما يأتي، و إن كانوا ممّن يؤخذ منهم الجزية، دعاهم إلى الإسلام، فإن أجابوا، كفّ عنهم، و إن أبوا، دعاهم إلى إعطاء الجزية، فإن بذلوها، قبل منهم الجزية، و إن امتنعوا، قاتلهم و سبى ذراريهم و نساءهم و غنم أموالهم و قسّمها على المستحقّين.

البحث الثاني: في الجند.

مسألة 19: إذا عيّن الإمام شخصا للجهاد معه،

وجب عليه طاعته، و حرم عليه التخلّف عنه، سواء وجب عليه أوّلا الدعاء أو لا، و لو لم يعيّن، لم يجب عليه الّا على الكفاية، إلّا أن يدهم المسلمين عدوّ يخشى منه على النفس و المال و يخاف على بيضة الإسلام، فيجب على كلّ متمكّن الجهاد، سواء أذن له الإمام أو لا، و سواء كان مقلّا أو مكثرا، و لا يجوز لأحد التخلّف إلّا مع الحاجة إلى تخلّفه، كحفظ المكان و الأهل و المال أو منع الإمام له من الخروج.

فإن أمكن استخراج إذن الإمام في جهاد فرض العين، وجب، لأنّه أعرف، و أمر الحرب موكول إليه، لعلمه بكثرة العدوّ و قلّته، و لو لم يمكن استئذانه، لغيبته و مفاجاة العدوّ، وجب الخروج بغير إذن.

و إذا نادى الإمام بالنفير و الصلاة، فإن كان العدو بعيدا، صلوا ثمّ!

49

خرجوا، و إن كان قريبا يخشى من التأخّر بالصلاة، خرجوا و صلّوا على ظهور دوابّهم، و لو كانوا في الصلاة، أتمّوها، و كذا يتمّون خطبة الجمعة.

و إذا نادى بالصلاة جامعه لحدوث أمر يحتاج إلى المشورة، لم يتخلّف أحد إلّا لعذر. و لا ينبغي أن تنفر الخيل إلّا عن حقيقة الأمر.

مسألة 20: إذا بعث الإمام سريّة، استحبّ له أن يؤمّر عليهم أميرا ثقة جلدا،

و يأمرهم بطاعته و يوصيه بهم، و أن يأخذ البيعة على الجند حتى لا يفرّوا، و أن يبعث الطلائع و يتجسّس أخبار الكفّار، و يكون الأمير له شفقة و نظر على المسلمين.

و لو كان القائد معروفا بشرب الخمر أو غيره من المعاصي، لم ينفروا معه، و لو كان شجاعا ذا رأي، جاز النفور معه، لقوله (عليه السلام): «إنّ اللّه ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر» (1) هذا كلّه مع الحاجة إلى النفير من غير إذن الإمام العادل، أمّا مع عدم الحاجة فلا يجوز بحال.

و إذا احتاج إلى إخراج النساء لمداراة المرضى و شبهها، استحبّ له أن يخرج العجائز، و يكره إخراج الشوابّ منهنّ حذرا من ظفر الكفّار بهم فينالوا منهنّ الفاحشة، فإن احتاج إلى إخراجهنّ، جاز، فإنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) خرج بعائشة في غزوات (2).

مسألة 21: تجوز الاستعانة بأهل الذمّة و بالمشرك المأمون غائلته

إذا

____________

(1) صحيح البخاري 4: 88 و 5: 169 و 8: 155، صحيح مسلم 1: 105- 106- 111، سنن الدارمي 2: 241، مسند أحمد 2: 596- 8029، المغني و الشرح الكبير 10: 366.

(2) المغازي- للواقدي- 1: 249 و 407 و 2: 791، صحيح البخاري 4: 40.

50

كان في المسلمين قلّة، فإنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) استعان بصفوان بن أميّة على حرب هوازن قبل إسلامه (1)، و استعان بيهود بني قينقاع و رضخ لهم (2).

و لو لم يكن مأمونا أو كان بالمسلمين كثرة، لم يستعن بهم.

قال اللّه تعالى وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (3).

و قال (عليه السلام): «إنّا لا نستعين بالمشركين على المشركين» (4) و أراد (عليه السلام) مع فقد أحد الشرطين.

و لأنّهم مغضوب عليهم، فلا تحصل النصرة بهم، و مع عدم الأمن منهم لا يجوز استصحابهم. و هذا كلّه مذهب الشافعي (5).

و له قول آخر: جواز الاستعانة بشرط كثرة المسلمين بحيث لو خان المستعان بهم و انضمّوا إلى الكفّار، تمكّن المسلمون من مقاومتهم جميعا (6).

و منع ابن المنذر من الاستعانة بالمشركين مطلقا (7). و عن أحمد روايتان (8).

