تذكرة الفقهاء - ج16

- العلامة الحلي المزيد...
380 /
5

[تتمة كتاب الديون و توابعها]

المقصد الثامن: في الصلح

و فيه فصول:

الفصل الأوّل: في ماهيّته و أركانه

و فيه بحثان:

البحث الأوّل: في ماهيّته.

الصلح عقد شُرّع لقطع التنازع بين المتخاصمين.

و هو عقد سائغ بالنصّ و الإجماع.

قال اللّه تعالى: «وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ» (1) و قال تعالى:

«وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما» (2).

و من طريق العامّة: عن أبي هريرة أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالًا» (3).

و عن عبد اللّه بن كعب بن مالك أنّ كعب بن مالك أخبره أنّه تقاضى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْناً كان له- على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)- في المسجد،

____________

(1) النساء: 128.

(2) الحجرات: 9.

(3) سنن أبي داوُد 3: 304/ 3594، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 7: 275/ 5069، موارد الظمآن: 291/ 1199.

6

فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو في بيته، فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إليهما حتى كشف سجف (1) حجرته و نادى: «يا كعب» قال:

لبّيك يا رسول اللّه، فأشار بيده أنْ ضَعِ الشطرَ من دَيْنك، قال كعب: قد فعلتُ يا رسول اللّه، قال: «قُمْ فاقبضه» (2).

و من طريق الخاصّة: ما رواه حفص بن البختري- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام) قال: «الصلح جائز بين الناس» (3).

و في الصحيح عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) أنّهما قالا في رجلين كان لكلّ واحدٍ منهما طعام عند صاحبه لا يدري كلّ واحدٍ منهما كم له عند صاحبه، فقال كلّ واحدٍ منهما لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي، فقال:

«لا بأس بذلك» (4).

و قد أجمعت الأُمّة على جواز الصلح في الجملة، و لم يقع بين العلماء فيه خلاف.

مسألة 1022: الصلح عند علمائنا أجمع عقدٌ قائم بنفسه ليس فرعاً على غيره

، بل هو أصل في نفسه منفرد بحكمه، و لا يتبع غيره في الأحكام؛ لعدم الدليل على تبعيّته على الغير، و الأصل في العقود الأصالة.

و قال الشافعي: إنّه ليس بأصلٍ ينفرد بحكمه، و إنّما هو فرع على غيره. و قسّمه على خمسة أضرُب:

ضرب هو فرع البيع، و هو أن يكون في يده عينٌ أو في ذمّته دَيْنٌ

____________

(1) السجْف: الستر. النهاية- لابن الأثير- 2: 343 «سجف».

(2) صحيح البخاري 3: 246، صحيح مسلم 3: 1192/ 1558، سنن البيهقي 6: 63- 64، المعجم الكبير- للطبراني- 19: 67- 68/ 128.

(3) الكافي 5: 259/ 5، التهذيب 6: 208/ 479.

(4) التهذيب 6: 206/ 470.

7

فيدّعيها إنسان فيُقرّ له بها ثمّ يصالحه على ما يتّفقان عليه، و هو جائز فرع على البيع، بل هو بيع عنده تتعلّق به أحكامه.

و ضرب هو فرع الإبراء و الحطيطة، و هو أن يكون له في ذمّته دَيْنٌ فيُقرّ له به ثمّ يصالحه على أن يسقط بعضه و يدفع إليه بعضه، و هو جائز، و هو فرع الإبراء.

و ضرب هو فرع الإجارة، و هو أن يكون له عنده دَيْنٌ أو عينٌ فيصالحه من ذلك على خدمة عبدٍ أو سكنى دارٍ مدّةً، فيجوز ذلك، و يكون فرعَ الإجارة.

و ضرب هو فرع الهبة، و هو أن يدّعي عليه دارين أو عبدين و شبههما في يده، فيُقرّ له بهما، و يصالحه من ذلك على إحداهما، فيكون هبةً للأُخرى.

و ضرب هو فرع العارية، و هو أن تكون في يده دار فيُقرّ له بها، فيصالحه على سكناها شهراً، و هو جائز، و يكون ذلك عاريةً (1).

و قال بعض الشافعيّة: الصلح فرعٌ للبيع و الإبراء و الهبة خاصّةً. ثمّ فسّر الإبراء و الهبة بما ليس بصلحٍ، فقال: إذا كان له في ذمّته ألف درهم فقال: قد أبرأتك من خمسمائة، و يدفع إليه خمسمائة، فإن كان بلفظ الصلح، لم يصح. و كذا إذا قال: أبرأتك من خمسمائة على أن تعطيني خمسمائة، فإنّه لا يجوز (2).

و قال بعضهم: يجوز بلفظ الصلح (3).

ثمّ قال القائل الأوّل: لو ادّعى عليه عينين فأقرّ له بهما فوهب له

____________

(1) البيان 6: 221- 224.

(2) (2 و 3) لم نعثر عليه في مظانّه.

8

إحداهما و أخذ الأُخرى جاز، و لا يجوز بلفظ الصلح أو بالشرط؛ لأنّ لفظ الصلح يقتضي المعاوضة، فأمّا إذا صالحه على بعض الدَّيْن، كان كأنّه قد باع ألفاً بخمسمائة، و هو حرام (1).

و أمّا في الهبة فإذا كان بلفظ الصلح، فكأنّه قد باع ماله بماله، فلهذا لم يجز.

و المشهور عندهم: الجواز (2)؛ لأنّ لفظ الصلح إذا ذكر فيما كان معاوضةً اقتضى ذلك أن يكون معاوضةً، فأمّا أن يكون لفظه يقتضيه فليس بصحيحٍ؛ لأنّ الصلح إنّما معناه الاتّفاق و الرضا، و الاتّفاق قد يحصل على المعاوضة و على غيرها، كما أنّ لفظ التمليك إذا كان فيما طريقه المعاوضة- مثل: أن يقول: ملّكتك هذا بهذا- فإنّه يكون بيعاً، فإذا قال: ملّكتك هذا، كان هبةً حيث تجرّد عن العوض، كذا هنا أيضاً.

و على القول الثاني يخرج قائله من أن يكون صلحاً، و لا يبقى له ثَمَّ تعلّقٌ؛ لأنّه إذا ادّعى عليه شيئاً، فأقرّ به و أبرأه من بعضه و أخذ بعضه بغير لفظ الصلح، فذلك براءة و قبض دَيْنه، و لو أبرأه من جميعه لم يُسمّ صلحاً، و لو قبض جميعه فكذلك، فأمّا إذا كان بلفظ الصلح سُمّي بذلك؛ لوجود لفظه و إن لم يوجد معناه، كما تُسمّى الهبة المشروطة بالثواب هبةً؛ لوجود لفظها و إن لم يوجد في ذلك معناها، و هذا خلاف ما تقدّم؛ لأنّه معاوضة إجماعاً.

فأمّا إذا قال: أبرأتك من خمسمائة على أن تعطيني خمسمائة فإنّ الشافعيّة منعوا منه؛ لأنّ هذا الاشتراط يجعله بحكم العوض عن المتنازع

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

(2) راجع الحاوي الكبير 6: 368، و التهذيب- للبغوي- 4: 143، و البيان 6: 224.

9

و ذلك لا يجوز (1).

و إذا ورث رجلان من أبيهما أو أخيهما فصالح أحدهما الآخَر على نصيبه، كان ذلك صحيحاً عندنا مستقلّاً بنفسه.

و عندهم أنّه فرع البيع، فإذا شاهدا التركة و عرفا المعوّض، صحّ الصلح (2).

مسألة 1023: الصلح إمّا أن يجري بين المتداعيين، أو بين المدّعي و بين أجنبيٍّ

. [القسم الأول من الصلح ما يجري بين المتداعيين]

و الأوّل قسمان: أحدهما:

ما يجري على الإقرار عند الشافعيّة (3)، و هو نوعان:

أحدهما: الصلح عن العين.

و الثاني: الصلح عن الدَّيْن.

النوع الأوّل: الصلح عن العين.

و هو قسمان: صلح معاوضةٍ، و صلح حطيطةٍ.

أمّا صلح المعاوضة فهو الذي يجري على العين المدّعاة، كما لو ادّعى داراً فأقرّ له المتشبّث بها، و صالحه منها على عبدٍ أو ثوبٍ. و حكمه حكم البيع عند الشافعي (4) و إن عقد بلفظ الصلح، و تتعلّق به جميع أحكام البيع، كالردّ بالعيب، و الشفعة، و المنع من التصرّف قبل القبض، و اشتراط

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 367، المهذّب- للشيرازي- 1: 340، البيان 6: 222.

(2) البيان 6: 224.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 85، روضة الطالبين 3: 427.

(4) مختصر المزني: 105، الحاوي الكبير 6: 367، المهذّب- للشيرازي- 1: 340، التهذيب- للبغوي- 4: 141، البيان 6: 221، العزيز شرح الوجيز 5: 85، روضة الطالبين 3: 428، منهاج الطالبين: 125.

10

القبض إن كان المصالَح عنه و المصالَح عليه متوافقين في علّة الربا، و اشتراط التساوي في الكيل و الوزن إن اتّحد جنسهما من أموال الربا، و جريان التحالف عند الاختلاف، و فساد العقد بالغرر و الجهل.

هذا إذا صالح منها على عينٍ أُخرى، و إن صالح منها على منفعة دارٍ أُخرى أو خدمة عبدٍ سنةً جاز، و كان إجارةً، فتثبت فيه أحكامها.

و أمّا صلح الحطيطة، و هو الجاري على بعض العين المدّعاة، كما لو صالح من الدار المدّعاة على نصفها أو ثلثها، فإنّه هبة بعض المدّعى ممّن هو في يده، فيشترط القبول و مضيّ إمكان القبض، و يصحّ بلفظ الهبة- إجماعاً- و ما في معناها.

و في صحّتها بلفظ الصلح وجهان عندهم:

أحدهما: المنع؛ لأنّ الصلح يتضمّن المعاوضة، و لا يقابل الإنسان ملك نفسه ببعضه.

و أظهرهما عندهم: الصحّة؛ لأنّ الخاصّيّة التي يفتقر إليها لفظ الصلح- و هو سبق الخصومة- قد حصلت (1).

مسألة 1024: لو صالحه من أرش الموضحة- مثلًا- على شيءٍ معلوم، جاز إذا علما قدر أرشها

، و به قال الشافعي (2).

و لو باعه، لم يجز عند بعض الشافعيّة (3).

و خالفه معظم الشافعيّة في افتراق اللفظين.

و قالوا: إن كان الأرش مجهولًا- كالحكومة التي لم تُقدَّر و لم تُضبط- لم يجز الصلح عنه و لا بيعه.

____________

(1) (1- 3) العزيز شرح الوجيز 5: 86، روضة الطالبين 3: 428.

11

و إن كان معلومَ القدر و الصفة- كالدراهم و الدنانير إذا ضُبطت في الحكومة- جاز الصلح عنها، و جاز بيعها ممّن عليه.

و إن كان معلومَ القدر دون الصفة على الحدّ المعتبر في السَّلَم كالإبل الواجبة في الدية، ففي جواز الاعتياض عنها بلفظ الصلح و بلفظ البيع جميعاً للشافعيّة قولان:

أحدهما: الصحّة، كما لو اشترى عيناً و لا يعرف صفاتها.

و أظهرهما عندهم: المنع، كما لو أسلم في شيءٍ غير موصوفٍ (1).

هذا حكم الجراح الذي لا يوجب القود، و إن أوجبه إمّا في النفس أو فيما دونها، فالصلح عنها مبنيّ عندهم على الخلاف في أنّ مُوجَبَ العمد القصاصُ أو أحدُ الأمرين؟ و سيأتي إن شاء اللّه تعالى (2).

مسألة 1025: لا يشترط عندنا سبق الخصومة في الصلح

؛ لأصالة الصحّة، فلو كان لواحدٍ ملكٌ فقال له غيره: بِعْني ملكك بكذا، فباعه، صحّ البيع إجماعاً.

