جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج7

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
442 /
1

-

2

[تتمة القسم الأول في العبادات]

[كتاب الصلاة]

[فضل الصلاة]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين الغر الميامين، الذين بهم أرجو من ربي الكريم الرحمن الرحيم العليم الحكيم الإعانة على إتمام كتاب أحكام الصلاة التي تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (1) و بها تطفأ النيران (2) و قربان كل تقي (3) و معراج كل مؤمن نقي،

و تغسل الذنوب كما يغسل النهر الجاري درن الجسد، و تكرارها كل يوم خمسا كتكراره (4) و أوصى الله بها المسيح ما دام حيا (5) و غيره من الرسل (6) بل هي أصل الإسلام (7) و خير العمل (8) و خير موضوع (9) و الميزان و المعيار

____________

(1) سورة العنكبوت- الآية 44.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب المواقيت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.

(5) سورة مريم- الآية 32.

(6) فروع الكافي ج 2 ص 214 المطبوعة بطهران عام 1377- باب حج الأنبياء (عليهم السلام) الحديث 7 من كتاب الحج.

(7) الوسائل- الباب- 1- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 3.

(8) تحف العقول ص 198 المطبوعة بطهران عام 1376.

(9) الوسائل- الباب- 42- من أبواب أحكام المساجد- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

3

لسائر أعمال الأنام، فمن وفى بها استوفى أجر الجميع و قبلت منه كلها (1) فهي حينئذ للأعمال بل للدين كالعمود للفسطاط (2) و لذا كانت أول ما يحاسب به العبد و ينظر فيه من عمله، فإذا قبلت منه نظر في سائر عمله و قبل منه، و إذا ردت لم ينظر في باقي عمله و رد عليه (3) فلا غرو لو سمي تاركها من الكافرين، بل هو كذلك لو كان الداعي له الاستخفاف بالدين (4) و هي التي لم يعرف الصادق (عليه السلام) شيئا مما يتقرب به و يحبه الله تعالى بعد المعرفة أفضل منها (5) بل

قال (عليه السلام): «هذه الصلوات الخمس المفروضات من أقامهن و حافظ على مواقيتهن لقي الله يوم القيامة و له عنده عهد يدخل به الجنة، و من لم يصلهن لمواقيتهن و لم يحافظ عليهن فذلك لله، إن شاء غفر له و إن شاء عذبه» (6)

و صلاة فريضة خير من عشرين حجة، كل حجة خير من بيت مملو ذهبا يتصدق منه حتى يفنى (7) بل صلاة فريضة أفضل من ألف حجة كل حجة أفضل من الدنيا و ما فيها (8) و ان طاعة الله خدمته في الأرض، و ليس شيء من خدمته يعدل الصلاة، فمن ثمة نادت الملائكة زكريا وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ (9) و إذا قام المصلي إلى الصلاة نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء إلى أعنان الأرض، و حفت به الملائكة، و ناداه ملك لو يعلم هذا المصلي ما في الصلاة ما انفتل (10) إلى غير ذلك مما

____________

(1) الوسائل- الباب 8- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب 8- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب 8- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 10.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة مع اختلاف في اللفظ.

(7) الوسائل- الباب- 10- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.

(8) الوسائل- الباب- 10- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.

(9) الوسائل- الباب- 10- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.

(10) الوسائل- الباب- 8- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.

4

ورد فيها مما لا يحصى عدده، كخبر الشامة (1) و غيره.

مع أن في الاعتبار ما يغني عن الآثار، إذ قد جمعت ما لا يجمعه غيرها من العبادات من عبادة اللسان و الجنان بالقراءة و الذكر و الاستكانة و الشكر و الدعاء الذي ما يعبأ الله بالعباد لولاه، و ظهور أثر العبودية للمعبود بالركوع و السجود و جعل أعلى موضع و أشرفه على أدنى موضع و أخفضه، و قد

كتب الرضا (عليه السلام) إلى محمد ابن سنان (2) فيما كتب من جواب مسائله «إن علة الصلاة أنها إقرار بالربوبية لله عز و جل، و خلع الأنداد، و قيام بين يدي الجبار جل جلاله بالذل و المسكنة و الخضوع و الاعتراف و الطلب للإقالة من سالف الذنوب، و وضع الوجه على الأرض كل يوم إعظاما لله عز و جل، و أن يكون ذاكرا غير ناس و لا بطرا على ذكر الله عز و جل بالليل و النهار لئلا ينسى العبد سيده و مدبره و خالقه فيبطر و يطغى، و يكون في ذكره لربه عز و جل و قيامه بين يديه زاجرا له عن المعاصي و مانعا له من أنواع الفساد»

و غير ذلك مما لا يخفى على من لاحظ أسرار الصلاة.

و لا يختص هذا الفضل بخصوص الفرائض الخمس من الصلوات و إن اختصت بعض الأخبار (3) بها، بل قد يقال بانصراف ما كان موضوعه لفظ الصلاة إليها، لأنها هي المعهودة المستعملة التي لم يسأل العبد بعد أدائها عن غيرها (4) إلا أن التأمل فيما ورد عنهم (عليهم السلام) بل هو صريح البعض يقضي بعدم الفرق بين الفرض و النفل في هذا الفضل، و انهما جميعا خير العمل.

كما أنه لا يشكل فضل الصلاة على الحج المشتمل على الصلاة و غيرها بعد ظهور هذه العبارة كنظائرها في إرادة باقي أجزاء الحج غيرها، إذ لكل جزء منه فضل مستقل

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7 مع زيادة في الوسائل.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6.

5

و إن كان هو جزء، أو يراد بالصلاة المفضلة عليه إحدى الفرائض الخمس، أو غير ذلك.

و كيف كان فالمشهور في كتب الفقه أن الصلاة لغة الدعاء، و لعل منه قول الأعشى:

تقول بنتي و قد قيضت مرتحلا * * *يا رب جنب أبي الأوصاب و الوجعا

عليك مثل الذي صليت فاغتمضي * * *نوما فان لجنب المرء مضطجعا

بل في روض الجنان أنها كذلك من الله عز و جل و غيره ردا على من قال:

إنها منه بمعنى الرحمة و من الملائكة الاستغفار، و من الناس الدعاء، معللا له بأن ارتكاب كونها في ذلك و نحوه مجازا خير من جعلها مشتركة، و بأن ظاهر العطف في قوله تعالى (1):

«عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ» يقتضي المغايرة، و فيه أن الخيرية تجدي مع الشك، و هو هنا ممنوع، إذ لو سلم عدم القطع من تصريح البعض به- بل قد يظهر من المحكي عن المحقق الثاني نسبته إلى الجميع أو الأكثر، و من كثرة استعمال لفظ الصلاة في ذلك على وجه يبعد أن يكون مجازا، خصوصا في مثل قوله: اللهم صل على محمد و آله و نحوه و غير ذلك بوضعها لذلك- فلا أقل من الظن، و هو كاف في الموضوعات، نعم الظاهر أن الثاني من الثالث، إذ الاستغفار نوع من الدعاء، و أما الآية فهي مشتركة الإلزام، إذ هو لا ينكر أنها منه تعالى بمعنى الرحمة إنما يمنع انه حقيقة، و لذا أجاب عن الآية بعد ذلك بإنكار اقتضاء العطف المغايرة ناقلا له عن مغني ابن هشام مستشهدا له بهذه الآية و غيرها، و فيه أنه لا ريب في ظهور العطف بذلك إلا مع القرينة، و لعل الآية منه، لا أن أصل العطف لا ظهور له بذلك، فتأمل.

[معنى الصلاة لغة]

و ربما قيل: إنها لغة المتابعة أيضا، و حسن الثناء من الله تعالى على رسوله (ص) و فيه أن الثاني مجاز قطعا بناء على أنها في الرحمة حقيقة، و لعل من ذكره أراد إبدال الرحمة به، و في النهاية قيل: إن أصلها في اللغة التعظيم، و لعل منه الصلوات لله في تشهد الناس.

____________

(1) سورة البقرة- الآية 152.

6

و عن بعضهم أنها بمعنى السبحة أي التنزيه، و لذا سميت به في قوله تعالى:

«فَسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ» (1) «وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» (2) إلى آخره.

لكن الغالب إطلاق السبحة على النافلة في النصوص (3).

و قد يقال بملاحظة استعمالها في بيت الأعشى، و قوله تعالى «عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ» (4) و «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (5) و «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» (6) و «اللهم صل على محمد و آله» و نحو ذلك مع أصالة عدم الاشتراك و ظهور اتحاد المراد منها في قوله تعالى «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ» إنها بمعنى أعم من الدعاء ينطبق عليها جميعها، كمطلق طلب الخير و إرادته مثلا، و إن كان هو بالنسبة إلى الله عين الفعل، لعدم تخلفه عن الإرادة، فالمراد حينئذ من الآية «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ» يريدون الخير من الرحمة و البركة و الشفاعة و التعظيم و غيرها لمحمد (صلى الله عليه و آله)، فيا أيها الذين آمنوا أنتم أيضا أريدوا به كذلك كما يريد الله له، و كذا المراد من قوله: «اللهم صل على» إلى آخره، بل و قوله تعالى «عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ» لما عرفت أن إرادته لا بد من أن تكون سببا لوقوع المراد من البركة و نحوها، بل و كذا بيت الأعشى و غيره مما ينطبق عليها جميعها، لكن روى الصدوق في المحكي عن

معاني الأخبار مسندا إلى أبي حمزة (7) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ» إلى آخره فقال: الصلاة من الله عز و جل

____________

(1) سورة الروم- الآية 16.

(2) سورة طه- الآية 130 و سورة المؤمن- الآية 57 و سورة ق- الآية 38 و سورة الطور الآية 48.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.

(4) سورة البقرة- الآية 152.

(5) سورة الأحزاب- الآية 56.

(6) سورة الأحزاب- الآية 56.

(7) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذكر- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

7

رحمة، و من الملائكة تزكية، و من الناس دعاء- إلى ان قال-: فقلت له: كيف نصلي على محمد و آله؟ قال (عليه السلام): تقولون صلوات الله و صلوات ملائكته و أنبيائه و رسله و جميع خلقه على محمد و آل محمد، و السلام عليه و عليهم و رحمة الله و بركاته، قلت: فما ثواب من صلى بهذه الصلوات؟ قال: الخروج من الذنوب و الله كهيئة يوم ولدته أمه»

و في خبر كعب بن عجرة (1) المروي عن المجالس و الأمالي «قلت:

يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ فقال:

قولوا: اللهم صل على محمد و آل محمد كما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»

و هما معا كما ترى يمكن عدم منافاتهما لما ذكرنا، و لقد عثرت بعد ذلك على كلام للفاضل المتبحر ابن هشام في المغني يقرب مما قلناه، بل هو هو، حيث إنه بعد أن حكى عن بعضهم أن الصلاة المقدرة في قوله تعالى «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ» إلى آخره بمعنى الرحمة، و الموجودة بمعنى الاستغفار، قال: «قلت: الصواب عندي أن الصلاة لغة بمعنى واحد، و هو العطف، ثم العطف بالنسبة إلى الله تعالى الرحمة، و إلى الملائكة الاستغفار، و إلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض».

و أما قول الجماعة فبعيد من جهات، إحداها اقتضاؤه الاشتراك، و الأصل عدمه، لما فيه من الالتباس، حتى أن قوما نفوه، ثم المثبتون له يقولون متى عارضه غيره مما يخالف الأصل كالمجاز قدم عليه. الثانية أنا لا نعرف في العربية فعلا واحدا يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الاسناد حقيقيا. الثالثة أن الرحمة فعلها متعد و الصلاة فعلها قاصر، و لا يحسن تفسير القاصر بالمتعدي، الرابعة أنه لو قيل مكان صلى عليه دعا عليه انعكس المعنى، و حق المترادفين صحة حلول كل منهما محل الآخر، فتأمل.

