جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج17

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
410 /
1

-

2

[العبادات]

[تتمة كتاب الصوم]

[تتمة النظر الثاني في أقسامه]

[تتمة أما الواجب]

[تتمة القول في شهر رمضان]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[الثاني في الشروط]

الثاني في الشروط و هي قسمان

[القسم الأول ما باعتباره يجب الصوم، و هو سبعة]

الأول ما باعتباره يجب الصوم، و هو سبعة:

[منها البلوغ و كمال العقل]

البلوغ و كمال العقل فلا يجب على الصبي و لا على المجنون إلا ان يكملا قبل طلوع الفجر فإنه يجب عليهما حينئذ بلا خلاف و لا اشكال و اما لو كملا بعد طلوعه لم يجب الصوم النهار و لم يفطر فبلغ وجب عليه الإتمام الذي يرجع الى ما عن المبسوط إذا بلغ حال الصوم جدد النية و كان صوما صحيحا قال انه خلاف إجماع أصحابنا و انه من فروع المخالفين فلا يلتفت اليه، قلت خصوصا بعد ان كان المحكي عنه في الجمل الاقتصاد و كتابي الصلاة من المبسوط و الخلاف إطلاق ان عليه الإمساك بقية النهار تأديبا لا وجوبا من غير تقييد بتناول المفطر و غيره، بل استدل في الأخير بعد أن نص على عدم وجوب القضاء عليه على عدم وجوب الإمساك بأن أول النهار لم يكن مكلفا فتجب عليه العبادة، و بقية النهار لا يصح صومه، و وجوب

3

الإعادة يحتاج إلى دليل، و الأصل براءة الذمة، و من ذلك يعلم ضعف ما يحكى عن الاقتصاد من وجوب القضاء بعد القول بعدم وجوب الإمساك، كما انه يعلم حينئذ ضعف الخلاف المزبور و ان حكي عن ابن حمزة القول به، بل أطلق وجوب الصوم عليه إن بلغ في الأثناء و لم يفطر من غير تقييد بالنية، و عن المصنف و في المعتبر انه قواه تمسكا بأن الصوم ممكن في حقه، و وقت النية باق، ثم قال لا يقال لم يكن الصبي مخاطبا لأنا نقول لكنه الآن صار مخاطبا، و لو قيل لا يجب صوم بعض اليوم قلنا متى إذا تمكن من نية يسرى حكمها إلى أول النهار أو إذا لم يتمكن، و ههنا هو متمكن من نية تسرى إلى اوله، و مال إليه في المدارك و فيه منع ما يدل هنا على سريان النية بعد أن لم يكن مكلفا إلا القياس الممنوع عندنا بل المتجه منعه هنا عند غيرنا أيضا لكونه مع الفارق، هذا، و قد تقدم في آخر المواقيت من كتاب الصلاة في مسألة ما لو بلغ الصبي في أثناء الصلاة ما له نفع في المقام في الجملة، فلاحظ و تأمل، و كذا الحال في المجنون.

و كذا المغمى عليه و ان أفاق قبل الزوال و قد سبقت منه النية، لما عرفته فيما تقدم من كون الإغماء مفسدا كالحيض و عرفت أيضا ضعف ما قيل من أنه إن نوى الصوم قبل الإغماء صح صومه و إلا كان فاسدا و عليه القضاء و لا ريب في ان الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده، كما أن الأشبه أيضا سقوط القضاء عنه أيضا كما تعرفه في محله ان شاء الله.

[منها الصحة من المرض]

و منها الصحة من المرض لما تقدم سابقا من عدم صحة الصوم من المريض الذي يتضرر به إجماعا بقسميه، و كتابا (1) و نصوصا (2) مستفيضة

____________

(1) سورة البقرة- الآية 180.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب من يصح منه الصوم.

4

أو متواترة فإن بريء قبل الزوال و لم يتناول شيئا يقتضي الإفطار وجب عليه الصوم بتجديد النية على المشهور، لتمكنه منه حينئذ ببقاء وقت النية فيشمله عموم ما دل على وجوب صوم الشهر، لكن قد يناقش بمنع ما يدل على بقاء وقت النية فيه إلا القياس على المسافر و الناسي و الجاهل و نحوهم، و هو معلوم البطلان عندنا، و لعله لذا أطلق ابن زهرة استحباب الإمساك للمريض إذا بريء، وعد ابن حمزة من الصوم المندوب صوم المريض إذا بريء و أطلق، و قال و المسافر إذا قدم أهله قبل الزوال و لم يفطر وجب عليه الصوم، فكأنه فرق بينه و بين المريض للنص، و هو جيد ان لم يقم إجماع على المساواة في ذلك.

و كيف كان ف ان كان قد تناول قبل البرء أو كان برؤه بعد الزوال أمسك استحبابا و لزمه القضاء احتراما لشهر رمضان و تشبيها بالصائمين و أمنه من تهمة من يراه و قول علي بن الحسين (عليه السلام) في رواية الزهري (1) «و كل من أفطر لعلة من أول النهار ثم قوي بقية يومه أمر بالإمساك عن الطعام بقية يومه تأديبا و ليس بفرض»

خلافا لظاهر المفيد و المرتضى فاوجباه، و يمكن أن يريدا تأكد الندب، لعدم الدليل عليه بل ظاهر الأدلة خلافه، لكن في الخلاف «القادم من سفره و كان قد أفطر و المريض إذا بريء و الحائض إذا طهرت و النفساء إذا انقطع دمها يمسكون بقية النهار تأديبا، و كان عليهم القضاء، و قال أبو حنيفة ليس عليهم الإمساك و ان أمسكوا كان أحب إلينا، دليلنا إجماع الفرقة و طريقة الاحتياط و لأن هذا اليوم واجب صومه و انما أبيح الإفطار لعذر، و قد زال العذر، و بقي حكم الأصل- ثم قال- إذا بلغ الصبي و الكافر إذا أسلم و المريض إذا بريء و قد أفطروا أول النهار يمسكون بقية النهار تأديبا و لا يجب ذلك بحال- ثم قال-:

دليلنا إجماع الفرقة و أيضا الأصل براءة الذمة و لا يجب عليهم الا بدليل و ربما جمع

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1.

5

بينهما بنفي الوجوب أصالة، فلا ينافيه حينئذ تأديبا» قلت و منه ينقدح الشك في دلالة خبر الزهري الا أن الجميع كما ترى لا يصلح لقطع الأصل و غيره، و الله أعلم.

[منها الإقامة عشرا أو ما في حكمها]

و منها الإقامة عشرا أو ما في حكمها من الحضر و المتردد ثلثين يوما و كثير السفر و غير ذلك فلا يجب الصوم على المسافر و لا يصح منه بلا خلاف أجده فيه بيننا بل الإجماع بقسميه عليه و النصوص (1) بعد الكتاب العزيز (2) مستفيضة أو متواترة فيه و في أنه يلزمه القضاء مضافا الى الكتاب و الإجماع و حينئذ ف لو صام لم يجزه مع العلم قطعا للنهي و غيره نعم يجزيه مع الجهل بكون السفر موجبا للإفطار حتى خرج الوقت بلا خلاف أجده فيه

للصحيح (3) عن ابن أبي شعبة «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل صام في السفر فقال ان كان بلغه أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن ذلك فعليه القضاء، و ان لم يكن بلغه فلا شيء عليه»

و سأله أيضا عبد الرحمن بن الحجاج (4) في الصحيح «عن رجل صام شهر رمضان في السفر فقال ان كان لم يبلغه أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن ذلك فليس عليه القضاء و قد أجزأ عنه الصوم»

الى غير ذلك من النصوص التي لا ريب في صراحتها بأن الجهل هنا عذر على حسب ما سمعته في القصر و الإتمام، و من هنا لا يخفى عليك جريان كثير مما تقدم هناك فلاحظ و تأمل كي تعلم أن المتجه الاقتصار فيما خالف الأصل على المتيقن من النص و الفتوى، فلا يلحق حينئذ بجاهل الحكم ناسية و ان حكي عن بعضهم ذلك للاشتراك في العذر، و مرجعه الى القياس المعلوم بطلانه عندنا، فيجب عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من يصح منه الصوم.

(2) سورة البقرة- الآية 180.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 2 عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله.

6

القضاء حينئذ، و من الغريب ما في المسالك من أن الناسي هنا كالجاهل و ان افترقا في الصلاة، إذ لا يتصور إعادة الناسي هنا في الوقت إذا كان مراده أنه مثله في المعذورية المزبورة، ضرورة عدم اقتضاء عدم تصوره ذلك، بل أقصاه أنه يتعين عليه القضاء لو لم يذكر حتى خرج الوقت، و يجب عليه الإفطار مع ذلك لو تذكر قبله كالجاهل الذي يعلم في الأثناء، فإنه لا إشكال في وجوبهما عليه كما هو واضح.

و على كل حال فلا يلحق به المريض لو تكلف الصوم و صام غير عالم بنهي الشارع عنه، لما عرفته من حرمة القياس نعم لو حضر المسافر بلده أو بلدا يعزم فيه على الإقامة عشرا كان حكمه حكم المريض في الوجوب لو كان قبل الزوال و لم يفعل المفطر و عدمه لو كان بعد الزوال أو كان قد فعل المفطر و يستحب له الإمساك بقية يومه بلا خلاف معتد به أجده في شيء من ذلك، و في خبر أحمد بن محمد (1) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان و لم يطعم شيئا قبل الزوال قال يصوم»

و خبر أبي بصير (2) «سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فقال إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتد به»

و صحيح يونس بن عبد الرحمن (3) عن الكاظم (عليه السلام) «انه قال في المسافر يدخل أهله و هو جنب قبل الزوال و لم يكن أكل فعليه ان يتم صومه و لا قضاء عليه»

بناء على كون المراد الجنابة عن احتلام و نحوه مما لا يقدح البقاء عليها في الصوم، و من ذلك يعلم بقاء وقت النية بالنسبة كالناسي و الجاهل بكونه شهر رمضان، و ما في الغنية من إطلاق استحباب الإمساك للمسافر إذا قدم أهله يجب تنزيله على ما بعد الزوال كتنزيل الخيار بين الصوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 5.

7

و عدمه في صحيح ابن مسلم (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار فقال: إذا طلع الفجر و هو خارج لم يدخل أهله فهو بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر»

و حسن رفاعة (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتى يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار قال: إذا طلع الفجر و هو خارج لم يدخل فهو بالخيار ان شاء صام و إن شاء أفطر»

على ما قبل القدوم، بل يجب تنزيل

صحيح ابن مسلم (3) الآخر عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم و يعتد به من شهر رمضان، فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر و هو يريد الإقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم، و ان دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه، و ان شاء صام»

و ما في خبر سماعة (4) «ان قدم بعد زوال الشمس أفطر و لا يأكل ظاهرا، و ان قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ان شاء»

على ما لا ينافي ذلك من ان له الخيار قبل القدوم إذا عرف أنه يقدم قبل الزوال، أو غير ذلك مما هو أولى من الطرح.

و على كل حال فلا ريب في عدم الاجتزاء بالصوم منه إذا قدم بعد الزوال لما سمعته من النصوص، مضافا الى

خبر محمد بن مسلم (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 2.

(3) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1 و ذيله في الباب- 6- منها الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 10.

8

من الحيض يواقعها فقال لا بأس به»

المعتضدة بفتاوى الأصحاب على وجه يمكن تحصيل الإجماع عليه، فما عن نهاية الشيخ من إطلاق وجوب الصوم عليه و سقوط القضاء عنه إذا قدم أهله و لم يكن قد فعل ما ينقض الصوم يجب تنزيله على ما قبل الزوال، و إلا كان محجوجا بما عرفت بل في محكي السرائر انه مخالف للإجماع نعم عليه أن يمسك بقية يومه استحبابا احتراما لشهر رمضان، كمن أفطر قبل الدخول قبل الزوال و كالمريض، و دعوى الوجوب فيه أضعف من دعواه فيه.

و قد تقدم في كتاب الصلاة ان في حكم الإقامة كثرة السفر كالمكاري و الملاح و شبههما ما لم يحصل لهم الإقامة عشرة أيام و العاصي بسفره و المتردد ثلاثين يوما في مكان واحد و غير ذلك مما هو مذكور هناك مفصلا.

[منها الخلو من الحيض و النفاس]

و منها الخلو من الحيض و النفاس فلا يجب الصوم عليهما أو لا يصح منهما و عليهما القضاء بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا، بل لإجماع بقسميه عليه، و النصوص (1) مستفيضة أو متواترة فيه.