و لو قال له: صالحني عنه بألف، ففَعَل، صحّ عندنا؛ لأنّ الصلح عقد مستقلّ بنفسه.

و هو أحد وجهي الشافعيّة؛ لأنّ مثل هذا الصلح معاوضة، و لا فرق بين أن يعقده بلفظ الصلح أو بلفظ البيع.

و أظهرهما عندهم: المنع؛ لأنّ لفظ الصلح إنّما يُستعمل و يُطلق إذا سبقت الخصومة (3).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 86، روضة الطالبين 3: 429- 430.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 86، روضة الطالبين 3: 430.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 87، روضة الطالبين 3: 429.

12

و هو ممنوع، و لا عبرة باللفظ.

هذا إذا أطلقا لفظ الصلح و لم ينويا شيئاً، أمّا إذا استعملا و نويا البيع، فإنّه يكون كنايةً قطعاً، و يكون عند الشافعيّة مبنيّاً على الخلاف المشهور في انعقاد البيع بالكنايات (1).

و عندنا الأصل عصمة مال الغير، و عدم الانتقال عنه بالكناية.

مسألة 1026: لو صالح الإمام أهلَ الحرب من أموالهم على شيءٍ يأخذه منهم، جاز

، و لا يقوم البيع مقامه، و به قال بعض الشافعيّة (2).

و اعترض بعضهم: بأنّ هذا الصلح ليس عن أموالهم، و إنّما يصالحهم و يأخذه منهم للكفّ عن دمائهم و أموالهم (3).

و هذا الكلام ساقط عندنا؛ لأنّ الصلح عقد مستقلٌّ بنفسه على ما تقدّم (4).

النوع الثاني: الصلح عن الدَّيْن.

و هو قسمان:

[القسم الأول] صلح معاوضةٍ

، و هو الجاري على ما يغاير الدَّيْن المدّعى، كما لو صالحه على الدَّيْن الذي له عليه بعبدٍ أو ثوبٍ أو شبهه.

و هو صحيح عندنا مطلقاً، سواء وقع الصلح على بعض أموال الربا الموافق في العلّة أو المخالف، أو على غيره.

____________

(1) (1 و 2) العزيز شرح الوجيز 5: 87، روضة الطالبين 3: 429.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 87- 88، روضة الطالبين 3: 429.

(4) في ص 6، المسألة 1022.

13

و لا يشترط التقابض في المجلس. و لا يشترط تعيينه في عقد الصلح على أصحّ الوجهين عندهم (1).

و إن لم يكن العوضان كذلك، فإن كان العوض عيناً صحّ الصلح.

و لا يشترط قبضه في المجلس في أصحّ الوجهين عندهم (2)، لكن يشترط التعيين في المجلس، و لا يشترط القبض بعد التعيين في أصحّ الوجهين (3).

و كلّ ذلك آتٍ في بيع الدَّيْن ممّن عليه الدَّيْن.

القسم الثاني: صلح الحطيطة

، و هو الجاري على بعض الدَّيْن المدّعى، و هو إبراء عن بعض الدَّيْن.

ثمّ لا يخلو إمّا أن يأتي بلفظ الإبراء أو ما يشبهه، مثل أن يقول:

أبرأتك عن خمسمائة من الألف الذي لي عليك و صالحتك على الباقي، فإنّه يصحّ قطعاً، و يكون إبراءً، و تبرأ ذمّة المديون عمّا أبرأه منه.

و هل يشترط القبول؟ الأقرب عندي: عدم الاشتراط، و هو أظهر وجهي الشافعيّة (4).

و لهم وجهٌ آخَر بعيد مطّرد في كلّ إبراءٍ (5).

و لا يشترط قبض الباقي في المجلس.

و إمّا أن لا يأتي بلفظ الإبراء، و يقتصر على لفظ الصلح، فيقول:

صالحتك عن الألف التي لي في ذمّتك على خمسمائة، صحّ عندنا أيضاً.

و للشافعيّة وجهان كما تقدّم في صلح الحطيطة في العين.

و الأصحّ عندهم: الصحّة (6).

____________

(1) (1- 3) العزيز شرح الوجيز 5: 88، روضة الطالبين 3: 430.

(4) (4- 6) العزيز شرح الوجيز 5: 89، روضة الطالبين 3: 430.

14

و هل يشترط القبول؟ إشكال ينشأ: من كونه عقداً مستقلّاً، و من كونه في معنى الإبراء.

و للشافعيّة وجهان كالوجهين فيما إذا قال لمن له عليه الدَّيْن: وهبته منك.

و الأظهر عندهم: الاشتراط؛ لاقتضاء وضع اللفظ ذلك (1).

و لو صالح منه على خمسمائة معيّنة، فللشافعيّة الوجهان (2).

و اختار الجويني هنا الفسادَ؛ لأنّ تعيّن الخمسمائة يقتضي كونها عوضاً و كون العقد معاوضةً، فيصير كأنّه قد باع الألف بنصفها، و هو ربا (3).

و هو ممنوع؛ لأنّ الصلح على البعض المعيّن إبراءٌ للبعض و استيفاءٌ للباقي، و لا يصحّ هذا الضرب بلفظ البيع، كما في نظيره من الصلح على العين؛ لأنّه ربا محقّق.

مسألة 1027: يصحّ الصلح على الأعيان المتماثلة جنساً و وصفاً

، سواء كانت ربويّةً أو لا، و سواء تفاوتت في المقدار أو الحلول أو التأجيل، أو لا، عندنا؛ لما تقدّم (4) من كون الصلح عقداً مستقلّاً بنفسه ليس يجب أن تتبعه لواحق البيع.

فلو كان له ألف مؤجَّلة على غيره، فصالحه منها على ألفٍ حالّ، أو بالعكس، صحّ؛ لما مهّدناه من القاعدة.

و قالت الشافعيّة: لو صالح عن ألفٍ حالّ على ألفٍ مؤجَّل، أو من ألفٍ مؤجَّل على ألفٍ حالّ، كان لغواً؛ لأنّ الأوّل وَعْدٌ من صاحب الدَّيْن

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 89، روضة الطالبين 3: 430.

(2) (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 5: 89، روضة الطالبين 3: 431.

(4) في ص 6، المسألة 1022.

15

بإلحاق الأجل، و الثاني وَعْدٌ من المديون بإسقاط الأجل، و الأجل لا يلحق و لا يسقط (1).

و هو ممنوع؛ لأنّه مبنيّ على عدم استقلال عقد الصلح بنفسه.

أمّا لو عجّل المديون الدَّيْنَ المؤجَّل و دفعه إلى صاحبه، لم يجب على المالك القبولُ، فإن قَبِل و رضي بالدفع سقط الأجل إجماعاً؛ لحصول الإيفاء و الاستيفاء.

و كذا البحث في الصحيحة و المكسّرة.

و لو صالح عن ألفٍ مؤجَّل على خمسمائة حالّة، صحّ عندنا؛ عملًا بالأصل.

و بما رواه أبان بن عثمان عمّن حدّثه عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدَّيْن، فيقول له قبل أن يحلّ الأجل:

عجِّل لي النصفَ من حقّي على أن أضع عنك النصفَ، أ يحلّ ذلك لواحدٍ منهما؟ قال: «نعم» (2).

و في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)، و عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) أنّهما قالا في الرجل يكون عليه الدَّيْن إلى أجل مسمّى، فيأتيه غريمه فيقول: أنقدني من الذي لي عليك كذا و أضع عنك بقيّته، أو يقول:

أنقدني بعضاً و أمدُّ لك في الأجل فيما بقي، قال: «لا أرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً، يقول اللّه [عزّ و جلّ]: «فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ» (3)» (4).

____________

(1) الوسيط 4: 50، العزيز شرح الوجيز 5: 89، روضة الطالبين 3: 431.

(2) الكافي 5: 258- 259/ 3، التهذيب 6: 206/ 474.

(3) البقرة: 279.

(4) التهذيب 6: 207/ 475.

16

و قال الشافعي: لا يصحّ الصلح عن ألفٍ مؤجَّل بخمسمائة حالّة؛ لأنّه نزل عن بعض المقدار لتحصيل الحلول في الباقي، و الصفة بانفرادها لا تُقابَل بالعوض، ثمّ صفة الحلول لا تلتحق بالمال المؤجَّل، فإذا لم يحصل ما نزل عن القدر لتحصيله لم يصح النزول (1).

و نحن نمنع ذلك؛ لعدم اتّحاد المالين بالشخص. و نمنع عدم التحاق صفة الحلول بالمال المؤجَّل في صورة النزاع؛ لأنّ الصلح عقد أثره ذلك.

فروع:

أ- لو صالحه عن ألفٍ حالّ بألفين مؤجَّلة، أو عن ألفٍ مؤجَّلة إلى سنةٍ بألفين مؤجَّلة إلى سنتين، لم يجز

؛ عملًا بحديث الباقر و الصادق (عليهما السلام)، و قد سبق (2).

ب- لو صالح عن ألفٍ حالّ على خمسمائة مؤجَّلة، جاز

؛ لأنّه يتضمّن الإبراء، و لزم الصلح و الأجل؛ عملًا بالشرط.

و قالت الشافعيّة: إنّ هذا الصلح ليس فيه [شائبة] (3) المعاوضة، و إنّما هو مسامحة من وجهين: حطِّ بعض القدر، و هو سائغ، فيبرأ عن خمسمائة، و وعدٍ بالأجل، و هو غير لازمٍ، فله أن يطالبه بالباقي الحالّ (4).

و قد بيّنّا فساده.

ج- لو صالحه عن الدراهم بالدنانير أو بالدراهم، لم يكن ذلك صَرفاً

____________

(1) الوجيز 1: 178، الوسيط 4: 51، التهذيب- للبغوي- 4: 144، العزيز شرح الوجيز 5: 89، روضة الطالبين 3: 431.

(2) في ص 15.

(3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «سابقة». و الصحيح ما أثبتناه من «العزيز شرح الوجيز».

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 89، روضة الطالبين 3: 431.

17

عندنا، فلا يشترط فيه ما يشترط في الصَّرف، خلافاً للشافعي (1).

البحث الثاني: في الأركان.

مسألة 1028: أركان الصلح أربعة: المتصالحان، و المصالَح عليه، و المصالَح عنه.

أمّا المتصالحان فيشترط فيهما الكماليّة بأن يكون كلّ واحدٍ منهما بالغاً عاقلًا رشيداً جائزَ التصرّف فيما وقع الصلح عليه إجماعاً.

و أمّا المصالَح عليه و المصالَح عنه فيشترط فيهما التملّك، فلو تصالحا على خمر أو خنزير أو استرقاق حُرٍّ أو استباحة بُضْعٍ لم يقع، و لم يفد العقد شيئاً، بل يقع باطلًا بلا خلافٍ.

و كذا يبطل لو صالحه على مال غيره؛ لعدم الملكيّة بالنسبة إليهما.

مسألة 1029: لا يشترط العلم بما يقع الصلح عنه لا قدراً و لا جنساً

، بل يصحّ الصلح، سواء علما قدر ما تنازعا عليه و جنسه أو جهلاه، دَيْناً كان أو عيناً، و سواء كان أرشاً أو غيره، عند علمائنا أجمع- و به قال أبو حنيفة و أحمد (2)- لعموم قوله تعالى: «وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ» (3).

و عمومِ قوله (عليه السلام): «الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحاً أحلّ حراماً

____________

(1) الأُم 3: 227، الحاوي الكبير 6: 367، التهذيب- للبغوي- 4: 143، البيان 6: 224.

(2) التهذيب- للبغوي- 4: 143، البيان 6: 225، العزيز شرح الوجيز 5: 88، المغني 5: 25، الشرح الكبير 5: 9.

(3) النساء: 128.

18

أو حرّم حلالًا» (1).

و لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال في رجلين اختصما في مواريث درست بينهما:

«و توخّيا، و ليحلّل أحدكما صاحبه» رواه العامّة (2).

