مباني العروة الوثقى - ج1

- السيد محمد تقي الخوئي المزيد...
399 /
11

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[كتاب المضاربة]

(كتاب المضاربة) و تسمى قراضا عند أهل الحجاز. و الأول من الضرب، لضرب العامل في الأرض لتحصيل الربح، و المفاعلة باعتبار كون المالك مسببا له و العامل مباشرا (1)

______________________________

(1) ما أفاده (قده) إنما هو لتوجيه صدق المفاعلة في المضاربة، حيث أن باب المفاعلة يقتضي صدور الفعل من اثنين و هو غير متحقق في المقام، فان القرض إنما يكون من المالك خاصة و الضرب من العامل فقط.

غير إننا ذكرنا في مباحث المكاسب أن هيئة المفاعلة و ان اشتهر وضعها للدلالة على صدور المادة من اثنين، إلا انه لا أساس له فإنها لا تدل إلا على قيام الفاعل و تصديه نحو تحقيق المادة في الخارج سواء أتحقق ذلك أم لم يتحقق؟ فيقال: خادعته فلم ينخدع. و الشواهد على ذلك كثيرة حيث تستعمل هذه الهيئة و لا يراد منها سوى تصدي الفاعل- و لوحدة- للفعل فيقال: سايرته و دافعته- و لو كان الطرف الآخر واقفا لا يتحرك- و طالعت و ناولته إلى غير ذلك.

نعم قد تقتضي المادة في بعض الموارد القيام في اثنين كالمساواة

12

و الثاني من القرض بمعنى: القطع لقطع المالك حصة من ماله و دفعه إلى العامل ليتجر به. و عليه العامل مقارض بالبناء للمفعول و على الأول مضارب بالبناء للفاعل. و كيف كان: عبارة عن دفع (1) الإنسان مالا إلى غيره ليتجر به على أن يكون الربح بينهما، لا أن يكون تمام الربح المالك، و لا ان يكون تمامه للعامل، و توضيح ذلك: أن من دفع مالا إلى غيره للتجارة (تارة): على أن يكون الربح بينهما، و هي مضاربة. (و تارة): على أن يكون تمامه للعامل،

______________________________

و المقابلة و المحاذاة و المشاركة و غيرها حيث انها لا تتحقق إلا بطرفين غير ان ذلك أجنبي عن الهيئة و انما هو من خصوصيات المادة.

و الذي يدلنا على ما ندعيه قوله تعالى: «يُخادِعُونَ اللّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ» (1) فإنها تدلنا على عدم اتحاد مفهوم خادع مع مفهوم خدع حيث ان الثاني ظاهر في تحقق المادة في الخارج في حين ان الأول لا يدل إلا على تصدي الفاعل و ارادته لذلك من غير اعتبار لتحققه في الخارج.

و على هذا الأساس فلا حاجة لتحمل عناء ما ذكر من التأويلات لتصحيح صدق المفاعلة على المضاربة، فإنها صادقة عليها حقيقة و من غير حاجة إلى التأويل نظرا لقيام المالك مقام الضرب و تصديه للقرض.

(1) بل هو عقد بين المالك و العامل.

____________

(1) سورة البقرة آية 9.

13

و هذا داخل في عنوان القرض إن كان بقصده (1) (و تارة): على أن يكون تمامه للمالك و يسمى عندهم باسم البضاعة (و تارة): لا يشترطان شيئا و على هذا أيضا يكون تمام الربح للمالك (2) فهو داخل في عنوان البضاعة و عليهما يستحق العامل أجرة المثل لعمله (3) إلا أن يشترطا عدمه، أو يكون العامل قاصدا للتبرع، و مع عدم الشرط و عدم قصد التبرع أيضا له أن يطلب الأجرة، الا أن يكون الظاهر منهما في مثله عدم أخذ الأجرة و الا فعمل المسلم محترم ما لم يقصد التبرع.

______________________________

(1) و الا فيبقى المال في ملك المالك و مقتضى قانون تبعية الربح لرأس المال كونه بأكمله للمالك.

و بعبارة أخرى: ان القرض يتوقف على القصد، فإن قصدا ذلك كان المال ملكا للعامل و حينئذ فتكون الأرباح- و بمقتضى القاعدة- ملكا له أيضا، و الا- بان قصد المالك إبقاء المال على ملكه- كانت المعاملة من المضاربة الفاسدة، فتجري عليها أحكامها، و ذلك لأن كون تمام الربح للعامل غير ممضى شرعا لعدم الدليل عليه، و مقتضى القاعدة تبعية الربح للمال.

(2) بموجب القاعدة، حيث أن كون بعضه أو كله للعامل يحتاج إلى جعل من المالك و إمضاء من الشارع، و هما معا مفقودان.

(3) ما أفاده (قده) بالنسبة إلى القسم الثالث- البضاعة-

14

..........

______________________________

ينافي ما التزم به في المسألة الرابعة عشرة من كتاب المساقاة حيث صرح بعدم استحقاق العامل للأجرة فيما إذا اشترط المالك انفراده بالثمر، لكونه حينئذ متبرعا. فان المسئلتين من واد واحد.

و الظاهر ان ما ذكره (قده) في باب المساقاة هو الصحيح، فان لهذا الكلام- اعني طلب العمل على أن لا يكون له من الربح شيء- ظهورا عرفيا في التبرع و العمل المجاني، و عليه فلا يكون له بإزاء عمله شيء لا من الربح- للتصريح بعدمه- و لا أجرة المثل- للتبرع بالعمل.

و أما ما أفاده بالنسبة إلى القسم الأخير فهو تام و متين و ذلك لأن أمر الغير بعمل له قيمة و مالية لدى العرف، تارة يكون ظاهرا في المجانية فحينئذ لا أجرة للعامل نظرا لكون الأمر متعلقا بحصة معينة هي العمل المجاني، فكأن العامل قد فعل هذا الفعل من غير أمر.

و أخرى لا يكون له ظهور في المجانية و في هذا الفرض ان قصد العامل التبرع و المجانية، فلا يستحق الأجرة عليه أيضا، لأنه متبرع به و بذلك فقد فوت على نفسه ما كان يستحقه من الأجرة و ان أتى به بقصد الأجرة- كما هو الغالب في أكثر المعاملات الخارجية، فيؤمر الحمال بحمل المتاع من غير تحديد للأجرة- فحينئذ و بطبيعة الحال و بمقتضى السيرة العقلائية القطعية يستحق العامل عليه الأجرة فيكون الآمر ضامنا لها.

بل و كذا الحال فيما لو كان لمتعلق الأمر مالية كأمر الخباز بإعطاء الخبز للفقير، فإنه لو لم يكن للأمر ظهور في المجانية و قصد الدافع أخذ الثمن، كان الآمر مطالبا به.

و على هذا ففيما نحن فيه: إذا فرض انه لم يكن أمر المالك

15

و يشترط في المضاربة الإيجاب و القبول (1) و يكفي فيهما كل دال قولا أو فعلا (2) و الإيجاب القولي كأن يقول، ضاربتك على كذا، و ما يفيد هذا المعنى، فيقول: قبلت.

[و يشترط فيها أيضا- بعد البلوغ و العقل و الاختيار]

و يشترط فيها أيضا- بعد البلوغ و العقل و الاختيار (3) و عدم الحجر لفلس (4) أو جنون (5)- أمور:

______________________________

للعامل بالتجارة ظاهرا في المجانية- كما هو الغالب في أكثر الأوامر المتعلقة بالاعمال- فللعامل المطالبة بأجرة مثل عمله فيما لم يقصد التبرع سواء أتحقق الربح أم لم يتحقق، على ما تقتضيه القاعدة.

(1) ليتحقق بهما مفهوم العقد و المعاملة، كما هو الحال في سائر العقود.

(2) لما عرفت غير مرة من انه مقتضى القاعدة في العقود حيث لا يعتبر فيها الا الاعتبار النفساني و إبرازه بمبرز في الخارج و هو متحقق في المقام.

نعم لا بد من رفع اليد عن القاعدة فيما دل الدليل على اعتبار لفظ خاص فيه- كالطلاق- أو مطلق اللفظ- كالنكاح.

(3) بلا خلاف فيها، فإنها من الشرائط العامة المعتبرة في كل عقد.

(4) مقتضى إطلاق العبارة ان المفلس لا تصح منه المضاربة سواء أ كان مالكا أم عاملا، الا أن الإطلاق غير مراد جزما فإنه لا محذور في كونه عاملا و سيجيء منه (قده) التصريح بصحتها حينئذ

(5) لا يبعد ان يكون مراده (قده) منه السفه لأن حمله على

16

[الأول: أن يكون رأس المال عينا]

الأول: أن يكون رأس المال عينا (1) فلا تصح بالمنفعة و لا بالدين، فلو كان له دين على أحد لم يجز أن يجعله مضاربة إلا بعد قبضه. و لو أذن للعامل في قبضه، ما لم يجدد العقد بعد القبض، نعم لو و كله على القبض و الإيجاب من طرف المالك و المقبول منه، بأن يكون موجبا قابلا، صح.

______________________________

معناه الحقيقي أي ما يقابل العقل يوجب كونه مستدركا لأنه (قده) قد اعتبر فيها العقل صريحا.

ثم بناء على الأول، مقتضى إطلاق كلامه (قده) اعتبار عدمه في كلا طرفي المضاربة و قد صرح بذلك بعضهم غير ان أكثر الفقهاء لم يتعرضوا لذلك في كتاب المضاربة و إنما اقتصروا على ما ذكروه في باب الحجر من ان السفيه محجور عليه في ماله.

و كيف كان: فاعتباره بالنسبة إلى المالك مما لا خلاف فيه فإنه ليس للسفيه ان يعقد المضاربة مع العامل لكونه محجورا عن التصرف في أمواله و أما اعتباره بالنسبة إلى العامل فلا وجه له إذ لا يعتبر قبول ذلك منه تصرفا في أمواله- كما هو واضح- بل و لا عمله الذي هو بحكم المال، و ذلك لأن العامل لا يملك المالك عمله، و إنما المضاربة عقد شبيه بالوكالة- كما عن المحقق (قده)- أو الجعالة.

و عليه فلا وجه لاعتبار عدم السفه فيه فإنه غير ممنوع منهما بل ذكر غير واحد منهم أن له أخذ عوض الخلع لكونه من تحصيل المال لا التصرف في أمواله.

(1) اعتبره غير واحد من الفقهاء، نظرا لاختصاص أدلتها الخاصة

17

..........

______________________________

بالعين فلا يمكن الحكم بالصحة في المنفعة و الدين لعدم الدليل عليها.

و خالف فيه بعض فالتزم بالصحة تمسكا بالأدلة العامة و عمومات التجارة بدعوى ان مقتضاها نفي اشتراط ما يحتمل اعتباره في العقد.

و قد أشكل عليه في بعض الكلمات بأنه لا مجال للتمسك بهذه العمومات في نفي اعتبار ما يحتمل اعتباره بالنسبة إلى العقد.

و الذي ينبغي أن يقال: أن العقد الواقع في الخارج قد يكون من قبيل البيع و الإجارة و نحوهما مما يكون التمليك من كل من الطرفين للآخر تمليكا لما يملكه، و فيه لا مانع من التمسك بعمومات التجارة و قد تمسكنا بها لإثبات صحة المعاملة المعاطاتية.