و يجوز أن يستعين بالعبيد مع إذن السادة، و بالمراهقين، و الذمّيّ إذا

____________

(1) المغازي- للواقدي- 2: 854- 855 سنن البيهقي 9: 37، العزيز شرح الوجيز 11:

381.

(2) سنن البيهقي 9: 37، العزيز شرح الوجيز 11: 380- 381.

(3) الكهف: 51.

(4) سنن البيهقي 9: 37.

(5) الوجيز 2: 189، العزيز شرح الوجيز 11: 380- 381، المهذّب- للشيرازي- 2: 231، روضة الطالبين 7: 441، الحاوي الكبير 14: 131 و 132، المغني 10: 447.

(6) روضة الطالبين 7: 441، العزيز شرح الوجيز 11: 381.

(7) المغني 10: 447، الشرح الكبير 10: 421.

(8) المغني 10: 447، الشرح الكبير 10: 421.

51

حضر بإذن، رضخ له، و بغير إذن لا يرضخ.

و للشافعي في استحقاقه الرضخ مع عدم الإذن قولان، و لو نهي لم يستحق (1).

مسألة 22: لا يجوز للإمام و لا للأمير من قبله أن يخرج معه من يخذّل الناس

و يثبّطهم [1] عن الغزو و يدهدههم [2] في الخروج، كمن يقول:

الحرّ شديد أو البرد، و المشقّة عظيمة، و المسافة بعيدة، و الكفّار كثيرون و المسلمون أقلّ و لا يؤمن هزيمتهم. و لا المرجف، و هو الذي يقول:

هلكت سريّة المسلمين و لا طاقة لكم بهم و لهم قوّة و شوكة و مدد و صبر، و لا يثبت لهم مقاتل. و نحوه، و لا من يعين على المسلمين بالتجسّس للكفّار و مكاتبتهم بأخبار المسلمين، و اطّلاعهم على عوراتهم و إيواء جاسوسهم، و لا من يوقع العداوة بين المسلمين و يمشي بينهم بالنميمة و يسعى بالفساد، لقوله تعالى لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلّا خَبالًا وَ لَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ (4).

فإن خرج واحد منهم، لم يسهم له و لا يرضخ، و لو قتل كافرا، لم يستحق سلبه و إن أظهر إعانة المسلمين، لأنّه نفاق.

و لو كان الأمير أحد هؤلاء، لم يخرج الناس معه، لأنّ التابع يمنع منه فالمتبوع أولى [3]، لأنّه أكثر ضررا.

____________

[1] ثبّطه عن الشيء تثبيطا: إذا شغله عنه. لسان العرب 7: 267 «ثبط».

[2] الدهدهة: قذفك الحجارة من أعلى إلى أسفل دحرجة. لسان العرب 13: 489 «دهده».

[3] ورد في «ق، ك» و الطبعة الحجريّة: لأنّ المتبوع يمنع منه فالتابع أولى. و ما أثبتناه هو الصحيح.

____________

(1) الوجيز 2: 189، العزيز شرح الوجيز 11: 384، روضة الطالبين 7: 441.

(4) التوبة: 47.

52

مسألة 23: إذا خرج الإمام بالنفير، عقد الرايات،

فجعل كلّ فريق تحت راية، و جعل لكلّ من تابعه شعارا يتميّز به عندهم حتى لا يقتل بعضهم بعضا بيانا، و يدخل دار الحرب بجماعته، لأنّه أحوط و أهيب، و أن ينتظر الضعفاء فيسير على مسيرهم إلّا مع الحاجة إلى قوّة السير، و يدعو عند التقاء الصفّين، و يكبّر من غير إسراف من رفع الصوت، و أن يحرّض الناس على القتال و على الصبر و الثبات.

و لو تجدّد عذر أحد معه، فإن كان لمرض في نفسه، كان له الانصراف و إن كان بعد التقاء الصفين، لعدم تمكّنه من القتال، و إن كان لغير مرض، كرجوع صاحب الدّين أو أحد الأبوين، فإن كان بعد التقاء الصفّين، لم يجز الانصراف، و إن كان قبله، جاز.

و لا ينبغي له أن يقتل أباه الكافر بل يتوقّاه، لقوله تعالى:

وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً (1) إلّا أن يسبّ النبي (صلى اللّه عليه و آله)، فإنّ أبا عبيدة قتل أباه حين سبّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فلمّا قال له النبي (صلى اللّه عليه و آله): «لم قتلته؟» قال: سمعته يسبّك. فسكت عنه (2).

و لا يميل الأمير مع موافقة في المذهب و النسب على مخالفه فيهما، لئلّا يكسر قلوب غيرهم فيخذلونه عند الحاجة.

و ينبغي أن يستشير بأصحاب الرأي من أصحابه، للاية (3).

و يتخيّر لأصحابه المنازل الجيّدة و موارد المياه و مواضع العشب.