[معنى الصلاة شرعا]

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذكر- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

8

و اما شرعا فقد ذكروا لها تعريفات متعددة لا فائدة في التعرض لها، و لقد أجاد في المدارك حيث قال: «هي أشهر من أن يتوقف معناها على التعريف اللفظي، و هو كذلك، على أنه لا يكاد يسلم شيء منها عن نقض في طرده أو عكسه أو اشتماله على ما يخرجه عن قياس التعاريف، بل لعل ذلك كالمتعسر باعتبار اختلاف أحوالها بالنسبة للمختار و المضطر و الصحيح و السقيم، فتارة تكون أقوالا محضة، و أخرى أفعالا كذلك، و أخرى تجمعهما، و لكل من الأحوال الثلاثة أحوال أيضا، و إن أبيت إلا التعريف فالأولى تعريفها بأنها العبادة التي اعتبر الشارع في افتتاحها التكبير أو بدله، و اختتامها التسليم أو بدله، و ان كنت لا أضمن عدم ورود شيء عليه، و على كل حال فهي بهذا المعنى أمر شرعي لا مدخلية للغة فيه، و أنى و أهل اللغة و هذا المعنى، إنما البحث في أنها حقيقة شرعية أو مجاز، و قد فرغنا من ذلك في الأصول، و ذكرنا أن الحق الأول، و ذكر بعض أهل اللغة لهذا المعنى في سلك ما ذكر من المعاني لهذا اللفظ لا يقتضي الوضع له لغة بعد أن جرت عادتهم أو الأكثر منهم على عدم الاقتصار على ذكر الحقائق اللغوية، بل يذكرون كلما يستعمل فيه اللفظ و ان كان مجازا، على أن من المحتمل كون ذكرهم لهذا المعنى و ان كان هو حقيقة شرعية باعتبار أن أهل الشرع من أهل اللغة أيضا و من العرب الفصحاء، و حينئذ تندرج بهذا الاعتبار في الحقائق اللغوية، إذ جعل خصوص الوضع عندهم حقيقة شرعية انما هو مجرد اصطلاح حادث لا يجب جريان كتب اللغة عليه، خصوصا إذا قلنا: إن لفظ الصلاة و الحج و نحوهما موضوعة لمعان شرعية قبل زمن شرعنا، ضرورة وجود الصلاة و الحج و غيرهما عند اليهود و النصارى و غيرهما من كفار العرب على وجه يسمونه بهذه الأسماء في لغة العرب، كما أنه يسمونه بغيرها بالفارسية و نحوها، فهي حقائق في عباداتهم قبل زمن

9

الرسول (صلى الله عليه و آله)، و هو انما غير بعض أجزاء عباداتهم أو أكثرها، و ذلك لا يقتضي تغير الاستعمال بحسب الحقيقة كما هو الشأن في المعاملات» و كأنه مال إلى ذلك الأستاذ الأكبر فيما حكي من حاشيته على المدارك، و فيه- بعد تسليم قدم تسمية تلك العبادات بهذه الأسماء منهم و أن لهم عبادات معتبرة لا أنها مكاء و تصدية- أنه لا يخفى على المطلع عليهما كمال التباين بينهما بحيث يقطع بعدم إرادة المعنى القديم منها في هذا الاستعمال، و بنقلها من ذلك المعنى إلى معنى جديد و إن اشتركا في أنهما عبادة، كما هو واضح، كوضوح المناسبة بين المعنى الشرعي و المعنى اللغوي بناء على أنه الدعاء، أو ما ذكرناه من طلب الخير و إرادته و ان لم يكن بعنوان الدعاء، لاشتماله على كل منهما، و لو قيل انه منقول منها بمعنى المتابعة اختصت المناسبة حينئذ ببعض أفرادها إلا أن يلاحظ أو يراد تتابع الأجزاء، و هو كما ترى.

و أبعد منه ما قيل عن الجمهرة عن بعضهم ان اشتقاقها من رفع الصلاة في السجود، و هو العظم الذي عليه الأليتان، فهي فعلة من بنات الواو، و ان كان ربما يؤيده تعارف كتابتها به، إلا أنه قد يقال كما عن البيضاوي كتبت بالواو على لفظ المفخم أي من يميل الألف إلى مخرج الواو، و مثله في البعد ما عن الجمهرة عن ذلك البعض ان اشتقاقها من صليت العود بالنار أي لينته، لأن المصلي يلين قلبه و أعضائه مخشوعة من بنات الياء، بل في الذكرى نسبة ذلك و سابقه إلى أهل اللغة، قال جعلوها فعلة من صلى أي حرك صلاته، لأن المصلي يفعل ذلك، أو من صليت العود أي لينته، و لا يخفى عليك ما فيه، و أنا في غنية عنه، و ما أبعد ما بين هذين الأخيرين و بين القول بأن المراد منها في الاستعمال الشرعي الدعاء، و ان ما عداه كله واجبات أخر، فهي كالمعاملة، و لا ريب في ضعفه بل بطلانه.

نعم يمكن دعوى ذلك في صلاة الأموات، فتكون حينئذ حقيقة لغوية مجازا

10

شرعيا كما هو المشهور على ما في الروض، و ربما قيل بأنها مجاز لغوي أيضا نظرا إلى إرادة خصوص دعاء على خصوص حال منها، بل و غير الدعاء من التكبير و نحوه، كما انه ربما قيل بأنها حقيقة شرعية، و لعله ظاهر المصنف و غيره ممن ذكرها في التعداد، إذ احتمال ذكرهم الأعم من الحقيقة و المجاز كوضوء الحائض و نحوه في الوضوء بعيد، و يؤيده- مع عدم صحة السلب، و قيل من دلالة بعض النصوص (1)- انها كذلك قطعا في عرف المتشرعة، و هو عنوان الحقيقة الشرعية، و تبادر ذات الأركان من الإطلاق كما في المدارك لا ينافيها، إذ لعله لأنه أظهر الفردين و أكثرهما استعمالا، كما أن كون معظم صلاة الجنازة الدعاء لا يقتضي البقاء على الحقيقة اللغوية بعد أن علم أن إطلاق لفظ الصلاة عليه ليس للدعاء، بل لا ريب في ملاحظة الخصوصية و باقي الأحوال أيضا، و لذا لا يطلق في العرف لفظ الصلاة على غيره من الدعاء، كما انه لا يطلق على هذا الحال المخصوص غير لفظ الصلاة، و نفي الصلاة بنفي الطهارة و الفاتحة اللتين لا يجبان فيها قطعا يراد منه بالنسبة إلى ما اعتبر فيها ذلك كاليومية، لا نفي مطلق مسمى الصلاة، كالوصف بالتحليل بالتسليم، بل و كذا

الصحيح (2) «عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء، فقال: نعم انما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل كما تكبر و تسبح في بيتك على غير وضوء»

يراد منه أنها صلاة لكن ليست تلك الصلاة التي يعتبر فيها ذلك، بل هي شيء آخر سماه الشارع صلاة، و من ذلك تعرف ما في استدلال بعضهم على خروجها عن الصلاة بالنصوص (3) ضرورة إرادة نفي مسمى صلاة خاص منها لا مطلقا، فتأمل جيدا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 1 و غيره- من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة الجنازة و الباب 9 منها- الحديث 5.

11

و كيف كان ف العلم بها أي الصلاة يستدعي بيان أربعة أركان

[الركن الأول في المقدمات]

الركن الأول في المقدمات بفتح الدال و كسرها، و هي ما تتقدم على الماهية، إما لتوقف تصورها كذكر أقسامها و كمياتها، أو لاشتراطها بها، أو لكونها من المكملات السابقة عليها، و هي سبع:

[المقدمة الاولى في أعداد الصلوات]

الاولى في أعداد الصلوات

[الصلوات المفروضة]

و المفروض منها و لو بسبب من المكلف تسعة حصرا استقرائيا من الأدلة التي تمر عليك في محالها إن شاء الله صلاة اليوم و الليلة و الجمعة و العيدين و الكسوف الشامل للخسوف و الزلزلة و الآيات و الطواف الواجب و الأموات و ما يلتزمه الإنسان بنذر و شبهه كالعهد و اليمين و الإجارة على غير القضاء و نحوها، و ربما عدت سبعة بإدراج الزلزلة و الكسوف في الآيات كادراج القضاء حتى من الولي بل ربما قيل و المستأجر عليه و المتبرع به و صلاة الاحتياط في اليوم و الليلة، أو الأخير في شبه النذر، لأن الشك أيضا من الملزمات، بل ربما قيل هو و القضاء، و الإدراج الأول أجود، و ربما عدت ستة بناء على خروج صلاة الأموات عن حقيقة الصلاة، بل قد يقال ينبغي عدها حينئذ خمسة بإدراج الجمعة في اليومية، بل أربعة اقتصارا على الفرائض الأصلية، و الأمر سهل بعد الاتفاق منا على أن ما عدا ذلك مسنون و هو كثير كما تعرفه فيما يأتي إن شاء الله، بل و من غيرنا كما حكاه غير و احد عدا ما يحكى عن أبي حنيفة من وجوب الوتر، و لا ريب في ضعفه، و إن

ورد (1) عن الباقر (عليه السلام) «الوتر

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4 هكذا في النسخة الأصلية لكن في الوسائل

«و المغرب وتر النهار»

كما في التهذيب و هو الصحيح.

12

في كتاب علي واجب، و هو وتر الليل و المغرب و وتر النهار»

لكنه محمول على التقية أو التأكيد أو بالنسبة للنبي (صلى الله عليه و آله)، كما في خبر الساباطي (1) قال:

«كنا جلوسا عند الصادق (عليه السلام) بمنى فقال له رجل: ما تقول في النوافل؟

فقال: فريضة، قال: ففزعنا و فزع الرجل، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما أعني صلاة الليل على رسول الله (صلى الله عليه و آله)، إن الله يقول «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ» أو غير ذلك، و عن حماد بن زيد قلت لأبي حنيفة: «كم الصلوات؟

فقال: خمس، فقلت: فالوتر فقال: فرض، قالت: لا أدري تغلط في الجملة أو التفصيل»

لكن الانصاف كما عن المنتهى أن هذه السخرية غير لائقة بأبي حنيفة، نعم قيل بناء عليه ينبغي أن لا تكون وسطى في الصلوات، لأن اليومية حينئذ تكون ستة، مع أنه يمكن أن يعتبر الوسط بحيث لا ينافي أنها ستة. ثم من المعلوم أن المراد المفروض بالأصل في الجملة، و إلا فقد يتفق الندب له عارضا كالعيدين، أو الحرمة كالجمعة على قول، و التخيير على آخر، أو يكون بعض أفراده مندوبا كإعادة الفريضة، خصوصا الكسوف، و الصلاة على من لم يبلغ الست، و نحو ذلك.

و أما تفصيل هذه الفرائض ف صلاة اليوم و الليلة خمس الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الصبح، و قد كانت في الأصل خمسين، إلا أنه (صلى الله عليه و آله) طلب من ربه التخفيف عن أمته حتى أنهاها إلى الخمس كما دل عليه بعض الأخبار (2) و لم يخففها إما لحيائه بعد من المراجعة لربه، أو لأنه أراد بلوغ الخمسين أيضا باعتبار أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، و لا خلاف في وجوبها فيهما، بل هي من ضروريات الدين المستغنية عن الاستدلال بالكتاب المبين، و إجماع المسلمين، و المتواتر من سنة

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5 و 10.

13

سيد المرسلين و الأئمة المهديين (ص) و كذا من ضرورياته أيضا أن الخمس هي سبع عشرة ركعة في الحضر: الصبح ركعتان، و المغرب ثلاث ركعات، و كل واحدة من البواقي أربع و كانت في الأصل عشر ركعات، في كل وقت ركعتان، إلا أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أضاف إليها سبعة، فصارت سبع عشرة ركعة كما دلت عليه بعض النصوص (1) بل و من ضروريات مذهبنا أو كضرورياته أنه يسقط من كل رباعية في السفر ركعتان، و هما الأخيرتان اللتان زادهما رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و مثله الخوف على ما ستعرف إن شاء الله تعالى.

[تعيين صلاة الوسطى]

و أهم الخمس و آكدها بنص الكتاب (2) فضلا عن غيره الوسطى، و هي الظهر، للصحيح (3) عن الباقر (عليه السلام) و إن كانت هي أول صلاة صلاها رسول الله (صلى الله عليه و آله) لكن لأن وقتها وسط النهار، أو لأنها متوسطة بين صلاتي نهار الغداة و العصر، أو لأنها وسط بين نافلتين متساويتين، و لما عن الشيخ من الإجماع عليه، و المروي عن زيد بن ثابت (4) انه قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي الظهر بالهاجرة، و لم يكن صلاة أشد على الصحابة منها، فنزلت حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى»

خلافا لما عن المرتضى من أنها العصر مدعيا الإجماع أيضا عليه

للمرسل (5) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» و المرسل عن الحسن بن أمير المؤمنين (عليهما السلام) (6) عن النبي (صلى الله عليه و آله)

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 14.

(2) سورة البقرة- الآية 239.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

(4) سنن أبي داود ج 1 ص 167- الرقم 411.

(5) المستدرك- الباب- 5- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 11.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7.

14

إلى أن قال: «فهي من أحب الصلوات لله عز و جل، و أوصاني بحفظها من بين الصلوات»

و لأنها وسط بين صلاتي نهار و صلاتي ليل، و لبعض الأخبار العامية (1) و لا ريب أن الأول أقوى، لصحة روايته، و قوة اعتباره، قيل و هنا أقوال أخر كأنها للعامة، منها أنها الصبح، لتوسطها بين صلاتي الليل و صلاتي النهار، و بين الضياء و الظلام، و لأنها لا تجمع مع أخرى، فهي منفردة بين مجتمعتين، و لمزيد فضلها بحضور ملائكة الليل و النهار، كما قال الله تعالى (2) «إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً» و لما فيها من المشقة التي تناسب الأمر بالمحافظة عليها، لأنها مظنة التضييع بسبب البرد في الشتاء، و طيب النوم في الصيف مع فتور الأعضاء و كثرة النعاس و شدة الغفلة و محبة الاستراحة، و منها أنها المغرب، لتوسطها بين بياض النهار و سواد الليل، و أزيد من ركعتين و أقل من أربع، فهي متوسطة بين رباعي و ثنائي، و لا تنقص في السفر مع زيادتها على الركعتين، فناسب التأكيد بالأمر بالمحافظة عليها، و لأن الظهر هي الأولى، إذ قد وجبت أولا فيكون المغرب هي الوسطى، و منها أنها العشاء، لأنها متوسطة بين صلاتين لا يقتصران: الصبح و المغرب، أو بين ليله و نهاره، و لأنها أثقل صلاة على المنافقين، و قيل هي مخفية مثل ليلة القدر، و عن بعض أئمة الزيدية أنها الجمعة في يومها، و الظهر في غيرها و أنت خبير أن ذلك كله اعتبارات و استحسانات و تهجسات لا يجوز أن تكون مدركا لحكم شرعي، إنما الواجب الرجوع في ذلك إلى مهابط الوحي و خزان العلم و معادن السر، و قد عرفته، و الله أعلم.