[القسم الثاني من الشرائط ما باعتباره يجب القضاء]

الثاني من الشرائط ما باعتباره يجب القضاء و ينتفي بانتفائه و هو ثلاثة شروط البلوغ و كمال العقل و الإسلام، فلا يجب على الصبي القضاء لما فاته من الأيام في حال الصبا بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه مضافا الى أصل البراءة و غيره و ما عن ابن أبي عقيل من «ان الكافر إذا أسلم و الصبي إذا بلغ و قد مضى بعض رمضان أو بعض يوم منه لم يلزمهما إلا صيام ما يستقبلانه و لو قضيا ما مضى و يومهما كان أحب الي و أحوط» يجب حمله على ضرب من الندب لما عرفت من عدم وجوبه عليه الا اليوم الذي، قد بلغ فيه قبل طلوع فجره

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الحيض و الباب- 6- من أبواب النفاس من كتاب الطهارة.

9

و لم يصمه فإنه يجب عليه قضاؤه قطعا، لإطلاق الأدلة حينئذ حتى لو كان بلوغه قبله في زمن لا يسعه الطهارة من الجنابة مثلا و لو الترابية، ضرورة كونه حينئذ معذورا في ذلك كمن أفاق كذلك، و اما اليوم الذي قد بلغ في أثنائه قبل الزوال و لم يفعل المفطر فقد عرفت البحث فيه، و ان الأصح عدم وجوبه عليه، فلا يلزمه قضاؤه، و لو قارن بلوغه طلوع الفجر قوي القول بوجوب الصوم عليه لشمول الأدلة حينئذ، و لو شك في تقدمه و تأخره بنى على تأخر مجهول التاريخ منهما، و لو جهلا حكم بالاقتران، فيجب الصوم حينئذ، لكن فيه ما أشرنا إليه سابقا في كتابي الطهارة و الصلاة من ان الاقتران حادث أيضا، و الأصل عدمه، فالمتجه الرجوع الي غيرهما من أصل و نحوه، و هو هنا البراءة كما يشهد له جعلهم ذلك شرطا فالشك فيه حينئذ شك في المشروط، بل ربما قيل بنحو ذلك في الصورة الأولى أيضا، لعدم اقتضاء الأصل تأخر المجهول عن المعلوم، بل أقصاه التأخر في نفسه و هو لا يجدي في ثبوت التكليف أو سقوطه، فتأمل جيدا.

و كذا البحث في المجنون الذي هو كالصبي في ذلك و نحوه عند الأصحاب من غير خلاف يعتد به بينهم، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه بل حكاه عليه في الروضة من غير فرق بين ما كان الجنون بفعله على جهة الحرمة و عدمها و بين ما كان بفعل الله تعالى، لإطلاق الأدلة، خلافا للمحكي عن الإسكافي فأوجب القضاء عليه إذا كان بفعله على جهة الحرمة قال: و المغلوب على عقله من غير سبب ادخله على نفسه لا قضاء عليه إذا لم يفق في اليوم كله، فإن أفاق في بعض اليوم و لم يكن فعل ما بمثله يفطر الصائم صام ذلك اليوم و أجزأ، و ان كان من محرم قضى كل ما غم عليه منه، و لعله لاندراجه في الأول تحت

«كل ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر» (1)

بخلافه في الثاني فإنه هو الذي فوت على نفسه الشرط

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 6.

10

كالكافر، و ربما مال اليه بعض متأخري المتأخرين، لكن قال: لا فرق بين المحرم و المحلل إذا علم إفضاؤه إلى الإغماء يوم الصوم في وجوب القضاء كما لا فرق في عدمه إذا لم يعلم الإفضاء ثم قال: و يمكن تنزيل كلام من أطلق نفي القضاء على هذا التفصيل و فيه ان الأدلة مطلقة سيما ما تعرفه ان شاء الله تعالى من نصوص الإغماء التي فيها الصحيح و غيره، نعم يمكن تنزيل كلام الإسكافي على السكران الذي ستعرف الحال فيه، و على كل حال فمن ذلك يعلم ضعف ما يحكى عن الشيخ أيضا من تكليف المجنون بالقضاء إذا أفاق إن لم تتقدم النية على جنونه، و الا كان صومه صحيحا و الله أعلم.

و الكافر الأصلي و ان وجب عليه الصوم، لأنه مكلف بالفروع لكن لا يجب عليه القضاء إجماعا بقسميه إلا ما أدرك فجره مسلما لأن الإسلام يجب ما قبله بناء على منافاة القضاء و ان كان بفرص جديد لجب السابق باعتبار كون المراد منه قطع ما تقدم؛ و تنزيله منزلة ما لم يقع، كالمراد من قوله (1) «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ» لا ان المراد جب خصوص العصيان، و ل

صحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان ما عليه من صيامه قال: ليس عليه الا ما أسلم فيه»

و صحيح العيص (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم أسلموا في شهر رمضان و قد مضى منه أيام هل عليهم ان يقضوا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه قال ليس عليهم قضاء و لا يومهم الذي أسلموا فيه إلا ان يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر»

و خبر الحلبي (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلم بعد ما دخل

____________

(1) سورة الأنفال الآية 39.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 5.

11

من شهر رمضان أيام قال: ليقض ما فاته»

محمول على الندب كما سمعته من ابن أبي عقيل أو على من أسلم وفاته ذلك لعارض من مرض و نحوه، أو من أسلم و لم يعلم وجوب الصوم و أفطر، ثم علم الوجوب أو غير ذلك لقصوره عن افادة الوجوب من وجوه.

و من ذلك كله يعلم الحال فيما لو أسلم في أثناء اليوم فان نفي قضائه عنه ظاهر في نفي وجوبه عليه كما هو المشهور شهرة عظيمة، نعم أمسك بقيته استحبابا احتراما للشهر و يصوم ما يستقبله وجوبا، و قيل و القائل الشيخ في المحكي من مبسوطة يصوم إذا أسلم قبل الزوال و جدد النية، و كان صومه صحيحا و ان ترك قضى و قواه المصنف في المعتبر لعين ما سمعته سابقا في الصبي، و ظاهر صحيح الحلبي المتقدم آنفا الذي محل الفرض أول ما يدخل فيه بل لعله لا ينافيه صحيح العيص، لاحتمال وجوب صومه أداء و يكون فائدة النص فيه على عدم قضائه لرفع توهم وجوبه معه باعتبار خلو بعض اليوم من شرط الصحة، و فيه ان ما دل على جب الإسلام ما قبله شامل لبعض اليوم أيضا الذي قد تعمد ترك النية فيه، و لا دليل هنا على سراية النية الأخيرة، و الاستثناء في خبر العيص يأبى التنزيل المزبور المحتاج الى تقييد نفي القضاء فيه بما إذا أدوا الصوم، فالصواب حمل صحيح الحلبي على النصف الأخير الذي حصل الإسلام فيه، فلا يدخل فيه إلا اليوم الذي يدرك فجره مسلما، إذ الناقص مندرج في عموم النفي عنه، فإذا سقط وجوب صوم ذلك البعض أداء و قضاء لم يجب عليه صوم الباقي لأنه لا يتبعض و لذا كان الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده.

[الثالث في ما يلحقه من الاحكام]

الثالث في ما يلحقه من الاحكام و ان بان لك مما تقدم بعضها و هو من فاته شهر رمضان أو شيء منه لصغر أو جنون أو كفر أصلي فلا قضاء عليه للأصل و غيره، بل عن جواهر ابن البراج و المعتبر و المنتهى و التذكرة

12

الإجماع عليه في الأخير فضلا عن الأولين و كذا ان فاته لإغماء على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل عن ظاهر فقه القرآن للراوندي الإجماع حيث قال: لا قضاء عليه عندنا، و حمل كلام المخالف على الاستحباب، للأصل و قاعدة معذورية ما يغلب الله عليه التي ينفتح منها ألف باب، و صحيح أيوب ابن نوح (1) قال: «كتبت الى ابى الحسن الثالث (عليه السلام) اسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا فكتب لا يقضي الصوم لا يقضي الصلاة»

و صحيح علي بن مهزيار (2) «سألته عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا فكتب لا يقضي الصوم و لا يقضي الصلاة»

و مكاتبة القاشاني (3) «كتبت إليه أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته فكتب لا يقضي الصوم»

السالمة عن المعارض سوى دعوى كون الإغماء مرضا فيشمله ما دل (4) على وجوب القضاء الصلاة عليه من الكتاب و السنة، و سوى النصوص (5) الواردة في وجوب قضاء الصلاة عليه بناء على انه لا قائل بالفرق و منع الاولى واضح، و بعد التسليم يتجه تخصيص تلك الأدلة بما هنا، على أنه لا كلام في تخصيصها بما يضر، و مقتضاه تخصيص الإغماء بذلك بناء على اندراجه في المرض، و هو تفصيل لم يقل به احد، و اما الثانية فالمتجه حمل تلك النصوص على الندب، لمعارضتها بالأقوى منها من وجوه كما تقدم بيانه في محله، و لو سلم الفتوى بها اقتصر عليها دون الصوم، لحرمة القياس عندنا، على أنه مع الفارق

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب قضاء الصلوات الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب قضاء الصلوات الحديث 18.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 2.

(4) سورة البقرة- الآية 180 و الوسائل- الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب قضاء الصلوات.

13

باعتبار كون الصلاة آكد، و دعوى عدم القول بالفصل على وجه يحصل منه إجماع معتد به على التسوية ممنوعة كل المنع، إذ عدم العلم بالقائل لا يقتضي عدمه كما هو واضح، و خبر حفص (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «يقضي المغمى عليه ما فاته»

مع ضعفه بالإرسال و غيره قاصر عن مقاومة غيره من وجوه.

و من ذلك كله و ما قدمناه سابقا فيمن يصح منه الصوم يظهر لك ضعف ما قيل من انه يقضي ما لم ينو قبل إغمائه فإن نوى صح صومه و لو بقي مغمى عليه تمام الشهر بناء على الاجتزاء بنية واحدة، و ان حكي ذلك عن المفيد و المرتضى و سلار و ابن البارج، قال الأول: «إذا أغمي على المكلف قبل استهلال الشهر و مضى عليه أيام ثم أفاق كان عليه قضاء ما فاته من الأيام، فإن استهل الشهر عليه و هو يعقل فنوى صيامه و عزم عليه ثم أغمي عليه و قد صام شيئا منه أو لم يصم ثم أفاق بعد ذلك فلا قضاء عليه، لأنه في حكم الصائم بالعزيمة على أداء فرض الصيام» و نسبه الفاضلان الى الشيخ، و لعله لظهور و قوله في الخلاف «إذا نوى الصوم من الليل فأصبح مغمى عليه يوما و يومين و ما زاد عليه كان صومه صحيحا، و كذلك إن بقي نائما يوما أو أياما، و كذلك من أصبح صائما و جن في بعضه أو مجنونا فأفاق في بعضه و نوى فلا قضاء عليه» في ان الإغماء كالنوم إن سبقت منه النية صح، و الا كان عليه القضاء، خصوصا بعد قوله أيضا إذا نوى ليلا و أصبح مغمى عليه حتى ذهب اليوم صح صومه، و لا فرق بين الجنون و الإغماء، بل لعل ظاهر موضع من مبسوطة ذلك أيضا، قال: «و المغمى عليه إذا كان مفيقا في أول الشهر و نوى الصوم ثم أغمي عليه و استمر به أيام لم يلزمه قضاء شيء، لأنه بحكم الصائم، و ان لم يكن مفيقا في أول الشهر بل كان مغمى عليه وجب عليه القضاء على قول بعض أصحابنا، و عندي انه لا قضاء عليه أصلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب من أبواب يصح منه الصوم- الحديث 5.

14

لان نيته المتقدمة كافية في هذا الباب، و انما يجب ذلك على مذهب من رأى تعيين النية أو مقارنة النية التي هي القربة و لسنا نراعي ذلك» ضرورة ظهوره في كون المسقط للقضاء صحة صومه بتقدم النية و لو على الشهر، فيلزمه وجوب القضاء مع عدمها أصلا، و يكون الفرق بينه و بين المفيد بجواز تقديم النية على الشهر و عدمه و الا فهما متفقان على القضاء، لكن قال قبل ذلك: «و اما إذا زال عقله بفعل الله مثل الإغماء و الجنون و غير ذلك فإنه لا يلزمه قضاء ما يفوته في تلك الأحوال فعلى هذا إذا دخل عليه شهر رمضان و هو مغمى عليه أو مجنون أو نائم و بقي كذلك يوما أو أياما كثيرة أفاق في بعضها أو لم يفق لم يلزمه قضاء شيء مما مر به الا ما أفطر فيه، أو طرح في حلقه على وجه المداواة له، فإنه يلزمه حينئذ القضاء لان ذلك لمصلحته و منفعته، سواء أفاق في بعض النهار أو لم يفق، فان الحال لا يختلف فيه» و ظاهره نفيه مطلقا الا في الصورتين.