____________

(1) لقمان: 15.

(2) الحاوي الكبير 14: 127، العزيز شرح الوجيز 11: 389- 390.

(3) آل عمران: 159.

53

و يحمل من نفقت [1] دابّته إذا كان فضل معه أو مع أتباعه.

و لو خاف رجل تلف آخر لموت دابّته، احتمل وجوب بذل فاضل مركوبه ليحيى به صاحبه، كما يجب بذل فاضل الطعام للمضطرّ، و تخليصه من عدوّه.

و يجوز العقبة بأن يكون الفرس الواحد لاثنين، لما فيه من الإرفاق.

مسألة 24: قد بيّنا أنّه لا يخرج المخذّل و شبهه،

فإن نهاه الإمام عن الخروج فخرج، لم يستحق اجرة و لا رضخا، لأنّه متّهم بموالاة أهل دينه [2]، و للإمام أن يعزّره إذا رآه.

و لو لم يأمره و لا نهاه، لم يستحق رضخا عندنا- و هو أصحّ وجهي الشافعية (3)- لأنّه ليس من أهل الذبّ عن الدين، بل هو متّهم بالخيانة.

و الثاني: أنّه يستحقّ، لأنّه بالعهد المؤبّد صار من أهل الدار و أهل نصرتها (4).

و ليس بشيء، لأنّ المخذّل أقوى منه في دفع التهمة عنه.

و ليس له إخراج نساء أهل الذمّة و لا ذراريهم، لأنّه لا قتال فيهم و لا رأي و لا يتبرّك [3] بدعائهم.

و للشافعي قولان (6).

فعلى الجواز هل له أن يرضخ لهنّ؟ وجهان، أحدهما: المنع (7).

____________

[1] نفقت الدابّة: إذا ماتت. لسان العرب 10: 357 «نفق».

[2] في «ق، ك» و الطبعة الحجرية: أهل ذمّته. و الظاهر أنّ ما أثبتناه هو الصحيح.

[3] ورد في «ق، ك»: و لا يترك. و هو ظاهر الطبعة الحجريّة. و الصحيح ما أثبتناه.

____________

(3) العزيز شرح الوجيز 11: 384 و 385، روضة الطالبين 7: 442.

(4) العزيز شرح الوجيز 11: 384 و 385، روضة الطالبين 7: 442.

(6) العزيز شرح الوجيز 11: 384، روضة الطالبين 7: 441.

(7) العزيز شرح الوجيز 7: 353 و 11: 384، روضة الطالبين 5: 330.

54

و أخرج [1] النبي (صلى اللّه عليه و آله) معه عبد اللّه بن أبيّ (2) مع ظهور التخذيل منه، لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يطّلع بالوحي على أفعاله فلا يتضرّر بكيده.

و لو قهر الإمام جماعة من المسلمين على الخروج و الجهاد معه، لم يستحقّوا اجرة، قاله بعض الشافعيّة (3).

و الوجه: أنّه إن كان الجهاد تعيّن عليهم [2]، فلا اجرة لهم [3]، و إلّا فلهم الأجرة من حين إخراجهم إلى أن يحضروا الوقعة، و الأقرب: إلى فراغ القتال.

و للإمام استئجار عبيد المسلمين بإذن ساداتهم، كالأحرار.

و للشافعيّة قولان، هذا أحدهما [4]. و الثاني: أن يقال: إن جوّزنا استئجار الأحرار، جاز استئجار العبيد، و إلّا فوجهان مخرّجان مبنيّان على أنّه إذا وطئ الكفّار طرفا من بلاد الإسلام هل يتعيّن الجهاد على العبيد؟ إن قلنا: نعم، فهم من أهل فرض الجهاد، فإذا وقفوا في الصفّ، وقع عنهم، و إلّا جاز استئجارهم (7).

____________

[1] الظاهر أنّ موضع قوله: «و أخرج .. بكيده» في صدر المسألة بعد قوله: «قد بيّنا .. و شبهه».

[2] في «ق، ك» و الطبعة الحجريّة: «عليه» بدل «عليهم» و ما أثبتناه لأجل سياق العبارة.

[3] في «ق» و الطبعة الحجريّة: «له» بدل «لهم» و لم يرد لفظ «له» في «ك» و ما أثبتناه يقتضيه السياق.

[4] انظر: العزيز شرح الوجيز 11: 384، و روضة الطالبين 7: 441 و فيهما: يجوز الاستعانة بالعبيد إذا أذن السادة.

الاستعانة بالعبيد إذا أذن السادة.

____________

(2) انظر: سنن البيهقي 9: 31.

(3) الوجيز 2: 189، العزيز شرح الوجيز 11: 386، روضة الطالبين 7: 442.

(7) العزيز شرح الوجيز 11: 386، روضة الطالبين 7: 442- 443.