[نوافل الفرائض]

و أما نوافلها أي الفرائض في الحضر ف أربع و ثلاثون ركعة على الأشهر نصا و فتوى، بل المشهور نقلا و تحصيلا، بل في فوائد الشرائع أنه

____________

(1) كنز العمال- ج 4- ص 83- الرقم 1702.

(2) سورة الإسراء- الآية 80.

15

المعروف في المذهب، بل في المختلف و الذكرى و المدارك لا نعلم فيه مخالفا، كالدروس عليه فتوى الأصحاب، و نحوه كاشف الرموز لكن بتغيير الفتوى بالعمل، بل عن الخلاف و الانتصار و المهذب و غاية المرام و مجمع البرهان الإجماع عليه، و تفصيلها أمام الظهر ثمان، و قبل العصر مثلها، و بعد المغرب أربع، و عقيب العشاء ركعتان من جلوس تعدان بركعة، و إحدى عشر صلاة الليل مع ركعتي الشفع و الوتر، و ركعتان للفجر فيكون حينئذ مجموع الفريضة و النافلة إحدى و خمسين ركعة، و يدل عليه- مضافا إلى ما عرفت-

الصحيح (1) عن الصادق (عليه السلام) «الفريضة و النافلة إحدى و خمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعدان بركعة و هو قائم، الفريضة منها سبع عشرة ركعة، و النافلة أربع و ثلاثون ركعة» و خبر البزنطي (2) «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن أصحابنا يختلفون في صلاة التطوع بعضهم يصلي أربعا و أربعين ركعة، و بعضهم يصلي خمسين، فأخبرني بالذي تعمل به أنت كيف هو؟ حتى أعمل بمثله، فقال: أصلي واحدة و خمسين ركعة، ثم قال: أمسك و أعقد بيده الزوال ثمانية، و أربعا بعد الظهر، و أربعا قبل العصر، و ركعتين بعد المغرب، و ركعتين قبل عشاء الآخرة، و ركعتين بعد العشاء من قعود تعدان بركعة من قيام، و ثمان صلاة الليل، و الوتر ثلاثا، و ركعتي الفجر، و الفرائض سبع عشرة ركعة، فذلك إحدى و خمسون ركعة»

و نحوهما صحيح إسماعيل (3) عن الرضا (عليه السلام)، بل و مرفوع ابن أبي قرة (4) المشتمل على ذكر الوجه للواحدة و الخمسين، و الصحيح أيضا (5) عن الفضيل و البقباق و بكير، قالوا: «سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي من التطوع مثلي الفريضة، و يصوم من التطوع مثلي الفريضة».

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 11.

(4) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 10.

(5) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.

16

و على هذه استقر عمل الأصحاب كما اعترف به غير واحد، فلا يصغى حينئذ بعد ذلك إلى ما عارضها و ان صح سنده مما دل (1) على أن النافلة ثلاثة و ثلاثون ركعة بإسقاط الوتيرة، و ان كان يشهد له أيضا

الأخبار (2) المستفيضة «ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان لا يصلي بعد العشاء شيئا حتى ينتصف الليل»

أو ما دل (3) على أنها تسعة و عشرون بإسقاط أربعة من نافلة العصر معها، و ان كان عليه ينطبق

خبر يحيى ابن حبيب (4) «سألت الرضا (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى الله تعالى من الصلاة، قال: ستة و أربعون ركعة فرائضه و نوافله، قلت: هذه رواية زرارة قال: أو ترى أحدا كان أصدع بالحق منه»

أو سبعة و عشرون بإسقاط ركعتين من نافلة المغرب معها (5) أيضا، و إن كان عليه ينطبق أيضا

صحيح ابن سنان (6) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تصل أقل من أربع و أربعين ركعة، قال: و رأيته يصلي بعد العتمة أربع ركعات»

خصوصا.

لكن قد أجاب في المدارك و الذخيرة و الرياض و غيرها عنها جميعها بأنه ليس في شيء منها عدم استحباب الزائد كي تحصل المنافاة، بل أقصاه تأكد استحباب ذلك فلا ينافي استحباب الأكثر حينئذ، قال الأول: و ربما كان في قوله (عليه السلام) في صحيح ابن سنان: «لا تصل أقل»

إلى آخره إشعار بذلك، و لا بأس به لو أن الأخبار كلها كما ذكر، لكنه ليس كذلك، إذ منها خبر يحيى بن حبيب المتقدم، و منها

خبر

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 43- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 4 و الباب 53 الحديث 3 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.

17

ابن أبي عمير (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ما جرت به السنة، فقال: تمام الخمسين»

و منها

خبر عمر بن حريث (2) الذي سأل فيه الصادق (عليه السلام) «عن صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) فذكرها له بإسقاط الوتيرة، فقال له:

جعلت فداك فان كنت أقوى على أكثر من هذا يعذبني الله على كثرة الصلاة، فقال:

لا، و لكن يعذب على ترك السنة»

إذ لا ريب في دلالته على نفي الزيادة، خصوصا و قد

روى الصدوق عن الصيقل (3) عن الصادق (عليه السلام) «اني لأمقت الرجل يأتيني فيسألني عن عمل رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيقول أزيد كأنه يرى أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قصر في شيء»

الحديث. و منها

صحيح زرارة (4) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما جرت به السنة في الصلاة؟ فقال: ثمان ركعات الزوال، و ركعتان بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و ركعتان بعد المغرب، و ثلاثة عشر ركعة من آخر الليل، منها الوتر و ركعتا الفجر، قلت: فهذا جميع ما جرت به السنة، قال: نعم، فقال أبو الخطاب: أ فرأيت إن قوي فزاد؟ قال: فجلس و كان متكئا فقال: إن قويت فصلهما كما كانت تصلي، إذ كما ليست في ساعة من النهار فليست في ساعة من الليل، إن الله عز و جل يقول وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ (5)»

إلى غير ذلك.

فالأولى حمل بعضها على ما ذكر، و بعضها على إرادة عدم صلاة الوتيرة محتسبا لها من صلاة الليل، كما يومي اليه

حسن الحلبي (6) «سألت الصادق (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6.

(3) الفقيه- ج 1 ص 303 من طبعة النجف.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.

(5) سورة طه- الآية 130.

(6) الوسائل- الباب- 27- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

18

هل قبل العشاء الآخرة و بعدها شيء؟ قال: لا غير أني أصلي بعدها ركعتين، و لست أحسبهما من صلاة الليل».

بل قيل و من الرواتب، لأن الظاهر أن فعلها لأجل إتمام كون النافلة ضعف الفريضة، كما يومي اليه

خبر سليمان بن خالد (1) عن الصادق (عليه السلام) «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، و ست ركعات بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و أربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان بعد العشاء الآخرة، تقرأ فيهما مائة آية قائما أو قاعدا، و القيام أفضل، و لا تعدهما من الخمسين، و ثمان ركعات من آخر الليل تقرأ في صلاة الليل بقل هو الله أحد و قل يا أيها الكافرون في الركعتين الأولتين، و تقرأ في سائرها ما أحببت من القرآن، ثم الوتر ثلاث ركعات تقرأ فيها جميعا قل هو الله أحد، و تفصل بينهن بتسليم، ثم الركعتان اللتان قبل الفجر تقرأ في الأولى منهما قل يا أيها الكافرون، و في الثانية قل هو الله أحد»

و منه يستفاد استحباب قراءة مائة آية فيهما، و في الذكرى «انه روى ابن أبي عمير (2) عن الصادق (عليه السلام) انه كان يقرأ فيهما الواقعة و التوحيد»

انتهى.

أو على ما في خبر أبي بصير (3) المروي عن العلل عن الصادق (عليه السلام) «من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر، قال: قلت: يعني الركعتين بعد العشاء الآخرة قال: نعم، إنهما بركعة، فمن صلاهما ثم حدث به حدث مات على وتر، فان لم يحدث به حدث الموت يصلي الوتر في آخر الليل، فقلت: هل صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) هاتين؟ قال: لا، قلت: و لم؟ قال: لأن رسول الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 16.

(2) الوسائل- الباب- 45- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.

19

(صلى الله عليه و آله) كان يأتيه الوحي و كان يعلم أنه هل يموت أم لا؟ و غيره لا يعلم، فمن أجل ذلك لم يصلهما و أمر بهما».

أو على إرادة الفريضة و النافلة من العشاء و العتمة التي كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يصل بعدها شيئا حتى ينتصف الليل.

أو على التعريض بما تصنعه العامة من صلاة وتر غير الوتيرة بعد العشاء، فان استيقظوا آخر الليل أعادوه، فيكون وتران في ليلة، و إلا اكتفوا بذلك، و طرح ما لا يقبل شيئا من ذلك، أو غيره، و لا بأس به بعد أن اعترف غير واحد بعدم العمل بشيء منها، و معارضتها بما سمعت، و بخصوص ما دل على كل واحد مما نفته من الوتيرة و غيرها مما سيمر عليك بعضه إن شاء الله، بل ورد (1) في أخبار نوافل شهر رمضان أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يصلي الوتيرة من جلوس فلاحظ هناك، و كذا يطرح ما دل (2) على الصلاة أربعا بعد العتمة، أو يراد غير الرواتب منه، أو قضائها.

ثم ان ظاهر المصنف كغيره من الأصحاب أن الثمان الأولى نافلة الظهر، و الثمانية الثانية نافلة العصر، بل في المدارك و الذخيرة أنه المشهور بين الأصحاب، بل عن المهذب البارع أن عليه عمل الطائفة، بل عن أمالي الصدوق أن من دين الإمامية الإقرار بأن نافلة العصر ثمان ركعات قبلها، و قد يشهد له تتبع كلمات الأصحاب في المقام و المواقيت و غيرهما، حيث أضافوهما إلى الفريضة حتى عند التعرض لسقوطهما قالوا مثلا تسقط نوافل الظهرين، بل قيل: إن بعض العبارات التي تحتمل أنها نوافل للأوقات كالمقنعة و الخلاف و النهاية و المبسوط و جمل السيد و الوسيلة و الغنية و السرائر و غيرها حيث قيل فيها ثمان قبل الظهر، و ثمان قبل العصر، و نحو ذلك مما لا ظهور فيه بكونها

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب بقية الصلوات المندوبة.

20

نوافل للفرائض كالنصوص قد أضيفت فيها إليها في مواضع عديدة غير هذا الموضع، و لعله لم يلحظها الشهيد في الذكرى، و لذا قال: إن معظم الأخبار و المصنفات خالية عن التعيين للعصر و غيرها، و تبعه على ذلك بالنسبة للأخبار غيره كسيِّد المدارك و فاضل الذخيرة، و الظاهر أن الأمر كما ذكروه، إذ لم نقف على خبر صريح في كونها نوافل للفرائض، بل و لا مضافة إليها إلا ما ستسمعه من بعض النصوص التي تمر عليك في سقوط النافلة في السفر، بل ربما كان بعض النصوص (1) ظاهرا في أن الثمان الأولى نافلة للزوال نفسه، كما يومي اليه إضافتها اليه و غيرها، بل قد يظهر من مرفوع ابن أبي قرة (2) أن جميع النوافل للأوقات كالفرائض، و أصرح خبر ادعي دلالته ما رواه

الصدوق في العلل عن عبد الله بن سنان (3) «سأل الصادق (عليه السلام) لأي علة أوجب رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلاة الزوال ثمان قبل الظهر، و ثمان قبل العصر، فقال (عليه السلام): لتأكيد الفريضة، لأن الناس لو لم يكن إلا أربع ركعات الظهر لكانوا مستخفين حتى كان يفوتهم الوقت، فلما كان شيء غير الفريضة أسرعوا إلى ذلك لكثرته، و كذلك الذي قبل العصر ليسرعوا إلى ذلك لكثرته»

و هو كما ترى لا صراحة فيه بل و لا ظهور، نعم قيل في العيون خبر كعبارة الأمالي و لم نقف على متنه، لكن لعل فيما سمعت من الإجماع المحكي المتقدم كفاية، خصوصا بعد شهادة التتبع له، إذ لم يحك عن أحد الخلاف في ذلك سوى ما يحكى عن ظاهر هداية الصدوق من جعل الست عشر نافلة الظهر، و هو منه عجيب بعد نقله الإجماع المزبور، و لعله هو الذي أراده الراوندي فيما حكي عنه من نسبة جعل الست عشر للظهر إلى بعض الأصحاب، و سوى ما يحكى عن ظاهر الإسكافي من جعل ركعتين خاصة من الثمانية الثانية للعصر،

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 21.

