جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج8

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
446 /
1

-

2

[تتمة القسم الأول في العبادات]

[تتمة كتاب الصلاة]

[تتمة الركن الأول في المقدمات]

[تتمة المقدمة الثالثة في البحث عن القبلة]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[الثالث في ما يستقبل له]

الثالث في ما يستقبل له و يجب الاستقبال شرعا و لو لأنه شرط في فرائض الصلاة مع الإمكان بلا خلاف بين المسلمين، بل هو مجمع عليه بينهم إن لم يكن ضروريا عندهم، و الكتاب (1) كالمتواتر من النصوص (2) دال عليه، بل قد يندرج فيها ما وجب بالعارض من النفل بنذر و نحوه في وجه، كما أنه يندرج في النفل ما كان واجبا بالأصل ثم صار ندبا كصلاة العيد، فيجري حينئذ فيه ما تسمعه من وجوب الاستقبال فيه و عدمه، نعم قد يستثنى من ذلك الفريضة المعادة للاحتياط ندبا، أو لتحصيل فضيلة الجماعة باعتبار مدخلية الاستقبال في موضوع حكم النفل، ضرورة عدم حصول الإعادة و التدارك الذي شرع الاحتياط له بدون الاستقبال و غيره من أحكام الفريضة، و لا فرق في الفرائض بين اليومية و غيرها حتى صلاة الجنازة و الأدائية و القضائية و السفرية و الحضرية، كما أن الظاهر إلحاق ركعات الاحتياط و الأجزاء المنسية بها، بل يقوى إلحاق سجدتي السهو

____________

(1) سورة البقرة- الآية 139.

(2) الوسائل- الباب 1 من أبواب القبلة.

3

كما تسمعه في محله ان شاء الله، و تسمع وجوب الاستقبال بالمذبوح و المنحور عند الذبح و النحر مع الإمكان في محله أيضا إن شاء الله. و أما وجوبه بالميت عند احتضاره و دفنه فقد تقدم الكلام فيه و في كيفيته، و يأتي وجوبه عند الصلاة عليه قال في المهذب هنا بعد أن ذكر الوجوب في أحواله الثلاثة من غير ذكر خلاف: «و يختلف استقباله باختلاف حالاته، ففي الاحتضار يكون مستلقيا، و ظاهر رأسه مستدبرا، و وجهه و باطن قدميه مستقبلا، و في حال الصلاة يكون مستلقيا أيضا، و رأسه الى المغرب، و مقدم جنبه الأيمن مستقبلا، و في حال دفنه يكون مضطجعا، رأسه الى المغرب، و وجهه و بطنه و مقاديم بدنه الى القبلة، و مستند هذا التفصيل نصوص الطائفة و عملهم عليه» انتهى.

[استحباب استقبال القبلة في النوافل]

و أما النوافل ف لا يشترط في صحتها ذلك، نعم الأفضل استقبال القبلة بها فيجوز حينئذ فعلها لغير القبلة اختيارا مطلقا، وفاقا للمحكي عن ابن حمزة، و للفاضل في الإرشاد و عن التلخيص و أبي العباس في المهذب و عن الموجز و كشف الالتباس و مجمع البرهان، بل ربما نقل أيضا عن علم الهدى و الشيخ في الخلاف، بل في مكان المصلي من الذكرى نسبته الى كثير، للأصل و النقل المستفيض كما اعترف به غير واحد أن قوله تعالى (1) «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» نزل في النافلة، فإطلاقه حينئذ حجة على المطلوب، و ما عرفته سابقا من استحباب التنفل في الكعبة مع النهي عن الفريضة للاستدبار، و كلما دل على عدم اشتراطه للراكب و الماشي من غير ضرورة مما ستعرفه من النصوص (2) لاشتراك الجميع في الاختيار، و أولوية المقام بالصحة، للاستقرار، و معلومية عدم

____________

(1) سورة البقرة- الآية 109.

(2) الوسائل- الباب 15 و 16 من أبواب القبلة.

4

وجوب حمل المطلق على المقيد في المندوبات، بل يحمل على الندب في الندب، فينزل حينئذ ما ظاهره الاشتراط لو كان على ذلك، و يبقى الإطلاق سليما، و ظهور

المروي (1) عن مسائل علي بن جعفر في كراهية الالتفات في النافلة المستلزم لعدم وجوب الاستقبال «سأل أخاه عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ فقال: إذا كانت الفريضة و التفت الى خلفه فقد قطع صلاته، و إن كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته و لكن لا يعود»

و لامتناع ندب الفعل و وجوب الكيفية.

و في الجميع نظر، و من هنا كان المشهور نقلا و تحصيلا الاشتراط إلا فيما استثني مما ستعرف، بل قيل إنه المصرح به في جميع كتب الأصحاب إلا ما قل، بل يمكن إرادة ما لا ينافي ذلك من عبارة المصنف و ما ضاهاها التي هي أظهر ما نسب إليها الخلاف بدعوى حملها على بيان أفضلية الصنف من غيره مما رخص فيه بعدم الاستقبال كالصلاة على الراحلة و ما شيئا و غيرهما، لا أنه أفضل من الصلاة مستقرا مستدبرا كي يقتضي الجواز حينئذ، و كذا قوله فيما بعد: «و الى غير القبلة» أو يكون معطوفا على ما قبله على معنى إرادة بيان جواز فعل النافلة على الراحلة سفرا و حضرا و إلى غير القبلة، و لعله لذا قال المحقق الثاني في حاشية الكتاب يلوح من المصنف عدم الاشتراط، و لم يجعله صريحا و لا ظاهرا.

و كيف كان فقد يستدل للمطلوب بالتأسي بناء على عدم اشتراط معرفة الوجه في تحققه، أو على عدم اعتبار معرفة شرطية الكيفية و عدمها في حصول معناه لو سلم اشتراط معرفة الوجه في أصل الفعل في حصوله، ضرورة صدق الفعل مثل فعله و ان لم تعلم الشرطية المزبورة، نعم قد يشكل الاستدلال به بالإطلاقات المقتضية لجواز غير ما فعله من الكيفية، بناء على ما هو التحقيق من عدم إجمالها بالنسبة الى ذلك و غيره

____________

(1) الوسائل- الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 7.

5

مما شك في اشتراطه، اللهم إلا أن يشك و لو من الشهرة السابقة و ما تسمعه في شمول المراد منها لذلك كما ذكرناه سابقا في الصلاة الواجبة، فحينئذ يتم الاستدلال عليه أيضا مع قطع النظر عن التأسي بتوقيفية العبادة، و أن الأصل فيها الفساد إلا ما ثبت، بل قد يستدل عليه مع قطع النظر عنهما ب

قوله (ص): «صلوا كما رأيتموني أصلي»

بناء على تناوله للفرض و النفل، و إيجاب المساواة في الكيفية لو فعل لا ينافي الندب في الأصل، فيكون الأمر حينئذ مستعملا في الوجوب الشرعي خاصة لا الأعم منه و الشرطي كي يكون مجازا، إذ ليس وجوب الفريضة مستفادا من هذا الأمر، بل المستفاد منه وجوب المساواة التي ينافيها المخالفة في الكيفية لا الترك أصلا، و دعوى أن إطلاق وجوب المساواة يقتضي وجوب الفعل مقدمة لتحصيلها، و لا يتم إلا في الفريضة يدفعها الفهم العرفي من هذه العبارة، و نحوها ما سمعته، و من ذلك يعرف الجواب عن الأخير، على أنه من المعلوم عدم التنافي بين الوجوب المزبور و الندب عقلا و لا شرعا، قال في جامع المقاصد بعد ذكره ذلك دليلا للخصم و جوابه: إن الوجوب هنا يراد به أحد الأمرين، إما كونه شرطا للشرعية مجازا، لمشاركته الواجب في كونه لا بد منه، فمع المخالفة يأثم بفعل النافلة الى غير القبلة، أو كون وجوبه مشروطا بمعنى أنه ان فعل النافلة وجب فعلها النافلة الى غير القبلة، أو كون وجوبه مشروطا بمعنى أنه ان فعل النافلة وجب فعلها إلى القبلة، فمع المخالفة يأثم بترك الاستقبال و يفعلها الى غير القبلة معا، و هذا المعنى يثبت على دلالة

قوله (ص): «صلوا كما رأيتموني أصلي»

على وجوب الاستقبال، و إلا فالمعنى الأول، و في بعض كلامه نوع تأمل، لكن الأمر سهل بعد ما عرفت.

و قد يستدل أيضا بعموم قوله تعالى (1) «وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»

____________

(1) سورة البقرة- الآية 145.

6

الذي لا ينافيه خروج البعض الدليل، نعم قد يشكل بظهور قول أبي جعفر (ع) في صحيح زرارة (1) في أنها مختصة في الفريضة قال: «استقبل القبلة بوجهك، و لا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فان الله عز و جل يقول لنبيه (ص) في الفريضة:

فَوَلِّ وَجْهَكَ. الى آخره»

بل الظاهر أيضا عدم الدلالة في الأمر بالاستقبال و النهي عن القلب في صدره لإرادة الفريضة من الصلاة فيه بقرينة الاستدلال، و إمكان عموم الدعوى و خصوص الدليل تجشم، كما انه قد يقال بإرادة الفريضة من

قوله (ع) في صحيحه (2) أيضا: «لا صلاة إلا الى القبلة»

ل

قوله فيه: «قلت فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت قال: يعيد»

لكن الإنصاف انه لا صلاحية فيه، خصوصا بعد كونه من السائل لصرف الظهور المستفاد من النكرة بعد «لا» النافية للجنس التي هي كالنص في إفادة العموم، فدلالة هذا الصحيح على المطلوب لا ينبغي إنكارها، بل يمكن دعوى دلالة

قوله (ع) أيضا في صحيحه (3) أيضا: «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة:

الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»

و ذكر الوقت فيه مع أن من النوافل ما هو موقت أيضا بحيث لو صلى قبل الوقت مثلا أعيد لا يصلح قرينة لإرادة الفريضة، ضرورة كون المراد منه حينئذ و الوقت فيما اعتبر الوقت فيه من الصلاة، و لا يأتي مثله في القبلة، لعدم معلومية كون محل النزاع مما لا يعتبر فيه القبلة من الصلاة، بل من ذلك يظهر دلالة جملة من النصوص التي تدل بها على اشتراط القبلة في الفريضة، و على أن الالتفات في الأثناء يبطلها، للتعبير بلفظ الصلاة الشاملة للنافلة لا الفريضة في أكثرها، و ذكر بعض خواص الفريضة فيها كالوقت و نحوه لا يصلح مقيدا لذلك فلاحظ و تأمل.

بل مفهوم

قول الصادق (ع) (4) كما عن تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى:

____________

(1) الوسائل- الباب 9 من أبواب القبلة الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب 9 من أبواب القبلة الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب 9 من أبواب القبلة الحديث 1.

(4) البحار- ج 18- ص 147 من طبعة الكمباني.

7

فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ: «انها نزلت في صلاة النافلة فصلها حيث توجهت إذا كنت في سفر»

ظاهر في المطلوب أيضا،

كالمروي (1) في الوسائل عن نهاية الشيخ عن الصادق (ع) في قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا، الى آخره «هذا في النوافل خاصة في حال السفر، فأما الفرائض فلا بد فيها من استقبال القبلة»

و فيها أيضا عن

مجمع البيان (2) عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) في قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا الى آخره «انها ليست بمنسوخة و انها مخصوصة بالنوافل في حال السفر»

بل منها يظهر عدم كون المراد الإطلاق من النقل المستفيض انها نزلت في النوافل، خصوصا و لم يكن مساقا لبيان ذلك، بل المراد من الآية عند التأمل و لو بمعونة النصوص أنه أينما تؤمروا بأن تولوا وجوهكم فثم وجه الله من غير فرق بين بيت المقدس و الكعبة و غيرهما، إذ العمدة الأمر، فتعيير اليهود للمسلمين و سؤالهم أنه ما و لا هم عن قبلتهم في غير محله، و ربما فسرت الآية بذلك من غير ذلك للنوافل، و على كل حال من ذلك يعرف ما في استدلال الخصم بالنقل المستفيض في معنى الآية، بل في كشف اللثام أنه يجوز أن يكون لجواز الاستدبار في النوافل لأدنى حاجة، فتختص بالسائر في حاجته أو ماشيا، و به يفرق عن المستقر، فلا ريب حينئذ في ضعفه كسابقه الذي هو بعد تسليمه يقطعه أدنى دليل، بل و لاحقه، بناء على ما سمعته منا سابقا من صحة الفريضة في جوف الكعبة، فلا جهة حينئذ للاستدلال المزبور، بل و على غيره أيضا، إذ هو انما يعطي جواز استدبار بعض القبلة، و التتميم بعدم القول بالفصل كما ترى، و ليس بأولى من القول يكون التعدي عن ذلك قياسا محرما، بل و مع الفارق كالاستدلال بحكم الماشي و الراكب الذين من الواضح الفرق بينهما و بين المقام، خصوصا و المراد بحسب الظاهر التنفل في حال المشي في حاجة مثلا و الركوب كذلك لا المشي و الركوب لفعل النافلة، و لعله الى ذلك أومأ في كشف اللثام بما سمعته سابقا منه.

____________

(1) الوسائل- الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 19.

(2) الوسائل- الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 18.

8

و أما الاستدلال بقاعدة الإطلاق و التقييد في المندوبات ففيه أنه بعد تسليمها حتى في مثل المقام الذي هو من بيان الكيفية و لم يعلم استحباب المطلق فيه و إن لم يكن بعنوان الخصوصية يجب الخروج عنها هنا بما عرفته مما هو موافق لفتاوى الأصحاب عدا النادر، و خبر المسائل (1) مع احتماله السهو و عدم الجابر له لا يستلزم جواز الترك ابتداء قطعا و من ذلك كله ظهر لك وجه النظر في الأدلة المزبورة، كما انه ظهر لك شدة ضعف القول بالندب، خصوصا مع ملاحظة المعلوم من حال المتشرعة من شدة الإنكار على الصلاة الى غير القبلة مع الاختيار و الاستقرار، بل هو الفارق عندهم بين الإسلام و الكفر نعم قد يستثنى من ذلك النافلة حيث تجوز راكبا و ماشيا، فلا يشترط فيها الاستقبال حتى في تكبيرة الإحرام منها من غير فرق بين السفر و الحضر، لإطلاق النصوص (2) المستفيضة في الأول، سيما مع غلبة عدم التمكن من الاستقبال حال الصلاة عليها، و خصوص

صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (3) «سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل يصلي النوافل في الأمصار و هو على دابته حيث ما توجهت به قال: لا بأس» و خبر إبراهيم الكرخي (4) عن أبي عبد الله (ع) قال له: «اني أقدر أن أتوجه نحو القبلة في المحمل فقال: ما هذا الضيق، أما لكم في رسول الله (ص) أسوة» و خبر الحلبي (5) «سأل أبا عبد الله (ع) عن صلاة النافلة على البعير و الدابة فقال: نعم حيث كان متوجها، و كذلك فعل رسول الله (ص)» و المروي عن قرب الاسناد عن محمد ابن عيسى و الحسن بن ظريف و علي بن إسماعيل كلهم عن حماد بن عيسى (6) قال:

____________

(1) الوسائل- الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب 15 من أبواب القبلة.