و على كل حال فلا ريب في أن الأول أظهر لما عرفت من الأصل و النصوص السالمة عن المعارض عدا ما عرفت مما هو واضح الضعف، ك

مرسل حفص بن البختري (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «يقضي المغمى عليه ما فاته»

القاصر عن معارضة غيره من وجوه، فلا بأس بحمله على الندب، و من الغريب ما في المختلف من الاستدلال عليه ب

خبر حفص بن البختري الآخر (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «المغمى عليه يقضي صلاته ثلاثة أيام»

الوارد أولا في خصوص الصلاة و في خصوص ثلاثة أيام منها، و قياس الصوم عليها يقضي بكونه كذلك، و لا قائل به و هذا من أقوى الشواهد على حمل تلك النصوص على الندب كما لا يخفى على من لاحظها متأملا لما فيها من الاختلاف بنفي القضاء مطلقا، و إثباته كذلك، و في

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب من أبواب يصح منه الصوم- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 7.

15

خصوص بعض الأيام كما تقدم الكلام فيها سابقا، فلاحظ، و تأمل.

و يجب القضاء على المرتد سواء كان عن فطرة أو عن كفر بلا خلاف أجده فيه،

لعموم «من فاتته»

و غيره مما هو دال على وجوب القضاء لكل تارك، و خصوصا العامد الذي محل الفرض منه السالم عن معارضة ما دل (1) على سقوطه عن الكافر بعد ظهوره في الأصلي و لو بمعونة فهم الأصحاب، و لا ينافي ذلك قولنا بعدم قبول توبة المرتد عن فطرة ظاهرا و باطنا، إذ أقصاه عدم التمكن من القضاء كغيره من التكاليف حتى الإسلام، الا ان ذلك غير مانع من تكليفه على وجه يترتب عليه العقاب بعد ان كان ذلك بسوء اختياره، كما حررناه في كتاب الطهارة، و اما المخالف فقد أشبعنا الكلام فيه في باب القضاء من الصلاة و في كتاب الزكاة، فلاحظ و تأمل، و الله أعلم.

و كذا يجب القضاء على الحائض و النفساء و كل تارك له بعد حصول ما تقدم من شرط وجوبه عليه من البلوغ و العقل، فيدخل حينئذ النائم و نحوه ممن يجب القضاء عليه و ان لم يكن مكلفا بالأداء، نعم انما يجب عليه إذا لم يقم الشارع مقامه غيره كالفدية للشيخ و الشيخة وذي العطاش و الحامل المقرب و من استمر عليه المرض كما ستعرف تفصيل ذلك كله عند تعرض المصنف له.

و اما السكران و نحوه ممن لا يدخل تحت اسم المجنون و المغمى عليه فالمتجه وجوب القضاء عليه، لعموم «من فاتته» كما عن الشيخ و ابن إدريس و الفاضلين و الشهيد القطع به، بل المتجه عدم الفرق بين كون ذلك منه على جهة الحرمة و عدمها كالغافل و المكره و المضطر و نحوهم، خلافا لما يظهر من بعضهم من الفرق بينهما في القضاء و عدمه، و فيه ان الدليل عام و لا معارض له، و الإثم و عدمه

____________

(1) المتقدم في ص 10.

16

لا مدخلية له في القضاء و عدمه، لكن استفاضة الفتوى في اعتبار كما العقل في وجوب القضاء ينافي ذلك، اللهم الا ان ينزل على ارادة نفيه عن خصوص المجنون و المغمى عليه من ذلك، كما يومي اليه تفريعهم ذلك عليه لا مطلق زوال العقل، و لو سلم يمكن منع وصوله الى حد الإجماع الذي يرفع العذر، فتأمل جيدا و الله أعلم.

و تستحب الموالاة في القضاء احتياطا للبراءة و لا تجب إجماعا محكيا عن الناصريات و الخلاف و المختلف ان لم يكن محصلا للأصل و إطلاق الأمر بالقضاء في الكتاب و السنة، و صحيح سليمان بن جعفر (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان أ يقضيها متفرقة قال: لا بأس بتفريق قضاء شهر رمضان انما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار و كفارة الدم»

و غيره من النصوص التي سيمر عليك بعضها، نعم يستحب احتياطا للبراءة من احتمال اعتبارها كالمقضي الذي ينبغي ان يكون قضاؤه مثله، و ل

صحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا كان على الرجل شيء من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياما متتابعة، فان لم يستطع فليقضه كيف شاء، و ليحص الأيام، فإن فرق فحسن و ان تابع فحسن، قال: قلت: أ رأيت إن بقي عليه شيء من صوم شهر رمضان أ يقضيه في ذي الحجة قال: نعم»

و صحيح ابن سنان (3) عنه (عليه السلام) أيضا «من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر فان قضاه متتابعا فهو أفضل، و ان قضاه متفرقا فحسن».

و قيل و القائل بعض الأصحاب على ما أرسله في السرائر بل يستحب

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 8 و الأول عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).

(2) ذكر صدره في الوسائل في- الباب- 26- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 5 و ذيله في الباب 27 منها الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4 و الأول عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).

17

التفريق للفرق بين الأداء و القضاء، و في المدارك و غيرها انه مال إليه في المقنعة فإنه بعد أن حكم بالتخيير بين التتابع و التفريق قال: و قد

روي (1) عن الصادق (عليه السلام) «إذا كان عليه يومان فصل بينهما بيوم، و كذا إن كان عليه خمسة أيام و ما زاد، فان كان عليه عشرة أو أكثر تابع بين الثمانية ان شاء ثم فرق الباقي»

و الوجه في ذلك أنه ان تابع بين الصيام في القضاء لم يكن فرق بين الشهر في صومه و بين القضاء، فأوجبت النية الفصل بين الأيام ليقع التفريق بين الأمرين لكنه كما ترى ليس فيه استحباب التفريق مطلقا، كما أنا لم نجد ما ذكره من الوجه في شيء مما وصل إلينا من النصوص، و الاعتبار يقضي بأولوية المشابهة لأن من فاتته فريضة يقضيها كما فاتته.

و قيل و القائل بعض الأصحاب على ما أرسله في السرائر أيضا:

يتابع في ستة و يفرق في الباقي للرواية التي هي

موثق عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان كيف يقضيها؟ فقال ان كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، و ان كان عليه خمسة فليفطر بينها أياما، و ليس له ان يصوم أكثر من ستة أيام متوالية، و ان كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أفطر بينها يوما»

و رواه الشيخ في الزيادات بهذا السند (3) عنه أيضا «سألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان كيف يقضيها؟ قال: ان كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، و ان كان عليه خمسة أيام فليفطر بينها يومين و ان كان عليه شهر فليفطر بينهما أياما، و ليس له ان يصوم أكثر من ثمانية أيام يعني متوالية، و ان كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أفطر بينهما يوما»

إذ لم نجد غيره لكنه كما ترى لا دلالة فيه على استحباب المتابعة في الستة أو الثمانية، بل أقصاه

____________

(1) المقنعة ص 57.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 7.

18

الرخصة اللهم إلا ان يستدل عليها بإطلاق الأدلة السابقة و قوله هنا: «إذا كان عليه ثمانية أو عشرة»

الى آخره بناء على كون المراد التفرقة بين الستة أو الثمانية و ما زاد كما يقضي به قوله «بينهما» بصيغة التثنية على ما وجدته فيما حضرني من نسخة التهذيب و ان كان قد كتب عليها «بينها» فوق نسخته، و أيضا لا بد من حمل ذيله على ان ذلك فرد آخر للتفريق، و الا نافاه ما ذكره من الفصل بين الخمسة بأيام و يومين كما في الثاني، و احتمال التعبد في ذلك بعيد، فيكون المتجه حينئذ حمله علي بيان افراد التفريق، و ان الكامل منها فصل كل يومين بيوم، فالخمسة حينئذ تحتاج الى الفرق بأربعة، و دونه الفرق بينها بيومين، و دونه الفرق بين الثمانية و العشرة بيوم، و على هذا يصلح الموثق دليلا للقول السابق من استحباب التفريق بناء على كون المراد ذلك في جميع أيام القضاء على معنى فصل كل يومين منه بيوم، لا ان المراد منه الفرق في الجملة.

و على كل حال فالظاهر هو الذي أشار إليه المفيد بل و المرتضى في المحكي عن جمله، حيث قال: «القاضي مخير بين المتابعة و التفريق، و قد روي انه ان كان عليه عشرة أيام أو أكثر منها كان مخيرا في الثمانية الأول بين المتابعة و التفريق ثم يفرق ما بقي ليقع الفصل بين الأداء و القضاء» بل و ابن الجنيد حيث قال: و قد

روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «ليس له ان يصوم أكثر من ثمانية أيام ثم يقطعها»

و في محكي المبسوط و ما لا يراعى فيه التتابع أربعة مواضع الى ان قال: «و صوم قضاء شهر رمضان لمن أفطر لعذر، و ان كان التتابع فيه أفضل فإن أراد الفضل فليصم ستة أيام متعاقبات ثم يفرق الباقي» و نحوه عن النهاية إلا أن فيها «فان لم يتمكن من سرده» و في محكي الوسيلة «فإن صام ثمانية أو ستة متتواليات و فرق الآخر كان أفضل» و هو يشعر بأفضليته من التتابع مطلقا و التفريق مطلقا جميعا و في محكي السرائر و منهم من قال: «ان كان الذي فاته عشرة أيام و ثمانية فليتابع

19

بين ثمانية أو ستة، و يفرق الباقي».

و لا يخفى عليك ان نظر الجميع الى هذا الموثق إذ لم نجد غيره، نعم

خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد فرق بين اليومين و غيرهما قال: «سألته عمن كان عليه يومان من شهر رمضان كيف يقضيهما قال: يفصل بينهما بيوم، فان كان أكثر من ذلك فليقضها متوالية»

و لعله لذا قال في المختلف لا يقال قد اشتهر هذا النقل بين الأصحاب، فإن أكثر علمائنا نقلوا هذا الحديث مرسلا عن الصادق (عليه السلام) و لولا ثبوته عندهم لما نقلوه كذلك، لأنا نقول: الذي ذكروه انه روي كذا و لم يذكروا على سبيل القطع، قال مع أنها قابلة للتأويل بما قاله الشيخ من ان الأمر بالفصل ليس على الإيجاب بل على جهة التخيير، لئلا يتوهم وجوب التتابع في القضاء كما وجب في الأعداء، و اليه يرجع ما عن المنتهى من انه على جهة التخيير و الإباحة لا على سبيل الإيجاب و لا الندب ليحصل الإرشاد لكن فيه انه يدفع ذلك اشتماله على قوله «ليس له» الى آخره و من هنا قال بعض متأخري المتأخرين: «ان الصواب جعل السؤال في الخبر عن رجل معهود كان يضر به التوالي» و ان كان هو كما ترى أيضا الا انه أولى من طرحه، و ان أبيت إلا ذلك كان حقيقا به باعتبار معارضته لما عرفت، خصوصا مع اشتماله على ما يقتضي كراهة المتابعة، و لا أظن أحدا منا يقول بها بعد الغض عن اضطرابه في نفسه كما سمعت، على ان من ذكره من الأصحاب لا يأتي بتمام ما تضمنه.

و حينئذ فلا ريب في ان الأول أي القول باستحباب المتابعة مطلقا أشبه بل ربما يستفاد كراهة التفريق من المفهوم في خبر غياث بن إبراهيم (2) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) في قضاء شهر رمضان «ان كان لا يقدر

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 3.

20

على سرده فرقه»

بل و من

قوله (عليه السلام) فيه أيضا «لا يقضي شهر رمضان في عشرة من ذي الحجة»

بناء على كون ذلك للتحرز عن التفريق بالعيد و أيام التشريق، و لعله لذلك قال المصنف أنها أحوط إذ لم نجد قائلا بوجوبها سوى ما يلزم المحكي عن ابى الصلاح من القول بفورية القضاء، مع انه في غاية الضعف بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، بل في محكي الناصريات انه لو كان الأمر بالقضاء هنا على الفور لكان يجب متى أمكنه القضاء ان يتعين الصوم فيه حتى لا يجزي سواه، و لا خلاف في انه يؤخر القضاء، مضافا الى ما سمعته من النصوص و مما ورد في صحيح البختري (1) من تأخير نساء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) القضاء الى شعبان، نعم انما يحكى القول بوجوب المتابعة عن بعض العامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم.