21

و لعله لخبر سليمان بن خالد المتقدم (1) إلا أنه كما ترى لا دلالة فيه على ذلك، إذ القبلية كالبعدية لا يقتضي كون النافلة للفريضة، و ان كان الإنصاف أنها لا تخلو من نوع إشعار.

و كأنه لا ثمرة معتد بها في هذا البحث بعد ان لم نعتبر في النية التعرض للفرض و غيره، بل يكفي مجرد قصد القربة بالامتثال للأمر المعلوم تحققه على كل حال، بل الظاهر عدم الفساد لو نوى المكلف الفرض جهلا منه، ضرورة تشخصها لديه بغير ذلك. و ربما قيل تظهر الثمرة في اعتبار إيقاع الست مثلا قبل القدمين أو المثل ان جعلناها للظهر، و فيه أنه لا مدخلية لذلك بعد أن عين الشارع وقتها كما تسمعه إن شاء الله في المواقيت، نعم قد يقال بظهور الثمرة فيما لو نذر مثلا نافلة العصر مثلا غافلا، أو أناطه بما هو الواقع، و الأمر فيها سهل، فتأمل جيدا.

و كذا الكلام في نافلة المغرب و العشاء و الصبح، بل في خبر البزنطي السابق (2) ما قد يشعر بأن الركعتين من أربعة المغرب نافلة للعشاء، و ان الأربعة من ثمانية العصر للظهر، بل في بعض النصوص (3) ما يشعر بأن ليس شيء من أربعة المغرب نافلة لإحدى الصلاتين، لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فعل ركعتين منهما لما بشر بالحسن (عليه السلام)، و ركعتين لما بشر بالحسين (عليه السلام) شكرا لله تعالى، و بالجملة الحق انه لا صراحة في أكثر النصوص بنفسها في شيء من ذلك، نعم قد يجعل ما سمعته من الإجماع قرينة على إرادته من بعض النصوص، خصوصا ما أضيف فيها إلى الأوقات على إرادة صلاة الوقت، فركعتا الفجر بمعنى ركعتا صلاة الفجر، و على هذا القياس، كما أنه

[مشروعية النوافل لتكميل الفرائض]

قد يظهر ذلك أيضا أي كون النوافل للفرائض مما استفاضت به الأخبار من أن مشروعية النوافل لتكميل ما ينقص من الفرائض بسبب عدم الإقبال و نحوه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 16.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6.

22

كصحيح ابن مسلم (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) «ان العبد ليرفع له من صلاته ثلثها أو نصفها أو ربعها أو خمسها، فما يرفع له إلا ما أقبل منها بقلبه، و انما أمروا بالنوافل ليتم لهم ما نقصوا من الفريضة» و صحيحه الآخر (2) قلت للصادق (عليه السلام):

«إن عمار الساباطي روى عنك رواية، قال: و ما هي؟ قالت: روى ان السنة فريضة، قال: أين يذهب؟ أين يذهب؟ ليس هكذا حدثته، انما قلت له: من صلى فأقبل على صلاته لم يحدث نفسه فيها أو لم يسه فيها أقبل الله عليه ما أقبل عليها، فربما رفع نصفها أو ربعها أو ثلثها أو خمسها، و انما أمروا بالسنة ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة» و خبر أبي حمزة الثمالي (3) «رأيت علي بن الحسين (عليهما السلام) يصلي فسقط رداؤه عن منكبيه، قال: فلم يسوه حتى فرغ من صلاته، قال: فسألته عن ذلك قال: ويحك أ تدري بين يدي من كنت، ان العبد لا يقبل من صلاته إلا ما أقبل منها، فقلت: جعلت فداك هلكنا، فقال: إن الله ليتم ذلك بالنوافل»

و أصرح من ذلك كله و إن لم يكن وافيا بتمام المطلوب

خبر عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لكل صلاة مكتوبة ركعتان نافلة إلا العصر، فإنه يقدم نافلتها، و هي الركعتان التي تمت بهما الثمان بعد الظهر»

الحديث. و كذلك يظهر أيضا من النصوص (5) الدالة على سقوطها في السفر تبعا للقصر في الفريضة، فلاحظ، بل في بعضها (6) إضافة بعضها إلى الفرائض، بل قد يفهم منها إضافة الجميع كما سيمر عليك بعضها، و من الغريب ما يظهر من المصنف من جعل صلاة الليل من نوافل الفرائض أيضا، مع أنه لا ريب في استقلالها و عدم مدخليتها

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 61- من أبواب المواقيت- الحديث 5- من كتاب الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض.

(6) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.

23

بها، لكن لعل مراده بقوله: «و نوافلها» لما عدا صلاة الليل منها.

ثم لا ريب في تأكد هذه النوافل من بين الصلوات حتى ورد (1) في بعضها كصلاة الليل و الوتر انها واجبة، و قال سعد بن أبي عمرو الجلاب (2) للصادق (عليه السلام): «ركعتا الفجر تفوتني أ فأصليهما؟ قال: نعم، قلت: لم أ فريضة؟ قال:

فقال: رسول الله (صلى الله عليه و آله) سنهما، فما سن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فهو فرض»

إلى غير ذلك مما يراد منه تأكد الاستحباب.

[تفاوت الفضل بين النوافل]

و أما تفاوت الفضل بينها فعن ابن بابويه «ان ركعتي الفجر أفضلها، ثم ركعة الوتر، ثم ركعتا الزوال، ثم نافلة المغرب، ثم تمام صلاة الليل، ثم تمام نوافل النهار» و لم نقف له على دليل في هذا الترتيب، و عن ابن أبي عقيل «ان الصلاة التي تكون بالليل أوكد النوافل لا رخصة في تركها في سفر و لا حضر» و عن الخلاف «ان ركعتي الفجر أفضل من الوتر بإجماعنا» و الأولى ترك البحث عن ذلك، إذ النصوص في فضل كل منها وافية، و لكل خصوصية لا تدرك بغيرها كما لا يخفى على من لاحظ ما ورد في كل منها، خصوصا نافلة الزوال التي هي صلاة الأوابين (3) و نافلة المغرب التي لا ينبغي أن يتركها الإنسان و لو طلبته الخيل (4) و صلاة الليل التي ورد فيها ما ورد حتى أوصى بها النبي (صلى الله عليه و آله) عليا ثلاثا (5) كالزوال (6) بل قيل: إن الأخبار في

____________

(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 15.

(2) الوسائل- الباب- 33- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4 لكن في الوسائل و التهذيب «الجلاب» و هو الصحيح.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 28- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

24

فضل صلاة الليل و التأكيد على فعلها أكثر من غيرها، فالقول بأفضليتها بالنسبة إلى غيرها غير بعيد، و هو جيد، بل جزم به في المدارك، ثم جعل بعدها نافلة الزوال للوصية بها ثلاثا أيضا، ثم نافلة المغرب للنهي عن تركها سفرا و حضرا، ثم ركعتي الفجر، لأنه يشهدها ملائكة الليل و النهار، و قد عرفت التحقيق. نعم قد يقال بمرجوحية الوتيرة بالنسبة إلى الجميع، و بعدها نافلة العصر، مع أنه لا يخلو من نظر، لتظافر النصوص (1) بالنهي عن المبيت على غير وتر، و ان من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا على وتر، و ان المراد به الوتيرة كما يدل عليه غير واحد من النصوص، منها

خبر المفضل (2) عن الصادق (عليه السلام) «قلت: أصلي العشاء الآخرة، فإذا صليت صليت ركعتين من جلوس، فقال: أما انها واحدة، و لو بت بت على وتر»

و غيره من النصوص.

و على كل حال فلا ينبغي الكلام بين أربع ركعات المغرب، ل

خبر أبي الفوارس (3) «نهاني أبو عبد الله (عليه السلام) أن أتكلم بين الأربع ركعات التي بعد المغرب»

و في المدارك أن ذلك يقتضي كراهة الكلام بين المغرب و نافلتها بطريق أولى، و فيه منع واضح.

نعم يستحب عدم الكلام بينهما ل

خبر أبي العلاء الخفاف (4) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: «من صلى المغرب ثم عقب و لم يتكلم حتى صلى ركعتين كتبتا له في عليين، فان صلى أربعا كتبت له حجة مبرورة».

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7 و فيه

«و لو مت مت على وتر»

. (3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب التعقيب- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب التعقيب- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

25

[استحباب التعقيب قبل نافلة المغرب]

و قد يستفاد منه مع ذلك استحباب التعقيب قبل النافلة، لكن عن مقنعة المفيد العكس، و لم نقف له على دليل عد

المرسل (1) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «انه لما بشر بالحسن (عليه السلام) صلى ركعتين بعد المغرب شكرا، فلما بشر بالحسين (عليه السلام) صلى ركعتين، و لم يعقب حتى فرغ»

و في ترجيحه على غيره- مع إرساله، و عدم معلومية استمرار ذلك منه (ص) بل لعله في خصوص ذلك الوقت مبادرة للشكر- نظر و تردد، خصوصا ما ورد (2) في التسبيح مما اشتمل على الأمر به قبل أن يثني المصلي رجليه، و لذا قال في الذكرى كما عن المقنعة و التهذيب في أحد النقلين:

«الأفضل المبادرة بالنافلة قبل كل شيء سوى التسبيح» مستدلا عليه بأن النبي (صلى الله عليه و آله) فعلها كذلك، ثم ذكر المرسل السابق، و لا يخفى عدم دلالته على ما استثناه، نعم يدل عليه

خبر رجاء بن أبي الضحاك (3) المروي عن العيون المشتمل على عمل الامام الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان قال فيه: «فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله و يحمده و يكبره و يهلله ما شاء الله، ثم سجد سجدة الشكر، ثم رفع رأسه و لم يتكلم حتى يقوم، فيصلي أربع ركعات بتسليمتين، يقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، و كان يقرأ في الأولى من هذه الأربع الحمد و قل يا أيها الكافرون و في الثانية قل هو الله أحد، ثم يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء الله، ثم يفطر»

فيراد حينئذ من نفي التعقيب في الخبر السابق نفي التمام لا أصل التعقيب، كما يومي اليه زيادة على ما عرفته

المرسل (4) عن إرشاد القلوب «ان أبا جعفر (عليه السلام) لما

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب التعقيب من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 24.

(4) الوسائل- الباب- 31- من أبواب التعقيب- الحديث 4 من كتاب الصلاة مع الاختلاف.

26

خرج بزوجته أم الفضل من عند المأمون و وصل شارع الكوفة انتهى إلى دار المسيب عند غروب الشمس دخل المسجد، و كان في صحنه نبقة لم تحمل، فدعا بكوز فتوضأ في وسطها، و قام فصلى بالناس صلاة المغرب- إلى أن قال-: فلما سلم جلس هنيئة و قام من غير أن يعقب تعقيبا تاما فصلى النوافل الأربع و عقب بعدها و سجد سجدتي الشكر، فلما انتهى إلى النبقة رآها الناس حملت حملا حسنا فأكلوا منها، فوجدوا نبقا لا عجم له حلوا»

الخبر.

و يستحب أن يقول في آخر سجدة من نافلة المغرب كل ليلة خصوصا ليلة الجمعة ما رواه

عبد الله بن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) «اللهم إني أسألك بوجهك الكريم و اسمك العظيم أن تصلي على محمد و آل محمد. و أن تغفر لي ذنبي العظيم سبع مرات، قال: من قالها: انصرف و قد غفر له»

و في الذكرى أن محل هذا الدعاء السجدة الواقعة بعد السبع، و هو كما ترى، و كان مراده سجدة الشكر، لأن الظاهر تأخرها عن السبعة، كما عن المشهور التصريح به، ل

خبر حفص الجوهري (2) قال: «صلى بنا أبو الحسن (عليه السلام) صلاة المغرب فسجد سجدتي الشكر بعد السابعة، فقلت له: كان آباؤك يسجدون بعد الثلاثة، فقال: ما كان أحد من آبائي يسجد إلا بعد السبعة»

و مرسل رجاء السابق، لكن

روى جهم بن أبي جهم (3) قال: «رأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) و قد سجد بعد الثلاث ركعات من المغرب فقلت له: جعلت فداك رأيتك سجدت بعد الثلاث، فقال: و رأيتني قلت: نعم، قال: فلا تدعها، فان الدعاء فيها مستجاب»

و له استحسن في الذكرى كلا من التقديم و التأخير، لكن لا ريب أن الثاني أولى لفتوى المشهور، و دلالة الأول على نفي الثاني،

____________

(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب التعقيب- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 31- من أبواب التعقيب- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

27

و احتمال الخبر المزبور سجدة مطلقة لا سجدة الشكر كما اعترف به في الذكرى و ان استبعده، نعم خبر ابن أبي الضحاك السابق صريح في أن الواقعة بعد الثلاث سجدة الشكر، إلا أنه و مع ذلك فتأخرها أولى، هذا.