(3) الوسائل الباب- 15 من أبواب القبلة الحديث 1.

(4) الفقيه ج 1 ص 285 من طبعة النجف.

(5) الوسائل الباب- 15 من أبواب القبلة الحديث 6.

(6) الوسائل الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 20.

9

«سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: خرج رسول الله (ص) الى تبوك فكان يصلي صلاة الليل على راحلته حيث توجهت به و يومئ إيماء» و عن كشف الغمة نقلا من كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفري الحميري عن فيض بن مطر (1) قال: «دخلت على أبي جعفر (ع) و أنا أريد أن أسأله عن صلاة الليل في المحمل قال: فابتدأني فقال: كان رسول الله (ص) يصلي على راحلته حيث توجهت به»

و عن

تفسير العياشي عن حريز (2) قال أبو جعفر (ع): «أنزل الله هذه الآية في التطوع خاصة «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» إن الله تعالى واسع عليم، و صلى رسول الله (ص) إيماء على راحلته أينما توجهت به حيث خرج الى خيبر و حين رجع من مكة و جعل الكعبة خلف ظهره»

مضافا الى ما عن المعتبر و المنتهى من الإجماع عليه في حال السفر.

و أما الماشي فكذا يدل عليه إطلاق النصوص أيضا ك

قول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية بن عمار (3): «لا بأس أن يصلي الرجل صلاة الليل في السفر و هو يمشي، و لا بأس إن فاتته صلاة الليل أن يقضيها بالنهار و هو يمشي يتوجه إلى القبلة، ثم يمشي و يقرأ، فإذا أراد أن يركع حول وجهه إلى القبلة و ركع و سجد ثم مشى» و صحيح يعقوب بن شعيب (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)- الى أن قال- قلت: يصلي و هو يمشي قال: نعم يومئ إيماء، و ليجعل السجود أخفض من الركوع» و مرسل حرير (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) «انه كان لا يرى بأسا بأن يصلي الماشي و هو يمشي و لكن لا يسوق الإبل» و المروي في المعتبر نقلا من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان عن الحسين بن المختار (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 22.

(2) الوسائل- الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 23.

(3) الوسائل- الباب 16- من أبواب القبلة الحديث- 1.

(4) الوسائل- الباب 16- من أبواب القبلة الحديث- 4.

(5) الوسائل- الباب 16- من أبواب القبلة الحديث- 5.

(6) الوسائل- الباب 16 من أبواب القبلة الحديث 6.

10

«سألته عن الرجل يصلي و هو يمشي تطوعا قال: نعم»

قال أحمد بن محمد بن أبي نصر:

و سمعته أنا من الحسين بن المختار، و عن المنتهى نسبة جواز التنفل له في السفر إلى علمائنا، و لا ريب في اقتضاء إطلاق ما عدا الأول منها عدم الفرق بين السفر و الحضر، و بين الصلاة الى القبلة و عدمها، بل صريح الأول الثاني فيما عدا التكبير و الركوع و السجود، مع انه لم يشترطه أصحابنا في الأخيرين، و انما اشترطه الشافعي كما اعترف به بعضهم، بل عن الخلاف الإجماع على استثنائه من اشتراط الاستقبال في غير التكبير، فلا بد من حمل ذلك في الخبر المزبور على التقية أو الندب، و لعل الثاني أولى، خصوصا بعد حمل ذلك في التكبير عليه أيضا كما هو الأقوى، تحكيما للإطلاقات المزبورة المعتضدة بإطلاق استثنائه من اشتراط القبلة في أكثر كتب الأصحاب، و بالآية التي قد عرفت استفاضة النقل في نزولها في النافلة و غير ذلك مما سمعته سابقا في دعوى عدم الاشتراط مطلقا، مضافا الى خلو بعض النصوص هنا المشتملة على بيان كيفية الصلاة ماشيا عن التعرض للاستقبال، ك خبر إبراهيم بن ميمون (1) و غيره (2) و الى موافقته للاعتبار كما أومأ إليه في المحكي عن المنتهى بقوله: إن التنفل محل الترخص، فأبيحت هذه كغيرها طلبا للمداومة على فعل النافلة و كثرة التشاغل بالعبادة.

كما أنه يحمل ما في صحيح عبد الرحمن (3) المتضمن للأمر بالاستقبال للراكب في التكبير على ذلك أيضا، قال فيه: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في الليل في السفر في المحمل فقال: إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثم كبر و صل حيث ذهب بك بعيرك»

الى آخره. ضرورة قصوره عن تقييد تلك الإطلاقات المعتضدة بكثير مما عرفته في الماشي، بل و بغيره، بل لا يخفى أولويته من الماشي بذلك،

____________

(1) الوسائل- الباب 16 من أبواب القبلة الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب 16 من أبواب القبلة الحديث 3.

(3) الوسائل الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 13.

11

لقوة أدلته سندا و دلالة و اعتضادا كما هو واضح، بل ورد في السفينة التي قد جعل المحمل بمنزلتها في خبر ابن عذافر (1) الرخصة بتكبير النافلة الى غير القبلة، ففي

خبر زرارة (2) عن الصادق (عليه السلام) المروي عن تفسير العياشي «قلت: أتوجه نحوها- أي القبلة- في كل تكبير فقال: أما النافلة فلا، انما يكبر الى غير القبلة، ثم قال:

كل ذلك قبلة للمتنفل، أينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ»

الى غير ذلك.

فما عساه يظهر من المحكي عن المبسوط و الخلاف و الجامع- من اشتراط الاستقبال بالتكبيرة للماشي و منها و من الاقتصاد و المصباح و مختصره و السرائر و الجامع و ابن فهد و النهاية من اشتراطه فيها للراكب، بل عن ابن إدريس منهم نسبته إلى جماعة الأصحاب إلا من شذ للأصل، و الخبرين المزبورين- ضعيف جدا، نعم هو أولى، كما عن جمل العلم و العمل و المراسم التعبير بذلك في الراكب، بل صريح المبسوط استحباب الاستقبال له في غير التكبير من الصلاة أيضا، أما فيه فهو شرط عنده، و ان كان يمكن المناقشة فيه في الجملة بإطلاق الأخبار السابقة، خصوصا المتضمنة لفعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) منها الذي لا يفعل إلا الأفضل، كما أومأ اليه خبر إبراهيم الكرخي السابق (3) إلا أن الأمر سهل في الحكم الاستحبابي الذي يتسامح فيه.

و على كل حال فلا ريب في ضعف الاشتراط المزبور، كضعف القول بعدم جواز أصل فعل النافلة للراكب و الماشي حضرا، كما عساه يظهر من المحكي عن ابن أبي عقيل و الحلي و سلار، بل هو ظاهر النافع و المحكي عن النهاية و جمل العلم و العمل، و لعل المستند كما في الرياض إما الاقتصار فيما خالف الأصل- الدال على لزوم الصلاة الى القبلة

____________

(1) الوسائل- الباب 14 من أبواب القبلة الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب 13 من أبواب القبلة الحديث 17.

(3) الفقيه- ج 1 ص 285 من طبعة النجف.

12

مطلقا و لو نافلة من العموم و توقيفية العبادة- على المجمع عليه و هو السفر خاصة، و فيه أنه أخص من الدعوى، و لو أضاف إلى القبلة غيرها من الاستقرار و نحوه مما يعتبر في الصلاة و لو نافلة كان الدليل أتم، و يجاب عنه حينئذ بأن الاقتصار على المتيقن غير لازم بعد النصوص الصحيحة المتقدمة الظاهرة في الجواز حضرا على الراحلة، قيل و لا قائل بالفرق بينه و بين الماشي، مضافا الى ما سمعته فيه أيضا مما يدل بإطلاقه عليه سفرا و حضرا، و إما ظهور بعض الصحاح المتقدمة المرخصة لها فيه في التقييد بالسفر مؤيدا بجملة من النصوص الواردة في تفسير قوله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» انه ورد في النافلة في السفر خاصة، و فيه (1) انه غير مقاوم الأدلة الجواز، خصوصا مع ضعف النصوص المفسرة سندا بل و دلالة، إذ غايتها بيان ورود الآية فيه خاصة، و هو لا يستلزم عدم المشروعية في غيره، و الصحيح غير صريح بل و لا ظاهر في التقييد إلا بالمفهوم الضعيف بورود القيد فيه مورد الغالب، بل لو سلم وضوح الدلالة في الجميع لا ريب في رجحان أدلة الجواز عليها، سيما بعد الاعتضاد بالشهرة العظيمة، و إطلاق معاقد الإجماعات، بل عن الخلاف الإجماع عليه في الحضر، و غير ذلك مما لا يخفى على المتأمل، بل يمكن إنكار ظهور الخلاف من جملة من العبارات بعدم إرادة تخصيص الرخصة فيما ذكروه من السفر، كما أنه لا يراد خصوص الراحلة أو الركوب ممن ذكرهما ضرورة عموم الحكم لركوب غير الراحلة في السفر، بل و لعدم الركوب فيه كالماشي أيضا.

فما عساه يتوهم من المتن لقوله و يجوز أن تصلى على الراحلة سفرا و حضرا و إلى غير القبلة على كراهية متأكدة في الحضر و غيره من الخلاف في النافلة ماشيا حتى

____________

(1) علق القمشهي على النسخة الأصلية بأن الصحيح «ففيه» لأنه جواب «أما» بفتح الهمزة. و ما ذكره غير صحيح لأن لفظة «إما» بكسر الهمزة لأنه معادل لقوله (قدس سره) «إما الاقتصار».

13

في السفر الذي قد نسب جوازه في المحكي من المنتهى الى علمائنا في غير محله، كما أنه لا ينبغي توهم اختلاف من اشترط الاستقبال من الأصحاب هنا لما وقع لهم من العبارات، إذ المحكي عن ابن أبي عقيل استثناء الحرب و السفر على الراحلة، و في كشف اللثام و كذا جمل العلم و العمل و المراسم و النهاية و النافع و السرائر و الجامع، لكن ليس فيها الحرب، و في الأخيرين الإحرام بها مستقبلا، و في الأولين النص على أنه أولى، قال: و علي ابن بابويه استثنى الركوب، و الصدوق في المقنع الركوب في سفينة أو في محمل، و ظاهره السفر، و ابن فهد و النهاية ركوب سفينة أو راحلة بعد الاستقبال بالتحريمة، و الشيخ في الجمل و الفاضل في التحرير ركوب الراحلة، و لو لا ما في الخلاف و المنتهى- و سيأتي- من أنه يجوز التنفل على الراحلة حضرا جاز أن يستظهر منه السفر، و في الاقتصاد و المصباح و مختصره أيضا ركوب الراحلة و اشتراط الإحرام مستقبلا، و في المبسوط و الخلاف السفر على الراحلة أو ماشيا بعد الإحرام مستقبلا، و كذا التذكرة لكن فيها النص على عدم اشتراط الاستقبال عند الإحرام أيضا، و في المختلف عن الشيخ استثناء الركوب و المشي سفرا و حضرا، و اختياره، و الذي رأيناه في كتب الشيخ جواز التنفل راكبا و ماشيا سفرا و حضرا، و في الجامع استثناء المشي مطلقا بعد الاستقبال بأولها، قلت:

و الظاهر أن مراده فيما رد به على المختلف انه لا تصريح في كلام الشيخ بالاستثناء حتى يكون قائلا بسقوط الاشتراط الاستقبال، و حكمه بالجواز أعم من ذلك، إذ لعله يعتبر الاستقبال معهما، و فيه أولا انه لا قائل بجواز ذلك و اشتراط الاستقبال في جميع الصلاة، و ثانيا حكى في مفتاح الكرامة انه قال في الخلاف بعد أن نقل الإجماع على جواز صلاة النافلة على الراحلة في غير السفر: «مسألة إذا صلى على الراحلة نافلة لا يلزمه أن يتوجه إلى جهة سيرها، بل، يتوجه كيف شاء، لعموم الآية و الأخبار، و قال الشافعي: إذا لم يستقبله القبلة و لا جهة سيرها بطلت صلاته» و لو لا ما سلف له كما قيل من اعتبار الاستقبال في

14

التكبير أمكن حمل كلامه هذا على عدم اشتراط الاستقبال رأسا، فيوافق ما حكاه في المختلف عنه كما انه يوافقه فيما عداها، أو جعل هذا منه عدولا، أو أن مراده بما سبق الفضل و الاستحباب لا الشرطية كما هو محتمل المبسوط أيضا، قال فيه على ما في المفتاح: «و أما النوافل فلا بأس أن يصليها على الراحلة في حال الاختيار، و كذلك حال المشي و يستقبل القبلة، فان لم يمكنه استقبل بتكبيرة الإحرام القبلة، و الباقي يصلي الى حيث تصير الراحلة، و يتوجه إليه في مشيه، فان كان راكبا منفردا و أمكنه أن يتوجه إلى القبلة كان ذلك هو الأفضل، فان لم يفعل لم يكن عليه شيء لأن الأخبار الواردة في جواز ذلك على عمومها، هذا إذا لم يتمكن في حال كونه راكبا من استقبال القبلة، فإن تمكن من ذلك بأن يكون في كنيسة واسعة يمكنه أن يدور فيها و يستقبل القبلة كان فعل ذلك أفضل» فتأمل جيدا.