و قد لا يكون كذلك بان لا يكون فيه تمليك من أحد الطرفين ماله للآخر، كالمضاربة و المزارعة و المساقاة حيث لا يملك المالك العامل إلا حصة من الربح و هي غير متحققة بالفعل لأنه لا يملك إلا أصل ماله، فكيف يصح تمليكها لغيره؟ و فيه فالقاعدة تقتضي البطلان و لا عموم يقتضي صحته، و عليه فيكون تمام الربح للمالك نظرا لتبعية المنافع للأصل و كون بعضه للعامل رأسا و ابتداء على خلاف القاعدة في العقود إذ مقتضاها كون العوض لمن له المعوض فمن يبذل المثمن له الثمن و العكس بالعكس فلا وجه لكون بعضه للعامل.

و انتقاله آنا ما إلى ملك المالك و من ثم إلى العامل و ان كان معقولا إلا انه على خلاف قانون المضاربة و المزارعة و المساقاة.

على انه من تمليك ما لا يملك فعلا إذ ليس له الآن السلطنة عليه و لذا لم يستشكل أحد في بطلان العقد إذا لم تكن حصة العامل من ربح ما يتجر به، بان يقول له المالك: اتجر بهذا المال و لك الربع من

18

..........

______________________________

أرباح تجارتي الخاصة أو من ثمر بستاني في العام القادم.

و الحاصل: ان الصحة في هذه الموارد التي ليس فيها شيء مملوك للمملك بالفعل يملكه لغيره، تحتاج إلى دليل خاص، فان كان فهو و الا فالقاعدة تقتضي البطلان نظير ما تقدم في إجارة الأرض بحاصلها أو بيع ما سيرثه من مورثه، فإنها غير مشمولة لأدلة التجارة عن تراض و صحتها على خلاف القاعدة، فلا بد لا ثباتها من دليل خاص و الا فهي محكومة بالفساد.

على أن المضاربة تزيد على غيرها في الاشكال بأنها لا تنحصر- غالبا- بالتجارة مرة واحدة، بل تكون من التجارة المستمرة و المتعددة، و على هذا فلو فرض أن رأس المال مائة دينار و كان للعامل نصف الربح، فاتجر العامل به و اشترى سلعة بمائة دينار ثم باعها بمائتي دينار، كان مقتضى العقد اختصاص المالك بمائة و خمسين دينارا و اختصاص العامل بخمسين دينارا فقط، فلو اشترى بعد ذلك شيئا بمائتي دينار ثم باعه بأربعمائة دينار، فمقتضى العقد ان يكون للعامل مائة و خمسون دينارا و للمالك مأتان و خمسون دينارا، و هو مخالف للقاعدة من حيث أن المائتين دينارا الحاصلة من التجارة الثانية إنما هي ربح لمجموع خمسين دينارا- حصة العامل- و مائة و خمسين دينارا- حصة المالك- و مقتضى القاعدة ان يكون ربع هذا المبلغ له و الثلاثة أرباع الباقية بينه و بين المالك و هذا يعني ان يكون للعامل من مجموع الأربعمائة، مائة و خمسة و سبعون دينارا و للمالك منه مائتان و خمسة و عشرون دينارا فقط، و الحال انه لا يأخذ إلا مائة و خمسين دينارا، و لازمه ان يكون ربح العامل أيضا مناصفة بينه و بين المالك و هو على خلاف القاعدة حيث ان المالك لم يعمل فيه شيئا بل ذلك

19

..........

______________________________

المال حصة العامل بتمامه و العمل فيه من العامل فلا وجه لأن يكون للمالك نصف ربحه.

و من هنا فلو كنا نحن و القاعدة و لم يكن هناك دليل على الصحة لالتزمنا بفساد عقد المضاربة بقول مطلق، و انما قلنا بالصحة فيها للنصوص الخاصة و عليه فلا بد في تحديد ما يعتبر في الحكم بالصحة من اتباع دلالتها فبمقدار تلك الدلالة يحكم بالصحة، و الباقي بما في ذلك المشكوك يبقى على أصل الفساد.

و عليه فنقول: أما بالنسبة إلى الدين فيكفي في الحكم بفساد المضاربة به معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (ع) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل له على رجل مال فيتقاضاه و لا يكون عنده فيقول: هو عندك مضاربة، قال: لا يصلح حتى تقبضه منه) (1) على أن المذكور في أدلة المضاربة عنوان «إعطاء المال» و هو ظاهر في دفع العين فلا تشمل الأدلة الدين و يكفينا في ذلك الشك حيث عرفت ان مقتضى الأصل البطلان.

و أما بالنسبة إلى المنفعة فالمعروف و المشهور بينهم هو عدم الجواز لكن يمكن أن يقال: ان التعبير في أدلة المضاربة بالمال لا سيما ما ورد في الوصية بالمضاربة بمال أولاده، شامل للمنفعة أيضا حيث لا دليل على بطلان المضاربة بها خلافا للدين.

إلا انه مردود: بان الظاهر من نصوص المضاربة ان موضوعها إعطاء المالك ماله للعامل كي يعمل به على ان يكون رأس المال محفوظا و الربح بينهما على حسب ما يتفقان عليه، و هو لا ينطبق على المنفعة

____________

(1) الوسائل: ج 13 ب 5 من أبواب أحكام المضاربة ح 1.

20

و كذا لو كان له على العامل دين لم يصح جعله قراضا (1) الا ان يوكله في تعيينه ثم إيقاع العقد عليه بالإيجاب و القبول بتولي الطرفين.

[الثاني: أن يكون من الذهب أو للفضة المسكوكين بسكة المعاملة]

الثاني: أن يكون من الذهب أو للفضة المسكوكين بسكة المعاملة بأن يكون درهما أو دينارا،: فلا تصح بالفلوس و لا بالعروض، بلا خلاف بينهم، و ان لم يكن عليه دليل سوى دعوى الإجماع. نعم تأمل فيه بعضهم، و هو في محله، لشمول العمومات، الا ان يتحقق الإجماع، و ليس ببعيد (2) فلا يترك الاحتياط.

______________________________

حيث انها غير قابلة للبقاء نظرا إلى أنها تتلف بنفسها و من هنا فكل ما يكون في قبالها يكون بأجمعه ربحا، و لذا قالوا في باب الخمس ان كل ما يقع بإزاء المنافع سواء الأعيان و غيرها يكون متعلقا للخمس و ليس ذلك إلا لكونه بأجمعه ربحا لا أن الأصل محفوظ و الباقي هو الربح.

إذن: فما ذكره المشهور من عدم صحة المضاربة بالمنفعة إن لم يكن أقوى فهو أحوط.

هذا بناء على جواز المضاربة بمطلق المال و ان لم يكن من الأثمان و أما بناء على عدم جوازه فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز المضاربة بالمنفعة.

(1) للقاعدة و معتبرة السكوني- على ما تقدم.

(2) الظاهر أن الإجماع المدعى من الإجماع المنقول فلا يمكن

21

و لا بأس بكونه من المعشوش الذي يعامل به (1) مثل الشاميات و القمري و نحوهما.

______________________________

الاعتماد عليه لا سيما بعد خلو كلمات غير واحد من الأصحاب من التعرض اليه.

و كيف كان: فالأصل في هذه الدعوى كلام القاضي في الجواهر الا ان عبارته صريحة في دعوى الإجماع. على صحة المضاربة بالدراهم و الدنانير، و أين هذا من دعوى الإجماع على بطلانها في غيرهما؟ فان بينهما بونا بعيدا.

و منه يظهر ان الإجماع بمعنى الاتفاق الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) غير متحقق في المقام، و معه فلا موجب لرفع اليد عن إطلاقات الأدلة المعتبرة للمال في المضاربة، حيث لم يثبت تقييد بكونه من الدراهم أو الدنانير. فان هذا العنوان كما يصدق عليهما يصدق على غيرهما من الأثمان و الأموال المتمحضة في المالية.

نعم الحكم لا يعم العروض باعتبار ان الربح و الخسران إنما يلاحظان بالنسبة إلى ما هو متمحض في المالية و هو الأثمان التي يتحفظ بها أولا ثم يلاحظ ربحها و خسارتها.

إذن: فما اختاره صاحب الحدائق (قده) من عدم اعتبار هذا الشرط هو الصحيح.

(1) إذ العبرة- بناء على اعتبار كونه من الذهب و الفضة و المسكوكين- بصدق الدرهم و الدينار و هو صادق على المغشوش على حد صدقه على الخالص بل الخالص منهما إما لا يكون أو يكون نادرا جدا، و قد تقدم الكلام فيه مفصلا في باب الزكاة

22

نعم لو كان مغشوشا يجب كسره، بان كان قلبا لم يصح (1) و ان كان له قيمة، فهو مثل الفلوس. و لو قال للعامل: بع هذه السلعة و خذ ثمنها قراضا لم يصح (2).

______________________________

نعم لو كان الغش بحد يمنع صدق الاسم عليه منع من صحة المضاربة به، بناء على القول باعتبار كون مال المضاربة درهما و دينارا.

(1) بان كان الغش في الهيئة لا المادة، بان صب الذهب و الفضة بشكل الدراهم و الدنانير فإنه لا يكون حينئذ من الأثمان و تقدم اعتبار كون مال المضاربة منها.

و بذلك يظهر الفرق بينه و بين الفلوس.

(2) و كأنه لأن الذي يعطيه المالك العامل ليس بالفعل درهما أو دينارا و قد اعتبر كون مال المضاربة منهما، و ثمنه و ان كان منهما إلا انه حين إعطاءه لم يكن مالكا لذلك، و إنما يملكه بعد البيع و فيه ما لا يخفى، فانا و ان سلمنا عدم صحة المضاربة بالعروض، الا انه إذا قصد المعطي المضاربة بالبدل و الثمن- كما هو صريح عبارته- كان ذلك في الحقيقة توكيلا للعامل في جعل الثمن قراضا- كما هو الحال في سائر موارد الأمر بالأمور المترتبة كان يقول بع داري و أصرف ثمنه على الفقراء فإنه توكيل في الصرف عليهم لا محالة.

و من هنا فإذا نفّذ العامل ذلك فباع المتاع ثم تصدى للتجارة بالثمن كان فعله هذا إيجابا للمضاربة بالوكالة من المالك و قبولا منه هو.

23

إلا أن يوكله في تجديد العقد عليه بعد ان نض الثمن

[الثالث: أن يكون معلوما قدرا و وصفا]

الثالث: أن يكون معلوما قدرا و وصفا (1).

______________________________

و محذور كونها مضاربة معاطاتية، مدفوع بأنه لا اشكال فيها حيث عرفت ان مقتضى العمومات عدم اعتبار اللفظ في صحة العقد إلا ما خرج بالدليل.

(1) ذكر صاحب الجواهر (قده) في وجهه: ان الجهالة تمنع من تحقق الربح الذي ينبغي ان يكون مشتركا بين المالك و العامل و حيث انه روح هذه المعاملة فيحكم ببطلانها.

و فيه: انا لو سلمنا عموم النهي عن الغرر للمضاربة أيضا، فالمقام خارج عنه تخصصا إذ لا غرر في هذه المعاملة من ناحية المضاربة.

فإنه لو اعطى المالك العامل كيسا مملوءا بالدنانير و أمره بالمضاربة بها من دون ان يعلما مقدارها أو وصفها، لم يكن ذلك غرريا من جهة تمكن العامل من عدّها بعد ذلك و اخبار المالك به فيرتفع جهلهما لكونه أمينا عنده.