و قد يوهم ظاهر المتن كغيره من العبارات بل و بعض الأخبار (1) تعين الجلوس في الوتيرة، و قد أشبعنا الكلام في ذلك، و في جواز الجلوس و نحوه في مطلق النافلة عند تعرض المصنف له في البحث عن الصلوات المسنونة، من أراده فليلاحظه هناك.

[دخول نافلة الصبح في صلاة الليل]

و كذا ظاهره خروج ركعتي الفجر عن صلاة الليل، بل قد يظهر منه أن صلاة الليل الثمان خاصة، بل الغالب في الأخبار و كلام الأصحاب إطلاقها على الثمانية أو الأحد عشر ركعة غير ركعتي الفجر، بل الأول هو معقد ما حكي من إجماع الخلاف و كشف اللثام و شرح المفاتيح و ظاهر الغنية و غيره، فضلا عن الشهرة في التذكرة، و نفي علم الخلاف في الذكرى، و إن كان الظاهر أن ذلك منهم في مساق بيان عدم زيادة نافلة الليل على ذلك، أو نقصانه مع ذكرهم بعد ذلك الشفع و الوتر و ركعتي الفجر، فتأمل.

لكن على كل حال قيل قد تطلق صلاة الليل كما في الصحيح و غيره (2) على الثلاثة عشر ركعة بدخول ركعتي الفجر المسماتين بالدساستين، ل

قولهم (عليهم السلام) (3): «دس بهما في صلاة الليل دسا»

و الأمر سهل بعد معلومية استحباب الجميع، و إن اختصت كثير من الأخبار المرغبة بصلاة الليل مثلا، لكن قد سمعت فيما سبق الإجماع عن خلاف الشيخ على أن ركعتي الفجر أفضل من الوتر، و هو المحكي

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6 و 7 و 9.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 6 و 1.

(3) الوسائل- الباب- 50- من أبواب المواقيت- الحديث 1 و 6 و 8 مع اختلاف في اللفظ.

28

عن تصريح ابن بابويه و غيره، و هما المعنيان بقوله تعالى (1) «وَ إِدْبارَ النُّجُومِ» في الصحيحين (2) و المشهودتان لملائكة الليل و النهار كما في الخبر (3) و عن

النبي (صلى الله عليه و آله) «صلوهما و لو طردتكم الخيل» (4) و «انهما خير من الدنيا و ما فيها» (5) و روي «انه (صلى الله عليه و آله) لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه عليهما» (6)

و الوتر كما قيل أفضل من باقي صلاة الليل للاكتفاء به مع ركعتي الفجر، كما في خبر معاوية بن وهب (7) عن الصادق (عليه السلام) «أ ما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح و يوتر و يصلي ركعتي الفجر فيكتب له صلاة الليل»

و ل قول الصادق (عليه السلام) (8): «من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر»

ففضلها حينئذ على العكس من ترتيب فعلها، فلا يتوهم حينئذ من إطلاق صلاة الليل على الأحد عشر أو الثمانية اختصاصها بما ورد فيها مما تواترت به النصوص من فضل الصلاة الليل، و شدة طلبها، و الحث عليها، و الوصية بها، فضلا عن إجماع المسلمين، و ما دل عليه القرآن المبين، بل في الاعتبار بعد التأمل و التدبر ما يشهد لما في الآثار كما هو واضح لأولي الأبصار وضوح الشمس في رابعة النهار، نعم ركعتا الفجر مستقلة في الطلب لا يتوقف استحباب فعلها على فعل باقي صلاة الليل، بل الظاهر كون صلاة الوتر كذلك، كما

____________

(1) سورة الطور- الآية 49.

(2) الوسائل- الباب- 33- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2 و 3.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد- الفرائض- الحديث 19.

(4) سنن أبي داود ج 2 ص 28 الرقم 1258.

(5) صحيح مسلم ج 2 ص 160.

(6) سنن أبى داود ج 2- ص 26- الرقم 1254.

(7) الوسائل- الباب- 46- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

(8) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.

29

يشهد له بعض النصوص (1) مع الأصل، بل لا يبعد ذلك في الثمانية و أبعاضها و بعض الوتر، وفاقا للعلامة الطباطبائي للأصل، و لتحقق الفصل المقتضي للتعدد، و لعدم وجوب إكمال النافلة بالشروع، و لأنها شرعت لتكميل الفرائض، فيكون لكل بعض قسط منه، فيصح الإتيان به وحده، و لذا أجاز الإتيان بنافلة النهار بدون الليل و بالعكس، و بنافلة كل من الصلوات الخمس مع ترك الباقي، و إن ذكر الجميع بعدد واحد في النص و الفتوى، إذ المنساق منه إلى الذهن عدم اشتراط الهيئة الاجتماعية في الصحة، كما يومي اليه الزيادة و النقصان في النصوص السابقة.

و من هنا تعرف البحث حينئذ في تبعيض صلاة الزوال و العصر و المغرب، إذ الجميع من واد واحد، و الاشكال بأن صلاة الليل مثلا عبادة واحدة فلا تتبعض سار في الكل، و دفعه بمنع الاتحاد الذي يمتنع معه التبعيض متجه في الجميع، و الجمع بالعدد كالثمان و الأربع مثلا هنا لا يقتضيه، فتأمل.

[آداب صلاة الليل و ادعيتها]

و تمام الكلام في صلاة الليل و في الأدعية و الآداب المتقدمة عليها و في أثنائها و بعدها و غير ذلك يطلب من الكتب المعدة لمثل ذلك، إلا أنه ينبغي أن لا نخلي كتابنا هذا من جملة منه، فنقول:

قال الباقر (عليه السلام) في الصحيح (2) «إذا قمت بالليل من منامك فقل: الحمد لله الذي رد علي روحي لأحمده و أعبده، فإذا سمعت صوت الديوك فقال: سبوح قدوس رب الملائكة و الروح، سبقت رحمتك غضبك، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، عملت سوء و ظلمت نفسي فاغفر لي و ارحمني، انه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فإذا قمت فانظر في آفاق السماء و قال: اللهم انه لا يوارى عنك ليل ساج، و لا سماء ذات أبراج، و لا أرض ذات مهاد، و لا ظلمات بعضها فوق بعض،

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.

(2) فروع الكافي- ج 1 ص 445 المطبوعة بطهران عام 1377.

30

و لا بحر لجي، تدلج بين يدي المدلج من خلقك، تعلم خائنة الأعين و ما تخفى الصدور، غارت النجوم و نامت العيون، و أنت الحي القيوم، لا تأخذك سنة و لا نوم، سبحان رب العالمين، و إله المسلمين، و الحمد لله رب العالمين، ثم اقرأ خمس آيات من آخر آل عمران «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ- إلى قوله- إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ» ثم استك و توضأ، فإذا وضعت يدك في الماء فقال: بسم الله و بالله، اللهم اجعلني من التوابين، و اجعلني من المتطهرين، فإذا فرغت فقال: الحمد لله رب العالمين، فإذا قمت إلى صلاتك فقل:

بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله و بالله و من الله و إلى الله و ما شاء الله و لا حول و لا قوة إلا بالله، اللهم اجعلني من زوارك، و عمار مساجدك، و افتح لي باب توبتك، و أغلق عني باب معصيتك و كل معصية، الحمد لله الذي جعلني ممن يناجيه، اللهم أقبل علي بوجهك، جل ثناؤك، ثم افتتح الصلاة بالتكبير»

الحديث.

و يستحب أن يصلي أمام صلاة الليل ركعتين خفيفتين يقرأ في أولهما بقل هو الله أحد، و في ثانيهما قل يا أيها الكافرون، و يسميان بصلاة الورد و الافتتاح، و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) انه كان يدعو بعدهما بالدعاء الذي أوله «اللهم إليك حنت قلوب المخبتين»

إلى آخره. و هو دعاء عجيب، و روى الشيخ (2) في المصباح عن علي بن الحسين (عليهما السلام) غيره، كما انه روى عنه (ع) (3) دعاء آخر أيضا في أثنائهما.

و يستحب أيضا أن يتوجه فيهما بالتكبيرات السبعة، و الأدعية الثلاثة، لأنها إحدى الصلوات الست أو السبعة بزيادة الوتيرة التي ينبغي فعل ذلك فيها، بل ربما قيل إن المشهور استحباب التوجه في كل فرض و نفل، نعم يتأكد في أول صلاة الليل

____________

(1) المستدرك- الباب- 35- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 2.

(2) مصباح المتهجد للشيخ ص 94.

(3) مصباح المتهجد للشيخ ص 93.

31

و مفردة الوتر، و لا بأس به لظاهر النصوص (1) و شذ المرتضى في قصره ذلك على الفرائض فيما حكي عن محمدياته، كظاهر خلاف الشيخ، مع أن الموجود فيما حضرني من نسخته استحباب التوجه في الفرائض، و في سبعة مواضع من النافلة، بل ظاهره الإجماع فيها عليه، و كيفية التكبيرات و الدعاء بينها معلوم في محله، و الظاهر أن دعاء التوجه الذي هو أحد الثلاثة يكون بعد السبعة لا بينها، و إن أوهمته بعض العبارات، و لا بأس في قراءة

«يا محسن قد أتاك المسيء»

بعد السادسة و الخامسة، بل في مصابيح الطباطبائي الظاهر أن محله بعد الإقامة قبل التكبيرات، و الأمر سهل بعد الاكتفاء بنية القربة المطلقة، و يجوز الولاء في التكبيرات من غير دعاء، و القطع على الوتر من الواحدة إلى السبع، بل و على الشفع مع الإتيان بالأدعية ولاء، و بالأولين و لو مع التفريق و ان لم يكمل السبع، بل و غير ذلك لكن مع نية القربة المطلقة، و في المصابيح أن فيه وجهين، و لعله يريد مع ملاحظة نية الخصوصية، و الله أعلم.

و أما يقرأ في صلاة الليل فستعرف الكلام فيه عند تعرض المصنف له في بحث القراءة، كما أنك تعرف البحث في وقتها إن شاء الله كذلك، بل و البحث في الوتر انه الثلاث أو الواحدة، و في الفصل و الوصل.

ثم انه قد يستفاد من بعض النصوص كما عن الإسكافي التصريح به استحباب التفريق في صلاة الليل، كما كان يفرقها النبي (صلى الله عليه و آله) ففي

خبر معاوية بن وهب (2) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول و ذكر صلاة النبي (صلى الله عليه و آله) قال: كان يأتي بطهور فيخمر عند رأسه، و يوضع سواكه تحت فراشه، ثم ينام ما شاء الله، فإذا استيقظ جلس ثم قلب بصره في السماء، ثم تلا الآيات من آل عمران

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب تكبيرة الإحرام من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

32

ثم يستن و يتطهر، ثم يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات، على قدر قراءته ركوعه، و سجوده على قدر ركوعه، يركع حتى يقال متى يرفع رأسه، و يسجد حتى يقال متى يرفع رأسه، ثم يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران و يقلب بصره في السماء، ثم يستن و يتطهر و يقوم إلى المسجد و يصلي الأربع ركعات كما ركع قبل ذلك، ثم يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثم يستيقظ و يجلس و يتلو الآيات من آل عمران، و يقلب بصره في السماء، ثم يستن و يتطهر و يقوم إلى المسجد فيوتر و يصلي الركعتين، ثم يخرج إلى الصلاة»

و نحوه غيره (1) و ان لم يكن بتمام هذا التفريق، و احتمال اختصاص ذلك بالنبي (صلى الله عليه و آله) كما يلوح من الذكرى يدفعه أصالة الاشتراك، و الأمر بالتأسي، بل في صحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) بعد ذكره التفريق عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»

مشيرا به إلى عدم الاختصاص، مضافا إلى ما في صحيح زرارة (3) السابق «ان قويت فصلها كما كانت تصلي، إذ كما ليست في ساعة من ساعات النهار فليست في ساعة من ساعات الليل، إن الله عز و جل يقول وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ» و خبر ابن بكير (4) عن الصادق (عليه السلام) أيضا «ما كان يحمد الرجل يقوم من آخر الليل فيصلي صلاته ضربة واحدة ثم ينام و يذهب»

إلى غير ذلك، و لا ينافيه ما دل (5) من الأخبار على جواز الصلاة دفعة واحدة في آخر الليل كما هو الغالب من أكثر الناس، إذ أقصاه الاذن في ذلك، و هو لا ينافي أفضلية التفريق، هذا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث- 4 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث- 2 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث- 3.

(4) الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث- 5 من كتاب الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 54- من أبواب المواقيت- الحديث- 3 من كتاب الصلاة.

33

و لكن ستعرف فيما يأتي اتفاق كلمات الأصحاب على أفضلية فعلها في آخر الوقت على غيره، و تعرف أيضا تمام الكلام في هذه النصوص، و الله أعلم.