و من طريق الخاصّة: ما رواه حفص بن البختري- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام) قال: «الصلح جائز بين الناس» (3).

و قول الباقر و الصادق (عليهما السلام) في رجلين كان لكلّ واحدٍ منهما طعام عند صاحبه لا يدري كلّ واحدٍ منهما كم له عند صاحبه، فقال كلّ [واحدٍ] منهما لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي: «لا بأس بذلك إذا تراضيا» و قد تقدّم (4).

و لأنّ مَنْ عليه حقٌّ يجهل قدره هو و مالكه و يريد إبراء ذمّته و الخلاص من ذلك الحقّ الذي هو أمر مطلوب للعقلاء، وجب أن يكون له طريق إلى ذلك، و لا طريق إلّا الصلح، فوجب أن يكون سائغاً، و إلّا لزم الحرج و الضيق في الأحكام، و هو منفيّ شرعاً.

و لأنّ الصلح إسقاطٌ، فيصحّ في المجهول، كالطلاق.

و لأنّه إذا صحّ الصلح مع العلم و إمكان أداء الحقّ بعينه فلأن يصحّ مع الجهل أولى.

و لأنّه إذا كان معلوماً، فلهما طريق إلى التخلّص و براءة ذمّة أحدهما دون صاحبه بدون الصلح، و مع الجهل لا يمكن ذلك، فلو لم يجز الصلح

____________

(1) تقدّم تخريجه في الهامش (3) من ص 5.

(2) سنن البيهقي 6: 66، المغني 5: 26، الشرح الكبير 5: 9.

(3) تقدّم تخريجه في ص 6، الهامش (3).

(4) في ص 6 مع تخريجه في الهامش (4).

19

أفضى إلى ضياع المال على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كلّ واحدٍ منهما قدر حقّه.

و قال الشافعي: لا يصحّ الصلح عن المجهول، فلو ادّعى مالًا مجهولًا فأقرّ المدّعى عليه به و صالحه عليه، لم يصح الصلح؛ لأنّ ذلك نوع معاوضةٍ، و لهذا تثبت في الشقص الشفعة فيه، فلم يصح في المجهول، كالبيع، و لأنّ المُصالَح عليه يجب أن يكون معلوماً، فكذا المُصالَح عنه قياساً (1).

و هو ممنوع.

مسألة 1030: يشترط في صحّة الصلح الرضا من المتصالحين

، فلا يقع مع الإكراه، عند علمائنا كافّة، كغيره من العقود؛ لقوله تعالى: «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» (2).

و من صُور الإكراه ما لو كان على غيره حقٌّ ماليّ، فأنكره المديون ظاهراً، فصالحه على بعضه أو على غيره توصّلًا إلى أخذ بعض حقّه، لم يصح الصلح، و لم يتمّ إبراء ذمّة المديون من الحقّ الذي عليه، سواء عرف المالك قدر حقّه أو لا، و سواء ابتدأ المالك بطلب الصلح عن حقّه المعلوم أو المجهول أو لا.

و لا يفيد مثل هذا الصلح ملكاً للآخَر، إلّا أن يحصل الرضا الباطن.

و كذا لو كان عليه حقٌّ غير معلوم القدر للمالك، فصالح المديون مالكه على شيءٍ، لم يكن إبراءً للمديون، إلّا أن يُعلمه بقدره و يرضى

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 368- 369، التنبيه: 103- 104، البيان 6: 225، المغني 5: 26، الشرح الكبير 5: 9.

(2) النساء: 29.

20

باطناً، أو يرضى باطناً بالصلح عن أيّ مقدارٍ كان أُوقع عليه عقد الصلح؛ لما رواه عليّ بن أبي حمزة عن أبي الحسن (عليه السلام)، قلت له: رجل يهوديّ أو نصرانيّ كانت له عندي وديعة أربعة آلاف درهم فمات أ يجوز لي أن أُصالح ورثته و لا أُعلمهم كم كان؟ قال: «لا يجوز حتى تُخبرهم» (1).

و لأنّ ذلك أكل مال الغير بالباطل، فيدخل تحت النهي، و مع الرضا بأيّ مقدارٍ كان يكون سائغاً.

القسم الثاني من الصلح، و هو الواقع بين المدّعي و الأجنبيّ.

مسألة 1031: الصلح الواقع بين المدّعي و الأجنبيّ إمّا أن يقع مع إقرار المدّعى عليه ظاهراً أو مع إنكاره.

أمّا الأوّل فإمّا أن يكون المدّعى به عيناً أو دَيْناً.

فإن كان عيناً بأن ادّعى داراً أو عبداً أو ثوباً أو غير ذلك من الأعيان في يد غيره، فصدّقه المتشبّث، فجاء الأجنبيّ و قال: إنّ المدّعى عليه قد وكّلني في مصالحتك له على نصف المدّعى أو على هذه العين الأُخرى من مال المدّعى عليه، فصالحه على ذلك، جاز؛ لعموم قوله تعالى: «وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ» (2).

و قوله (عليه السلام): «الصلح جائز بين المسلمين» (3).

و كذا لو قال الأجنبيّ: إنّه وكّلني على مصالحتك عنه على عشرة دنانير في ذمّته.

____________

(1) الكافي 5: 259/ 6، الفقيه 3: 21/ 54، التهذيب 6: 206/ 472 بتفاوت.

(2) النساء: 128.

(3) سنن ابن ماجة 2: 788/ 2353، سنن أبي داوُد 3: 304/ 3594، سنن الترمذي 3: 634- 635/ 1352، سنن الدارقطني 3: 27/ 97، سنن البيهقي 6: 65، مسند أحمد 3: 54/ 8566، المستدرك- للحاكم- 4: 101.

21

ثمّ إن كان صادقاً في الوكالة، انتقل المدّعى به إلى المدّعى عليه، و إلّا كان حكمه حكمَ شراء الفضولي.

و إن قال: أمرني بالمصالحة له على هذا العبد من ملكي، فصالحه عليه، فهو بمنزلة ما لو اشترى لغيره بمال نفسه بإذن ذلك الغير، و قد سبق (1) الخلاف فيه، فإن قلنا بالصحّة فالذي يدفعه قرض أو هبة.

أمّا لو صالح الأجنبيّ لنفسه بمالٍ له إمّا عن دَيْنٍ في ذمّته أو عينٍ لنفسه، صحّ، كما لو [اشتراه] (2) و هو الأظهر عند الشافعيّة (3).

و عند بعضهم وجهان، كما لو قال ابتداءً لغيره من غير سَبْق دعوى و جواب: صالحني من دارك هذه على ألف؛ لأنّه لم يَجْر مع الأجنبيّ خصومة فيه، و هذه الصورة أولى بالصحّة حيث ترتّب اللفظ على دعوى و جواب، فيكتفى به في استعمال لفظ الصلح (4).

و إن كان المدّعى به دَيْناً و قال: وكّلني المدّعى عليه بمصالحتك على نصفه أو على هذا الثوب و هو ملكه أو ملكي، صحّ عندنا، و يسقط الدَّيْن، كما لو ضمن دَيْناً و أدّى عنه عوضاً، و هو أحد وجهي الشافعيّة. و الثاني:

لا يصحّ؛ لأنّه يبيع شيئاً بدَيْن الغير (5).

و لو صالح لنفسه على عينٍ أو دَيْنٍ في ذمّته، فهو بمنزلة ابتياع دَيْنٍ في ذمّة الغير، و قد سبق.

و أمّا الثاني- و هو أن يقع الصلح مع إنكار المدّعى عليه ظاهراً- فإذا

____________

(1) في ج 10، ص 218، الفرع «ج» من المسألة 110.

(2) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «أبرأه». و الظاهر ما أثبتناه كما في «العزيز شرح الوجيز» و «روضة الطالبين».

(3) (3- 5) العزيز شرح الوجيز 5: 93، روضة الطالبين 3: 435.

22

جاء الأجنبيّ و قال: أقرّ المدّعى عليه عندي و وكّلني في مصالحتك له إلّا أنّه لا يُظهر إقراره خيفة أن تنتزعه منه، فصالحه، صحّ؛ لأنّ قول الإنسان في دعوى الوكالة مقبول في البيع و الشراء و سائر المعاملات.

و إن قال الأجنبيّ: هو منكر، لكنّه مبطل في الإنكار، فصالحني له على عبدي هذا لتنقطع الخصومة بينكما، صحّ عندنا؛ لأنّ الأصل الصحّة، و الصلح على الإنكار عندنا جائز.

و للشافعيّة وجهان:

أظهرهما على ما قاله الجويني: البطلان؛ لأنّه صلح واقع لمنكر، و الصلح على الإنكار عندهم باطل.

و الثاني: الصحّة؛ لأنّ العقد منوط بالمتعاقدين، و هُما متوافقان، و الاعتبار في شرائط العقد بمَنْ يباشره (1).

هذا إذا كان المدّعى عيناً، فإن كان دَيْناً صحّ عندنا أيضاً.

و للشافعيّة طريقان:

أحدهما: إنّه على الوجهين.

و أصحّهما عندهم: القطع بالصحّة، و الفرق: إنّه لا يمكن تمليك الغير عين مالٍ بغير إذنه، و يمكن قضاء الدَّيْن عن الغير بغير إذنه (2).

و إن قال الأجنبيّ: إنّه منكر و أنا لا أعلم أيضاً صدقك، و صالحه مع ذلك، صحّ عندنا، خلافاً للشافعيّة؛ فإنّهم قالوا: لا يصحّ الصلح، سواء كان المصالَح عليه له أو للمدّعى عليه، كما لو جرى الصلح مع المدّعى عليه و هو منكر (3).

____________

(1) (1- 3) العزيز شرح الوجيز 5: 93، روضة الطالبين 3: 436.

23

و إن قال: هو منكر و لكنّه مبطل في إنكاره فصالحني لنفسي بعبدي هذا أو بعشرة في ذمّتي لآخذ منه، فإن كان المدّعى دَيْناً صحّ عندنا، و كذا إن كان عيناً.

و قالت الشافعيّة: إن كان المدّعى دَيْناً فهو ابتياع دَيْنٍ في ذمّة الغير، و إن كان عيناً فهو شراء غير الغاصب المغصوبَ، فيُنظر في قدرته على الانتزاع و عجزه، و قد سبق حكمهما في أوّل البيع (1).

فلو صالح و قال: أنا قادر على الانتزاع، فلهم وجهان:

أظهرهما: إنّه يصحّ العقد؛ اكتفاءً بقوله.

و الثاني: لا يصحّ؛ لأنّ الملك في الظاهر للمدّعى عليه، و هو عاجز عن انتزاعه (2).

و قيل بالتفصيل فيقال: إن كان الأجنبيّ كاذباً، فالعقد باطل باطناً، و في مؤاخذته في الظاهر لالتزامه الوجهان. و إن كان صادقاً، حُكم بصحّة العقد باطناً، و قُطع بمؤاخذته، لكن لا تُزال يد المدّعى عليه إلّا بحجّةٍ (3).

____________

(1) (1- 3) العزيز شرح الوجيز 5: 94، روضة الطالبين 3: 436.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الفصل الثاني: في الأحكام

مسألة 1032: يصحّ الصلح على الإقرار و الإنكار معاً

، سواء كان المدّعى به دَيْناً أو عيناً، عند علمائنا أجمع- و به قال أبو حنيفة و مالك و أحمد (1)- لعموم قوله تعالى: «وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ» (2) و عمومِ ما رواه العامّة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «الصلح جائز بين المسلمين» (3).

و من طريق الخاصّة: ما رواه حفص بن البختري- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «الصلح جائز بين الناس» (4).

و لأنّه سبب لإسقاط الخصومة، فجاز مع الإنكار، كالإبراء و الصلح مع الأجنبيّ.