و كما لا يجب المتابعة لا يجب الترتيب بلا خلاف أجده، للأصل و إطلاق الأدلة، و عدم وجوبه في الأداء، و انما كان فيه من ضرورة الوقت، و حينئذ فلو أخلى النية من التعيين أو عين الأخير أجزأ كما نص عليه بعضهم، نعم في المسالك و غيرها انه أفضل، لكون الأسبق أحق بالمبادرة، مع انه لا يخلو من اشكال كما في الدروس، و لعله لتساوي الأيام في التعلق بالذمة، و كون الترتيب في الأداء من ضرورة الوقت، فالأصل حينئذ لا معارض له، و السبق أعم من ذلك، لكن على كل حال ظاهر من تعرض لهذا الحكم انه يتعين بالتعيين لا أن نيته تقع لغوا باعتبار كون الأمر بالقضاء كالأمر بصوم عدد معين من الزمان لا جهة لتعيين أحدها، ضرورة وضوح الفرق بين ما نحن فيه و بين ذلك بوجود جهة التعيين هنا، و هو السبق و اللحوق بخلافه هناك، و تظهر الثمرة فيما لو ظهر صحة ذلك اليوم الذي نوى قضاءه، فان المتجه حينئذ عدم وقوعه عن غيره، لعدم نيته، و لو

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 4 عن حفص بن البختري.

21

كان الظهور في الأثناء ففي جواز العدول أو التجديد اشكال كالإشكال في جواز العدول بعد التعيين مع عدم الظهور، بل و فيما لو لم يعين في الابتداء ثم أراده بعد الفراغ من الصوم، و كذا لا ترتيب بين أفراد القضاء إذا كان رمضانين فصاعدا لعين ما عرفت، نعم لا يبعد وجوب خصوص الحاضر عند التضيق.

و لا ترتيب أيضا بين القضاء و غيره من أقسام الصوم الواجب كفارة أو غيرها للأصل السالم عن المعارض، خلافا للمحكي عن ابن أبي عقيل من عدم جواز الصوم عن النذر أو الكفارة لمن عليه قضاء عن شهر رمضان حتى يقضيه، و لم نقف على مأخذه.

نعم لا يجوز التطوع بشيء من الصيام لمن عليه صوم واجب قضاء كان أو غيره كما هو المشهور، ل

قول الصادق (عليه السلام) (1) في صحيح الحلبي و الكناني المروي في الوسائل عن الفقيه «لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام أو عليه شيء من الفرض»

المعتضد بإطلاق النهي عن التطوع لمن عليه شيء من الفرض، بل فيها عنه أيضا انه قال: قد وردت بذلك الاخبار و الآثار، كما أن المحكي عنه في المقنع انه كذلك وجدته في كل الأحاديث، و خروجنا عنه في الصلاة لقوة المعارض لا ينافي في حجيته هنا، خلافا لسيد المدارك و المحدث البحراني فخصا ذلك بمن عليه قضاء شهر رمضان دون غيره من الواجبات مستظهرا له أولهما من الكليني للأصل المقطوع بما عرفت، و العمومات المخصصة به، و اختصاصه في صحيح الكناني (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه من شهر رمضان أيام أ يتطوع؟ فقال: لا حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان»

و صحيح

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 6.

22

الحلبي (1) «سألته أيضا عن الرجل يكون عليه من شهر رمضان طائفة و يتطوع قال: لا حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان»

غير مناف للصحيح الأول، بل لعلهما حجة على الإطلاق أيضا بضميمة عدم القول بالفصل المحجوجين به، كما أن قياس الصلاة عليه اي قضاء شهر رمضان في المنع في صحيحي زرارة (2) المرويين في التهذيب و الحبل المتين المتقدمين في كتاب الصلاة في مسألة النافلة وقت الفريضة لا يقضي بكون المراد منه الكراهة هنا على حسب ما اخترناه هناك، لما تقدم سابقا، ضرورة وضوح الفرق بين المقامين و لذا فرق بينهما في الدروس و كشف الأستاد، بل ظاهر هذين الصحيحين المفروغية منه هنا و انه كان من الواضحات في ذلك الزمان، فما عن المرتضى (رحمه الله) و جماعة منهم العلامة في القواعد من القول بالجواز مطلقا تمسكا بالإطلاق الواجب تقييده بما هنا واضح الضعف، هذا، و في المدارك «الظاهر ان المنع من التطوع مع اشتغال الذمة بالصوم الواجب عند من قال به انما يتحقق حيث يمكن فعله، فلو كان بحيث لا يمكن كصوم شعبان ندبا لمن عليه كفارة كبيرة جاز صومه» و قد تبع بذلك الشهيد في الدروس حيث قال:

و يشترط فيه كله أي صوم النفل خلو الذمة عن صوم واجب يمكن فعله، فيجوز حيث لا يمكن كشعبان لمن عليه كفارة كبيرة و لم يبق سواه، و جوز المرتضى التنفل مطلقا و الرواية بخلافه، لكن فيه ان الأدلة مطلقة، و يمكن ان يكون المانع نفس اشتغال الذمة بالواجب و ان كان غير متمكن من أدائه لسفر و نحوه.

نعم ينساق منها الواجب عليه لنفسه دون غيره بإجارة أو نذر أو تبرع أو

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 50- من أبواب المواقيت الحديث- 3 عن التهذيب و في الوافي «باب كراهة التطوع في وقت الفريضة» عن الحبل المتين و في المستدرك الباب- 20- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 4 عن روض الجنان.

23

لكونه وليا أو غير ذلك مع احتماله، كما أن المنساق منه التطوع من حيث كونه تطوعا، فلو وجب عليه بنذر و نحوه جاز له أداؤه، لخروجه عن الوصف المزبور و اندراجه في الواجب من غير فرق بين أن ينذر التطوع على الإطلاق أو أياما مخصوصة يمكن وقوع الواجب قبلها، اما لو نذر أياما مخصوصة لا يمكن وقوعه قبلها ففي صحة نذره إشكال، أقواه الصحة لحصول الرجحان الذاتي الذي يكفي في تعلق النذر به المخرج له حينئذ عن التطوع، و لو نسي الواجب فتطوع و لم يعلم حتى فرغ صح و احتسب له و لو علم في الأثناء قطع، و يحتمل كون الخلو شرطا في الواقع، لأنه الأصل و لو كان مستفادا من النواهي كما حرر في محله.

[في هذا الباب مسائل]

و كيف كان ف في هذا الباب مسائل:

[المسألة الاولى من فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض]

الاولى من فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض فان مات في مرضه لم يقض عنه وجوبا بلا خلاف أجده فيه نصا (1) و فتوى، بل الإجماع بقسميه عليه و لكن استحب القضاء عنه عند الأصحاب على ما في المنتهى، لكن قد ينافيه

خبر أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها قال: هل برئت من مرضها قلت لا، ماتت فيه، قال:

لا يقضى عنها، فان الله لم يجعله عليها، قلت فإني أشتهي أن أقضي عنها و قد أوصتني بذلك قال فكيف تقضي شيئا لم يجعله الله عليها، فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم»

اللهم إلا أن يكون المراد نفي تأدية القضاء عنها، لعدم ثبوته عليها على حسب النصوص (3) النافية للقضاء عن المريض الذي مات في مرضه، لا الصوم عنها على جهة النيابة بحيث يكون لها، و كأنه واقع منها و هو الذي قد أشار إليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان.

24

ب

قوله (عليه السلام) «فان اشتهيت»

الى آخره إذ الظاهر كون المراد الصوم لنفسك عنها أي لا لوصيتها الباطلة لا ان المراد الصوم لنفسك ثم إهداء الثواب إليها و بذلك يظهر لك انه مستند الأصحاب في الاستحباب المزبور، ضرورة عدم إرادتهم استحباب تأدية القضاء عنها لتصريحهم بنفيه عنها، فكيف يتصور تأدية له فضلا عن استحبابه، بل المراد ما ذكرناه و لا بأس بإطلاق اسم القضاء عليها توسعا و ربما يؤيد ذلك استدلاله عليه في المنتهى بأنه طاعة فعلت عن الميت فوصل اليه ثوابها.

و المناقشة في مشروعيته يدفعها إطلاق ما دل (1) على جواز فعل جميع العبادات عن الأموات، و تنزيل ذلك على إهداء الثواب لا داعي له، فما في المدارك- من انه أي دليل المنتهى ضعيف، إذ ليس الكلام في جواز التطوع بالصوم و إهداء ثوابه الى الميت، بل في قضاء النائب عنه، و الحكم بشرعيته يتوقف على الدليل، لأن الوظائف الشرعية انما تستفاد من النقل، و لم يرد التعبد بذلك، بل مقتضى الأخبار المتقدمة عدم مشروعية القضاء- واضح الضعف خصوصا مع ملاحظة ما يحكى من تعاقد بعض السلف من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) على أن يؤدي الحي منهم عن الميت الصوم و الصلاة، فإن من الواضح عدم كون ذلك من إهداء الثواب بناء على عدم مشروعية التنفل باليومية و الصوم بعنوان ما فات من شهر رمضان، فليس حينئذ إلا لمشروعية النيابة على حسب ما ذكرنا، و الحائض و النفساء في شهر رمضان مع موتهما كالمريض في سقوط وجوب القضاء للنصوص (2) المستفيضة في ذلك و في ثبوت الاستحباب بناء على أن مدركه ما ذكرنا.

و كيف كان ف ان استمر به المرض الى رمضان آخر سقط قضاؤه على

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب قضاء الصلوات.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان.

25

الأظهر الأشهر، بل المشهور و كفر عن كل يوم من السالف بمد من الطعام كما استفاضت بذلك النصوص (1) أو تواترت، و قد رواه محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) و زرارة (3) عن عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبو بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا و الفضل بن شاذان (5) عن الرضا (عليه السلام) و علي بن جعفر (6) عن أخيه موسى (عليه السلام) و عبد الله بن جعفر (7) عن أخيه (عليه السلام) أيضا، بل و أبو الصباح الكناني (8) و عبد الله بن سنان (9) على ما ستعرف، و فيها المكرر، فلا بأس بدعوى تواترها، و الخروج بها عن ظاهر قوله تعالى (10) «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً» الى آخره، على أن التحقيق جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد فلا محيص عن العمل بها خصوصا بعد اشتهار الفتوى بها بين الطائفة، و عدم المعارض المعتد به لها، خصوصا بالنسبة إلى الفدية كما اعترف به المصنف في المعتبر، فما عن ابني أبي عقيل و بابويه و الشيخ في الخلاف و ابني زهرة و إدريس و أبي الصلاح و الفاضل في التحرير من تعين القضاء دون الكفارة واضح الضعف، لابتنائه بالنسبة إلى ثبوت القضاء على عدم حجية الخبر الواحد أو عدم تخصيص الكتاب به، و هما معا باطلان كما حرر في محله، مضافا الى إمكان دعوى التواتر هنا أو القطع و لو بالقرائن، و دعوى الشيخ في الخلاف الإجماع منزلة على غير ذلك، بل ظاهرها

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 8.

(6) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 9.

(7) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 10 عن علي بن جعفر.

(8) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 3.

(9) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4.

(10) سورة البقرة- الآية 180.

26

المسألة الآتية كما لا يخفى على من لاحظه، و الى ما عساه يقال من ظهور ما دل على القضاء بالمرض من الكتاب و السنة في غير الفرض فلا يكون ظاهر الكتاب حينئذ معارضا و ان كان فيه ما فيه، و اما ضعيف

أبي الصباح الكناني (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه شهر رمضان قابل قال: عليه أن يصوم و أن يطعم عن كل يوم مسكينا، فان كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه الا الصيام ان صح، فان تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكل يوم مسكينا»

فغير صالح للمعارضة من وجوه، مع احتماله صيام الشهر رمضان الحاضر لا قضاءه أو قضاءه لكن مع عدم استمرار المرض كما ستسمعه من الكاشاني في القسم الأخير، و لذا أدرجه سيد المدارك في نصوص المشهور.

و على كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور كالمحكي عن ابن الجنيد من الاحتياط بجمعهما معا بناء على ارادته الواجب منه، جمعا بين الأدلة التي لا تخصص بخبر الواحد، و ما دل على وجوب الفدية، و لحصول اليقين بالفراغ بذلك، و فيه ما لا يخفى، فلا ريب في ضعفه و ان نسبه في الدروس إلى الرواية و لعلها

خبر سماعة (2) «سألته عن رجل أدركه رمضان و عليه رمضان قبل ذلك لم يصمه فقال: يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي عليه بمد من طعام، و ليصم هذا الذي أدرك، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فاني كنت مريضا فمر على ثلاث رمضانات لم أصح فيهن، ثم أدركت رمضان فتصدقت بدل كل يوم مما مضى بمد من طعام، ثم عافاني الله و صمتهن»

لكنها- مع ضعفها و إضمارها و احتمالها عدم الصحة فيهن لا بينهن، و لا ينافي العصمة عدم القضاء، لجواز أن

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 5.