و يستحب أيضا الاستغفار في الوتر سبعين مرة، ينصب اليسرى و يعد باليمنى كما في النص (1) و ينبغي أن يكون استغفاره بأن يقول:

«أستغفر الله و أتوب إليه» كما فعله الصادق (عليه السلام)

و هل يعتبر فيه اللفظ الصريح، مثل أستغفره، و رب اغفر لي و غيرهما، لظاهر ذلك، لأنه المتبادر كالتسبيح و التحميد و التكبير التي معانيها ألفاظ مأخوذة منها، و في الحسن (2) عن الصادق (عليه السلام) «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يستغفر غداة كل يوم سبعين مرة، قلت: كيف كان يقول؟ قال: كان يقول: أستغفر الله سبعين مرة، و يقول: أتوب إلى الله أتوب إلى الله سبعين مرة»

هذا.

و لكن لا يخفى عليك عدم اعتبار العدد المخصوص و لا الكيفية و لا غيرها في وظيفة الاستغفار بالأسحار، بل و لا كونه في الوتر، لصدق الاسم و عموم اللفظ في الآية (3) و غيرها، فما ورد (4) من تفسير ذلك بالاستغفار سبعين مرة في صلاة الوتر محمول على الفرد الأكمل، و أما اعتبار المواظبة و الاستمرار فيه ففيه وجهان، من دلالة ظواهر الكتاب و السنة عليه، و من عدم تعقل الاشتراط بشرط لاحق لمشروط سابق، و الحق اعتبارهما في استحقاق مدح المستغفرين بالأسحار لا في استحباب الاستغفار في السحر، و إن كان الثاني من لوازم الأول، و عن

العياشي عن زرارة (5) قال أبو جعفر (عليه السلام): «من دام على صلاة الليل و الوتر و استغفر الله في كل وتر سبعين مرة و واظب

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القنوت من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذكر- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(3) سورة الذاريات- الآية 18.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القنوت- الحديث 7 من كتاب الصلاة.

(5) المستدرك- الباب- 8- من أبواب القنوت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

34

على ذلك سنة كتب من المستغفرين بالأسحار»

و نحوه خبر أبي بصير (1) و صحيح عمر بن يزيد (2) في أن من واظب على ذلك في الوتر سنة كتب من المستغفرين بالأسحار، بل في المرسل (3) عن جنة الأمان أربعين ليلة، و الأولى في كيفية الاستغفار الإتيان باللفظ المأثور، و اتباع النقل الوارد فيه، إما في السحر كالاستغفار المنقول في صلاة الوتر و الوارد في تعقيب ركعتي الفجر، أو مطلقا نحو ما

روي في الصحيح (4) عن الصادق (عليه السلام) «من عمل سيئة أجل فيها سبع ساعات من النهار، فان قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ثلاث مرات لم تكتب عليه»

و في الخبر (5) عنه (عليه السلام) «ما من مؤمن يقارف في يومه و ليلته أربعين كبيرة فيقول و هو نادم: «أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم بديع السماوات و الأرض ذا الجلال و الإكرام، و أسأله أن يصلي على محمد و آل محمد، و أن يتوب علي» إلا غفرها الله عز و جل له، و لا خير فيمن يقارف في يومه و ليلته أكثر من ذلك».

و يستحب أن يقول في الوتر أيضا:

ما كان يقوله النبي (صلى الله عليه و آله) (6) «هذا مقام العائذ بك من النار سبع مرات» و علي بن الحسين (عليهما السلام) (7) «العفو العفو ثلاثمائة مرة»

و الدعاء فيه بالمأثور، قيل و لأربعين مؤمنا و أزيد قبل الدعاء لنفسه، بل قيل: و الأولى كونهم من أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام)، و يزيد عليهم ما شاء، و لم نقف على خبر بالخصوص في الأخير، كما أن الذي عثرنا عليه مطلق استحباب الدعاء للأربعين قبل دعائه لنفسه كي يستجاب له

____________

(1) المستدرك- الباب- 8- من أبواب القنوت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القنوت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(3) المستدرك- الباب- 8- من أبواب القنوت- الحديث 6 من كتاب الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 85- من أبواب جهاد النفس- الحديث 2 من كتاب الجهاد.

(5) الوسائل- الباب- 47- من أبواب جهاد النفس- الحديث 3 من كتاب الجهاد.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القنوت- الحديث 4 من كتاب الصلاة.

(7) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القنوت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.

35

لا في خصوص الوتر، إلا أنه لما كان هذا لطلب العفو و الرحمة و غيرهما استحق ذكر كل ما له مدخلية في استجابة الدعاء، بل قد يقال إن اشتهار ذلك بين الأصحاب فتوى و عملا لا يكون إلا عن نص و إن لم يصل إلينا، و لعله للاستغناء بهذه الشهرة عنه كما هو الشأن في كل إجماع لا نص فيه، فالأمر سهل و إن لم نقف فيه على نص، نعم ورد (1) أنه يدعو فيه على من يشاء من أعدائه و يسميهم بأسمائهم، و أن يقول: إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر ما عن

أبي الحسن الأول (عليه السلام) (2): «هذا مقام من حسناته نعمة منك، و شكره ضعيف، و ذنبه عظيم، و ليس لذلك إلا رفقك و رحمتك، فإنك قلت في كتابك المنزل على لسان نبيك المرسل (صلواتك عليه و آله) «كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ، وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (3) طال هجوعي و قل قيامي، و هذا السحر و أنا أستغفرك لذنوبي استغفار من لا يجد لنفسه ضرا و لا نفعا و لا موتا و لا حياة و لا و لا نشورا، ثم يخر ساجدا»

و أن يقول إذا انصرف من الوتر أيضا ما

عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) «سبحان ربي الملك القدوس العزيز الحكيم ثلاث مرات، ثم يقول:

يا حي يا قيوم يا بر يا رحيم يا غني يا كريم ارزقني من التجارة أعظمها فضلا، و أوسعها رزقا، و خيرها لي عاقبة، فإنه لا خير فيما لا عاقبة له»

و غير ذلك مما هو معلوم بملاحظة الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام).

و كذا

يستحب له الفصل بين صلاة الغداة و نافلتها

المدسوسة في صلاة الليل باضطجاعه على الجانب الأيمن، و يقرأ الخمس آيات من آخر آل عمران، و يدعو بالمأثور، أو بسجدة كما هو مقتضى الجمع بين النصوص، لكن في الذكرى قال الأصحاب:

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب القنوت من كتاب الصلاة.

(2) البحار ج 18 ص 591 من طبعة الكمباني.

(3) سورة الذاريات- الآية 17 و 18.

(4) الفقيه- ج 1 ص 313 من طبعة النجف.

36

و يجوز بدل الضجعة السجدة و المشي و الكلام، إلا أن الضجعة أفضل، و هو متجه في غير السجدة، و قال الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن يزيد (1): «ان خفت السهرة في التكأة فقد يجزيك أن تضع يدك على الأرض و لا تضطجع، و أومأ بأطراف أصابعه من كفه اليمنى فوضعها في الأرض قليلا».

و يستحب أيضا بينهما الصلاة على محمد و آله مائة مرة، و أن يقول: «سبحان ربي العظيم و بحمده أستغفر الله و أتوب إليه» مائة مرة، و قراءة الإخلاص أحد عشر مرة، فإن من قرأها كذلك لم يتبعه في ذلك اليوم ذنب و إن رغم أنف الشيطان، و من قرأها أحد و عشرين بنى الله له بيتا في الجنة، و من قرأها أربعين غفر الله له و يكره النوم بين صلاة الليل و الفجر كما عن الشيخ و الفاضلين القطع بها، لخبر ابن بكير السابق (2) و ل

قول أبي الحسن الأخير (عليه السلام) في خبر المروزي (3) «إياك و النوم بين صلاة الليل و الفجر، و لكن ضجعة بلا نوم، فان صاحبه لا يحمد على ما قدم من صلاته»

لكن الظاهر ان ذلك حيث يكون إتمامه صلاته قريبا من الفجر، أما إذا قدمها قريبا من نصف الليل فلا، و لعله عليه ينزل

خبر زرارة (4) عن الباقر (عليه السلام) «انما على أحدكم إذا انتصف الليل أن يقوم فيصلي صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة، ثم إن شاء جلس و إن شاء نام و إن شاء ذهب حيث شاء»

و في الوسائل انه يدل على الجواز و ما سبق على الكراهة، فلا منافاة، و مقتضاه ثبوت الكراهة مطلقا، و فيه صعوبة، بل لعله ينافيه

خبر زرارة (5) عن الباقر (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب التعقيب- الحديث 5 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 53- من أبواب المواقيت- الحديث 5 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 35- من أبواب التعقيب- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 35- من أبواب التعقيب- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 51- من أبواب المواقيت- الحديث 9 من كتاب الصلاة.

37

«إني لأصلي صلاة الليل و أفرغ من صلاتي و أصلي الركعتين فأنام ما شاء الله قبل أن يطلع الفجر، فان استيقظت عند الفجر أعدتهما»

أي الركعتين و الله أعلم.

و كيف كان فقد ظهر لك مما مر تأكد هذه النوافل، و انه لا ينبغي تركها على حال، لكن في الذكرى قد تترك النافلة لعذر، و منه الهم و الغم ل

رواية علي بن أسباط (1) عن عدة منا «ان الكاظم (عليه السلام) كان إذا اهتم ترك النافلة»

و عن معمر بن خلاد (2) عن الرضا (عليه السلام) مثله، قال في المدارك: و في الروايتين قصور من حيث السند، و الأولى أن لا تترك النافلة بحال، للحث الأكيد عليها في النصوص المعتمدة، و قول أبي جعفر (عليه السلام) (3): «ان تارك هذا- يعني النافلة- ليس بكافر، و لكنها معصية، لأنه يستحب إذا عمل الرجل عملا من خير أن يدوم عليه» و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (4) الوارد فيمن فاته شيء من النوافل: «إن كان شغله في طلب معيشة لا بد منها أو حاجة لأخ مؤمن فلا شيء عليه، و ان كان شغله لدنيا يتشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء، و إلا لقي الله عز و جل و هو مستخف متهاون مضيع لحرمة رسول الله (صلى الله عليه و آله)»

و نحوه في الذخيرة، و فيه انه قد يجمع بين النصوص بإرادة الترك أداء و قضاء من الأخيرين كما يشعر به الصحيح الثاني، و الأداء خاصة من الأولين، و ربما يؤيده الاعتبار، ضرورة انه مع حصول الهم و الغم لا إقبال له بحيث يكون بين يدي ربه و يخاطبه، فتأمل جيدا.

ثم لا يخفى ان ظاهر ما سمعته من الأخبار السابقة بل و الفتاوى أن تمام النوافل في الليل و النهار إحدى و خمسون ركعة بمعنى هي التي يستحب مؤكدا فعلها في كل

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.

38

يوم و ليلة في الأوقات المخصوصة، لا التي يتفق عروض استحبابها في خصوص بعض الأيام أو الليالي أو لبعض العوارض أولا وقت مخصوص لها أصلا، و مع ذلك كله فالظاهر إرادة النوافل المتعارفة المستعملة من ذلك، و إلا فالمستفاد من النصوص أزيد من ذلك كما لا يخفى على المتصفح لها.

[صلاة الغفيلة]

و منها ما ذكره غير واحد من الأصحاب الركعتان المسماتان بركعتي الغفيلة اللتان تصليان بين المغرب و العشاء، ففي

خبر هشام بن سالم (1) عن الصادق (عليه السلام) المروي في مصباح الشيخ و فلاح السائل «من صلى بين العشاءين ركعتين يقرأ في الأولى الحمد، و قوله تعالى: «وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً إلى الْمُؤْمِنِينَ» (2) و في الثانية الحمد و «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ» (3) إلى آخر الآية. فإذا فرغ من القراءة رفع يديه و قال: «اللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها غيرك أن تصلي على محمد و آل محمد و أن تفعل بي كذا و كذا- و تقول-: أنت ولي نعمتي و القادر على طلبتي و تعلم حاجتي أسألك بمحمد و آله عليه و (عليهم السلام) لما قضيتها لي» و سأل الله حاجته أعطاه الله ما سأل» مع زيادة في الثاني «لا تتركوا ركعتي الغفيلة و هما ما بين العشاءين»

و في خبر وهب و السكوني (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): تنفلوا في ساعة الغفلة و لو بركعتين خفيفتين، فإنهما يورثان دار الكرامة، قيل: يا رسول الله و ما ساعة الغفلة؟ قال: ما بين المغرب و العشاء» و عن ابن طاوس روايته كذلك بزيادة «قيل: يا رسول الله و ما معنى خفيفتين؟

قال: يقرأ فيهما الحمد وحدها»

مضافا إلى ما ورد في هذه الساعة مما يناسب الصلاة

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 2.

(2) سورة الأنبياء- الآية 87 و 88.

(3) سورة الأنعام- الآية 59.

(4) المستدرك- الباب- 15- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 2.