و لأنّ الصلح وُضع لقطع التنازع، و هو إنّما يتحقّق مع المخالفة بين المتداعيين بأن يُنكر أحدهما ما ادّعاه الآخَر، فلو لم يسمع صلح الإنكار

____________

(1) المبسوط- للسرخسي- 20: 139، تحفة الفقهاء 3: 249، بدائع الصنائع 6: 40، الهداية- للمرغيناني- 3: 192، الاختيار لتعليل المختار 3: 6، النتف 1: 504، مختصر اختلاف العلماء 4: 195/ 1887، الفقه النافع 3: 1265/ 1014، المدوّنة الكبرى 4: 374، الإشراف على نكت مسائل الخلاف 2: 596/ 1001، عيون المجالس 4: 1651- 1652/ 1165، بداية المجتهد 2: 293- 294، التلقين: 430، المعونة 2: 1191، الذخيرة 5: 351، المغني و الشرح الكبير 5: 10، الحاوي الكبير 6: 369، حلية العلماء 5: 10، التهذيب- للبغوي- 4: 145، البيان 6: 226، العزيز شرح الوجيز 5: 90.

(2) النساء: 128.

(3) تقدّم تخريجه في ص 20، الهامش (3).

(4) تقدّم تخريجه في ص 6، الهامش (3).

26

انتفت أعظم فوائد الصلح.

و قال الشافعي: لا يصحّ الصلح على الإنكار، و إنّما يصحّ الصلح على الإقرار خاصّةً- و صورة الإنكار أن يدّعي رجل على رجلٍ آخَر دَيْناً أو عيناً، فينكر المدّعى عليه فيصالحه على ثوبٍ أو دَيْنٍ أو بعض المدّعى أو غير ذلك- لأنّه عاوض على ما لم يثبت له، فلم تصحّ المعاوضة، كما لو باع مال غيره، و بالقياس على ما إذا أنكر الخلع أو الكتابة ثمّ تصالحا على شيءٍ (1).

و نمنع بطلان المعاوضة على ما لم يثبت بالصلح؛ فإنّه المتنازع، بخلاف ما لو باع مال غيره؛ لأنّ ذلك تصرّفٌ في مال الغير بغير إذنه، حتى إنّه لو أجاز الغير صحّ البيع، و الرضا بالصلح رضا بالتصرّف. و القياس عندنا باطل، فلا يكون حجّةً علينا، على أنّا نمنع الحكم في الأصل.

مسألة 1033: إذا ادّعى عليه حقّاً دَيْناً أو عيناً، فقال المدّعى عليه: صالحني على كذا إمّا بعضه أو غيره، لم يكن ذلك إقراراً منه

، و هو ظاهر عندنا؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الصلح يصحّ مع الإنكار، كما يصحّ مع الإقرار.

و أمّا الشافعي فإنّه قال: إذا قال المدّعى عليه: صالحني مطلقاً، أو

____________

(1) الأُم 3: 221، مختصر المزني: 105- 106، الحاوي الكبير 6: 369- 370، المهذّب- للشيرازي- 1: 340، الوجيز 1: 178، الوسيط 4: 51، حلية العلماء 5: 9، التهذيب- للبغوي- 4: 145، البيان 6: 225 و 226، العزيز شرح الوجيز 5: 90- 91، روضة الطالبين 3: 432- 433، المبسوط- للسرخسي- 20: 139، تحفة الفقهاء 3: 249، بدائع الصنائع 6: 40، الهداية- للمرغيناني- 3: 192، النتف 1: 504، مختصر اختلاف العلماء 4: 195/ 1887، الفقه النافع 3: 1265/ 1014، الإشراف على نكت مسائل الخلاف 2: 596/ 1001، عيون المجالس 4: 1652/ 1165، بداية المجتهد 2: 294، المعونة 2: 1191، الذخيرة 5: 351، المغني و الشرح الكبير 5: 10.

27

صالحني عن دعواك الكاذبة، أو صالحني عن دعواك، فإنّه لا يكون إقراراً؛ لأنّه ربما يريد قطع الخصومة، بل الصلح عن الدعوى لا يصحّ مع الإقرار أيضاً؛ لأنّ مجرّد الدعوى لا يعتاض عنه (1).

و لو قال بعد الإنكار: صالحني عن الدار التي ادّعيتها، فوجهان للشافعيّة:

أحدهما: إنّه إقرار؛ لأنّه طلب منه التمليك، و ذلك يتضمّن الاعتراف بالملك، فصار كما لو قال: ملّكني.

و أصحّهما عندهم: إنّه ليس بإقرارٍ؛ لأنّ الصلح في الوضع هو الرجوع إلى الموافقة و قطع الخصومة، فيجوز أن يكون المراد قطع الخصومة في المدّعى لا غير، فعلى هذا يكون الصلح بعد هذا الالتماس صلحاً على الإنكار (2).

و إن قال: بعنيها، أو هَبْها منّي، فالمشهور: إنّه إقرار؛ لأنّه صريح في التماس التمليك.

و قال بعض الشافعيّة: إنّه كقوله: صالحني (3).

و الوجه: الفرق.

و في معناه إذا كان التنازع في جاريةٍ و قال: زوّجنيها.

و لو قال: أجرني أو أعِرْني، فأولى أن لا يكون إقراراً.

و لو كان التنازع في دَيْنٍ و قال: أبرئني، فهو إقرار.

و لو أبرأ المدّعي المدّعى عليه و هو منكر و قلنا: لا يفتقر الإبراء إلى

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 372، المهذّب- للشيرازي- 1: 341، التهذيب- للبغوي- 4: 145، البيان 6: 230، العزيز شرح الوجيز 5: 91، روضة الطالبين 3: 433.

(2) (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 5: 91، روضة الطالبين 3: 433.

28

القبول، صحّ الإبراء، بخلاف الصلح؛ لأنّه مستقلٌّ بالإبراء (1)، فلا حاجة فيه إلى تصديق الغير، و لهذا لو أبرأه بعد التحليف صحّ، و لو تصالحا بعد التحليف لم يصح عندهم (2).

مسألة 1034: لو ادّعى العين في يد الغير فأنكر الغير دعواه

، فصالحه على بعض تلك العين المدّعاة- و هو صلح الحطيطة في العين- صحّ عندنا؛ لما بيّنّا من صحّة الصلح على الإنكار.

و للشافعيّة وجهان:

أحدهما: إنّه صحيح- و به قال القفّال- لاتّفاق المتصالحين على أنّ النصف مستحقٌّ للمدّعي، أمّا المدّعي فإنّه يزعم استحقاق الجميع، و أمّا المدّعى عليه فإنّه يسلّم النصف له بحكم هبته منه و تسليمه إليه، فإذَنْ الخلاف بينهما في جهة الاستحقاق.

و الثاني- و به قال أكثر الشافعيّة-: إنّه باطل، كما كان على غير المدّعي، قالوا: و مهما اختلف القابض و الدافع في الجهة، فالقول قول الدافع، كما لو دفع المديون دراهم إلى صاحب الدَّيْن و قال: دفعتُها عن دَيْن الرهن، و قال القابض: بل دفعتَها عن دَيْن غيره، قُدّم قول الدافع مع اليمين (3).

و لو دفع إلى زوجته دراهم ثمّ اختلفا، فادّعى الزوج أنّه دفعها عن الصداق، و قالت: بل دفعتَها عن دَيْنٍ أو هبةٍ، قُدّم قول الدافع، و إذا كان كذلك فالدافع يقول: إنّما بذلتُ النصف لدفع الأذى حتى لا ترفعني إلى القاضي و لا تقيم علَيَّ بيّنةَ زورٍ.

____________

(1) في «ج، ر» و الطبعة الحجريّة: «في نفسه» بدل «بالإبراء».

(2) (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 5: 91، روضة الطالبين 3: 434.

29

مسألة 1035: لو ادّعى عليه دَيْناً و تصالحا على بعضه بعد الإنكار، صحّ عندنا

، و لزمه ما وقع الصلح عليه خاصّةً، و سقط عنه الباقي؛ للأصل.

و لما رواه عمر بن يزيد أنّه سأل الصادقَ (عليه السلام) عن رجلٍ ضمن ضماناً ثمّ صالح على بعض ما صالح عليه، قال: «ليس له إلّا الذي صالح عليه» (1).

و قال الشافعي: يُنظر إن صالحه من ألف على خمسمائة- مثلًا- في الذمّة، لم يصح؛ لأنّ التصحيح بتقدير الهبة، و إيراد الهبة على ما في الذمّة ممتنع، و إن أحضر خمسمائة و تصالحا من المدّعى عليها، فهو مرتّب على صلح الحطيطة في العين، إن لم يصح ذلك فهذا أولى، و إن صحّ ففيه وجهان. و الفرق أنّ ما في الذمّة ليس ذلك المعيّن المُحضَر، ففي الصلح عليه [معنى] (2) المعاوضة، و لا يمكن تصحيحه معاوضةً مع الإنكار عندهم (3).

و اتّفق القائلون على أنّ وجه البطلان هنا أرجح (4).

و كلّ هذا عندنا باطل؛ لما بيّنّا من جواز الصلح على الإنكار، و جوازه على الإقرار.

مسألة 1036: لو تصالحا ثمّ اختلفا في أنّهما تصالحا على الإنكار أو على الإقرار، لم يكن لذلك الاختلاف عندنا فائدة

؛ لصحّة الصلح في الموضعين.

أمّا الشافعيّة القائلون بصحّته على الإقرار و بطلانه على الإنكار، فقال

____________

(1) التهذيب 6: 206/ 473.

(2) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 92، روضة الطالبين 3: 434.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 92.

30

القاضي ابن كج منهم: إنّ القول قول مَنْ يدّعي الإنكار؛ لأنّ الأصل عدم العقد (1).

و المعتمد بناء ذلك على الخلاف السابق في نزاع المتعاقدين في أنّ العقد الواقع بينهما هل كان صحيحاً أو فاسداً؟

مسألة 1037: لو قال أحد الوارثين لصاحبه: تركتُ نصيبي من التركة إليك، فقال: قبلتُ، لم يصح ذلك

؛ لأنّ ذلك ليس من ألفاظ العقود الناقلة، و يبقى حقّه كما كان؛ لأنّها إن كانت أعياناً فلا بدّ فيها من إيجابٍ و قبولٍ مقتضيان للتمليك، و إن كان فيها دَيْنٌ فلا بدّ من إبراءٍ.

و لو قال: صالحتك من نصيبي على هذا الثوب، فقال: قبلتُ، صحّ العقد و لزم.

و قالت الشافعيّة: إن كانت التركة أعياناً فهو صلح عن العين، و إن كانت ديوناً عليه فهو صلح عن الدَّيْن، و إن كانت على سائر الناس فهو بيع الدَّيْن من غير مَنْ عليه الدَّيْن، و قد سبق حكم ذلك. و هو بناء منهم على أنّ الصلح فرع على غيره.

و لو كان في التركة عينٌ و دَيْنٌ، فإن كانت ديوناً عليه فصلحٌ عن الدَّيْن، و إن كانت على سائر الناس فهو بيع الدَّيْن من غير مَنْ عليه الدَّيْن.

و إن كان فيها عينٌ و دَيْنٌ على الغير و لم يجوّزوا بيع الدَّيْن من غير مَنْ عليه الدَّيْن، فالصلح عندهم باطل في الدَّيْن، و أمّا في العين فقولان عندهم مبنيّان على قولَي تفريق الصفقة (2).

و عندنا أنّ ذلك غير جائزٍ، و أنّ الصلح ليس فرع غيره.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 92، روضة الطالبين 3: 434.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 89- 90، روضة الطالبين 3: 431.

31

مسألة 1038: لا يشترط في الصلح عن الأثمان ما يشترط في بيع الأثمان عندنا

؛ لأنّ الصلح قد بيّنّا أنّه عقد مستقلٌّ بنفسه، فلو كان في يد غيره ألف درهم و خمسون ديناراً فصالحه منه على ألف درهم، صحّ عندنا.

و قال الشافعي: لا يجوز (1).

و كذا لو مات عن ابنين و التركة ألفا درهم و مائة دينار و هي في يد أحدهما، فصالحه الآخَر من نصيبه على ألفي درهم.