على أن لو لم يتمكن من عدها، فيكفي في رفع الغرر ان المعاملة بذلك المال يستلزم علمه و لو تدريجا بمقداره، فإنه كلما يشتري شيئا ليتجر به يعرف ما اخرج بإزاءه من الكيس إلى ان ينتهي كلما فيه و حينئذ يرتفع غرره و يعلم بما كان في الكيس حين قبضه.

ثم لو فرضنا عدم ذلك أيضا فالربح يكون مشتركا بين العامل و المالك و حينئذ فيمكن حل المشكلة بالرجوع إلى التصالح- إن أمكن- و الا فيحلها الحاكم و لو بالقرعة.

و ليس في شيء من ذلك أي غرر حيث انه عبارة عن الخطر

24

و لا تكفي المشاهدة و ان زال به معظم الغرر (1).

[الرابع: أن يكون معينا]

الرابع: أن يكون معينا (2) فلو أحضر مالين و قال:

قارضتك بأحدهما أو بأيهما شئت، لم ينعقد الا ان يعين ثم يوقعان العقد عليه.

______________________________

المالي أو العرضي أو النفسي، و كلها مفقود في المقام فان الربح لكل منهما مضمون.

إذن: فالظاهر عدم اعتبار هذا الشرط في عقد المضاربة، نظرا لعدم الدليل عليه.

(1) خلافا لما حكي عن الشيخ (قده) من الاكتفاء بها لما ذكره و قد ظهر الحال فيه مما تقدم.

(2) لم يظهر لنا وجهه، فان دعوى: ان أحدهما و الفرد المبهم لا وجود له في الخارج، إذ الموجود في الخارج إنما هو الفرد المعين المشخص فلا تصح المضاربة به.

مدفوعة: بما ذكرناه في مبحث الواجب التخييري من المباحث الأصولية، من أن الفرد المردد و ان لم يكن له وجود في الخارج الا أن الجامع الذي هو عبارة عن عنوان أحدهما موجود في الخارج لا محالة، فإنه موجود بوجود الفردين و لذا يقال: انه يعلم بنجاسة أحد الإنائين و الحال ان الذي لا وجود له كيف يعلم بنجاسته؟.

إذن: فلا مانع من إيقاع المضاربة على أحدهما، فإنه مشمول للعنوان الوارد في النصوص اعني دفع المال للتجارة و حينئذ فيكون التخيير للعامل أو المالك على حسب ما يتفقان عليه.

25

نعم لا فرق بين أن يكون مشاعا أو مفروزا (1) بعد العلم بمقداره و وصفه، فلو كان المال مشتركا بين شخصين فقال أحدهما للعامل: قارضتك بحصتي في هذا المال صح مع العلم بحصته من ثلث أو ربع. و كذا لو كان للمالك مائة دينار- مثلا- فقال: قارضتك بنصف هذا المال صح.

[الخامس: أن يكون الربح مشاعا بينهما]

الخامس: أن يكون الربح مشاعا بينهما (2) فلو جعل لأحدهما مقدارا معينا و البقية للآخر، أو البقية مشتركة بينهما لم يصح (3).

______________________________

(1) لصدق المال المذكور في النصوص عليهما على حد سواء.

(2) لتقوم مفهوم المضاربة به و الا فيكون داخلا في مفهوم الإجارة أو الجعالة و على كلا التقديرين يحكم ببطلان العقد لأن غير المملوك بالفعل لا يصلح ان يكون أجرة أو جعلا بإزاء عمل العامل

(3) ما أفاده (قده) إنما يتم فيما إذا لم يكن وثوق بزيادة الربح عن المقدار الذي جعل لأحدهما تعيينا. فإنه حينئذ تخرج المعاملة عن المضاربة حيث ان معه لا يبقى للآخر شيء من الربح.

و أما إذا كان هناك وثوق بزيادة الربح عن المقدار المعين، فقد استدل للبطلان فيه، بان ظاهر كون الربح مشتركا بين المالك و العامل- على ما دلت عليه النصوص- هو اشتراكهما في كل جزء منه على نحو الإشاعة.

و من هنا فاختصاص أحدهما بجزء منه دون الآخر يكون على خلاف

26

[السادس: تعيين حصة كل منهما من نصف أو ثلث أو نحو ذلك]

السادس: تعيين حصة كل منهما (1) من نصف أو ثلث أو نحو ذلك، الا أن يكون هناك متعارف ينصرف اليه

______________________________

مفهوم المضاربة فلا يشمله دليلها و القاعدة تقتضي البطلان.

و فيه: انه لا يستفاد من أدلة المضاربة كون كل جزء من الربح مشتركا بينهما- كما قيل- و إنما المستفاد منها ان مجموع الربح يكون بينهما في قبال اختصاص أحدهما به، و هو صادق في المقام أيضا فإنه إذا استثنى المسالك لنفسه عشرة دنانير- مثلا- على أن يكون باقي الربح بينهما مناصفة كان مرجع ذلك إلى المضاربة بالمال على ان يكون للعامل نصف الربح الا خمسة دنانير و هو لا محذور فيه مع الوثوق بزيادة الربح على عشرة دنانير لصدق كون الربح بينهما مشتركا و مشاعا و قد التزم الماتن (قده) بجواز ذلك في المساقاة مع أن المضاربة و المزارعة و المساقاة من هذه الجهة من واد واحد و لا فرق بينهما.

إذن: فالحكم بالبطلان في هذه الصورة لا يخلو عن اشكال بل منع.

(1) فان الملك لا بد و ان يتعلق بأمر معين، فإن الشيء الذي لا واقع له لا يصلح ان يكون مملوكا لأحدهما. و حيث ان النسبة المجهولة لا واقع لها فلا يصلح تمليكها للعامل.

هذا إذا كانت النسبة مجهولة و مرددة في الواقع، و أما إذا كان لها واقع لكنهما لم يكونا يعلمان بها، كما لو ضاربة بالنسبة التي اتفقا عليها في السنة الماضية مع نسيانهما لها، فهل يحكم بصحتها أم لا؟

قيل بالثاني من جهة استلزامه للغرر.

إلا انك قد عرفت ما فيه حيث لا خطر على العامل في الربح

27

الإطلاق (1)

[السابع: ان يكون الربح بين المالك و العامل]

السابع: ان يكون الربح بين المالك و العامل، فلو شرطا جزءا منه للأجنبي عنهما لم يصح (2) الا أن يشترط عليه عمل متعلق بالتجارة (3) نعم ذكروا أنه لو أشترط كون جزء من الربح لغلام أحدهما صح، و لا بأس به خصوصا على القول بان العبد لا يملك لأنه يرجع إلى مولاه، و على القول الآخر يشكل، الا انه لما كان مقتضى القاعدة صحة

______________________________

و إنما الشك في زيادته و نقصانه، على انه لم يثبت نهيه (ص) عن مطلق الغرر.

إذن فلا مانع من الالتزام بصحتها، إذ يصدق معه ان المالك اعطى ماله للعامل ليتجر به على ان يكون الربح مشتركا بينهما بنحو الإشاعة على النسبة المعينة في الواقع.

لكن لا يخفى ان ظاهر عبارة الماتن (قده) هو القسم الأول فإنه (قده) غير ناظر إلى فرض كون النسبة معلومة في الواقع.

(1) حيث به يحصل العلم بالمقدار.

(2) و ذلك لأن مقتضى القاعدة- و كما عرفت- هو تبعية المنافع بأكملها لرأس المال في الملكية. و إنما خرجنا عنهما في المضاربة حيث يكون بعض الربح للعامل بالدليل الخاص. و حيث لا دليل على جواز الجعل للأجنبي يكون باطلا لا محالة بعد أن لم يكن له شيء من رأس المال أو العمل.

(3) لأنها في الحقيقة ترجع إلى المضاربة مع اثنين

28

الشرط حتى للأجنبي (1). و القدر المتيقن من عدم الجواز ما إذا لم يكن غلاما لأحدهما، فالأقوى الصحة مطلقا، بل لا يبعد القول به في الأجنبي أيضا و ان لم يكن عاملا لعموم الأدلة (2).

[الثامن: ذكر بعضهم أنه يشترط أن يكون رأس المال بيد العامل]

الثامن: ذكر بعضهم أنه يشترط أن يكون رأس المال بيد العامل فلو اشترط المالك ان يكون بيده لم يصح لكن لا دليل عليه (3) فلا مانع ان يتصدى العامل للمعاملة مع كون المال بيد المالك كما عن التذكرة.

[التاسع: ان يكون الاسترباح بالتجارة]

التاسع: ان يكون الاسترباح بالتجارة، و أما إذا كان بغيرها- كأن يدفع اليه ليصرفه في الزراعة مثلا و يكون

______________________________

(1) مراده (قده) من القاعدة هي العمومات و الإطلاقات، غير انك قد عرفت منا غير مرة إنكار ذلك حيث ليس لدينا إي عموم أو إطلاق يشمل تمليك ما لا يملك، و لذا لو اشترط شيئا من الربح للأجنبي في غير عقد المضاربة لم يصح جزما لأنه من تمليك المعدوم.

إذن: فالصحيح ان الجعل للأجنبي غير جائز سواء أ كان الأجنبي عبدا لأحدهما- بناء على ملكية العبد كما هو الصحيح- أم لم يكن.

(2) ظهر الحال فيه مما تقدم.

(3) إذ المضاربة انما تكون باعتبار صدور العمل من العامل و رجوع الربح اليه و إلى المالك مشتركا على النسبة المتفق عليها، و أما كون المال بيد العامل فلم يدل عليه دليل بل ربما لا يكون في العامل وثوق

29

الربح بينهما- يشكل صحته (1) إذ القدر المعلوم من الأدلة هو التجارة. و لو فرض صحة غيرها للعمومات- كما لا يبعد (2)- لا يكون داخلا في عنوان المضاربة.

[العاشر: ان لا يكون رأس المال بمقدار يعجز العامل]

العاشر: ان لا يكون رأس المال بمقدار يعجز العامل

______________________________

فيبقي المالك ماله في يده تحفظا عليه.

نعم بعض النصوص تضمن التعبير ب«يعطي مالا» و هو ظاهر في الدفع اليه و جعله في يده، الا أن التقييد وارد في كلام السائل دون جوابه (ع) فلا يدل على اعتبار كونه في يد العامل و عدم صحتها عند الخلاف.

على أن بعض النصوص مطلقة ففي بعضها. (الرجل يقول للرجل: ابتاع لك متاعا و الربح بيني و بينك) (1) و في بعضها.

(الرجل يعمل بالمال مضاربة) (2) و غيرها، فان هذه التعابير إن لم تكن ظاهرة في كون المال في يد المالك فلا أقل من كونها عامة لكلا الطرفين.

(1) لاختصاص المضاربة على ما يستفاد من نصوصها بالاسترباح بالتجارة.

(2) بل هو بعيد، لما عرفت من عدم تمامية العمومات و احتياج الحكم بالصحة في هذه المعاملات إلى الدليل الخاص و حيث انه مفقود فالقاعدة تقتضي البطلان.

____________

(1) الوسائل: ج 13 ب 3 من أبواب أحكام المضاربة ح 1.

(2) الوسائل: ج 13 ب 1 من أبواب أحكام المضاربة ح 3.

30

عن التجارة به، مع اشتراط المباشرة من دون الاستعانة بالغير، أو كان عاجزا حتى مع الاستعانة بالغير، و الا فلا يصح (1) لاشتراط كون العامل قادرا على العمل.