27

يكون تجدد له من العذر ما منعه من القضاء، سواء خلت أيام من العذر رأسا أم لا، لسعة الوقت المجوزة للتأخير عن أول زمان العذر، و انه (عليه السلام) مرض في رمضان ففدي عن كل يوم بمد ثم عوفي قبل الرمضان الثاني فصامه، و كذا الثالث و يكون السؤال عن رجل عوفي فيما بين الرمضانين و لم يصم ما فاته من الأول- قاصر عن معارضة ما تقدم من وجوه، فلا بأس بحمله على الندب، كما يشهد له

صحيح عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثم أدركه رمضان آخر و هو مريض فليتصدق بمد لكل يوم، و أما انا فإني صمت و تصدقت»

بناء على ان المراد منه الاستمرار، و من العذر فيه المرض بقرينة قوله «و هو مريض» الى آخره أو على تساوي المرض مع غيره من الاعذار مع الاتصال، و الله أعلم.

هذا كله فيما إذا استمر المرض الى رمضان آخر و أما ان برئ بينهما و أخره عازما على القضاء مع التمكن منه فاتفق حصول العذر عند الضيق قضاه و لا كفارة و ان كان تركه تهاونا بأن لم يكن عازما على الفعل و لا على الترك في تمام الزمان على فرض قصوره، أو كان عازما على العدم فيه سواء عرض له عذر بعد ذلك منعه من القضاء أو لا أو على العدم عند الضيق خاصة بعد العزم على الفعل قبله، أو على العدم في السعة لكن عرض له بعد ذلك ما منعه عن القضاء، و بالجملة أدركه الرمضان الثاني أو عذر آخر مستمر اليه و هو غير عازم على القضاء قضاه و كفر عن كل يوم من السالف بمد من الطعام بلا خلاف أجده في الأخير بأقسامه السابقة إلا من الحلي في السرائر فاقتصر على القضاء طرحا للنصوص على أصله من عدم العمل بأخبار الآحاد، فيبقى حينئذ أصل

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث- 4.

28

البراءة سالما عن المعارض، ثم قال: و الإجماع غير منعقد على وجوب هذه الكفارة لأن أكثر أصحابنا لا يذهبون إليها و لا يوردونها في كتبهم مثل الفقيه و سلار و السيد المرتضى و غيرهما و لا يذهب إلى الكفارة في هذه المسألة يعني مسألة التواني الا شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان في الجزء الثاني من مقنعته، و لم يذكرها في كتاب الصيام فيها و لا في غيرها من كتبه و شيخنا أبو جعفر و من تابعهما و قلد كتبهما و يتعلق باخبار الآحاد التي ليست عند أهل البيت (عليهم السلام) حجة على ما شرحناه و قد يؤيده أيضا

مرسل سعد بن سعد (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) «سألته عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثم يصح بعد ذلك فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو أكثر ما عليه في ذلك؟ قال: أحب له تعجيل الصيام، فان كان أخره فليس عليه شيء»

و هو كما ترى مبني على أصل فاسد، لكن بالغ في الإنكار عليه في المعتبر فقال انه ارتكب ما لم يذهب إليه أحد من فقهاء الإمامية فيما علمت، ثم ذكر رواة الفدية زرارة و محمد بن مسلم و أبو الصباح الكناني و أبو بصير و عبد الله ابن سنان، و قال: هؤلاء فضلاء السلف من الإمامية، و ليس لروايتهم معارض الا ما يحتمل رده الى ما ذكرناه، فالراد لذلك متكلف لما لا ضرورة اليه، و نحو منه عن المنتهى، و في المختلف ان البراءة انما يصار إليها مع عدم دليل الثبوت و شغل الذمة، و قد بينا الأدلة، و عدم ذكر احد من أصحابنا غير الشيخين لهذه المسألة ليس حجة على العدم مع ان الشيخين هما القيمان بالمذهب، و كيف يدعى ذلك و ابنا بابويه (رحمهما الله) سبقا الشيخين بذكر وجوب الصدقة مطلقا، و لم يفصلا بين التواني و غيره، و كذا ابن أبي عقيل، و هو أسبق من الشيخين، و هؤلاء عمدة المذهب، و الحديث الذي رواه سعد بن سعد مرسل ضعيف السند.

قلت و مع ذلك كله يمكن دعوى تواتر النصوص فيه أو القطع به منها و لو

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث- 7.

29

بالقرائن كالاعتضاد و نحوه، فلا إشكال حينئذ في ذلك، بل ظاهر المحكي عن الصدوقين و محتمل ابني سعيد و المفيد و ابن زهرة وجوبهما على كل تارك له مع القدرة عليه، سواء عزم على القضاء أو عدمه أم لا، و اختاره الشهيدان و غيرهما كسيِّد المدارك و غيره، بل حكاه فيها عن المصنف في المعتبر على الجزم لإطلاق

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (1) «فإن كان صح فيما بينهما و لم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا و تصدق عن الأول»

و الصادق (عليه السلام) في صحيح أبي الصباح (2) بل و خبر سماعة (3) المتقدمين سابقا و قول الرضا (عليه السلام) في صحيح الفضل (4) المروي عن العلل و العيون: «إذا أفاق بينهما أو أقام- أي المسافر- و لم يقضه وجب عليه القضاء و الفداء الى أن قال في ذيله فإن أفاق فيما بينهما و لم يصمه وجب عليه الفداء لتضييعه و الصوم لاستطاعته»

و غيرها من النصوص الظاهرة في ان الحكم هنا على قسمين خاصة، أحدهما الفداء لا غير، و الآخر مع القضاء.

لكن قد يشكل ذلك بما في صحيح ابن مسلم أو حسنه (5) عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) «سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر فقال: ان كان بريء ثم توانى قبل ان يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه و تصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين و عليه قضاؤه، و ان كان لم يزل مريضا»

، و في خبر أبي بصير (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «و ان صح فيما بين الرمضانين فإنما عليه أن يقضي الصيام، فإن

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث- 6.

30

تهاون به و قد صح فعليه الصدقة و الصيام جميعا لكل يوم مد إذا فرغ من ذلك الرمضان»

و في خبره الآخر (1) المروي عن تفسير العياشي «فإن صح فيما بين الرمضانين فتوانى أن يقضيه حتى حال الرمضان الآخر فان عليه الصوم و يتصدق من أجل انه ضيع ذلك الصيام»

مضافا الى إطلاق نفي الفدية في مرسل سعد السابق و انه مع التهاون مفرط في واجب و تارك للعزم الذي يجب بدل الفعل ما دام موسعا فناسب عقوبة إيجاب الصدقة الذي هو تطهير للذنب، بخلاف عدمه، و لعله لذا و لأصالة براءة الذمة اقتصر المصنف و غيره- بل قيل انه المشهور خصوصا بين المتأخرين كما في المسالك- على القضاء خاصة في غير المتهاون بالمعنى المزبور، إذ لا معارض لهذه النصوص الا تلك المطلقات المقيدة بما هنا من التفصيل المستفاد من تعليق الحكم على التهاون في حسن ابن مسلم و غيره المشعر بالعلية.

لكن قد يدفع ذلك بمنع كون التهاون و التواني ذلك، بل ليس المراد منهما الا عدم القضاء مع التمكن منه تكاسلا و اعتمادا على السعة، و هو أعم منه بالمعنى المزبور، بل ظاهر المقابلة له باستمرار المرض في حسن ابن مسلم و غيره يقتضي إرادة مجرد ترك القضاء منه، فكأنه قال: ان كان بريء ثم ترك القضاء، و في فوائد الشرائع ان اللائح من الاخبار ان غير المتهاون هو الذي يعرض له ما يمنع الصوم و هو ظاهر كلامه في التذكرة، قلت: لكن قد تكلف الكاشاني و أطنب في دعوى اشتمال خبري أبي الصباح و أبي بصير على تثليث الاقسام كما بقوله المشهور بجعل المذكور في الصدر في الأول القسم الأول، و هو ما تجب به القضاء و الفدية، و قوله «فان كان مريضا» الى آخره القسم الثاني، و هو ما يجب فيه القضاء خاصة على معنى حدوث المرض فيه بعد ان تمكن من القضاء كما أشار إليه بقوله «ان صح» و قوله «فان تتابع» الى آخره القسم الثالث، و هو الذي تجب به الفدية خاصة، و عكسه

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث- 11.

31

خبر أبي بصير فان القسم الأول فيه ما تجب به الفدية، و القسم الثاني القضاء خاصة بأن يكون المراد من قوله فيه: فإنما عليه ان يقضي الصيام بعد أداء الرمضان الحاضر أي ليس على من فاته شيء من شهر رمضان لمرض قد صح بعد و تركه الى ان جاء شهر الرمضان الآخر غير متهاون الا القضاء؛ فان كان قد تهاون كان عليه الفدية معه أيضا، و هو القسم الثالث فيه، الا انه كما ترى، اللهم الا ان يكون بملاحظة الشهرة المزبورة و منه يظهر لك قوة القول بكون الأقسام ثلاثة، و لا ينافي ذلك الإطلاقات المزبورة المحمولة على هذا التفصيل، على انه قد يدعى كون الظاهر منها السؤال عمن تعمد ترك القضاء حتى جاء شهر رمضان آخر، فلا تشمل العازم على المبادرة في ثاني أوقات الإمكان ثم عرض له المانع المستمر الى الرمضان الآخر، بل ينبغي القطع بعدم صدق التهاون على ذلك، بل و لا التواني، بل قد يقال بعدم صدق التهاون عرفا بالتأخير في مثل المقام الذي قد حدد فيه الوجوب و ان كان لا على جهة التوقيت و لو الى آخر أزمنة الإمكان كالصلاة بالنسبة إلى وقتها إلا على إرادة التهاون بالواجب من حيث وجوبه أي تعمد تركه في وقته الذي قد خوطب به مع تمكنه منه متهاونا به و عدم مبالاته فيه، و لعل هذا هو المقصود أولا و بالذات من هذه النصوص و ان كان قد يلحق به غيره مما سمعته في صور المشهور، كمن كان عازما على العدم ففاجأه العذر و ان عزم بعد ذلك على القضاء و إذا ارتفع فلم يتيسر له حتى أدركه رمضان آخر الا انه لا يخلو من اشكال، و أشكل منه الخالي عن العزم إذا كان كذلك، و لكن الاحتياط لا ينبغي تركه.

ثم ان الظاهر عدم الفرق هنا بين الفوات بالمرض و بين غيره من الاعذار كالسفر و الحيض، بل و لا بين العذر و بين غيره كالعامد، ضرورة ظهور الأدلة في ترتب القضاء أو الفدية أو القضاء خاصة على التهاون و عدمه أو على التمكن من القضاء و عدمه، من غير فرق بين أسباب الإفطار في شهر رمضان، لإطلاق أدلة

32

القضاء، و لتعليل الفدية بالتضييع في خبر أبي بصير (1) و صحيح الفضل (2) و إطلاق وجوبها مع القضاء في خبر سماعة (3) بل و غيره، و اشتمال أكثر النصوص على الفوات بالمرض يراد منه المثال بالنسبة الى ما نحن فيه قطعا، نعم قد يفرق بين المرض و السفر في المسئلة السابقة التي قلنا بوجوب الفدية فيها دون القضاء وفاقا للفاضل في المختلف و ثاني الشهيدين و سبطه و غيرهم باعتبار إطلاق أدلة القضاء الذي يجب الاقتصار في تقييده على المتيقن، و هو ما إذا كان الفوات بالمرض المستمر، و القياس عليه هنا منحصر في المحرم، إذ لا أولوية و لا مساواة بالنسبة الى ذلك، اللهم إلا ان يقال بالجمع استنادا في القضاء للعمومات و في الفدية إلى أولوية السفر من المرض الذي هو أعظم الأعذار، لكن لا أظن قائلا به، مع احتمال منع الأولوية هنا، و ان ذكرها في المختلف فيما لو كان الفوات بغير المرض و أخر القضاء توانيا، للفرق الواضح باعتبار فرض ثبوت القضاء معه دونه، فلعل التكليف بالقضاء الذي هو أشق منها كاف في مرجوحيته بالنسبة إلى المرض، كما اني لا أظن قائلا بكونه كالمرض في الاقتصار عليها، و ان كان هو ظاهر صحيح الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام)، الا انه مع اتحاده و عدم ظهور العمل به قاصر عن معارضة الآية و الرواية، لكن في الدروس هل يلحق غير المريض به كالمسافر؟

توقف فيه المحقق في المعتبر، و تظهر الفائدة في وجوب الفدية على القادر و سقوط القضاء عن العاجز، و كلام الحسن و الشيخ يؤذن بطرد الحكم في ذوي الاعذار و ربما قيل بطرد الحكم في وجوب الكفارة بالتأخير لا في سقوط القضاء بدوام المعذر، و لا يخفى عليك ان الأخير هو الأصح، و المحكي عن الحسن مساواة الطرد

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 5.