و لو كان المبلغ دَيْناً في ذمّة غيره فصالحه على ألفي درهم، يجوز عنده أيضاً.

و الفرق: إنّه إذا كان الحقّ في الذمّة فلا ضرورة إلى تقدير المعاوضة فيه، فيجعل مستوفياً لأحد الألفين معتاضاً بالآخَر عن الدنانير، و إذا كان معيّناً كان الصلح عنه اعتياضاً، فكأنّه باع ألف درهم و خمسين ديناراً بألفي درهم، و هو من صُور مُدّ عَجْوة (2).

و هذه التفريعات عندنا باطلة؛ لأنّ صورة مُدّ عجوة عندنا جائزة، و الصلح على الإنكار جائز، و ليس الصلح عندنا فرعَ البيع.

مسألة 1039: قد بيّنّا أنّه إذا قال المدّعى عليه المنكر: صالحني على كذا، لم يكن إقراراً منه

؛ لأنّ الصلح قد يراد به تارةً المعاوضة، و تارةً قطع الدعوى و الخصومة، و إذا احتملهما لم يُحمل على الإقرار.

و لو قال: ملّكني هذا بكذا، كان إقراراً؛ لأنّ في ذلك اعترافاً بأنّه ملكه.

و لو قال: بِعْني، قال بعض الشافعيّة: لا يكون إقراراً، و يكون بمنزلة

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 90، روضة الطالبين 3: 431.

(2) روضة الطالبين 3: 431- 432، و انظر العزيز شرح الوجيز 5: 90.

32

قوله: صالحني؛ لأنّ الصلح و البيع عند الشافعيّة واحد (1).

و قال الباقون: إنّه يكون إقراراً بمنزلة قوله: ملّكني 2. و هو المعتمد عندنا، و به قال أبو حنيفة (3)؛ لأنّ البيع لا يصحّ إلّا فيما يصحّ تمليكه، فهو بمنزلة قوله: ملّكني.

مسألة 1040: لو ادّعى داراً في يده، فأنكر المتشبّث دعواه، فتصالحا على أن يسكنها المدّعي سنةً، صحّ

، و كان صلحاً قائماً بنفسه، و ليس فرعاً على غيره.

و قال الشافعي: إنّه فرع العارية، بل هو عين العارية للدار منه يرجع فيها متى شاء، و ليس بمعاوضةٍ؛ لأنّ الرقبة و المنافع ملكه، و محالٌ أن يعتاض بملكه عن ملكه (4).

و هذا على تقدير أن يقع الصلح مع الاعتراف.

إذا ثبت هذا، فإن رجع عن العارية لم يستحق أُجرة المدّة التي مضت، كما هو قضيّة العارية عند أكثر الشافعيّة (5).

و نقل بعضهم وجهاً: إنّه يستحقّ؛ لأنّه جعل سكنى الدار في مقابلة رفع اليد عنها، و أنّه عوضٌ فاسدٌ، فيرجع إلى أُجرة المثل (6).

و لو صالحه على أن يسكنها سنةً بمنفعة عبدٍ سنةً، فهو كما لو آجر داره سنةً بمنفعة عبدٍ سنةً.

مسألة 1041: قد بيّنّا أنّ الصلح عقد قائم بنفسه

، فلو صالحه عن الزرع

____________

(1) (1 و 2) حلية العلماء 5: 10، البيان 6: 231، العزيز شرح الوجيز 5: 91، روضة الطالبين 3: 433.

(3) حلية العلماء 5: 10، البيان 6: 231.

(4) (4- 6) العزيز شرح الوجيز 5: 90، روضة الطالبين 3: 432.

33

الأخضر بشيءٍ صحّ، سواء شرط القطع أم لا.

و قال الشافعي: يصحّ بشرط القطع، و لو لم يشترطه لم يجز (1).

و لو كان الصلح عن الزرع مع الأرض جاز، و لم يحتج إلى شرط القطع عنده في أصحّ الوجهين (2).

و لو وجد المتنازع ثمّ أقرّ المدّعى عليه و تصالحا عنه على شيءٍ، جاز عندنا، سواء شرطا القطع أو لا.

و قال الشافعي: لا يجوز، سواء شرطا القطع أو لا، كما لو باع نصف الزرع مشاعاً، لا يجوز، شرط القطع أو لم يشرطه (3).

و الحكم في الأصل ممنوع.

مسألة 1042: لو ادّعى على ورثة الميّت داراً من تركته و زعم أنّ الميّت غصبها منه، فصالحهم عنها، جاز الصلح

، سواء أقرّوا له أو لا؛ لما تقدّم من جواز الصلح عندنا مع الإقرار و الإنكار.

و شرط الشافعيّة في جواز الصلح اعترافهم له بدعواه، فإذا اعترفوا و دفعوا إلى واحدٍ منهم ثوباً مشتركاً بينهم ليصالح عليه جاز، و كان عاقداً لنفسه، و وكيلًا عن باقي الورثة (4).

و لو قالوا لواحدٍ: صالِحْه عنّا على ثوبك، فصالَح عنهم، فإن لم يُسمّهم في الصلح وقع الصلح عنه، و إن سمّاهم وقع عنهم.

____________

(1) بحر المذهب 8: 47، البيان 6: 251، العزيز شرح الوجيز 5: 90، روضة الطالبين 3: 432.

(2) بحر المذهب 8: 47، البيان 6: 251- 252، العزيز شرح الوجيز 5: 90، روضة الطالبين 3: 432.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 90، روضة الطالبين 3: 432.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 94، روضة الطالبين 3: 436.

34

و للشافعيّة وجهان في أنّ التسمية هل تُلغى أم لا؟ فإن لم تَلغ، فالصلح يقع عنهم (1).

و هل يكون الثوب هبةً لهم أو قرضاً عليهم؟ للشافعيّة وجهان (2).

و الأقرب عندي: التفصيل.

فإن أُلغيت التسمية، فالصلح كلّه للعاقد أو يبطل في نصيب الشركاء و يخرج حصّته على قولَي تفريق الصفقة؟ للشافعيّة وجهان (3).

و إن صالحه أحدهم على مالٍ له بدون إذن الباقين ليتملّك جميع الدار، جاز. و إن صالح ليكون جميع الدار له و لهم جميعاً، أُلغي ذكرهم، و عاد الوجهان في أنّ الكلّ يقع له أو يبطل في نصيبهم و يخرج في نصيبه على الخلاف في تفريق الصفقة (4).

و المعتمد: إنّهم إن أجازوا ما صالح عنهم شاركوا، و إلّا فلا، و كان الباقي للغريم.

مسألة 1043: إذا أسلم الكافر عن أكثر من أربع نسوة، خيّر أربعاً منهنّ

، فإن مات قبل الاختيار و التعيين، وقف الميراث بينهنّ، فإن اصطلحن على الاقتسام على تفاوتٍ أو تساوٍ، مُكّن منه و أُجبن إليه.

و وافق الشافعيّة (5) على ذلك.

و قال بعضهم: هذه المسألة تدلّ على جواز الصلح على الإنكار؛ لأنّ كلّ واحدةٍ منهنّ تُنكر نكاح مَنْ عداها سوى ثلاثٍ معها، فالصلح الجاري

____________

(1) (1 و 2) العزيز شرح الوجيز 5: 94، روضة الطالبين 3: 436.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 94، روضة الطالبين 3: 436- 437.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 94، روضة الطالبين 3: 437.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 95، روضة الطالبين 3: 437.

35

بينهنّ صلح على الإنكار (1).

قال بعض الشافعيّة: إنّهنّ بين أمرين: إن اعترفن بشمول الإشكال، فليست واحدة منهنّ بمنكرةٍ لغيرها و لا مدّعية لنفسها في الحقيقة، و إنّما تصحّ القسمة و الحالة هذه مع الجهل بالاستحقاق للضرورة و تعذّر التوقيف لا إلى نهايةٍ. و إن زعمت كلّ واحدةٍ منهنّ الوقوف على اختيار الزوج إيّاها، فكلّ مَنْ أخذت شيئاً تقول: الذي أخذتُه [بعض] (2) حقّي، و سامحت الباقيات بالباقي متبرّعةً، و المالك غير ممنوعٍ ممّا يتبرّع به (3).

و قد سبق الخلاف بينهم في صلح الحطيطة في العين، فمَنْ صحّحه احتجّ بهذه المسألة، و قال: الاقتسام الجاري بينهنّ صلح حطيطةٍ، و مَنْ أبطله فرّق بأنّ المال هناك في يد المدّعى عليه، و فصل الأمر ممكن بتحليفه، و هنا استوت الأقدام، و لا طريق إلى فصل الأمر سوى اصطلاحهنّ (4).

و لو اصطلحن على أن تأخذ ثلاث منهنّ أو أربع المالَ الموقوف و يبذلن للباقيات عوضاً من خالص أموالهنّ، جاز عندنا؛ للعموم.

و قال الشافعي: لا يجوز؛ لأنّ الصلح هكذا بذل عوضٍ مملوك في مقابلة ما لم يثبت ملكه، و مَنْ أخذ عوضاً في معاوضةٍ لا بدّ و أن يكون مستحقّاً للمعوّض، فإذا لم يكن الاستحقاق معلوماً لم يجز أخذ العوض (5).

و كذا مَنْ طلّق إحدى زوجتيه و مات قبل البيان وقفنا لهما الرُّبْع أو

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 95.

(2) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(3) (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 5: 95.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 95، روضة الطالبين 3: 437.

36

الثُّمْن، و اصطلحتا.

و كذا لو ادّعى اثنان وديعةً في يد الغير و قال الودعي: لا أعلم لأيّكما هي.

و كذا لو تداعيا داراً في يدهما و أقام كلٌّ منهما بيّنةً ثمّ اصطلحا، أو كانت في يد ثالثٍ و قلنا: لا تتساقط البيّنتان بالتعارض، فاصطلحا.

مسألة 1044: لو كان بين رجلين زرع فادّعاه آخَر فصالحه أحدهما على نصف الزرع بعد أن أقرّ له بنصفه، صحّ

، و كذا لو أنكر، عندنا، خلافاً للشافعي (1).

ثمّ إن كان مطلقاً و كانت الأرض لغير المُقرّ المشتري، فالصلح فاسد عنده (2)، و إن كانت الأرض له فوجهان (3).

و إن شرط القطع، لم يصح عنده؛ لأنّ قسمته لا تصحّ، و قطع جميعه لا يجوز؛ لتعليق حقّ الشريك به (4).

و لو ادّعى رجل على رجلٍ زرعاً في أرضه فأقرّ له بنصفه ثمّ صالحه عن نصفه على نصف الأرض، جاز عندنا.

و قال الشافعي: لا يجوز؛ لأنّ من شرط بيع الزرع قطعه، و لا يمكن ذلك في المشاع (5).

و الاشتراط عندنا ممنوع، و كذا القياس على البيع.

و إن صالحه منه على جميع الأرض بشرط القطع على أن يسلّم إليه

____________

(1) مختصر المزني: 107، الحاوي الكبير 6: 416، البيان 6: 252.

(2) (2 و 3) الحاوي الكبير 6: 416، بحر المذهب 8: 48، البيان 6: 252.

(4) البيان 6: 252.

(5) بحر المذهب 8: 48، البيان 6: 252.

37

الأرض فارغةً، صحّ عنده أيضاً؛ لأنّ قطع جميع الزرع واجب، نصفه بحكم الصلح، و الباقي لتفريغ الأرض و أمكن القطع، و جرى ذلك مجرى مَن اشترى أرضاً فيها زرعٌ و شَرَط تفريغَ الأرض، فإنّه يجوز، كذا هنا (1).

و لو كان قد أقرّ له بجميع الزرع فصالحه من نصفه على نصف الأرض لتكون الأرض و الزرع بينهما نصفين و شرط القطع، نُظر فإن كان الزرع في الأرض بغير حقٍّ جاز الشرط؛ لأنّ الزرع يجب قطع جميعه، و إن كان في الأرض بحقٍّ لم يجز عند الشافعي؛ لأنّه لا يمكن قطع الجميع (2).