و كيف كان فقد عرفت التحقيق على كل حال، و هو الجواز للراكب و الماشي سفرا و حضرا و الى القبلة و غيرها في التكبير و غيره من غير فرق بين المحمل و غيره و بين البعير و غيره و بين كيفية الركوب و المشي المتعارفة و غيرها، بل يمكن إدراج السفينة في إطلاق الركوب نصا و فتوى، و إن أبيت فالظاهر الاتحاد في الحكم، بل لعله أولى كما لا يخفى على من لاحظ ما قدمناه سابقا فيها، و توهم الخلاف ممن اقتصر في الرخصة على ما لا يشملها من العبارات السابقة و غيرها بعيد، و على تقديره ضعيف، و ان كان لم نعثر على نصوص خاصة في النوافل في السفينة عدا

صحيح زرارة (1) «سأل أبا جعفر (عليه السلام) في الرجل يصلي النوافل في السفينة قال: يصلي نحو رأسها»

و انما هو في الكيفية التي لا تستلزم الرخصة في الجواز مع الاختيار، و عدا

خبره الآخر المروي (2) عن تفسير العياشي «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الصلاة في السفر في السفينة

____________

(1) الوسائل- الباب 13 من أبواب القبلة الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب 13 من أبواب القبلة الحديث 17.

15

و المحمل سواء، قال: النافلة كلها سواء تومئ إيماء أينما توجهت دابتك و سفينتك، و الفريضة تنزل لها عن المحمل إلى الأرض إلا من خوف، فان خفت أومأت، و أما السفينة فصل فيها قائما- الى أن قال-: فأتوجه نحوها في كل تكبير، قال: أما النافلة فلا، إنما يكبر على غير القبلة- ثم قال-: كل ذلك قبلة للمتنفل، أينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ»

و هو إن لم يكن كذلك فهو قريب منه، على أنه غير معلوم الصحة سندا، و عدا

مضمر سليمان ابن خالد (1) «يصلى النافلة و هو مستقبل صدر السفينة إذا كبر ثم لا يضره حيث دارت»

و هو كذلك أيضا، لكن النصوص (2) المطلقة في الصلاة في السفينة قد سمعتها سابقا، و عدم قولنا بمقتضاها في الفريضة للمعارض المتقدم لا يستلزم عدم القول به هنا، بل فحوى نصوص (3) التنفل راكبا و ماشيا يكفي في ذلك، خصوصا بعد ما في خبر ابن عذافر (4) من جعل المحمل بمنزلة السفينة، كما أنه يكفي فيه ما ورد (5) من النصوص في تفسير قوله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» انها في النافلة في السفرالشامل للسفينة المتمم بعدم القول بالفصل بينه و بين الحضر، فضلا عما ورد (6) من أنها في النافلة مطلقا، و خروج غير ذلك عندنا بالأدلة السابقة التي لا تشمل الفرض لما سمعته، لا أقل من الشك لا يقدح، فتأمل.

نعم لا يبعد الاحتياط في مراعاة القبلة فيها مع الإمكان، لاحتمال الفرق بينها

____________

(1) الوسائل- الباب 14- من أبواب القيام- الحديث 10 و حذف ما يضر بالمعنى في الجواهر.

(2) الوسائل الباب 13 من أبواب القبلة.

(3) الوسائل الباب- 15 و 16 من أبواب القبلة.

(4) الوسائل الباب 14 من أبواب القبلة الحديث 2.

(5) الوسائل الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 18 و 19 و 22.

(6) الوسائل الباب 13 من أبواب القبلة الحديث 17.

16

و بين الدابة في ذلك بالضيق و عدمه، لا أنه لا تشرع النافلة فيها إلا مع تعذر الشرط كما قلناه في الفريضة و كيف و قد سبق ظهور كلمات جملة من الأصحاب في جواز ذلك في الفريضة فضلا عن النافلة كما تقدم البحث فيه مستوفى. فما عساه يلوح من الديلمي كما قيل من اشتراط ذلك في النافلة أيضا لا ريب في ضعفه، بل و كذا ما عن المبسوط و النهاية من اشتراط جواز استقبال الصدر بما إذا لم يتمكن من استقبال القبلة فيها، فتخالف الراحلة حينئذ من هذا الوجه، نعم تساويها فيما نص الشيخ عليه من الجواز، و إن أمكنه الخروج الى الجدد البري، و عن الوسيلة «يجوز له أن يصلي النافلة في السفينة، و إن راعى القبلة كان أفضل» و لعله بناه على ما سمعته من مذهبه من عدم اشتراط الاستقبال في النافلة مطلقا.

ثم لا يخفى أن الظاهر من كل من أطلق الاستثناء و صريح بعضهم إرادة سقوط الاشتراط في الأحوال المستثناة لا الانتقال الى بدل تجري عليه أحكام القبلة بحيث لو ترك استقباله بطلت صلاته و ان كان الى القبلة في وجه، أو ما لم يكن للقبلة، و ما في بعض العبارات أن قبلة الراكب طريقه و مقصده، كالذي في آخر من أن قبلته رأس دابته حيث ما توجهت محمول على إرادة بيان الرخصة في الترك و البقاء على حاله الغالب من غير تكلف انحراف طلبا للقبلة. و كذا ما في النصوص السابقة من الصلاة الى حيث ما كان متوجها أو الى حيث ما توجهت دابته أو الى صدر السفينة، لا أن المراد وجوب ذلك بدلا عن القبلة، فلو توجه حينئذ حال صلاته الى غير رأس دابته أو طريقه بأن كان متوركا كما هو المتعارف في الركوب على ما قيل بين أهل الحسا و القطيف صحت صلاته عندنا، حتى لو فرض توجه الدابة و الطريق إلى القبلة فضلا عن غيره، بل ينبغي القطع به لو كان العدول عن توجه الدابة مثلا إلى القبلة، قال في المحكي عن التحرير و المنتهى: قبلة المصلي على الراحلة حيث توجهت، فلو عدل إلى القبلة جاز إجماعا،

17

و ان كان الى غيرها فالأقرب الجواز، قلت: و لا يتوهم من التعبير بلفظ الأقرب وقوع خلاف في ذلك، بل الظاهر أنه للاحتمال دون القول، فانا لم نعثر على من حكي عنه ذلك، بل ظاهر نسبة الشيخ ذلك للشافعي عدم كونه لأحد من أصحابنا. و هو كذلك على الظاهر، نعم حكي عن نهاية الأحكام و كشف الالتباس في الفريضة حيث تجوز على الراحلة أنه لا بد أن يستمر على جهة واحدة، قالا: «المصلي لا بد أن يستمر على جهة واحدة لئلا يتشوش فكره، و جعلت الجهة التي يصلى إليها اختيارا الكعبة لشرفها، فإذا عدل عنها لضرورة السير وجب التزام الجهة، ثم الطريق لا يستمر على جهة فلا بد فيه من معاطف يمنة و يسرة، فيتبعه كيف كان للحاجة» و لعلهما لا يقولان به في النافلة، أو لم يريد الوجوب الشرطي،. و غير ذلك، و إن أبيت فلا ريب في ضعفه كما لا يخفى على من لاحظ نصوص المقام الظاهرة في إرادة التوسعة و عدم الالتزام بالجهة، خصوصا المشتملة على الاستدلال بقوله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» و تخصيصها توجه الدابة مع أنه في مقام توهم الحظر جريا على الغالب من إرادة الراكب ذلك، فلاحظ و تأمل.

و لا فرق في ذلك بين الابتداء و غيره، فلو صلى من أول الأمر الى غير توجه دابته مثلا صح و إن كان توجه دابته إلى القبلة فضلا عن غيره، فله الركوب حينئذ مقلوبا ثم الصلاة، إلا أن الاحتياط مراعاة توجه الدابة، و إن كان الأقوى ما ذكرناه، كما أن الأقوى إرادة الرخصة أيضا مما تضمنته النصوص من الإيماء لا العزيمة، فلو ركع الماشي و سجد و كذلك الراكب لكونه في كنيسة واسعة مثلا صح قطعا، بل كاد يكون صريح حسن بن عمار (1) المتقدم في الماشي، إذ حمل الركوع و السجود فيه على الإيماء لهما لا داعي إليه، بل لا يبعد عدم قيام الإيماء مقامهما الراكب السفينة المتمكن منهما كما

____________

(1) الوسائل الباب 16 من أبواب القبلة الحديث 1.

18

هو الغالب، لعدم الدليل، بل ظاهر نصوص (1) كيفية صلاة السفينة العدم، نعم قد تضمن خبر العياشي (2) المتقدم الإيماء فيها، و الخروج به عن مقتضى الإطلاقات كما ترى، اللهم إلا أن يكون الحكم ندبيا، و خصوصا قد ثبت الإيماء في المحل الذي جعل بمنزلة السفينة، لكن لا ريب ان الاحتياط المحافظة على الركوع و السجود، كما انه ينبغي المحافظة على ما تضمنه بعض النصوص (3) من الأمر يجعل السجود أخفض من الركوع حيث يومي، و ان كان يحتمل عدم وجوب ذلك أيضا فيها، حملا للأمر بذلك على الندب، كما هو الأصل في الإطلاق و التقييد في المندوبات. أما رفع ما يسجد عليه ليضع الجبهة عليه فلا يجب هنا قطعا و ان أوجبناه في الفريضة، لإطلاق أكثر النصوص و صريح البعض (4).

نعم ينبغي أن يعلم أن المراد في النافلة للماشي و الراكب رفع مانعية المشي و الركوب و ما يلزمهما غالبا كعدم التمكن من الاستقبال و عدم الركوع و السجود عن الصحة لا إسقاط غير ذلك من الموانع كالفعل الكثير و مباشرة النجاسة و نحوهما، ضرورة سلامة أدلة المنع فيها عن المعارض، و لعل في قول أبي جعفر (عليه السلام) في مرسل حريز (5): «و لكن لا يسوق الإبل»

تنبيها على ذلك، لأنه من الفعل الكثير، كما أنه ينبغي أن يعلم انه بناء على اختصاص الرخصة في النافلة للماشي و الراكب في السفر و ان كان خلاف المختار كما عرفت يراد المشي و الركوب في حال التشاغل في قطع مسافة السفر، فلا تصح حينئذ لهما حال إقامتهما في منزل أو بلد مثلا و إن لم تكن إقامة شرعية اقتصارا في المخالف للأصل على المتيقن المنساق من النصوص، و لعله إليه أومأ ما في

____________

(1) الوسائل الباب 13 من أبواب القبلة.

(2) الوسائل الباب 13 من أبواب القبلة الحديث 17.

(3) الوسائل- الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 14 و 15 و الباب 16 الحديث 3 و 4.

(4) الوسائل الباب 20 من أبواب السجود- الحديث 1.

(5) الوسائل الباب 16 من أبواب القبلة الحديث 5.

19

المحكي عن الإيضاح من تقييد استثناء الراكب في سفر القصر من اشتراط الاستقبال بحال السير، و الله أعلم.

و يسقط فرض الاستقبال في كل موضع لا يتمكن منه كصلاة المطاردة، و عند ذبح الدابة الصائلة و المتردية بحيث لا يمكن صرفها إلى القبلة كما تسمع ذلك مفصلا في محالها إن شاء الله

[الرابع في أحكام الخلل]

الرابع في أحكام الخلل و هي مسائل:

[المسألة الأولى الأعمى يرجع الى غيره لقصوره عن الاجتهاد]

الأولى قد تقدم سابقا أن الأعمى يرجع الى غيره، لقصوره عن الاجتهاد المتيسر لغيره و إن قلنا هناك إن التحقيق كون ذلك اجتهادا بالنسبة إليه، كما يومي اليه في الجملة قول المصنف و غيره هنا فان عول على رأيه مع وجود المبصر لأمارة ظنية أقوى من قول المبصر و جدها صح صلاته من هذه الحيثية، ضرورة ابتناء ذلك على كون المدار على ظنه، و قد فرض حصول إمارة له أقوى من قول المبصر أو مساوية له، و هو لا يتم إلا على ما قلناه، نعم هو مقيد قطعا بما يأتي من عدم ظهور الخطأ الموجب للتدارك، كما اعترف به في جامع المقاصد و كشف اللثام و غير هما، لا طلاق الأدلة الآتية، و خصوص

صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) «سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل أعمى صلى على غير القبلة فقال: إن كان في وقت فليعد، و ان كان قد مضى الوقت فلا يعد»

الحديث. و خبر أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «الأعمى إذا صار لغير القبلة فإن كان في وقت فليعد، و ان كان قد مضى الوقت فلا يعيد»

مضافا الى مساواته المجتهد أو أولويته منه بالإعادة، كما يومي اليه

صحيح الحلبي أو حسنه (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الأعمى يؤم القوم و هو على غير القبلة قال: يعيد و لا يعيدون فإنهم قد تحروا»

و إن كان لا بد من حمله على إرادة غير المتحري من الأعمى.

____________

(1) الوسائل- الباب 11 من أبواب القبلة الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب 11 من أبواب القبلة الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب 11 من أبواب القبلة الحديث 7.

20

فمن الغريب ما في المدارك من أن إطلاق العبارة أنه يقتضي أنه لا إعادة على الأعمى مع التعويل على الامارة مطلقا و إن تبين الخطأ، فيكون التفصيل الآتي مخصوصا بغير الأعمى، و أشكله بعموم الأخبار الآتية، و خصوص صحيح عبد الرحمن السابق، ثم قال: و يمكن حمل النفي المدلول عليه بالسياق في العبارة على نفي الإعادة مطلقا أي جميع الأحوال بقرينة أن الإعادة في الصورة الثانية، و هي ما إذا عول على رأيه من دون أمارة ثابتة على كل حال و إن ظهرت المطابقة، لدخوله في الصلاة دخولا منهيا عنه، و حينئذ فلا ينافيه ثبوت الإعادة في الصورة الأولى على بعض الوجوه، و هو كما ترى فيه من التكليف ما لا يخفى، على أنه لا داعي إليه، ضرورة كون المراد عدم الإعادة من هذه الحيثية دفعا لما عساه يتوهم من كون تكليف الأعمى الرجوع الى غيره، و أنه لا يجوز له التعويل حينئذ على رأيه و ان كان أقوى عنده من قول المبصر، بل قد يوهمه فرض المسألة في الذكرى في لمس الأعمى الكعبة بيده، أو محراب مسجد لا يشك فيه، و نحوها مما لا يدخل تحت الامارة الظنية، لكن قد عرفت أن التحقيق دوران أمره على أقوى الظنون الحاصلة له من غير فرق بين الغير و غيره.

و كيف كان فالمراد التعويل على رأيه للأمارة سواء سأل المبصر و أخبره بخلاف تلك الأمارة التي هي مساوية أو أقوى عنده من إخباره، أو لم يسأله إلا أنه علم بذلك لو أخبر المبصر بخلافها، أما إذا احتمل إخبار المبصر بخلافها و انه لو كان فهو أقوى من تلك الامارة لم يجز له التعويل عليها، لعدم كونه من التحري جهده، و هل يجب عليه سؤال المبصر في الصورة الأولى، لوجوب أقوى الظنون عليه بعد تعذر العلم، فيحتمل و فاقة للأمارة فتزداد قوة، أو لا يجب، لكون المفروض قوة الامارة على فرض خلاف المبصر، و الأصل براءة الذمة من وجوب طلب ترك المرتبة من الظن الموافق؟

وجهان، قد يومي الى الأول مع كونه أحوط ما في كشف اللثام، فإنه بعد قول الفاضل:

21

«صحت صلاته» قال: «إن كانت أقوى من إخباره أو مساوية و لم تتقو به»، فتأمل جيدا.

