جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج12

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
460 /
1

-

2

[تتمة القسم الأول في العبادات]

[تتمة كتاب الصلاة]

[تتمة الركن الثالث في بقية الصلوات و فيه فصول]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[ (الفصل الرابع) في الصلاة على الأموات]

(الفصل الرابع) من الفصول السابقة في الصلاة على الأموات و

[في أقسام الصلاة على الأموات]

فيه أقسام:

[القسم الأول من يصلى عليه]

الأول من يصلى عليه و هو كل من كان مظهراً للشهادتين بحيث صار بذلك من المسلمين، و لم يكن قد صدر منه مع ذلك ما يوجب اندراجه في الكافرين، فتجب الصلاة عليه حينئذ بلا خلاف فيه في المحكي عن المنتهى و إن كان المعقد فيه المسلم كالمحكي عن الإجماع في التذكرة و عن مجمع البرهان، إذ هو هو، ضرورة عدم إرادة ما يشمل الخوارج و الغلاة و نحوهما ممن انتحلوا الإسلام و كفروا بإنكار ضرورياته منه، و لذا فرع بعضهم خروجهم على اعتبار الإسلام في المصلى عليه، و في الخلاف و المحكي عن المبسوط لا يصلى على القتيل من البغاة لكفره، لكن عن الأول في قتال أهل البغي أنه يصلى عليه للعموم و الاحتياط، و قد يريد بالثاني من لم يصل ببغيه إلى حد الكفر بخلاف الأول فيرتفع الخلاف، كما أنه يرتفع بما سمعته بين المتن و من عبر كعبارته كالقواعد و الجمل و العقود و الإصباح على ما حكى عن الأخيرين و بين المشهور من التعبير بالمسلم، بل عرفت

3

أنه معقد الإجماع و نفي الخلاف فضلا عما عن كشف الرموز من أنه المذهب، إذ هو المراد من المظهر فيها لا ما يشمل الخوارج و الغلاة و المنافقين و نحوهم و إن توهم، إلا أنه ينبغي القطع بعدمه في مثل المتن الذي ستسمع تقييده في الأطفال بمن له حكم الإسلام، و تقدم تصريحه في الغسل بعدم غسل الخوارج و الغلاة، مع أن الصلاة أولى بالمنع، و يعتبر فيها تقدم الغسل، فيستقر الإجماع حينئذ على عدم إلحاقهم بالمسلمين في ذلك، فيبقى أصل البراءة بلا معارض.

نعم ما عن المقنعة و الوسيلة و السرائر و الكافي و الإشارة من قصر الوجوب على المؤمن ظاهر أو صريح في الخلاف، بل في الذكرى «و شرط سلار في الغسل اعتقاد الميت للحق، و يلزمه ذلك في الصلاة» قلت: لعله لتأخرها، كما أنه لعل ذلك منهم بناء على كفرهم في الدنيا كما صرح به بعضهم، أو إلحاق ما بعد الموت بعالم الآخرة، و قد بينا ضعف الأول بما لا مزيد عليه في النجاسات، كما أنا بينا ضعفه و ضعف الثاني في التغسيل، و نزيد هنا بما عرفت من محكي الإجماع إن لم يكن محصله باعتبار متروكية الخلاف المزبور كما اعترف به الشهيد في البيان، و بعموم

قوله (عليه السلام) في خبر السكوني (1):

«لا تدعوا أحدا من أمتي بلا صلاة»

و قول الصادق (عليه السلام) في خبر طلحة بن يزيد (2): «صل على من مات من أهل القبلة، و حسابه على الله»

و مرسل الدعائم (3) عن الباقر (عليه السلام) «الصلاة على الميت فرض على الكفاية لقول النبي (صلى الله عليه و آله): صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، و على من قال: لا إله إلا الله»

و فيها (4) عنه (عليه السلام) أيضا «أنه قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله)

____________

(1) الوسائل- الباب- 37- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 37- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

(3) دعائم الإسلام ج 1 ص 281 ذكره في ذيل الصفحة.

(4) المستدرك- الباب- 29- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

4

على امرأة ماتت في نفاسها من الزنا و على ولدها، و أمر بالصلاة على البر و الفاجر من المسلمين»

و غيرها من الإطلاقات في الميت و نحوه و ما يوجد من الصدر خاصة أو مع باقي الأعضاء و غير ذلك، و الضعف منجبر بما عرفت.

فمن الغريب ميل بعض متأخري المتأخرين إليه للأصل المقطوع بما سمعت، و بأن الصلاة كرامة و دعاء و غير المؤمن منهما محروم، و فيه منع انحصار وجهها في الإكرام، و عليه فلعله لإظهار الشهادتين، و عدم اعتبار الدعاء فيها للميت خاصة بل له أو عليه كما كان يصنعه النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) على المنافقين الذي منه يظهر أن المراد من النهي في قوله تعالى (1) «وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ» إلى آخره. الدعاء لهم كما اعترف به في كشف اللثام، و لجهل عمر بذلك و بمرتبة النبي (ص) (النبوة خ ل) و أنه مستغن عن تعليمه و غيره و شدة نفاقه و ريائه أساء الأدب مع النبي (صلى الله عليه و آله) لما تقدم للصلاة على ابن أبي كما

عن كتاب سليم بن قيس (2) «فأخذ عمر بثوبه من ورائه و قال: «لقد نهاك الله أن تصلي عليه و لا يحل لك أن تصلي عليه فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): إنما صليت كرامة لابنه، و اني لأرجو أن يسلم به سبعون رجلا من بني أبيه و أهله، و ما يدريك و ما قلت إنما دعوت الله عليه»

هذا، و قد ظهر لك أولوية وجوب الصلاة على الفرق المخالفة منا كالفطحية و الناووسية و نحوهم من المخالفين، و قد تقدم بعض الكلام في ذلك في المبحثين المزبورين، فلاحظ و تأمل.

و على كل حال فالمصلي عليه إما أن يكون مسلما أو طفلا له ست سنين ممن له حكم الإسلام بالتولد أو السبي أو الالتقاط من أرض المسلمين أو الوصف بناء على

____________

(1) سورة التوبة- الآية 80.

(2) المستدرك- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

5

اعتباره منه أو نحو ذلك، فتجب حينئذ الصلاة عليه عند الأكثر بل المشهور بل في التذكرة نفي الخلاف فيه، بل في الانتصار و ظاهر الخلاف أو صريحه و صريح المحكي عن المنتهى الإجماع عليه، بل عن المقنعة أنه مذهب آل الرسول (عليهم السلام)، بل اليه يرجع ما

عن المقنع و الجعفي «لا يصلى عليه حتى يعقل الصلاة»

بناء على أن المراد بعقلها إمكان معرفتها، و الغالب حصوله ممن بلغ ذلك،

سأل الحلبي و زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) في الصحيح (1) «عن الصلاة على الصبي متى يصلى عليه؟ فقال: إذا عقل الصلاة، قلت: متى يجب عليه الصلاة؟ فقال: إن كان ابن ست سنين و الصيام إذا أطاقه»

و سأل زرارة (2) أيضا أبا جعفر (عليه السلام) في ذيل خبره المتضمن سقوط الصلاة عن ذي الثلاث «فمتى تجب عليه الصلاة؟ فقال: إذا عقل الصلاة و كان ابن ست سنين، قال: قلت: فما تقول في الولدان؟ قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عنهم فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين»

و في ذيل مرسل الفقيه (3) المتضمن نفي الصلاة على ذي الثلاث أيضا، «و سئل أبو جعفر (عليه السلام) متى تجب الصلاة عليه؟ قال: إذا عقل الصلاة و كان ابن ست سنين»

و المراد بالوجوب في الجميع الثبوت لا الشرعي قطعا، أي متى يعقل فتثبت له الصلاة؟ فقال: إذا كان لست سنين، كما رواه

محمد بن مسلم في الصحيح (4) عن أحدهما (عليهما السلام) «في الصبي متى يصلى عليه؟ فقال: إذا عقل الصلاة، قلت: متى يعقل الصلاة و تجب عليه؟ فقال: لست سنين».

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(2) الكافي ج 3 ص 207 المطبوع بطهران عام 1377 باب «غسل الأطفال و الصبيان و الصلاة عليهم»- الحديث 4 من كتاب الجنائز.

(3) الفقيه ج 1 ص 105- الرقم 488 المطبوع في النجف.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها- الحديث 2 و فيه «متى يصلى؟ قال: إذا عقل الصلاة» إلخ.

6

بل منه و غيره يعلم أن المراد تفسير بالعقل بالست في الصحيح السابق و ذيل المرسل لا اشتراط الست مع عقل الصلاة، بل و لا أن المراد أحدهما، على أن الواو بمعنى «أو» كما عساه يوهمه أنه مقتضى الجمع بين النصوص السابقة و بين

صحيح علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن الصبي أ يصلى عليه إذا مات و هو ابن خمس سنين؟

قال: إذا عقل الصلاة فصل عليه»

بل بقرينة الصحيح و غيره مع الاتفاق ظاهرا يجب حمله على إرادة الكناية بذلك فيه عن بلوغ الست و عدم العبرة بالخمس، فتأمل، نعم الظاهر إرادة التحديد بذلك على الغالب في القابلية، فالنادر ممن يعقلها قبل ذلك كغيره ممن لا يعقلها فيه أو فيما بعده لا عبرة به، خصوصا إذا كان بالجهد في التعليم أو التقصير في المقدمات، فهو تحقيق في تقريب حينئذ.

و كيف كان فقد بان لك أن مقتضى الجمع بين النصوص السابقة و الإجماعات المحكية هو ما عرفت، خصوصا بعد فهم الوجوب، فانا لم نعرف خلافا فيه إلا من ابن أبي عقيل فلم يوجب الصلاة إلا بعد البلوغ، و مال إليه الكاشاني في الوافي للأصل المقطوع بما عرفت، و عدم حاجة الطفل إلى الاستغفار و نحوه المراد من الصلاة الممنوع على مدعيه بالصلاة على المجنون مثلا أولا، و بعدم انحصار وجه مشروعيتها في ذلك بحيث يدور الحكم عليه ثانيا، و ل

موثق عمار (2) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن المولود ما لم يجر عليه القلم هل يصلى عليه؟ قال: لا إنما الصلاة على الرجل و المرأة إذا جرى عليهما القلم»

و خبر هشام (3) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «إن الناس يكلموننا و يردون علينا قولنا إنه لا يصلى على الطفل لأنه لم يصل، فيقولون: لا يصلى إلا على من صلى،

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

7

فنقول: نعم، فيقولون: أ رأيتم لو أن رجلا يهوديا أو نصرانيا أسلم ثم مات من ساعته فما الجواب فيه؟ فقال: قولوا لهم: أ رأيتم لو أن هذا الذي أسلم الساعة ثم افترى على الناس ما كان يجب عليه في فريته فإنهم سيقولون: يجب عليه الحد، فإذا قالوا هذا قيل لهم: فلو أن هذا الصبي الذي لم يصل افترى على إنسان هل كان يجب عليه الحد؟

فإنهم سيقولون: لا، فيقال لهم: صدقتم إنما يجب أن يصلى على من وجبت عليه الصلاة و الحدود، و لا يصلى على لا يجب عليه الحدود»

القاصرين عن معارضة ما عرفت من وجوه، خصوصا بعد اعتضاده بعموم الصلاة على الميت و على الأمة، و بعد عدم ثبوت اعتبار سند الثاني منهما، و ظهوره في إرادة الرد على العامة القائلين بالوجوب إذا استهل و ظهور الأول منهما في سقوط الصلاة عن المجنون الذي لم يقل به، و كونهما معا من العام الذي يجب تخصيصه بما ذكرنا، بل في الذكرى إمكان إرادة ما يشمل التمريني من جري القلم في الأول، قلت: بناء على شرعية عبادته كما هو الأصح يقوى الاحتمال المزبور، و مع تعذر جميع ذلك فالطرح و الرد إليهم (عليهم السلام) متعين في مقابلة ما ذكرنا، لا أنه تحمل الأخبار السابقة من جهتهما على الندب كما التزمه الكاشاني.

و على كل حال ف يتساوى في ذلك عندنا الذكر و الأنثى و الحر و العبد بل في التذكرة نفي الخلاف فيه، بل الإجماع عليه معلوم.

و أما إذا كان دون ذلك فلا وجوب بلا خلاف فيه بيننا إلا من الإسكافي الذي لا يقدح خلافه في دعوى تحصيل الإجماع هنا فضلا عن محكيه في الانتصار و الغنية و الخلاف و غيرها، و هو الحجة بعد الأصل و النصوص السابقة و غيرها، ك

خبر علي بن عبد الله (1) عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) «لما قبض إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه و آله)- إلى أن قال-: و مضى رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتى

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

8

انتهى به إلى قبره، فقال الناس: إن النبي (صلى الله عليه و آله) نسي أن يصلي على إبراهيم لما دخله من الجزع عليه فانتصب قائما ثم قال: أيها الناس أتاني جبرئيل (عليه السلام) بما قلتم، زعمتم بأني نسيت أن أصلي على ابني لما دخلني من الجزع ألا و إنه ليس كما ظننتم، و لكن اللطيف الخبير فرض عليكم خمس صلوات، و جعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة، و أمرني أن لا أصلي إلا على من صلى»

التي لا يعارضها

خبر السكوني (1) عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: «يورث الصبي و يصلى عليه إذا سقط من بطن أمه فاستهل صارخا، فإذا لم يستهل صارخا لم يورث و لم يصل عليه»

و صحيح ابن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) «لا يصلى على المنفوس و هو المولود الذي لم يستهل و لم يصح و لم يورث من الدية و لا من غيرها، و إذا استهل فصل عليه و ورثه»

و خبر ابن يقطين (3) عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) «قلت له: لكم يصلى على الصبي إذا بلغ من السنين و الشهور؟ قال: يصلى عليه على كل حال إلا أن يسقط لغير تمام»

لرجحانها عليها من وجوه لا تخفى، خصوصا بعد موافقتها لما عليه العامة عدا النادر.