و قال بعض الشافعيّة: إنّه يجوز إذا شرط على بائع الزرع قطع الباقي (3).

و ضعّفه آخَرون؛ لأنّ باقي الزرع ليس بمبيعٍ، فلا يصحّ شرط قطعه في العقد عنده، بخلاف ما إذا أقرّ بنصف الزرع و صالحه على جميع الأرض؛ لأنّه شرط تفريغ المبيع (4).

مسألة 1045: لو أتلف رجل على آخَر عيناً- حيواناً أو ثوباً أو شبههما

- قيمتها دينار فادّعاه عليه فأقرّ له به ثمّ صالحه منه على أكثر من ذلك، صحّ عندنا، و كذا لو أنكره ثمّ صالحه- و به قال أبو حنيفة (5)- للأصل، و لأنّ الثوب و الحيوان يثبت في الذمّة مثلهما في الإتلاف، فكان الصلح على مثلهما.

____________

(1) بحر المذهب 8: 48، البيان 6: 252.

(2) (2 و 3) بحر المذهب 8: 48، البيان 6: 253.

(4) البيان 6: 253.

(5) الهداية- للمرغيناني- 3: 195، بحر المذهب 8: 49، حلية العلماء 5: 29، البيان 6: 225، المغني 5: 28، الشرح الكبير 5: 5.

38

و قال الشافعي و أحمد: لا يصحّ الصلح؛ لأنّ الواجب في الذمّة قيمة المتلف، دون مثله، و لهذا لا يطالبه بمثله، و إذا كان الواجب القيمةَ فإذا صالحه عليها بأكثر من قيمتها أو أقلّ فقد عاوض عليه متفاضلًا، و ذلك ربا في النقود (1).

و الكلّ ممنوع.

و لو كانت قيمة العبد ألفاً فصالحه على ألف مؤجَّلة، صحّ، و لزم الأجل عندنا- و به قال أبو حنيفة و أحمد (2)- للأصل، و للعموم، و لأنّهما نقلا الحقّ إلى القيمة، فكان ما سمّياه تقديراً للقيمة، فكان جائزاً، كما لو قدّر الصداق للمفوّضة مؤجَّلًا.

و قال الشافعي: لا يتأجّل و لا يصحّ الصلح؛ لأنّ الواجب هو دَيْنٌ في ذمّته، فإن كان العوض مؤجَّلًا، كان بيعَ الدَّيْن بالدَّيْن، و هو باطل، و نقل الحقّ من العبد إلى قيمته إنّما يكون على سبيل المعاوضة و البدل، و يكون بيعَ الدَّيْن بالدَّيْن، و قد عرفت أنّ الواجب القيمة و هي حالّة، فلا تتأجّل، و الصداق غير واجبٍ، و إنّما يجب بالفرض عند إيجابه، فاختلفا (3).

و نحن نمنع كون الصلح بيعاً.

مسألة 1046: لو اتّجر الشريكان و حصل ربح و كان بعض المال دَيْناً و بعضه عيناً

فاصطلحا و قال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال، و الربح

____________

(1) بحر المذهب 8: 49، حلية العلماء 5: 29، البيان 6: 224- 225، روضة الطالبين 3: 438، المغني 5: 27- 28، الشرح الكبير 5: 5- 6.

(2) بحر المذهب 8: 49، حلية العلماء 5: 29، البيان 6: 225، المغني 5: 28، الشرح الكبير 5: 6.

(3) بحر المذهب 8: 49، حلية العلماء 5: 29، البيان 6: 225، روضة الطالبين 3: 438، المغني 5: 28، الشرح الكبير 5: 6.

39

و الخسران لك، جاز ذلك؛ للعموم.

و لما رواه أبو الصباح- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام) في رجلين اشتركا في مالٍ فربحا فيه ربحاً و كان من المال دَيْنٌ و عينٌ، فقال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال و الربح لك و ما تَوى (1) فعليك، فقال: «لا بأس به إذا شرط، و إن كان شرطاً يخالف كتاب اللّه ردّ إلى كتاب اللّه عزّ و جلّ» (2).

مسألة 1047: لا تصحّ قسمة الديون

، فلو اقتسم الشريكان الدَّيْن الذي لهما على الناس و قبض أحدهما و تلف نصيب الآخَر، وجب على القابض دفع نصيب الشريك ممّا قبضه إليه؛ لبطلان القسمة؛ لأنّها تمييز أحد الحقّين من الآخَر، و لا تمييز في الديون؛ لأنّها مطلقة لا تتعيّن إلّا بالقبض.

و لما رواه سليمان بن خالد- في الحسن- أنّه سأل الصادقَ (عليه السلام) عن رجلين كان لهما مال بأيديهما و منه متفرّق عنهما فاقتسما بالسويّة ما كان في أيديهما و ما كان غائباً عنهما فهلك نصيب أحدهما ممّا كان غائباً و استوفى الآخَر فعليه أن يردّ على صاحبه؟ قال: «نعم، ما يذهب بماله» (3).

مسألة 1048: لو ماطل المديون صاحبَ الدَّيْن عن دَيْنه حتى مات فصالح ورثته على بعضه، فَعَل حراماً

، و لم يكن للورثة المطالبة في الظاهر، و لا تبرأ ذمّة المصالِح فيما بينه و بين اللّه تعالى؛ لما تقدّم أنّ ذلك من صُور الإكراه.

و لما رواه عمر بن يزيد- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا كان للرجل على الرجل دَيْنٌ فمطله حتى مات ثمّ صالح ورثته على شيءٍ

____________

(1) التوى: الهلاك. لسان العرب 14: 106 «توا».

(2) التهذيب 6: 207/ 476.

(3) التهذيب 6: 207/ 477.

40

فالذي أخذ الورثة لهم، و ما بقي فهو للميّت يستوفيه منه في الآخرة، و إن هو لم يصالحهم على شيءٍ حتى مات و لم يقض عنه، فهو للميّت يأخذه به» (1).

و كذا لو ادّعى كاذباً على غيره فصالحه الغير، لم يستبح الكاذب بذلك الصلح مال الصلح إلّا مع الرضا الباطن.

مسألة 1049: يصحّ الصلح على الأعيان بمثلها و بالمنافع و بأبعاض الأعيان

، و على المنافع بمثلها و أبعاضها، و لا يشترط ما يشترط في البيع، فلو صالحه عن الدنانير بدراهم أو بالعكس صحّ، و لم يكن صَرفاً.

و لو صالَح على عينٍ بأُخرى من الربويّات، ففي إلحاقه بالبيع نظر.

و كذا في الدَّيْن بمثله، فإن ألحقناه فسد لو صالَح من ألفٍ مؤجَّل بخمسمائة حالّة.

و لو صالَح من ألفٍ حالّ بخمسمائة مؤجَّلة، ففي كونه إبراءً إشكال، و يلزم الأجل.

و لو ظهر استحقاق أحد العوضين، بطل الصلح؛ لوقوع التراضي على تلك العين.

و لو صالَح على ثوبٍ أتلفه بدرهمٍ على درهمين، صحّ الصلح، و قد سبق (2).

____________

(1) التهذيب 6: 208/ 480.

(2) في ص 37، المسألة 1045.

41

الفصل الثالث: في تزاحم الحقوق

و فيه مباحث:

[البحث] الأوّل: في الطرق.

مسألة 1050: الطرق نوعان: نافذة و غير نافذة.

الأوّل: النافذة

، و الناس كلّهم في السلوك فيها شرعٌ سواء مستحقّون للممرّ فيها (1)، و ليس لأحدٍ أن يتصرّف فيها (2) بما يبطل المرور فيها (3) أو ينقصه أو يضرّ بالمارّة من بناء حائطٍ فيها (4) أو دكّة أو وضع جناح أو ساباط (5) على جداره إذا أضرّ بالمارّة إجماعاً.

و لو لم يضرّ بالمارّة بأن كان عالياً لا يظلم به الدرب، جاز وضع الجناح و الساباط من غير منعٍ عند بعض علمائنا (6)- و به قال مالك و الشافعي و الأوزاعي و أحمد و إسحاق و أبو يوسف و محمّد (7)- لأنّه ارتفق بما لم يتعيّن ملك أحدٍ عليه، فكان جائزاً، و ليس لأحدٍ منعه، كالاستظلال بحائط الغير و الاستطراق في الدرب.

____________

(1) (1- 4) بدل كلمة «فيها» في المواضع الأربعة في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «فيه». و المثبت يقتضيه السياق.

(5) الساباط: سقيفة بين دارين من تحتها طريق نافذ. العين 7: 218 «سبط».

(6) كالمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 2: 123.

(7) المغني 5: 34، الشرح الكبير 5: 28، الأُم 3: 221- 222، الحاوي الكبير 6: 375، المهذّب- للشيرازي- 1: 341، حلية العلماء 5: 11- 12، التهذيب- للبغوي- 4: 148، البيان 6: 231، العزيز شرح الوجيز 5: 96، روضة الطالبين 3: 439، المبسوط- للسرخسي- 20: 144.

42

و لأنّ الناس اتّفقوا على إشراع الأجنحة و الساباطات في الطرق النافذة و الشوارع المسلوكة في جميع الأعصار و في سائر البقاع من غير إنكارٍ، فكان سائغاً.

و لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) نصب بيده ميزاباً في دار العبّاس (1)، و الجناح مثله؛ لاشتراكهما في المنفعة الخالية عن الضرر.

و قال الشيخ (رحمه الله) و أبو حنيفة: لا عبرة بالضرر و عدمه، بل إن عارضه فيه رجل من المسلمين، نزع، و وجب قلعه و إن لم يكن مضرّاً به و لا بغيره، و إلّا تُرك؛ لأنّه بنى في حقّ غيره بغير إذنه، فكان له مطالبته بقلعه، كما لو بنى دكّةً في المسلوك، أو وضع الجناح في سلك غيره (2).

و القياس ممنوع؛ فإنّ الضرر يحصل مع بناء الدكّة، بخلاف الجناح و الساباط و الروشن (3)؛ لأنّ الأعمى يتعثّر بها، و كذا في الليل المظلم يحصل تعثّر البصير بها، و يضيق الطريق بها، بخلاف الشارع. و ملك الغير لا يجوز الممرّ فيه إلّا بإذنه، بخلاف الطرق، فافترقا.

فروع:

أ- شرط أحمد في جواز إشراع الجناح إذنَ الإمام فيه

، فإن أذن فيه جاز، و إلّا فلا (4).

و هو ممنوع؛ لاتّفاق الناس على عمله.

____________

(1) الطبقات الكبرى- لابن سعد- 4: 20، تاريخ مدينة دمشق 26: 366- 367، سنن البيهقي 6: 66، المستدرك- للحاكم- 3: 331- 332.

(2) المبسوط- للطوسي- 2: 291، الخلاف 3: 294، المسألة 2 من كتاب الصلح، المبسوط- للسرخسي- 2: 144، المغني 5: 34، الشرح الكبير 5: 28، الحاوي الكبير 6: 376، حلية العلماء 5: 12، البيان 6: 231، العزيز شرح الوجيز 5: 96.

(3) الروشن: الرفّ و الكوّة. لسان العرب 13: 181 «رشن».

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 96.

43

ب- الضابط في التضرّر و عدمه العرفُ، و يختلف بحال الطرق.

فإن كان ضيّقاً لا يمرّ فيه الفُرْسان و القوافل، وجب رفعه بحيث يمرّ المارّ تحته منتصباً، و المحمل مع الكنيسة المنصوبة على رأسه على البعير؛ لأنّه يتّفق ذلك و إن كان نادراً، و لا تشترط الزيادة عليه.

و قال بعض الشافعيّة: يجب أن يكون بحيث يمرّ الراكب تحته منصوبَ الرمح (1).