كما ان الأمر كذلك في الإجارة للعمل، فإنه إذا كان عاجزا تكون باطلة و حينئذ فيكون تمام الربح للمالك و للعامل أجرة عمله

______________________________

(1) فيه اشكال بل منع فإن المضاربة كغيرها من العقود تنحل إلى عقود متعددة على أجزاء رأس المال و ان كانت بحسب الإنشاء واحدة حالها في ذلك حال سائر العقود، و من هنا فحيث ان المفروض ان العامل ليس بعاجز عن التجارة بجميع أجزاء ذلك المال و ان كان عاجزا عن الاتجار بمجموعه، فلا موجب للحكم بالبطلان من رأس و في جميع المال، بل يتعين الحكم بالصحة فيما يقدر عليه و البطلان فيما يعجز عنه، فإنه لا محذور فيه سوى توهم ان الجهالة بالمقدار المقدور يستتبع الغرر الموجب لبطلان العقد، الا انك قد عرفت ما في هذا التوهم حيث لا غرر فلا موجب للحكم بالفساد.

نعم لو كانت أجرة المثل في الخارج أقل من الربح المجعول للعامل و كان المالك حين العقد جاهلا بعجز العامل عن الاتجار ببعض المال كان له الخيار في فسخ العقد من رأس لتخلف الشرط و هو انضمام المضاربة بكل جزء بالمضاربة بالجزء الآخر كما هو الحال في سائر موارد تبعض الصفقة، فيثبت للعامل أجرة مثل عمله حينئذ، أو إمضاء العقد في ذلك الجزء فيكون له ما اتفقا عليه من النسبة، و أما الحكم بالبطلان

31

..........

______________________________

من رأس- كما أفاده الماتن (قده)- فلا وجه له و لا يمكن المساعدة عليه.

و بعبارة أخرى نقول: ان المقدار المقدور تارة يكون متميزا عن غير المقدور و أخرى لا يكون كذلك ففي الأول لا ينبغي الشك في صحة المعاملة بالنسبة إلى المقدار المقدور فإنه من ضم المعاملة الصحيحة إلى المعاملة الفاسدة نظير بيع الخنزير و الشاة جملة أو بيع ماله و مال غيره كذلك فإنها تتبعض لا محالة فتبطل في الخنزير و مال الغير و تصح في الشاة و ماله.

و هذا جار في الإجارة أيضا فإنه لو آجره لعملين أحدهما مقدور و الآخر غير مقدور دفعة صحة بالنسبة إلى المقدور و بطلت بالنسبة إلى غيره.

و الحاصل: إن ضم معاملة صحيحة إلى أخرى فاسدة لا يوجب البطلان بالنسبة إلى الصحيحة، بل تنحل المعاملة الواحدة إلى معاملتين فتصح بالنسبة إلى الواجدة للشرائط و تبطل بالنسبة إلى غيرها- و منه يتضح فساد ما ذكره (قده) من عدم استحقاق العامل شيئا من الربح فان له النسبة المتفق عليها من ربح ما اتجر به لانكشاف كونه مقدورا و صحيحا.

و في الثاني: فيحكم بالصحة في المقام أيضا و ان كنا نحكم بالفساد في الإجارة باعتبار انه يعتبر فيها معلومية العمل بخلاف المضاربة حيث قد عرفت انه لا يعتبر فيها معرفة مقدار المال لعدم الغرر في الجهل به و على تقديره فلا دليل على نفيه بقول مطلق.

إذن: فلا موجب للحكم فيه بالبطلان فيما ظهر مقدوريته بعد ذلك من رأس بعد إن كانت المضاربة عقدا جائزا و لم يتضمن

32

مع جهله بالبطلان (1) و يكون ضامنا

______________________________

التمليك من الابتداء، و لا مجال لقياسها بالإجارة التي هي من العقود اللازمة المتضمنة للتمليك من الطرفين بل المتعين هو الحكم بثبوت النسبة المعينة من الربح للعامل فيما إذا لم يكن المالك جاهلا بعجزه عن المضاربة بالجميع من أول الأمر و الا فهو بالخيار إن شاء أبقى المعاملة كما كانت فيأخذ العامل نصيبه من الربح أو فسخ لتبعض الصفقة فيكون للعامل أجرة مثل عمله.

(1) ما أفاده (قده) متفرع على اختياره لبطلان المضاربة في المقام فلا تثبت له الحصة المعينة من الربح و أما بناء على ما اخترناه من صحتها بالنسبة إلى المقدور فلا موضوع لهذا الكلام كما عرفت.

و كيف كان: فكأن الوجه فيما أفاده (قده) من استحقاق العامل لأجرة مثل عمله عند جهله بالبطلان خاصة، هو عدم إقدام العامل حينئذ على التبرع بعمله و المجانية بخلاف ما لو كان عالما بالفساد و عدم استحقاقه للنصيب المعين فإنه و بإقدامه بعد ذلك على العمل يكون مقدما على التبرع بالعمل و المجانية.

إلا إنك عرفت في مبحث الإجارة ان العلم بالفساد لا يعني إقدام العامل على العمل مجانا بل غاية ما يقتضيه هو العلم بعدم إمضاء الشارع المقدس للعقد و عدم استحقاقه للنصيب المعين، و هو لا يعنى التبرع بعمله و الاقدام على المجانية، و لذا يضمن كل من المتبايعين ما قبضاه بالعقد الفاسد حتى مع علمهما بالفساد.

و عليه: فلا وجه للقول بعدم استحقاق العامل لأجرة مثل عمله

33

لتلف المال (1) إلا مع علم المالك بالحال (2) و هل يضمن

______________________________

على تقدير علمه بفساد العقد بل هو مستحق لها على كلا التقديرين نظرا لعدم إقدامه على المجانية.

نعم استحقاقه لاجرة المثل إنما هو في فرض عدم زيادتها عن الحصة المعينة في المضاربة الفاسدة و الا فليس له الا ذلك المقدار لإقدامه على العمل بذلك المقدار و إلغاء احترامه بالنسبة إلى الزائد.

(1) فيه اشكال بل منع فان الضمان إنما يثبت ببناء العقلاء أو ضم الدليل الشرعي اليه أو التعبد المحض في موارد خاصة من تعد أو تفريط أو أخذ مال الغير بغير رضاه أو الإتلاف أو إقدام الآخذ على الضمان- كما هو الحال في العقود الضمانية- أو عارية الذهب و الفضة، و لا شيء من هذه العناوين متحققة في المقام فان المفروض عدم التعدي أو التفريط و كلمة الأخذ ظاهرة في القهر و الغصب فلا تشمل ما إذا كان برضاه أو اختياره، و الإتلاف العمدي مفروض العدم و ليس الآخذ مقدما على الضمان بل و لم يسلمه المالك المال في المقام على أن يكون دركه عليه و لا نص خاص يقتضي الضمان في المقام.

و من هنا فمقتضى كون اليد أمانة مالكية عدم الضمان في المقام و يقتضيه مضافا إلى ذلك تسالمهم- على ما ذكره الشيخ الأعظم (قده)- على ان ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده و بالعكس، فان مقتضاه عدم ثبوت الضمان فيما نحن فيه لأن المضاربة الصحيحة غير مضمونة فتكون فاسدتها كذلك.

(2) ظهر مما تقدم انه لا وجه لتقييد عدم الضمان بفرض علم

34

حينئذ جميعه، لعدم التميز مع عدم الأذن في أخذه على هذا الوجه، أو القدر الزائد لأن العجز إنما يكون بسببه فيختص به، أو الأول إذا أخذ الجميع دفعة و الثاني إذا أخذ أولا بقدر مقدورة ثم أخذ الزائد و لم يمزجه مع ما أخذه أولا؟ أقوال: أقواها الأخير. (و دعوى): انه بعد أخذ الزائد يكون يده على الجميع، و هو عاجز عن المجموع من حيث المجموع، و لا ترجيح الآن لأحد اجزاءه إذ لو ترك الأول و أخذ الزيادة لا يكون عاجزا (1) (كما ترى) إذ الأول وقع صحيحا و البطلان مستند إلى الثاني و بسببه (2)

______________________________

المالك بالحال، فإن أدلة الضمان قاصرة عن شمول المقام سواء علم المالك بالحال أم جهل.

(1) و بعبارة أخرى: ان الدفعين الأول و الثاني لما كانا مبنيين على المضاربة الواقعة على الجميع و المحكوم عليها بالفساد بالنسبة إلى جميع المال أيضا المقدور و غير المقدور- كما هو المفروض- لم يكن للتفصيل و ترجيح الأول على الثاني وجه، فان العقد واحد و نسبة كل واحد من الدفعين إليه واحدة أيضا.

(2) و توضيحه ان يقال: ان عقد المضاربة لما كان جائزا من الطرفين و كان المالك غير ملزم بدفع المال إلى العامل بعد العقد حيث انه ليس له مطالبته به كما انه ليس للمالك إلزام العامل بالعمل، فلا وجه لأن يقال ان تسليم المالك للعامل من الجري على المعاملة الفاسدة

35

..........

______________________________

و نسبة تلك المعاملة إلى كلا الدفعين واحدة، فإنه إنما يتم في العقود اللازمة حيث لا يكون التسليم بعد الحكم بالفساد بنفسه مصداقا لإنشاء ذلك العقد، فيتعين كونه جريا على العقد الفاسد و أما في العقود الجائزة التي يكون العمل بعد العقد الفاسد بنفسه مصداقا لذلك العقد فلا مجال لأن يكون العمل بعده جريا على العقد السابق بحيث يرى المالك نفسه ملزما به، بل هو بعينه يكون مصداقا لذلك العقد فلو اكره شخص آخر ليهب ماله اليه فوهب و من ثم سلم المال باختياره اليه، لم يكن ذلك من الجري على الهبة الفاسدة، و إنما كان التسليم بنفسه مصداقا للهبة.

و ما نحن فيه من هذا القبيل فان دفع المالك للمال بعد فساد المضاربة إلى العامل لا يمكن أن يكون جريا على المعاملة الفاسدة و إنما هو مضاربة حقيقية أنشأت بالفعل لا اللفظ، حيث ان المالك بدفعه للمال قاصد لمتاجرة العامل به على أن يكون الربح بينهما على النسبة التي اتفقا عليها، فيحكم بصحته حيث لا موجب للحكم بالفساد فان مجرد كون العقد السابق اللفظي محكوما بالفساد لا يقتضي الحكم بالبطلان فيما أنشأ بعده بالفعل.

و على هذا الأساس يتضح وجه ما أفاده الماتن (قده) من التفصيل فان المقدار المقدور المقبوض أولا مضاربة مستقلة عن المضاربة بالمقدار الثاني حيث لا يكونان من الجري على المضاربة القولية الفاسدة، فيحكم بصحة الأولى حيث لا موجب للبطلان و فساد الثانية لكونها غير مقدورة.

و الظاهر ان ما ذكرناه هو مراد الماتن (قده) من قوله: «إذ الأول وقع صحيحا» فإنه محمول على أن الأول مضاربة معاطاتية

36

و المفروض عدم المزج (1) هذا و لكن ذكر بعضهم أن مع العجز المعاملة صحيحة فالربح مشترك و مع ذلك يكون العامل ضامنا مع جهل المالك. و لا وجه له لما ذكرنا مع أنه إذا كانت المعاملة صحيحة لم يكن وجه للضمان. ثم إذا تجدد العجز في الأثناء وجب عليه رد الزائد (2) و الا ضمن.

______________________________

صحيحة، و الا فالجري على العقد السابق فعل خارجي لا معنى لوصفه بالصحة و الفساد.