بل قد يشكل لذلك و ل

خبري زرارة المشتملين على موت ولدين لأبي عبد الله و أبي جعفر (عليهما السلام) فصلى عليهما أبو جعفر (عليه السلام) و اعتذر عن ذلك فقال تارة لزرارة (4) بعد أن أخذ بيده و تنحى: «إنه لم يكن يصلى على الأطفال إنما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يأمر بهم فيدفنون من وراه و لا يصلى عليهم، و إنما صليت

____________

(1) التهذيب ج 3 ص 331 الرقم 1035 من طبعة النجف.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

(4) الوسائل- الباب- 15- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

9

عليه من أجل أهل المدينة كراهة أن يقولوا: لا يصلون على أطفالهم»

و أخرى (1) «أما أنه لم يكن يصلى على مثل هذا و كان ابن ثلاث سنين، كان علي (عليه السلام) يأمر به فيدفن و لا يصلى عليه و لكن الناس صنعوا شيئا فنحن نصنع مثله»

بل و خبر علي بن عبد الله (2) حمل تلك النصوص على الندب، بل جزم بعدمه في الحدائق مشددا للتكبير على دعوى ذلك، بل ربما حكي عدم الندب بل جزم بعدمه في الحدائق مشددا للتكبير على دعوى ذلك، بل ربما حكى عدم الندب أيضا عن الكليني و الصدوق و المفيد.

لكن قال المصنف و غيره: إنه يستحب الصلاة على من لم يبلغ ذلك أي الست إن ولد حيا بل قيل: إنه المشهور لظهور الخبرين المزبورين في أن الفعل للتقية، و لو أنه ندب ما احتيج إلى الاعتذار بما سمعت، بل ربما كان الحمل على التقية مع إمكانه في نفسه أرجح من الندب، لما فيه من بقاء اللفظ على حقيقته، بل ربما توقف في حمل الأمر على الندب و إن لم يقم احتمال التقية لمجرد رجحان دليل عدم الوجوب، لعدم كونه قرينة على ذلك، لكن قد يقال بعد التسامح في السنن و الشهرة في المقام:

إن الندب هو الموافق لمقتضى حجية الأخبار، و ان كلامهم (عليهم السلام) بمنزلة متكلم واحد، و نقع الكلمة فيه على وجوه متعددة، و ان أفقه الناس من يعرف معاني تلك الكلمات و ما يلحن له في القول، و انها بمنزلة الكلام المسموع منهم (عليهم السلام) الذي لا ريب في ظهور الأمر فيه بعد فرض التصريح منه بعدم الوجوب في الندب الذي هو أشهر المجازات و أقربها إلى الحقيقة، فيترجح حينئذ على إبطال الدليل و طرحه، فتأمل.

و كيف كان فلو وقع سقطا ميتا لم يصل عليه ندبا فضلا عن الوجوب و إن كان قد و لجته الروح قبل خروجه بلا خلاف أجده فيه، للأصل و النصوص السابقة، بل لعله كذلك لو خرج بعضه و استهل إلا أنه سقط ميتا لخبر السكوني المتقدم

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

10

و ربما كان هو ظاهر المتن و القواعد و غيرهما، لكن عن صريح المعتبر و المنتهى و نهاية الأحكام و التذكرة و غيرها الاستحباب و لو كان البعض الخارج أقله، خلافا لأبي حنيفة فاعتبر خروج الأكثر، قيل لإطلاق خبر ابن سنان (1) المتقدم، و فيه أن ظاهره المولود الذي يمكن دعوى عدم صدقه إلا على الخارج، نعم يمكن الاستناد له بعد التسامح إلى إطلاق خبر ابن يقطين (2) فتأمل، هذا، و قد تقدم البحث في باب الغسل في الصلاة على الشهيد و نحوه و صدر الميت و تحقيق الحال في المحكوم بتبعيته من الأطفال و ولد الزنا و غير ذلك، فلا نعيده، فلاحظ و تأمل، و الله أعلم.

[القسم الثاني في المصلي]

القسم الثاني في المصلي و قد أشبعنا الكلام في التغسيل في بيان أن أحق الناس بالصلاة و غيرها من أحكام الميت عليه أولاهم بميراثه إذ هو أولى أولي الأرحام الذين بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، و في بيان عدم منافاة الأولوية المزبورة لوجوب هذه الأحكام على سائر المكلفين كفاية و إن قلنا بوجوب مراعاتها و فساد الفعل لو كان عبادة إن وقع بدونها، إنما الكلام في أولوية أولى أولي الأرحام، إذ قد يكون متعددا، ضرورة كون المراد منه طبقات الإرث، فقال و الأب أولى من الابن بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في المدارك، بل في التذكرة «أنه أولى منه و من الجد و غيره من الأقارب كولد الولد و الاخوة عند علمائنا» مشعرا بالإجماع عليه، و هو- مع أقربية إجابته للدعاء باعتبار كونه أشفق و أرق، و ولايته على الولد، و ما روي (3) من تولي الصادق (عليه السلام) أمر إسماعيل دون أولاده إن لم نقل إنه من حيث الإمامة أو أنه ليس لإسماعيل ولد قابل لذلك- يصلح مستندا للحكم، و أكثرية نصيب الولدية

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 29- من أبواب التكفين- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

11

من الوالدية، كما في كشف اللثام و غيره لعده في باب الغرقى أضعف لو سلم كشفه عن الأولوية و لو بدعوى أن المراد «من أولادهم بميراثه» أكثرهم نصيبا كما يومي اليه في الجملة صحيح الكناسي (1) المتقدم سابقا في التغسيل- بل قيل: إنه يعطيه كلام الشيخ و ابن حمزة، بل عن الفاضل القطع به، و فرع عليه أولوية العم من الخال و الأخ من الأب من الأخ من الأم- يجب الخروج عنها هنا بما سمعت، حتى أن الفاضل الذي هو القاطع بذلك وافق هنا على أولوية الأب و إن قل نصيبه.

و كيف كان فما عن ابن الجنيد من تقديم الجد عليه و على الابن في غاية الضعف بما ظهر لك سابقا من النصوص و الفتاوى من إرادة الأولى بالميراث من الولي هنا، و من المعلوم أنهما أولى منه بذلك، و احتمال إرادة الأولوية بالميراث و لو في بعض الأحوال- فيكون مساوقا لآية أولي الأرحام (2) الظاهرة في إرادة بيان أولويتهم من الأجانب فحسب من غير تعرض للترجيح فيما بينهم، فلا تنافي حينئذ أولوية الجد من جهة أنه أليق بمنصب الإمامة و أن له الولاية عليهما- كما ترى، ضرورة ظهور الأولوية بالميراث في الترجيح بين أولي الأرحام، بل ظاهر المحكي عن المختلف من رده كلام الإسكافي بآية أولي الأرحام أنها هي كذلك فضلا عن تلك الفقرة، و إن كان فيه نظر واضح، لكن قد يؤيده

قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (3): «قول الله عز و جل وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ إن بعضهم أولى بالميراث من بعض، لأن أقربهم إليه أولى به»

كل ذلك مع ظهور أقربية الولد للصلب من الجد عرفا خصوصا لو علا، نعم قد يساويه ولد الولد، فمن الغريب ما في المدارك من أنه لو كان المدار في

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب موجبات الإرث- الحديث 7 من كتاب الإرث.

(2) سورة الأنفال- الآية 76.

(3) تفسير البرهان- سورة الأنفال- الآية 76 عن تفسير العياشي.

12

الأولوية على الأمس رحما و شدة العلاقة من غير اعتبار لجانب الإرث يقرب ما ذكره ابن الجنيد، نعم يمكن الاستدلال لابن الجنيد ب تولي الباقر (عليه السلام) أمر ولد الصادق (عليه السلام) (1) و فيه أنه لعله لأنه إمام العصر الذي ستعرف أولويته من كل أحد أو لغير ذلك كما هو واضح.

فلا إشكال حينئذ في أولوية الأب و كذا الولد و إن نزل أولى من الجد أب الأب و إن اتصل فضلا عن العالي و الجد للأم و الأخ و العم و باقي الأرحام لما عرفت من أن مدارها على الأولوية بالإرث، و هو مختص به هنا لا يشاركونه فيه، نعم لو كان صغيرا ففي انتقالها لخصوص الجد لأنه وليه و إن لم نقل بتقديمه في الطبقة الثانية، أو إلى الإناث لو كانوا معه، أو إلى المرتبة الثانية من الأرحام، أو إلى حاكم الشارع، أو تسقط وجوه مترتبة في القوة و الضعف.

ثم إن ظاهر المصنف و غيره بل لا خلاف أجده فيه بينهم بل هو مقتضى الأصل و إطلاق الأدلة اشتراك الأولاد في ذلك لو تعددوا، لكن في الحدائق أن المفهوم من

صحيحة محمد بن الحسن الصفار (2) المروية بطريق المشايخ الثلاثة، قال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام و له وليان هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا خمسة أيام أحد الوليين و خمسة أيام الآخر؟ فوقع (عليه السلام) يقضي عنه أكبر ولييه عشرة أيام ولاء إن شاء الله»

كون الأكبر الولي شرعا، و فيه أنه في القضاء، بل هو صريح أو كالصريح في ثبوت الولاية لغيره في غيره، فتأمل.

و أما الطبقة الثانية ف لأخ من الأب و الأم أولى ممن يمت بأحدهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 85- من أبواب الدفن- الحديث 6 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 3 من كتاب الصوم.

13

لعدم إرث المتقرب بالأب معه، و تقرب الثاني بمن لا ولاية لها مع الأب، فكذا فرعها مع فرعه، و لأنه أكثر نصيبا منه، و لتقربه من جهتين، و ل

قول أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح عن بريد الكناسي (1) المتقدم في التغسيل: «و أخوك لأبيك و أمك أولى بك من أخيك لأبيك، و أخوك لأبيك أولى بك من أخيك لأمك»

ضرورة دلالته على أولويته منهما صريحا في الأول، و فحوى في الثاني، لأن الأولى من الأولى أولى، بل الظاهر كون أولادهم كذلك،

قال في الصحيح المزبور: «و ابن أخيك من أمك و أبيك أولى بك من أخيك لأبيك، و ابن أخيك لأبيك أولى بك من عمك»

إلى آخره معتضدا ذلك كله بعدم الخلاف فيه فيما أجد، بل و لا في تقديم الأخ للأب على الأخ للأم للصحيح المزبور، و لأنه أكثر نصيبا، و لتقربه بمن له الولاية.

أما الجد فقد يظهر من المصنف و غيره ممن ترك التعرض له مساواته للأخ مطلقا لأنه من الأولى بالميراث، لكن عن الشيخ و ابن إدريس تقديمه على الأخ للأبوين فضلا عن غيره، قالا: «الأب أولى الأقارب، ثم الولد، ثم الجد من قبل الأب، ثم الأخ من قبل الأب و الأم، ثم الأخ من قبل الأب، ثم الأخ من قبل الأم، ثم العم ثم الخال، ثم ابن العم، ثم ابن الخال» و زاد في المحكي عن جامع المقاصد «ثم المعتق ثم الضامن ثم الحاكم ثم عدول المسلمين» و عن المنتهى أنه يلزم على قول الشيخ أن العم من الطرفين أولى من العم من أحدهما، و كذا الخال، قال: «و لو اجتمع ابنا عم: أحدهما أخ لأم كان الأخ من الأم على قوله أولى من الآخر، و هو أحد قولي الشافعي» و في تذكرته بعد أن ذكر قولي الشافعي في تقديم العم للأبوين على العم للأب قال: «و عندنا أن المتقرب بالأبوين أولى، لأنه الوارث خاصة- و قال-: إن ابن العم إذا كان أخا لأم يقدم عندنا على ابن العم الآخر لاختصاصه بالميراث» و عن جامع المقاصد و غيره

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب موجبات الإرث- الحديث 2 من كتاب الإرث.

14

«المشهور أن الأخ من الأم أولى من العم و الخال، و العم أولى من الخال، و الخال أولى من ابن العم و ابن الخال، ثم ابن العم أولى من ابن الخال».

و كيف كان فليس في النصوص ما يدل على تقديم الجد على الأخ، بل لعل الأخ منهما أولى منه باعتبار تقربه من وجهين، نعم هو مساو للأخ من الأب فيقدم حينئذ على الأخ من الأم، اللهم إلا أن يقال باعتبار أن له الولاية على الميت و أبيه في بعض أحوالهما يقدم على الأخ مطلقا، لكن على كل حال ينبغي الاقتصار عليه من قبل الأب كما قيداه به، أما إذا كان من قبل الأم فهو مساو للأخ منها خاصة، كما هو واضح.