و إن كان متّسعاً تمرّ فيه الجيوش و الأحمال، وجب أن لا يضرّ بالعماريّات و الكنائس، و أن يتمكّن الفارس من الممرّ تحته و رمحه منتصب لا يبلغه؛ لأنّه قد يزدحم الفُرْسان فيحتاج إلى أن ينصب الرماح.

و قال بعض الشافعيّة: لا يقدّر بذلك؛ لأنّه يمكنه وضع الرمح على عنقه بحيث لا ينال رمحه أحداً (2).

و ليس بجيّدٍ؛ لأنّ ذلك قد يعسر.

ج- إذا وضع الجناح أو الروشن أو الساباط في الدرب المسلوك على وجهٍ يضرّ بالمارّة، تجب عليه إزالته

، و على السلطان إلزامه بذلك.

و لو صالحه الإمام على وضعه- أو بعض الرعيّة- على شيءٍ، لم يجز؛ لأنّ ذلك بيع الهواء منفرداً، و هو باطل، و الهواء لا يفرد بالعقد، بل يتبع الدار، كالحمل مع الأُم.

و لأنّه إن كان مضرّاً لم يجز أخذ العوض عنه، كبناء الدكّة في

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 376، المهذّب- للشيرازي- 1: 341، الوسيط 4: 54، حلية العلماء 5: 13، التهذيب- للبغوي- 4: 148، البيان 6: 233، العزيز شرح الوجيز 5: 97، روضة الطالبين 3: 439.

(2) المهذّب- للشيرازي- 1: 341، التهذيب- للبغوي- 4: 148، البيان 6: 233، العزيز شرح الوجيز 5: 97، روضة الطالبين 3: 439.

44

الطريق، و إن لم يكن مضرّاً كان جائزاً، و ما يجوز للإنسان فعله في الطريق لا يجوز أن يؤخذ منه عوض عنه كالسلوك، و أحدٌ من الرعيّة ليس هو المستحقّ و لا نائبَ المستحقّين.

د- لو أظلم الطريق بوضع الجناح أو الروشن أو الساباط، فإن أذهب الضياء بالكلّيّة مُنع إجماعاً

؛ لأنّه يمنع السلوك فيه.

و إن لم يُذهب الضياء (1) جملةً بل بعضه، فالوجه: المنع إن تضرّر به المارّة، و إلّا فلا.

و للشافعيّة قولان:

أحدهما: المنع مطلقاً.

و الثاني: الجواز مطلقاً (2).

مسألة 1051: لو أخرج روشناً في شارعٍ أو دربٍ نافذ، لم يكن لمقابله الاعتراضُ عليه

، و لا منعه منه، سواء استوعب عرض الدرب أو لا إذا لم يحصل ضرر لأحدٍ به.

و ليس له وضع أطراف خشبه على حائط جاره و إن لم يتضرّر به الجار.

و لو أخرج روشنه إلى بعض الدرب، كان لمحاذيه إخراج روشنٍ فيما بقي من الهواء، و ليس لصاحب الروشن الأوّل منعه ما لم يضع على خشبه شيئاً.

و إن أراد محاذيه بأن يُخرج روشناً تحت روشن محاذيه، جاز ذلك.

و إن أراد أن يُخرج روشناً فوق روشن محاذيه، جاز إذا لم يتضرّر به

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «الضوء».

(2) البيان 6: 233، و انظر العزيز شرح الوجيز 5: 99، و روضة الطالبين 3: 440.

45

بأن يكون عالياً لا يضرّ بالمارّ في الروشن السفلاني.

و لو أظلم الدرب بوضع الروشن الثاني، أُزيل خاصّةً دون الأوّل؛ لأنّ الضرر إنّما حصل بالثاني و إن كان لو لا الأوّل لم يحصل.

مسألة 1052: إذا أخرج جناحاً أو روشناً في الشارع النافذ، فقد بيّنّا أنّه ليس لأحدٍ منعه مع عدم التضرّر به

، فلو تضرّر جاره بالإشراف عليه، فالأقرب: إنّ له المنعَ؛ لأنّه قد حصل به الضرر، بخلاف ما لو كان الوضع في ملكه أو ما له محلّ على جاره، فإنّه لا يُمنع و إن حصل معه الإشراف؛ لأنّ للإنسان التصرّفَ في ملكه كيف شاء، بخلاف الروشن الموضوع على شرط عدم تضرّر الغير به، فإذا فرض تضرّر شخصٍ ما به، لم يجز وضعه، و يُمنع في الملك من الإشراف على الجار، لا من التعلية المقتضية لإمكانه.

و لسْتُ أعرف في هذه المسألة بالخصوصيّة نصّاً من الخاصّة و لا من العامّة، و إنّما صِرتُ إلى ما قلتُ عن اجتهادٍ، و لعلّ غيري يقف عليه أو يجتهد فيؤدّيه اجتهاده إلى خلاف ذلك.

مسألة 1053: لو وضع جناحاً لا ضرر فيه أو روشناً كذلك فانهدم

أو هدمه المالك أو جاره قهراً و تعدّياً ثمّ وضع الجار روشناً أو جناحاً في محاذاته و مدّه إلى مكان روشن الأوّل، جاز، و صار أحقَّ به؛ لأنّ الأوّل كان يستحقّ ذلك بسبقه إليه، فإذا زال و سبقه الثاني إلى مكانه، كان أولى، كرجلٍ جلس في مكانٍ مباح- كمسجدٍ أو دربٍ نافذ- ثمّ قام عنه أو أُقيم، فإنّه يزول حقّه من الجلوس، و يكون لغيره الجلوسُ في مكانه، و ليس للأوّل إزعاجه و إن أُزعج الأوّل، فكذا هنا.

و مَنَع منه بعض الشافعيّة؛ لأنّ الجالس في الطريق المسلوك الواسع إذا ارتفق بالقعود لمعاملة الناس لا يبطل حقّه بمجرّد الزوال عن ذلك

46

الموضع، و إنّما يبطل بالسفر و الإعراض عن الحرفة على ما يأتي، فقياسه أن لا يبطل بمجرّد الانهدام و الهدم، بل يعتبر إعراضه عن ذلك الجناح و رغبته عن إعادته (1).

و نحن نمنع الحكم في الأصل، و نمنع أولويّته على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

مسألة 1054: لا يجوز لأحدٍ بناء دكّةٍ و لا غرس شجرةٍ في الطريق المسلوك إن ضيّق الطريق و ضرّ بالمارّة إجماعاً

؛ لقوله (عليه السلام): «لا ضرر و لا ضرار (2)» (3).

و إن كان متّسعاً لا يضرّ بالمارّة وَضْعُه، فالأولى المنع أيضاً، إلّا فيما زاد على حدّ الطريق النافذ؛ لأنّ ذلك يوجب اختصاصاً له فيما هو مشترك و شرعٌ بين الناس، و لأنّ المكان المشغول بالبناء و الشجر لا يتأتّى فيه السلوك و الاستطراق، و قد يزدحم المارّة و يعسر عليهم السلوك فيه، فيتعثّرون بها، و لأنّه ربما طالت المدّة، فأشبه مكان البناء و الغراس بالأملاك، فانقطع أثر استحقاق السلوك فيه، بخلاف الأجنحة و الرواشن، و هو أحد قولَي الشافعيّة.

و الثاني: إنّه يجوز ذلك، كوضع الجناح أو الروشن اللَّذَيْن لا يضرّان

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 97- 98، روضة الطالبين 3: 440.

(2) في «ج، ر»: «إضرار».

(3) الكافي 5: 280/ 4، و 292- 294/ 2 و 8، الفقيه 3: 45/ 154، و 147/ 648، التهذيب 7: 146- 147/ 651، و 164/ 727، سنن ابن ماجة 2: 784/ 2340 و 2341، سنن الدارقطني 3: 77/ 288، سنن البيهقي 6: 69 و 70، المستدرك- للحاكم- 2: 57- 58، مسند أحمد 6: 447/ 22272.

47

بالمارّة (1).

و قد عرفت الفرق.

مسألة 1055: حدّ الطريق المتّخذ في الأرض المباحة إذا تشاحّ أهله في وضعه وسعته و ضيقه سبعُ أذرع

؛ لأنّ ذلك قدر ما تدعو الحاجة إليه، و لا يزيد عليه؛ لما رواه مسمع بن عبد الملك عن الصادق (عليه السلام) قال:

«و الطريق إذا تشاحّ عليه أهله فحدّه سبع أذرع» (2) و مثله روى السكوني عن الصادق (عليه السلام) (3)، و الخبران موثّقان.

إذا تقرّر هذا، فهذا الحدّ حدٌّ مع تشاحّ أهل ذلك الدرب، المتقابلة دُورهم فيه، و لا عبرة بغيرهم.

و لو اتّفقوا على وضع أضيق منه في الابتداء جاز، و لم يكن لأحدٍ الاعتراضُ و طلبُ التوسعة فيه.

و إذا وضعوه على حدّ السبع، لم يكن لهم بعد ذلك تضييقه.

و لو وضعوه أوسع من السبع، فالأقرب: إنّ لهم و لغيرهم الاختصاصَ ببعضه إلى حيث يبلغ هذا الحدّ، فلا يجوز بعد ذلك النقصُ عنه.

مسألة 1056: الشوارع لا يجري عليها ملك أحدٍ، و لا يختصّ بها شخص من الأشخاص

، بل هي بين الناس كافّةً شرعٌ سواء بلا خلافٍ.

و لا فرق في ذلك بين الجوادّ الممتدّة في الصحاري و البلاد.

و إنّما يصير الموضع شارعاً بأُمور: أن يجعل الإنسان ملكه شارعاً و سبيلًا مسبَّلًا، و يسلك فيه شخصٌ ما، أو يُحيي جماعةٌ أرضَ قريةٍ أو بلدةٍ

____________

(1) الوسيط 4: 55، العزيز شرح الوجيز 5: 97، روضة الطالبين 3: 439.

(2) الكافي 5: 295/ 2، التهذيب 7: 145/ 642.

(3) الكافي 5: 296/ 8، التهذيب 7: 145/ 643.

48

و يتركوا مسلكاً نافذاً بين الدور و المساكن، و يفتحوا إليه الأبواب، أو يصير موضع من الموات جادّةً يسلكه الناس، فلا يجوز تغييره، و كلّ مواتٍ يجوز استطراقه، لكن لا يُمنع أحد من إحيائه و صرف الممرّ عليه، فليس له حكم الشوارع.

الثاني: الطرق التي لا تنفذ

، كالسكّة المسدودة المنتهية إلى ملك الغير، و لا منفذ لها إلى المباح، و تلك مِلْكٌ لأرباب الأبواب فيها.

و هذه الطرق لا يجوز لأحدٍ إشراع جناحٍ فيها و لا روشن و لا ساباط، إلّا بإذن أرباب الدرب بأسرهم، سواء كانوا من أهل الدرب أو من غيرهم، و سواء أضرّ بالباقين أو لا؛ لأنّ أربابه محصورون و مُلّاكه معدودون، فإذا تخصّص به أحد منع الباقين منه، فلم يجز، و هو أحد قولَي الشافعيّة.

و الثاني: إنّه لا يجوز لغير أهل السكّة مطلقاً، و أمّا أهل السكّة فيجوز لكلّ واحدٍ منهم إشراع الجناح و الروشن و غيرهما إذا لم يضرّ بالمارّة؛ لأنّ لكلّ واحدٍ منهم الارتفاقَ بقرارها، فليكن الارتفاق بهوائها كذلك، كالشوارع (1).

و هو ممنوع؛ لأنّ السكّة مخصوصة بهم، فلا يتصرّف فيها أحد دون رضاهم، كما أنّه لا يجوز إشراع الجناح إلى دار الغير بغير رضاه، سواء تضرّر أو لا؛ إذ لا اعتبار بالتضرّر مع إذن المتضرّر.

و بمثل ما قلناه قال أبو حنيفة (2).

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 341، حلية العلماء 5: 13، البيان 6: 234، العزيز شرح الوجيز 5: 99، روضة الطالبين 3: 441- 442، المغني 5: 35، الشرح الكبير 5: 31.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 99.