و إلا يكون تعويله على رأيه مع وجود المبصر لامارة فعليه الإعادة إن أخطأ قطعا لعدم الامتثال، و إطلاق النصوص السابقة (1) بل و إن أصاب إذا فرض بحال لم يكن جازما بموافقة الأمر، ضرورة عدم تصور النية منه، فأصابته مع عدمها لا تجديه، أما إذا كان بحال تتصور منه نية القربة لغفلة و نحوها فيحتمل الصحة، لوجود المقتضي و ارتفاع المانع، خصوصا على القول بصحة عبادة الجاهل مع الموافقة، بل و إن لم نقل، بناء على اختصاص ذلك بالأجزاء و نحوها مما هو داخل في كيفية العبادة، أو فيها و في الشرائط مع فرض البحث في غير جاهل الشرطية، أما غير ذلك فيدور الفساد فيه مع إحراز نية القربة و عدمه على حصوله و عدمه، لعدم الدليل على شرطية سبق العلم للصحة، و حينئذ لا ينبغي إطلاق الصحة مع الإصابة، كما هو المحكي عن الشيخ في المبسوط و الخلاف، و لا إطلاق الفساد معها كما عن غيره ممن تأخر عنه، اللهم إلا أن يختص هذا الشرط من بين الشرائط باشتراط إحرازه بالطريق الشرعي علما أو ظنا في صحة الصلاة، للأمر بالعلم أو الاجتهاد في تحصيل القبلة المقتضي للشرطية، كسائر الأوامر بالشيء للصلاة مثلا، فيكون الفساد حينئذ في الفرض لفقد الشرط، و هو العلم أو الظن، و ربما يلحق به في ذلك الوقت أيضا، للاشتراك في كيفية دلالة الأدلة، لكن للنظر فيه مجال، لاحتمال إرادة الطريق منهما لا الشرطية، خصوصا بعد معروفية كون الشرط القبلة نصا و فتوى، لا العلم بها أو الظن، فيشمل الفرض حينئذ كل ما دل على صحة الصلاة الى القبلة مما تقدم و يأتي، فقول الشيخ المزبور لا يخلو حينئذ من وجه، و لعله لذا قال في المحكي عن المنتهى إن القولين قويان، بل عن المعتبر و التحرير الاستشكال فيه، بل قد يقال إن ذلك من الشيخ في الخلاف بناء على مذهبه

____________

(1) الوسائل- الباب 11 من أبواب القبلة الحديث 7 و 8 و 9.

22

فيه من أن الأعمى يصلي الى الأربع و لا يرجع الى غيره، فحينئذ إذا صلى إلى واحدة منها فعلم أنه أصاب فيها صحت صلاته قطعا و سقط عنه الباقي كالمتحير، بل لعل ما حكاه في الذكرى عنه من إطلاق الإجزاء فيما نحن فيه مع ضيق الوقت مبني على ذلك أيضا، نعم ينبغي تقييده بما إذا لم يكن خطأه الى دبر القبلة، بناء على ما ستعرفه من مذهبه، و اليه أومأ في الذكرى حيث أنه بعد أن حكى ذلك عنه قال: و هو بعيد مع كونه مخطئا إلا أن يكون المقلد مفقودا، أو لم يصل الى دبر القبلة عند الشيخ، ثم قال: و لو أصاب هنا فكالأول فيما قاله الشيخ و قلناه، نعم لو فقد المقلد صح هنا قطعا.

قلت: قد عرفت الحكومة بينه و بين الشيخ، و نزيد هنا بكشف الحال في سائر الشرائط التي لم يظهر من الأدلة اعتبار سبق العلم بحصولها، فنقول انها ان كانت لمعاملة فلا يقدح الجهل ابتداء بحكمها، و حصولها في صحتها إذا فرض مصادفتها لها، لعدم اشتراط نية القربة فيها، و كذا إن كانت شرطا لعبادة مع العلم بحصولها و الجهل بحكمها، و ليس من عبادة الجاهل الموافقة للواقع التي جزم المشهور بفسادها، أما مع الجهل بالحصول سواء علم بالحكم أو لا فإن أدى ذلك الى عدم حصول نية القربة بطل العمل، و إلا صح و كفى مجرد المصادفة للواقع كما هو واضح فيما نحن فيه مع فرض عدم ظهور الأدلة في اعتبار العلم أو الظن بالقبلة في ابتداء العمل، و فرض عدم تزلزل في نية القربة المتجه فيه الصحة حينئذ، فتأمل جيدا.

و كيف كان فلو صلى الأعمى مقلدا ثم أبصر في الأثناء فإن كان عاميا فرضه التقليد أيضا استمر، و ان كان ممن يتمكن من الاجتهاد في أثناء الصلاة بحيث لا تبطل به اجتهد وجوبا على الظاهر، لتغير موضوعه و شرطية القبلة للكل و البعض، فان وافق فلا بحث، و كذا لو ظهر له انه منحرف يسيرا فإنه يستقيم و تصح صلاته لما ستعرف، و أما إن كان منحرفا الى اليمين و اليسار استأنف الصلاة، و أولى منه إذا كان مستدبرا،

23

و لو افتقر في اجتهاده الى زمان كثير لا يتسامح في الصلاة بمثله فالأقرب كما في الذكرى البناء و سقوط الاجتهاد. قال: لأنه في معنى العامي، لتحريم قطع الصلاة، و الظاهر إصابة المخبر، و يقوى مع كونه مخبرا عن علم، بل يمكن هنا عدم الاجتهاد لما سلف، و احتاط في المعتبر بالاستئناف مع احتياجه إلى تأمل كثير، و هو احتياط ظاهر، و قال:

إن قلنا له المضي فيها، لأنه لا دليل على انتقاله كان قويا، قلت: قد يشك في شمول ما دل على حرمة الإبطال لمثله كما تسمعه ان شاء الله في محله، فمع فرض شمول أدلة الاجتهاد له يتوجه الابطال و استئناف الصلاة، و دعوى أن اجتهاده في هذا الحال منحصر في البقاء على ما كان مبنية على حرمة الإبطال التي قد عرفت الشك في شمول دليلها لمثله، فتأمل.

و لو صلى بصيرا فكف في الأثناء بنى، فان انحرف قصدا بطلت إن خرج عن السمت، و إن كان اتفاقا و أمكنه علم الاستقامة استقام ما لم يكن قد خرج الى حد الابطال بالخروج عن الجهة، و إن لم يمكنه فان اتفق مسدد عول عليه، بل ينتظره إذا لم يخرج عن كونه مصليا، بل و إن خرج لعدم تمكنه من إتمام الصلاة على الوجه المأمور به، و احتمال انه كالمتحير حينئذ فيتمها إلى جهة و يضيف إليها ما يكملها أربعا مبني على حرمة القطع التي قد عرفت الشك في شمول دليلها لمثله، بل في الذكرى أن الأقرب البطلان مع توقع المسدد، فضلا عن الجزم بحصوله، نعم لو ضاق الزمان عن التوقع كأن بقي مقدار أربع جهات صلى إليها، و كذا يصلي الى الأربع مع السعة و عدم توقع المسدد، قال في الذكرى: «و هل يحتسب بتلك الصلاة منها نظر، من حيث وقوعها في جهتين فلا تكون صحيحة، و من صحة ما سبق منها قطعا و جواز ابتدائها الآن الى هذه الجهة بأجمعها فبالبعض أولى، و حينئذ هل له الانحراف إلى جهة أخرى غير ما هو قائم إليها يحتمل ذلك، تنزيلا للإتمام منزلة الابتداء، و الأقرب المنع، تقليلا للاختلاف

24

و الاضطراب في الصلاة، و لنخيل القرب إلى الجهة الأولى بهذا الموقف بخلاف العدول إلى جهة أخرى» انتهى.

[المسألة الثانية إذا صلى إلى جهة ثم تبين خطأه]

المسألة الثانية إذا صلى إلى جهة قد أمر بالصلاة إليها إما لغلبة الظن أو لضيق الوقت أو لغير ذلك ثم تبين خطأه بعد الفراغ من الصلاة فإن كان منحرفا يسيرا أي الى ما بين المشرق و المغرب كما في النافع و عن المعتبر و النكت و سائر كتب الفاضل عدا القواعد و غيرها مما تأخر عنها فالصلاة ماضية بلا خلاف معتد به بين المتأخرين من أصحابنا و متأخريهم، بل في التذكرة و التنقيح و المفاتيح و المحكي عن الروض و المقاصد العلية الإجماع عليه، و هو الحجة، مضافا الى المعتبرة (1) المتضمنة كون ما بين المشرق و المغرب قبلة المتقدمة سابقا، و خصوص

صحيح ابن عمار (2) عن الصادق (عليه السلام) «قلت له: الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا فقال له: قد مضت صلاته، و ما بين المشرق و المغرب قبلة» و موثق عمار (3) عنه (عليه السلام) أيضا «في رجل صلى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته قال: إن كان متوجها فيما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و ان كان متوجها الى دبر القبلة فليقطع الصلاة، ثم يحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و ان كان متوجها الى دبر القبلة فليقطع الصلاة، ثم يحول وجهه إلى القبلة، ثم يفتتح الصلاة»

بناء على مساواة الكل البعض في ذلك، و خبر الحسن ابن ظريف (4) المروي عن قرب الاسناد «من صلى على غير القبلة و هو يرى أنه على القبلة ثم عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه إذا كان فيما بين المشرق و المغرب» و خبر

____________

(1) الوسائل- الباب 35 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1- و الباب 10 من أبواب القبلة.

(2) الوسائل- الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 5.

25

موسى بن إسماعيل بن موسى (1) المروي عن نوادر الراوندي «من صلى على غير القبلة فكان الى غير المشرق و المغرب فلا يعيد الصلاة»

بل عن المعتبر و المنتهى انه قول أهل العلم، و لعله كذلك، فإنه و ان أطلق في الخلاف و الغنية الإعادة في الوقت لمن صلى الى غير القبلة باجتهاده ثم عرف ذلك كالمحكي عن المقنعة و جمل السيد و النهاية و المبسوط و السرائر و ظاهر الفقيه، بل قيل إنه حكي عن الكاتب و التقي، بل في كشف اللثام أنه المشهور و في الخلاف الإجماع عليه، و في السرائر نفي الخلاف، بل فيه أيضا أني لم أظفر بقائل صريحا بعدم الإعادة قبل الفاضلين، لكن لعل مرادهم من غير القبلة ما لا يشمل ذلك، كما أومأ إليه

قول أبي جعفر (عليه السلام) لزرارة (2) في الصحيح: «لا صلاة إلا الى القبلة قال: قلت: أين حد القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة كله، قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت قال: يعيد»

بل حكي عن بعضهم التصريح بذلك كظاهر المصباح، بل لعله ظاهر المحكي عن التهذيب أيضا، بل لعله فهم من المقنعة أيضا ذلك، فلاحظ و تأمل، بل يمكن دعوى ظهور معقد إجماع الخلاف فيه، قال: «من اجتهد في القبلة و صلى إلى واحدة من الجهات ثم بان له أنه صلى الى غيرها و الوقت باق أعاد الصلاة» ثم حكى الإجماع، فيحتمل إرادة إحدى الجهات الأربع فلا يدخل ما بين المشرق و المغرب فيها، فتأمل. على أنه من المستبعد طرحهم النصوص المزبورة التي لا يعارضها إطلاق المعتبرة المستفيضة (3) الآتية المتضمنة لإعادة من صلى الى غير القبلة في الوقت لا في خارجه بعد إرادة ما لا يشمل ذلك من غير القبلة فيها بشهادة النصوص و الإجماعات السابقة المؤيدة بقاعدة الاجزاء و إطلاقات الصلاة القاطعة لأصالة الشغل

____________

(1) المستدرك- الباب 7 من أبواب القبلة الحديث 1 و فيه

«فكان الى المشرق أو المغرب»

. (2) الوسائل- الباب 9 من أبواب القبلة الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب 11 من أبواب القبلة.

26

فمن الغريب بعد ذلك كله ميل المحدث البحراني لإطلاق القدماء المزبور محتجا بأنه كما يمكن تقييد النصوص الآتية بما إذا لم يكن الى ما بين المشرق و المغرب يمكن تقييد هذه النصوص بإرادة عدم الإعادة في خارج الوقت كما تضمنته النصوص الآتية من نفي الإعادة فيها، فان بينها تعارض العموم من وجه، إذ ما بين المشرق و المغرب و إن كان أخص من غير القبلة إلا أن تلك النصوص باعتبار اشتمالها على التفصيل بين الوقت و خارجه أخص من هذه النصوص المشتملة على نفي الإعادة مطلقا، و ترجيحها بأصل البراءة معارض بأصالة الشغل، ثم انه تبجح بهذا الكلام و أخذ في تسجيعاته كما هي عادته.

و فيه انه لا يخفى عليك أولا الترجيح لهذه النصوص بالإجماعات و غيرها، مضافا الى عدم قابلية بعضها للتنزيل المزبور، لظهوره في نفي الإعادة في الوقت، كصحيح ابن عمار (1) و غيره، بل لا يقبله كل ما تضمن الحكم بكون ما بين المشرق و المغرب قبلة، ضرورة عدم الوجه حينئذ لهذه المنزلة، إذ نفي الإعادة في خارج الوقت يشترك فيها الجميع حتى الاستدبار على الأصح، على أن صحيح زرارة الأخير شاهد للجميع بينها بإرادة غير ما بين المشرق و المغرب من غير القبلة فيها لاندارجه فيها، بخلاف الجمع الذي ذكره، و معارضة أصل البراءة بعد ما عرفت من قاعدة الاجزاء و إطلاق أدلة الصلاة بأصالة الشغل كما ترى، الى غير ذلك مما يظهر بأدنى تأمل، و ثانيا أن المراد بالعموم من وجه الذي يحتاج الى الترجيح كونه بين موضوعي الحكم لا أن أحدهما فيه و الآخر في الموضوع، ضرورة أنه لا يعقل أحد من قول القائل اضرب الجهلاء في الليل لا في النهار و لا تضرب زيدا منهم إلا التخصيص، و بقاء حكم الخاص على إطلاقه، سيما في المقام الذي لو سلمنا فيه عدم اختصاص لفظ الإعادة في النصوص بالتدارك في الوقت إلا أنه لا ريب في سبقه الى الذهن من أول الأمر، بل قد يستنكر إطلاق نفي الإعادة مرادا منه خارج

____________

(1) الوسائل- الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 1.