و كذا ينبغي تقديم العم للأبوين على العم لأحدهما، و العم للأب خاصة عليه للأم، و الجميع على الخال، لما عرفت من أن المدار على أولوية الميراث أو التقرب بالأب الذي له الولاية،

قال (عليه السلام) في الصحيح المزبور: «و عمك أخو أبيك من أبيه و أمه أولى بك من عمك أخي أبيك من أبيه- قال-: و عمك أخو أبيك لأبيه أولى بك من عمك أخي أبيك لأمه- قال-: و ابن عمك أخي أبيك من أبيه و أمه أولى بك من ابن عمك أخي أبيك لأبيه- قال-: و ابن عمك أخي أبيك لأبيه أولى بك من ابن عمك أخي أبيك لأمه»

و هو كالصريح فيما قلناه، و من ذلك كله يظهر لك ما في مناقشة سيد المدارك فيما سمعته من الشيخ بأنه إن أراد بالأولوية أن من يرث أولى ممن لم يرث لم يلزم منه أولوية بعض الورثة على بعض كالأب على الابن، و الجد على الأخ، و العم على الخال، و إن أراد بها كثرة النصيب انتقض بالأب فإنه أولى من الابن مع أنه أقل نصيبا منه، و كذا الجد فإنه أولى من الأخ مع تساويهما في الاستحقاق إلا أن يقال: إن التخلف في هاتين الصورتين لعارض و هو قوة جانب الأب و الجد باختصاصهما بزيادة الحنو و الشفقة و حصول النسل منهما، لكن في ذلك خروج عن اعتبار الإرث، إذ قد عرفت أن المدار على ما ذكرنا.

15

و أما انتقال الولاية عند فقد ذوي الأرحام إلى المعتق ثم الضامن فلعلهما لأنهما الأولى بالميراث حينئذ، إذ احتمال التخصيص بأولى الأرحام يدفعه إطلاق اللفظ، نعم قد يشكل ذلك في الحاكم و عدول المسلمين لعدم إرثهما، و نيابتهما عن إمام الأصل الذي له الإرث في الفرض لو كانت مؤثرة لاستحقا التقديم بها على الأرحام، لما ستعرف من تقدمه (عليه السلام) عليهم، على أنه لا عموم فيها يشمل المقام، فسقوط الولاية حينئذ غير بعيد و إن كان الأحوط خلافه، هذا.

و ينبغي استثناء الزوج من أولوية الأرحام، فإنه أولى بالمرأة من عصابتها و إن قربوا لما عرفته مفصلا في التغسيل، كما عرفت البحث في قوله و إذا كان الأولياء جماعة فالذكر أولى من الأنثى و لو كان الذكر صغيرا أو مجنونا أو غائبا ففي الذكرى «أن الأقرب كون الولاية لها، لأنه بنقصه كالمعدوم» و مال إليه في كشف اللثام، و المحكي عن جامع المقاصد «و لو لم يكن في طبقته مكلف ففي كون الولاية للأبعد أو للحاكم عليه نظر، من عموم آية أولى الأرحام، و الناقص كالمعدوم، و أنه أولى بالإرث فلتكن الولاية له يتصرف فيها الولي» قلت: مثله يأتي في الأول أيضا، و قد ذكرنا في التغسيل قوة السقوط في ذلك، فلاحظ و تأمل، هذا. و عن المبسوط و السرائر «أن الذكر أولى من الأنثى إذا كان ممن يعقل الصلاة» و في الذكرى «و هذا يشعر بأن التميز كاف في الإمامة كما أفتى به في المبسوط و الخلاف في جماعة اليومية» قلت:

و لو صلى فرادى فالظاهر عدم الاجتزاء بها و إن قلنا بشرعيتها، استصحابا للشغل، و معلومية عدم إجزاء الندب عن الواجب، و به صرح الأستاذ في كشفه.

و أما أن الحر و إن بعد أولى من العبد و إن قرب فمعلوم، بل عن المنتهى «لا أعلم فيه خلافا» قلت: لانتفاء ولايته عن نفسه فعن غيره بطريق أولى و لأنه هو الوارث دونه، بل منه يعلم الحال في باقي موانع الإرث من القتل و غيره،

16

لكن في القواعد و الفقيه «العبد أولى من الحر» بل في جامع المقاصد «هذا الحكم مذكور في كلام الأصحاب و هو مشكل إن أريد الولاية، إذ العبد لا إرث له فلا ولاية له، و إن أريد بأولويته أفضلية تقديم الولي فهو صحيح إلا أنه خلاف المتبادر من كلامهم و الظاهر أن مرادهم الأول بدليل أنهم في ترجيح الهاشمي اشترطوا تقديم الولي له» قلت: لا بد من إرادة ذلك و بيان أن الحرية لا يقدم على الفقاهة و إن كانت في العبد كما جزم به في الكشف، نعم يمكن التوقف في ذلك بالنسبة إلى باقي المرجحات.

و لو كان الميت عبدا فسيده أولى به من أرحامه كما في حال حياته، و لا ميراث له على الأصح، فلا أحد أولى بميراثه، اللهم إلا أن يحمل على إرادة المنشأية لولا المانع بل آية أولى الأرحام مطلقة، لكن على كل حال لا يعارض السيد، نعم لو كان هو مولى عليه احتمل الرجوع حينئذ إلى الأرحام و إلى ولي السيد.

و كيف كان فقد ظهر من ذلك كله فساد ما حكاه في المدارك عن بعض مشايخه المعاصرين أنه قيل باشتراك الورثة بالولاية، إذ هو مع أنه مجهول القائل مخالف لما عرفت مما يقتضي تقديم بعضهم على بعض، كفساد ما يقال أو قيل: إن الأنثى لا ولاية لها أصلا ل

قول الصادق (عليه السلام) في حسنة حفص (1) «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام قال: يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس به امرأة قال: لا إلا الرجال»

إذ هو مع أنه في خصوص القضاء معارض بإطلاق الأدلة السابقة

و بصحيح زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قلت: المرأة تؤم النساء قال:

لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطهن في الصف معهن تكبر

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 5 من كتاب الصوم.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

17

و يكبرن»

المعتضد بالإجماع على الظاهر.

و لا يتقدم الولي إلا إذا كان عالما بالواجب من أحكام الصلاة و استكملت فيه مع ذلك شرائط الإمامة، و إلا قدم غيره الجامع لذلك، بل يجوز له التقديم و إن كان صالحا لها أيضا، للأصل و إطلاق النصوص (1) بالتخيير، إلا أن الظاهر استحباب مباشرته مع المساواة فضلا عما لو كان أكمل، لأنه ادعى للإجابة، بل له احتمل في كشف اللثام و غيره عدم استحباب تقديم الغير و إن كان أكمل، نعم قوى الندب في الذكرى، بل حكي عن المفيد في الغرية أنه جعل من السنة تقديم العالم الفقيه إلا أنه بعد الهاشمي، و الأمر سهل.

و الظاهر جواز الرجوع بالاذن قبل التلبس، لأنها كالوكالة، أما بعده ففي الذكرى «أن الأقرب المنع لما فيه من اختلال نظم الصلاة، و وجه الجواز أنها صلاة عن إذنه الذي هو جائز في الأصل فيستصحب، و حينئذ يصلون فرادى، إذ لا طريق إلى الابطال و العدول إلى إمام آخر بعيد» قلت: قد يمنع حرمة الإبطال هنا بدعوى إرادة خصوص الصلاة الفريضة من العمل في قوله تعالى (2) «وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» بعد تسليم دلالته على حرمة القطع و أنه غير مراد منه خصوص الارتداد و نحوه، و حينئذ فيقوى جواز الرجوع.

و كيف كان فان لم يقدم أحدا فعن غير واحد سقوط اعتباره، قال في المحكي عن الذكرى: «لإطباق الناس على صلاة الجنازة جماعة من عهد النبي (صلى الله عليه و آله) إلى الآن، و هو يدل على شدة الاهتمام، فلا يزول هذا المهم بترك إذنه، نعم يعتبر إذن حاكم الشرع» قلت: يتجه سقوط اعتباره لو ترك مع ذلك الصلاة فرادى، أما

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة.

(2) سورة محمد (صلى الله عليه و آله)- الآية 35.

18

لو اختارها فالوجه عدم مزاحمته و الاجتزاء بها، لأن ذلك مقتضى أولويته، و احتمال أن ولايته نظرا للميت فمع عدم إذنه في الجماعة خيانة للميت و مناف لصلاحه فلا يعتبر ضعيف بل مخالف لظاهر الأدلة، و على كل حال فليس للغير المبادرة للتقديم من دون استئذانه لعدم سقوط ولايته في الاختيار كما هو واضح، و سيصرح به المصنف، و لذلك لا تنتقل الولاية عنه بذلك إلى غير من في طبقته من الأرحام، بل و لا تنحصر في المشاركين له في الطبقة بناء على اشتراك الجميع في الولاية.

و إذا تساوى الأولياء في الصلاحية للإمامة قدم الأفقه فالأقرأ فالأسن فالأصبح كما في القواعد و التحرير و البيان، و المشهور نقلا في كشف اللثام و غيره تقديم الأقرأ على الأفقه، قلت: و يؤيده أنه لم نقف على مأخذ لذلك في خصوص هذه الصلاة كما اعترف به غير واحد، بل مقتضى تعليلاتهم أخذ ذلك مما ورد في الجماعة اليومية، بل في الذكرى أن ظاهر الأصحاب إلحاق هذه الجماعة بتلك، و قد قدم المصنف و غيره هناك الأقرأ على الأفقه، بل نسبه في الذكرى إلى الأصحاب، فينبغي أن يكون هنا كذلك، خصوصا مع إطلاق الدليل، اللهم إلا أن يكون وجه الفرق ما في كشف اللثام تبعا للذكرى من أن نص تقديم الأقرأ صريح في قراءة القرآن، و لا قرآن في صلاة الأموات، مع عموم تقديم الأعلم و الأفقه، و هو لا يخلو من قوة، لكن قد يقال باعتبار كثير من مرجحات القراءة في الدعاء، و إلا فلا ينبغي اعتبارها رأسا لا تقديم الأفقه عليها، مع أن ظاهرهم الاتفاق على اعتبارها في الجملة، نعم في الإرشاد خاصة اقتصر على الأفقه.

و على كل حال ففي كشف اللثام أنه ليس في المبسوط و الخلاف و السرائر و الإصباح و المنتهى و نهاية الأحكام و التذكرة للأصبح ذكر، بل انتقلوا فيما عدا الأول و الأخير بعد الأسن إلى القرعة، نعم في الأخير بعد الأسن، و بالجملة يقدم الأولى في المكتوبة

19

و هو يعطي الصباحة و غيرها كقدم الهجرة، و هو الذي ينبغي إذا عمم المأخذ المكتوبة و صلاة الجنازة، قلت: قد عرفت انحصار المأخذ في ذلك، فالمتجه حينئذ مراعاة ذلك كله فيما لم يظهر فيه فرق بين المقامين، و قد استقصينا الكلام هناك في ذلك و في المراد من هذه الألفاظ في بحث الجماعة قبل كتابة المقام، فلاحظ و تأمل.

لكن بقي شيء و هو أنه في جماعة اليومية يتجه تأخير القرعة لو تشاحوا عن وجود المرجحات، لأن الحاصل استحباب تقديم الواجد للمأمومين على الفاقد، أما المقام فباعتبار اشتراك الولاية و أنه لا يجب على الفاقد تقديم الواجد كما في اليومية على ما عن بعضهم التصريح به هنا للأصل و إطلاق الأدلة يمكن حينئذ تصور التشاح مع الأوصاف المزبورة، فيحتاج حينئذ إلى القرعة، و لعله لذلك ترك ترتيبها على الأوصاف المزبورة في المتن و غيره، لأنها تأتي مع التشاح و ان امتاز أحدهما بالصفات كما عن القاضي في المهذب إطلاق القرعة إذا تشاح الاثنان و إن حكي عنه في الكامل أنه اعتبرها مع التساوي في العقل و الكمال، فتأمل جيدا.

و الظاهر الترجيح بهذه الأوصاف في الإمام من غير الأولياء أيضا كما صرح به في كشف اللثام لاتحاد طريق المسألتين، بل في الترجيح بها أو بعضها في الفرادى وجه، لكن ظاهر المتن بل و غيره خلافه، و لعله لإمكان وقوع الصلاة منهم جميعا فرادى، فلا تشاح حينئذ، بخلافه في الجماعة و إن قال في كشف اللثام: إنه لا بأس عندي لو عقدوا جماعة أو جماعتين أو جماعات دفعة، لكن الأفضل الاتحاد، إذ يمكن تشاحهم حينئذ على الأفضل، أو يفرض عدم تيسر الزائد على الجماعة الواحدة، مع أنه يمكن منع ذلك من أصله بعدم المعهودية على وجه يشكل اندراجه في إطلاق الأدلة، بل قد يتوقف فيما ذكرناه أيضا و إن كان الأقوى الجواز، بل تسمع إن شاء الله في جواز تعاقب المصلين ما يقضي بالجواز حتى في الجماعة، و على كل حال فالمخاطب بالتقديم الفاقد حينئذ

20

كما أنه هو و الجماعة مخاطبون بتقديمه في الجماعة، بل يستحب للواجد أيضا ذلك، فتأمل جيدا.