33

في ذوي الأعذار في غير صورة الاستمرار، على ان مذهبه كالشيخ في الخلاف الذي حكي عنه فيه الطرد المزبور وجوب القضاء لا غير في استمرار المرض، و لا خلاف حينئذ، و لعل ما وقع من المصنف في المعتبر و الفاضل في التحرير و المنتهى من النظر و الاشكال فيما حكياه عن الشيخ من إلحاق غير المرض به مبني على الطرد من حيث كونه طردا بحيث يأتي على جميع الأقوال التي منها الاقتصار على الفدية و سقوط القضاء مع الاستمرار، و لا ريب في إشكاله حينئذ، بل الأقوى عدمه إذ الظاهر اختصاص ذلك بالفوات بالمرض المستمر الى الرمضان الآخر دون غيره مع التلفيق و عدمه، و صحيح ابن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) «من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثم أدركه رمضان آخر و هو مريض فليتصدق بمد لكل يوم»

- مع احتماله كون العذر المرض، كما لعله يشعر به قوله (عليه السلام): «و هو مريض»- قاصر عن تخصيص ما دل على القضاء من الآية و الرواية، خصوصا بعد عدم ظهور العامل به، كصحيح الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) الذي أشرنا إليه سابقا المحتمل اختصاصه أيضا بالمرض كما لا يخفى على من لاحظه، سيما و قد عرفت أن الشيخ (رحمه الله) يقول بالقضاء في استمرار المرض فضلا عن غيره فلا وجه لحكاية الخلاف عنه هنا، و منه يعلم حينئذ مهجورية الخبرين، فلا بأس بطرحهما أو حملهما على ما يقتضي الاختصاص بالمرض.

و مقدار الفدية مد عن كل يوم على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة بل لا خلاف فيه فيما وصل إلينا من النصوص (2) سوى ما عن بعض النسخ في خبر سماعة (3) من المدين، و كأنه اشتباه من قلم النساخ في لفظ «من» كما يشهد له الرسم في «طعام» فما عن النهاية و الاقتصاد و ابني حمزة و البراج- من أنها

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 5.

34

مدان، فان لم يتمكن فمد، بل قد يحتمله ما عن الجمل و المبسوط انها مدان، و أقله مد، و الترتيب في الفضل- لم نجد ما يشهد له فضلا عن أن يصلح معارضا لما هنا، و القياس على كفارة جزاء الصيد أو على كفارة ذي العطاش و الشيخ الكبير ليس من مذهبنا، على انك ستعرف انها مد أيضا في الأخيرين و ان ورد في صحيح ابن مسلم (1) انها مدان الا انه لمعارضته بما هو أقوى منه كما ستعرف يجب حمله على الندب.

و لا تتكرر الفدية بتكرر السنين من غير فرق بين فدية الاستمرار و فدية التهاون، لصدق الامتثال بالمرة كما صرح به هنا غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا الا من الفاضل في المحكي من تذكرته، فقال تتكرر قياسا على السنة الأولى التي أوجبت المد عن كل يوم، و هو كما ترى، نعم لا فرق في حكم الاستمرار بين الرمضان الواحد و الأكثر، لإطلاق الأدلة، و خصوص خبر سماعة (2) و خبر أبي بصير (3) المروي عن تفسير العياشي، فما عساه يظهر من المحكي عن الصدوقين من وجوب الفدية للاول و القضاء للثاني الذي قد استمر الى الثالث واضح الضعف بل لم أجد له دليلا، و خبر علي بن جعفر (4) المروي عن قرب الاسناد عن أخيه موسى (عليه السلام) «سألته عن رجل يتابع عليه رمضانان لم يصم فيهما ثم صح بعد ذلك كيف يصنع؟ قال يصوم الأخير و يتصدق عن الأول بصدقة كل يوم مد من طعام لكل مسكين»

يراد منه الذي قد صح بعد الثاني، بل ربما يحتمل ذلك كلام الصدوقين كما اعترف به في المختلف، بل عن ابن إدريس الجزم به، و حينئذ فلا خلاف، و الأمر سهل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 11.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 9.

35

ثم ان الفدية في مستمر العذر على المختار عزيمة لا رخصة، فلا يجزي القضاء حينئذ عنها، لظاهر التعيين في الأدلة السابقة، لكن عن تحرير الفاضل الاجزاء، و لا ريب في ضعفه، كما هو واضح.

[المسألة الثانية يجب على الولي ان يقضي ما فات عن الميت]

المسألة الثانية يجب على الولي ان يقضي ما فات عن الميت من صيام واجب رمضان كان أو غيره سواء فات بمرض أو غيره بلا خلاف أجده فيه في أصل الحكم سوى ما عن ابن أبي عقيل من ان المشروع الصدقة عنه عن كل يوم بمد دون القضاء، بل نسب القول به الى الشذوذ، كما انه نسب الصدقة إلى التواتر، و هو من الغرائب، ضرورة كون العكس مظنة التواتر أو القطع و لو بمعونة شهرته بين الإمامية، بل كان من ضروريات مذهبهم وصول جميع ما يفعل عن الميت من صوم أو صلاة اليه، و من ذلك يعلم ما في استدلال المختلف له بقوله تعالى (1):

«لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ» و جوابه عنه بأنا نقول بمقتضاها و انه لا ثواب للميت بصوم الحي و ان كان ما فات منه سببا لوجوب الصوم على الولي و سمي قضاء لذلك، و إلا فالثواب للحي خاصة، و نحوه عن الانتصار و الغنية و متشابه القرآن لابن شهرآشوب، حتى انه قال في الأول: فإن قيل فما معنى قولهم صام عنه إذا كان لا يلحقه و هو ميت ثواب و لا حكم لأجل هذا العمل قلنا معنى ذلك انه صام و سبب صومه تفريط الميت، و لانه حصلت به علقمة قيل عنه من حيث كان التفريط المتقدم سببا في لزوم هذا الصوم، ثم احتج له أيضا بما

روي (2) عنه (عليه السلام) «إذا مات المؤمن انقطع عمله الا من ثلاث»

و لم يذكر فيه الصوم عنه، و أجاب بنحو

____________

(1) سورة النجم- الآية 40.

(2) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الوقوف و الصدقات مع الاختلاف في اللفظ.

36

ما سمعت، و تبعه في الغنية، و هو غريب ضرورة تواتر النصوص (1) في وصول ثواب ما يفعله الحي عن الميت، بل هو من ضروريات مذهب الشيعة، و بذلك تخصص الآية و الرواية إن لم نقل انها منسوخة الحكم، و انها مخصوصة بالأمم السالفة كما روي عن ابن عباس، لقوله تعالى (2) «أَلْحَقْنٰا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» فرفع درجة الذرية بأعمالهم، بل ربما قيل ان ولده و حميمه و صديقه و كل من تبرع عنه من سعيه أيضا، و أن الصلاة و الصوم من ولده استغفار له، فيندرج في أحد الثلاثة.

و اما

صحيح أبي مريم الأنصاري (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثم لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه قضاء، و ان صح ثم مرض حتى يموت و كان له مال تصدق عنه، فان لم يكن له مال تصدق عنه وليه»

فهو قاصر عن معارضة غيره من النصوص التي يمكن دعوى تواترها، و سيمر عليك بعضها، على أن الصدوق و الكليني المعلوم كونهما أضبط من غيرهما قد رويا

هذه الرواية «و ان صح ثم مات و كان له مال تصدق عنه مكان كل يوم بمد، فان لم يكن له مال صام عنه وليه».

ثم ان إطلاق النص و الفتوى و ترك الاستفصال في الأول منهما يقتضي عدم الفرق بين أسباب الفوات و بين العمد و غيره، لكن في الذكرى عن المصنف (رحمه الله) انه قال في مسائله البغدادية المنسوبة إلى جمال الدين بن حاتم المشعري:

«الذي ظهر لي أن الولد يلزمه قضاء ما فات من الميت من صيام و صلاة لعذر

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الاحتضار من كتاب الطهارة و الباب- 12- من أبواب قضاء الصلوات.

(2) سورة الطور- الآية- 21.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث- 8.

37

كالمرض و السفر و الحيض لا ما تركه عمدا مع قدرته عليه» ثم قال الشهيد و قد كان شيخنا عميد الدين ينصر هذا القول، و لا بأس به، فان الروايات تحمل على الغالب من الترك، و هو انما يكون على هذا الوجه، و هو اعتبار حسن، قلت:

لا يخفى عليك ما فيه.

و كيف كان ف لا يقضي الولي إلا ما تمكن الميت من قضائه و أهمله إلا ما يفوت بالسفر، فإنه يقضي و لو مات مسافرا على رواية بلا خلاف أجده فيما عدا السفر، فلو مات المريض حينئذ قبل التمكن من القضاء سقط عن الولي اتفاقا كما قيل، بل عن المنتهى نسبته الى العلماء، و قد

سأل أبو حمزة (1) أبا جعفر (عليه السلام) «عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: اما الطمث و المرض فلا، و اما السفر فنعم»

و نحوه موثق محمد بن مسلم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و في خبر منصور بن حازم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل سافر في شهر رمضان فيموت قال: يقضى عنه، و ان امرأة حاضت في شهر رمضان فماتت لم يقض عنها، و المريض في شهر رمضان لم يصح حتى مات لا يقضى عنه»

و لأنه لم يجب على الميت حتى يقضيه عنه وليه كما أومأ إليه الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (4) المتقدم في المسألة السابقة في الامرأة التي مرضت في شهر رمضان و ماتت و قد أوصت بالقضاء عنها، و في مرسل ابن بكير (5) تعليل قضاء الولي بأنه قد صح- أي المريض- فلم يقض ما وجب عليه، و لذلك كان خيرة الشيخ في الخلاف و النهاية و الفاضلين في النافع و التحرير و المنتهى و المختلف و ظاهر السرائر

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 16.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 15.

(4) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 12.

(5) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 13.

38

و التبصرة على ما حكي عن بعضهم عدم القضاء عن المسافر إذا لم يتمكن من القضاء و لو بالإقامة في أثناء السفر، فتحمل النصوص المزبورة على الندب، لكن عن التهذيب و جامع ابن سعيد و ظاهر الصدوق في المقنع الوجوب، للنصوص (1) المزبورة التي فيها الصحيح و غيره الواجب تحكيمها على غيرها، مضافا الى إطلاق

خبر أبي بصير (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه قال: يقضيه أفضل أهل بيته»

و ربما كان الفرق بينه و بين المريض حيث لا يكون السفر ضروريا بأن السفر من فعله، و كان يمكنه الإقامة و الأداء الذي هو أبلغ من التمكن من القضاء، بخلاف المرض مثلا الذي هو مما غلب الله عليه فيه، و دعوى حمل نصوص السفر على ما إذا كان معصية و لو لأنه في شهر رمضان بناء على كونه فيه كذلك يدفعها أنها خلاف الظاهر بلا قرينة، كدعوى المناقشة في سندها و منع صحته بحيث يصلح لإثبات الحكم، إذ هي كما ترى، نعم قد يقال انها بعد اعراض المشهور عنها قاصرة عن تقييد الإطلاق المزبور، خصوصا بعد ما أومى إليه في خبر أبي بصير (3) من العجب و أنه كيف القضاء عما لم يجعله الله، إلا أنه و مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه.

ثم ان ظاهر المعظم نصا و فتوى عدم الفرق في وجوب القضاء على الولي بين من ترك ما يمكن التصدق به عما عليه من الصيام و غيره، بل في السرائر أما الصدقة فلا تجب، لأن الميت ما وجبت عليه كفارة بل صوم لا بدل له، و الولي هو المكلف بقضائه لا يجزيه غيره، و الإجماع منعقد من أصحابنا على ذلك، و لم

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4 و 11 و 15 و 16.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 11.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 12.

39

يذهب الى ما قاله السيد غيره، خلافا للمرتضى فاشترطه لصحيح أبي مريم السابق (1) على ما رواه الصدوق و الكليني اللذان هما أضبط من غير هما، و مال اليه بعض متأخري المتأخرين، بل في المعتبر ليس ما قاله أي ابن إدريس صوابا مع وجود الرواية الصريحة المشتهرة و فتوى الفضلاء من الأصحاب، و دعوى علم الهدى إجماع الإمامية على ما ذكره، فلا أقل من ان يكون ذلك قولا ظاهرا بينهم فدعوى المتأخر أن محققا لم يذهب اليه تهجم.

قلت لكن لا يخفى عليك قصور الرواية باعتبار اتحادها و ظهور اعراض المعظم عنها و موافقتها للمشهور عن العامة عن تقييد إطلاق غيرها الذي هو كالصريح في هذا الفرد باعتبار غلبة تركه مقدار ذلك من أكثر الناس، فهي حينئذ معارضة لا مقيدة، على أنه ينافيها خبر أبي مريم (2) المروي في التهذيب، و لا مدخلية لضبط الكليني و الصدوق هنا إذ الظاهر انهما خبران له، و مقتضى الجمع بينهما حينئذ التخيير كما تضمنه

صحيح محمد بن إسماعيل بن بزيع (3) عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) «قلت له: رجل مات و عليه صوم يصام عنه أو يتصدق قال: يتصدق عنه، فإنه أفضل»

لكن لا يقول به أحد عدا ما عساه يظهر من الشيخ، و قد أعرض الجميع عنه، و لئن سلم الاتحاد فهو مضطرب يشكل العمل به في نحو المقام، و إجماع المرتضى مع موهونيته بمصير المعظم الى خلافه انما ادعاه على الصيام عنه ان لم يتصدق في مقابلة من أنكر الصيام عنه أصلا، لا على ما نحن فيه فلا ريب حينئذ في أن الأقوى ما عليه المشهور، و الله أعلم.