27

الوقت خاصة، على أنه لا يلائم اشتراطه بما إذا كان بين المشرق و المغرب في خبر قرب الاسناد (1) و لا تعليق الحكم على غير المشرق و المغرب في خبر النوادر (2) كما أنه لا يلائم ذلك أيضا ظهور تعليل مضي الصلاة بأن ما بين المشرق و المغرب قبلة في صحيح ابن عمار، الى غير ذلك مما لا يخفى، فالقول حينئذ بوجوب الإعادة في الوقت لا في خارجه في غاية الضعف.

و أغرب منه ما حكاه في كشف اللثام عن بعض الأصحاب من الإعادة مطلقا، و أن القاضي في شرح جمل العلم و العمل احتاط بها، و لعله لانتفاء المشروط بانتفاء الشرط و هو اجتهاد في مقابلة النصوص السابقة و الآتية التي كادت تكون متواترة. و لخبر معمر بن يحيى (3) أو عمرو بن يحيى (4) و ربما قيل انهما خبران «سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة ثم تبينت القبلة و قد دخل وقت صلاة أخرى قال: يعيدها قبل أن يصلي هذه التي دخل وقتها إلا أن يخاف فوت التي دخل وقتها»

و هو- مع الإغضاء عن سنده، و احتمال إرادة الاستدبار منه بناء على ما يقوله الشيخ و الصلاة بغير اجتهاد مع سعة الوقت و دخول الوقت المشترك، أو الوقت الفضيلي للثانية، و الاستثناء مع خوف فوت وقت الاجزاء و غير ذلك واضح القصور عن مقاومة تلك الأدلة. فلو كان صريحا في ذلك وجب طرحه في مقابلتها فضلا عن كونه ظاهرا، بل لا ظهور فيه بعد الملاحظة كما هو واضح، و الله أعلم.

هذا كله إن كان منحرفا يسيرا و إلا أعاد في الوقت مطلقا و قيل و القائل الشيخان و سلار و أبو المكارم و الفاضل في جملة من كتبه و الشهيد في اللمعة و المقداد

____________

(1) الوسائل- الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 5.

(2) المستدرك الباب 7 من أبواب القبلة الحديث 1- و فيه

«فكان الى المشرق أو المغرب»

. (3) الاستبصار ج 1 ص 297- الرقم 1098 طبعة النجف.

(4) الاستبصار ج 1 ص 297- الرقم 1099 طبعة النجف.

28

في التنقيح و المحقق الثاني في جامعه و فوائده و جعفريته و غيرهم على ما حكي عن بعضهم:

إن بان أنه استدبرها أعاد و ان خرج الوقت بل نسبه في جامع المقاصد الى كثير من الأصحاب، بل في الروضة انه المشهور، بل عن إرشاد الجعفرية أن عليه عمل الأصحاب، و لكن مع ذلك كله و الأول أظهر وفاقا للسيد و الحلي و يحيى بن سعيد و اليوسفي و الفاضل في جملة أخرى من كتبه، و الشهيد في دروسه و بيانه و ذكراه، و أبي العباس في موجزه، و الفاضل الميسي و الشهيد الثاني و ولده و سبطه و الكاشاني و الخراساني و الأصبهاني و العلامة الطباطبائي و غيرهم على ما حكي عن البعض، بل ربما نسب إلى الأكثر، بل لا خلاف معتد به في غير الاستدبار منه، كما عن السرائر الاعتراف به، بل في التنقيح أن عليه الأصحاب، و المحكي عن المنتهى انه ذهب إليه علماؤنا، بل في كشف اللثام الظاهر أنه إجماع، بل في الخلاف و المدارك و المحكي عن شرح الشيخ نجيب الدين الإجماع عليه، و كأنهم لم يتحققوا ما سمعته سابقا عن قوم من أصحابنا من الإعادة في الوقت و خارجه في مطلق الخطأ، أو لم يعتدوا به.

للنصوص المستفيضة ك

صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) عن الصادق (عليه السلام) «إذا صليت و أنت على غير القبلة و استبان لك أنك صليت و أنت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد و ان فاتك الوقت فلا تعد» و خبر يعقوب بن يقطين (2) قال: «سألت عبدا صالحا (ع) عن رجل صلى في يوم سحاب على غير القبة ثم طلعت الشمس و هو في وقت أ يعيد الصلاة إذا كان قد صلى على غير القبلة؟ و ان كان قد تحرى القبلة بجهده أ تجزيه صلاته؟ فقال: يعيد ما مكان في وقت، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه» و صحيح سليمان بن خالد (3) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيم فيصلي لغير القبلة ثم يصحى فيعلم انه صلى لغير القبلة كيف يصنع؟

____________

(1) الوسائل- الباب 11- من أبواب القبلة الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب 11- من أبواب القبلة الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب 11- من أبواب القبلة الحديث 6.

29

قال: إن كان في وقت فليعد صلاته، و إن كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده»

الى غير ذلك من النصوص، ك خبر محمد بن الحصين (1) و غيره (2) مضافا الى ما تقدم من النصوص في الأعمى، و الى قاعدة الاجزاء و إطلاقات الصلاة التي لا يقدح في اقتضائها عدم الإعادة خارج الوقت وجوب الإعادة فيه لهذه النصوص، ضرورة رجوع الحال الى قيام الظن مقام الواقع إذا لم ينكشف خلافه في الوقت، فيبقى حينئذ مقتضاه في غير ذلك سالما، بل قوله: «فحسبه اجتهاده» و نحوه في النصوص المزبورة ك

قوله (عليه السلام) في بعض نصوص الأعمى (3) المتقدم سابقا: «فان القوم قد تحروا»

و غير ذلك ما هو كالصريح في أن سقوط القضاء خارج الوقت لصحة الفعل لا انه لطف و ان تحقق اسم الفوات الذي هو موضوع الأمر بالقضاء، مع انه مناف لشدة أمر الصلاة و عظم الاهتمام بها و أنها لا تسقط و لو قضاء بحال.

فلا ريب حينئذ في أن الشرط هنا بقاعدة الاجزاء مع النصوص ظن القبلة مثلا إذا لم ينكشف الخطأ، و يقوى في النظر أن ظهور الخطأ كاشف لفساد الفعل الأول لا أنه مؤثر له من حينه، استبعادا لتأثير شيء في الصلاة بعد الفراغ منها بالتسليم الذي هو الأمان عن عروض المفسدات بعد ذلك، فظهور الخطأ حينئذ سبب لعلمنا بالفساد، و إلا فهي في علم الشارع فاسدة من أول الأمر، و قد يحتمل للكشف معنى آخر قرر نظيره في إجازة الفضولي، و في العلم بالنجاسة المنسية في الوقت، إذ الجميع من واد واحد، خصوصا مسألة النجاسة، و لا يخفى أن مقتضى ذلك مع إطلاق النصوص السابقة عدم القضاء خارج الوقت حتى في الاستدبار، و لا وجه للخروج عنهما ب خبر معمر بن يحيى (4) المتقدم سابقا الذي هو بعد الإغضاء عن سنده غير صريح في ذلك،

____________

(1) الوسائل- الباب 11 من أبواب القبلة الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب 11 من أبواب القبلة.

(3) الوسائل- الباب 11 من أبواب القبلة الحديث 7.

(4) الاستبصار ج 1 ص 297- الرقم 1099 من طبعة النجف.

30

ضرورة عدم قرينة على إرادة خصوص الاستدبار من غير القبلة فيه، خصوصا مع إمكان كون الحقيقي منه من الأفراد النادرة، و سيما من المجتهد، و لا يقدح ذلك في إطلاق تلك النصوص بالنسبة إليه، إذ يمكن استفادة حكمه حينئذ من قاعدة الاجزاء مع القطع بمساواته للتشريق و التغريب في الإعادة في الوقت، أو أولويته منهما بذلك، على أن من المستبعد إرادته خاصة من غير القبلة لا مع غيره من الأفراد، فتأمل جيدا.

فالخبر المزبور على إطلاقه من الشواذ الذي ينبغي عدم الالتفات إليها، خصوصا بالنسبة الى ما بين المشرق و المغرب، بل و نفس المشرق و المغرب، و دعوى أن التمسك بإطلاقه الذي لا يقدح في حجيته تقييده بالأدلة يدفعها أنه إن سلم ذلك فهو في خصوص ما بين المشرق و المغرب، أما هما فلا دليل عليهما سوى الإطلاقات السابقة التي لا تخصهما، و تنزيلها على خصوص التشريق و التغريب فرع الشاهد عليه، فليس حينئذ إلا ترجيحها على الخبر المزبور سندا و دلالة و اعتضادا كما سمعته سابقا، مضافا الى ظهور سيافه في إرادة تقديم الفائتة على الحاضرة لا إرادة القضاء حيث يفوت الاستقبال على كل حال.

و أقرب من ذلك الاستدلال ب

موثق عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «في رجل صلى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته قال:

إن كان متوجها فيما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و إن كان متوجها الى دبر القبلة فليقطع الصلاة، ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة»

مع أنه كالصريح في غير محل النزاع من العلم بالاستدبار بعد خروج الوقت، إذ حمله على ما إذا كان صلاته في آخر الوقت بحيث علم بذلك بعد إدراك الركعة منها مثلا و خروج الوقت كما ترى لا ينبغي الإصغاء اليه، على أن ظاهر الاستدبار فيه ما يشمل

____________

(1) الوسائل الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 4.

31

المشرق و المغرب كما في الرياض، و قضاء الصلاة معهما مخالف الإجماع الا من شذ.

و أشنع من ذلك الاستدلال بما في النهاية من أنه رويت رواية ان من صلى الى استدبار القبلة ثم علم بعد خروج الوقت وجب عليه إعادة الصلاة، و هذا هو الأحوط، و عليه العمل، بل ربما استشعر من ذيل عبارته الإجماع و فيه مع أنها رواية مرسلة بأضعف طرق الإرسال بل يقوى في الظن كما عن ظاهر النكت إرادته موثق عمار السابق الذي قد عرفت عدم دلالته على المطلوب بقرينة استدلاله به عليه في الخلاف و كتابي الأخبار على ما في الكشف بزعم الدلالة، بل لعله هو مراد الناصريات و جمل العلم و العمل بالمرسل فيهما نحو الإرسال السابق على ما في الكشف أيضا، إذ هو (1) في غاية القصور عن الحكم على تلك المطلقات، و جبر ذلك كله بالشهرة المحكية أو المحصلة معارض بأنه موهن بالشهرة المحكية أو المحصلة على ما عرفت. كدعوى اعتضاده بقاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه بناء على أنه القبلة، و العلم و الظن مثلا طريق، كما هو مقتضى

قول أبي جعفر (ع) في صحيح زرارة (2): «لا تعاد الصلاة الا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»

و غيره مما دل على الشرطية، فيشمله حينئذ عموم «من فاتته» و لا يقدح في ذلك خروج ما بين المشرق و المغرب لعموم المنزلة، فلم يفت الشرط، كما أنه لا يقدح خروجهما بالنصوص، بل ظاهر افترانه بما يوجب الإعادة في الوقت و خارجه الاشتراك معه في ذلك. إذ قد عرفت ظهور النصوص في أن الشرط ظن القبلة مثلا، و المراد من الإعادة بفوات القبلة في قول أبي جعفر (عليه السلام) على حسب ما بينته النصوص، إذ لا أقل من كونه مطلقا قيد بها، و يكفي في الشركة ذلك أو مع القضاء في صورة

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و الصحيح «انه في غاية القصور» لكونه مبتدءا للخبر المتقدم و هو قوله: «و فيه».

(2) الوسائل الباب- 9 من أبواب القبلة الحديث 1.

32

التفويت عمدا أو جهلا أو نسيانا، و بناء على عدم إلحاقهما بالظان، كما أن

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (1) الآخر المتقدم سابقا: «يعيد من صلى لغير القبلة»

مطلق أيضا يقيد بها، و كذا مفهوم خبر ابن ظريف (2) و غيره من المطلقات فلا محيص حينئذ عن القول بعدم وجوب القضاء عليه، و اعلم أن هذه المسألة غير مسألة الالتفات التي يأتي حكمها مفصلا في القواطع ان شاء الله.

و كيف كان فبناء على المختار يسقط الاحتياج الى تحقيق المراد من الاستدبار، ضرورة مساواته حينئذ في الحكم للمشرق و المغرب و المنحرف عنهما الى جهته، مع أن الأقوى فيه التحقق بمجاوزة المشرق و المغرب و ان لم يبلغ مقابل القبلة وفاقا لكشف اللثام، لصدق الخروج عن القبلة و الاستدبار لغة و عرفا، و ما سمعته من خبر عمار، و خلافا لثاني الشهيدين في المسالك، قال: «المراد بالاستدبار ما قابل جهة القبلة بمعنى أن كل خط يمكن فرض أحد طرفيه جهة لها فالطرف الآخر استدبار، فلو فرض وقوع خط مستقيم على هذا الخط بحيث يحدث عنهما أربع زوايات قائمة فالخط الثاني خط اليمين و اليسار، فلو فرض خط آخر على الخط الأول بحيث يحدث عنهما زوايا منفرجة و حادة فما كان منه بين خط اليمين و اليسار و خط القبلة فهو الانحراف المغتفر، و ما كان منه بين خط الاستدبار و خط اليمين و اليسار فهو بحكم اليمين و اليسار لا الاستدبار، و انما كان كذلك لأن الخبر (3) الدال على إعادة المستدبر مطلقا عبر فيه بلفظ دبر القبلة، و هو لا يتحقق إلا بما ذكر».

و قريب منه ما في التنقيح، قال: «هنا فائدة يحسن الإشارة إليها، هي أن جهة الكعبة التي هي القبلة للنأتي هي خط مستقيم يخرج من المشرق الى المغرب الاعتداليين

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب القبلة الحديث- 2.

(2) الوسائل الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 5.

(3) الوسائل الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 4.

33

و يمر بسطح الكعبة، فالمصلي حينئذ يفرض من قطرة خطا يخرج الى ذلك الخط. فان وقع عليه على زواية قائمة فذالك هو الاستقبال حقيقة، و إن كان على حادة أو منفرجة فهو الى ما بين المشرق و المغرب، و إن لم يقع عليه بل وازاه فهو الى المشرق أو المغرب، و إن كان بضده فهو الاستدبار» قلت: قد يؤيدهما في الجملة ما ذكر في التخلي من عدم عد مثله استدبارا، و فيه منع أو فرق بين المقامين، فتأمل فيه، و كيف كان فالأمر سهل بعد ما عرفت.