39

فيها، ف

عن الباقر (عليه السلام) (1) «إن إبليس لعنه الله انما يبث جنوده جنود الليل من حين مغيب الشمس إلى حين مغيب الشفق، و يبث جنود النهار من حين مطلع الفجر إلى طلوع الشمس، و عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه كان يقول: أكثروا من ذكر الله تعالى في هاتين الساعتين، و تعوذوا بالله عز و جل من شر إبليس لعنه الله و جنوده، و عوذوا صبيانكم فيهما، فإنهما ساعتا غفلة» و عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى (2) «وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها» ان كان دخول كان فيما بين المغرب و العشاء (3)

إلى غير ذلك.

و ظاهر الذكرى ان ركعتي الغفيلة غير الركعتين اللتين يقرأ فيهما الآيتان السابقتان، قال فيها: «السادس عشر يستحب ركعتان ساعة الغفلة، و قد رواها الشيخ بسنده عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام)- و ذكر خبر السكوني السابق ثم قال-: و يستحب أيضا بين المغرب و العشاء ركعتان يقرأ في الأولى بعد الحمد و وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً إلى آخر ما سمعت» و لعل الذي دعاه إلى ذلك اعتبار قراءة الآيتين في أحدهما، و اعتبار الخفة المفسرة بقراءة الحمد وحدها في الآخر، و فيه أولا أن ظاهر «لو» الوصلية في خبر السكوني عدم اعتبار الخفة شرطا كي ينافي اعتبار قراءة الآية، بل أقصاه الاذن في تركهما، بل ظاهره انه الفرد الأدنى. و ثانيا أنه قد يراد بالوحدة في تفسير الخفة عدم قراءة سورة أخرى لا مطلق غير الحمد و لو آية. و ثالثا أن الزيادة التي سمعتها في الفلاح كالصريحة في الاتحاد، ضرورة بعد احتمال إرادة النهي عن ترك ركعتي الغفيلة في حد ذاتهما، لا أن المراد الإشارة إلى الركعتين السابقتين. و رابعا أنه قد يكون من

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب التعقيب- الحديث 4 مع الاختلاف في اللفظ.

(2) سورة القصص- الآية 14.

(3) مجمع البيان- سورة القصص- الآية 14.

40

ثمراتهما قضاء الحاجة و إن استحبا للوقت أيضا. و خامسا أنه لا دلالة في النصوص على التعدد، إذ أقصى الحاصل منها الأمر بركعتين في ساعة الغفلة، و الأمر بركعتين ما بين المغرب و العشاء يقرأ فيهما كذا، و الغرض أن ما بينهما ساعة الغفلة، فأصالة البراءة و عدم التعدد تقضي باتحاد المراد منهما، و لا ظهور في اللفظ كي يقطعها، بل قد عرفت الظهور بخلافه، إذ الظهور انما يسلم لو كان الأمران من أمر واحد، أما مع تعدده و احتمال إرادة الثاني منهما إبلاغ ما أبلغه الأول منهما فلا.

و قد يقال: إن ذلك كله فيما لو كان الأمران مطلقين أو مقيدين بقيدين متساويين، أما إذا كان أحدهما مطلقا و الآخر مقيدا كما في المقام لو تنزلنا عن دعوى تقييد الآخر منهما أيضا بقيد ينافي القيد الآخر على وجه يستلزم التعدد فهو من المسألة المعروفة، أي وجوب حمل المطلق في المندوبات على المقيد، و لعل التحقيق عدم الحمل، لعدم ظهور الوحدة المقتضية للتنافي الموجب للحمل و إلغاء أحد الدليلين. و دعوى الفهم العرفي ممنوعة، فالحق حينئذ مع الشهيد في التعدد المذكور، و يؤيده ظهور الخبر المزبور في كون الركعتين ذات الآيتين للحاجة لا لساعة الغفلة، مضافا إلى التسامح في السنن، و يدفعه بعد الإغضاء عن حمله (1) منه ظهور خبر ذات الآيتين على ما عن فلاح ابن طاوس في أنهما ركعتا الغفيلة.

و منه يعرف ما في إنكار ركعتي الغفيلة كما عن الأستاذ الأكبر حكاية عن بعضهم، و حمل جميع ما جاء فيها من النصوص على إرادة التأكيد و الحث على نافلة المغرب، لا أن المراد ركعتان غيرهما، ضرورة عدم رجحان قراءة الآيتين في نافلة المغرب، لخلو النصوص و الفتاوى عنها، بل الموجود فيهما قراءة غير ذلك من السور

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و بهامشها «عن جملة».

41

كما لا يخفى على من لاحظهما، فاحتمال إرادة نافلة المغرب من ذلك خصوصا خبر ذات الآيتين في غاية الضعف، و إن كان ربما يؤيده ما سمعته من الأخبار المشتملة على عدد ما يصليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و غيره من الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) مما هو ظاهر أو صريح في عدد لا يندرج فيه الركعتان المزبورتان، و احتمال عدم فعلهم (عليهم السلام) لها يدفعه أنهم أولى من غيرهم بما يأمرون به، و يحثون عليه، و ينهون عن تركه، بل قد يؤيده أيضا حرمة التطوع في وقت الفريضة إلا الرواتب، إذ لا ريب كما قيل في خروج وقت المغرب بالفراغ منها مع نافلتها لو فعلت بتؤدة (1) و دخول وقت العشاء بذهاب الشفق حينئذ، بل لو سلم عدم ذهابه إلا أنه لا إشكال عندنا في جواز إيقاع صلاة العشاء قبل، لتظافر الأخبار (2) بدخول وقت المغرب و العشاء بغروب الشمس إلا أن هذه قبل هذه، قصارى ما هناك خروج راتبة المغرب دون غيرها، فصلاة الغفيلة فيه حينئذ تطوع في وقت الفريضة، و فيه أولا أن الظاهر كون المراد بالنصوص السابقة بيان تمام ما يقع منه من الرواتب المعروفة المشهورة التي لها تعلق بالفرائض لا حصر جميع ما يقع منهم من الصلاة، و كيف و قد ورد (3) عنهم أنهم (عليهم السلام) يصلون في اليوم و الليلة ألف ركعة. و ثانيا ما قيل من أن اسم الوقت إذا أطلق فإنما يراد ما ضرب لها وحدت به في الاختيار من غيبوبة الشفق لا ما رخص فيه لذوي الأعذار و إن خفت أو في الأسفار، و الذي دل على دخول وقت الثانية بالفراغ من الأولى انما جاء في الثاني دون لأول ردا على أهل الخلاف في منعهم من الجمع ردا على الله و رسوله (صلى الله بثقل «مجمع البحرين»

____________

(1) التؤدة بضم التاء كهمزة من الوئيد و هي السكون و الرزانة و التأني و المشي.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب أعداد الفرائض.

42

عليه و آله) و لذلك تظافرت النصوص به، لأن (1) ذلك هو الوقت الموظف لها بحيث يحرم فيه التطوع، فتأمل جيدا. و ثالثا أنه كما خرجت الرواتب بالدليل فكذا الغفيلة، لتظافر النصوص باستحبابها.

[استحباب ما يتمكن من النوافل بين المغرب و العشاء]

انما البحث حينئذ في المراد بقول (عليه السلام): «ما بين المغرب و العشاء» فهل هو فعلهما، فتصح حينئذ و إن وقعت بعد أن يذهب الشفق، أو وقت فضيلتهما، فلا تصح حينئذ إلا قبل ذهابه؟ فيشكل حينئذ بأنه لا يتسع لهما و لنافلة المغرب و الفريضة، خصوصا إذا صلى الأخيران بتؤدة، و قد يقال إن الظاهر الأول لكن لا على أن المراد الجواز و إن اتفق تأخير العشاء إلى آخر وقت الاجزاء، بل هو مبني على الغالب من عاداتهم قديما من أنهم كانوا إذا فرغوا من المغرب و نافلتها انفضوا إلى منازلهم حتى إذا ذهب الشفق و نادى المؤذن بالصلاة أقبل الناس يتسارعون، و كان النبي (صلى الله عليه و آله) يرغب في تأخيرها في الجملة مراعاة للناس لاشتغالهم بالعشاء و قضاء الحاجة و تجديد الطهارة و الاستراحة و نحو ذلك، و يمكث (صلى الله عليه و آله) كيما يفرغوا و يجتمعوا حتى نادى جفاتهم نام الناس و الصبيان.

فمن المحتمل انه (صلى الله عليه و آله) ندبهم إلى التطوع في هذا الوقت بهذه الصلاة و غيرها، كصلاة الوصية التي رواها

الشيخ في مصباحه (2) عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: أوصيكم بركعتين بين العشاءين يقرأ في الأولى الحمد و إذا زلزلت ثلاث عشرة مرة، و في الثانية الحمد و قل هو الله أحد خمس عشرة مرة، فإن من فعل ذلك كل شهر كان من المتقين، فان فعل كل سنة مرة كتب من المحسنين، فان فعل في كل جمعة مرة كتب من المصلين، فان فعل ذلك في كل

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و بهامشها «لا أن».

(2) مصباح المتهجد للشيخ ص 76.

43

ليلة زاحمني في الجنة، و لم يحص ثوابه إلا الله»

و كركعتين أخريين

رواهما (1) هو فيه أيضا «يقرأ في الأولى منهما الحمد و عشر آيات من أول البقرة و آية السخرة وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ إلى قوله يَعْقِلُونَ، و قل هو الله أحد خمس عشرة مرة، و في الثانية الحمد و آية الكرسي و آخر سورة البقرة لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ إلى آخرها، و قل هو الله أحد خمس عشرة مرة، و يدعو بعدها بما أحب، ثم يقول- إلى آخره- و يقول عشر مرات أستجير بالله من النار، و عشر مرات أسأل الله الجنة، و عشر مرات أسأل الله الحور العين» و كأربع ركعات أخر هو رواها (2) فيه أيضا «يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، و خمسين مرة قل هو الله أحد» قال: «روي أن من فعل ذلك انفتل من صلاته و ليس بينه و بين الله تعالى ذنب إلا و قد غفر له»

و كعشر ركعات هو

رواها (3) فيه أيضا «يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، و قل هو الله أحد مرة قبل أن يتكلم إذا فرغ من نوافل المغرب، فإنه يعدل عتق عشر رقاب»

إلى غير ذلك مما هو لأجل تأخير العشاء و عدم الغفلة و النوم قبل صلاتها.

بل قد يستفاد من قوله (صلى الله عليه و آله): «و لو بركعتين خفيفتين» استحباب ما يتمكن من النوافل كما صرح به في المصباح أيضا، و إلا لو أريد بما بين العشاءين الوقت لم يسع لذلك كله قطعا، بل و لا أكثره، و قد يناقش بأن فعل ذلك كله لا يسعه ما تعارف من الفصل بين الفريضتين أيضا و لو بعد ذهاب الشفق في الجملة، بل هو يقضي بتأخير العشاء إلى غير المتعارف قطعا، خصوصا إذا فعل مع ذلك ما رواه الشيخ (4) في كيفية أداء الراتبة و ما يقال فيها و قبلها و بعدها، و من الغريب أنه هو

____________

(1) مصباح المتهجد للشيخ ص 76.

(2) مصباح المتهجد للشيخ ص 77.

(3) مصباح المتهجد للشيخ ص 77.

(4) مصباح المتهجد للشيخ ص 20.

44

(رحمه الله) قال بعد أن روى ذلك كله: «فإذا غاب الشفق فأذن للعشاء الآخرة» إلى آخره. و ظاهره إيقاع ذلك كله قبل ذهاب الشفق، و قد عرفت أنه لا يسعه الأول فضلا عن الثاني، اللهم إلا أن يريد بالأذان بعد غيبوبة الشفق و لو مع فاصل طويل لا ابتداء غيبوبته، و يدفع بأن ذلك وارد على الغالب في عادة الناس من عدم فعل الجميع، بل الأوحدي منهم انما يفعل البعض، فهو نظير ما ورد من المستحبات في الليل و النهار مما يقطع الواقف عليها بعدم سعتهما له، و لا مخلص منه إلا بما ذكرنا، أو يدفع بالتزام تأخير العشاء إلى مضي الثلث من الليل كما هو المحكي عن فعل الرضا (عليه السلام)، و الله أعلم، و لقد طال بنا الخطاب حتى خرجنا عما عزمنا عليه من وضع الكتاب، و الإنسان ذو شؤون، و الحديث ذو شجون.

[في سقوط نوافل النهار في السفر]

و كيف كان فظاهر تقييد المصنف العدد المذكور بالحضر أنها ليست كذلك في غيره، و هو كذلك، إذ تسقط في السفر نوافل الظهر و العصر بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل في صريح الروضة و ظاهر السرائر أو صريحها و عن الخلاف و غيره الإجماع عليه، كظاهر الذكرى و عن المعتبر و المنتهى، بل و الأمالي حيث نسبه إلى دين الإمامية، و هو الحجة، مضافا إلى النصوص المعتبرة المستفيضة المروية في الكتب الأربع و غيرها، فمنها

خبر أبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء إلا المغرب، فان بعدها أربع ركعات، لا تدعهن في سفر و لا حضر، و ليس عليك قضاء صلاة النهار، و صل صلاة الليل و اقضه»

و نحوه غيره (2) بل في خبر أبي يحيى الحناط (3) النص على نافلة النهار، قال: «سألت الصادق (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر فقال: يا بني لو صلحت النافلة بالنهار

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.