و بالجملة: فالمتعين بناء على القول ببطلان تمام المضاربة عند عدم القدرة على بعضها، و الحكم بضمان العامل لتلف المال مع جهل المالك بالحال- كما بنى عليها الماتن (قده)- هو ما أفاده (قده) من التفصيل بين قبض المال جملة و تدريجا.

(1) لم يظهر لنا وجه تقييد عدم الضمان في المقدار المقدور المقبوض أولا بما إذا لم يمزج الثاني به بحيث لو مزجه لكان ضامنا للجميع فان المزج و عدم التمييز لا يقتضي ثبوت الضمان فيما لم يكن مضمونا من قبل، فإنه لا موجب للضمان فيه لا سيما و ان المالين ملك لمالك واحد.

(2) يظهر وجهه مما تقدم، فان هذا المال بعد العجز عن المضاربة به يكون أمانة شرعية في يد العامل و عليه رده إلى مالكه في أقرب أزمنة الإمكان.

37

[مسائل]

[ (مسألة 1): لو كان له مال موجود في يد غيره أمانة أو غيرها. فضاربه عليها صح]

(مسألة 1): لو كان له مال موجود في يد غيره أمانة أو غيرها. فضاربه عليها صح (1) و إن كان في يده غصبا أو غيره مما يكون اليد فيه يد ضمان فالأقوى أنه يرتفع الضمان بذلك، لانقلاب اليد حينئذ فينقلب الحكم (2) و دعوى: أن الضمان مغيى بالتأدية (3) و لم تحصل، كما ترى (4) و لكن ذكر جماعة بقاء الضمان إلا إذا اشترى به شيئا و دفعه إلى البائع، فإنه يرتفع الضمان به، لأنه قد قضى

______________________________

(1) إذ لا يعتبر في المضاربة ان يكون المال عند المالك كي يقبضه إلى العامل.

(2) فان موضوع الحكم بالضمان إنما هو اليد الضمانية كيد الغاصب أو العارية المضمونة و حيث ان هذا الموضوع تبدل بيد الامانة و المضاربة ينتفي الضمان قهرا و يكون من السالبة بانتفاء الموضوع.

(3) لقوله «ص» (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (1) حيث ان مقتضاه ثبوت الضمان إلى حين الأداء و التسليم.

(4) فان هذه الرواية نبوية لم تثبت، و العبرة في الضمان إنما هي ببناء العقلاء أو المتشرعة عليه، و لا شيء منهما متحقق في المقام.

· على أن موضوع هذا النص هو الاستيلاء على مال الغير على نحو يوجب الضمان كالغصب و العارية المضمونة، و المفروض عدم بقاءه لأنه تبدل إلى الأمانة و معه فلا مجال لبقاء الحكم الأول نظير ما لو تبدل عنوان الغصب أو العارية المضمونة بالإجارة و نحوها، فان

____________

(1) مستدرك الوسائل: باب 1 من كتاب الوديعة ح 12.

38

دينه بإذنه (1) و ذكروا نحو ذلك في الرهن أيضا، و أن العين إذا كانت في يد الغاصب فجعله رهنا عنده أنها تبقى على الضمان، و الأقوى ما ذكرنا في المقامين لما ذكرنا.

[ (مسألة 2): المضاربة جائزة من الطرفين]

(مسألة 2): المضاربة جائزة من الطرفين يجوز لكل منهما فسخها (2) سواء كان قبل الشروع في العمل أو بعده

______________________________

معه أ فيحتمل الحكم ببقاء الضمان من دون موضوع؟.

بل لو تنزلنا عن هذا أيضا فإطلاق هذا النص معارض بإطلاق ما دل على عدم ضمان الأمين، حيث ان المال و بعد اجازة المالك أمانة بيد العامل و مقتضى إطلاق أن الأمين لا يضمن عدم ضمانه بلا فرق فيه بين ما إذا كان مضمونا قبل ذلك و عدمه، و حينئذ فيتعارض الإطلاقان و من ثم يتساقطان و النتيجة هو الحكم بعدم الضمان.

إذن: فالصحيح هو الحكم بعدم الضمان تبعا للماتن (قده)، و لكن لا بد من تقييد ذلك بما إذا قامت القرينة على رضاه ببقاء المال عند العامل. و الا فمجرد عقد المضاربة لا يقتضي سقوط الضمان و رضاه ببقائه عنده، إذ قد عرفت فيما تقدم انه لا يعتبر في عقد المضاربة كون المال بيد العامل.

نعم الظاهر ان اجراء المالك لعقد المضاربة مع الغاصب مع عدم مطالبته به قرينة عرفية على رضاه ببقاء ذلك المال في يده و تصرفه فيه فينتفي الضمان.

(1) فيكون في فعله هذا كالوكيل، فيسقط الضمان عنه لأنه أداء لحقه حقيقة.

(2) و ليس الوجه فيه هو الإجماع كي يناقش بأنه غير معلوم.

39

قبل حصول الربح أو بعده (1) نض المال أو كان به عروض، مطلقا كانت أو مع اشتراط الأجل و ان كان قبل انقضائه (2) نعم لو اشترط فيها عدم الفسخ إلى زمان

______________________________

و إنما هو قصور أدلة اللزوم عن شمول العقود الإذنية التي لا يكون فيها أي التزام من أحدهما بشيء كي يشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و ان من التزم بشيء فعليه ان ينهاه، و إنما هي مجرد إباحة و إذن في التصرف من أحدهما و قبول من الآخر كالعارية، و عليه فمتى ما رجع الآذن في إذنه لكونه مسلطا على ماله يتصرف فيه كيف يشاء، ارتفع الموضوع و معه ينتفي الحكم لا محالة.

(1) يريد بذلك جواز الفسخ بالنسبة إلى المعاملات المتأخرة عن المعاملة الواقعة التي ظهر فيها الربح و أما بالنسبة إليها فلا خلاف و لا إشكال في اللزوم و ان الربح و بطبيعة الحال يكون مشتركا بينهما و ليس المالك ان يفسخ العقد ليأخذ تمام الربح و يدفع للعامل اجرة المثل.

و الوجه فيه واضح فان العقد لما كان محكوما بالصحة و ممضى من الشارع، كان مقتضاه اشتراك المالك و العامل في الربح الحاصل على النسبة المتفق عليها و بمجرد ظهوره، و ليس للمالك ان يفسخ العقد لينزعه منه من غير رضاه.

نعم قد يثبت له ذلك من جهة أخرى كتخلف العامل عن شرط اشترط عليه الا إنه خارج عن محل كلامهم.

(2) حيث ان التأجيل لا يعني إلا تحديد الاذن بالأجل و تقييد جواز التصرف بالمال به حيث لا يكون العامل مأذونا فيه بعد ذلك،

40

كذا يمكن أن يقال بعدم جواز فسخها قبله، بل هو الأقوى لوجوب الوفاء بالشرط و لكن عن المشهور بطلان الشرط المذكور بل العقد أيضا، لأنه مناف لمقتضى العقد، و فيه منع، بل هو مناف لإطلاقه (1). و دعوى: أن الشرط في العقود الغير اللازمة

______________________________

و ليس معناه اشتراط عدم الفسخ في تلك الفترة- كما توهمه بعض- فان لكل منهما فسخ العقد متى شاء و من هنا يندفع ما قيل من انه إذا لم يصح اشتراط عدم الفسخ لم يصح اشتراط التأجيل أيضا.

(1) و فيه ما لا يخفى و ذلك أما إذا كان الشرط هو عدم مالكيته للفسخ أو عدم الفسخ خارجا بعد ظهور الربح فقد ظهر لك مما تقدم عدم منافاته للعقد أو إطلاقه بل كونه تأكيدا محضا لمقتضاه لكونه ثابتا قبل الاشتراط.

و اما إن كان الشرط هو عدم مالكيته للفسخ أو عدم الفسخ خارجا في محل الكلام- اعني قبل ظهور الربح- فهو خارج عن مقتضى العقد أصلا و إطلاقا إذ الجواز و اللزوم حكمان شرعيان خارجان عن العقد و ليسا من مقتضياته.

إذن: فلا مجال للحكم بفساد العقد من هذه الناحية.

و أما من سائر النواحي فقد ذكرنا في طي ابحاثنا الفقهية غير مرة ان الشرط في العقد ليس مجرد مقارنة التزام بالتزام أو أمر آخر و إنما هو نحو ارتباط بين الشرط و المشروط، و هو يكون على نحوين على سبيل القضية مانعة الخلو إذ قد يجتمعان معا.

فقد يكون الشرط بمعنى تعليق المنشأ و نفس العقد على التزام المشروط عليه بشيء بحيث لو لم يلتزم به لما كان الأول منشإ لذلك العقد

41

..........

______________________________

كاشتراط الزوجة الاستقلال في السكنى أو عدم إخراجها من بلد أهلها فيصح بقبول الآخر و لا يضر مثله لأنه من التعليق على أمر حاصل حال العقد، و يجب عليه الوفاء به لقوله «ص» (المؤمنون عند شروطهم).

الا أنه لا يترتب عليه غير إلزامه به إذ التعليق إنما كان على نفس التزامه و قد حصل و لم يكن على الفعل في الخارج.

و قد يكون الشرط بمعنى تعليق التزامه بالمنشإ و الوفاء به على شيء في الخارج، فيكون العقد فيه مطلقا و غير معلق، و إنما المعلق التزامه و وفائه به يرجع هذا في الحقيقة إلى جعل الخيار لنفسه عند فقدان ذلك الوصف المطلوب كاشتراط الكتابة أو العدالة في قبول بيع العبد و قد يجتمعان معا كما إذا اشترط أحد طرفي العقد على الآخر عملا معينا كخياطة ثوب أو كتابة شيء فإنه يكون من تعليق نفس العقد على التزام الآخر بذلك العمل و تعليق التزامه بذلك العقد و الوفاء به على تحقق ذلك العمل في الخارج.

إذا اتضح ذلك فما نحن فيه لا يمكن ان يكون من قبيل الثاني حيث ان المضاربة- على ما عرفت- من العقود الإذنية حيث ليس فيها أي التزام من الطرفين المالك و العامل كي يكون الاشتراط فيها من تعليق الالتزام بشيء فلا محالة يكون الاشتراط من قبيل الأول بمعنى تعليق نفس إذن المالك في التصرف بالمال أو قبول العامل على ذلك.

و حينئذ فتارة يفرض كون المعلق عليه هو اللزوم و عدم مالكيته للفسخ.

و اخرى يفرض كونه هو التزام الآخر بعدم الفسخ خارجا.

42

غير لازم الوفاء. ممنوعة (1) نعم يجوز فسخ العقد فيسقط الشرط و الا فما دام العقد باقيا يجب الوفاء بالشرط فيه، و هذا إنما يتم في غير الشرط الذي مفاده عدم الفسخ،

______________________________

ففي الأول فبما ان المعلق عليه غير حاصل في الخارج، باعتبار ان عقد المضاربة عقد جائز حيث ان كلا من المالك و العامل مالك للفسخ بحكم الشارع و لا ينقلب إلى اللازم بالاشتراط يكون هذا العقد تبعا للشرط محكوما بالبطلان، لأن المالك لم يقدم على التجارة بماله على الإطلاق و إنما أذن فيها على تقدير عدم ثبوت ملك الفسخ للآخر و حيث انه ثابت فالمالك لم يأذن فيها.

و في الثاني فحيث ان الفسخ فعل سائغ وجودا و عدما، فليس فيه أي محذور إذ الالتزام بعدمه كالالتزام بسائر الأمور المباحة من الخياطة و الكتابة و غيرهما.