نعم ينبغي أن يعلم أن المراد بالمشرق و المغرب الملحق ما بينهما من جهة القبلة بها في النص و الفتوى الكناية عن اليمين و اليسار، و خصا بالتعبير في النص لمكان قبلة الراوي و المروي عنه، و للغلبة، و بل ظاهر الأستاد في شرحه المفروغية من ذلك، قال: «ما بين المشرق و المغرب بالنسبة الى أهل العراق و اليمين، و بين الشمال و الجنوب بالنسبة الى أهل المشرق و أهل المغرب، و ما بين القوس الجوبي بالنسبة الى أهل الشام، و قس على هذا» قلت: فلا فرق حينئذ بين من قبلته نفس المشرق و المغرب أو غيرهما، و لا يختص هذا الحكم في غير هما كما عساه يوهمه ما في كشف اللثام، قال: «و من المعلوم اختصاص ذلك بمن ليس قبلته المشرق أو المغرب» لكنك قد عرفت أنه ليس في البلاد ما قبلته عين المشرق أو المغرب، فهو على عمومه لكن يشترط أن لا يكون دبر القبلة، و لو لا ما تسمع من كلامه أمكن أن يريد اختصاص ما بينهما بذلك لا أن المنزل منزلة القبلة هو لا غير، و ربما يومي الى ما ذكرنا تعبير أكثر القدماء باليمين و اليسار الذي نص بعضهم على أنه أشمل من التعبير بالمشرق و المغرب، بل قيل لم يعبر أحد قبل الفاضلين بالمشرق و المغرب، بل في الذكرى أن ظاهر كلام الأصحاب ان الانحراف الكثير ما كان الى سمت اليمين و اليسار أو الاستدبار لرواية عمار، و ذكر خبره الذي أسمعناكه، لكن في كشف اللثام بعد حكاية ذلك عنه و هو مبني على كون المشرق و المغرب يمين القبلة و يسارها

34

و انما يتم بالمعنى الذي أراده، و هو اليمين أو اليسار المقاطع لجهة القبلة على قوائم في بعض البلاد، و الأخبار مطلقة، و بلد المخبر و الراوي فيها أيضا منحرف عن نقطة الجنوب الى المغرب، و لم أر ممن قبل الفاضلين اعتبار المشرق و المغرب، و ليس في كلامهما ما يدل على مرادفتهما لليمين و اليسار، و ملاحظة الآية: أي قوله تعالى (1) «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ» و الاخبار ترفع استبعاد أن يكون الانحراف إليهما كثيرا و إن لم يبلغا اليمين أو اليسار، و الانحراف إليهما يسيرا و إن تجاوز المشرق و المغرب.

و أما اليمين و اليسار فهما مذكورتان في الناصريات و الاقتصاد و الخلاف و الجمل و العقود و المصباح و مختصره و الوسيلة، و لكن لا يتعينان للجهتين المقاطعتين للقبلة على قوائم، و انما تظهر مباينتهما للاستدبار، و هي أعم، لكن الاستدبار يحتمل البالغ الى مسامت القبلة و الأعم إلى اليمين أو اليسار، فإن أرادوا الأول شمل اليمين و اليسار في كلامهم كل انحراف الى الاستدبار الحقيقي المسامت، و إن أرادوا الثاني شملا كل انحراف الى اليمين و اليسار المقاطعتين على قوائم لا ما فوقهما، و ذلك لأنهم لم يفصلوا الانحراف إلا بالاستدبار و اليمين و اليسار، قلت: بناء على ما ذكرناه سابقا في كلامهم من عدم إرادتهم ما بين اليمين و اليسار، و انه قبلة عندهم يتعين على الثاني إرادة الانحراف إليهما نفسيهما لا كل انحراف و إن لم يصل إليهما، و الذي يختلج في البال بناء هذا التنزيل على التسامح و التوسعة بإرادة جهة المشرق و المغرب لكل أحد تكون قبلته في هذا السمت، فلا فرق حينئذ بين من انحرفت قبلته عن نقطة الجنوب و الشمال و غيرهما و لا بين الاعتداليين من المشرق و المغرب و غيرهما، إذ المراد التوسعة في أمر الجهة في بعض الأحوال، لكن و مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه بحال.

و كيف كان فقد ظهر لك مما قدمناه سابقا أنه كان مقتضى الأصل المستفاد من

____________

(1) سورة البقرة- الآية 172.

35

إطلاق ما دل على شرطية القبلة الإعادة في الوقت و خارجه بأدنى انحراف، إلا أنه لمكان ما سمعته، من النصوص و غيرها المعارضة لذلك خرجنا عنه الى ما عرفت، لكن ينبغي الاقتصار فيها على ما هو المعتبر من دلالتها عليه، و إلا بقي على الأصل الأول، و لا ريب في اقتضاء إطلاق ما دل على القبلة ما بين المشرق و المغرب عدم الفرق بين الظان و الناسي و غيرهما مما عدا العالم العامد، للإجماع أو الضرورة على خروجه، و قد يلحق به الجاهل بالحكم مقصرا أو لا مع فرض إمكان نية التقرب منه على إشكال خصوصا في غير المقصر منه، ضرورة ظهور النص (1) في إطلاق المنزلة من غير نظر الى أحوال المكلفين، أما غير ذلك مما تقدم حكمه فلا ريب في ثبوته للظان و نحوه مما ورد الأمر به بالخصوص حتى المتحير إذا ضاق عليه الوقت و صلى إلى جهة، أو قلنا بالتخيير له من أول الأمر لشمول النصوص، أو لاقتضاء قاعدة الإجزاء المعتضدة بعدم الخلاف على الظاهر فيه بين أصحابنا كما يومي اليه إرساله إرسال المسلمات في شرح الأستاد و الرياض، اللهم إلا أن يظهر الخلاف ممن اقتصر في التعبير على الظان و المتحري و نحوهما، بل يمكن دعوى ظهور النصوص في غيره، لكن قد عرفت أنا في غنية عنها بالقاعدة.

و كيف كان فقد ألحق الشيخان و الفاضلان و الشهيدان و غيرهم على ما حكي عن بعضهم الناسي، لعموم الأخبار التي يمكن دعوى ظهورها في غيره بشهادة التبادر، و ما في بعضها من ذكر الغيم، و رؤية أنه على القبلة، و حسبه اجتهاده، فإنهم قد تحروا، و نحو ذلك مما لا يخفى على من تأمل في النصوص لا أقل من الشك، فيبقى الأصل الأول سليما، بل لعل صحيح زرارة (2) الذي هو بعض الأصل المزبور كالصريح في تناول النسيان، ضرورة كون المراد فيه لا تعاد الصلاة إلا من فوات خمسة عمدا أو سهوا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القبلة.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب القبلة الحديث 1.

36

و إلا لم يكن لها خصوصية على ما يجب الإعادة بفواته عمدا. و هو جميع واجبات الصلاة، و لحديث رفع الخطأ و النسيان (1) الذي فيه البحث المشهور، و لقاعدة الاجزاء، لا أقل من الشك في صدق اسم الفوات معه، و الأصل براءة الذمة من القضاء المحتاج الى فرض جديد، أما الإعادة في الوقت فلفحوى نصوص الظان (2) و يقين الشغل و غيرهما.

و فيه أن التحقيق عدم جريان قاعدة الاجزاء في مثله، لعدم الأمر به بالخصوص كي يقتضي بظاهره البدلية عن المأمور به الواقعي، و الشك في صدق اسم الفوات عليه للشك في تناول النصوص المزبورة له يوجب بقاءه على مقتضى الأصل الأول الذي من الواضح صدق اسم الفوات معه، ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و من المعلوم إرادة الأعم من عدم الفعل و الفساد الشرعي من الفوات لو سلمنا تعليق وجوب القضاء عليه لا على شيء آخر أوضح في تناول محل النزاع كما تسمعه في محله ان شاء الله، و لعله من هنا استشكله جماعة منهم الفاضلان و الشهيد على ما قيل، بل عن المختلف و نهاية الأحكام الجزم بالعدم ككشف اللثام و شرح الأستاد الأكبر، و لا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى.

و أضعف منه إلحاق الجاهل بالحكم به كما وقع من بعضهم، لإطلاق الأدلة و ترك الاستفصال فيها، و فيه أن ملاحظة ما فيها من قوله: «استبان» و نحوه مما سمعته في الناسي كالصريح في إرادة غيره، خصوصا مع ضميمة أصالة صحة فعل المسلم، بل لو جاز الركون الى مثل هذه الإطلاقات ما كان ينبغي الاقتصار على المسألتين في الاستثناء من حكم الجاهل، و لتخيل جريان حكم الظان من الإعادة في الوقت و عدمها في الخارج على مقتضى الأصل، و هو كما ترى، خصوصا بعد الأدلة القطعية على كونه كالعامد،

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 11- من أبواب القبلة.

37

و تسمع ان شاء الله في قواطع الصلاة ما له نفع في المقام، و الله أعلم.

هذا كله إذا تبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة فأما إن تبين الخلل و هو في الصلاة فإنه يستأنف مع سعة الوقت على كل حال إلا أن يكون منحرفا يسيرا، فإنه يستقيم و لا إعادة لا طلاق الأدلة السابقة، و خصوص موثق عمار (1) و لأن شرط الكل شرط البعض، كما أن ما لا يفسد الكل لا يفسد البعض، و إطلاق

خبر القاسم ابن الوليد (2) «سألته عن رجل تبين له و هو في الصلاة انه على غير القبلة قال: يستقبلها إذا ثبت ذلك، و ان كان فرغ منها فلا يعيدها»

منزل على الانحراف اليسير بناء على إرادة القبلة من الضمير، و إن أريد الصلاة وجب حمله على الكثير، كما أنه يجب حينئذ حمل نفى الإعادة فيه على خروج الوقت، ضرورة قصوره سندا و دلالة عن إثبات حكم مخالف لما ذكرناه مما هو مقتضى الأصول و الأدلة السابقة، فما يحكى عن يحيى بن سعيد- من إطلاق الانحراف إن تبين الخطأ في الأثناء- فيه ما لا يخفى، كما أن المحكي عن المبسوط كذلك أيضا، فإنه بعد أن ذكر الخلاف في قضاء المستدبر قال: «هذا إذا خرج من صلاته، فان كان في حال الصلاة ثم ظن ان القبلة عن يمينه أو شماله بنى عليه و استقبل القبلة و يتمها، و إن كان مستدبر القبلة أعادها من أولها بلا خلاف» مع احتمال إرادته ما بين المشرق و المغرب من اليمين و الشمال كما في الخبر، و نفسهما مع الاستدبار من الاستدبار، فلا يكون مخالفا حينئذ، و يؤيده أن ذلك أقرب لنفي الخلاف من غيره و ان كان موهونا بندرته و شذوذه، و محجوجا بما عرفت، أما لو تبين في أثنائها الخطأ الموجب للإعادة في الوقت و كان الوقت قد خرج كما لو كانت صلاته بإدراك ركعة مثلا من الوقت و بان له الخطأ في الثانية أو الثالثة ففي الذكرى فيه وجهان، من فحوى أخبار نفي القضاء، و من إطلاق خبر عمار، و أنه لم يأت بها في الوقت، و في كشف اللثام

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القبلة الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب القبلة الحديث 3.

38

«و قد يتأيد بكون نحو هذه الصلاة أداء و إن كان الاستيناف قضاء اتفاقا- الى أن قال بعد أن حكى عبارة المبسوط السابقة-: و هو يعطي انتفاء الخلاف في ثاني الوجهين، و كذا ما في الشرائع و التحرير و التذكرة و المعتبر و المنتهى يعطيان الأول».

قلت: لا يخفى ما في اندراج الفرض في إطلاق هذه الفتاوى، بل و الموثق بناء على تنزيله على الوقت. مع أنه أشكله في الرياض أيضا تبعا للأستاد الأكبر بأن الظاهر تقدم مراعاة الوقت على مراعاة القبلة، و لذا يجب على الجاهل بها الغير المتمكن من الاجتهاد فيها أن يصلي الى حيث شاء في الجملة أو مطلقا، بل تقدمه على جل واجبات الصلاة من الشرائط و الأجزاء، ثم قال: و استشكل فيه الشهيدان، بل رجح الإلحاق بالصورة الأولى: أي الانحراف يسيرا ثانيهما و سبطه في المدارك و غيرهما، و هو الأقوى قلت: لا يخفى عليك ما في ذلك كله من النظر، و إن كان الأقوى فيه الاستقامة ثم الإتمام، لكن لا لما ذكره من القضاء المنفي، لانتفاء الدلالة على بطلان اللازم، ضرورة اختصاصه بما لو جاء بالفعل تاما في الوقت ثم بان له الخطأ خارج الوقت فإنه حينئذ لا قضاء لصحة فعله السابق بقاعدة الاجزاء، و ب

قوله (1) (عليه السلام):

«فحسبه اجتهاده»

و غيرهما مما تقدم، لا إذا لم يأت بشيء يكون سببا لسقوط القضاء عنه، و لا لترجيح الوقت على غيره عند التعارض الذي هو خارج عما نحن فيه عند التأمل، بل هو لصحة ما وقع منه في صلاته، إذ الفرض ظهور الخطأ خارج الوقت، و قد عرفت أنه في هذا الحال لا يفسد ما في الوقت من تمام الفعل، و ما لا يفسد الكل لا يفسد البعض، و دعوى أنه من ظهور الخطأ في الوقت باعتبار تنزيل الشارع إدراك الركعة منزلة إدراك الوقت كما ترى، ضرورة عدم التلازم، و صدق خروج الوقت لغة و عرفا، على أن المراد من الوقت هنا المتمكن من الإعادة فيه كما هو ظاهر النصوص

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من أبواب القبلة- الحديث 6.

39

فإذا صح الأول وجب الإتمام المتمكن من فعله جامعا للشرائط، فيستقيم حينئذ (1) لما بقي و يتم صلاته، و لعله اليه يرجع ما في المدارك من التعليل بأنه دخل دخولا مشروعا، و الامتثال يقتضي الاجزاء، و الإعادة انما تثبت إذا تبين الخطأ في الوقت على ما هو منطوق روايتي عبد الرحمن (2) و سليمان بن خالد (3) فتأمل جيدا، و الله أعلم.