و كيف كان فقد ظهر لك مما دل على ثبوت الأولوية المزبورة أنه لا يجوز أن يتقدم أحد للصلاة جماعة أو فرادى كما عرفته مفصلا في بحث التغسيل إلا بإذن الولي سواء كان بشرائط الإمامة أو لم يكن بعد أن يكون مكلفا ضرورة عدم اعتبار صلاحية لما هو ولي عليه في ثبوت الولاية، لإطلاق الأدلة الممنوع انصرافه إلى ذلك على وجه الشرطية، بل ثبوت الولاية في التغسيل لمن لا يجوز له المباشرة مع وجود المماثل أوضح شيء في الدلالة على العدم، نعم يعتبر فيه الصلاحية للاذن أو الفعل، أما إذا لم يكن كذلك ففي سقوط الولاية أو انتقالها إلى وليه أو إلى غيره من الأرحام أو إلى الحاكم وجوه، كما لو امتنع أو كان غائبا و إن كان الأقوى الأول فيهما، خصوصا في الأول منهما، و ظاهر العبارة و غيرها تقديم الولي على الموصى إليه بالصلاة، بل عن المسالك أنه المشهور، بل في المحكي عن المختلف لم يعتبر علماؤنا ما ذكره ابن الجنيد أي من تقديم الوصي، و هو كذلك لأني لم أجد من وافقه عليه، نعم عن المحقق الثاني احتماله، بل نفى عنه البأس في المدارك لعموم ما دل (1) على النهي عن تبديل الوصي و لاشتهار ذلك بين السلف، و لأن الميت ربما آثر شخصا لعلمه بصلاحه و طمعه في إجابة دعائه، فمنعه من ذلك و حرمانه ما أمله غير موافق للحكمة، و لأن الولاية نظر للميت في أحد الاحتمالين، لكن ذلك كله كما ترى لا يصلح معارضا لإطلاق الأدلة بعد منع عموم النهي عن تبديل الوصية لذلك، كما أن ما يحكى عن ابن حنبل- من ترجيح الوصي بأن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر و عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، و أوصت عائشة أن يصلي عليها أبو هريرة، و ابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير، و يونس

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من كتاب الوصايا.

21

ابن حسر أوصى أن يصلي عليه مالك بن أنس، و أبو شريحة أوصى أن يصلي عليه زيد ابن أرقم- لا حجة فيه مع عدم ثبوته، و على كل حال فالأقوى ما ذكرنا، لكن لا ريب في أولوية صلاة الوصي بإذن الولي لما فيه من الجمع بين الحقين بل الحقوق و الاحتياط، و الله أعلم.

و إمام الأصل (عليه السلام) أولى بالصلاة من كل أحد بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر الخلاف الإجماع عليه، بل لعله ضروري المذهب كما اعترف به في كشف اللثام، لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أو قائم مقامه في ذلك كما نادى به النبي (صلى الله عليه و آله) في الغدير (1) و إن كان مورده أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا أن المعلوم اشتراك الأئمة (عليهم السلام) جميعا به، لاشتراكهم (عليهم السلام) في الإمامة المقتضية له، و ل

قول الصادق (عليه السلام) (2): «إذا حضر الامام (عليه السلام) الجنازة فهو أحق الناس بالصلاة عليها»

و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في مرسل الدعائم (3): «إذا حضر السلطان الجنازة فهو أحق بالصلاة عليها من وليها»

و لأنه هو الموافق لصلاح الميت و دفع الضرر عنه الذين ينبغي مراعاة الولي إياهما، بل ربما كان منشأ ولايته أنه ادعى من غيره لصلاح الميت،

و تقديم الحسين (عليه السلام) سعيد بن العاص (4) في الصلاة على الحسن قائلا: «لولا السنة لما قدمتك»

لعله لإطفاء الفتنة كما في الذكرى، فان من السنة إطفاؤها، على أنه غير ثابت عندنا، كما أنه لم يثبت عدم مسبوقية تلك الصلاة بصلاته (عليه السلام) و لا لحوقها، مع أنه يمكن أن يكون قد أذن له

____________

(1) الغدير للامينى ج 1 من ص 14 إلى ص 73.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

(3) المستدرك- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5 من كتاب الطهارة.

(4) كنز العمال- ج 8 ص 114- الرقم 2145.

22

في الائتمام بغيره و لم ينو الائتمام هو به، بل صلى بنية الانفراد، على أن التقية باب واسع، و على كل حال فهو غير مناف لما دل على أن المعصوم لا يصلي عليه إلا معصوم كما هو واضح.

و كيف كان فلا يحتاج الامام بعد ما عرفت من أولويته إلى الاذن ممن هو أولى به من نفسه أيضا كما هو صريح جماعة و ظاهر آخرين، بل لا أجد فيه خلافا سوى ما يحكى عن مبسوط الشيخ و معتبر المصنف و مختلف الفاضل فاعتبروا الاذن جمعا بين الحقوق (الحقين خ ل) و الأدلة، و ل

خبر السكوني (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا حضر سلطان من سلاطين الله جنازة فهو أحق بالصلاة عليها إن قدمه الولي، و إلا فهو غاصب»

و هو- مع ضعفه و إشعاره بعدم وجوب الاذن و لا يقولون به- محتمل كما في الذكرى لغير سلطان الأصل كما يشعر به التنكير المشعر بالكثرة، بل يمكن أن يكون ذلك تعريضا في الولاة و الخلفاء الذين يتقدمون بسلطانهم ك

قول النبي (صلى الله عليه و آله) (2): «لا يؤم الرجل في سلطانه»

بل حمله في كشف اللثام على تقدير جزاء للشرط فيه و إرجاع «هو» إلى الولي: أي إن قدمه الولي فذاك و إلا فهو غاصب، قلت: يمكن احتمال ذلك في المحكي من عبارة المبسوط، قال: فان حضر الامام العادل كان أولى بالتقديم، و وجب على الولي أن يقدمه (تقديمه خ ل) فان لم يفعل لم يجز له أن يتقدم، و إن كان ذيله يشهد لإرادة الإمام من الضمير المجرور على معنى وجوب الاذن على الولي فان لم يفعل أثم، لكن ليس للإمام التقدم، إلا أنه في غاية البعد، ضرورة كون المناسب عدم مراعاته بعد إقدامه على المعصية إن لم يجبر على الاذن كما صرح به في الذكرى على تقدير اعتبار الاذن، لا أنه يؤثر منعا في الأولوية

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4 من كتاب الطهارة.

(2) سنن أبى داود ج 1 ص 137 المطبوعة عام 1371.

23

المزبورة، خصوصا و الامام أولى منه بماله من الاذن أيضا إن كان من المؤمنين، فلو أذن لغير الولي نفذ فضلا عن مباشرته.

نعم قد يقال بأن ولاية الإمام حال حضوره الجنازة لا أنه متى أمكن الرجوع اليه لم يجز مباشرة أولياء الميت شيئا من أموره حتى يأذن لهم، لما فيه من العسر و الحرج بل يمكن كون المعهود من حال السلف خلاف ذلك، كما أن اشتراط الحضور في الخبرين يومي اليه أيضا، فما عساه يظهر- من إطلاق الأولوية في المتن و غيره من كونه كباقي الأولياء، بل عن أبي الصلاح التصريح بذلك، قال: الإمام أولى، فإن تعذر حضوره و إذنه قولي الميت- لا يخلو من نظر، كالمحكي عن ابن الجنيد من أن الأولى الإمام، ثم خلفاؤه، ثم إمام القبيلة كباقي الصلوات محتجا بأن له ولاية الصلاة في الفرائض، ففي الجنائز أولى، و هو مناف لإطلاق ولاية الأولى بالميراث بلا مقتض بعد وضوح منع الملازمة المزبورة، بل هو مناف للضرورة إن أريد بالخلفاء ما يشمل المجتهدين في هذا الزمان، بل عن التذكرة «أن الولي أولى من الوالي عند علمائنا» لكن في الذكرى «إن أراد:

أي الفاضل توقفه على تقديمه و إن كان تقديمه مستحبا فحسن، و إن أراد نفي استحباب تقديمه فظاهر الخبر: أي خبر السكوني يدفعه» قلت: قد عرفت ما في الخبر المزبور لكن لا بأس به بعد التسامح و فرض كون الوالي جامعا لشرائط الإمامة، و الله أعلم.

و الهاشمي أولى من غيره إن قدمه الولي و كان بشرائط الإمامة بلا خلاف أجده فيه، بل حكى الشهرة عليه غير واحد، بل عن المعتبر و التذكرة و نهاية الأحكام الإجماع عليه لكن بمعنى أنه ينبغي للولي تقديمه، فالإجماع المزبور كاف حينئذ في ثبوته فلا يقدح حينئذ عدم استثبات الشهيد في الذكرى

للمرسل النبوي «قدموا قريشا و لا تقدموها»

في رواياتنا، مع أنه أعم من المدعي، و ربما كان من ترويجات السقيفة، نعم ما عن المفيد من وجوب التقديم في غاية البعد لعدم الدليل، و لولا أن المحكي من

24

عبارته يأبى الحمل على الامام لكان المتجه حمله عليه، و يمكن أن يريد تأكد الندب، و المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) الذي هو عين المحكي عن رسالة علي بن بابويه لو قلنا بحجيته لا دلالة فيه على الوجوب، قال: «و اعلم أن أولى الناس بالصلاة على الميت الولي أو من قدمه الولي، فإن كان في القوم رجل من بني هاشم فهو أحق بالصلاة إذ قدمه الولي، فإن تقدم من غير أن يقدمه الولي فهو غاصب» اللهم إلا أن يدعى ظهوره في إرادة وجوب تقديم الولي إياه كما سمعته من كشف اللثام في خبر السكوني، و يؤيده أنه لا معنى لاشتراط الأحقية بتقديم الولي، إذ لا فرق بينه و بين غيره في ذلك، فلا بد حينئذ من جعل الشرط مستأنفا و يقدر له جزاء، لكن كفانا مؤنة ذلك عدم حجية الكتاب المزبور مع مخالفته هنا للمشهور، فتأمل.

و كيف كان فالمراد هنا ثبوت أصل الترجيح بالهاشمية لا رجحانها على سائر المرجحات، و تخصيص المصنف هنا بالذكر لها لعله لخلاف المفيد، أو لإرادة بيان ترجيحها في غير الأولياء، لكن يبعد الأخير ظهور الفتاوى و معاقد الإجماعات في عدم الفرق في الترجيح بها بين الأولياء و بين غيرهم، كما أن الظاهر عدم اختصاص تلك المرجحات السابقة في الأولياء كما عرفت، هذا، و في الذكرى «قال ابن الجنيد: و من لا أحد له فالأقعد نسبا برسول الله (صلى الله عليه و آله) من الحاضرين أولى به» و هو إنما يقتضي ثبوت الولاية مع عدم الولي، و يقتضي تقديم الأقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فالأقرب، و لعله إكرام لرسول الله (صلى الله عليه و آله)، فكلما كان القرب منه أكثر كان أدخل في استحقاق الإكرام» قلت: يمكن أن لا يكون مخالفا فيما نحن فيه من ترجيح تقديم الهاشمي على غيره، إذ هو أمر غير الولاية، و فيه حينئذ أنه مناف لما سمعته من ترتب الولاية على طبقات الإرث، فلا بد من انتهائه إلى الامام (عليه السلام)،

25

و يأتي البحث السابق فيما لو غاب الولي، و الله أعلم.

و يجوز أن تؤم المرأة النساء بلا خلاف أجده فيه، بل في التحرير الإجماع عليه، و قال زرارة (1) في الصحيح لأبي جعفر (عليه السلام): «المرأة تؤم النساء قال: لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطهن معهن في الصف فتكبر و يكبرن»

و سأله (عليه السلام) الصيقل (2) في خبره أيضا «كيف تصلي النساء على الجنازة إذا لم يكن معهن رجل؟ قال: يصففن جميعا و لا تتقدمهن امرأة، يقمن جميعا في صف واحد و لا تتقدمهن امرأة، قيل ففي صلاة مكتوبة أ يؤم بعضهن بعضا؟ قال:

نعم»

و قال الباقر (عليه السلام) في خبر جابر (3): «إذا لم يحضر الرجل تقدمت امرأة وسطهن و قام النساء عن يمينها و شمالها و هي وسطهن تكبر حتى تفرغ من الصلاة»

و ظاهر الجميع وجوب القيام وسط الصف، بل في كشف اللثام أنه ظاهر الأكثر لظاهر الأخبار، لكن قال المصنف هنا و يكره أن تبرز عنهن بل تقف في صفهن و اقتصر في الكشف على نقل خلافه، و كأنه حمل النص و الفتوى على ذلك و لا بأس به.

و كيف كان فظاهر النص و الفتوى و معقد الإجماع عدم اشتراط صلاتهن بعدم الرجال، بل يجزي ذلك منهن عنهم كما هو مقتضى الوجوب الكفائي الشامل للرجال و النساء و الخنائي، فما عساه يحكى عن ظاهر السرائر من اشتراط صلاتهن بعدم الرجال في غير محله، مع أنه يمكن إرجاعه إلى الأصحاب و كذا الرجال العراة في الائتمام و عدم البروز عن الصف بل يقف معهم كالمرأة بلا خلاف، بل في جامع المقاصد و فوائد

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 25- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 و ذيله في الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4 من كتاب الطهارة.