فحيث لم يكن يجب على المالك أو العامل الفسخ أو عدمه و كان كل منهما سائغا و جائزا في حقه، لم يكن في الالتزام به محذور بل يصح الشرط و العقد معا.

إذن: فالصحيح في المقام هو التفصيل بين اشتراط عدم ملك الفسخ فيحكم فيه بفساد الشرط و العقد و بين اشتراط عدم الفسخ خارجا فيحكم بصحتهما.

(1) لعموم قوله (ص) «المؤمنون عند شروطهم» فإنه غير مختص بالشروط في ضمن العقود اللازمة، بل يعم كل ما يصدق عليه الشرط سواء أ كان في ضمن عقد لازم أم جائز بل لو لم يكن الشرط ظاهرا في نحو ارتباط شيء بشيء، لقلنا بوجوب الوفاء

43

..........

______________________________

بالشروط الابتدائية لكن الأمر ليس كذلك باعتبار ان الشرط الابتدائي ليس شرطا في الحقيقة، و إنما هو وعد محض.

و دعوى: ان الشرط لا يزيد على المشروط فإذا لم يكن لازما فلا يكون الشرط لازما أيضا بالأولوية.

مدفوعة: بأنها صدى محض لا واقع لها، إذ لا مانع من كون وجوب الوفاء بالشرط مشروطا بأمر جائز كما هو الحال في أكثر الواجبات المشروطة كالسفر بالنسبة إلى القصر في الصلاة أو قصد الإقامة بالنسبة إلى التمام فإنه و في حين انه لا يجب السفر يجب القصر على تقديره فللمكلف ان يبقى السفر فيجب عليه القصر و له ان ينهاه و يرجع إلى أهله فينتفي موضوعه.

و من هنا فلا ملازمة بينهما و لا أولوية.

و عليه ففي المقام فللمكلف ان يلغي العقد فينتفي الشرط و له ان يبقيه فيجب عليه الوفاء به، فإبقاء العقد و ان لم يكن واجبا، الا انه على تقدير إبقائه يجب الوفاء بالشرط.

و ما قد يقال: من ان ما دل على جواز العقد دال على جوازه بتوابعه و منها الشرط.

مدفوع: بان: دليل الجواز في عقد المضاربة إما هو الإجماع- كما ذهب إليه المشهور- و هو يختص بنفس العقد، و إما هو ما ذكرناه من عدم الدليل على اللزوم فيه، فهو مختص بالعقد أيضا و لا يعم الشرط لأنه واجب الوفاء لقوله (ص) «المؤمنون عند شروطهم» فلا يمكن ان يقال انه لا دليل على لزومه.

و بالجملة: فالصحيح ان الشروط مطلقا سواء أ كانت في ضمن عقد لازم أم كانت في ضمن عقد جائز، يجب الوفاء بها ما دام

44

مثل المقام فإنه يوجب لزوم ذلك العقد (1) هذا و لو شرط عدم فسخها في ضمن عقد لازم آخر فلا إشكال في صحة

______________________________

العقد باقيا، فإذا ارتفع العقد انتفى الموضوع.

ثم ان لزوم الشرط هذا إنما هو لزوم تكليفي محض و لا يترتب عليه أي أثر وضعي، باعتبار ان دليله اعني قوله (ص) «المؤمنون عند شروطهم» لا يقتضي أزيد من ذلك. و من هنا فإذا تخلف المشروط عليه نفذ فعله و ان فعل حراما.

(1) قد عرفت ان العمل بالشرط و ان كان لازما الا انه لا يوجب لزوم العقد فان اللزوم محض تكليف و لا يترتب عليه أي أثر وضعي ثم انه ذكر بعضهم: ان وجود العقد إذا كان شرطا في لزوم العمل بالشروط امتنع أن يكون لزوم العمل بالشرط مقتضيا لوجود العقد و مانعا من فسخه.

و بعبارة أخرى: ان وجوب العمل بالشرط لما كان منوطا ببقاء العقد كان لا بد من التفصيل في اشتراط عدم فسخ المضاربة بين ما يكون في نفس العقد و ما يكون في عقد جائز آخر ففي الثاني يصح الشرط و يجب الوفاء به ما دام العقد الثاني باقيا، و أما إذا فسخ انتفى الشرط لانتفاء موضوعه. و أما في الأول فينبغي الحكم بعدم صحة الشرط و ذلك لأنه لما كان فرع بقاء العقد لم يعقل ان يكون بقاء العقد معلولا له.

و فيه ما لا يخفى: إذ إن توقف وجوب العمل بالشرط على بقاء العقد ليس مستندا إلى دليل خاص من إجماع أو نص أو غيرهما و إنما هو من جهة قصور الشرط بنفسه عن إثبات الأزيد من ذلك، فان

45

الشرط (1) و لزومه، و هذا يؤيد ما ذكرنا من عدم كون الشرط المذكور منافيا لمقتضى العقد، إذ لو كان

______________________________

المتفاهم العرفي من اشتراط شيء على الغير في المعاملة هو العمل بالشرط ما دام العقد باقيا و لذا لو فسخ العقد بخيار المجلس أو غيره لم يجب على المشروط عليه العمل بالشرط بدعوى انه يجب الوفاء به، و كذا لو اشترطت المرأة على الرجل النفقة في النكاح المنقطع فان المتفاهم العرفي في جميع ذلك هو العمل بالشرط ما دام العقد باقيا، بلا فرق في ذلك بين عقد المضاربة و غيره.

هذا كله إذا كان الشرط عملا خارجيا و أما إذا كان الشرط هو عدم الفسخ حيث انه لا معنى لأن يكون متوقفا على بقاء العقد إذ لا معنى للقول بان عدم الفسخ متوقف على بقاء العقد، وجب العمل على وفق ذلك الشرط و الوفاء به مباشرة.

و ملخص الكلام: ان المستفاد من قوله (ص) «المؤمنون عند شروطهم» هو وجوب العمل بكل شرط سائغ و ممكن بقول مطلق.

نعم قد يكون وجوب العمل ببعض الشروط مشروطا ببقاء الموضوع من جهة المتفاهم العرفي، الا ان ذلك لا يعني توقف وجوب الوفاء على بقاء العقد دائما.

إذن: فما ذكر من التفصيل لا يمكن المساعدة عليه و الصحيح هو القول بصحة الشرط على التقديرين.

(1) في إطلاقه إشكال بل منع إذ يجري فيه ما ذكرناه من التفصيل في الشرط فان كان الشرط هو عدم الفسخ خارجا، تم ما أفاده (قده) نظرا لكون فعله سائغا فيجب بالشرط لقوله (ص) «المؤمنون

46

منافيا لزم عدم صحته في ضمن عقد آخر أيضا. و لو شرط في عقد مضاربة عدم فسخ مضاربة أخرى سابقه صح (1) و وجب الوفاء به، الا أن يفسخ هذه المضاربة فيسقط الوجوب، كما أنه لو اشترط في مضاربة أخرى في مال آخر، أو أخذ بضاعة منه، أو قرض، أو خدمة أو نحو ذلك، وجب الوفاء به ما دامت المضاربة باقية، و ان فسخها سقط الوجوب، و لا بد أن يحمل ما اشتهر من أن الشروط في ضمن العقود الجائزة غير لازمة الوفاء على هذا المعنى و الا فلا وجه لعدم لزومها مع بقاء العقد على حاله، كما اختاره صاحب الجواهر (قده).

______________________________

عند شروطهم»، لكن يبقى هذا الوجوب تكليفيا محضا و إذا لو عصى و فسخ لكان فسخه نافذا، و ان ثبت بذلك للشارط الخيار في العقد اللازم الآخر لتخلف الشرط.

و ان كان الشرط هو لزوم المضاربة و عدم مالكيته للفسخ، فهو باطل لكونه مخالفا للسنة، حيث ان عقد المضاربة جائز فلا ينقلب بالشرط إلى اللزوم فان الحكم الشرعي لا يتغير به، و حينئذ فهل يسري فساده إلى العقد أم لا؟ فيه خلاف و الصحيح عندنا هو الثاني فيبقى العقد و يبطل الشرط.

(1) على التفصيل المتقدم حرفا بحرف بالقياس إلى صحة الشرط و فساده و أما العقد المشروط فيه فيختلف الحال فيه في المقام عن الحال في العقد اللازم، فان بطلان الشرط هناك لم يكن يوجب فساد

47

بدعوى: أنها تابعة للعقد لزوما و جوازا، بل مع جوازه هي أولى بالجواز و انها معه شبه الوعد. و المراد من قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) اللازمة منها لظهور الأمر فيها في الوجوب المطلق و المراد من قوله (ع):

«المؤمنون عند شروطهم» بيان صحة أصل الشرط لا اللزوم و الجواز، إذ لا يخفى ما فيه (1).

[ (مسألة 3): إذا دفع اليه مالا و قال: اشتر به بستانا مثلا أو قطيعا من الغنم]

(مسألة 3): إذا دفع اليه مالا و قال: اشتر به بستانا مثلا أو قطيعا من الغنم، فان كان المراد الاسترباح بهما بزيادة القيمة صح مضاربة و ان كان المراد الانتفاع بنمائهما

______________________________

العقد و هذا بخلاف المقام فان بطلانه يوجب بطلان العقد لا محالة لأن الأذن في التصرف إنما كان معلقا على الشرط فإذا انتفى ينتفي هو أيضا و معه فلا يجوز للمشروط عليه التصرف فيه.

هذا فيما إذا كان الشرط لزوم العقد و عدم مالكية المشروط عليه الفسخ و أما إذا كان الشرط هو عدم الفسخ خارجا و تخلف المشروط عليه عن شرطه و فسخ العقد، فإذا كان ذلك قبل ظهور الربح في المعاملة الثانية- المشروطة- فلا أثر لتخلف الشرط فان العقد جائز في نفسه و أما إذا كان بعد ظهور الربح في المعاملة الثانية فللمشروط له أن يفسخ العقد من جهة تخلف الشرط فيكون تمام الربح للمالك و للعامل أجرة المثل.

(1) أما الأول فيرده ما ذكرناه في مباحث المكاسب عند التعرض لما يقتضيه الأصل عند الشك في لزوم عقد أو جوازه، من أن

48

بالاشتراك ففي صحته مضاربة وجهان: من أن الانتفاع بالنماء ليس من التجارة فلا يصح، و من أن حصوله يكون بسبب الشراء فيكون بالتجارة. و الأقوى البطلان مع إرادة عنوان المضاربة إذ هي ما يكون الاسترباح فيه بالمعاملات و زيادة القيمة لا مثل هذه الفوائد (1) نعم لا بأس بضمها إلى زيادة القيمة (2) و إن لم يكن المراد

______________________________

الوفاء إنما هو بمعنى الإتمام و الإنهاء فالوفاء بالشيء عبارة عن إنهائه و عدم فسخه و حيث ان يقطع بعدم حرمة الفسخ تكليفا فلا بد من حمل الأمر بالوفاء على الإرشاد إلى اللزوم و عدم نفوذ الفسخ و الرجوع إذن: فالآية الكريمة دليل للزوم كل عقد نشك في لزومه و جوازه و لم يقم دليل على جوازه، لا ان موضوعها العقد اللازم.