المسألة الثالثة إذا اجتهد لصلاة و قد دخل وقت أخرى فإن تجدد عنده شك

في اجتهاده السابق بحيث زال الظن منه و لو لقوة احتمال تغير الأمارات السابقة أو حدوث غيرها استأنف الاجتهاد وجوبا، لوجوب الدخول في الصلاة بالعلم أو الظن مع التمكن، و استصحاب حكم الظن الأول لا وجه له بعد ظهور النصوص (4) و الفتاوى في دورانه مدار الظن، فلا بقاء له مع انتفائه، لا أقل من أن يكون ذلك هو المتيقن منهما في البدلية عن العلم، و دعوى إطلاق

قوله (5) إذا لم يعلم أين وجه القبلة: «فاجتهد رأيك و تعمد القبلة جهدك»

و غيره من أدلة الاجتهاد يدفها ظهوره في إرادة أن كل ما كانت القبلة شرطا فيه إذا لم تعلم أين وجهها فاجتهد الى آخره، لا أن المراد الأمر بطبيعة الاجتهاد التي تحصل بمرة في العمر قطعا، إذ فيه من المفاسد المعلومة من المذهب ما لا يخفى.

نعم يمكن دعوى ظهوره في الاجتزاء بالاجتهاد الواحد للعمل الواحد، فلا يقدح حينئذ حدوث الشك في الأثناء، لحصول الشرط، و لاستصحاب الصحة، و غير ذلك مما لا يخفى، و لعل ما في التذكرة و التحرير و المنتهى على ما قيل من عدم الالتفات لو تجدد شك في أثناء الصلاة مبني على ذلك، لكن في كشف اللثام لا بأس عندي بتجديد

____________

(1) هو جيد ان لم يكن الاستقامة فعلا كثيرا «منه (رحمه الله)».

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القبلة الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القبلة الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب القبلة.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب القبلة الحديث 2.

40

الاجتهاد إن أمكنه من غير إبطال الصلاة، قلت: لا ريب في عدم البأس به، و أنه أحوط، فيجتهد حينئذ، فإن وافق الأول استمر، و ان خالفه يسيرا استقام و أتم، و إن خالفه كثيرا كان كظهور الخطأ بالاجتهاد بعد الفراغ الذي ستسمع الكلام فيه، و أنه عندنا لا ينقض السابق فيتمها حينئذ على الأخير، و لا إعادة، فلاحظ و تأمل.

إنما البحث في وجوب هذا الاجتهاد عليه، و في البطلان الصلاة لو فرض توقفه على ذلك، لأنه لا يجوز إتمامها على الشك كالأعمال المستقلة، لاشتراك الجميع في اشتراط الاستقبال، و ليس هو إبطالا للعمل، بل بطلان، لكن في كشف اللثام في مسألة نقض الاجتهاد بالاجتهاد التصريح بأنه إن لم يمكنه الاجتهاد في الصلاة أتمها و لم يلتفت الى شكه، فإذا فرغ استأنف الاجتهاد، و هو لا يخلو من وجه إن لم يكن الأقوى، لكن لا ريب أن الأحوط الإتمام ثم الاستئناف بعد تجديد الاجتهاد.

هذا كله ان تجدد شك و إلا يتجدد شك بنى على اجتهاده الأول قطعا، إذا فرض العلم بعدم تغير الامارات و عدم حدوث غيرها، و إذ احتمال التعبدية مقطوع بعدمه، أما إذا علم تغيرها أو حدوث غيرها وجب عليه التجديد و ان لم يزل ظنه السابق، لعدم صدق بذل تمام جهده في هذا الحال لو اقتصر على الأول، و لأن الاجتهاد الثاني ان وافق الأول تأكد الظن، و طلب الأقوى واجب، و ان خالفه عدل الى مقتضاه، لأنه لا يكون إلا لأمارة أقوى، فهو أبدا متوقع لظن أقوى، بل مال في كشف اللثام الى ذلك لو احتمل الحدوث أو التغير فضلا عن الظن و العلم لعين ما عرفت، و قد تبع بذلك الشيخ في المبسوط، قال فيما حكي عنه: يجب على الإنسان أن يتتبع أمارات القبلة كل ما أراد الصلاة عند كل صلاة، اللهم إلا أن يكون قد علم أن القبلة في جهة يعينها أو ظن ذلك بأمارات صحيحة ثم علم أنها لم تتغير جاز حينئذ التوجه

41

إليها من غير أن يجدد اجتهاده في طلب الامارات، و قد استدل له بما سمعت، و بوجوب السعي في طلب الحق أبدا، لكن في كشف اللثام قلنا: نعم إذا لم يكن سعى أو احتمل حصول العلم أو ظن أقوى مما قد حصله موافق أو مخالف له.

قلت: لا يخفى استلزام كلام الشيخ الثاني، و مقتضاه حينئذ التكرير الصلاة واحدة إذا أخرها عن اجتهاده لها و احتمل تغير الأمارات أو حدوث غيرها، كطلب الماء عند إرادة التيمم، إذ هما من واد واحد، نعم قد يفرق بينهما بتغير المكان و عدمه، إذ أدلة القبلة لا تختلف بحسب المكان بخلاف التيمم لكن و مع ذلك كله فقد يفرق في المقام بين العلم بحدوث الأمارات أو تغيرها و بين احتمال ذلك، فيجب تجديد الاجتهاد في الأول بخلاف الثاني، استصحابا للظن المجزي، و صدق الصلاة باجتهاد، فهو كالمجتهد في الأحكام الذي لا يجب عليه بمجرد احتمال التغير أو قوة الظن تجديد الاجتهاد قطعا، إذ أقصى ما حكي عن جماعة من المحققين وجوب النظر على المجتهد فيما اجتهد فيه إذا لم يكن الدليل حاضرا، مع أن فيه للنظر مجالا، اللهم إلا أن يفرق بينهما بأن وجوب التجديد في الثاني بمجرد الاحتمال مستلزم للعسر و الحرج المنفيين آية و رواية بخلاف المقام، و على كل حال فقد ظهر لك أن إطلاق المتن و الفاضل و بعض من تأخر عنه عدم التجديد كإطلاق المبسوط وجوبه و لا يخلو من بحث، و طريق الاحتياط غير خفي.

المسألة الرابعة لا إعادة فضلا عن القضاء لو ظهر خطأ الاجتهاد

بالاجتهاد و إن كان كثيرا، كأن رأى نجما فظنه سهيلا ثم ظنه جديا، أو رأى قبرا فظن أحد طرفيه رأسه ثم ظنه رجليه، أو رأى محرابا ظنه كنيسة ثم ظنه بيعة أو محرابا لنا، أو هبت ريح فظنها صباء ثم ظنها دبورا كما صرح به جماعة، بل عن الفاضل أنه لا يعرف فيه خلافا، للأصل بعد اختصاص أدلة الإعادة في الظاهر بمن بان له بغير الاجتهاد، و لقاعدة الاجزاء

42

و لأن نقض الأول بالثاني ليس بأولى من العكس، فهو حينئذ كالاجتهاد في الأحكام بل ما نحن فيه أولى، ضرورة ظهور النص (1) في بدلية الظن لقاعدة الاجزاء، بخلافه في الأحكام، لاحتمال العذرية فيه إن لم يكن الأقوى، لعدم دليل لفظي يقتضي بظاهره البدلية و من هنا لو علم المجتهد في الحكم خطأه بدليل قطعي قضى في خارج الوقت بخلافه هنا كما عرفت، فلو صلى حينئذ أربع صلوات بأربع اجتهادات لم يجب عليه فعل واحدة منهن، لأن كل واحدة قد صليت باجتهاد لم يتبين فيه الخطأ، فما عن نهاية الأحكام من احتمال قضاء الجميع، لأن الخطأ متيقن في ثلاث صلوات منها و ان لم يتعين، فأشبه ما لو فسدت صلاة من صلوات، و احتمال قضاء ما سوى الأخيرة لكون الاجتهاد الأخير ناسخا لما قبله ضعيف، لما عرفت من عدم مدخلية الواقع، و دعوى الاندراج في الأدلة للعلم بالخطإ في الجملة يدفعها ظهورها في العلم بالخطإ بالخصوص كما لا يخفى، فالاحتمالان حينئذ في غاية الضعف، خصوصا الثاني الذي هو تحكم، إذ الاجتهادات متعاقبة متنافية، ورد أولهما في الذكرى بأنه لو وجبت الإعادة لم يؤمر بالصلاة مع تغير الاجتهاد، و لعله أراد ما أشرنا إليه من عدم أولية نقض الأول بالثاني من العكس، إذ صيرورته الآن و هما لا يقدح فيما وقع فيه حال كون الثاني و هما، نعم هو أرجح منه بالنسبة الى ما يأتي من الافعال، كرجحان الأول قبل أن ينقلب و هما.

و من ذلك يعلم ما في الذكرى من أنه يحتمل قويا مع تغير الاجتهاد أن يؤمر بالصلاة إلى أربع، لأن الاجتهاد عارضه الاجتهاد فيتساقطان فيتحير، و لا يجب إعادة ما صلاة أولا، لإمكان صحته و دخوله مشروعا، إذ هو كما ترى ضعيف جدا، كالإشكال في القواعد في أصل الحكم، قال: لو ظهر خطأ الاجتهاد بالاجتهاد ففي القضاء أي إعادة ما صلى بالأول مطلقا أو بالوقت خاصة على حسب ما مر من وجوه

____________

(1) الوسائل الباب- 6 من أبواب القبلة.

43

الخطأ إشكال، و لعله مما عرفت و من احتمال أن الشرط التوجه إلى القبلة لا ما ظنها، و قد ظن اختلال الشرط فظن انه لم يخرج عن العهدة، و على المكلف أن يعلم خروجه عنها أو يظنه إن لم يمكنه العلم، أو يقال شرط الصلاة استقبال ما يعلمه أو يظنه قبلة بشرط استمراره، و لذا يعيد إذا علم الخطأ و لم يستمر الظن هنا، و أيضا فتعارض الظنان فيجب عليه الصلاة مرتين و إن خرج الوقت، لوجوب قضاء الفائتة إجماعا، و قد فاتته إحدى الصلاتين الواجبتين عليه، قال في كشف اللثام: «و في الأول ان على المكلف علم الخروج أو ظنه عند الفعل لا أبدا، و خصوصا بعد خروج الوقت» قلت: قد يناقش بأن مقتضاه حينئذ عدم الإعادة حتى لو علم الخطأ بعد ذلك، فينبغي تقييده حينئذ بما إذا لم يعلم الخطأ في الوقت، و الأمر سهل، و في الثاني انا انما نسلم اشتراط عدم ظهور الخطأ و العلم به و خصوصا إذا خرج الوقت، و في الأخير أن الصلاتين انما تجبان لو تعارض الظنان في الوقت: أي قبل وقوع الفعل بحيث آل الأمر إلى الشك بسبب التعارض.

هذا كله لو ظهر خطأ اجتهاده بالاجتهاد، أما لو علم خطأه في الوقت بما يوجب الإعادة أو ظنه و قلنا إنه كالعلم و لم يترجح عنده جهة بل بقي متحيرا لا انه اجتهد الى غير الجهة فعليه الإعادة ثلاث مرات الى ثلاث جهات أخرى، و في خارج الوقت وجهان، أصحهما عندنا العدم، خصوصا مع احتمال كون الخطأ مما يوجب الإعادة في الوقت فالأصل البراءة، قال في كشف اللثام: و إن شك في اجتهاده ضعف الإعادة جدا، و خصوصا القضاء، قلت: بل لا وجه لها بعد ما عرفت من عدم نقضه بالظن فضلا عن الشك، فلم يظهر له خطأ فعله أصلا، فلا يندرج في نصوص الإعادة، ثم قال: و إن شك أو ظن الخطأ في أثناء الصلاة و لم يترجح عنده جهة و أمكنه استئناف الاجتهاد في الصلاة استأنفه، فإن وافق الأول استمر، و إن خالفه يسيرا استقام و أتم، و إن

44

خالفه كثيرا كان كظهور الخطأ بالاجتهاد بعد الفراغ، و إن لم يمكنه استئناف الاجتهاد فيها أتمها و لم يلتفت الى شكه أو ظنه، فإذا فرغ استأنف الاجتهاد، قلت: قد عرفت في المسألة السابقة أن الاشكال في وجوب الاجتهاد عليه في الأثناء مع لتمكن و في جواز الإتمام و الاجتزاء به مع عدم التمكن، ثم قال: و إن تيقن الخطأ في الأثناء و لم يترجح عنده جهة و لا يمكنه الاجتهاد و هو في الصلاة فإن ضاق الوقت أتمها، و إلا استأنف الصلاة إن علم أن له أن يجتهد أو يحصل العلم إذا أبطل الصلاة، و إلا احتمل إتمامها ثم السعي في تحصيل القبلة، فإن حصلها و إلا كانت هذه إحدى الأربع، قلت: لا يخفى عدم خلوه عن البحث في الجملة بعد تقييد الإتمام في كلامه بأن يكون على غير تلك الجهة التي علم خطأها، هذا.

و في المحكي عن التحرير و المنتهى أنه لو بان له الخطأ في الأثناء و لم يعرف القبلة إلا بالاجتهاد المحوج الى الفعل الكثير فإنه يقطع و يجتهد، و لعل ظاهرهما سعة الوقت و العلم بحصول الاجتهاد مع الابطال، فلا منافاة حينئذ بينهما و بين ما في الكشف، نعم أطلق في الذكرى أنه إن لم يمكن تحصيله حال الصلاة فالأجود البطلان، لامتناع الاستمرار على الخطأ و عدم علم الجهة و ظنها، قلت: قد يحتمل أنه يكون متحيرا باعتبار حرمة قطع الصلاة، فيعدل عن جهة الخطأ و يتمها، و إن كان الأقوى ما ذكره، ثم قال: و لو تحير الشامي أو اليمني فاجتهد و صلى إلى جهة فانكشف الغيم فإذا كوكب في الأفق يقطع بأنه إما في المشرق، أو المغرب و هو بإزائه فإنه يتبين الخطأ قطعا، و يحكم هنا ببطلان الصلاة في الحال، فان رأى الكوكب ينحط علم به المغرب، و إن رآه يرتفع علم به المشرق، و ان أطبق الغيم في الحال فالتحيير باق إلا أنه في جهتين، فان انكشف فيما بعد و إلا صلى إليهما لا غير، و لو كان المصلي مشرقيا أو مغربيا لم يحكم ببطلان صلاته في الحال بظهور الكوكب الأفقي، بل يتربص فينتظر علوه و عدمه فيبني على

45

ما علمه، و لو عاد الغيم في الحال لم يحكم هنا ببطلان الصلاة الى الجهة الأخرى، و يمكن ذلك إن لم يكن الاجتهاد الأول باقيا و لا يجدد غيره، و إن كان باقيا فلا، و ان تجدد غيره استأنف، و لو كان المصلي في إحدى الزوايا التي بين الجهات الأربع فظهور الكوكب الأفقي لا يبطل استمراره أيضا في الحال، بل بعد اعتبار العلو و الانخفاض مراعيا ما سلف، فيستمر مع إصابة القبلة و ما في حكمها، و يستأنف مع عدمها إن بقي الوقت أو مطلقا لو كان مستدبرا على القول به، و لو عاد الغيم فان قطع على مخالفة قبلته و ما في حكمها أعاد إلى الجهات التي يعلم معها إصابة القبلة، و إن لم يقطع على المخالفة فالبناء متعين و في الصلاة الى جهة أخرى الاحتمال، فيراعي جهتين ليس فيهما محض المشرق و المغرب، و الله أعلم.