26

الشرائع نسبته إلى الشيخ و الأصحاب، لكن قال في الأخير مع أنهم صرحوا بأن العراة يجلسون في اليومية و كأنه بناء على أن الستر ليس شرطا في صلاة الجنازة و نحن نشترطه أو للفرق بينها و بين اليومية بالاحتياج إلى الركوع و السجود هناك بخلافه هنا، و ليس بشيء لوجوب الإيماء، و المتجه فعلها من جلوس و استحباب عدم التقدم بحاله، و فيه أنه مخالف لظاهر الأكثر، بل صريح التذكرة و الذكرى و المحكي عن المعتبر و غيره، بل ظاهرهم عدم الفرق في ذلك بين أمن المطلع و عدمه، و إن كان قد يشكل بأنه كما يجب القيام في هذه الصلاة يجب حفظ العورة عن النظر، بل هو أهم بالمراعاة، و يمكن حمل كلامهم هنا على الأول، و أمن بعضهم من بعض حاصل بوقوف الامام معهم في الصف، فكل منهم مستتر بالآخر، و عدم وجوب مثله في الفريضة إن قلنا به فللنص (1) و لأن القيام في هذه الصلاة من أركانها بخلافه في الفريضة، و ظاهر الوسيلة وجوب وضع اليد على السوأة، قال: «يقف الإمام في وسطهم واضعين (واضع خ ل) أيديهم على سوآتهم» و لم أجده لغيره، لكن لا بأس به لو توقف الحفظ عن النظر عليه، كما أنه لا بأس بما هو ظاهر الأكثر من وجوب وقوف الإمام في الصف، بل لا أجد تصريحا بخلافه من غير المصنف، إذا المحقق الثاني و إن صرح بالندب إلا أنه صرح بالجلوس كما عرفت، إلا أنه و مع ذلك فالقول بالندب غير بعيد الإرادة من إطلاق الفتاوى إذا لم يتوقف عليه التحفظ عن النظر، و لعل إطلاق المصنف الجواز بناء على عدم توقفه غالبا، لأن دبره مع بروزه مستور بالأليتين، و قبله بالتقدم، كما أن إطلاق الأصحاب الوقوف في الصف مبني على قبح النظر إلى صورة الأليتين، بل لا يبعد جعل المدار في القيام أيضا على التمكن من التحفظ عن النظر و عدمه، فيجب في الأول و الجلوس في الثاني، بل يصلون حينئذ من جلوس إن كانوا جميعا كذلك، و إلا صلى كل منهم بحسب تمكنه بناء

____________

(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب لباس المصلى من كتاب الصلاة.

27

على مشروعية الصلاة للعاجز مع القادر، لكن لا يأتم القائم بالقاعد كما في اليومية، و إن كان في إقامة الدليل عليه بناء على عدم اندراج مثل هذه الصلاة في الإطلاق إشكال قد يدفعه أنه و إن قلنا بعدم اندراجها في إطلاق الصلاة لكن لا ريب في اندراج ائتمامها في إطلاق الائتمام، فيعتبر فيه حينئذ ما اعتبر فيه في غيرها إذا كان دليل الاعتبار ظاهرا في الائتمام، من حيث هو لا الائتمام بخصوص الفريضة مثلا، فما في كشف الأستاذ- من أن في اشتراط القيام لو أم قائمين مع عجزه عن القيام، و طهارته بالماء لو أم متطهرين به، و عدم ارتفاع مقامه بما يعتد به على المأمومين وجهين، أقواهما العدم- لا يخلو من نظر فيما عدا الوسط الذي يقوى عدم اعتباره في الفريضة فضلا عن هذه الصلاة، و ربما تسمع لذلك تتمة، كما أنه بملاحظة ما سلف لنا في صلاة العاري يحصل ما له نفع تام في المقام، فلاحظ و تأمل.

ثم إن الظاهر جريان البحث في ائتمام المستورين بالعاري، فيستحب أو يجب الوقوف معهم في الصف، و الله أعلم.

و كيف كان ف غيرهما من الأئمة: أي العاري و الامرأة يبرز أمام الصف و لو كان المؤتم واحدا بلا خلاف أجده فيه، بخلاف المكتوبة ل

خبر اليسع بن عبد الله القمي (1) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل يصلي على الجنازة وحده قال: نعم، قلت: فاثنان قال: نعم و لكن يقوم الآخر خلف الآخر و لا يقوم بجنبه»

و لا صراحة فيه بخصوص الائتمام، فيمكن ثبوت الحكم في الانفراد أيضا، إلا أني لم أجد نصا من أحد من الأصحاب عليه، و الظاهر إرادة الندب من إطلاق النص و الفتوى، بل مقتضى النهي في الأول منهما الكراهة، و هو مما يؤيد إرادتهم من نحو ذلك فيما تقدم الندب أيضا، إذ احتمال الوجوب هنا بعيد.

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

28

و على كل حال ف إذا اقتدى النساء بالرجل وقفن خلفه بالأولى لمطلوبية الستر، و لأن الجنازة أولى من المكتوبة التي ينبغي تأخرهن عنه فيها و إن كان وراءه رجال وقفن خلفهم بلا خلاف، بل في المدارك لا ريب فيه لتأخر رتبتهن، و لأنه أبلغ في الستر و أبعد عن الافتتان بهن و الاشتغال بتصورهن، و في خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): خير الصفوف في الصلاة المقدم، و خير الصفوف في الجنائز المؤخر، قيل: يا رسول الله و لم؟

قال: صار سترة للنساء»

و اليه أشار في الفقيه فقال: و أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير، و العلة في ذلك أن النساء كن يختلطن بالرجال في الصلاة على الميت الصف الأخير، و العلة في ذلك أن النساء كن يختلطن بالرجال في الصلاة على الجنائز فقال النبي (صلى الله عليه و آله): أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير فتأخرن إلى الصف الأخير فبقي فضله على ما ذكره (صلى الله عليه و آله)، و مراده كما في وافي الكاشاني «أن النساء إنما يختلطن بالرجال في الجنائز طلبا لفضل الصف المتقدم من صفوفهن المتأخرة، فيقفن خلف الرجال متصلات بهم، فنهين عن ذلك بتفضيل الصف الأخير من صفوفهن على الأول منها، و أما في الصلوات المكتوبة فللزوم تأخرهن عنهم هنالك بمقدار مساقط أجسامهن أو أكثر لم يحصل الاختلاط المحذور منه، و أما طلب الرجال التأخر بعد شرعيته هنا فلا مفسدة فيه، لأنهن كن خلفهم لا يرونهن، و أما تقدمهم على النساء في الصلاتين فكان من الأمور المعهودة عندهم، و كانوا يعلمون ذلك، و إنما كان فضيلة تأخرهم بالإضافة إلى أنفسهم دون النساء، لتقدم الرجال على النساء على كل حال، إذا عرفت هذا فمعنى

قوله (صلى الله عليه و آله): «صار سترة للنساء»

أن الصف المتأخر أنما فضل على المتقدم لتطلب النساء التأخر فالتأخر، فيكون أبعد من الرجال، فيكن مستورات عنهم بصفوفهن المتقدمة، ثم لما شرع لهذه المصلحة بقي حكمه إلى يوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

29

القيامة و إن لم يكن مع الرجال امرأة، مع أن فيه منع الناس عن الازدحام، قيل:

و يحتمل أن يكون المراد بالصفوف في الحديث صفوف الجنائز لا المصلين، فان كل صف من الجنائز أقرب إلى المصلي فهو المؤخر و هو الأفضل، قلت، و حينئذ يشكل التعليل» انتهى.

قلت: بل يشكل الدليل حينئذ على ما ذكره غير واحد من الأصحاب، بل ظاهرهم الاتفاق عليه من فضل الصف الأخير في صلاة الجنازة عكس اليومية، إذ لم نقف على غير الخبر المزبور، لكن و مع ذلك عن المجلسي الجزم بالاحتمال المزبور، بل بالغ في الإنكار على الأصحاب في فهم الخبر المذكور على غير ذلك، قال: «و الذي يفهم من الرواية و هو الظاهر منها لفظا و معنى أن المراد بالصفوف في الصلاة صفوف جميع الصلوات الشاملة لصلاة الجنازة و غيرها، و المراد بصفوف الجنائز إنما هو الجنائز المختلفة إذا وضعت بين يدي الإمام للصلاة عليها، و أن المراد خير الصفوف في الصلاة الصف المتقدم: أي ما كان أقرب إلى القبلة، و خير الصفوف في الجنائز المؤخر: أي ما كان أبعد عن القبلة و أقرب إلى الامام، و لما كان الأشرف في جميع المواضع متعلقا بالرجال صار كل من الحكمين سببا لسترة النساء، لأن تأخرهن في الصفوف سترة لهن، و تأخر جنائزهن لكونه سببا لبعدهن عن الرجال المصلين سترة لهن، فاستقام التعليل في الخبرين و سلم الكلام عن ارتكاب الحذف و المجاز، و صار الحكم مطابقا لما دلت عليه الأخبار، و العجب من الأصحاب كيف غفلوا عن هذا الاحتمال الظاهر و ذهبوا إلى ما يحتاج إلى تلك التكلفات البعيدة الركيكة، فخذ ما آتيتك و كن من الشاكرين» و استجوده في الحدائق لكن قال: إن دليل الأصحاب لا ينحصر في الخبر المزبور، فيمكن أن يكون نص لم يصل إلينا كما في كثير من الأحكام، بل التعليل المزبور من الفقيه كالصريح في وصول نص اليه كما لا يخفى على الممارس العارف بطريقته، مضافا إلى ما

في فقه الرضا

30

(عليه السلام) «و أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير». (1)

قلت: على أنه قد يقال بعدم حسن التعليل في الخبر المزبور إلا على ما ذكره الأصحاب، ضرورة عدم الاحتياج للسترة في الصلاة على المرأة حتى يكون الصف المؤخر من جنائز الرجال سترة بين المصلي و بين جنائز النساء الذي هو المقدم، بخلافه على ما عند الأصحاب، إذ المراد أنه صار فضل التأخر سببا لستر النساء و عدم تقدمهن على الرجال أو محاذاتهن، كما هو واضح بأدنى نظر، فتأمل، و كيف كان فلا ريب في تأخر النساء عن الرجال إلا أن الظاهر كون ذلك على الندب، لإطلاق الأدلة و انسباق ثبوت ذلك فيها تشبيها لها بالصلاة، أو أنها منها، و قد عرفت عدم وجوب ذلك في الفريضة، فهي أولى عند التأمل.

و على كل حال ف ان كان فيهن حائض انفردت عن صفهن استحبابا كما صرح به جماعة و إن كان ظاهر النصوص الوجوب كبعض الفتاوى،

قال محمد بن مسلم (2) في الصحيح: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تصلي على الجنازة قال:

نعم، و لا تصف معهم و تقف مفردة»

و سأله (عليه السلام) سماعة (3) أيضا «عن المرأة الطامث إذا حضرت الجنازة فقال: تتيمم و تصلي عليها و تقوم وحدها بارزة من الصف»

و البصري (4) «تصلي الحائض على الجنازة فقال: نعم، و لا تصف معهم و تقوم مفردة»

و مرسل ابن المغيرة (5) عن رجل أنه سأله (عليه السلام) أيضا «عن الحائض تصلي على الجنازة فقال: نعم و لا تقف معهم»

كقول الباقر (عليه السلام) في خبر ابن مسلم (6) أيضا: «ان الحائض تصلي على الجنازة و لا تصف معهم»

إلى غير

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام) ص 19.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 5 من كتاب الطهارة.

(4) الوسائل- الباب- 22- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 3 من كتاب الطهارة.

(5) الوسائل- الباب- 22- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 4 من كتاب الطهارة.

(6) الوسائل- الباب- 22- من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 من كتاب الطهارة.

31

ذلك، لكن حمل الأمر و النهي فيها على الندب و الكراهة لأنه المناسق له لقوة الإطلاق و الحكم بندبية التأخر لغيرها غير بعيد، كما أن المنساق من النصوص المزبورة إرادة انفرادها بصف عن النساء و الرجال، بل هو مقتضى إطلاق خبر سماعة لا خصوص الأخير و إن كان هو المذكور في كثير منها باعتبار تذكير الضمير، لكنه لا ينافي الانسياق فضلا عن الإطلاق، فما عن الذكرى- من أن في انفراد الحائض هنا نظرا من

قول الصادق (عليه السلام): «لا تقف معهم تقف منفردة»

و ان الضمير يدل على الرجال، و إطلاق الانفراد يشمل النساء- في غير محله، خصوصا بعد فهم الأصحاب، إذ لم أجد فيه خلافا من أحد، ثم لا يخفى أن الأمر بالتيمم في موثق سماعة لا لتحصيل الطهارة، ضرورة عدم إمكان حصولها قبل انقطاع الدم، بل المراد استحباب الصورة و لا بأس به، و الله أعلم.

[القسم الثالث في كيفية الصلاة]

القسم الثالث في كيفية الصلاة و هي

[في كيفية الصلاة على المؤمن]

على المؤمن خمس تكبيرات بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص منها المشتمل على بيان الوجه في ذلك أنه أخذ من كل من الخمس صلوات تكبيرة (1) أو من كل من الخمس فرائض: الصوم و الصلاة و الزكاة و الحج و الولاية تكبيرة (2) و لعله لذا ترك العامة أحدها لعدم النصيب لهم في الأخيرة، و بالجملة كون الصلاة عندنا خمسا كالضروري من المذهب، بل يعرفه المخالف منا فضلا عن الموافق، بل عن بعض العامة أنهم تركوه لأنه من شعار الشيعة، قال في المحكي عن حواشي الشهيد: إن محمد بن علي بن عمران التميمي المالكي قال في كتابه الموسوم بفوائد مسلم: إن زيدا كبر خمسا و إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان كذلك يكبرها و لكن ترك هذا المذهب لأنه صار علما على القول بالرفض، قلت: و من هنا تركوا الحق في أصول الدين

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة.