49

مسألة 1057: لو صالَح واضع الروشن أو الجناح أو الساباط أربابَ الدرب و أصحابَ السكّة على وضعه

، جاز على الأظهر عندنا، لكنّ الأولى اشتراط زمانٍ معيّن؛ لأنّه حقٌّ ماليٌّ متعيّن المالك، فجاز الصلح عليه و أخذ العوض عنه، كما في القرار.

و مَنَع منه الشافعيّة؛ بناءً منهم على أنّ الهواء تابع، فلا يُفرد بالمال صلحاً، كما لا يُفرد به بيعاً (1).

و يُمنع مانعيّة التبعيّة من الانفراد بالصلح، بخلاف البيع؛ لأنّه يتناول الأعيان، و الصلح هنا وقع عن الوضع مدّةً.

و كذا الحكم في صلح مالك الدار عن الجناح المشرع إليها من الجواز عندنا، و المنع عندهم (2).

مسألة 1058: نعني بأرباب الدرب المقطوع و أصحاب السكّة كلّ مَنْ له بابٌ نافذ إلى تلك السكّة

، دون مَنْ يلاصق حدّ داره السكّة و يكون حائطه إليها من غير نفوذ بابٍ له فيها.

و هل يشترك جميعهم في جميع السكّة فيكون الاستحقاق في جميعها لجميعهم، أم شركة كلّ واحدٍ تختصّ بما بين رأس السكّة و باب داره، و لا تتخطّى عنه؟ المشهور عندنا: اختصاص كلّ واحدٍ بما بين رأس السكّة و باب داره؛ لأنّ محلّ تردّده هو ذلك المكان خاصّةً و مروره فيه، دون باقي السكّة، فحكم ما عدا ذلك حكم غير أهل السكّة، و هو أظهر وجهي الشافعيّة.

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 341، البيان 6: 234، العزيز شرح الوجيز 5: 99، روضة الطالبين 3: 442.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 99، روضة الطالبين 3: 442.

50

و الثاني لهم: الأوّل، و هو أنّ الاستحقاق في جميعها لجميعهم؛ لأنّهم ربما احتاجوا إلى التردّد و الارتفاق بجميع الصحن لطرح الأثقال و وضع الأحمال عند الإخراج و الإدخال (1).

و تظهر الفائدة- على أصحّ قولَي الشافعي- في منع إشراع الجناح إلّا برضاهم، فعلى القول باشتراك الكلّ في الكلّ يجوز لكلّ واحدٍ من أهل السكّة المنع، و على الثاني إنّما يجوز المنع لمَنْ موضعُ الجناح بين بابه و رأس السكّة، دون مَنْ بابه بين موضع الجناح و رأس السكّة (2).

إذا تقرّر هذا، فعلى المشهور عندنا: إنّ الأدخل ينفرد بما بين البابين، و يتشاركان في الطرفين، و لكلٍّ منهما الخروج ببابه مع سدّ الأوّل و عدمه، فإن سدّه فله العود إليه مع الثاني، و ليس لأحدهما الدخول ببابه.

و يحتمله؛ لأنّه قد كان له ذلك في ابتداء الوضع فيستصحب، و له رفع جميع الحائط فالباب أولى.

مسألة 1059: قد بيّنّا أنّ الدرب المقطوع لأربابه المحصورين، دون الشوارع المسلوكة

، فلهُم التصرّف فيه كيف شاءوا؛ لأنّ للإنسان التصرّفَ في ملكه بسائر أنواع التصرّفات، و لهُم سدّ باب السكّة، و هو قول أكثر الشافعيّة (3).

و مَنَع بعضهم من ذلك؛ لأنّ أهل الشارع يفزعون إليها إذا عرض لهم سبب من زحمةٍ و شبهها (4).

و لو امتنع بعضهم من سدّها، لم يكن للباقين سدّها إجماعاً. و لو اتّفقوا على السدّ، لم ينفرد بعضهم بالفتح. و لو اتّفقوا على قسمة صحن

____________

(1) (1- 4) العزيز شرح الوجيز 5: 100، روضة الطالبين 3: 442.

51

السكّة بينهم، جاز.

و لو أراد أهل رأس السكّة قسمة رأس السكّة بينهم، مُنعوا؛ لحقّ مَنْ يليهم.

أمّا لو أراد أهل الأسفل قسمة الأسفل، فإن قلنا باختصاصهم به، كان لهم ذلك. و إن قلنا باشتراك الجميع في الأسفل، لم يكن لهم ذلك، إلّا بإذن الباقين.

هذا كلّه- أعني سدّ الباب و قسمة الصحن- إنّما هو إذا لم يكن في السكّة مسجد، فإن كان فيها مسجد قديم أو حديث، فالمسلمون كلّهم يستحقّون الطروق إليه، و لا يُمنعون منه.

و كذا لو جعل بعضهم داره رباطاً أو مسجداً أو مدرسةً أو مستراحاً، لم يكن لأحدٍ منعه، و لا منع مَنْ له الممرّ فيه، و حينئذٍ لا يجوز لأحدٍ أن يشرع جناحاً و لا ساباطاً و لا روشناً عند التضرّر به و إن رضي أهل السكّة؛ لحقّ سائر الناس.

مسألة 1060: قد بيّنّا أنّ الدرب إمّا نافذ و إمّا مقطوع.

أمّا النافذ: فلكلّ أحدٍ فتح بابٍ فيه، سواء كان له ذلك بحقٍّ قديم أو لا.

و أمّا المقطوع: فليس لمن لا باب له فيه إحداث بابٍ إلّا برضا أهل السكّة بأسرهم؛ لتضرّرهم إمّا بمرور الفاتح عليهم، أو بمرورهم على الفاتح.

و لو فتح باباً للاستضاءة دون الاستطراق، أو قال: أفتحه و أسمره بمسمارٍ لا ينفتح بابه معه، فالأقرب: منعه من ذلك؛ لأنّ الباب يشعر بثبوت حقّ الاستطراق، فربما استدلّ به على الاستحقاق، و هو أحد قولَي

52

الشافعيّة (1).

و يمكن أن يُمكَّن منه؛ لأنّه لو رفع جميع الجدار لم يكن لأحدٍ منعه، فلأن يُمكَّن من رفع بعضه [كان] أولى.

و أمّا مَنْ له بابٌ في تلك السكّة لو أراد أن يفتح غيره، نُظر إن كان [ما] يريد به الفتح أقربَ من بابه إلى رأس السكّة، كان له ذلك؛ لأنّ له الاستطراقَ فيه و هو شريك، فإذا فتح باباً كان ذلك بعضَ حقّه.

و إن كان [ما] يريد [به] الفتح أقربَ من بابه إلى صدر السكّة، لم يكن له ذلك، و هو أظهر قولَي الشافعيّة. و الثاني: له ذلك؛ لأنّ له يداً في الدرب، فكأنّ الجميع في أيديهما (2).

إذا عرفت هذا، فإن أراد أن يتقدّم ببابه إلى رأس السكّة، فإن سدّ بابه الأوّل، كان له ذلك قطعاً؛ لأنّه ينقص حقّه.

و إن لم يسدّ بابه، فكذلك عندنا.

و للشافعيّة فيه قولٌ بالمنع؛ لأنّ الباب الثاني إذا انضمّ إلى الأوّل أورث زيادة زحمة الناس و وقوف الدوابّ في السكّة فيتضرّرون به (3).

و إن أراد أن يتأخّر ببابه عن رأس السكّة و يقرب من صدرها، فلصاحب الباب المفتوح بين رأس السكّة و داره المنعُ.

و هل لمَنْ دارُه بين الباب و رأس السكّة المنعُ؟ وجهان بناءً على كيفيّة الشركة.

و لهم طريقة أُخرى جازمة بأنّه لا منع للّذين يقع الباب المفتوح بين

____________

(1) بحر المذهب 8: 51، البيان 6: 243، العزيز شرح الوجيز 5: 101، روضة الطالبين 3: 443.

(2) (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 5: 101، روضة الطالبين 3: 443.

53

دارهم و رأس السكّة؛ لأنّ الفاتح لا يمرّ عليهم (1).

و تحويل الميزاب من موضعٍ إلى موضعٍ كفتح بابٍ و سدّ بابٍ.

فروع:

أ- لو كان لرجلين بابان في سدّةٍ أحدهما قريب من باب الزقاق، و باب الآخَر في وسطه

، فأراد كلّ واحدٍ منهما أن يقدّم بابه إلى أوّل الزقاق، كان له ذلك، على ما تقدّم؛ لأنّ له استطراقَ ذلك، فقد نقص من استطراقه.

و إن أراد أن يؤخّر بابه إلى صدر الزقاق، لم يكن له ذلك، على ما سبق- و هو أظهر وجهي الشافعيّة (2)- لأنّه يقدّم بابه إلى موضعٍ لا استطراق له فيه.

ب- لو كان لأحدهما بابٌ يلي باب الزقاق و للآخَر بابٌ في الصدر

، فأراد الثاني أن يقدّم بابه إلى حدّ باب الأوّل، فالأقرب: أنّ له ذلك، على ما سبق.

و عند الشافعيّة يُبنى على الوجهين، فإن قلنا: لصاحب الباب الذي يلي باب الزقاق أن يؤخّر بابه، لم يكن له ذلك. و إن قلنا: ليس له ذلك، كان لصاحب باب الصدر أن يقدّمه إلى باب الثاني. و ينبغي أن يكون له أن يقدّمه في فنائه إلى فناء الثاني؛ لأنّه إنّما يفتح الباب في فناء نفسه، و لا حقّ له فيما جاوز ذلك (3).

ج- لو كان له دار في دربٍ مقطوع فجَعَلها حجرتين و جَعَل لها بابين، جاز ذلك إذا وضع البابين في موضع استطراقه

. و إن أخّرهما أو

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 101، روضة الطالبين 3: 443.

(2) (2 و 3) بحر المذهب 8: 52، البيان 6: 244.

54

أحدهما لم يجز.

و للشافعيّة فيه الوجهان (1).

مسألة 1061: لو كان له داران ينفذ باب إحداهما إلى الشارع و بابُ الأُخرى إلى سكّة منسدّة فأراد مالكهما فتْحَ بابٍ

في إحداهما إلى الأُخرى، لم يكن لأهل السكّة منعه؛ لأنّه يستحقّ المرور في السكّة، و رفع الجدار الحائل بين الدارين تصرّفٌ منه مصادف للملك، فلا يُمنع منه، و هو أظهر وجهي الشافعيّة.

و الثاني: إنّ لهم المنعَ؛ لأنّه يُثبت للدار الملاصقة للشارع ممرّاً في السكّة و يزيد فيما استحقّه من الانتفاع (2).

و ليس بشيءٍ.

و لو كان له دار لها باب في زقاقٍ غير نافذٍ و لها حدٌّ في شارعٍ أو زقاقٍ نافذ و أراد أن يفتح في حدّه باباً إلى الشارع، جاز له؛ لأنّه يرتفق بما لم يتعيّن ملك أحدٍ عليه.

لا يقال: إنّ في ذلك إضراراً بأهل الدرب؛ لأنّه كان منقطعاً و بفتح الباب يصير الدرب نافذاً مستطرقاً إليه من الشارع.

لأنّا نقول: إنّه بفتح الباب صيّر داره نافذةً، و أمّا الدرب فإنّه على حاله غير نافذٍ؛ إذ ليس لأحدٍ غيره استطراقُ داره.

و لو انعكس الحال فكانت بابه إلى الشارع و له حائط في المنقطع، فأراد فتح بابٍ للاستطراق، فقد بيّنّا أنّه ليس له ذلك؛ إذ لا حقّ له في دربٍ قد تعيّن عليه ملك أربابه، فلم يكن له الانتفاع به بغير إذنهم.

____________

(1) لم نعثر عليه في المصادر التي بأيدينا، و انظر بحر المذهب 8: 52.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 101، روضة الطالبين 3: 444.