المسألة الخامسة قد ظهر مما قدمنا أنه لا بأس بائتمام المجتهدين بعضهم ببعض

و إن تضادوا في الاجتهاد أو اختلفوا بالكثير فضلا عن الاختلاف اليسير، لصحة صلاة كل واحد منهم واقعا بقاعدة الاجزاء و غيرها مما عرفته سابقا وفاقا لكشف اللثام، و لم يستبعده في التذكرة و المدارك، و خلافا للشيخ و جماعة، بل قيل الأكثر كالفاضلين و الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم، فهو حينئذ كالجماعة حول الكعبة أو في شدة الخوف، و ما في الذكرى- من منع الاقتداء حالة الشدة مع اختلاف الجهة، و لو سلم فالاستقبال فيه ساقط بالكلية بخلاف المقام، و من ظهور الفرق بين المصلين إلى نواحي الكعبة و بين المجتهدين بالقطع بأن كل جهة قبلة هناك و القطع بالخطإ هنا، و كذا نقول في صلاة الشدة ان كل جهة قبلة- كما ترى في غاية الضعف، ضرورة اشتراك الجميع في ذلك، فكما أن كل جهة من الكعبة قبلة فكذا قبلة كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده، فكما تصح صلاة كل ممن حول الكعبة قطعا للاستقبال تصح صلاة هؤلاء قطعا، و كما يقطع بصحة صلاة المصلين في شدة الخوف للاستقبال أو لعدم اشتراطه في حقهم فكذا صلاة هؤلاء،

46

و لا يضر الافتراق بأن كل جهة من الكعبة قبلة على العموم بخلاف ما أدى اليه الاجتهاد فإنما هو قبلة لهذا المجتهد.

و كذا الكلام إذا علم أحدهما و اجتهد الآخر و تخالفا و إن لم يذكروه من غير فرق بين اقتداء العالم بالمجتهد و العكس، و إن كان الأول أبعد، إلا أنه لا بأس به عند التحقيق، لصحة صلاته واقعا في حقه لا عذرا، و لا يجب في الائتمام أزيد من ذلك، و من الغريب تعليل الذكرى عدم الجواز في أصل المسألة بأن المأموم إن كان محقا في الجهة فسدت صلاة إمامه، و إلا فصلاته، فيقطع بفساد صلاة المأموم على التقديرين، إذ قد عرفت أنه لا فساد في شيء من صلاتهما بعد بدلية الظن شرعا، كالتيمم، و أضعف من ذلك احتمال البطلان في الخطأ اليسير في التذكرة، ثم قال: و هو أحد وجهي الشافعية، و لثاني له، ذلك لقلة الانحراف، ثم قال: و هما مبنيان على أن الواجب إصابة العين أو الجهة، و نحوه عن نهاية الأحكام، إذ فيه مع أنك قد عرفت فيما تقدم كون فرض البعيد الجهة عنده و عند غيره أنه لا وجه لهذا البناء، ضرورة عدم حصول الجهة فيه أيضا، و إلا لجاز اختيارا التوجه الى ما بين المشرق و المغرب، لأن الواجب الجهة، و الفرض حصوله، بل هو ليس إلا لتنزيل الشارع له منزلة القبلة مع العذر، فصلاة كل منهما صحيحة واقعا نحو ما قلناه في التخالف الكثير، فالقول بالصحة هنا عند التأمل لازمة لها هناك، مع أن الشهيد استقرب الجواز فيها و منع في تلك، و فيه ما لا يخفى.

و من ذلك كله يظهر لك الحال فيما ذكروه هنا من أنه لو صلى جماعة جماعة في ظلمة بالاجتهاد فلما أصبحوا علموا الاختلاف و لم يعلموا جهة الإمام صحت صلاتهم عندنا و لا قضاء، بل يمكن ذلك على القول الآخر أيضا، إذ لم يعلم أحد منهم مخالفة الإمام كما استوجهه في التذكرة لكن في الذكرى أن الأقرب أنه إن كانت الصلاة مغنية عن القضاء بأن لم يكن في الجهة استدبار، أو قلنا إنه لا يوجب القضاء فصلاتهم صحيحة، و التخالف

47

هنا في الجهة مع الامام غير ضائر لأن غايته الصلاة خلف من صلاته فاسدة في نفس الأمر و هو لا يعلم الفساد. و إلا قضى كل من علم انه صلى إلى جهة توجب ذلك، و كذا عليه الإعادة إن علم ما يوجبها و الوقت باق دون من علم خلافه أو جهل الحال، و لو جهلوا أجمع فلا إعادة و لا قضاء، و لو علموا أن فيهم من عليه القضاء أو الإعادة و لم يتعين فالأقرب ان لا قضاء و لا إعادة كواجدي مني في ثوب مشترك بينهما، لأصل صحة الصلاة، و يحتمل أن يكون عليهم الإعادة ليتيقنوا الخروج عن العهدة، قلت: لا يخفى عليك ما في هذا الاحتمال خصوصا في المقام، كما أنه لا يخفى عليك ما في كلامه بناء على المختار، بل في كشف اللثام و هذا موافق للتذكرة في أن هذا التخالف لا يوجب القضاء و لا الإعادة لتخالف الامام و المأموم، و انما وجب أحدهما فيما فرضه بسبب آخر.

ثم لا يخفى عليك أن امتناع اقتداء أحد المتخالفين بالآخر لو قلنا به لا يقتضي امتناع اعتداده بقبلة الآخر في كل أمر، بل يحل له ذبيحته، لأنا لا نعرف خلافا كما في كشف اللثام في أن من أجل بالاستقبال بها ناسيا أو جاهلا بالجهة حلت ذبيحته كما يأتي، و تجتزى بصلاته على الميت و إن كان مستدبرا، لأن المسقط لها عن سائر المكلفين انما هي صلاة صحيحة جامعة للشرائط عند مصليها لا مطلقا، و إلا وجب على كل من سمع بموت مسلم أن يجتهد في تحصيل علمه بوقوع صلاة جامعة للشرائط عنده ليخرج عن العهدة، و لا قائل به كما في الكشف.

نعم لا يكمل عدد أحدهما بالآخر في صلاة الجمعة بناء على ذلك، و لم يجز لهما أن يصليا جمعة واحدة، بل أطلق في القواعد أنهما يصليان جمعتين، و لعله لأصل البراءة من التباعد مع اعتقاد كل بطلان صلاة الآخر، و فيه نظر ظاهر، نعم إن تعذر لضيق وقت أو غيره و وجبت عليهما عينا صليا كذلك، و ان وجبت تخييرا قال في كشف اللثام احتمل عندي ضعيفا، و كيف كان فإذا صليا معا ففي القواعد اكتفيا بخطبة واحدة

48

يسمعها الجميع، اتفقا في الصلاة أو سبق أحدهما الآخر، فلا يتوهم أن الخطبة الواحدة إنما تكفي مع اتفاقهما، خصوصا إذا طال الفصل، و لا أن عليهما الاتفاق في الصلاة ليعقد كل منهما صلاته و لما تنعقد صلاة أخرى صحيحة شرعا، عند مصليها، لكن في كشف اللثام ان الاحتياط عندي الاتفاق إن جازت صلاتهما، لما أشرت إليه من ضعف الدليل.

قلت لا يخفى عليك سقوط ذلك كله عندنا، و انه لا مانع من الائتمام من هذه الجهة، نعم قد يشك فيها باعتبار عدم كونها من الهيئة المعلومة للجماعة، و خروج الاستدارة حول الكعبة بالإجماع المدعى في الذكرى و غيره لا يقضي بخروج غيرها، لحرمة القياس، فلا ينبغي حينئذ ترك الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة، كما انه لا يخفى عليك أيضا بعد ما ذكرنا ما في الذكرى من انه لو تغير اجتهاد أحد المأمومين انحرف و نوى الانفراد إذا كان ذلك غير يسير، و لو تغير اجتهاد الامام انحرف و أتم المأمومون منفردين أو مؤتمين ببعضهم، نعم ما ذكره فيها هنا بعد ذلك جيد جدا كما لا يخفى على من أحاط بما أسلفناه في المباحث السابقة، ثم قال: و لو ضاق الوقت إلا عن صلاة و أدى اجتهاد أحدهم إلى جهة جاز للآخر الاقتداء به إذا قلده و ان كان مجتهدا، لتعذره حينئذ. و هل يجب عليه تقليده؟ الأقرب نعم، لعجزه و ظن صدق الآخر، و وجه المنع ان الشرع جعل فرضه عند ضيق الوقت التخيير، فليس عليه سواه، و فيه منع ظاهر، إذ التخيير انما يكون عند عدم المرجح، و الله أعلم.

[المقدمة الرابعة في البحث عن لباس المصلي]

المقدمة الرابعة من مقدمات الصلاة في البحث عن لباس المصلي و فيه مسائل:

[المسألة الأولى لا يجوز الصلاة في جلد الميتة]

المسألة الأولى لا يجوز الصلاة في جلد الميتة و غيره من أجزائها

49

و لو كان مما يؤكل لحمه، سواء دبغ أو لم يدبغ إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا أو متواترا كالنصوص (1) التي

في بعضها (2) «لا يلبس في الصلاة و لو دبغ سبعين مرة»

فضلا عما دل منها على النهي (3) عن استعمال الميتة و مطلق الانتفاع بها حتى الآية (4) بناء على عدم إرادة خصوص الأكل منها، و ما في الذكرى من استثناء من شذ منا من اتفاق الأصحاب على عدم جواز الصلاة فيه لم نتحققه، و لعله الشلمغاني الذي حكي عن ظاهره الجواز، لكن لم يثبت انه منا، لما قيل من انحرافه، و لذا رفضت كتبه، و أما احتمال أنه الصدوق و الكاتب ففيه أنهما و إن قالا بطهارته إلا أنهما وافقا على المنع من الصلاة، و من هنا حكي عن المجمع الإجماع من أصحابنا حتى القائلين بطهارته، و منه يعلم حينئذ عدم انحصار المانعية فيه بالنجاسة، بل الموت من حيث أنه موت مانع لها أيضا، لظاهر النصوص (5) و لذا ذكر بالخصوص، و لم يكتفوا عنه باشتراط الطهارة في اللباس، قيل كما أنه لم يكتفوا عنه باشتراط كونه من مأكول اللحم باعتبار كونه و لو للموت من غيره، فتجتمع حينئذ فيه عندنا ثلاث جهات للمنع، لكن فيه أن مثله لا يندرج في إطلاق غير مأكول اللحم المنصرف بالتبادر إلى ما لا يكون كذلك بغير الموت، كما أن مأكول اللحم يكفي في صدقه تقدير التذكية، و لذا جاز الصلاة في فضلاته التي لم تنجس بملاقاته كالشعر و الصوف و نحوهما، فينحصر المنع حينئذ في جهتين.

و كيف كان فلا إشكال في مانعية الموت للصلاة، بل

قول الصادق (عليه السلام) لزرارة (6) في صحيح ابن بكير: «و إن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و شعره

____________

(1) الوسائل- الباب- 1 من أبواب لباس المصلي.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب 34- من أبواب الأطعمة المحرمة- من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(4) سورة المائدة- الآية 4.

(5) الوسائل- الباب- 2 من أبواب لباس المصلي.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.

50

و بوله و روثه و ألبانه و كل شيء منه جائزة إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح»

ظاهر في اشتراط التذكية، ك

خبر علي بن أبي حمزة (1) «سألت أبا عبد الله و أبا الحسن (عليهما السلام) عن لباس الفراء و الصلاة فيها فقال: لا تصل فيها إلا فيما كان منه ذكيا، قلت: أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ فقال: بلى إذا كان مما يؤكل لحمه.»

و غيرهما، فكان الأولى تعبير المصنف و غيره باشتراط التذكية لا بأن لا يكون جلد ميتة، اللهم إلا أن يراد العلم بعدم كونه جلد ميتة، فيكون حينئذ بمعنى اشتراط التذكية، و لعله كذلك، لظهور اتفاق الأصحاب على عدم الواسطة بين الحكم بالتذكية و الحكم بالميتة، فلا تفاوت حينئذ بين اشتراط التذكية و بين اشتراط عدم كونه ميتة، إذ المشكوك فيه باعتبار عدم العلم بتذكيته و عدم أمارة شرعية تدل عليها محكوم بأنه ميتة لأصالة عدم التذكية، و معروفية الفرق بين الشرط و المانع بالاكتفاء في نفي الثاني بالأصل دون الأول انما هي حيث يكون نفي الثاني مقتضى الأصل، لا نحو المقام الذي مقتضى الأصل تحققه، و المناقشة في حجية الأصل و غيره من أقسام الاستصحاب مفروغ من فسادها في محله، كالمناقشة فيه بأنه معارض بأصالة عدم الموت حتف أنفه، فتبقى كل من أصالة عدم الاجتناب و قاعدة الطهارة و استصحاب حالة الحياة و طهارة الملاقي سالمة عن المعارض، إذ قد سبق في كتاب الطهارة أنه لا معنى لأصالة عدم الموت حتف أنفه، بل الأصل بقاؤه إلى الغاية التي أجلها الله له، و الأصل عدم عروض شيء غيرها، و به ينقطع أصالة الطهارة و قاعدة فضلا عن أصالة طهارة الملاقي و عدم الاجتناب، خصوصا بعد اشتراط الشارع بقاءها بالتذكية المشكوك فيها الذي مقتضى الأصل عدمها، فلا معنى لاستصحاب حال الحياة لما بعد الموت الذي هو حالة أخرى، و ثبوت الطهارة فيه للتذكية لا للحياة السابقة، و لو سلم أنها تلك الطهارة فهي مشروطة بالتذكية التي قد عرفت اقتضاء الأصل

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.