32

و فروعه، لأنه علم على الرفض، و تكبير علي (عليه السلام) على سهل بن حنيف خمسا و عشرين تكبيرة كأنه تكرير للصلاة خمس مرات كما صرحت به

النصوص (1) و أنه (عليه السلام) كلما صلى و مشى به جاء جماعة فقالوا: لم ندرك الصلاة عليه فأنزله و أعاد الصلاة حتى انتهى به إلى قبره،

بل

عنه (عليه السلام) (2) أنه قال: «لو كبرت عليه سبعين تكبيرة لكان أهلا»

و في آخر (3) عن الصادق (عليه السلام) «أنه صلى (عليه السلام) خمسا لأن له خمس مناقب، فصلى عليه لكل منقبة صلاة»

و أشار فيه إلى أربعة منها، هي أنه بدري أحدي من النقباء الذين اختارهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) من الاثنى عشر نقيبا، عقبي أي أحد الستة الذين لاقاهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) في عقبة المدنيين و أخذ البيعة عنهم، و ترك ذكر الخامسة، و لعلها الولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) لأنه من السابقين الذين رجعوا اليه (عليه السلام)، بل منه يعلم ندب تكرير الصلاة لأهل الشرف و الفضل كما ستعرف.

و من ذلك يظهر الوجه في تكبير النبي (صلى الله عليه و آله) على فاطمة بنت أسد أربعين (4) و على عمه حمزة سبعين (5) و ان المراد صلاته أربعة عشر صلاة، و قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (6): «أنه صلى عليه سبعين صلاة»

يمكن حمله على إرادة الدعاء له سبعين مرة أي دعا له بعد كل تكبيرة، فيتحد حينئذ مع الخبر الأول، و على كل حال فليس المراد سبعين تكبيرة لصلاة واحدة، بل

عن صحيفة الرضا

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 و 5 و 21.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 12 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 18.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5 و 7 من كتاب الطهارة.

(6) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 6.

33

(عليه السلام) (1) بإسناده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «رأيت النبي (صلى الله عليه و آله) كبر على عمه حمزة خمس تكبيرات، و كبر على الشهداء بعده خمس تكبيرات، فلحق حمزة سبعين تكبيرة».

نعم في خبر عقبة (2) سأل جعفر (عليه السلام) «عن التكبير على الجنائز فقال: ذاك إلى أهل الميت ما شاءوا كبروا، فقيل: إنهم يكبرون أربعا فقال: ذاك إليهم».

و في خبر جابر (3) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التكبير على الجنازة هل فيه شيء موقت؟ فقال: لا، كبر رسول الله (صلى الله عليه و آله) إحدى عشر و تسعا و سبعا و خمسا و ستا و أربعا»

و لا ريب في شذوذه، و في كشف اللثام أنه يجوز أن يكون بحضور جنازة أخرى أو جنازات أخر في أثناء الصلاة و الاستئناف عليهما، و يجوز خروج الزائد عن الصلاة، و يجوز أن يراد بالتكبير الصلاة، و يراد تكريرها ستا و سبعا فصاعدا، و يجوز كون تكبيرات الامام و المأموم اللاحق بأجمعها ستا أو سبعا أو تسعا.

قلت: لا يقدح بعد ذلك أو بعضه بعد ما عرفت من الشذوذ و مخالفة الإجماع أو الضرورة فضلا عن المستفيض أو المتواتر من النصوص (4) التي منها يعلم البطلان لو قصد من أول الأمر التقرب بالزائد أو الناقص على وجه التشريع و إن لم يفعل ما نواه أما لو زاد عمدا بعد نية التمام فقد قيل بعدم البطلان، لوقوعه البتة في الخارج فلا تبطل، و قد يشكل أولا بما عن جامع المقاصد مما إذا زاد عند بعض الأدعية تكبيرتين فإنه حينئذ ليس خارجا عن الصلاة، و ثانيا بأنه مع قصد الزيادة بما يأتي به دون التي هي من الصلاة لا تقع منها، نعم لو زاد سهوا يمكن عدم البطلان و إن كان عند بعض الأدعية،

____________

(1) المستدرك- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 17 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 18.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 17.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة.

34

لعدم ثبوت حكم الركنية هنا، و دعوى أنها الأصل يمكن منعها، خصوصا بعد إمكان فتح قاعدة السهو التي منها يمكن القول بالصحة مع النقصان كذلك إذا لم يذكره إلا بعد انمحاء الصورة، خلافا لبعضهم فصرح بالبطلان به إذا كان على وجه لا يمكن التدارك، و فيه بحث يعلم من المباحث السابقة، و الله أعلم.

و كيف كان ف الدعاء خاصة أو الشامل للشهادتين بينهن أي التكبيرات غير لازم عند المصنف خاصة هنا، قيل: و ظاهر النافع و المعتبر، للأصل و الإطلاق المقطوعين بما ستعرف إذا فرض كون الثاني منهما مساقا لنحو ذلك، و اختلاف النصوص الذي هو في خصوص بعض الكيفيات، خلافا لمن عداه من الأصحاب فيجب، بل لعله في النافع و المعتبر كذلك، قال في الأول: «هي خمس تكبيرات بينها أربعة أدعية و لا يتعين، و أفضله أن يكبر» إلى آخر ما في الكتاب مع زيادة الانصراف بالخامسة مستغفرا، و نحوه في ذلك كله في كشف اللثام عن المعتبر مع زيادة أنه مذهب علمائنا، بل حسن الظن به في نقل ما ظاهره الإجماع يوجب إرادته عدم تعين دعاء مخصوص لا أصل الدعاء، و إلا كان ذلك منه من الغرائب، ضرورة كونه محصلا و منقولا في ظاهر الخلاف و صريح الغنية على خلافه، بل عن شرح الإرشاد لفخر الإسلام «الصلاة على النبي و آله (عليهم السلام) واجبة بإجماع الإمامية» و في الذكرى «أن الأصحاب أجمعهم يذكرون ذلك في كيفية الصلاة كابني بابويه و الجعفي و الشيخين و أتباعهما و ابن إدريس، و لم يصرح أحد منهم بندب الأذكار، و المذكور في بيان الواجب ظاهره الوجوب».

قلت: مضافا إلى اشتراك جميع نصوص الكيفية فعلا و قولا بخلافه على اختلافها ففي

صحيح محمد بن مهاجر (1) عن أمه أم سلمة «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

35

كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا صلى على ميت كبر فتشهد، ثم كبر فصلى على الأنبياء و دعا، ثم كبر و دعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة و دعا للميت، ثم كبر و انصرف فلما نهاه الله عز و جل عن الصلاة للمنافقين كبر فتشهد، ثم كبر فصلى على النبيين، ثم كبر و دعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة و انصرف، و لم يدع للميت»

قيل: و أرسله في الفقيه و رواه في العلل مبدلا الأنبياء بالنبي، و زائدا و المؤمنات، و في خبر إسماعيل (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) على جنازة فكبر عليه خمسا، و صلى على أخرى فكبر عليه أربعا فأما الذي كبر عليه خمسا فحمد الله و مجده في التكبيرة الأولى، و دعا في الثانية للنبي (ص) و دعا في الثالثة للمؤمنين و المؤمنات، و دعا في الرابعة للميت، و انصرف في الخامسة، و أما الذي كبر عليه أربعا فحمد الله و مجده في التكبيرة الأولى، و دعا لنفسه و أهل بيته في الثانية، و دعا للمؤمنين و المؤمنات في الثالثة، و انصرف في الرابعة، و لم يدع له لأنه كان منافقا».

و قال أبو بصير (2) في خبره: «كنت جالسا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل رجل فسأله عن التكبير على الجنائز فقال: خمس تكبيرات، ثم دخل آخر فسأله عن الصلاة على الجنائز فقال له: أربع صلوات، فقال الراوي: جعلت فداك سألك ذاك فقلت خمسا، و سألك هذا فقلت: أربعا فقال: إنه سألني عن التكبير و سألني هذا عن الصلاة؟ ثم قال: إنها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات ثم بسط كفه فقال:

إنهن خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات».

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 12 من كتاب الطهارة.

36

و خبر علي بن سويد (1) عن الرضا (عليه السلام) فيما يعلم قال: «في الصلاة على الجنائز تقرأ في الأولى أم الكتاب، و في الثانية تصلي على النبي (صلى الله عليه و آله) و تدعو في الثالثة للمؤمنين و المؤمنات، و تدعو في الرابعة لميتك، و الخامسة تنصرف بها»

و القداح (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «إن عليا (عليه السلام) كان إذا صلى على ميت يقرأ بفاتحة الكتاب و يصلي على النبي (صلى الله عليه و آله)»

و سأل زرارة (3) في الصحيح أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الصلاة على الميت فقال: تكبر ثم تصلي على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم تقول: اللهم عبدك و ابن عبدك ابن أمتك، لا أعلم منه إلا خيرا و أنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه و تقبل منه، و إن كان مسيئا فاغفر له ذنبه، و افسح له في قبره، و اجعله من رفقاء محمد (صلى الله عليه و آله)، ثم تكبر الثانية و تقول: اللهم إن كان زاكيا فزكه، و إن كان خاطئا فاغفر له، ثم تكبر الثالثة و تقول: اللهم لا تحرمنا أجره و لا تفتنا بعده، ثم تكبر الرابعة و تقول: اللهم اكتبه عندك في عليين، و اخلف على عقبه في الغابرين، و اجعله من رفقاء محمد (صلى الله عليه و آله)، ثم كبر الخامسة و انصرف».

و سأله (عليه السلام) أيضا أبو ولاد (4) في الصحيح أو الحسن «عن التكبير على الميت فقال: خمس، تقول في أولاهن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اللهم صل على محمد و آل محمد، ثم تقول: اللهم إن هذا المسجى قدامنا عبدك و ابن عبدك و قد قبضت روحه إليك، و قد احتاج إلى رحمتك، و أنت غني عن عذابه، اللهم إنا لا نعلم من ظاهره إلا خيرا و أنت أعلم بسريرته، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 8 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2 من كتاب الطهارة.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5 من كتاب الطهارة.

37

و إن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، ثم تكبر الثانية و تفعل ذلك في كل تكبيرة»

و قال هو (عليه السلام) أيضا للحلبي (1) «تكبر ثم تشهد ثم تقول: إنا لله و إنا إليه راجعون الحمد لله رب العالمين رب الموت و الحياة صل على محمد و أهل بيته، جزى الله محمدا عنا خير الجزاء بما صنع بأمته و بما بلغ من رسالات ربه، ثم تقول: اللهم عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك، ناصيته بيدك، خلا من الدنيا و احتاج إلى رحمتك، و أنت غني عن عذابه اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا و أنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، و تقبل منه، و إن كان مسيئا فاغفر له ذنبه، و ارحمه و تجاوز عنه برحمتك، اللهم ألحقه بنبيك (صلى الله عليه و آله)، و ثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا و الآخرة، اللهم اسلك بنا و به سبيل الهدى، و اهدنا و إياه صراطك المستقيم، اللهم عفوك، ثم تكبر الثانية و تقول: مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات».

و قال سماعة (2): «سألته عن الصلاة على الميت فقال: تكبر خمس تكبيرات، تقول أول ما تكبر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، اللهم صل على محمد و آل محمد و على الأئمة الهداة، و اغفر لنا و لوالدينا و لإخواننا الذين سبقونا بالايمان، و لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم اللهم اغفر لأحيائنا و أمواتنا من المؤمنين و المؤمنات، و ألف بين قلوبنا على قلوب أخيارنا و اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، فان قطع عليك التكبيرة الثانية فلا يضرك، و تقول: اللهم هذا عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك أنت أعلم به افتقر إلى رحمتك، و استغنيت عنه، اللهم فتجاوز عن سيئاته، و زد في حسناته و اغفر له و ارحمه و نور له في قبره و لقنه حجته و ألحقه بنبيه و آله، و لا تحرمنا

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 6.

38

أجره و لا تفتنا بعده، تقول هذا حتى تفرغ من خمس تكبيرات» و زاد في التهذيب «فإذا فرغت سلمت عن يمينك».

و سأل عمار (1) أبا عبد الله (عليه السلام) في الموثق «سألته (عليه السلام) عن الصلاة على الميت فقال: تكبر ثم تقول: إنا لله و إنا إليه راجعون، إن الله و ملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما، اللهم صل على محمد و آل محمد، و بارك على محمد و آل محمد كما صليت و باركت على إبراهيم و آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم صل على محمد و على أئمة المسلمين، اللهم صل على محمد و على إمام المسلمين اللهم عبدك فلان و أنت أعلم به، اللهم ألحقه بنبيه محمد و آله (صلوات الله عليهم)، و افسح له في قبره و نور له فيه و صعد روحه و لقنه حجته، و اجعل ما عندك خيرا له، و أرجعه إلى خير ما كان فيه، اللهم عندك نحتسبه فلا تحرمنا أجره و لا تفتنا بعده، اللهم عفوك عفوك، اللهم عفوك عفوك، تقول هذا في التكبيرة الأولى، ثم تكبر الثانية فتقول: اللهم عبدك فلان، اللهم ألحقه بنبيه محمد و آله و سلم و افسح له في قبره و نور له فيه و صعد نوره و لقنه حجته، و اجعل ما عندك خيرا له، و أرجعه إلى خير مما كان فيه، اللهم عندك نحتسبه فلا تحرمنا أجره و لا تفتنا بعده، اللهم عفوك، اللهم عفوك، تقول هذا في الثانية و الثالثة و الرابعة، فإذا كبرت الخامسة فقل: اللهم صل على محمد و على آل محمد، اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات، و ألف بين قلوبهم، و توفني على ملة رسولك، اللهم اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالايمان، و لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، اللهم عفوك عفوك و تسلم».