و أما الثاني فلما عرفت من انه انما يتضمن حكما تكليفيا صرفا نظير قولهم (ع) «المؤمن عند عدته» لا الصحة و إنما هي تستفاد بالملازمة من الحكم التكليفي، و ليس هذا موضوعا للجواز أو اللزوم بل مقتضاه وجوب الوفاء بكل شرط سائغ في ضمن أي عقد من العقود كان- الجائزة أو اللازمة- و لا مانع من الالتزام بذلك.

(1) و بعبارة أخرى: إن هذا العقد غير مشمول لأدلة المضاربة حيث أن المستفاد من أدلتها اعتبار كون الاسترباح و ما ينتفع به كل من المالك و العامل كل حسب حصته، حاصلا بالتجارة بحيث يعد ربح التجارة، و هو غير صادق على النماء فإنه ليس بربح التجارة.

(2) بلا خلاف فيه بينهم، فإن الأذن في التجارة بيع و شراء

49

خصوص عنوان المضاربة فيمكن دعوى صحته للعمومات (1)

[ (مسألة 4): إذا اشترط المالك على العامل أن يكون الخسارة عليهما كالربح]

(مسألة 4): إذا اشترط المالك على العامل أن يكون الخسارة عليهما كالربح، أو اشترط ضمانه لرأس المال،

______________________________

ما له نماء إذن في بيع النماء أيضا، فيشتركان في ربحه، و لا ينافيه عنوان المضاربة لأنه اشتراك في الربح الحاصل من التجارة و ان كان مال التجارة يزيد أيضا.

(1) كأوفوا بالعقود و التجارة عن تراض، بدعوى انها و بمقتضى عمومها تقتضي الحكم بصحة كل معاملة تنشأ بين طرفين سواء أ كانت من المعاملات المتعارفة المعهودة أم لم تكن.

غير انك قد عرفت غير مرة ان هذه العمومات لا تصلح لأن تشمل مثل هذه المعاملات فان التمليك لا بد و ان يتعلق إما بشيء خارجي مملوك له بالفعل و إما بشيء في ذمته، باعتبار انه مسلط عليهما و هما تحت سلطانه فإذا أنشأ المالك تمليك شيء من هذين شملته العمومات لا محالة.

و أما إذا تعلق إنشاء التمليك بأمر معدوم ليس بمملوك له فعلا فلا يصح بأي مملك كان، و لذا لم يلتزموا بصحته فيما إذا كان ذلك في ضمن عقد آخر، و اشتراط ان يكون ملكا له في ظرفه غير صحيح أيضا إذا الملكية لا تكون بغير سبب مملك.

إذن: فهذا النحو من المعاملة الذي يتضمن تمليك أمر معدوم غير صحيح و إنما قلنا بصحته في المزارعة و المضاربة و المساقاة و الوصية لأجل الدليل الخاص، و الا فمقتضى القاعدة فيه هو البطلان.

50

ففي صحته وجهان: أقواهما الأول (1)، لأنه ليس شرطا منافيا لمقتضى العقد- كما قد يتخيل- بل إنما هو مناف لإطلاقه، إذ مقتضاه كون الخسارة على المالك و عدم ضمان العامل الا مع التعدي أو التفريط.

______________________________

(1) بل الأقوى هو التفصيل بين ما إذا كان الشرط هو الضمان و كون الخسارة في عهدة العامل فيبطل و بين ما إذا كان هو التدارك الخارجي فيصح.

أما الأول: فليس ما ذكرناه من جهة كونه منافيا لمقتضى العقد إذ الضمان و عدمه كالجواز و اللزوم خارجان عن مقتضى العقد أصلا و إطلاقا، فإن مقتضاه ليس الا عمل العامل بالمال و تصرفه فيه على أن يكون الربح بينهما- على ما اتفقا عليه- و إنما ذلك من جهة ملاحظة ان العامل أمين، و مقتضى ما دل على ان الأمين لا يضمن و لا سيما بعض النصوص الواردة في خصوص المضاربة هو عدم الضمان.

و عليه: فيكون اشتراط الضمان من الشرط المخالف للسنة حيث ان مقتضاه عدم ضمان الأمين سواء اشترط ذلك عليه أم لم يشترط فيبطل لا محالة.

و أما الثاني: فحيث أن تدارك العامل للخسارة و التلف من ماله الخاص لا على نحو الضمان أمر سائغ و فعل جائز قبل الاشتراط، فلا مانع من اشتراطه عليه، و عنده فيجب الوفاء به.

و من الغريب في هذا المقام ما صدر من بعضهم من القول بانقلاب عقد المضاربة عند اشتراط الضمان على العامل قرضا، فيكون جميع

51

..........

______________________________

الربح للعامل و لا يكون للمالك إلا رأس ماله و ذلك للنص المعمول به لدى الأصحاب.

و كأنه صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) (في حديث) ان عليا (ع) قال: (من ضمن تاجرا فليس له الا رأس ماله و ليس له من الربح شيء) (1) لكنها و إن كانت صحيحة بحسب السند الا انها أجنبية بحسب الدلالة عن محل الكلام، فإنها واردة في التضمين من أول الأمر لا اشتراط الضمان عند التلف الذي هو محل كلامنا.

فانا ذكرنا في مبحث الفرق بين البيع و الدين من مباحث المكاسب أن البيع عبارة عن مبادلة المال بالمال بحيث ان كلا من المتبايعين يعطي شيئا بإزاء أخذ شيء من صاحبه، في حين ان القرض لا يتضمن أي مبادلة بين المالين، و انما هو تمليك للمال مع الضمان بمعنى إثباته في عهدة الآخر و نقله إلى ذمته- كما هو الحال في الغاصب مع التلف.

فليس القرض تبديل مال بمال غيره و إنما هو جعل المال المعين بعينه في ذمة الآخر، و هذا ما يعبر عنه بالضمان المطلق.

إذن: فهذه الصحيحة لما كانت ناظرة إلى الضمان المطلق اعني دفع ماله إلى غيره ليكون في عهدته من أول الأمر، كانت الرواية أجنبية عن محل الكلام، فإنها واردة في القرض ابتداء لا في انقلاب المضاربة إلى القرض بالاشتراط.

فالصحيحة- بناء على ما ذكرناه و اختاره صاحبا الوافي و الحدائق- غير واردة في المضاربة، و انما هي واردة في التضمين الفعلي و أين ذلك من اشتراط الضمان عند التلف؟.

____________

(1) الوسائل: ج 13 باب 4 من أبواب أحكام المضاربة ح 1.

52

[ (مسألة 5): إذا اشترط المالك على العامل أن لا يسافر مطلقا أو إلى البلد الفلاني]

(مسألة 5): إذا اشترط المالك على العامل أن لا يسافر مطلقا أو إلى البلد الفلاني أو إلا الى البلد الفلاني، أو لا يشتري الجنس الفلاني، أو إلا الجنس الفلاني، أو لا يبيع من زيد مثلا، أو الا من زيد، أو لا يشتري من شخص، أو إلا من شخص معين، أو نحو ذلك من الشروط، فلا يجوز له المخالفة (1) و الا ضمن المال لو تلف بعضا أو كلا، و ضمن الخسارة مع فرضها. و مقتضى القاعدة (2) و ان كان كون تمام الربح للمالك على فرض إرادة القيدية (3) إذا أجاز المعاملة، و ثبوت خيار تخلف الشرط على فرض كون المراد من الشرط الالتزام في الالتزام، و كون تمام الربح له على تقدير الفسخ الا أن الأقوى

______________________________

فما ذكره هذا القائل من كون الصحيحة معمولا بها. غير تام بالقياس إلى المعنى الذي ذكره.

(1) عملا بشرط المالك و اقتصارا على مورد إذنه.

(2) باعتبار ان العامل حينئذ فضولي فإن أجاز المالك ما صدر من المعاملة منه صح العقد و كان تمام الربح له و الا حكم ببطلان المعاملة الصادرة منه.

(3) يمتاز القيد من الشرط في العقود الالتزامية التمليكية كالبيع بان الشرط فيها قد يكون أمرا خارجيا أجنبيا عن المبيع و الثمن كالخياطة ففي مثله لا يمكن ان يكون قيدا لمتعلق العقد إذ المبيع وجود و الشرط وجود آخر و النسبة بين الوجودين هي التباين فلا معنى لأن

53

..........

______________________________

يكون أحدهما مقيدا للوجود الآخر فيقال: ان الحنطة مقيدة بخياطة الثوب.

نعم من الممكن جعله قيدا للمنشإ بمعنى تعليق نفس البيع- لا المبيع- على الخياطة، الا انه باطل جزما، لأنه من التعليق في العقود و هو موجب لبطلانه.

و من هنا فينحصر أمره في ان يكون شرطا في العقد بمعنى تعليق الالتزام بالعقد على الخياطة فيكون من الالتزام في ضمن الالتزام.

و قد يكون وصفا لمتعلق العقد، و هو تارة يكون من الأوصاف الذاتية المقومة للذات فهو قيد لا محالة كأن يقول «بعتك هذا الموجود الخارجي على ان يكون ذهبا» و عليه فلو تخلف الوصف لكان البيع محكوما بالبطلان لا محالة، و ذلك لأن مالية الأشياء إنما هي بفصولها و ما يمتاز به كل صنف عن الآخر من الصفات، و حيث ان الجامع بين الصنفين فاقد لها فلا مالية له.

و العبرة في اختلاف الصنف و النوع إنما هي بالنظر العرفي لا الدقة العقلية الفلسفية فإنه إذا باع المملوك على انه أمة فبان عبدا حكم ببطلان البيع إذ العرف يراهما نوعين و ان كانا بنظر العقل واحدا باعتبار أن الذكورية و الأنوثية من العوارض للإنسان.

و أخرى لا يكون مقوما للذات كما لو باع العبد على أنه كاتب، و مثله لا يصلح ان يكون قيدا، فان الموجود الخارجي لا إطلاق له لكي يكون مقيدا بالكتابة في بعض الأحيان و إنما هو موجود واحد إما هو كاتب بالفعل أو ليس بكاتب كذلك.

و حيث لا يجوز ان يكون من تعليق نفس البيع عليه لأنه من التعليق المبطل جزما، ينحصر أمره في كونه شرطا اعني تعليق الالتزام

54

..........

______________________________

بالعقد على كونه كاتبا فيكون له الخيار على تقدير عدمه.

هذا كله بالنسبة إلى المائز بين القيود و الشروط في الأعيان الخارجية و قد انضح انه يختلف باختلاف الشرط.

و من هنا يتضح ان العبرة في الفرق بينهما إنما هو بواقع الشرط لا التعبير فلا فرق بين ان يقول: (بعتك هذا العبد الكاتب) أو (بعتك هذا على ان يكون كاتبا) فان الحال فيهما واحد.

و أما إذا كان متعلق العقد كليا في الذمة، فحيث ان وجود الكلي ينحصر في وجود أفراده إذ لا وجود له الا في ضمنها، كان الاشتراط- مقوما كان الشرط أو غيره- موجبا لتعدد الوجود و امتياز المقيد عن غيره، و من هنا يكون الشرط قيدا في متعلق المعاملة لا محالة بحيث يكون متعلقها خصوص الحصة المقيدة دون غيرها لاقتضاء أخذ الوصف تخصص الكلي لا محالة.

و عليه فلو سلمه غيرها لم تبرأ ذمته و وجب عليه أداء الحصة التي اتفقا عليها.

و بهذا يفترق الكلي عن العين الخارجية.

و كذا الحال إذا كان متعلق العقد عملا من الأعمال، فإنه عرض من الأعراض و هو يختلف و يتعدد في الوجود بماله من صفات:

فهو موجود بوجودين واجد الصفة و فاقدها.