و كيف كان فالمشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا أن الولي هو

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 7.

(3) الوافي الجزء السابع ص 51- الباب- 55- الحديث- 9 عن الفقيه.

40

أكبر أولاده الذكور لا غير أي من لا ذكر أكبر منه من ولده و إن لم يكن هو الا واحدا و حينئذ ف لو كان الأكبر أنثى لم يجب عليها القضاء لأن المنساق من الولي هنا الولد الذكر، خصوصا مع ملاحظة الشهرة و قوله تعالى (1):

«فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي» و لذا فسره الشيخ به، بل في المختلف منع صدق الولي على غيره، و مكاتبة الصفار (2) إلى الأخير (عليه السلام) «رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام و له وليان هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا، خمسة أيام أحد الوليين و خمسة أيام الآخر فوقع (عليه السلام) يقضي عنه أكبر ولديه عشرة أيام ولاء ان شاء»

بناء على ما عن الحر العاملي من ان روايته كذلك، و ان كان الموجود فيما عندنا من الأصول «وليه» لا «ولديه».

و على كل حال فمنه يستفاد اعتبار كونه الأكبر، بل لعله المراد من خبر أبي بصير المتقدم آنفا باعتبار كونه هو أفضل أهل البيت بسبب اختصاصه بالحباء بل ظاهر الأصحاب في كتاب الميراث تعليل الحباء بأن عليه القضاء، بل ربما فرعوا عليه حرمان فاسد العقل و نحوه ممن لم يكن صالحا للقضاء من الحبوة، و قد اعترف في الذكرى بأن الأكثر قد قرنوا بين الحبوة و بين قضاء الصلاة، بل قد يقال انه المراد أيضا من

خبر حفص بن البختري (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام قال: يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس بميراثه امرأة فقال: لا إلا الرجال»

و نحوه مرسل حماد بن عثمان (4) عنه (عليه السلام) أيضا بناء على انه هو الأولى من جميع الناس بالميراث باعتبار اختصاصه بالحبوة و لا ينافيه قوله «فإن» الى آخره ضرورة كون المراد انه إذا اتفق اختصاص المرأة

____________

(1) سورة مريم (عليها السلام) الآية- 5.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 6.

41

بالإرث، و حينئذ يكون المراد من اولى الناس فردا معينا لا انه مطلق يدور الحكم مداره في جميع الطبقات، و لئن كان في ذلك نوع تكلف أمكن جبره بالشهرة فإنها صالحة لذلك و نحوه باعتبار حصول الظن بكون ذلك هو المراد دون غيره و إنكار الشهرة، المعتد بها يدفعه التتبع، بل لم أجد من عمل بهذه النصوص على طبقات الإرث، فإن الذي نسب اليه الخلاف هنا المفيد و ابن الجنيد و الصدوقان و ابن البراج، و قد قال الأول منهم: «فان لم يكن له ولد من الرجال قضى عنه أكبر أوليائه من اهله و أولاهم به و ان لم يكن إلا من النساء» و قال الثاني: «و أولى الناس بالقضاء عن الميت أكبر أولاده الذكور أو أقرب أوليائه اليه ان لم يكن له ولد» و هما كما ترى قد اعتبرا نفي الولد في قضاء غيره، و هو غير مدلول الرواية و قال الصدوق في الرسالة:

«من مات و عليه صوم رمضان فعلى وليه ان يقضي عنه، و ان كان للميت وليان فعلى أكبرهما من الرجال، فان لم يكن له ولي من الرجال قضى عنه وليه من النساء» و نحوه ولده في المقنع، و ليس في كلامه تصريح في المراد من الولي، و قال ابن البراج: «على ولده الأكبر من الذكور ان يقضي عنه ما فاته من ذلك و من الصلاة أيضا، فان لم يكن له ذكر فالأولى من النساء» و هو كالأولين في اعتبار نفي الولد، نعم قد اتفقوا على ثبوت الولاية للنساء، و هم محجوجون بصريح الخبرين السابقين و ظاهر غيرهما، و احتمال كون المراد منهما نفيها عنهن مع وجود الرجال كما ترى، فمن الغريب بعد ذلك ما في الدروس من حيث انه حكى عن المفيد ما سمعت ثم قال: «و هو ظاهر القدماء و الاخبار و المختار، و لذا قال في المدارك بعد أن حكاه عنه: «و هو غير جيد، فإن صحيحة حفص و مرسلة حماد صريحتان في اختصاص الوجوب بالرجال، نعم مقتضاهما عدم اختصاص الوجوب بالولد الأكبر بل تعلقه بالأولى بالميراث من الذكور مطلقا و بمضمونهما أفتى ابن الجنيد و ابنا بابويه و جماعة، و لا بأس به» و فيه بعد الغض عما أرسله من جماعة ان كلام هؤلاء

42

الثلاثة صريح في الخلاف ذلك لتصريح الأخيرين بثبوت الولاية للنساء، و اعتبار الأول فقد الولد الأكبر، و مما ذكرنا يظهر لك ان ما في الروضة لا يخلو من خلل فإنه أشار الى ذلك بقوله: و قيل يجب على الولي مطلقا من مراتب الإرث حتى الزوجين و المعتق و ضامن الجريرة، و يقدم الأكبر من ذكورهم فالأكبر ثم الإناث و اختاره في الدروس، و لا ريب انه أحوط إذ لا يخفى عليك عدم تمام انطباقه على ما سمعته من عباراتهم و لئن اغضي عن ذلك كله كان المتجه ما عليه المشهور أيضا، لأن الأصل البراءة، و الواجب الاقتصار في الخروج عنه على المتيقن، و ليس إلا أكبر الأولاد.

و على كل حال فلا يعتبر بلوغ الولي عند الموت، بل و لا عقله، لإطلاق الأدلة التي ليس في شيء منها ظهور في كون تعلق القضاء بذمة الولي من حين الموت و لا اشعار بكماله حينه، بل هي ظاهرة في كونها من باب الأسباب نحو من أجنب اغتسل، و من أتلف مال غيره فهو ضامن له، و ما شابههما مما لا ينافيه رفع القلم عن الصبي و المجنون، و من ذلك يعلم ما في التمسك لعدم الوجوب باستصحابه، فما في الروضة و المسالك من التردد بل في كشف الأستاد و عن حاشية الإرشاد و الذكرى و الإيضاح الجزم بعدم الوجوب لا يخلو من نظر، كما انه لا يخلو منه ما فيها أيضا من انه لو اختص أحد أولاده بالبلوغ و الآخر بكبر السن فالأقرب تقديم البالغ، لكونه الأولى بالميت، إذ هو كما ترى مناف لإطلاق النص و الفتوى و مقتضاه ذلك أيضا في العاقل و المجنون و نحوهما.

و لو اشتبه الأكبر احتمل السقوط و القرعة و التوزيع، و ان كان الأقوى الأول لأصالة البراءة بالنسبة الى كل منهم، كواجدي المني في الثوب المشترك.

و لا يعتبر في الولي الإرث فعلا للإطلاق، فلو حجب بقتل أو كفر أو رق تعلق به القضاء و ان توقف بعضهم في الأخير لمنع صدق كونه وليا و معارضة حق السيد، بل ربما ينقدح الإشكال في سابقه أيضا، لعدم الولاية

43

له، الا انه لا يخفى عليك دفعهما خصوصا بعد زوال المانع.

و لو كان له وليان أو أولياء متساوون في السن تساووا في القضاء بالتقسيط عليهم و ان قال المصنف هنا فيه تردد لكن الأقوى ذلك وفاقا للأكثر، لعموم الولي و الأولى للواحد و المتعدد، و خبر الأكبر انما يقضي بالتعيين عليه مع وجوده، لا انه يقضي باشتراط وجوده في القضاء، إذ لا ريب في وجوب القضاء عليه مع الاتحاد الذي لا يصدق معه وصف الأكبرية الا على معنى أن لا أكبر منه، و هو هنا متحقق فما عن ابن إدريس من إسقاط القضاء من رأس للأصل المقتصر في الخروج عنه على المتيقن و هو الولد الأكبر واضح الضعف كالمحكي عن ابن البراج من تخيير أيهما شاء قضى، فان اختلفا فالقرعة، و مرجعه عند التأمل إلى الوجوب الكفائي، لصدق الولي على كل منهما، و الظاهر انه يجوز التوزيع مع التراضي، و ربما احتمل العدم، و على كل حال ففيه انه لا وجه للقرعة حينئذ أولا، ضرورة كونه كباقي الواجبات الكفائية المعلوم عدم القرعة فيها لعدم الإشكال حينئذ في شيء، لتحقق الوجوب على الجميع و ان سقط بفعل البعض، و مع عدمه يعاقب الجميع، فلا إشكال حينئذ، و ثانيا ما قيل من منع صدق اسم الولي على كل منهما، بل هو مجموعهما و إن كان هو ترى، و ثالثا أن المنساق من أمثال ذلك مما هو قابل للتوزيع الاشتراك، نعم هو متجه فيما لا يقبله كاليوم الواحد على ما صرح به الفاضل و الشهيدان و غيرهم، فلهما حينئذ أن يوقعاه معا، و لا ينافي ذلك اتحاده في ذمة الميت، ضرورة عدم توقف البراءة منه على التعيين، و لو أفطرا فيه بعد الزوال و كان قضاء شهر رمضان احتمل وجوب الكفارة عليهما، لصدق القضاء عن رمضان على صوم كل منهما و ان اتحد الأصل و وجوب كفارة واحدة عليهما بالسوية، لكون القضاء في الواقع أحدهما، و حيث لا ترجيح كانت بالسوية، و وجوبها و كونها على الكفاية أيضا كأصل الصوم

44

و سقوطها عنهما، و استقربه في الدروس و استوجهه في المسالك و لم يستبعده في المدارك لانتفاء ما يدل على وجوب الكفارة في القضاء على وجه يتناول ذلك، و فيه أنه يكفي الإطلاق بعد فرض تناول القضاء للنفس و للغير، و إلا جاز الإفطار في المقام و غيره بلا اثم فضلا عن الكفارة، و في الدروس أيضا «و لو أفطر أحدهما فلا شيء عليه إذا ظن بقاء الآخر، و الا أثم لا غير» و في المدارك «أن مقتضى ذلك جواز الإفطار بعد الزوال مع ظن بقاء الآخر» و يمكن المناقشة فيه بأن صوم كل منهما يصدق عليه انه صوم واجب من قضاء رمضان، فلا يجوز الإفطار فيه بعد الزوال، اللهم إلا ان يناقش في العموم المتناول لذلك كما في الكفارة.

و كيف كان ف لو تبرع ب جميع القضاء بعض الأولياء سقط عن الباقي كالأجنبي، لأنه كالدين كما يومي اليه

المرسل (1) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ان رجلا جاء اليه فقال يا رسول الله ان أمي ماتت و عليها صوم شهر فأقضيه عنها، فقال: لو كان على أمك دين كنت تقضيه عنها قال نعم قال: فدين الله أحق أن يقضي»

و خبر أبي بصير (2) المتقدم سابقا المشتمل على وصية الامرأة بالقضاء، و قول الصادق (عليه السلام) (3) «إذا مات الرجل و عليه صوم شهر رمضان فليقض عنه من شاء من أهله»

و غيرها من النصوص المتفرقة في الحج و غيره، و المناقشة في ذلك كله من بعض الناس لا يصغى إليها، و منه ينقدح جواز استيجار أحد الوليين الآخر على ما يخصه كما صرح به في الدروس، بل و استيجار هما الأجنبي لاتحاد المدرك، و هو انه عمل جاز التبرع به، فجاز الاستيجار

____________

(1) صحيح مسلم ج 3 ص 156 «باب قضاء الصيام عن الميت» من كتاب الصيام.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1.