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر يونس (2): «الصلاة على الجنائز التكبيرة الأولى استفتاح الصلاة، و الثانية تشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله،

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 10.

39

و الثالثة الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) و على أهل بيته (عليهم السلام) و الثناء على الله، و الرابعة له، و الخامسة تسلم و تقف بقدر ما بين التكبيرتين، و لا تبرح حتى يحمل السرير من بين يديه»

مضافا إلى نصوص (1) المستضعف و المنافق و غيرها مما تضمن أنها هي تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل.

و بالجملة لا ريب في إمكان دعوى تواتر الأخبار بوجوب الزائد على التكبيرات بل قد يدعى تواترها في الدعاء فيها للميت أيضا، و قول الباقر (عليه السلام) في حسن زرارة و محمد بن مسلم و معمر بن يحيى و إسماعيل الجعفي (2): «ليس في الصلاة قراءة و لا دعاء موقت تدعو بما بذالك، و أحق الموتى أن يدعى له المؤمن، و أن يبدأ بالصلاة على رسول الله (صلى الله عليه و آله)»

محمول على نفي الدعاء المعين له الذي حكى في المنتهى إجماع أهل العلم عليه، و أشار إليه المصنف بقوله و لو قلنا بوجوبه لم نوجب لفظا على التعيين لا أصله، بل قوله (عليه السلام): «تدعوا» إلى آخره. ظاهر في ذلك، قال في الذكرى بعد أن روى الخبر المزبور: «نحن لا نوقت لفظا بعينه، بل نوجب مدلول ما اشتركت فيه الروايات بأي عبارة كانت» فما عساه يظهر من بعض متأخري المتأخرين- من أنه إنما يجب فيها الدعاء للميت أو لغيره كالمحكي عن ابن الجنيد ليس في الدعاء بين التكبيرات شيء موقت لا يجوز غيره- واضح الضعف، كاحتمال وجوب الذكر فيه و إن لم يكن دعاء، ل

قول الصادق (عليه السلام) (3): «نعم إنما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل كما تكبر و تسبح في بيتك على غير وضوء»

جواب سؤال يونس بن يعقوب له عن الصلاة على الجنازة على غير وضوء الذي هو قرينة على كون المراد نفي

____________

(1) الوسائل- الباب- 3 و 4- من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

40

كونها ذات الركوع و السجود التي يعتبر فيها الوضوء، لا أن المراد بيان جميع ما يقال فيها.

فظهر أن ذلك كله لا ينافي ما ذهب إليه جماعة من الأصحاب، بل في الذكرى و المحكي عن المختلف و جامع المقاصد و غيرهما نسبته إلى الشهرة من وجوب الشهادتين في التكبيرة الأولى، و الصلاة على محمد و آله في الثانية، و الدعاء للمؤمنين في الثالثة، و الدعاء للميت في الرابعة، و هو الذي جعله المصنف أفضل، فقال و أفضل ما يقال

ما رواه محمد بن مهاجر (1) عن أمه أم سلمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا صلى على ميت كبر و تشهد ثم كبر و صلى على الأنبياء و دعا ثم كبر و دعا للمؤمنين ثم كبر الرابعة و دعا للميت ثم كبر و انصرف

و فيه أن دليل التأسي بفعله المروي فيه و في خبر إسماعيل (2) أيضا بعد حمل الحمد و التمجيد فيه على الشهادة في غيره يقضي بوجوب التوزيع الذي قد عرفت موافقته للمعلوم من نظم الدعاء من الابتداء بثناء الله و الصلاة على النبي ثانيا، و الدعاء للمؤمنين ثالثا، و ذكر المقصود رابعا، و عرفت أيضا أنه المشهور بين الأصحاب، بل في الخلاف الإجماع عليه، قال:

«يكبر أولا و يشهد الشهادتين، و يكبر الثانية و يصلي على النبي (صلى الله عليه و آله) و يكبر ثالثا و يدعو للمؤمنين، و يكبر رابعا و يدعو للميت، و يكبر الخامسة و ينصرف- إلى أن قال-: دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم»

و لعله كذلك أيضا، إذ هو المذكور في الجمل و العقود و الكافي و الوسيلة و الإشارة و الجامع و الغنية و التحرير و الإرشاد و القواعد و الدروس و البيان و اللمعة و الذكرى و الموجز و فوائد الشرائع و حاشية الإرشاد و الجعفرية و شرحيها و الروض و الكفاية و المنظومة و غيرها و الفقيه و المقنع و الهداية

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 9 من كتاب الطهارة.

41

و المصباح و مختصره على ما حكي عن البعض و إن كان ما في الخمسة الأخيرة ألفاظا معينة، و في الغنية بعد الثالثة و الرابعة خاصة ألفاظ معينة، لكن من المحتمل إن لم يكن الظاهر عدم إرادة لزوم التعيين، و إنما هو على ضرب من التأديب، بل هو كالصريح من الهداية، حيث أنه بعد أن ذكر الألفاظ التي ستعرفها قال: «المواطن التي ليس فيها دعاء موقت الصلاة على الجنازة و القنوت و المستجار و الصفا و المروة و الوقوف بعرفات و ركعتا الطواف» إلى آخره.

و لعل الجميع كذلك خصوصا كتب الصدوق، كما أن ما في المبسوط و النهاية و الاقتصاد و المقنعة و المراسم و السرائر و المهذب من شهادة التوحيد بعد الأولى حسب، و في الأربعة الأخيرة لها ألفاظ مخصوصة، إلا أن في المهذب بعد ذكر الألفاظ «و الاقتصار على الشهادتين مجز كذلك أيضا» بعد حمل شهادة التوحيد فيها على ما يشمل الشهادتين كما يومي اليه ما في المهذب حيث أنه ذكر كما ذكروا، ثم قال:

«و الاقتصار» إلى آخره. و يؤيد ذلك كله ما عن المنتهى من إجماع أهل العلم على عدم دعاء معين، قال: «إذا ثبت عدم التوقيت فيها فالأقرب ما رواه ابن مهاجر- ثم ذكر- أنه إذا كبر الثانية صلى على النبي و آله (صلوات الله عليهم)، و أنه لا يعرف في ذلك خلافا، و أنه رواه الجمهور عن ابن عباس و رواه الأصحاب في خبر ابن مهاجر و غيره، و أن تقديم الشهادتين يستدعي تعقيب الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) كما في الفرائض- قال-: و ينبغي أن يصلي على الأنبياء لخبر ابن مهاجر- ثم قال-:

الدعاء للميت واجب لأن وجوب صلاة الجنازة معلل بالدعاء للميت و الشفاعة فيه، و ذلك لا يتم بدون وجوب الدعاء- ثم قال-: لا يتعين هنا دعاء أجمع أهل العلم على ذلك، و يؤيده أحاديث الأصحاب»

42

و كيف كان فيدل عليه مضافا إلى ذلك خبر علي بن سويد الذي لا يقدح اشتماله على قراءة أم الكتاب في التكبيرة الأولى و خبر أبي بصير الذي ينبغي حمل ما فيه من الأربع صلوات على التغليب على الشهادتين، بل قد تدل عليه بقية الأخبار السابقة بعد حمل ما فيها من الزائد على وظيفة كل تكبيرة على الندب، لمعارضة الأدلة المزبورة، أما هي فتبقى على ظاهر الأمر الذي هو للوجوب، كما أن المجرد منها عن الشهادتين في التكبيرة الأولى مثلا لا ينافي ثبوتهما من دليل آخر، و لا ظهوره في وجوب غيرهما على حسب ما سمعت، و عدم ذكر كثير من الأصحاب جمع الأذكار كلها أو بعضها في كل تكبيرة لا ينافي الحكم، مع أن الحسن بن عيسى قال: «تكبر و تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، اللهم صل على محمد و آل محمد و أعل درجته و بيض وجهه كما بلغ رسالتك و جاهد في سبيلك و نصح لأمته، و لم يدعهم سدى مهملين بعده، بل نصب لهم الداعي إلى سبيلك الدال على ما التبس عليهم من حلالك و حرامك، داعيا إلى موالاته و معاداته ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة، و عبدك حتى أتاه اليقين، و صلى الله عليه و على أهل بيته الطاهرين، ثم تستغفر للمؤمنين الأحياء منهم و الأموات، ثم تقول: اللهم إن عبدك و ابن عبدك تخلى من الدنيا و احتاج إلى منا عندك، نزل بك و أنت خير منزول به، افتقر إلى رحمتك و أنت عني عن عذابه، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا و أنت أعلم به منا، فان كان محسنا فزد في إحسانه، و إن كان مسيئا فاغفر له ذنوبه، و ارحمه و تجاوز عنه، اللهم ألحقه بنبيه (صلى الله عليه و آله) و صالح سلفه، اللهم عفوك عفوك، و تقول هذا في كل تكبيرة».

و لعل مراده الندب كما حكاه عنه بعضهم، و نحوه في الجمع المزبور و إن اختلف اللفظ الجعفي كما في الذكرى، و عن المختلف أنه استدل له في جمعه الأذكار بعد كل تكبيرة

43

ب خبر أبي ولاد (1) ثم قال: و الجواب نحن نقول بموجبه لكنه لا يجب فعل ذلك لما قدمناه من حديث مهاجر، قال: و كلا القولين جائز للحديثين، و لما مر من

قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة و ابن مسلم و حسنهما (2): «ليس في الصلاة على الميت قراءة و لا دعاء موقت»

الخبر. و في الذكرى بعد أن حكى عن الفاضل جواز الأمرين قال: «لاشتمال ذلك على الواجب، و الزيادة غير منافية مع ورود الروايات بها و إن كان العمل بالمشهور أولى، و لكن ينبغي مراعاة هذه الألفاظ تيمنا بما ورد عنهم (عليهم السلام) و كذلك أوردناها» و ظاهرة كالفاضل مشروعية ذلك، و كان الأولى الاستدلال للجمع المزبور ب مضمر سماعة (3) لا حسن أبي ولاد المجرد عن الدعاء للمؤمنين بخلاف المضمر المزبور، و لا يقدح قوله (عليه السلام) فيه: «فان قطع عليك» إلى آخره.

فان المراد به عدم ضرر قطع تكبيرة الإمام عليك الدعاء لو كنت مسبوقا مثلا، فأتم دعاءك و إن وقعت منه في الأثناء، قال الكاشاني: «كأنه أريد به أنك إن كنت مأموما لمخالف فكبر الإمام الثانية قبل فراغك من هذا الدعاء أو بعده و قبل الإتيان بما يأتي فلا يضرك ذلك القطع- بل تأتي بتمامه أو بما يأتي بعد الثانية بل الثالثة أو الرابعة حتى تتم الدعاء- قوله (عليه السلام): «تقول اللهم» أي تقول هذا أيضا بعد ذاك سواء قطع عليك بأحد المعنيين أو لم يقطع، و في التهذيب «فقل» بدل «تقول» و قوله (عليه السلام) في آخر الحديث: «يقول هذا» يعني تكرر المجموع و هذا الأخير ما بين كل تكبيرتين، و في التهذيب «حين يفرغ» مكان «حتى يفرغ» و على هذا يكون معناه أن يأتي بالدعاء الأخير بعد الفراغ من الخمس، و فيه بعد، و الظاهر أنه تصحيف» إلى آخره.

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 6.