45

في السفر تمت الفريضة»

كصحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن الصلاة تطوعا في السفر قال: لا تصل قبل الركعتين و لا بعدهما شيئا نهارا»

إلى غير ذلك من النصوص، لكن ظاهر بعضها إن لم يكن صريحه اختصاص ذلك بنوافل النهار، و إن كان في اندراج مثل الأربعة الزائدة يوم الجمعة فيها نظر و تأمل كما عن الحواشي المنسوبة إلى الشهيد من الإطلاق، و من احتمال انصرافه إلى غيرها، و لعل الظاهر من الأخبار الأول، فتأمل.

[عدم سقوط نافلة العشاء في السفر]

و على كل حال فظاهر الأدلة نافلة النهار دون نافلة الليل و الفجر المدسوسة بها، و هو كذلك بلا خلاف أجده فيه فيما عدا الوتيرة، بل قد سمعت التصريح في خبر أبي بصير السابق بعدم سقوط نافلة المغرب، و النهي عن تركها سفرا و حضرا، و نحوه غيره كخبر الحرث بن المغيرة (2) و خبر سماعة (3) و خبر أبي الحرث (4) و غيرها (5) بل في خبر رجاء بن أبي الضحاك (6) عن الرضا (عليه السلام) التصريح بعدم سقوط غيرها أيضا، قال: «كان في السفر يصلي فرائضه ركعتين ركعتين إلا المغرب، فإنه كان يصليها ثلاثا، و كان لا يدع نافلتها، و لا يدع صلاة الليل و الشفع و الوتر و ركعتي الفجر في سفر و لا حضر، و كان لا يصلي من نوافل النهار في السفر شيئا»

و في خبر آخر (7) «كان أبي لا يدع ثلاث عشرة ركعة بالليل في سفر و لا حضر»

إلى غير ذلك من النصوص التي لا فائدة في ذكرها، إذ قد عرفت أنه لا خلاف بين الأصحاب في عدم سقوط نافلة المغرب و الليل و الفجر.

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض.

(6) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.

(7) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

46

و لكن الكلام في الوتيرة خاصة من نوافل الليل، فالمشهور كما حكاه غير واحد السقوط، بل في الرياض انها شهرة كادت تكون إجماعا، بل عن المنتهى نسبته إلى ظاهر علمائنا مشعرا بالإجماع عليه، كظاهر الغنية، بل هو صريح السرائر، لإطلاق

بعض النصوص (1) «ان الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء»

مع اقتصار آخر (2) على استثناء المغرب خاصة، فإن بعدها أربع ركعات، و لإشعار خبر أبي يحيى الحناط المتقدم باستلزام مشروعية النافلة الإتمام، بل أوضح منه إشعار

خبر الفضل بن شاذان (3) المشتمل على العلل التي سمعها من الرضا (عليه السلام)، قال فيه:

«انما قصرت الصلاة في السفر لأن الصلاة المفروضة أولا انما هي عشر ركعات، و السبع انما زيدت فيها، فخفف الله عز و جل عن العبد تلك الزيادة لموضع سفره و تعبه و نصبه و اشتغاله بأمر نفسه و ظعنه و إقامته لئلا يشتغل عما لا بد منه من معيشته، رحمة من الله عز و جل، و تعطفا عليه إلا صلاة المغرب، فإنها لم تقصر، لأنها صلاة مقصرة في الأصل، قال: و انما ترك تطوع النهار و لم يترك تطوع الليل لأن كل صلاة لا يقصر فيها فلا يقصر فيما بعدها من التطوع، و كذلك الغداة لا تقصير فيها فلا تقصير فيما قبلها من التطوع»

بل و أوضح منهما إشعارا

مرسل ابن مهزيار (4) المروي عن المحاسن عن الصادق (عليه السلام) «ما بال صلاة المغرب لم يقصر فيها رسول الله (صلى الله عليه و آله) في السفر و الحضر و لا في نافلتها؟ فقال: لأن الصلاة كانت ركعتين ركعتين فأضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى كل ركعتين ركعتين، و وضعهما عن المسافر، و أقر المغرب على وجهها في السفر و الحضر، و لم يقصر في ركعتي الفجر أن يكون تمام الصلاة سبع عشرة ركعة في السفر و الحضر»

بل يؤيد ذلك كله تعارف

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 10.

47

السؤال عن عدم سقوط نافلة المغرب دونها، و لو أنها غير ساقطة لكانت كذلك، بل هي أولى لقصر فريضتها.

مع أنه لم يقع السؤال عنها إلا في خبر الفضل بن شاذان (1) عن الرضا (عليه السلام) «انما صارت العشاء مقصورة و ليس تترك ركعتاها لأنهما زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتان من التطوع»

و منه لخصوصيته و تعليله و اعتباره سنده- إذ ليس فيه إلا عبد الواحد و علي بن محمد، و هما كما قيل شيخا إجازة، و من الأصل و الإطلاق و الرضوي (2) «و النوافل في السفر أربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس»

إلى آخره. و خبر ابن الضحاك (3) المروي عن العيون عن الرضا (عليه السلام) المشتمل على أحكام كثيرة مفتى بها عند الفقهاء كما قيل، و منها أنه كان يصلي الوتيرة في السفر، و التسامح في السنن، و تقييد بعض النصوص الساقط من النافلة بالنهار (4) و اشتمال آخر (5) على الأمر بصلاة الليل و قضائها مقابل صلاة النهار مما يشعر بإرادة مطلق ما يصلى بالليل لا خصوص الثلاثة عشر، و ظهور الأخبار السابقة في أن الساقط انما هو الراتب، و الوتيرة ليست منها، بل زيدت إما لتدارك الوتر كما دلت عليه بعض النصوص (6) أو لإكمال العدد كما دل عليه آخر (7) مما عرفته سابقا، فلا دلالة حينئذ في أكثر الأخبار السابقة إن لم يكن جميعها، كما أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.

(2) فقه الرضا (عليه السلام) ص 6.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8 لكن رواه في الوسائل عن ابن أبي الضحاك و هو الصحيح كما تقدم في ص 45.

(4) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 8.

(7) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 3.

48

قد يقال بعدم دلالة الإطلاق السابق أيضا بعد ظهوره بملاحظة غيره من الأخبار في إرادة الظهرين من صلاة السفر التي نفي الشيء قبلها و بعدها، بل ربما يجزم به باعتبار أن صلاة العشاء قبلها نافلة المغرب، اللهم إلا أن يراد ليس قبلها لها، فتأمل. و إجماع السرائر ممنوع عليه كما عن كشف الرموز، و معارض بمثله كما ستعرف- كان ظاهر جماعة الترد في الحكم، بل هو صريح آخر، بل عن الشيخ في النهاية و أبي العباس في المهذب التصريح بعدم سقوطها، بل عن الخلاف لا تسقط عن المسافر نوافل الليل إجماعا، بل عن الأمالي من دين الإمامية انه لا يسقط من نوافل الليل شيء و قواه الشهيدان في الذكرى و الروضة، بل مال إليه في الذخيرة، و استجوده في المدارك لولا ضعف خبر ابن أبي الضحاك السابق بعبد الواحد و علي بن محمد كما عن شيخه ذلك أيضا لكن قال: لولا الإجماع.

و فيه أن الخبر الأول قاصر عن معارضة ما سمعته من الأدلة السابقة من وجوه، منها إعراض الأكثر عنه بل الجميع إلا النادر، بل قيل: إن الشيخ قد رجع عنه في جملة من كتبه كالحائريات و الجمل و العقود و المبسوط، و الشهيد و إن قواه في الذكرى لكن قال: إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه مشعرا بنوع تردد فيه، مع أن ظاهر عبارته في اللمعة و الدروس القول بالسقوط، مضافا إلى ما سمعته من دعوى الإجماع صريحا و ظاهرا التي يشهد لها التتبع، فمنه الآبي لها في غير محله، كمعارضتها بدعوى الإجماع من الخلاف و الأمالي الموهونة بذهاب المشهور، و أي شهرة نقلا و تحصيلا إلى السقوط، فهي أولى بالمنع، مع الإغضاء عن إفادة عبارة الأمالي الإجماع، بل قد يدعى عدم اندراج الوتيرة في نوافل الليل التي هي المعقد كعبارة الخلاف، بل هي أولى، إذ هي أضعف منها عموما و خصوصا، مع دعوى الإجماع فيها التي يبعد إرادته لما يشملها،

49

كيف و مظنة الإجماع العكس.

و منها القصور في السند بعبد الواحد و علي الذين لم ينص على توثيقهما، و كونهما شيخي إجازة لا يستلزمها، كالقول بأن الحكم مستحب يتسامح فيه، فلا بأس بالقصور المزبور، ضرورة منع التسامح في المقام كما في الرياض، قال: «لأن الظاهر من السقوط في النصوص و الفتاوى الحرمة، بل صريح كتابي الحديث للشيخ عدم الاستحباب، فيكون تشريعا محرما، و التسامح المزبور عند من يقول به حيث لا يحتمل التحريم، و إلا فلا تسامح قولا واحدا، و ليس في النصوص (1) الدالة على تسويغ قضاء النوافل النهارية في الليل دلالة على مشروعيتها نهارا حتى تجعل دليلا، على أن المراد بالسقوط حيث يطلق الرخصة في الترك و رفع تأكد الاستحباب، و لو سلمت فهي معارضة ببعض الروايات (2) السابقة الدالة على عدم صلاحية النافلة في السفر كعدم صلاحية الفريضة، و عدم الصلاح يرادف الفساد لغة بل و عرفا مع شهادة المساق بذلك» و هو و إن كان جيدا إلا أنه قد يناقش بأن الذي يمنع جريان التسامح هو احتمال الحرمة الغير التشريعية لا هي، و إلا فلا ينفك المستحب المتسامح فيه عن احتمالها الذي لا يلتفت اليه بعد

عموم «من بلغه» (3)

و غيره من أدلة التسامح، بل يمكن منع أصل التشريع بعد فرض أن العبد جاء به لاحتمال انه مراد للسيد، فتأمل. اللهم إلا أن يدعى ظهور النصوص و الفتاوى في غير الحرمة التشريعية هنا، أو يفرق بين التشريعية التي منشأها عدم الدليل المعتبر على المشروعية مثلا مع قطع النظر عن دليل التسامح، و بين التشريعية التي منشأها مخالفة النهي عن الفعل كصلاة الحائض و نحوها، و ما نحن فيه من الثاني لا الأول.

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أعداد الفرائض.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث- 4.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب مقدمة العبادات.

50

و أما خبر ابن أبي الضحاك فلم أجد ذلك فيه فيما حضرني من نسخة العيون، بل الموجود خلافه، و الرضوي ليس بحجة عندنا.

و التقييد بالنهار في النصوص السابقة- مع أنه في كلام السائل في البعض، و في آخر في كلام الامام (عليه السلام) تبعا للسائل، و مبني على حجية مثله، و عمومه قابل للتخصيص أو التقييد بما عرفته من الأدلة كالأصل و الإطلاق السابقين، و كون الحكمة في الوتيرة التدارك أو الإكمال- لا ينافي كونها من الرواتب، خصوصا بعد ذكر النصوص و الفتاوى لها في ضمنها و إدراجها إياها فيها حتى صارت بسببها الصلاة إحدى و خمسين، على أنه لا يعارض الدليل الخاص على سقوطها من الإجماع و غيره مما عرفت، و بذلك كله ظهر لك ما في أدلة عدم السقوط، و أن الأولى خلافه، و من هنا قال المصنف على الأظهر و الله أعلم.

ثم ان ظاهر المصنف كغيره سقوط النوافل المزبورة حتى في الأماكن الأربعة، و فيه نظر إذا اختار المكلف إيقاع فرائضه على وجه التمام الذي هو مستلزم لصلاحية الإتيان بالنافلة، بل لعل من التمام صحة فعلها، و لذا صرح بعضهم كالشهيد و غيره بعدم السقوط حينئذ، بل عن الشيخ نجيب الدين بن نما عن شيخه ابن إدريس أنه لا فرق بين أن يتم الفريضة أولا، و لا بين أن يصلي الفريضة خارجا عنها و النافلة فيها أو يصليهما معا فيها، و لعله لما أشرنا إليه من تبعيتها لصلاحية الإتمام في الفريضة لا لوقوعه منه، كما يومي اليه خبر الحناط (1) المتقدم، فما في المدارك و غيره- من أنه مشكل إذا صلى الفريضة خارجا عنها خصوصا مع تأخر النافلة أو مع تقدمها إذا كان من نيته صلاة الفريضة خارجا عنها- قد يدفع بما عرفت، فتأمل.

و من ذلك تعرف أن الظاهر عدم سقوط النافلة عن المسافر الذي هو بحكم الحاضر

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أعداد الفرائض- الحديث 4.