و من هنا فأخذ صفة في ضمن العقد يعني كون متعلق المعاملة خصوص تلك الحصة فلو أتى الأجير بغيرها لم تفرغ ذمته.

و ليس هذا من موارد الخيار و إنما هو من موارد عدم تحقق متعلق العقد في الخارج.

و الحاصل: ان باب الكلي في الذمة و الأعمال من جهة يغاير باب

55

..........

______________________________

الأعيان الخارجية التي تكون متعلقة للعقد من جهة أخرى.

هذا كله في العقود الالتزامية التمليكية، و أما في عقد المضاربة الذي ينحل في الحقيقة إلى أمرين إذن المالك للعامل في العمل و التزامه بان يكون الربح بينهما، فهو من العقود الإذنية بلحاظ الجهة الأولى و من العقود الالتزامية بلحاظ الجهة الثانية.

فإذا اشترط المالك على العامل ما يرجع إلى خصوصية في المبيع أو الشراء كان ذلك من تقييد الأذن لا محالة فيكون راجعا إلى الجهة الأولى في المضاربة، و مقتضى ذلك ان مخالفة الشرط توجب انتفاء الأذن في التصرف فيه و عليه فيحكم بعدم استحقاق العامل شيئا.

و أما ما وقع من العمل خارجا فهو معاملة فضولية ان أجازه المالك كان الربح أو الخسران له و الا فهو محكوم بالفساد من أصله.

و أما إذا كان الشرط أمرا خارجيا كالخياطة و الكتابة و نحوهما فيمكن ان يكون راجعا إلى الجهة الأولى فيكون من تعليق الأذن في التجارة و التصرف بالمال على ذلك الفعل المعين كما هو الحال في الإباحات.

و لا يقدح فيه التعليق لأن الممنوع إنما هو التعليق في العقود التمليكية و المضاربة من العقود الإذنية.

و يمكن أن يكون راجعا إلى الجهة الثانية أعني التزامه بكون الربح بينهما على النسبة المعينة، و هذا هو الأظهر في الشروط التي لها مالية.

و عليه فعند تخلف العامل عن الشرط فللمالك ان يرفع يده عن التزامه هذا و إن كان إذنه في أصل التجارة باقيا، فيأخذ تمام الربح و يكون للعامل أجرة مثل عمله.

هذا تمام الكلام بالنسبة إلى ما تقتضيه القاعدة، و منه يظهر الحال في بعض ما أفاده الماتن (قده) في هذا المقام.

56

اشتراكهما في الربح على ما قرر، لجملة من الاخبار الدالة على ذلك (1) و لا داعي إلى حملها على بعض

______________________________

(1) كصحيحة جميل عن أبي عبد اللّه (ع) (في الرجل دفع إلى رجل مالا يشتري به ضربا من المتاع مضاربة فذهب فاشترى به غير الذي أمره، قال: هو ضامن و الربح بينهما على ما شرط) (1) و صحيحة الحلبي عنه (ع) أيضا: (في الرجل يعطى الرجل مالا مضاربة فيخالف ما شرط عليه، قال هو ضامن و الربح بينهما) (2) و غيرهما من النصوص.

ثم ان أغلب هذه الروايات و إن كانت واردة في مخالفة العامل للمالك في الخروج من البلد و المكان الذي حدده له في التجارة، و صحيحة جميل واردة في مخالفته للمالك في جنس ما عينه له، الا انه يمكن إثبات الحكم بشكل عام و التعدي عن المورد بدعوى الأولوية القطعية حيث انه إذا ثبت اشتراك العامل و المالك في الربح على النسبة المعينة مع مخالفة العامل للمالك في جنس المتاع و المخالفة ذاتية، كان ثبوته في مورد مخالفته للشرائط الأخر العائدة إلى الاختلاف في الأوصاف أو الأزمان، بطريق أولى.

و أن أبيت عن قبول ذلك، يكفينا في إثبات الحكم في سائر الموارد إطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة حيث أن مقتضى إطلاق قوله (فيخالف ما شرط عليه) عدم الفرق بين كون المخالفة من حيث الجنس أو الزمان أو الوصف.

____________

(1) الوسائل: ج 13 باب 1 من أبواب أحكام المضاربة ح 9.

(2) الوسائل: ج 13 باب 1 من أبواب أحكام المضاربة ح 5.

57

المحامل (1) و لا الى الاقتصار على مواردها، لاستفادة

______________________________

(1) حمل بعضهم المخالفة في هذه النصوص على المخالفة الصورية بدعوى ان قصد المالك حين إعطائه لرأس المال للعامل إنما هو الاسترباح، غاية الأمر انه كان يتخيل انه إنما يكون بشراء الأطعمة- مثلا- لكن العامل لما يعلم انفعية شراء الحيوان- مثلا- فيشتريه، فلا يمكن ان يقال انه كان من غير إذن المالك لأنه لما كان قصده الاسترباح كان راضيا بكل معاملة فيها ربح.

و من هنا تكون المعاملة صحيحة و الربح بينهما بالنسبة لا محالة باعتبار ان المخالفة صورية لا حقيقية و عليه فالمتحصل ان هذه النصوص لا تتضمن حكما تعبديا مخالفة للقاعدة، و إنما تتضمن حكما تقتضيه القواعد بنفسها.

و فيه: انه لو تم فهو إنما يتم في صورة وجود الربح في المعاملة التي أتى بها العامل و أما مع الخسارة فمقتضى القاعدة كون المعاملة فضولية ان أجازها المالك كانت الخسارة عليه و الا استحق نفس ماله و عينه، لا الحكم بصحتها مطلقا مع تحمل العامل للخسارة فإنه لا ينطبق على أي قاعدة من القواعد.

على انه إنما يختص بما إذا كان ربح المعاملة التي قام بها العامل أزيد أو لا أقل مساويا لربح المعاملة التي أمر بها المالك، و أما مع قلته بالنسبة إليه فكيف يمكن أن يقال: ان المالك راض بها و ان المخالفة صورية؟ و الحال ان هذه النصوص مطلقة و غير مقيدة بفرض تساوي الربحين أو زيادة ربح الثانية عما أمر به المالك.

هذا كله مضافا إلى ان العبرة في صحة التصرف في مال الغير انما

58

العموم من بعضها الآخر (1).

______________________________

هي بكون العقد الصادر منسوبا إلى المالك و هو لا يكون إلا بإذنه السابق أو إجازته اللاحقة، و لا يكفي مجرد الرضا الباطني التقديري فإن كل انسان يرضى باطنا بالربح لكن أ فهل يصحح ذلك أخذ ماله و التصرف من غير إذنه؟.

إذن: فهذه المخالفة حقيقية واقعية و ليست بصورية، و مقتضى القاعدة الحكم ببطلان ما صدر من العامل، غير ان النصوص تضمنت صحته تعبدا و كون الربح بينهما و الخسارة على العامل.

(1) على ما تقدم بيانه.

نعم الظاهر انها إنما تختص بمخالفة العامل للشرط الراجع إلى الجهة الأولى في المضاربة اعني الأذن في التصرف في المال، و لا تشمل مخالفته لما يرجع إلى الجهة الثانية و كون الربح بالنسبة المعينة بينهما.

و ذلك لانصراف هذه النصوص عن مثل هذه المخالفات، إذ الظاهر انها ناظرة إلى عمل العامل عملا لم يأذن فيه المالك و صدور العمل على خلاف الشرط، لا ما إذا كان العمل مأذونا فيه غاية الأمر انه لم يف بشرط خارجي اشترط عليه بلحاظ جعل الربح له، على ما يشهد له ملاحظة سائر النصوص الواردة في مخالفة العمل، فإنها تقيد ما ظاهره الإطلاق لا محالة.

بل الظاهر انه لا حاجة إلى ذلك أيضا إذ الظاهر من صحيحة الحلبي المتقدمة ترتب الأثر على العمل بخلاف ما شرط عليه، و لو بملاحظة مناسبة الحكم و الموضوع حيث ان مجرد عدم العمل بالشرط لا يقتضي

59

[ (مسألة 6): لا يجوز للعامل خلط رأس المال مع مال آخر لنفسه أو غيره]

(مسألة 6): لا يجوز للعامل خلط رأس المال مع مال آخر لنفسه أو غيره (1) الا مع إذن المالك عموما كأن يقول:

اعمل به على حسب ما تراه مصلحة إن كان هناك مصلحة أو خصوصا. فلو خلط بدون الأذن ضمن التلف الا أن المضاربة باقية و الربح بين المالين على النسبة (2).

[ (مسألة 7): مع إطلاق العقد يجوز للعامل التصرف على حسب ما يراه]

(مسألة 7): مع إطلاق العقد يجوز للعامل التصرف على حسب ما يراه من حيث البائع و المشتري و نوع الجنس

______________________________

الضمان و إنما يقتضيه العمل و التصرف على خلاف ما أذن فيه المالك و شرط على العامل، و هذا غير متحقق في الشرط الخارجي لأن الأثر غير مترتب على العمل بخلاف ما شرط و انما هو مترتب على عدم العمل بالشرط.

فالأثر هناك مترتب على الفعل و هنا على الترك و البون بينهما بعيد و لما لم يكن الثاني موردا للروايات فلا بد فيه من الرجوع إلى القواعد و هي تقتضي الحكم بصحة المضاربة مع ثبوت الخيار للمالك فإن أجاز كان الربح بينهما و ان فسخ أخذ تمام الربح و دفع للعامل أجرة مثل عمله.

(1) لكونه على خلاف ما إذن فيه المالك، حيث ان ظاهر كلامه عند تجرده عن القرينة هو الاتجار بالمال بشخصه لا مع خلطه بغيره.

(2) كل ذلك النصوص المتقدمة حيث انها غير قاصرة الشمول لمثل المقام.

60

المشتري، لكن لا يجوز له أن يسافر من دون إذن المالك (1) إلا إذا كان هناك متعارف ينصرف إليه الإطلاق، و ان خالف فسافر فعلى ما مر في المسألة المتقدمة (2).

[ (مسألة 8): مع إطلاق العقد و عدم الإذن في البيع نسيئة لا يجوز له ذلك]

(مسألة 8): مع إطلاق العقد و عدم الإذن في البيع نسيئة لا يجوز له ذلك (3) الا أن يكون متعارفا ينصرف إليه الإطلاق، و لو خالف في غير مورد الانصراف، فان استوفى الثمن قبل اطلاع المالك فهو (4) و ان اطلع المالك

______________________________

(1) يظهر الوجه فيه مما تقدم في المسألة السابقة فإنه على خلاف ظاهر كلامه حيث انه منصرف إلى الاتجار في البلد فيما إذا لم يكن الاتجار في خارج البلد أمرا متعارفا- كما كان الحال في الأزمنة السابقة.

(2) من كون الربح بينهما و الخسران على العامل، للنصوص المطلقة الشاملة للمقام بل و جملة من النصوص الواردة في خصوصه.

(3) لأنه على خلاف ظاهر إذنه.

(4) حيث يحكم بصحة المضاربة و العقد الذي صدر من العامل بلا خلاف فيه و لا اشكال.

و عليه فان كان هناك ربح فهو بينهما على النسبة التي اتفقا عليها و ان كانت وضيعة فهي على العامل، على ما تضمنته النصوص حيث ان المقام من مصاديق مخالفة العامل للمالك فيما شرط عليه، إذ أنه قد اتجر تجارة لم يأذن المالك فيها، فيكون مشمولا لها لا محالة.