44

و على كل حال فالظاهر أنه لا بأس بالجمع المزبور كلا أو بعضا، نعم ما ذكره من خصوص الألفاظ المزبورة لم نجده في شيء مما وصلنا من النصوص، كما أن ما في المحكي عن الفقيه و المقنع و الهداية كذلك، قال: «يكبر و يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالهدي و دين الحق بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة، و يكبر الثانية و يقول: اللهم صل على محمد و آل محمد، و ارحم محمدا و آل محمد، و بارك على محمد و آل محمد كأفضل ما صليت و باركت و ترحمت على إبراهيم و آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، و يكبر الثالثة و يقول: اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات، و يكبر الرابعة و يقول: اللهم هذا عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك نزل بك و أنت خير منزول به، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا و أنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، و إن كان مسيئا فتجاوز عنه و اغفر له، اللهم اجعله عندك في أعلا عليين، و اخلف على أهله في الغابرين و ارحمه برحمتك يا أرحم الراحمين» بل و لا ما في المحكي عن المقنعة و المراسم و المهذب بعد التكبيرة الأولى «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا فردا صمدا قيوما لم يتخذ صاحبة و لا ولدا، لا إله إلا الله الواحد القهار ربنا و رب آبائنا الأولين» و في الباقية كما قاله الصدوق لكن قدموا بعد الثانية الدعاء بالبركة على الرحمة، و زادوا بعد دعاء الثالثة «و أدخل على موتاهم رأفتك و رحمتك، و على أحيائهم بركات سماواتك و أرضك، إنك على كل شيء قدير» و بعد الخامسة قول: «اللهم عفوك عفوك» و في كشف اللثام و كذا في شرح القاضي لجمل السيد، إلا أنه قال: «يتشهد المصلي بعد التكبيرة الأولى بالشهادتين» و قال بعض أصحابنا و منهم شيخنا المفيد: «يقول بعد التكبيرة الأولى: لا إله إلا الله» إلى آخر ما سمعت، ثم قال: «و كل من هذا الوجه و من الشهادتين جائز»

45

قلت: قد عرفت ما يرده من الأدلة السابقة كقوله السابق في المحكي عن المهذب من جواز الاقتصار على الشهادتين، و كذا لم نجد تمام ما عن المصباح و مختصره من قول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و في الثانية كما في المقنعة، و في الثالثة كما ذكره الصدوق، و زاد بعده «تابع بيننا و بينهم بالخيرات إنك مجيب الدعوات، إنك على كل شيء قدير» و كذا في الرابعة إلى قوله: «فتجاوز عنه» ثم قال: «و احشره مع من كان يتولاه من الأئمة الطاهرين» بل و لا ما في الغنية من تشهد الشهادتين بعد الأولى و الصلاة على محمد و آله (صلوات الله عليهم) بعد الثانية و الدعاء للمؤمنين، فتقول: «اللهم ارحم المؤمنين» إلى آخر ما عن المقنعة، و كذا في الرابعة إلا أنه قال: «اللهم عبدك» بلا لفظ «هذا» و زاد لفظ «و ارحمه» بعد قوله «و اغفر له» و لم يذكر في الخامسة شيئا، و هذا كله شاهد على عدم إرادة الوجوب لخصوص ما ذكروه من هذه الألفاظ. و قال الصادق (عليه السلام) لإسماعيل بن عبد الخالق (1) في الدعاء للميت:

«اللهم أنت خلقت هذه النفس، و أنت أمتها، تعلم سرها و علانيتها، أتيناك شافعين فيها فاشفعنا، اللهم و لها ما تولت، و احشرها مع من أحبت»

و لكليب الأسدي (2) «اللهم عبدك احتاج إلى رحمتك و أنت غني عن عذابه، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، و إن كان مسيئا فاغفر له»

و يشبه أن يكون لمن جهل حاله كما في كشف اللثام و في المحكي عن

فقه الرضا (عليه السلام) (3) «كبر و قل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، و أن الموت حق و الجنة حق و النار و البعث حق، و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن الله يبعث من في القبور، ثم كبر

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 7.

(3) المستدرك- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

46

الثانية و قل: اللهم صل على محمد و آل محمد، و بارك على محمد و آل محمد أفضل ما صليت و رحمت و ترحمت و سلمت على إبراهيم و آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، ثم تكبر الثالثة و تقول: اللهم اغفر لي و لجميع المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات، و تابع بيننا و بينهم بالخيرات، إنك مجيب الدعوات و ولي الحسنات يا أرحم الراحمين، ثم تكبر الرابعة و تقول: اللهم إن هذا عبدك و ابن أمتك نزل بساحتك و أنت خير منزول به، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا و أنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في حسناته، و إن كان مسيئا فتجاوز عنه و اغفر لنا و له، اللهم احشره مع من يتولاه و يحبه، و أبعده ممن يتبرأه و يبغضه، اللهم ألحقه بنبيك، و عرف بينه و بينه، و ارحمنا إذا توفيتنا يا إله العالمين، ثم تكبر الخامسة و تقول: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النّارِ»

و كيف كان فقد عرفت قوة ما عليه المشهور من إيجاب القدر المشترك بين النصوص موزعا على التكبيرات، و اختلاف تلك النصوص مع ما عرفت من الجمع بينها لا ينافي وجوب القدر المشترك كما صرح به في كشف اللثام تبعا للذكرى، بل لعله المراد مما في التذكرة أيضا، قال: الأقوى أنه لا يتعين دعاء معين، بل المعاني المدلول عليها بتلك الأدعية، و أفضله أن يكبر و يشهد الشهادتين إلى آخر ما في الكتاب إلى قوله: و يكبر الخامسة و ينصرف مستغفرا ذهب إليه علماؤنا أجمع، و ربما أو همت العبارة عدم وجوب التوزيع، و إلا لم يكن ذلك أفضل، بل هو الواجب لأنه معاني تلك الأدعية، اللهم إلا أن يحمل على وجه آخر و إن بعد.

لكن على كل حال ينبغي بناء على اعتبار معاني تلك الأدعية الواردة في تلك النصوص إضافة الترجيع و التحميد و الصلاة على سائر الأنبياء و الدعاء للمصلي نفسه و نحو ذلك مما تعرفه بملاحظة النصوص السابقة إلى المعاني التي عرفتها، نعم قد يدفع وجوب

47

أكثر ذلك الأصل و خبر أم سلمة و ما ماثله من النصوص السابقة، و الاتفاق على الظاهر على خلافه كالإنفاق ظاهرا على عدم وجوب دعاء بعد الخامسة ممن عدا المفيد و القاضي في شرح الجمل و الديلمي و الحلي على ما حكي عنهم، فذكروا قول: اللهم عفوك عفوك، و في الوسيلة «عفوك» ثلاث مرات، و لم نجده في شيء من النصوص، كما أن ما في موثق عمار (1) «اللهم صل على»

إلى آخره، و ما في مضمر سماعة (2) «اللهم هذا عبدك»

إلى آخره، بناء على روايته حين تفرغ، و ما في فقه الرضا (عليه السلام) (3) «ربنا آتنا»

إلى آخره، لم أجده في شيء من الفتاوى، فالأقوى حينئذ عدم وجوب شيء من ذلك، و قد صرح في الغنية باستحباب تثليث العفو مدعيا عليه الإجماع، و الله أعلم.

[في كيفية الصلاة على المنافق]

هذا كله إن كان الميت مؤمنا و إن كان منافقا اقتصر المصلي على أربع تكبيرات و انصرف بالرابعة إن قلنا بمشروعية الصلاة عليه أو وجوبها لغير تقية وفاقا للحلبي و ابن حمزة و سعيد و الفاضل في بعض كتبه و الشهيدين و العليين و أبي العباس و الصيمري و غيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل عن المفاتيح نسبته إلى الأصحاب خلافا لظاهر كثير من العبارات، بل قيل أكثرها و صريح المحكي عن الهداية و الغنية، بل في الأخير الإجماع عليه، و لا ريب أن الأقوى الأول للأصل، و الفرق بينه و بين المؤمن و الإلزام له بمذهبه إن كان مخالفا، و ما دل (4) على أن الخمس للخمس التي منها الولاية، و هي مفقودة، و لأنها شرعت للدعاء للميت، و ليس هنا، و ل خبر أم سلمة (5) و خبر إسماعيل بن همام (6) المتقدمين، و صحيح إسماعيل بن سعد الأشعري (7) سأل الرضا

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 6.

(3) المستدرك- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 16.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 9.

(7) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

48

(عليه السلام) «عن الصلاة على الميت فقال: أما المؤمن فخمس تكبيرات، و أما المنافق فأربع، و لا سلام فيها»

و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح هشام بن سالم (1):

«كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يكبر على قوم خمسا و على قوم آخرين أربعا، فإذا كبر على رجل أربعا اتهم»

إلى غير ذلك من النصوص التي بها يقيد إطلاق نصوص الخمس، لا أنه يجمع بينها بالتخيير بين الانصراف بالرابعة و بين الدعاء عليه بعدها ثم يكبر الخامسة كما في حواشي الكتاب للكركي، ضرورة مخالفته لقواعد المذهب، على أن الاقتصار على الأربع لا ينافي وجوب الدعاء عليه الذي قد يدل عليه

قول أحدهما ((عليهما السلام)» في صحيح ابن مسلم (2): «إن كان جاحدا للحق فقل: اللهم املأ جوفه نارا و قبره نارا و سلط عليه الحيات و العقارب و ذلك قاله أبو جعفر (عليه السلام) لامرأة سوء من بني أمية صلى عليها أبي فقال: هذه المقالة و اجعل الشيطان لها قرينا، قال محمد ابن مسلم: فقلت له: لأي شيء يجعل الحيات و العقارب في قبرها، فقال: إن الحيات يعضضنها و العقارب يلسعنها و الشيطان يقارنها في قبرها، قلت: و تجد ألم ذلك قال: نعم شديدا»

و في خبر عامر بن السمط (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إن رجلا من المنافقين مات فخرج الحسين بن علي (عليهما السلام) يمشي معه فلقيه مولى له فقال له الحسين (عليه السلام) أين تذهب يا فلان؟ فقال له مولاه: أفر من جنازة هذا المنافق أن أصلي عليها، فقال له الحسين (عليه السلام): انظر أن تقوم على يميني فيما تسمعني أقول مثله، فلما أن كبر عليه وليه قال الحسين (عليه السلام): الله أكبر اللهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

(2) فروع الكافي- ج 1 ص 189 «باب الصلاة على الناصب»- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 6.

49

العن فلانا عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة، اللهم أخر عبدك في عبادك و بلادك و أصله حر نارك، اللهم أذقه أشد عذابك، فإنه كان يوالي أعداءك و يعادي أولياءك و يبغض أهل بيت نبيك»

و رواه صفوان مثله بدون ذكر اللعن كالمحكي عن المقنعة و الهداية من الدعاء عليه بذلك، كما أن في الأولى و المحكي عن المهذب و شرح الجمل للقاضي الدعاء على الناصب بما في خبر صفوان (1) لكن زادا في أوله «عبدك و ابن عبدك لا نعلم منه طلا شرا- ثم قالا-: فاخزه في عبادك» إلى آخر ما مر محذوفا منه قوله: «أذقه أشد عذابك» و الفاء في «فإنه كان» و زادا في آخره «فاحش قبره نارا و من بين يديه نارا و عن يمينه نارا و عن شماله نارا، و سلط عليه في قبره الحيات و العقارب»

و في خبر أحمد عن البزنطي (2) قال: «اللهم أخز عبدك في بلادك و عبادك».

و في صحيح الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا صليت على عدو الله فقل: اللهم إن فلانا لا نعلم إلا أنه عدو لك و لرسولك، اللهم فاحش قبره نارا و احش جوفه نارا و عجل به إلى النار، فإنه كان يتولى أعداءك و يعادي أولياءك و يبغض أهل بيت نبيك، اللهم ضيق عليه قبره. فإذا رفع فقل: اللهم لا ترفعه و لا تزكه»

و في حسنه (4) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال في جنازة ابن أبي: اللهم احش جوفه نارا و املأ قبره نارا و أصله نارا»

فما في الذكرى و الدروس و تبعه المحقق الثاني و تلميذه و الفاضل الميسي و الكاشاني- من عدم الوجوب للأصل المقطوع بما عرفت، و لأن التكبير عليه أربع و بها يخرج عن الصلاة الذي فيه ما لا يخفى- واضح الضعف، بل المحكي عنه في حواشيه و الموجز و شرحه

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4 من كتاب الطهارة.

50

و غيرها، بل قيل: إنه ظاهر كثير من الأصحاب الوجوب، نعم قد يتم عدم الوجوب بناء على عدم مشروعية الصلاة عليه إلا للتقية، مع إمكان القول بالوجوب على هذا التقدير و إن بعد عملا بظاهر الأمر في خبري الحلبي (1) و ابن مسلم (2) لكن في كشف اللثام «و هل يجب اللعن أو الدعاء عليه؟ وجهان من الأصل و عدم وجوب الصلاة إلا ضرورة إن قلنا بذلك، فكيف يجب أجزاؤها، و هو خيرة الشهيد، قال:

لأن التكبير عليه أربع، و بها يخرج من الصلاة، و عليه منع ظاهر، و من ظاهر الأمر في خبري الحلبي و ابن مسلم» قلت: لا يخفى عليك قوة الثاني على المختار من وجوب الصلاة عليه، لأن المراد به هنا نصا و فتوى- خصوصا مع مقابلته بالمؤمن في الصحيح السابق- المخالف كما صرح به جماعة، بل في كشف اللثام في شرح قول الفاضل: «و لعنه إن كان منافقا» أي مخالفا كما في المنتهى و السرائر و الكافي و الجامع، و بمعناه ما في الغنية و «رة» من الدعاء على المخالف، فما عن المصباح و مختصره- من التعبير بلعن المخالف المعاند، و النهاية لعن الناصب المعلن و التبري منه، و المبسوط لعن الناصب و التبري منه و الوسيلة الدعاء على الناصب- لا يخلو من نظر إن أريد منه التخصيص، و حمل جميع هذه النصوص على الناصب و المنافق في إسلامه لا داعي له بل و لا شاهد عليه، بل لا يبعد كون التعبير عنه بالمنافق حقيقة إلا على بعض الوجوه التي ترجع معها إلى صورة الصلاة كالصلاة (3) على عبد الله بن أبي الذي صلى عليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقد يدل الدعاء عليه على الدعاء على المخالف أيضا إلغاء للفرق بينهما و تنقيحا للمناط فيهما، كما أن ما هو ظاهر في الناصب كذلك أيضا، بل على بعض التفاسير له يشمل سائر

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5 من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4 من كتاب الطهارة.