45

عليه كالعكس، و ان فرق بينهما في الدروس فاستقرب الجواز في الأول و احتمله في الثاني، لكنه في غير محله ضرورة تحقق التلازم بينهما كما هو مفروغ منه في محله، و لا ينافي ذلك وجوبه على الولي، ضرورة ارتفاع موضوع الوجوب بأداء الأجير كما هو واضح، و منه يعلم ضعف ما في المدارك من ان الوجوب تعلق بالولي و سقوطه بفعل غيره يحتاج الى دليل، و من ثم ذهب ابن إدريس و العلامة في المنتهى الى عدم الاجتزاء بفعل المتبرع و ان وقع باذن من تعلق به الوجوب، لأصالة عدم سقوط الفرض عن (على خ ل) المكلف بفعل غيره، و قوته ظاهرة، قلت: بل ضعفه ظاهر كما لا يخفى على من أحاط بنصوصهم (عليهم السلام) و فهم رموزها و ما ألحنوه له من القول، فإنه لا يستريب في جواز التبرع، و متى جاز جاز الاستيجار و متى جازا معا و وقع الأداء برئت ذمة الولي، لفراغ ذمة الميت حينئذ التي شغلها كان سببا للوجوب عليه على وجه التأدية عنه كالدين، إذ قد عرفت ان التحقيق وقوع ذلك عن الميت و إبراء له من خطاب القضاء، لا انه يقع للولي نفسه كما زعمه بعضهم، و الله هو العالم.

و هل يقضى عن المرأة ما فاتها من الصوم على حسب حال الرجل؟

فيه تردد و خلاف أقواه ذلك وفاقا لظاهر المعظم، بل نسب إلى الأصحاب لقاعدة الاشتراك، و صحيح أبي حمزة (1) و موثق محمد بن مسلم (2) و خبر أبي بصير (3) المتقدمة سابقا في المسافرة و المريضة، بل ظاهر الأخير عدم الفرق في أسباب الفوات، لكن قد يناقش بأن قاعدة الاشتراك في التكاليف على معنى ان الأصل اشتراكهما في التكليف لا في نحو المقام، و بأن غاية ما يستفاد من النصوص السابقة مشروعية القضاء عنها، و هو أعم من الوجوب و من كونه على

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 16.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 11.

46

الولي على حسب الرجل، و بأن ثبوت القضاء في مقابل الحبوة المنفية هنا، فأصالة البراءة حينئذ بحالها بلا معارض، و لعله لذا بالغ ابن إدريس في إنكاره، و قال انه ليس مذهبا لأحد من الأصحاب، و الشيخ إنما أورده إيرادا لا اعتقادا، و الإجماع إنما انعقد على قضاء الولد عن والده، و ربما مال اليه الشهيد الثاني في الروضة و يدفع الأول بأن الثابت أصالة الاشتراك في جميع الاحكام من غير فرق بين الوضع و التكليف، و الثاني بأن ظاهر خبر أبي بصير الوجوب، و بأنه يثبت متى ثبتت المشروعية، لعدم القائل بالفصل، كما انه متى ثبتت أو ثبت الوجوب ثبت بالنسبة إلى الولي، ضرورة معلومية عدم الوجوب على جميع الناس، فليس حينئذ إلا الولي و لو بقرينة ثبوته في الرجل، بل قد يقال انه في تلك النصوص من باب المثال على حسب غير المقام، فيكون تلك الأدلة دليلا للمسألة، و من هنا شدد الفاضل في المختلف الإنكار على ابن إدريس، بل قال: إنكاره كونه مذهبا لأحد من أصحابنا جهل منه، و أي أحد أعظم من الشيخ، خصوصا مع اعتضاد قوله بالروايات و الأدلة العقلية، مع ان جماعة قالوا بذلك كابن البراج، و نسبة قول الشيخ إلى أنه إيراد لا اعتقاد غلط منه، و ما يدريه بذلك، مع انه لم يقتصر على قوله بذلك في النهاية بل في المبسوط أيضا.

و لا فرق أيضا بين الحر و العبد في الحكم المزبور، لإطلاق النص و الفتوى السالم عن معارضة اقتضاء نفي الحبوة نفيه، لعدم ثبوت العلة الصالحة لذلك و المراد بأولى الناس بميراثه الاستحقاق ذاتا لولا المانع، فتوقف الفاضل فيه في القواعد بل عن فخر الإسلام الجزم بالعدم في غير محله.

و لو كان الولد خنثى مشكلا فلا قضاء، للأصل بعد الشك في الرجولية التي هي شرط الوجوب، بل لو كان معه ذكر أصغر منه أمكن نفيه عنهما معا أما الخنثى فلما عرفت، و اما الآخر فلعدم ثبوت كونه الأكبر، لاحتمال كون الخنثى ذكرا

47

و الفرض أنها الأكبر، فالأصل براءة الذمة، و يحتمل ثبوته، لصدق الولدية التي هي المرادة من الولاية، و اعتبار الأكبرية انما هو مع التعدد، و لم يعلم و لعله الأقوى.

و ولد الولد ولد، فيتعلق به القضاء مع كونه أكبر أو ليس غيره، إلا انه لا يخلو من اشكال، بل لعل الأقوى خلافه، للأصل بعد انسياق غيره، سيما في بعض الصور، كما لو كان للميت أولاد و له أولاد أكبر من أولاده، فإن تعلق القضاء بهم حينئذ مع عدم الإرث لهم و فراغ ذمة الأولاد الذين هم أولى بالميراث كما ترى، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[المسألة الثالثة إذا لم يكن له ولي]

المسألة الثالثة إذا لم يكن له ولي أصلا لا ذكر و لا أنثى أو كان له إناث خاصة ف الأكبر منهن أنثى حينئذ أو ليس له حينئذ إلا أنثى و اكبريتها على معنى ان لا أكبر منها، و على كل حال متى كان كذلك سقط القضاء عن ورثته و عن غيرهم بناء على المختار من انحصار الولي في الولد الذكر الذي ليس معه ذكرا أكبر منه، للأصل السالم عن المعارض نعم قيل و القائل الشيخ و ابن حمزة و الفاضل و جماعة بل في صريح المختلف و ظاهر الروضة انه المشهور يتصدق عنه عن كل يوم بمد مطلقا أو مع العجز عن المدين على حسب ما سمعته في صدقة ما بين الرمضانين، و قد نص ما عدا الأولين على انه من أصل تركته الا انه توقف فيه غير واحد من متأخري المتأخرين، بل لعله ظاهر المتن أيضا لعدم الدليل، قلت: قد يستدل له- بعد معلومية قيام هذه الصدقة مقام الصوم من فحوى خبر الوشاء (1) الآتي، بل استفاضت به النصوص (2) في بدلية صيام

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الصوم المندوب.

48

الثلاثة من كل شهر، و في بعضها (1) انه أفضل من صوم اليوم، بل في آخر (2) أفضلية إطعام المسلم من صوم الشهر- بخبر أبي مريم (3) المتقدم سابقا المعتضد بمرسل ابن أبي عقيل (4) الذي قد ادعى تواتر مضمونه، و لا ينافيه الخروج عن الإطلاق مع وجود الولي للأدلة السابقة، كما انه لا ينافيه ما في خبر أبي مريم بعد ذلك من انه «ان لم يكن له مال تصدق عنه الولي أو صام»

إذ أقصاه اقتضاء كون الحكم كذلك على تقدير وجود الولي أيضا، و الخروج عنه فيه بخصوصه لحصول المعارض لا ينافي حجيته في القسم الآخر، على انه يمكن ارادة غير الأكبر من الولي فيه و انه يصوم ندبا عنه مع عدم المال له، و دعوى ظهور القائل هنا بتعيين الصدقة و انه لا يشرع القضاء عنه واضحة الفساد، خصوصا مع ملاحظة صحيح ابن بزيع (5) المتقدم الظاهر في أجزائهما معا عنه، و انما الصدقة أفضل، و من هنا قال في الروضة بعد أن ذكر الحكم المزبور: «هذا إذا لم يوص الميت بقضائه و الا سقطت الصدقة حيث يقضى عنه» و هو صريح في عدم تعين الصدقة و على كل حال فما عن أبي الصباح (الصلاح خ ل) من أنه يستأجر عنه من ماله من يقضي عنه، لأنه صوم وجب عليه و لم يفعله فوجب قضاؤه عنه بالأجرة كالحج فيه

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الصوم المندوب الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 8.

(4) الظاهر أن المراد مما أرسله ابن أبي عقيل هو خبر أبي مريم الأنصاري حيث انه حكم بتواتره كما ذكره المحدث الكاشاني (قدس سره) في تعليقته على الحديث في الوافي الجزء السابع ص 51 الباب- 55- الحديث 7.

(5) الوافي «الجزء السابع» ص- 51- الباب- 55- الحديث- 9 عن الفقيه.

49

ما لا يخفى من منافاته للخبر المزبور و غيره ان أراد التعيين على وجه لا تجزي الصدقة، بل في المختلف منع الملازمة و المساواة للحج، فان الحج لا يجب على الولي و الصوم هنا يجب عليه، قلت: و لان الصوم له فداء بخلاف الحج، و لا بأس به ان أراد جواز ذلك للوارث لما عرفت، و كذا ما عن ابن إدريس من إنكار الصدقة بل قال انه لم يقل به احد من أصحابنا المحققين، و على كل حال تخرج الصدقة و الأجرة من أصل ماله، لظاهر الخبر المزبور و مؤيدا بكونه باعتبار انه حق واجب كالدين، بل قد سمعت ما في المرسل (1) السابق من انه لكونه حق الله أعظم من غيره، و الله أعلم.

و لو كان عليه شهران متتابعان صام الولي شهرا و تصدق من مال الميت عن شهر وفاقا للمشهور كما في الروضة، بل في الدروس انه ظاهر المذهب ل

خبر الوشاء (2) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) المروي في الكافي و التهذيب «سمعته يقول:

إذا مات الرجل و عليه صيام شهرين متتابعين من غير علة فعليه أن يتصدق عن الشهر الأول و يقضي الثاني»

المنجبر ضعفه بسهل مع سهولته بالشهرة، فلا بأس حينئذ بتقييد إطلاق النصوص السابقة به الذي هو ليس بتلك المكانة في التناول لما هنا، فإن أكثر النصوص السابقة أو جميعها في قضاء شهر رمضان، نعم فيها من التعليل ما يفضي بعدم اختصاصه بذلك، و المناقشة بعدم ذكر الولي فيه يدفعها ظهور لفظ «عليه» بالوجوب، و ليس هو إلا على الولي، فاحتمال ارادة الميت توسعا باعتبار الثبوت في الذمة فيتصدق عنه حينئذ عن الأول و يستأجر على

____________

(1) صحيح مسلم ج 3 ص 156 «باب قضاء الصيام عن الميت» 3 من كتاب الصيام.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1 و فيه «من علية».

50

قضاء الثاني لا داعي اليه و لا قرينة عليه، كاحتمال ارادة الرمضانين المتتابعين بقرينة قوله: «من غير علة» فتخرج حينئذ عن الدلالة على المشهور، إذ هو كما ترى، فما عن ظاهر المفيد و صريح الحلي و الفاضل و الشهيد و غيرهم من متأخري المتأخرين- من طرح الخبر المزبور، و العمل على إطلاق ما دل على وجوب الصوم على الولي فيقضي الشهرين حينئذ إلا أن يكونا من كفارة مخيرة، فيتخير بين صومهما و بين العتق و الإطعام من مال الميت كما نص عليه ابن إدريس- لا يخلو من ضعف نعم قد يتجه على المختار تعيين الصدقة على الأول و القضاء للثاني كما نص عليه في الدروس لانه مدلول الخبر، فإطلاق المصنف و غيره تسامح أو مبني على عدم وجوب هذه النية، و ليس في الخبر دلالة على تقديم الصدقة، فلا يبعد كون المراد الصدقة عن أحدهما و القضاء عن الآخر، فتأمل و لا يتعدى منه الى غير مدلوله من الزائد على الشهرين أو الأقل، لعدم تنقيح العلة على وجه يخرج عن القياس المحرم، فيبقى حينئذ على إطلاق الأدلة، نعم يقوى في الذهن أن ذلك رخصة لا عزيمة، فيجزيه حينئذ صيام الشهرين كما يجزي لو تبرع بهما متبرع، و تسقط حينئذ الصدقة، ضرورة كونها بدلا عن الصوم الذي قد فرض حصوله، و من ذلك تعرف أنه لو أوصى الميت بقضاء الشهرين عنه سقط عن الولي مع فرض الأداء كما هو واضح، و قد نص عليه بعضهم.

ثم ان الظاهر اختصاص الحكم بالشهرين المعتبر فيهما التتابع لا ما اتفق فيهما كذلك، كما لو فاته رمضانان على التعاقب، بل ان لم يقم إجماع أمكن اختصاص الحكم بما إذا كان التتابع معتبرا فيه بأصل الشرع كالكفارة، فلا يدخل المنذوران كذلك، بل قد يدعى أن المنساق الإشارة إلى الكفارة من ذكر التتابع، إلا ان من تعرض هنا من الأصحاب لذلك لم يفرق بين الكفارة و المنذور، و حينئذ يقوى إرادة الإطلاق المزبور المتناول لذلك، كما أن الأقوى عدم الفرق بين من